← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

قال أبو أنس: يتعلق بهذا المبحث في هذه المناسبة قضايا تتصل بمعرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة؟ وهل كل من ترجم له في الكتب المصنفة في الصحابة قد ثبتت صحبتهم بحيث يكون جميع ما ورد عنهم من الأخبار التي تروى عنهم موصولة؟ وحتى لا أقطع على القارىء تصدي المعلمي للدفاع عن عدالة من ثبتت صحبته وكشفه لشبهات أهل الأهواء في ذلك أرجىء تلك القضايا لآخر هذا المبحث، والله تعالى الموفق. الموضع الثاني: وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٦٦ - ٢٧٧): "الآيات القرآنية في الثناء على الصحابة والشهادة لهم بالإيمان والتقوى وكل خير معروفة، ومن آخرها نزولا قول الله : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٧، ١١٨] ساعة العسرة: غزوة تبوك. وكلمة "المهاجرين" هنا تشمل السابقين واللاحقين ومن كان معهم من غير الأنصار، ولا نعلمه تخلف ممن كان بالمدينة من هؤلاء أحد إلا عاجز أو مأمور بالتخلف مع شدة حرصه على الخروج، وفي "الصحيح" قول النبي ﷺ لما رجع من تبوك: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ... حبسهم العذر". وفي "الفتح": أن المهلب استشهد لهذا الحديث بقول الله تعالى ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ﴾ [النساء: ٩٥] وهو استشهاد متين. والمأمور بالتخلف أولى بالفضل.

стр. 1437

وفي هذا وآيات أخرى ثناء يعم المهاجرين ومن لحق بهم لا نعلم ثَمَّ ما يخصصه. فأما الأنصار فقد عمت الآية من خرج منهم إلى تبوك والثلاثة الذين خلفوا والعاجزين، ولم يبق إلا نفر كانوا منافقين. وفي "الصحيح" في حديث كعب بن مالك وهو أحد الثلاثة الذين خُلفوا: "فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله ﷺ فطفت فيهم أحزنني أني لا أرى إلا رجلا مغموصًا عليه النفاق، أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء". وفي هذا بيان أن المنافقين قد كانوا معروفين في الجملة قبل تبوك، ثم تأكد ذلك بتخلفهم لغير عذر وعدم توبتهم، ثم نزلت سورة براعة فقشقشتهم، وبهذا يتضح أنهم قد كانوا مشارًا إليهم بأعيانهم قبل وفاة النبي ﷺ . فأما قول الله : ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ فالمراد -والله أعلم- بالعلم ظاهره أي اليقين، وذلك لا ينفي كونهم مغموصين أي متهمين، غاية الأمر أنه يحتمل أن يكون في المتهمين من لم يكن منافقا في نفس الأمر، وقد قال تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ ونص في سورة براءة وغيرها على جماعة منهم بأوصافهم، وعيَّن النبي ﷺ جماعة منهم، فمن المحتمل أنَّ الله بعد أن قال: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ أعلمه بهم كلهم. وعلى كل حال فلم يمت النبي ﷺ إلا وقد عَرف أصحابُه المنافقين يقينا أو ظنا أو تُهمة، ولم يبق أحد من المنافقين غير متهم بالنفاق. ومما يدل على ذلك، وعلى قلتهم وذلتهم وانقماعهم ونفرة الناس عنهم، أنه لم يُحس لهم عند وفاة النبي ﷺ حراك. ولما كانوا بهذه المثابة لم يكن لأحد منهم مجال في أن يحدث عن النبي؛ لأنه يعلم أن ذلك يعرضه لزيادة التهمة ويجر إليه ما يكره. وقد سَمَّى أهلُ السير والتاريخ جماعة من المنافقين لا يُعرف عن أحد منهم أنه حدَّث عن النبي ﷺ ، وجميع الذين حدثوا كانوا معروفين بين الصحابة بأنهم من خيارهم.

стр. 1438

وأما الأعراب فإن الله ﵎ كشف أمرهم بموت رسول الله ﷺ ، فارتد المنافقون منهم، فتبين أنه لم يحصل لهم بالاجتماع بالنبي ﷺ ما يستقر لهم به اسم الصحبة الشرعية، فمن أسلم بعد ذلك منهم فحكمه حكم التابعين. وأما مُسلمة الفتح فإن الناس يغلطون فيهم يقولون: كيف يُعقل أن ينقلبوا كلهم مؤمنين بين عشية وضحاها، مع أنهم إنما أسلموا حين قُهروا وغُلبوا ورأوا أن بقاءهم على الشرك يضر بدنياهم؟ والصواب أن الإسلام لم يزل يعمل في النفوس منذ نشأته. ويدلك على قوة تأثيره أمور: الأول: ما قصه الله ﵎ من قولهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]. وقولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان: ٤٢]. الثاني: ما ورد من صدِّهم للناس أن يسمعوا القرآن حتى كان لا يَرِدُ مكةَ وارد إلا حذروه أن يستمع إلى النبي ﷺ ، ومن اشتراطهم على الذي أجار أبا بكر أن يمنعه من قراءة القرآن بحيث يسمعه الناس. الثالث: وهو أوضحها؛ إسلامُ جماعة من أبناء كبار رؤسائهم ومفارقتهم آباءهم قديما، فمنهم عمرو وخالد ابنا أبي أحيحة سعيد بن العاص، والوليد بن الوليد ابن المغيرة، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وعبد الله وأبو جندل ابنا سهيل بن عمرو وغيرهم. وآباء هؤلاء هم أكابر رؤساء قريش وأعزهم وأغناهم، فارقهم أبناؤهم وأسلموا. فتدبر هذا، فقد جرت عادة الكُتَّاب إذا ذكروا السابقين إلى الإسلام ذكروا الضعفاء فيتوهم القارىء أنهم أسلموا لضعفهم وسخطهم على الأقوياء وحبهم للانتقام منهم على الأقلِّ لأنه لم يكن لهم من الرياسة والعز والغنى ما يصدُّهم عن قبول الحق وتحمل المشاق في سبيله.

стр. 1439

والحقيقة أعظم من ذلك كما رأيتَ، إلا أن الرؤساء عاندوا واستكبروا، وتابعهم أكثر قومهم مع شدة تأثرهم بالإسلام فكان في الشبان من كان قوي العزيمة فأسلموا وضحّوا برياستهم وعزهم وغناهم، متقبلين ما يستقبلهم من مصاعب ومتاعب، وبقي الإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين، فلم يزل الإسلام يفشو فيهم حتى بعد هجرة المصطفى ﷺ . ثم لما كان صلح الحديبية وتمكن المسلمون بعده من الاختلاطِ بالمشركين ودعوة كل واحد قريبه وصديقه فشا الإسلام بسرعة وأسلم في هذه المدة من الرؤساء خالد ابن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة وغيرهم، والإسلام يعمل عمله في نفوس الباقين. ونستطيع أن نجزم أن الإسلام كان قد طرد الشرك وخرافاته من نفوس عقلاء قريش كلهم قبل فتح مكة، ولم يبق إلا العناد المحض يلفظ آخر أنفاسه، فلما فتحت مكة مات العناد ودخلوا في الإسلام الذي قد كان تربع في نفوسهم من قَبْل. نعم بقي أثر في صدور بعض الرؤساء فبسط لهم النبي ﷺ التأليف يوم فتح مكة وبعده وآثرهم بغنائم حنين، ولم يزل يتحراهم بحسن المعاملة حتى اقتلع البقية الباقية من أثر العناد. ثم كان من معارضة الأنصار بعد النبي ﷺ لقريش في الخلافة واستقرار الخلافة لقريش غير خاصة ببيت من بيوتها، وخضوع العرب لها ثم العجم، ما أكد حب الإسلام في صدر كل قرشي. وكيف لا وقد جمع لهم إلى كل شبر كانوا يعتزون به من بطحاء مكة آلاف الأميال، وجعلهم ملوك الدنيا والآخرة. ومما يوضح لك ذلك أن الذين عاندوا إلى يوم الفتح كانوا بعد ذلك من أجدِّ الناس في الجهاد، كسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه الحارث، ويزيد ابن أبي سفيان.

стр. 1440

فأما ما يذكره كثير من الكُتَّاب من العصبية بين بني هاشم وبني أمية فدونك الحقيقة: شمل الإسلام الفريقن ظاهرا وباطنا، وكما أسلم قديما جماعة من بني هاشم فكذلك من بني أمية كابني سعيد بن العاص وعثمان بن عفان وأبي حذيفة بن عتبة، وكما تأخر إسلام جماعة من بني أمية فكذلك من بني هاشم. وكما عاداه بعض بني أمية فكذلك بعض بني هاشم كأبي لهب بن عبد المطلب وأبي سفيان بن الحارث بن المطلب، ونزل القرآن بذم أبي لهب ولا نعلمه نزل في ذم أُموي معّين، وتزوج النبي ﷺ بنت أبي سفيان بن حرب الأموي ولم يتزوج هاشمية, وزوج إحدى بناته في بني هاشم وزوج ثلاثا في بني أمية. فلم يبق الإسلام في أحد الجانبين حتى يحتمل أن يستمر هدفا لكراهية الجانب الآخر، بل ألَّف الله بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانا وأصبح الإسلام يلفهم جميعا؛ يحبونه جميعا ويعظمونه جميعا، ويعتزون به جميعا، ويحاول كل منهم أن يكون حظه منه أوفر. ولم تكن بين فتح مكة وبين ولاية عثمان الخلافة نُفرة ما بين العشيرتين، فلما كانت الشورى وانحصر الأمر في علي وعثمان وجدت الأوهامُ منفذا إلى الخواطر، ثم لما صار في أواخر خلافة عثمان جماعة من عشيرته بني أمية أمراء وعمالا وصار بعض الناس يشكوهم أشيعت عن علي كلمات يندد بهم ويتوعدهم بأنه إذا صلي الخلافة عزلهم وأخذ أموالهم وفعل وفعل، ثم كانت الفتنة، وكان لبعض من يُعَدُّ من أصحاب علي إصبع فيها، حتى قُتل عثمان، وقام قتلته بالسعي لمبايعة علي، فبويع له، وبقي جماعة منهم في عسكره. فمن تدبر هذا وجد هذه الأسباب العارضة كافية لتعليل ما حدث بعد ذلك، إذنْ فلا وجه لإقحام ثارات بدر وأُحد التي أماتها الإسلام، وما حُكي مما يشعر بذلك لا صحةَ له البتة، إلا نزعة شاعر فاجر في زمن بني العباس يصح أن تُعَدَّ من آثار الإسراف في النزل لا من مؤثراته.

стр. 1441

وجرى من طلحة والزبير ما جرى، فأي ثأر لهما كان عند بني هاشم؟ وبهذا يتضح جليا أن لا مساغ البتة لأن يُعلل خلاف معاوية بطلبه بثأر من قتل من آله ببدر، ثم يتذرع بذلك إلى الطعن في إسلامه، ثم في إسلام نظرائه! فإن قيل: مهما يكن من حال الصحابة فإنهم لم يكونوا معصومن فغاية الأمر أن يُحملوا على العدالة ما لم يتبين خلافها، فلماذا يُعدِّل المحدثون من تبين ما يوجب جرحه منهم؟ فالجواب من أوجه: الوجه الأول: أنهم تدبروا ما نقل من ذلك فوجدوه ما بين غير ثابت نقلا أو حكما أو زلة تيب منها أو كان لصاحبها تأويل. الوجه الثاني: أن القرآن جعل الكذب على الله كفرا، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨] والكذب على النبي ﷺ في أمر الدين والغيب كذب على الله، ولهذا صرح بعض أهل العلم بأنه كفر، واقتصر بعضهم على أنه من أكبر الكبائر، وفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين من يخبر عن النبي ﷺ بلا واسطة كالصحابي إذا قال: قال النبي ﷺ ، وبين غيره, فمال إلى أن تعمد الأول للكذب كفر وتردد في الثاني. ووقوع الزلة أو الهفوة من الصحابي لا يسوغ احتمال وقوع الكفر منه، هَبْ أن بعضهم لم يكن يرى الكذب على النبي ﷺ كفرا، فإنه -على كل حال- يراه أغلظ جدا من الزلات والهفوات المنقولة. الوجه الثالث: أن أئمة الحديث اعتمدوا فيمن يمكن التشكك في عدالته من الصحابة اعتبار ما ثبت أنهم حدثوا به عن النبي ﷺ أو عن صحابي آخر عنه، وعرضوها على الكتاب والسنة وعلى رواية غيرهم مع ملاحظة أحوالهم وأهوائهم، فلم يجدوا من ذلك ما يوجب التهمة، بل وجدوا عامة ما رووه قد رواه غيرهم من

стр. 1442

الصحابة ممن لا تتجه إليه تهمة، أو جاء في الشريعة ما في معناه أو ما يشهد له، وراجع (ص ٦٤) (١). وهذا الوليد بن عقبة بن أبي معيط (٢) يقول المشنِّعون: ليس من المهاجرين ولا الأنصار، إنما هو من الطلقاء. ويقولون: إن النبي ﷺ لما أمر بقتل أبيه عقب بدر قال: يا محمد فمن لِلصبْيَة؟ يعني بَنيه، فقال النبي ﷺ : لهم النار.

стр. 1443

ويقولون: إنه هو الذي أنزل الله تعالى فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فنص القرآن أنه فاسق يجب التبين في خبره (١).

стр. 1444

. . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1445

ويقولون: إنه في زمن عثمان كان أميرا على الكوفة، فشهدوا عليه أنه شرب الخمر، وكلَّم عليٌّ عثمانَ في ذلك فأمره أن يجلده فأمر عليٌّ عبد الله بن جعفر فجلده. ومنهم من يزيد، أنه صلى بهم الصبح سكران فصلى أربعا ثم التفت فقال: أزيدكم؟ (١).

стр. 1446

. . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1447

وكان الوليد أخا عثمان لأمه فلما قتل عثمان صار الوليد ينشىء الأشعار يتهم عليًّا بالممالأة على قتل عثمان، ويحرض معاوية على قتال علي. هذا الرجل أشد ما يُشنِّعُ به المعترضون على إطلاق القول بعدالة الصحابة، فإذا نظرنا إلى روايته عن النبي ﷺ لنرى كم حديثًا روى في فضل أخيه ووليّ نعمته عثمان؟ وكم حديثا روى في ذم الساعي في جلده الممالىء على قتل أخيه في ظنه، عليّ؟ وكم حديثا روى في فضل نفسه ليدافع ما لحقه من الشهرة بشرب الخمر؟ هَالَنَا أننا لا نجد له رواية البتة، اللهم إلا أنه رُوي عنه حديث في غير ذلك لا يصح عنه، وهو ما رواه أحمد (١) وأبو داود (٢) من طريق رجل يقال له: أبو موسى عبد الله الهمداني عن الوليد بن عقبة قال: "لما فتح النبي ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيمسح على رءوسهم ويدعو لهم، فجيء بي إليه وأنا مطيب بالخلوق فلم يمسح رأسي، ولم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني بالخلوق، فلم يمسني من أجل الخلوق".

стр. 1448

هذا جميع ما وجدناه عن الوليد عن النبي ﷺ (١). وأنت إذا تفقدت السند وجدته غير صحيح لجهالة الهمداني (٢)، وإذا تأملت المتن لم تجده منكرا (٣) ولا فيه ما يمكن أن يتهم فيه الوليد (٤)، بل الأمر بالعكس فإنه لم يذكر أن النبي ﷺ دعا له، وذكر أنه لم يمسح رأسه، ولذلك قال بعضهم: قد علم الله تعالى حاله فحَرَمَهُ بركة يد النبي ﷺ ودعائه (٥). أفلا ترى معي في هذا دلالة واضحة على أنه كان بين القوم وبين الكذب على النبي ﷺ حجر محجور؟

стр. 1449

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ردِّه على الأخنائي (ص ١٦٣): "فلا يُعرف من الصحابة من كان يتعمد الكذب على رسول الله ﷺ ، وإن كان فيهم من له ذنوب لكن هذا الباب مما عصمهم الله فيه". قد ينفر بعض الناس من لفظ "العصمة" وإنما المقصود أن الله وفاءً بما تكفل به من حفظ دينه وشريعته هيأ من الأسباب ما حفظهم به وبتوفيقه سبحانه من أن يتعمد أحد منهم الكذب على رسول الله ﷺ . فإن قيل: فلماذا لم يحفظهم الله تعالى من الخطأ؟ قلت: الخطأ إذا وقع من أحد منهم فإن الله تعالى يهيىء ما يُوقَفُ به عليه, وتبقى الثقة به قائمة في سائر الأحاديث التي حدث بها مما لم يظهر فيه خطأ، فأما تعمد الكذب فإنه إن وقع في حديث واحد لزم منه إهدار الأحاديث التي عند ذاك الرجل كلها، وقد تكون عنده أحاديث ليست عند غيره. راجع (ص ٢٠ - ٢١) (١). وقال أبو رية (ص ٤٢): "الكذب على النبي ﷺ قبل وفاته ... " ثم ذكر ما رُوي عن ابن بريدة عن أبيه بريدة بن الحصيب قال: "كان حي من بني ليث على ميلين من المدينة، فجاءهم رجل وعليه حُلة, فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم بما أرى - وكان قد خطب منهم امرأة [في الجاهلية] فلم يزوجوه, فانطلق [حتى نزل] على تلك المرأة, فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ . فقال: كذب عدو الله. ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا [ولا أراك تجده] فاضرب عنقه، وإن وجدته ميتا فحرقه بالنار". أقول: عزاه إلى أحكام ابن حزم (٢)، ومنه أضفت الكلمات المحجوزة, وانظر لماذا أسقطها أبو رية؟! وراويه عن ابن بريدة: صالح بن حيان، وهو ضعيف، له

стр. 1450

أحاديث منكرة، وفي السند غيره، وقد رُويت القصة من وجهين آخرين بقريب من هذا المعنى، وفي كل منهما ضعف، راجع "مجمع الزوائد" (١/ ١٤٥) (١).

стр. 1451

وعلى فرض صحته فهذا الرجل كان خطب تلك المرأة في الشرك فردوه، فلما أسلم أهلها سوَّلت له نفسه أن يظهر الإسلام ويأتيهم بتلك الكذبة لعله يتمكن من الخلوة بها ثم يفرّ، إذْ لا يعقل أن يريد البقاء وهو يعلم أنه ليس بينه وبين النبي ﷺ سوى ميلين، فأنكر أهلها أن يقع مثل ذلك عن أمر رسول الله ﷺ ، فرأوا أن ينُزلوا الرجل محترسين منه، ويرسلوا إلى النبي ﷺ يخبرونه. وقوله ﷺ : "ولا أراك تجده" ظن منه أن عقوبة الله ستعاجل الرجل، وكذلك كان كما في الطرق الأخرى، وجده الرسول قد مات، وفي رواية: "خرج ليبول فلدغته حية فهلك". وحدوث مثل هذا لا يصلح للتشكيك في صدق بعض من صحب النبي ﷺ غير متهم بالنفاق ثم استمر على الإسلام بعد وفاة النبي ﷺ ، يراجع (ص ١٩٣) فما بعدها (١). وتعجيل العقوبة القدرية لذلك الرجل يمنع غيره من أن تحدثه نفسه بكذب على النبي ﷺ في حياته، وكذا من باب أولى بعد وفاته؛ فإن العقوبة القدرية لم تمهل ذاك مع أنه كان بصدد أن تناله العقوبة الشرعية، ولا يترتب على كذبه المفاسد. هذا ومن الحكمة في اختصاص الله تعالى أصحاب رسوله بالحفظ من الكذب عليه أنه سبحانه كره أن يكونوا هدفا لطعن مَنْ بعدهم؛ لأنه ذريعة إلى الطعن في الإسلام جملة، وليس هناك سبب مقبول للطعن إلا أن يقال: نحن مضطرون إلى

стр. 1452

بيان أحوالهم لِيُعرف من لا يحتج بروايته منهم، فاقتضت الحكمة حسم هذا؛ لقطع العذر عمن يحاول الطعن في أحد منهم. وقال (١) (ص ٤٣): "الكذب على النبي ﷺ بعد موته ... فإن الكذب قد كثر عليه بعد وفاته ... " أقول: قد كان كذب، لكن متى؟ وممن؟ لا شأن لنا بدعاوى أبي رية، وإنما ننظر في شواهده (٢): ذكر قصة بُشير (بالتصغير) بن كعب العدوي مع ابن عباس في مقدمة "صحيح" مسلم وجعلها قصتين وإنما هما روايتان، وبُشير هذا غير بَشِير -بفتح فكسر- بن كعب بن أبي الحميري العامري الذي شهد اليرموك، بل هذا أصغر منه بكثير، وأخطأ من عدهما واحدا، وراجع "الإصابة". هذا عراقي بصري له قصة مع عمران ابن حصين في الحياء تدل أنه كان يقرأ صحف أهل الكتاب، وقصته مع ابن عباس يظهر أنها كانت حوالي سنة ستين، فإن ابن عباس توفي سنة ٦٨ أو بعدها وعاش بشير بعد ابن عباس زمانا. روى مسلم القصة من طريق طاوس ومجاهد، وحاصلها أن بُشيرا جاء إلى ابن عباس فجعل يحدث -زاد مجاهد: ويقول: قال رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ قال طاوس: فقال له ابن عباس: عُد لحديث كذا وكذا، فعادَ له. ثم حدثه فقال له: عد لحديث كذا وكذا. فعادَ له، فقال له: ما أدري أعرفتَ حديثي كله وأنكرتَ هذا، أم أنكرتَ حديثي كله وعرفتَ هذا؟ فقال ابن عباس: إنا كنا نحدث عن رسول الله ﷺ إذْ لم يكن يُكذَب عليه، فلما ركب الناس الصعب والذلول تركنا الحديث عنه - وفي رواية عن طاوس هي أثبت من الأولى، قال: إنما كنا نحفظ

стр. 1453

الحديث يُحفظ عن رسول الله ﷺ فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول فهيهات- ولفظ مجاهد: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس، ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟! فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرته أبصارنا وأصغينا إلبه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف". عرف ابن عباس أن بُشيرا ليس بصحابي، ومع ذلك لم يدرك كبار الصحابة، ولعله مع ذلك لم يكن يعرفه بالثقة، وفوق ذلك كان يرسل، لا جرم لم يصغ إلى أحاديثه. أما استعادته بعضها فكأن المستعاد كان أحاديث يعرفها ابن عباس فأراد أن يصححها لبشير إن كان عنده فيها خطأ. كانت القصة حوالي سنة ستين كما مر، وقد ظهر الكذب بالعراق قبل ذلك كما يؤخذ مما يأتي، وبشير عراقي فليس في القصة ما يخدش في صدق الصحابة ﵃، ولا ما يدل على ظهور الكذب بعد وفاة النبي ﷺ بمدة يسيرة. وقوله في إحدى روايتي طاوس: "تركنا الحديث عنه"، يريد تركنا أخذ الحديث عنه إلا من حيث نعرف. وذكر (ص ٤٤) ما في مقدمة "صحيح" مسلم أيضا عن ابن أبي مليكة: "كتبتُ إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني فقال: ولد ناصح، وأنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه، قال: فدعا بقضاء عليّ ﵁ فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل". أقول: أورد مسلم بعد هذا: "عن طاوس قال: أُتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي ... "، ثم أورد: "عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد عليّ ﵁ قال رجل من أصحاب عليّ: قاتلهم الله أي عِلم أفسدوا". التفّ حول عليّ ﵁ بالكوفة نفر ليس لهم علم ولا كبير دين، وذاك الكتاب جُمع من حكاياتهم وحكايات غيرهم عن قضاء عليّ، وجيء إلى ابن عباس بنسخة منه.

стр. 1454

وذكر مسلم أيضا ونقله أبو رية عن المغيرة بن مقسم قال: "لم يكن يصدق على عليّ ﵁ في الحديث عنه إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود"؛ وذلك أن ابن مسعود كان بالكوفة في عهد عمر وبعده، فكان له أصحاب طالت صحبتهم له وفقهوا، فلما جاء علي إلى الكوفة أخذوا عنه أيضا وكانوا أوثق أصحابه. وهذه الآثار إنما تدل على فشو الكذب بالكوفة بعد علي ﵁. اهـ. الموضع الثالث: وقال في "الأنوار" أيضا (ص ٩٢ - ٩٤): ذكر أبو رية عن أئمة السنة: إسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والبخاري، والنسائي، ثم ابن حجر، ما حاصله أنه لم يصح في فضل معاوية حديث. أقول: هذا لا ينفي الأحاديث الصحيحة التي تشمله وغيره، ولا يقتضي أن يكون كل ما روي في فضله خاصة مجزوما بوضعه. وبَعْدُ ففي هذه القضية برهان دامغ لما يفتريه أعداء السنة على الصحابة، وعلى معاوية، وعلى الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث، وعلى أئمة الحديث، وعلى قواعدهم في النقد. أما الصحابة ﵃ ففي هذه القضية برهان على أنه لا مجال لاتهام أحد منهم بالكذب على النبي ﷺ وذلك أن معاوية كان عشرين سنة أميرا على الشام وعشرين سنة خليفة، وكان في حزبه وفيمن يحتاج إليه جمع كثير من الصحابة منهم كثير ممن أسلم يوم فتح مكة أو بعده، وفيهم جماعة من الأعراب، وكانت الدواعي إلى التعصب له والتزلف إليه متوفرة، فلو كان ثمَّ مساغ لأن يكذب على النبي ﷺ أحد لقيه وسمع منه مسلما لأقدم بعضهم على الكذب في فضل معاوية، وجهر بذلك أمام أعيان التابعين، فينقل ذلك جماعة ممن يوثقهم أئمة السنة فيصح عندهم ضرورة.

стр. 1455

فإذا لم يصح خبر واحد، ثبت صحة القول بأن الصحابة كلهم عدول في الرواية، وأنه لم يكن منهم أحد مهما خفت منزلته وقوي الباعث له محتمَلا منه أن يكذب على النبي ﷺ . وأما معاوية فكذلك، فعلى فرض أنه كان يسمح بأن يقع كذب على النبي ﷺ ما دام في فضيلة له، وأنه لم يطمع في أن يقع ذلك من أحد غيره ممن له صحبة، أو طمع ولكن لم يُجْده ترغيب ولا ترهيب في حمل أحد منهم على ذلك، فقد كان في وسعه أن يحدث هو عن النبي ﷺ ، قد حدث عدد كثير من الصحابة عن النبي ﷺ بفضائل لأنفسهم وقَبِلَهَا منهم الناس ورووها وصححها أئمة السنة. ففي تلك القضية برهان على أن معاوية كان من الدين والأمانة بدرجة تمنعه من أن يفكر في أن يكذب أو يحمل غيره على الكذب على النبي ﷺ مهما اشتدت حاجته إلى ذلك. ومن تدبر هذا علم أن عدم صحة حديث عند أهل الحديث في فضل معاوية أدل على فضله من أن تصح عندهم عدة أحاديث. وأما الرواة الذين وثقهم أئمة الحديث فقد كان من حزب معاوية والموالين له عدد منهم، كان في وسعهم أن يكذبوا على بعض الصحابة الذين لقوهم ورووا عنهم فيرووا عنه حديثا أو أكثر في فضل معاوية، ينشروا ذلك فيمن يليهم من الثقات فيصححه أهل الحديث، فعدم وقوع شيء من ذلك يدل على أن الرواة الذين يوثقهم أئمة الحديث ثقات في نفس الأمر. وأما أئمة الحديث فهم معروفون بحسن القول في الصحابة عامة، وخصومهم ينقمون عليهم ذلك كما تراه في فصل عدالة الصحابة من كتاب أبي رية, ويرمونهم بالنصب ومحبة أعداء أهل البيت والتعصب لهم.

стр. 1456

وتلك القضية براءة لهم؛ فلو كانوا من أهل الهوى المُتَّبَع لأمكنهم أن يصححوا عدة أحاديث في فضل معاوية، أو يسكتوا على الأقل عن التصريح بأن كل ما روي في ذلك غير صحيح. وأما قواعدهم في النقد فلا ريب أن نجاحها في هذا الأمر -وهو من أشد معتركات الأهواء- من أقوى الأدلة على وفائها بما وُضعت له". اهـ. الموضع الرابع: وقال في "الأنوار" أيضًا (ص ٢٨٢): "ثم ذكر يعني أبا رية (ص ٣٢٤ - ٣٢٧) كلاما للدكتور طه حسين ذكره في معرض الرد على الذين يكذّبون غالب ما روي من الأحداث في زمن عثمان ويقولون إنه: "على كل حال لم يرد إلا الخير، ولم يكن يريد ولا يمكن أن يريد إلا الخير" ويرون في سائر الصحابة أنهم "يخطئون ويصيبون، ولكنهم يجتهدون دائما ويسرعون إلى الخير دائما فلا يمكن أن يتورطوا في الكبائر، ولا أن يحدثوا إلا هذه الصغائر التي يغفرها الله للمحسنين من عباده". أقول: أما أهل العلم من أهل السنة فلا يقولون في عثمان ولا في غيره من آحاد الصحابة إنه معصوم مطلقا أو من الكبائر، وإنما يقولون في المبشَّرين بالجنة: إنه لا يمكن أن يقع منهم ما يحول بينهم وبين ما بُشروا به, وإن الصحابي الذي سمع من النبي ﷺ ولم يُعرف بنفاق في عهده ولا ارتد بعد موته لا يكذب عليه ﷺ متعمدا، وقد تقدم بيان ذلك، ولا يُظن به أن يرتكب كبيرة غير متأوِّل ويصرّ عليها. والعارف المنصف لا يستطيع أن يجحد أن هذه الحال كانت هي الغالبة فيهم، فالواجب الحمل عليها ما دام ذلك محتملا، وعلماء السنة يجدون الاحتمال قائما في كل ما نقل نقلا ثابتا، نعم قد يبعد في بعض القضايا ولكنهم يرونه مع بعده أقرب من ضده، وذلك مبسوط في كتبهم.

стр. 1457

قال أبو رية (ص ٣٢٥): "ونحن لا نغلو في تقديس الناس إلى هذا الحد البعيد". أقول: وعلماء السنة كما رأيت لا يبلغون ذلك الحد، وإن كانوا يعلمون أن حال الصحابة لا تقاس بحال غيرهم. قال: "ولا نرى في أصحاب النبي ﷺ ما لم يكونوا يرون في أنفسهم". أقول: المدار على الحجة، فإذا ثبت عندنا أن أحدهم كان يرى في صاحبه أمرًا فليس لنا أن نوافقه إذا لم نعلمَ له حجة، فكيف إذا ما قامت الحجة على خلافه؟ وأوضح من ذلك أنه ليس لنا أن نتهم غير صاحبه بمثل تلك التهمة ما دام لا حجة لنا على ذلك، فأما الاستدلال على الإمكان فعلماء السنة لم ينفوا الإمكان إلا فيما قام عليه دليل شرعي كالتبشير بالجنة، والدليل الشرعي لا يعارضه ما دونه. قال: "وهم تقاذفوا التهم الخطيرة، وكان منهم فريق تراموا بالكفر والفسوق، فقد روي أن عمار بن ياسر ... ". أقول: أما الترامي بالفسوق بمعنى ارتكاب بعض الكبائر فقد كان بعض ذلك وعُلم حكمُه مما مر، وأما الترامي بالكفر فلم يثبت، بل الثابت خلافه، وما ذكر أنه روي عن عمر وابن مسعود لم يثبت، وعلى فرض أنه ثبت عن بعضهم كلمة يظهر منها ذاك المعنى فهي فلتة لسان عند ثورة غضب لا يجوز أخذها على ظاهرها لشذوذها ونفي جمهور الصحابة لما يزعمه ظاهرها، كيف وقد ثبت عن النبي ﷺ تبشير عثمان بالشهادة والجنة؟ ". اهـ. * * *

стр. 1458

فائدة (١) دلالة ترك الصحابي للشيء • قال الشيخ المعلمي في مسألة رفع اليدين من الجزء الثاني من "التنكيل" ص (٢٨): "لنا أن ندعي في قضيتنا هذه إجماع الصحابة؛ لأن جماعة منهم رووا الرفع وتواتر العمل به عن كثير منهم، بل نسبه غير واحد من التابعين كالحسن البصري وسعيد بن جبير إلى الصحابة مطلقًا، فاشتهر ذلك وانتشر، ولا يعرف عن أحد منهم ما يدل على أنه غير مشروع، فأما ما روي عن بعضهم أنه تركه فلم يثبت، وقد مر الكلام على ما روي عن ابن مسعود، ويأتي الكلام على غيره, ولو ثبت بعض ذلك فإنما هو ترك جزئي، أي في ركعة واحدة أو صلاة واحدة, وذلك لا يدل على أن التارك يراه غير مشروع، إذ قد يكون قَصَدَ بيان أن الرفع في غير الأولى ليس في مرتبتها، وقد يكون سها، وقد يكون ترخص لعذر أولغير عذر في ترك ما يعلمه مندوبًا. بل لو ثبت أن بعضهم تركه مدة طويلة لما دل ذلك على أنه يراه غير مشروع؛ فقد جاء عن أبي بكر وعمر وابن عباس أنهم كانوا لا يُضَحُّون. بل قد ثبت أن الصحابة تركوا في عهد عثمان تكبيرات الخفض والرفع أو الجهر بها، واستمر ذلك حتى أن عليًا لما قدم العراق وصلى بهم وأتى بالتكبيرات وجهر بها قال عمران بن حصين كما في "الصحيحين" وغيرهما (ذَكَّرنا هذا الرجل صلاةً كنا نصليها مع رسول الله ﷺ ). وقال أبو موسى الأشعري فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح في (الفتح) (ذكرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله ﷺ إما نسيناها وإما تركناها عمدًا).

стр. 1459

واستمر الترك بالحجاز حتى إن أبا هريرة حين استخلفه مروان على إمارة المدينة في عهد معاوية صلى بهم، فأتى بالتكبيرات وجهر بها، فأنكروا ذلك، قال أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف كما في (صحيح مسلم): (قلنا يا أبا هريرة ما هذا التكبير؟ فقال: إنها لصلاة رسول الله ﷺ ) وصلى بهم بمكة فأتى بالتكبيرات وجهر بها فأنكروا ذلك، قال عكرمة كما في "صحيح البخاري" وغيره (فقلت لابن عباس إنه أحمق، قال ثكلتك أمك سنة أبي القاسم محمد ﷺ ). * * *

стр. 1460

فائدة (٢) فِعْلُ الصحابة هل يُفيد صحة الخبر المرفوع إذا ثبت وهنُه؟ • في "الفوائد المجموعة" ص (٢٢٩): حديث: إن العجم يبدؤن بكبارهم إذا كتبوا إليهم، فإذا كتب أحدكم فليبدأ بنفسه. قال الشوكاني: رواه العقيلي عن أبي هريرة مرفوعًا، وهو موضوع، وفي إسناده: مجهول، وهو: محمد بن عبد الرحمن القشيري. وقد رواه الطبراني في الأوسط من طريق أخرى بلفظ: إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه، وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح. (قال المعلمي: فيه الخبائري عن العكاشي، كذاب عن أكذب منه). ورواه الطبراني أيضًا في الكبير عن النعمان بن بشير. (قال المعلمي: اختصره في اللآلىء، وهو في قصة طويلة في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٤ وتهذيب تاريخ ابن عساكر ٣/ ٢٦٠ وفي سندها من لا يعرف، والصناعة فيها ظاهرة). وقد روى أبو داود، وابن أبي شيبة: أن العلاء بن الحضرمي كان عامل النبي ﵌ على البحرين، وكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه وكان هذا هو المعلوم من حال الصحابة فمن بعدهم. فقال المعلمي: "هذا حق، ولكنه لا يفيد صحة ذاك الخبر القولي". اهـ.

стр. 1461

قال أبو أنس: هاهنا ينتهي ما أردت عرضه من كلام الشيخ المعلمي فيما يتعلق بالصحابة. وقد أرجأتُ سابقًا الحديث عن معرفة الصحابة، وكيف تثبت الصحبة، إلى هذا الموضع، فأقول وبالله التوفيق: أهمية معرفة من ثبتت له الصحبة: أما فيما يتعلق بالحديث وعلومه, فللتمييز بي المسند والمرسل، فمن ثبتت صحبته كان ما رُوي من طريقه مسندًا، وما لا كان مرسلا، والمرسل ليس بحجة عند جمهور أهل العلم من أئمة هذا الفن. فمن لم تثبت صحبته -بعد أن يُختلف فيها أو تُدَّعى له من غير بَيِّنَة- نُظر: هل ثبتت عدالته أم لا؟ لأن مجرد الاختلاف في صحبة الرجل لا تُسوِّغُ ثبوت عدالته من غير حجة, فرب مجاهيل أو مستورين أُسندت إليهم أحاديث يرفعونها من طرق لا تقوم بها حجة، فنُسبت إليهم الصحبة خطأً. لذا، فقد اعتنى أهل العلم بهذا الفن وهو معرفة الصحابة، وأُلِّفت فيه المصنفات. فمن أول من صنف في ذلك: علي بن المديني، صنف "معرفة من نزل من الصحابة سائر البلدان" ذكروا أنه خمسة أجزاء. وضمن البخاري كتابه "التاريخ الكبير" أسماء الصحابة؛ يبدأ في كل حرف بأسماء من روي عنه الحديث من الصحابة، ثم يتلوه بمن بعدهم، وهكذا. ويمكن تقسيم ما صنفه الأئمة في التعريف بالصحابة إلى الأقسام التالية: ١ - كتب "الطبقات" (وهو تصنيف زمني) ككتاب "الطبقات" لابن سعد، وتبع فيه شيخه الواقدي، و"طبقات" خليفة بن خياط، و"طبقات" مسلم بن الحجاج. ٢ - كتب التواريخ المصنفة على البلدان، فيبدأ عند كل بلد أو قطر أولًا بمن نزلها من الصحابة، كتاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي في "المعرفة والتاريخ".

стр. 1462

٣ - كتب التواريخ المصنفة على حروف المعجم ككتاب "التاريخ الكبير" للبخاري كما سبق. ٤ - كتب المسانيد وبعض المعاجم المصنفة على الصحابة، كمسند أحمد وغيره, والمعجم الكبر للطبراني. وفيها يجمع المصنف تحت كل ترجمة ما أُسند إلى صاحبها من الأحاديث، فإذا كانت قليلة استوعبها المصنف، سواء ثبتت أم لم يثبت، وعليه فسواء ثبتت الصحبة أم لا؟ وقد تثبت صحبة الرجل، ولا تثبت عنه رواية ما. ٥ - الكتب المصنفة في الصحابة رأسًا. وأشهرها كتاب ابن منده وأبي نعيم الأصبهاني و"الاستيعاب" لابن عبد البر و"أسد الغابة" لابن الأثير و"معجم" ابن قانع. وقد اعتنى الأوَّلان بذكر الأحاديث المروية للصحابي لاسيما المقل منهم، مع ذكر الخلاف في أسانيدها إن وجد، وهو مسلك مهم لضبط أحاديث من ذكروا في الصحابة, فربما لا يُعرف الرجل في الصحابة إلا من خلال حديث أو عدة أحاديث، فيحتاج لإثبات صحبته إلى النظر في تلك الأسانيد وإجراء قواعد أهل الفن عليها، فإن كانت محفوظة ثبتت صحبته, وإلا توقف فيه. وقد حذف مَن بعدهما أكثر ذلك، واعتنوا بأنساب الصحابة وما يعرف بهم، مع ذكر طرف من أحاديثهم مختصرة متونها وأكثر أسانيدها. ثم جاء الحافظ ابن حجر، فأراد أن يجمع شتات ما سبقه، فقسَّم كل حرف من كتابه "الإصابة" إلى أربعة أقسام: القسم الأول: من وردت روايته أو ذكره من طريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو منقطعة. القسم الثاني: من له رؤية فقط.

стр. 1463

القسم الثالث: من أدرك الجاهلية والإسلام ولم يرد في خبر أنه اجتمع بالنبي ﷺ . القسم الرابع: من ذكر في كتب مصنفي الصحابة أو مخرجي المسانيد غلطا مع بيان ذلك. لكن لا يُستغنى به عن كتاب ابن منده وأبي نعيم؛ لأن فيهما الأخبار مسندة تامة المتن، مع سياق الاختلاف في ذلك كله. أما القسم الأول فأحاديثهم مسندة إذا كان المذكورُ ثابتَ الصحبة من غير طريق تلك الأحاديث، أو كانت أسانيد تلك الأحاديث محفوظة, فإن لم يكن لا ذا ولا ذاك لم يمكن الجزم بصحبته, فإما أن يكون على الاحتمال، أو يقطع بعدم الثبوت لسقوط الإسناد مثلا. وأما القسم الثاني والثالث فحديثهما له حكم المرسل. وأما الرابع فمجزوم بغلطه على ما يبينه الحافظ. تعريف الصحابي: هو بمجموع ما قيل فيه: من اجتمع -أو التقى- بالنبي ﷺ في اليقظة حال حياته مسلما، ومات على الإسلام، وإن تخلل ذلك ردة على الأصح. فالتعبير بالاجتماع أو اللقاء أولى من التعبير بالرؤية تحرزًا ممن كان أعمى، وهو صحابي باتفاق؛ كعبد الله بن أم مكتوم. وعبارة: "في اليقظة" تحرزًا ممن رآه واجتمع به في رؤيا المنام. وعبارة: "حال حياته" تحرزًا ممن بلغ المدينة بعد وفاة النبي ﷺ مباشرة ورآه حينئذ. وقولهم: "مسلما" تحرزًا ممن التقى بالنبي ﷺ قبل أن يسلم ثم أسلم بعد وفاة النبي ﷺ .

стр. 1464

وقولهم: "ومات على الاسلام" تحرزًا ممن ارتد ومات على غير الإسلام. وقولهم: "وإن تخلل ذلك ردة" يعني شريطة أن يموت على الإسلام. وقولهم: "على الأصح" إشارة إلى الراجح من الخلاف في ذلك. أقول: قد وقع جدل في القَدْر الذي يصح معه إطلاق اسم الصحبة. والذي يتحرر من الناحية العملية أن الصحبة نوعان: الأولى: صحبة فضيلة. والثانية: صحبة رواية. فالأولى تطلق على صنفين: أحدهما: كل من رأى النبي ﷺ ولو مرة، ولو للحظة، وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة. ثانيهما: الصغير غير المميز، كعبد الله بن حارث بن نوفل، وعبد الله بن أبي طلحة الأنصاري وغيرهما ممن حنكه النبي ﷺ ودعا له، ومحمد بن أبي بكر الصديق المولود قبل الوفاة النبوية بثلاثة أشهر وأيام، فهو وإن لم تصح نسبة الرؤية إليه، صدق أن النبي ﷺ رآه، وعلى ذلك مشى غير واحدٍ ممن صنف في الصحابة؛ يذكرون كل من نال شرفَ وفضيلةَ رؤية النبي ﷺ . والصنف الأول يقول فيه المحققون: له رؤية وليست له صحبة. يعنون بذلك أنه لم يسمع من النبي ﷺ شيئا، أي له صحبة الفضيلة لرؤية النبي ﷺ ، لكن ليست له صحبة الرواية، فحديثه مرسل. وأما صحبة الرواية فهي لمن صحب النبي ﷺ مدة أو حضر له مجلسا أو نحو ذلك مما مكَّنَهُ من سماع النبي ﷺ والرواية عنه. ويتفاوت الصحابة في ذلك بين مقل ومكثر.

стр. 1465

ومن هؤلاء من كان صغيرًا حين البعثة، ثم صحب النبي ﷺ بالغًا، فحكى أشياء عُرف بالتاريخ أنه لم يحضرها لصغره، أو حضرها، ولكن لم يسمح له سنه أن يضبطها؛ منهم: ابن عباس وابن الزبير. وقد ميز المحققون تلك الأحاديث، ونبهوا عليها وسموها مراسيل، ولكنهم قبلوها؛ لعلمهم أن هؤلاء إنما أخذوها ممن هم أكبر منهم من الأصحاب. لكن ربما استفيد من ذلك في بيان خطأ من روى شيئًا لهؤلاء، وأسند إليهم سماعه أو حضوره على سبيل الوهم والخطأ. ومن هؤلاء أيضا من كان إسلامه متأخرًا، فحكى أشياء لم يحضرها مما كان قبل إسلامه فهو كسابقه. وبعد، فهذه إشارة إلى بعض المسائل المتعلقة بقضية الصحبة، وفيها غير ذلك مما لا يتسع له هذا المقام، وبالله تعالى التوفيق. * * *

стр. 1466

المبحث الرابع في عدالة التابعين قال المعلمي في "الاستبصار" (ص ٩): "التابعي: من أدرك بعض الصحابة، ورأى بعضهم، وسمع منه سماعا يُعتد به بأن يكون السامع مميزا، وقيل بل تكفي الرؤية مع التمييز. والذي يظهر في حديث: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم" أن الدخول في الذين يلونهم يشترط فيه زيادة على ما تقدم. قال ابن الأثير في "النهاية" عن أبي عبيد الهروي فيه: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" يعني: الصحابة ثم التابعين, والقرن أهل كل زمان وهو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم، وأحوالهم، وقيل القرن: أربعون سنة، وقيل: ثمانون, وقيل: مائة". أقول: والقول الثاني كأنه ضابط تقريبي للأول. هذا، والقرون تتداخل -أعني أن القرن الأول إذا أخذ في النقصان أخذ الذي يليه في الزيادة, وهكذا- فقد يقال: إن قرنه ﷺ بقي على الغلبة إلى تمام ثلاثين سنة من الهجرة، ثم أخذ في الضعف، وذلك حين بدأ الناس في الإنكار على أمراء عثمان، وأخذ القرنان يصطرعان، فكان بعد خمس سنين قبل عثمان، وذلك مصداق حديث البراء بن ناجية, عن ابن مسعود عن النبي ﷺ : "تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، قال: فقلت: مما بقى أو مما مضى؟ قال: مما مضى" (١).

стр. 1467

وفي بعض الروايات "مما بقي" (١). وروى شريك، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود مرفوعا: "إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين، فإن اصطلحوا فيما بينهم على غير قتال يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدًا، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من قبلهم" (٢). فكان لخمس وثلاثين حصر عثمان، ولم يقم الدين كما ينبغي؛ إذ لم يصطلحوا على غير قتال، بل كان هلاك (٣) بالقتل والفرقة والفتنة، فكان سبيلهم سبيل الأمم الماضية من الاختلاف، ثم تمت الغلبة للقرن الثاني بعد سنوات بقتل أمير المؤمنن علي ﵇، ثم بتسليم ابنه الحسن الخلافة لمعاوية, وذلك مصداق حديث سفينة مولى النبي ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الخلافة ثلاثون عاما ثم يكون بعد ذلك الملك" (٤). أقول: فتمت الغلبة للقرن الثاني نحو أربعين سنة من الهجرة، فثلاثون سنة فيها كانت للقرن الأول، وعشر بينه وبين الثاني، ثم تمت للقرن الثاني ثلاثون سنة لستين من الهجرة, فكانت ولاية يزيد، ثم قتل الحسين بن علي ﵇، وقد صح عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ من عام الستن وإمارة الصبيان، فمات قبلها. ثم كانت وقعة الحرف وإحراق الكعبة، ثم كان بعد السبعين رمي الكعبة بالمجانيق، وقتل ابن الزبير، واستتباب الأمر لعبد الملك. وعلى هذا المنوال يكون انتهاء القرن الثاني سنة سبعين، وانتهاء الثالث على رأس المائة.

стр. 1468

ومن أسباب الفضل للثاني والثالث أنه لم يزل فيهما بقايا من أصحاب النبي ﷺ ، ومنتهى ذلك بعد انتهاء المائة بقليل مصداقا لقوله ﷺ قبيل موته: "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة [منها] لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد" (١). هذا، والظاهر أنه يدخل في القرن الأول من أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يجتمع به، وكذلك من أسلم بعده بقليل، وكذا من ولد بعده بقليل، بحيث يكون منشؤه في عهد كثرة الصحابة وظهورهم؛ فإنه يقتدي بهم، ويقتبس من أخلاقهم وآدابهم حتى يستحكم خلقه على ذلك، ولا مانع من أن يكون هؤلاء في القرن الأول وإن لم يكونوا صحابة. وعلى هذا فالدرجات تتفاوت: فمن ولد بعد وفاة النبي ﷺ أقرب إلى نيل خصائص القرن الأول ممن ولد بعده بخمس سنوات -مثلا- وهكذا، حتى إن من ولد بعده ﷺ بخمس عشرة سنة أقرب إلى القرن الثاني، وقد يكون بعض من يولد متأخرا أمكن في خصائص القرن الأول ممن ولد متقدما لأسباب أخرى، ككثرة مجالسة أفاضل الصحابة, وقس على هذا. ومن استحكمت قوته في عهد القرن الأول فهو منهم وإن بقي إلى القرن الثاني والثالث، وهكذا، وقد يكون هذا هو السر -والله أعلم- في الشك في أكثر روايات الحديث وكرر النبي ﷺ : "ثم الذين يلونهم" مرتين أو ثلاثا، وذلك أنه بعد انتهاء قرنه ثم الذي يليه, ثم الذي يليه، تبقى جماعة من أهل الثالث يعيشون في الرابع. هذا وقد احتج بهذا الحديث على أن الظاهر في التابعن وأتباعهم العدالة، فمن لم يجرح منهم فهو عدل.

стр. 1469

وقد يوجه ذلك بأن الخير لم يرتفع من الأمة جملة بعد تلك القرون، فثناؤه ﷺ عليها، وذمُّهُ منْ بعدها إنما هو بناء على الأغلب، فكأنه يقول: إن غالب أهلها أخيار، وغالب من بعدهم أشرار، وإذا ثبت أن غالبهم أخيار فمن لم يعرف حاله منهم حمل على الغالب. أقول: وفي هذا نظر من وجهين: الوجه الأول: أنه قد يجوز أن يكون ﷺ راعَى الكثرة, فيكون حاصل ذلك أن القرن الأول -وهم الصحابة ومن انضم إليهم- غالبهم عدول، والقرن الثاني نصفهم عدول، والقرن الثالث ثلثهم عدول، والثلث كثير، وأما بعد ذلك فإن العدالة تقل عن ذلك، وعلى تسليم الغلبة في القرن الثاني -أيضا- فقد يكون في الثالث التعادل، واستحقوا الثناء؛ لأن شرهم لم يكن كثر من خيرهم، بخلاف من بعدهم. الوجه الثاني: أن الغلبة تصدق بخمسة وخمسين في المائة -مثلا- ومثل هذا لا يحصل به الظن المعتبر في أن من لم يعرف حاله من المائة فهو من الخمسة والخمسين، ولو قال المحدث: أكثر مشايخي ثقات لما كان توثيقا لمن لا يعرف حاله منهم. وتمام هذا البحث يأتي في الكلام على المجهول - إن شاء الله تعالى. اهـ. قال أبو أنس: تجدر الإشارة في هذا المقام إلى ارتباط هذا المبحث بمناقشة طائفة ممن صنفوا في ثقات الرواة؛ إذ اعتمدوا على ما حكاه المعلمي من اعتبار أن الظاهر في التابعين وأتباعهم العدالة، فمن لم يجرح منهم فهو عدل. راجع مزيدًا من إلقاء الضوء على هذه القضية في ترجمة ابن حبان من القسم السابق من هذا الكتاب. وانظر كذلك مبحث المجهول في هذا القسم.

стр. 1470

وهذه تتمات موجزة: ١ - يأتي في تعريف التابعي أكثر ما سبق في تعريف الصحابي، فهو من التقى أو اجتمع بمن صحب النبي ﷺ مسلما، واحدا أو أكثر. وبقية تعريف الصحابي لا وجه له غالبا هنا. ووصف التابعي منه ما هو وصف فضيلة فقط، ومنه ما هو وصف رواية. فالأول من كان صغيرا غير مميز، أو من له رؤية من البالغين لكن ليس له سماع ولا رواية، كالأعمش رأى أنسا ولم يسمع منه شيئا. وأما الثاني فكثير. ٢ - لا شك أن التابعن يتفاوتون في القِدَمِ والفضل والعلم، وكذلك في العدالة، ليسوا على درجة واحدة, حسبما يقتضيه صنيع جمهور أهل العلم من تناولهم لهذه الطبقة بالنقد والجرح والتعديل، خلافا لمن شذ فأطلق القول بعدالتهم جميعا. نعم، العدالة فيهم أغلبية لاعتبارات معلومة, كما شرح المعلمي، لكن الأغلبية لا تنفي وجود ما يستثنى منها. ٣ - اعتنى المحدثون بالنظر في سماع التابعين من الصحابة، وميزوا من سمع ومن لم يسمع، ومن له رؤية فقط، ومن سمع حديثا أو أحاديث قليلة وما عداه فمرسل. والناظر في كتب المراسيل المصنفة على تراجم الرواة يرى أكثر ما فيها العناية بمرويات التابعين عن الصحابة لنقد سماعاتهم. ٤ - ممن اعتنى بذكر التابعين: مسلم، وابن سعد، وخليفة بن خياط، وأبو بكر بن البرقي، وأبو الحسن بن سميع في طبقاتهم، وفيهم من أفردهم بالتصنيف كأبي حاتم الرازي، وأبي القاسم بن منده وغيرهما.

стр. 1471

٥ - المخضرمون؛ هم من أدركوا الجاهلية والإسلام، إلا أنهم لم يجتمعوا بالنبي ﷺ ، وربما أسلموا في حياته أو بعد موته، هؤلاء لهم في الرواية حكم كبار التابعين، وقد أفردهم البرهان الحلبي الحافظ في جزء سماه: "تذكرة الطالب المعلم فيمن يقال: إنه مخضرم" منهم: الأسود بن هلال المحاربي، والأسود بن يزيد النخعي، وثمامة بن حزن القشيري، وجبير بن نفير الحضرمي، وحجر بن عنبس، وربيعة ابن زرارة العتكي، وزيد بن وهب الجهني، وسعد بن إياس أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وشبيل بن عوف الأحمسي، وشريح بن الحارث القاضي، وشريح بن هانىء، وشقيق بن سلمة أبو وائل، وأبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، وعبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وعبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي، وعبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعمران بن ملحان أبو رجاء العطاردي، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، والمعرور بن سويد وغيرهم. * * *

стр. 1472

المبحث الخامس أوجه الطعن في العدالة يشتمل هذا المبحث هنا على سبعة أوجه: الوجه الأول: رمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي. الوجه الثاني: أنواع من الكذب تُلحق بالكذب في الحديث النبوي. الوجه الثالث: رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي. الوجه الرابع: التهمة بالكذب. الوجه الخامس: خوارم المروءة. الوجه السادس: البدعة. الوجه السابع: الجهالة. * * *

стр. 1473

الوجه الأول رمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي ويشتمل على مطالب: المطلب الأول: في بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها، وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها. المطلب الثاني: في ذم الكذب. المطلب الثالث: في الرواية عن الكذابين والمتروكين ونحوهم. فائدة: ورود الرواية عمن فسد فصار يكذب قد تحمل على ما قبل أن يفسد. المطلب الرابع: في رواية الأحاديث المكذوبة والباطلة والمنكرة في الكتب. فائدة: في النظر في كتب الهلكى والمتروكين لأغراض صحيحة لا لأجل الاعتماد على ما فيها. المطلب الخامس: في سرقة الحديث. وفيه أمور: أولًا: المقصود بسرقة الحديث. ثانيًا: الباعث على سرقة الحديث وقيمة معرفة ذلك. ثالثًا: من دلائل الاتهام بسرقة الحديث. رابعًا: بعض مسالك الكذابين والسارقين: ١ - تركيب الأسانيد على متون مسروقة.

стр. 1474

٢ - السارق يدخل الحديث على من لا يظن به الكذب ترويجًا له. ٣ - الكذب على المغمورين أبعد عن الفضيحة. ٤ - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك. خامسًا: السارق لا يعتد بمتابعته. المطلب السادس: فوائد تتعلق بالحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب. * * *

стр. 1475

المطلب الأول في بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها وينحصر النقل عن المعلمي هنا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قال: في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل": " ... أعداء الإسلام وأعداء السنة يتشبثون بذلك [يعني بوقوع الكذب في الرواية] في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شئون دنياهم: الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا. ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدرّ والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها، ولم يَحُلْ ذلك دون معرفة الصحيح. والخالق الذي هَيَّأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام تكفل بحفظه إلى الأبد، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد؛ لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩]. ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها.
следующие страницы →