٥ - المخضرمون؛ هم من أدركوا الجاهلية والإسلام، إلا أنهم لم يجتمعوا بالنبي ﷺ ، وربما أسلموا في حياته أو بعد موته، هؤلاء لهم في الرواية حكم كبار التابعين، وقد أفردهم البرهان الحلبي الحافظ في جزء سماه: "تذكرة الطالب المعلم فيمن يقال: إنه مخضرم" منهم: الأسود بن هلال المحاربي، والأسود بن يزيد النخعي، وثمامة بن حزن القشيري، وجبير بن نفير الحضرمي، وحجر بن عنبس، وربيعة ابن زرارة العتكي، وزيد بن وهب الجهني، وسعد بن إياس أبو عمرو الشيباني، وسويد بن غفلة، وشبيل بن عوف الأحمسي، وشريح بن الحارث القاضي، وشريح بن هانىء، وشقيق بن سلمة أبو وائل، وأبو مسلم الخولاني عبد الله بن ثوب، وعبد الرحمن بن عسيلة أبو عبد الله الصنابحي، وعبد الرحمن بن غنم الأشعري، وعبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي، وعبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعمران بن ملحان أبو رجاء العطاردي، وعمرو بن ميمون الأودي، وقيس بن أبي حازم، ومسروق بن الأجدع، والمعرور بن سويد وغيرهم.
* * *
стр. 1472
المبحث الخامس
أوجه الطعن في العدالة
يشتمل هذا المبحث هنا على سبعة أوجه:
الوجه الأول: رمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي.
الوجه الثاني: أنواع من الكذب تُلحق بالكذب في الحديث النبوي.
الوجه الثالث: رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي.
الوجه الرابع: التهمة بالكذب.
الوجه الخامس: خوارم المروءة.
الوجه السادس: البدعة.
الوجه السابع: الجهالة.
* * *
стр. 1473
الوجه الأول
رمي الراوي بالكذب في الحديث النبوي
ويشتمل على مطالب:
المطلب الأول: في بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها، وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها.
المطلب الثاني: في ذم الكذب.
المطلب الثالث: في الرواية عن الكذابين والمتروكين ونحوهم.
فائدة: ورود الرواية عمن فسد فصار يكذب قد تحمل على ما قبل أن يفسد.
المطلب الرابع: في رواية الأحاديث المكذوبة والباطلة والمنكرة في الكتب.
فائدة: في النظر في كتب الهلكى والمتروكين لأغراض صحيحة لا لأجل الاعتماد على ما فيها.
المطلب الخامس: في سرقة الحديث. وفيه أمور:
أولًا: المقصود بسرقة الحديث.
ثانيًا: الباعث على سرقة الحديث وقيمة معرفة ذلك.
ثالثًا: من دلائل الاتهام بسرقة الحديث.
رابعًا: بعض مسالك الكذابين والسارقين:
١ - تركيب الأسانيد على متون مسروقة.
стр. 1474
٢ - السارق يدخل الحديث على من لا يظن به الكذب ترويجًا له.
٣ - الكذب على المغمورين أبعد عن الفضيحة.
٤ - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك.
خامسًا: السارق لا يعتد بمتابعته.
المطلب السادس: فوائد تتعلق بالحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب.
* * *
стр. 1475
المطلب الأول
في بيان حفظ الله تعالى للسنة من اختلاط الكذب ونحوه بها وأن وقوع الكذب في الرواية لا يمنع من معرفة الصدق فيها
وينحصر النقل عن المعلمي هنا في ثلاثة مواضع:
الموضع الأول:
قال: في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل":
" ... أعداء الإسلام وأعداء السنة يتشبثون بذلك [يعني بوقوع الكذب في الرواية] في الطعن في السنة كأنهم لا يعلمون أنه لم يزل في أخبار الناس في شئون دنياهم: الصدق والكذب، ولم تكن كثرة الكذب بمانعة من معرفة الصدق إما بيقين وإما بظن غالب يجزم به العقلاء ويبنون عليه أمورًا عظامًا.
ولم يزل الناس يغشون الأشياء النفيسة ويصنعون ما يشبهها كالذهب والفضة والدرّ والياقوت والمسك والعنبر والسمن والعسل والحرير والخز وغيرها، ولم يَحُلْ ذلك دون معرفة الصحيح.
والخالق الذي هَيَّأ لعباده ما يحفظون به مصالح دنياهم هو الذي شرع لهم دين الإسلام تكفل بحفظه إلى الأبد، وعنايته بحفظ الدين أشد وآكد؛ لأنه هو المقصود بالذات من هذه النشأة الدنيا. قال الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٩].
ومن مارس أحوال الرواية وأخبار رواة السنة وأئمتها علم أن عناية الأئمة بحفظها وحراستها ونفي الباطل والكشف عن دخائل الكذابين والمتهمين كانت أضعاف عناية الناس بأخبار دنياهم ومصالحها.
стр. 1476
وفي "تهذيب التهذيب" (ج ١ ص ١٥٢): "قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقًا فأراد قتله فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتُها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفًا حرفًا؟ "
وقيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة. وتلا قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
والذكر يتناول السنة بمعناه إن لم يتناولها بلفظه، بل يتناول العربية وكل ما يتوقف عليه معرفة الحق، فإن المقصود من حفظ القرآن أن تبقى الحجة قائمة والهداية دائمة إلى يوم القيامة؛ لأن محمدًا ﷺ خاتم الأنبياء، وشريعته خاتمة الشرائع، والله إنما خلق الخلق لعبادته فلا يقطع عنهم طريق معرفتها، وانقطاع ذلك في هذه الحياة الدنيا انقطاع لعلة بقائهم فيها.
قال العراقي في "شرح ألفيته" (ج ١ ص ٢٦٧):
"روينا عن سفيان قال: ما ستر الله أحدًا يكذب في الحديث. وروينا عن عبدالرحمن بن مهدي أنه قال: لو أن رجلًا هَمَّ أن يكذب في الحديث لأسقطه الله. وروينا عن ابن المبارك قال: لو هَمَّ رجل في السَّحَر أن يكذب في الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب". اهـ.
الموضع الثاني:
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص ٨٩):
"وهو [يعني الوضع في الحديث] واقع في الجملة, ولكن المستشرقين والمنحرفين عن السنة يطوّلون في هذا ويهوّلون ويهملون ما يقابله، ومثلهم مثل من يحاول منع الناس من طلب الحقيقي الخالص من الأقوات والسمن والعسل، والعقاقير، والحرير والصوف، والذهب والفضة، واللؤلؤ والياقوت، والمسك والعنبر، وغير ذلك بذكر ما وقع من التزوير والتلبيس والتدليس والغش في هذه الأشياء ويطيل في ذلك.
стр. 1477
والعاقل يعلم أن الحقيقي الخالص من هذه الأشياء لم يُرفع من الأرض، وأن في أصحابها وتجارها أهل صدق وأمانة وأن في الناس أهل خبرة ومهارة - يميزون الحقيقي الخالص من غيره، فلا يكاد يرجع الضرر إلا على من لا يرجع إلى أهل الخبرة من جاهل ومقصر ومن لا يبالي ما أخذ.
والمؤمن يعلم أن هذه ثمرة عناية الله بعباده في دنياهم، فما الظن بعنايته بدينهم؟ لابد أن يكون أتم وأبلغ. ومن تتبع الواقع وتدبَّره وأنعم النظر تبين له ذلك غاية البيان ... (١)
وكان أهل العلم يشددون في اختيار الرواة أبلغ التشديد، جاء عن بعضهم -أظنه الحسن بن صالح بن حَيّ- أنه قال: كنا إذا أردنا أن نسمع الحديث من رجل سألنا عن حاله حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟
وجاء جماعة إلى شيخ ليسمعوا منه، فرأوه خارجًا وقد انفلتت بغلته وهو يحاول إمساكها وبيده مخلاة يريها إياها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة، فرجعوا ولم يسمعوا منه، قالوا: هذا يكذب على البغلة فلا نأمن أن يكذب في الحديث.
وذكروا أن شعبة كان يتمنى لقاء رجل مشهور ليسمع منه، فلما جاءه وجده يشتري شيئا ويسترجح في الميزان، فامتنع شعبة من السماع منه.
وتجد عدة نظائر لهذا ونحوه في "كفاية" الخطيب (ص ١١٠ - ١١٤).
وكان عامّة علماء القرون الأول وهي قرون الحديث مقاطعين للخلفاء والأمراء، حتى كان أكثرهم لا يقبل عطاء الخلفاء والأمراء ولا يرضى بتولي القضاء، ومنهم من كان الخلفاء يطلبونهم ليكونوا بحضرتهم ينشرون العلم فلا يستجيبون، بل يفرّون ويستترون.
стр. 1478
وكان أئمة النقد لا يكادون يوثقون محدثًا يداخل الأمراء أو يتولى لهم شيئا.
وقد جرحوا بذلك كثيرًا من الرواة، ولم يوثقوا ممن داخل الأمراء إلا أفرادًا علم الأئمة علمًا يقينًا سلامة دينهم وأنه لا مغمز فيهم البتة.
وكان محمد بن بشر الزنبري محدثًا يسمع منه الناس، فاتفق أن خرج أمير البلد لسفر فخرج الزنبري يشيعه، فنقم أهل الحديث عليه ذلك وأهانوه ومزقوا ما كانوا كتبوا عنه.
وكثيرًا ما كانوا يكذبون الرجل ويتركون حديثه لخبر واحدٍ يتهمونه فيه وتجد من هذا كثيرًا في "ميزان" الذهبي وغيره.
وكذلك إذا سمعوه حدث بحديث ثم حدث به بعد مُدّة على وجهٍ ينافي الوجه الأول، وفي "الكفاية" (ص ١١٣) عن شعبة قال: "سمعت من طلحة بن مصرف حديثًا واحدًا، وكنت كلما مررت به سألته عنه ... أردت أن أنظر إلى حفظه، فإن غيَّر فيه شيئًا تركته".
وكان أحدهم يقضي الشهر والشهرين يتنقل في البلدان يتتبع رواية حديث واحد، كما وقع لشعبة في حديث عبد الله بن عطاء عن عقبة بن عامر، وكما وقع لغيره في الحديث الطويل في فضائل السور، ومن تتبع كتب التراجم وكتب العلل بَانَ له من جَدِّهم واجتهادهم ما يُحَيِّر العقول.
وكان كثير من الناس يُحْضِرون أولادهم مجالس السماع في صغرهم ليتعودوا ذلك ثم يكبر أحدهم فيأخذ في السماع في بلده, ثم يسافر بلى الأقطار ويتحمل السفر الطويل والمشاقّ الشديدة. وقد لا يكون معه إلا جراب من خبز يابس يحمله على ظهره، يصبح فيأخذ كسرة ويبلها بالماء ويأكلها ثم يغدو للسماع، ولهم في هذا قصص كثيرة.
стр. 1479
فلا يزال أحدهم يطلب ويكتب إلى أن تبلغ سنه الثلاثين أو نحوها، فتكون أمنيته من الحياة أن يقبله علماء الحديث ويأذنوا للناس أن يسمعوا منه، وقد عرف أنهم إن اتهموه في حديثٍ واحدٍ أسقطوا حديثه وضاع مجهوده طول عمره وربح سوء السمعة واحتقار الناس.
وتجد جماعة من ذُرِّيَّة أكابر الصحابة قد جرحهم الأئمة.
وتجدهم سكتوا عن الخلفاء العباسين وأعمامهم لم يرووا عنهم شيئًا مع أنهم قد كانوا يروون أحاديث.
ومن تتبع أخبارهم وأحوالهم لم يعجب من غلبة الصدق على الرواة في تلك القرون، بل يعجب من وجود كذابين منهم.
ومن تتبع تشدد الأئمة في النقد لم يعجب من كثرة من جرحوه وأسقطوا حديثه، بل يعجب من سلامة كثير من الرواة وتوثيقهم لهم مع ذلك التشدّد.
وبالجملة فهذا الباب يحتمل كتابًا مستقلا، وأرجو أن يكون فيما ذكرته ما يدفع ما يرمي إليه المستشرقون وأتباعهم -بإفاضتهم في ذكر الوضع- من تشكيك المسلمين في دينهم وإيهامهم أن الله تعالى أَخَلَّ بما تكفَّلَ به من حفظ دينه، وأن سلف الأمّة لم يقوموا بما عليهم أو عجزوا عنه فاختلط الحق بالباطل، ولم يبق سبيل إلى تمييزه.
كلا، بل حجة الله تعالى لم تزل ولن تزال قائمة، وسبيل الحق مفتوحا لمن يريد أن يسلكه ولله الحمد. اهـ.
الموضع الثالث:
وقال في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٨٤ - ٢٨٥):
"لا يجهل عاقل أن أحوال الرواة مختلفة: فمنهم المغفل المتساهل الذي يبني على التوهم فيكثر غلطه، ومنهم الضابط المتقن المتثبت الذي يندر جدا أن يخطىء وليس كل ما يصلح مستندا للتوقف عن خبر الأول أو ردّه يصلح لمثل ذلك في خبر الثاني.
стр. 1480
فأما الصدق وتعمد الكذب ولاسيما في الحديث النبوي فالأمر فيهما أعظم، وللكذب دواع وموانع، والناس متفاوتون جدا في الانقياد للدواعي أو الموانع، فإني أعرف من الأغنياء الوجهاء من يساوم بالسلعة الخفيفة فيقول له الدكاني: ثمنها ثلاثة قروش، فيقول كاذبا: إن صاحب ذاك الدكان يبيعها بقرشين؛ يكذب هذه الكذبة طمعا في أن يغُرَّ الدكاني فيعطيه إياها بقرشين مع علمه أن كذبه قد ينكشف كن قرب، بل إذا نجح فأخذها بقرشين، قد يذهب فيخبر بالقصة متمدحا بكذبته.
وأعرف من المقلين من لا تسمح له نفسه بمثل هذا الكذب ولو ظن أنه يتحصل به على مقدار كبير.
فأما الحديث النبوي فالأمر فيه أشد، والمتدينون من الكذب فيه أبعد وأبعد.
فإن قيل: قد ذكر أهل الحديث أن جماعة صالحين كانوا يكذبون في الحديث عمدا في المواعظ ونحوها، وذكروا في الهيثم بن عدي -وهو ممن يكذبون- أنه كان يقوم عامة الليل يصلي، فإذا أصبح جلس يكذب.
قلت: أما صالحٌ يتعمد الكذب فلا يكون إلا شديد الجهل بالدين، ومثل هذا نادر لا يسوغ أن يقاس به من عرف بالدين والعلم والصدق، ولو ساغ هذا لساغ أن يُتهم كل إنسان بكل نقيصة عرفت لغيره, ولو عرف بأنه من أبعد الناس عنها.
فأما الهيثم بن عدي فتلك الحكاية إنما حكاها عباس الدوري قال: "حدثنا بعض أصحابنا قال: قالت جارية الهيثم بن عدي: كان مولاي ... ".
والجارية لا يعرف حالها، والمخبر عنها لا يُدرى من هو وما حاله، وإنما ذكروا هذه الحكاية على أنها نادرة مستطرفة؛ لأن مثل هذا نادر كما مر، وإنما استندوا في تكذيب الهيثم إلى دلائل ثابتة.
стр. 1481
هذا وعلماء السنة لا يستندون في التصديق والتكذيب إلى أن ذاك يروقهم وهذا لا يعجبهم، ولكنهم ينظرون إلى الرواة, فمن كان من أهل الصدق والأمانة والثقة لا يكذبونه، غير أنهم إذا قام الدليل على خطئه خطئوه، سواء أكان ذلك فيما يسوءهم أم فيما يعجبهم.
وأما من كان كذابا أو متهما أو مغفلا أو مجهولا أو نحو ذلك فإنهم لا يحتجون بروايته.
ومن هؤلاء جماعة كثيرة قد رووا عنهم في كتب التفسير وكثير من كتب الحديث والسير والمناقب والفضائل والتاريخ والأدب، وليست روايتهم عنهم تصديقا لهم وإنما هي على سبيل التقييد والاعتبار، فإذا جاء دور النقد جروا على ما عرفوه, فما ثبت مما رواه هؤلاء برواية غيرهم من أهل الصدق قبلوه، وما لم يثبت فإن كان مما يقرب وقوعه لم يروا بذكره بأسا وإن لم يكن حجة، وإن كان مما يستبعد أنكروه، فإن اشتد البُعد كذبوه.
وهذا التفصيل هو الحق المعقول، ومعلوم أن الكذوب قد يصدق فإذا صدقناه حيث عرفنا صدقه واستأنسنا بخبره حيث يقرب صدقه لم يكن علينا -بل لم يكن لنا- أن نصدقه حيث لم يتبين لنا صدقه, فكيف إذا تبين لنا كذبه؟. اهـ.
* * *
стр. 1482
المطلب الثاني
في ذم الكذب
تكلم العلامة المعلمي في الفصل الخامس من مقدمة "التنكيل" على طوائف: أهل الرأي، وغلاة المقلدين في فروع الفقه، والمتكلمين، وذكر شيئا من نشأتها وخصائصها - لاسيما الأولى والأخيرة، ثم قال:
ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمين لم يُقدموا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما يَحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي المقلدين، أما الأستاذ -يعني الكوثري- فبرز على هؤلاء جميعًا!
وأما كُتَّاب العصر فإنهم مقتدون بكُتَّاب الإفرنج الذين يتعاطون النظر في الإسلاميات ونحوها، وهم مع ما في نفوسهم من الهوى والعداء للإسلام إنما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منه.
فمن الموانع: التدين والخوف من رب العالمين الذي بيده ملكوت الدنيا والآخرة. وقد قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ﴾ [النحل: ١٠٥].
وفي "الصحيح" عن النبي ﷺ : "علامة المنافق ثلاث وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حَدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف" وإخلاف الوعد أغلب ما يكون إذا كان الوعد كذبًا، والخيانة تعتمد الكذب كما لا يخفى. وقال أبو بكر الصديق: "الكذب مجانب للإيمان".
стр. 1483
فأما توهم حِلّ الكذب في مصلحة الدين فلا يكون إلا من أجهل الناس وأشدهم غفلة؛ لأن حظر الكذب مطلقًا هو من أظهر الأحكام الشرعية.
وأولئك الكُتَّاب لا يعرفون هذا المانع لأنهم لا يجدونه في أنفسهم ولا يجدون فيمن يخالطونه مَنْ تقهرهم سيرته على اعتقاب اتصافه بهذا المانع لضعف الإيمان في غالب الناس ورقة التدين.
ولا يعرفون من أحوال سلف المسلمين ما يقهرهم على العلم باتصافهم بذلك المانع؛ لأنهم إنما يطالعون التواريخ وكتب الأدب كـ "الأغاني" ونحوها، وهذه الكتب يكثر فيها الكذب والحكايات الفاجرة ... ولو عكف أولئك الكُتَّاب على كتب السُّنَّة ورجالها وأخبارهم لعلموا أن هذه الطائفة, وهي طائفة أصحاب الحديث، كان ذلك المانع غالبًا فيهم ...
ومن الموانع: خوف الضرر الدنيوي، وأولئك الكُتَّاب يعرفون شرط هذا المانع وهو الضرر الماديّ، فإنهم يعلمون أن أرباب المصانع والمتاجر الكبيرة يتجنبون الخيانة والكذب في المعاملات خوفًا من أن يسقط اعتماد المعاملين عليهم فيعدلوا إلى معاملة غيرهم ...
فأما الشطر المعنوي فإن أولئك الكُتَّاب لا يقدرون قدره.
فأقول: كان العرب يحبون الشرف ويرون أن الكذب من أفحش العيوب المسقطة للرجل، وفي أوائل "صحيح" البخاري في قصة أبي سفيان بن حرب: "أن هرقل لما جاء كتاب النبي ﷺ دعا بمن كان بالشام من تجار قريش، فأتي بأبي سفيان ورهط معه قال: دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقربهم نسبًا، قال: أدنوه مني، قربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره, ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كَذَبَني فَكَذِّبُوه قال: فوالله لولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذبًا لكذبت عليه ... ".
стр. 1484
قال ابن حجر في "فتح الباري": "وفي قوله: يأثروا دون قوله: يكذبوا دليل على أنه كان واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ ، لكنه ترك ذلك استحياءً وأَنَفَةً من أن يتحدثوا بعد أن يرجعوا فيصير عند سامعي ذلك كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك".
أقول -المعلمي: وهذا هو الذي أراده هرقل، ثم جاء الإسلام فشدّد في تقبيح الكذب جدًّا حتى قال الله : ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥].
وتوهَّم رجل من صغار الصحابة أمرًا فأخبر بما توهمه وما يقتضيه ففضحه الله إلى يوم القيامة إذ أنزل فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].
ثم كان الصحابي يرى من إكرام التابعين له وتوقيرهم وتبجيلهم ما لا يخفى أثره على النفس ويعلم أنه إن بان لهم منه أن كذب كذبة سقط من عيونهم مقتوه واتهموه بأنه لم يكن مؤمنًا وإنما كان منافقًا.
وقد كان بين الصحابة ما ظهر واشتهر من الاختلاف والقتال، ودام ذلك زمانا ولم يبلغنا عن أحدٍ منهم أنه رمى مخالفه بالكذب في الحديث.
وكان التابعون إذا سمعوا حديثًا من صحابي سألوا عنه غيره من الصحابة ولم يبلغنا أن أحدًا منهم كذب صاحبه، غاية الأمر أنه قد يخطئه ...
ثم كان الرجل من أصحاب الحديث يرشح لطلب الحديث وهو طفل، ثم ينشأ دائبًا في الطلب والحفظ والجمع ليلًا ونهارًا أو يرتحل في طلبه إلى أقاصي البلدان، ويقاسي المشاقَّ الشديدة كما هو معروف في أخبارهم، ويصرف في ذلك زهرة عمره إلى نحو ثلاثين أو أربعين سنة وتكون أمنيته الوحيدة من الدنيا أن يقصده أصحاب الحديث ويسمعوا منه ويرووا عنه.
стр. 1485
وفي "تهذيب التهذيب" (ج ١١ ص ١٨٣): "قال عبد الله بن محمود المروزي: سمعت يحيى بن أكثم يقول: كنت قاضيا وأميرًا ووزيرًا، ما ولج سمعي أحلى من قول المستملي (١): من ذكرتَ؟ رضي الله عنك".
وفيه (ج ٦ ص ٣١٤): "روي عن عبد الرزاق أنه قال: حججت فمكثت ثلاثة أيام لا يجيئني أصحاب الحديث، فتعلقت بالكعبة وقلت: يا رب ما لي أكذاب أنا؟ أمدلس أنا؟ أمدلس أنا؟ فرجعت إلى البيت فجاءوني".
وقد علم طالب الحديث في أيام طلبه تشدد علماء الحديث وتعنتهم وشدة فحصهم وتدقيقهم، حتى إن جماعة من أصحاب الحديث ذهبوا إلى شيخ ليسمعوا منه فوجدوه خارج بيته يتبع بغلة له قد انفلتت يحاول إمساكها وبيده مخلاة يرجها البغلة ويدعوها لعلها تستقر فيمسكها، فلاحظوا أن المخلاة فارغة فتركوا الشيخ وذهبوا وقالوا: إنه كذاب كذب على البغلة بإيهامها أن المخلاة (٢) شعيرًا، والواقع أنه ليس فيه شيء.
فمن تدبر أحوال القوم بان له أنه ليس العجب ممن تحرز عن الكذب منهم طول عمره، وإنما العجب ممن اجترأ على الكذب.
كما أنه من تدبر كثرة ما عندهم من الرواية وكثرة ما يقع من الالتباس والاشتباه وتدبر تعنت أئمة الحديث بان له أنه ليس العجب ممن جرحوه، بل العجب ممن وثقوه ... ".
стр. 1486
تنبيه:
قال العلامة المعلمي في القاعدة الأولى من قسم القواعد من "التنكيل":
"تنبيه: ليس من الكذب ما يكون الخبر ظاهرًا في خلاف الواقع محتملًا للواقع احتمالًا قريبًا وهناك قرينة تدافع ذاك الظهور بحيث إذا تدبر السامع صار الخبر عنده محتملًا للمعنيين على السواء.
كالمجمل الذي له ظاهر ووقت العمل به لم يجيء.
وكالكلام المرخص به في الحرب.
وكالتدليس، فإن المعروف بالتدليس لا يبقى قوله: "قال فلان" ويُسمي شيخا له: ظاهرًا في الاتصال، بل يكون محتملًا.
وهكذا من عرف بالمزاح، إذا مزح بكلمة يعرف الحاضرون أنه لم يرد بها ظاهرها -وإن كان فيهم من لا يعرف ذلك- إذا كان المقصود ملاطفته أو تأديبه عَلى أن يُنَبَّه في المجلس.
وهكذا فلتات الغضب، وكلمات التنفير عن الغلوّ ... على فرض أنه وقع فيها ما يظهر منه خلاف الواقع.
وقد بسطت هذه الأمور وما يشبهها في رسالتي في "أحكام الكذب".
فأما الخطأ والغلط فمعلوم أنه لا يضر وإن وقع في رواية الحديث النبوي، فإذا كثر وفحش من الراوي قدح في ضبطه ولم يقدح في صدقه وعدالته. والله الموفق". اهـ.
* * *
стр. 1487
المطلب الثالث
في الرواية عن الكذابين والمتروكين ونحوهم
• في ترجمة: محمد بن أبي الأزهر من "التنكيل" رقم (١٩٠) الإشارة إلى حكاية ساقها الخطيب في "التاريخ" من طريق محمد هذا، مع قول الخطيب فيه: "كان كذابًا قبيح الكذب ظاهره".
قال العلامة المعلمي:
"قد يُعْرَفُ صدقُ بعض أخبار الكذاب بدلالة، وأشهر الرواة بالكذب محمد بن السائب الكلبي ومع ذلك روى عنه ابن جريج والسفيانان وابن المبارك وغيرهم من الأجلّة. وكان الثوري يُحذِّرُ منه ويروي عنه, فقيل له في ذلك؟ فقال: أنا أعرفُ صدقه من كذبه، وَرَووا عنه في التفسير وغيره, فما بالك بالتاريخ الذي تدعو الحاجة إلى تزيينه بالحكايات المستظرفة؟ ". اهـ.
• وفي ترجمة: أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود من "التنكيل" رقم (٢٤):
قال المعلمي:
"كذَّب الخطيب أحمد هذا وروى في غير ترجمة أبي حنيفة من طريقه حكايتين غير منكرتين، لا عيب في ذلك على الخطيب، فقد روى السفيانان وابن جريج وابن المبارك وغيرهم من الأئمة عن الكلبي مع اشتهاره بالكذب، وفي ترجمته من "الميزان": يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي فقيل: فإنك تروي عنه، قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اهـ.
стр. 1488
• وفي ترجمة: عباد بن كثير الثقفي البصري من "التنكيل" رقم (١١٦):
قال الكوثري: "كان الثوري يكذبه ويحذر الناس من الرواية عنه, فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثله؟ ".
فقال العلامة المعلمي:
"تحذير الثوري من الثقفي معروف، فأما تكذيبه له فإنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه، فإن صح فإنما أراد الوهم والغلط.
وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة، منهم ابن المبارك وأحمد وابن معين وأبو زرعة والعجلي، ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في الحديث، وأنه يحدث بما لم يسمع لبلهه وغفلته، فانظر هل يتناول ذلك حكايته المذكورة، وهي قوله: "قلت لأبي حنيفة ... " فذكر سؤالًا وجوابًا، وقد تقدم أن الخطيب روى نحوها من وجه آخر.
وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن عباد ما يظهر له صحته, وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من "الميزان": "يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه. قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اهـ.
فائدة: الرواية عمن فسد فصار يكذب قد تُحمل على ما قَبل أن يفسد:
• في ترجمة محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله أبي المفضل الشيباني من "التنكيل" رقم (٢١٦) وقد ساق الخطيب عن الأزهري عنه شيئًا، فقال المعلمي:
"ذكروا أنه كان ذا هيئة وسمت حسن يحفظ، فانتخب عليه الدارقطني سبعة عشر جزءًا وسمعها الناس منه، وقال الدارقطني: "يشبه الشيوخ".
стр. 1489
ثم روى (١) عن ابن العراد شيئًا، فقيل له: الأكبر أم الأصغر؟ فقال الأكبر. فقيل له: متى سمعت منه؟ فقال: سنة ٣١٠ فبلغ ذلك الدارقطني، فكذبه في ذلك وتركوا السماع منه، ثم فسد بعد ذلك فانضم إلى الرافضة، وصار يضع لهم على ما قال الخطيب.
والأزهري الذي روى الخطيب هنا عنه عن هذا الرجل هو ممن حكى القصة، فإنما روى عنه من تلك الأجزاء التي انتخبها الدارقطني والله المستعان". اهـ.
* * *
стр. 1490
المطلب الرابع
في رواية الأحاديث المكذوبة والباطلة والمنكرة في الكتب
• ترجم المعلمي لأبي نعيم الأصبهاني الحافظ في "التنكيل" رقم (٢١) ونقل غمز الكوثري لأبي نعيم بقوله: " ... ويذكر الخبر الكاذب وهو يعلم أنه كذب، ويعلم أيضًا ما يترتب على ذلك من اغترار جهلة أهل مذهبه بذكره الخبر المذكور ... ومن المعروف أن عادة أبي نعيم سوق الأخبار الكاذبة بأسانيده بدون تنبيه على كذبها".
فقال العلامة المعلمي:
"أما سياقه في مؤلفاته الأخبار والروايات الواهية التي ينبغي الحكم على كثير منها بالوضع فمعروف، ولم ينفرد بذلك، بل كثير من أهل عصره ومن بعدهم شاركوه في ذلك، ولاسيما في كتب الفضائل والمناقب، ومنها مناقب الشافعي ومناقب أبي حنيفة, ثم يجيء من بعدهم فيحذفون الأسانيد ويقتصرون على النسبة إلى تلك الكتب، وكثيرًا ما يتركون هذه النسبة أيضًا كما في "الإحياء" وغيره.
وفي "فتح المغيث" (ص ١٠٦) في الكلام على رواية الموضوع: "لا يبرأ من العهدة في هذه الأعصار بالاقتصار على إيراد إسناده بذلك لعدم الأمن من المحذور به وإن صنعه كثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا، خصوصًا الطبراني. وأبو نعيم وابن منده، فإنهم إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته ... قال شيخنا: وكان ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان ... ".
أقول: "مدار التشديد في هذا على الحديث الصحيح: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
стр. 1491
ومن تدبر علم أنه إنما يكون كاذبا على أحد وجهين:
الأول: أن يرسل ذاك الحديث جازمًا كأن يقول: قال النبي ﷺ ...
الثاني: أن يكون ظاهر حاله في تحديثه أن ذاك الخبر عنده صدق أو محتمل أن يكون صدقًا فيكون موهمًا خلاف الواقع فيكون بالنظر إلى ذاك الإيهام كاذبًا، وقد علمنا أن قول من صحب أنسًا: "قال أنس ... " موهم بل مفهم إفهامًا تقوم به الحجة أنه سمع ذلك من أنس، إلا أن يكون مدلسًا معروفًا بالتدليس، فإذا كان معروفًا بالتدليس فقال فيما لم يسمعه من أنس: "قال أنس ... " لم يكن كاذبًا ولا مجروحًا، وإنما يلامُ على شرهه، ويُذْكَرُ بعادته لتعرف فلا تحمل على عادة غيره، وذلك أنه لما عُرف بالتدليس لم يكن ظاهرُ حاله أن لا يقول: "قال أنس ... " إلا فيما سمعه من أنس، وبذلك زال الإفهام والإيهام فزال الكذب.
فهكذا وأولى منه: من عُرف بأنه لحرصه على الجمع والإكثار والإغراب وعلو الإسناد يروي ما سمعه من الأخبار وإن كان باطلًا ولا يبّين، فإنه إذا عرف بذلك لم يكن ظاهر حاله أنه لا يحدث غير مبين إلا بما هو عنده صدق أو محتمل للصدق، فزال الإيهام فزال الكذب، فلا يجرح ولكن يلام على شرهه ويذكر بعادته لتعرف، وكما يكفي المدلس أن يعرف عادتَه أهلُ العلم وإن جهلها غيرهم فكذلك هذا؛ لأن الفرض على غير العلماء مراجعة العلماء، على أن العامّة يشعرون في الجملة بما يدفع اغترارهم الذي هوّل به الأستاذ، ولذلك كثيرًا ما نسمعهم إذا ذكر لهم حديث قالوا: هل هو في البخاري؟
فعلى هذا القول في أبي نعيم ومن جرى مجراه: إن احتمل أنهم لانهماكهم في الجمع لم يشعروا ببطلان ما وقع في رواياتهم من الأباطيل فعذرهم ظاهر، وهو أنهم لم يحدثوا بما يرون أنه كذب، وإنما يلامون على تقصيرهم في الانتقاد والانتقاء، وإن كانوا شعروا ببطلان بعض ذلك فقد عرفت عادتهم فلم يكن في ظاهر حالهم ما
стр. 1492
يوجب الإيهام، فلا إيهام ولا كذب فإن اغتر ببعض ما ذكروه مَنْ قد عَرفَ عادتهم من العلماء بالرواية فعليه التَّبعَةُ، أو مَنْ لم يعرف عادتهم ممن ليس من العلماء بالرواية فَمِنْ تقصيره أُتِيَ؛ إذ كان الفرض عليه مراجعة العلماء بالرواية، ولذلك لم يَجْرَحْ أهلُ العلم أبا نعيم وأشباهه, بل اقتصروا على لومهم والتعريف بعادتهم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات". اهـ.
• وترجم المعلمي لأبي الشيخ الأصبهاني الحافظ في "التنكيل" رقم (١٢٩) وأورد قول الكوثري فيه: "صاحب كتاب "العظمة" وكتاب "السنة" وفيهما من الأخبار التالفة ما لا آخر له".
فقال المعلمي:
"أما ما في كتبه من الأخبار الواهية فهو كغيره من حفاظ عصره وغيرهم. قال ابن حجر في "لسان الميزان" (ج ٣ ص ٧٥) في ترجمة الطبراني: "عاب عليه إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي جَمْعَهُ الأحاديث الأفراد مع ما فيها من النكارة الشديدة والموضوعات ... وهذا أمر لا يختص به الطبراني ... بل أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته".
وقد مَرَّ النظر في ذلك في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني". اهـ.
• وترجم المعلمي لأبي بكر الخطيب في "التنكيل" رقم (٢٦) وأورد من مزاعم ابن الجوزي في الخطيب قوله: "وقد ذكر في كتاب الجهر أحاديث يعلم أنها لا تصح، وفي كتاب القنوت أيضًا، وذكر في مسألة صوم يوم الغيم حديثًا يَدْري أنه موضوع، فاحتج به ولم يذكر عليه شيئًا، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "من روى حديثا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
فقال المعلمي:
стр. 1493
الجواب من أوجه:
الأول: أن الخطيب إن كان قصد بجمع تلك الرسائل جمع ما ورد في الباب فلا احتجاج، وإن كان قصد الاحتجاج فبمجموع ما أورده, لا بكل حديث على حدة.
الثاني: أننا عرفنا من ابن الجوزي تسرعه في الحكم بالوضع والبطلان، وترى إنكار أهل العلم عليه في كتب المصطلح في بحث "الموضوع".
الثالث: أن من جملة ما أورده في "الموضوعات" وَحْدها أكثر من ثلاثين حديثًا رواها الإمام أحمد في "مسنده" ولعله أورد في "الأحاديث الواهية" أضعاف ذلك، فيقال له: إن كنت ترى أنه خفي على الإمام أحمد ما عَلِمْتَهُ من كون تلك الأحاديث موضوعة أو باطلة، فما نراك أحسنت الثناء عليه, وعلى ذلك فالخطيب أَوْلى أن يخفى عليه.
الرابع: لا يلزم من زعم ابن الجوزي أن الحديث موضوع باطل أن يكون الخطيب يرى مثل رأيه.
الخامس: قد يجوز أن يكون الحديث موضوعًا أو باطلًا ولم ينتبه الخطيب لذلك.
السادس: إذا رُوي الحديث بسند ساقط لكنه قد روي بسند آخر حسن أو صالح أو ضعيف ضعفًا لا يقتضي الحكم ببطلانه لم يجز الحكم ببطلان المتن مطلقًا، ولا يدخل من رواه بالإسنادين معًا في حديث: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين".
وقد يُتوسع في هذا فَيُلْحق به ما إذا كان المتن المروي بالسند الساقط ولم يُرو بسند أقوى لكن قد رُوي معناه بسند أقوى، يقوي هذا أن المفسدة إنما تعظم في نسبة الحكم إلى النبي ﷺ مع ظن أنه كذب، لا في نسبة اللفظ، وشاهد هذا جواز الرواية بالمعنى. اهـ.
فائدة: في النظر في كتب الهلكى والمتروكين لأغراض صحيحة لا لأجل الاعتماد على
стр. 1494
ما فيها:
• ساق المعلمي في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل رقم (٣٢) من "التنكيل" ما جاء في "تاريخ" الخطيب (٣/ ١٧٧) أن أحمد كان ربما نظر في كتب أبي يوسف ومحمد بن الحسن، وكان أكثر نظره في كتب الواقدي، ثم قال المعلمي:
"في الحكاية أنه كان قليل النظر في كتبهما، كثير النظر في كتب الواقدي، هذا مع أنه من أسوأ الناس رأيا في الواقدي، فلم يكن ينظر في كتبه ليعتمد عليه، بل رجاء أن يرى فيها الشيء مما يهمه فيبحث عنه من غير طريق الواقدي على حَدِّ قول الله ﵎: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ فلم يأمر بإلغاء خبر الفاسق إذ لعلّه صادق، بل أمر بالتبيّن، فخبر الفاسق يكون تنبيهًا يستدعي الالتفات إلى ما أخبر به والاستعداد له وعدم الاسترسال مع ما يقتضيه الأصل من عدمه حتى يبحث عنه فيتبين الحال. اهـ.
* * *
стр. 1495
المطلب الخامس
في سرقة الحديث
أولًا: المقصود بسرقة الحديث:
إذا أخذ الرجل أحاديثَ الناس فرواها عن شيوخهم، فإن كان يصرح في ذلك بالسماع فهذا هو المعروف بسرقة الحديث، وهو كذب، وإلا فهو تدليس.
أفاده المعلمي في ترجمة يحيى بن عبد الحميد الحماني من "التنكيل" رقم (٢٦٥).
ثانيًا: الباعث على سرقة الحديث وقيمة معرفة ذلك:
قال الخطيب في "التاريخ" (ج ١٣ ص ٣٩٤): "أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمدان حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ حدثنا القاسم بن أبي صالح ... ".
زعم الكوثري أن صالحًا هذا هو ابن أبي مقاتل القيراطي الذي رماه ابن حبان بسرقة الحديث.
فدفع العلامة المعلمي: تعالى هذا الزعم من سبعة أوجه في "طليعة التنكيل" (ص ١٣ - ١٤) ثم في ترجمة صالح بن أحمد من "التنكيل" رقم (١٠٩)، وأثبت أنه: صالح بن أحمد بن محمد أبو الفضل التميمي الهمذاني الحافظ الثقة الثبت.
والذي يعنينا هنا قول المعلمي في صالح الواقع في السند:
"ينبغي بمقتضى العادة ألا يكون توفي بعد القاسم بمدة؟ وأن لا يكون بين وفاته ووفاة الراوي عنه مدة طويلة بما يندر مثله".
ثم قال: "لم تذكر له -يعني القيراطي- رواية عن القاسم".
стр. 1496
وعلق المعلمي هنا في الحاشية قائلًا:
"والقيراطي متهم بسرقة الحديث، إنما يحمله على ذلك تَرفُّعُه أن يروي عن أقرانه فمن دونهم، وشيوخه توفوا سنة ٢٥٢ أو نحوها، وأقدم شيخ سمي: القاسم توفي سنة ٢٧٧، وشيخه في هذه الحكاية توفي سنة ٢٩٤، فكيف يروي سارق الحديث عن أصغر منه بنحو خمس عشرة سنة عن أصغر من شيوخ السارق بنحو أربعين سنة؟
• وقال المعلمي في ترجمة صالح رقم (١٠٩) من "التنكيل":
"وشيوخ القيراطي قدماء كما مر، وهو مَرْمِيٌّ بسرقة الحديث، والباعث على سرقة الحديث هو الغرام بدعوى العلوّ، فمن حمله غرامه بالعلو على الكذب فكيف بَعْدَ سماعه من الذين توفوا سنة ٢٥٢ ينزل إلى الرواية عمن كان في تلك السنة طفلًا أو لم يولد؟ وهو القاسم بن أبي صالح المتوفى سنة ٣٣٨، فإن أقدم من سمي من شيوخ القاسم: أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٢٧٧، بل إذا روى القيراطي عن محمد بن أيوب شيخ القاسم في تلك الحكاية لكان نزولًا؛ فإن محمد بن أيوب توفي سنة ٢٩٤ ". اهـ.
ثالثًا: من دلائل الاتهام بسرقة الحديث:
• قال العلامة المعلمي في ترجمة: إبراهيم بن محمد بن يحيى أبي إسحاق المُزكِّي النيسابوري، رقم (٩) من "التنكيل":
"وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه منها.
стр. 1497
وفي الحال الثانية يقال: مِنْ أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فَيُتَّهم بسرقة الحديث، كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: "كان أضعفَنا طَلَبًا وأكثرَنا غرائب". اهـ. (١).
رابعًا: بعض مسالك الكذابين والسارقين:
١ - تركيب الأسانيد على متون مسروقة:
• قال العلامة المعلمي في ترجمة محمد بن سعيد البورقي من "التنكيل" رقم (٢٠٧):
"من شأن الدجالين أن يركب أحدهم للحديث الواحد عدة أسانيد تغريرًا للجهال، وأن يضع أحدهم فيسرق الآخر ويركب سندًا من عنده, ومن شأن الجهال المتعصبن أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد" (٢).
أمثلة تطبيقية على ذلك:
المثال الأول:
• أورد الشوكاني في "الفوائد" (ص ٣٧٤) حديث: "أن عليًّا رأى النبي ﷺ عند الصفا وهو مقبل على شخص في صورة الفيل وهو يلعنه. فقلت: من هذا الذي تلعنه يا رسول الله؟ قال: هذا الشيطان الرجيم. فقلت: والله يا عدو الله لأقتلنك ولأريحن الأمة منك. فقال: ما هذا جزائي منك. قلت: وما جزاؤك يا عدو الله؟ قال: والله ما أبغضك أحدٌ إلا شاركتُ أباه في رحم أمه".
стр. 1498
قال الشوكاني: "رواه ابن مردويه عن علي مرفوعًا، وفي إسناده: إسحاق بن محمد النخعي، وهو من الغلاف وكان يعتقد في عليّ الألوهية".
ورواه الخطيب أيضًا بلفظ: والله ما أبغضك أحد إلا قد شاركت أباه في أمه".
قال المعلمي على رواية الخطيب:
"من طريق محمد بن يزيد بن أبي الأزهر، وهو كذاب يضع، سرق هذا الخبر من النخعي، وركب له إسنادا آخر، وزاد فيه". اهـ.
المثال الثاني:
• أورد الشوكاني (ص ٣٧٩) حديث: "مثلي مثل شجرة, أنا أصلها، وعليٌّ فرعها، والحسن والحسن ثمرتها، والشيعة ورقها، فأي شيء يخرج من الطيب إلا الطيب".
قال الشوكاني: رواه ابن مردويه عن علي مرفوعًا، وفي إسناده: عباد بن يعقوب وهو رافضي.
قال المعلمي:
"عباد على رفضه وحُمقه صدوق، رواه عن يحيى بن بشار الكندي، عن عمرو ابن إسماعيل الهمداني، وهما مجهولان، فالحمل عليهما، وفي ترجمتيهما من "الميزان" و"اللسان" ذكر هذا الخبر".
وقال الشوكاني: وقد أخرج هذا الحديث: الحاكم في "المستدرك"، وقال: متن شاذ، وتعقب بأن في إسناده من يكذب وأن هذا الحديث موضوع.
قال المعلمي:
"أخرجه الحاكم عن "محمد بن حيويه بن المؤمل، عن الدبري، عن عبد الرزاق، عن أبيه، عن ميناء، قال: سمعت رسول الله ... إلخ".
стр. 1499
زعم الحاكم أن ميناء صحابي، وإنما أخذ صحبته من هذا الخبر، قال الذهبي: "ما قال هذا بشر سوى الحاكم، وإنما ذا -يعني ميناء- تابعي ساقط. قال أبو حاتم: كذاب يكذب ... ولكن أظن أن هذا وُضِعَ على الدبري، فإن ابن حيويه متهم بالكذب".
قال المعلمي:
"هذا هو الصواب، سرقه محمد بن حيويه من عباد، وركبه على ذاك السند، وافتضح بقوله عن ميناء: "سمعت". اهـ.
٢ - السارق يُدخل الحديثَ على من لا يُظن به الكذب ترويجًا له:
• أورد الشوكاني في "الفوائد المجموعة (ص ١٧٥) حديث: "أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فشكا قلة الولد، فأمره أن يأكل البيض والبصل" وقال: رواه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعًا وقال: موضوع بلا شك.
... ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عمر مرفوعًا: "أن نبيا من الأنبياء شكا إلى الله الضعف فأمره بأكل البيض". قال: تفرد به ابن أزهر عن أبي الربيع.
قال المعلمي:
"الآفة فيه: محمد بن يحيى بن ضرار، راجع ترجمته في اللسان، وقد سرقه منه جماعة، وأدخلوه على بعض من لا يتعمد الكذب".
وفي موضع آخر: "رواه غير ابن أزهر، والذي تولى كبره محمد بن يحيى بن ضرار، والباقون بين سارقٍ ومُدْخَل عليه".
٣ - الكذب على المغمورين أبعد عن الفضيحة:
• ترجم المعلمي لأحمد بن محمد بن الصلت الحِمَّاني في "التنكيل" رقم (٣٤) وأورد ما رواه الخطيب من طريق ابن الصلت: حدثنا محمد بن المثنى صاحب بشر
стр. 1500
ابن الحارث قال سمعت ابن عيينة قال: العلماء: ابن عباس في زمانه، الشعبي في زمانه، وأبو حنيفة في زمانه".
قال الخطيب: ذِكْرُ أبي حنيفة في هذه الحكاية زيادة من الحماني، ثم بيّن أن المحفوظ عن ابن عيينة قوله: علماء الأزمنة ثلاثة: ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، وسفيان الثوري في زمانه".
بين المعلمي أن محمد بن المثنى المذكور في الإسناد ليس هو أبو موسى الزَّمِن البصري الحافظ كما يوهمه صنيع الكوثري، وإنما هو كما نُصَّ عليه في الاسناد: صاحب بشر بن الحارث وترجمته في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ٢٨٦) وفيها: "محمد ابن المثنى بن زياد أبو جعفر السمسار كان أحد الصالحين صحب بشر بن الحارث وحفظ عنه وحدث عن نوح بن يزيد وعفان بن مسلم وغيرهم ... ".
قال ابن أبي حاتم: "كتبت عنه مع أبي وهو صدوق" ومات سنة ٢٦٠. لم يخرج له أحد من الستة.
ثم قال المعلمي:
"يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة، وأنّ ابن الصلت افتضح في روايته عنه أنه قال: "سمعت ابن عيينة"؛ فإن ابن عيينة مات سنة ١٩٨، والمُسَمَّوْن من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان، فبشر بن الحارث سنة ٢٢٧، وعفان ٢٢٠، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم أظفر بتاريخ وفاته لكن ذكروا في الرواة عنه أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة ١٩٨ كما في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ١٨١)، وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخزاز المقرىء المتوفى سنة ٢٨٦ كما في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ٣٠٣)، فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين أو بعد ذلك.
стр. 1501
أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدم شيوخه وأجلهم، فلو عرفوا للسمسار سماعًا من ابن عيينة أو أحد أقرانه أو من قرب منهم لكان أَوْلى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعفان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب فما الذي منعه أن يسمي شيخًا أشهر من السمسار وأثبت لا يُشك في سماعه من ابن عيينة؟
قلت: منعه علمه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يفتضح لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين الذين لم يرغب أهل العلم في استقصاء ما رووه". اهـ.
٤ - أمثلة للتهمة بسرقة الحديث ونظر المعلمي في ذلك:
المثال الأول:
ترجم العلامة المعلمي لـ: فهد بن عوف أبي ربيعة في "التنكيل" رقم (١٧٧) وقال: "قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ما رأيت بالبصرة أكيس ولا أحلى من أبي ربيعة فهد بن عوف وكان ابن المديني يتكلم فيه ... قيل لأبي: ما تقول فيه؟ فقال: تعرف وتنكر، وحرك يده" ثم ذَكَر عن أبي زرعة قصةً حاصلُها: أن أبا إسحاق الطالقاني وَرَدَ البصرة فحدَّثَ من حديث ابن المبارك بحديثين غريبين، أحدهما: عن وهيب بسنده, والآخر: عن حماد بن سلمة بسنده، فبعد مدّة يسيرة حدث فهد بالحديث الأول عن وهيب بن خالد بذاك السند، والثاني عن حماد بن سلمة بسنده، فَرَمَوْا فهدًا بسرقة الحديثين، وأنه إنما سمعهما من الطالقاني عن ابن المبارك عن وهيب وعن حماد، فحدث بهما عن وهيب وعن حماد، وغلط مع ذلك فروى الأول عن وهيب بن خالد، وإنما وهيب شيخ ابن المبارك وهيب بن الورد.
والحجة في رميه بسرقة الحديث الثاني أنه حديث غريب لم يكن في كتب حماد بن سلمة، ولا رواه عنه غير ابن المبارك حتى حدث به الطالقاني عن ابن المبارك فوثب عليه فهد.
стр. 1502
وقد يحتمل في هذا أن يكون فهد قد سمعه من حماد بن سلمة ثم غفل عنه، فلما حدث به الطالقاني واستفاده الناس وأعجبوا به فتش فهد في كتبه فوجده عنده عن حماد بن سلمة، ولكن في هذا الاحتمال بُعْد.
فأما الحديث الأول فالتهمة فيه أشدّة لأنه ليس من حديث وهيب بن خالد أصلًا، وإنما هو من حديث وهيب بن الورد.
ولا يخفى أنه ليس من الممتنع أن يكون الحديث عند وهيب بن خالد أيضًا ولم يسمعه منه إلا فهد، لكن في هذا من البُعْد ما فيه.
فالظاهر أن هذين الحديثين -هُمَا ولاسيما الأول- بَلِيَّةُ هذا الرجل؛ لأجل ذلك كذبه ابن المديني وتكلم فيه غيره.
لكن يظهر من كلمة ابن أبي حاتم (١) أنه متوقف. وقال ابن أبي حاتم: "قلت لأبي زرعة: يكتب حديثه؟ فقال: أصحاب الحديث ربما أراهم يكتبونه"، وأسند إلى ابن معين أنه سئل عنه فقال: "ليس لي به علم، لا أعرفه، لم أكتب عنه" وقد يبعد أن لا تكون القصة بلغت ابن معين، ومع ذلك توقف.
... والذي يتجه أنه إن كان صرح في الحديث الأول بسماعه من وهيب بن خالد فقد لزمته التهمة، وإن لم يصرح وإنما رواه بصيغة تحتمل التدليس، فقد يقال: لعله دَلَّسه، ولكن يبقى أنهم لم يذكروه بالتدليس، والمدلِّس إنما يَسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عُرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذبًا، وقد يقال: كان جازمًا بصحة الخبرين عن وهيب وحماد فاستجاز تدليسهما وإن لم يكن قد عُرف بالتدليس، وفي هذا نظر والله أعلم. اهـ.
стр. 1503
المثال الثاني:
ترجم المعلمي لـ: قطن بن إبراهيم في "التنكيل" رقم (١٨١) ونقل قولَ الكوثري فيه: "حدث بحديث إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في الدباغ، فطالبوه بالأصل فأخرجه وقد كتبه على الحاشية، فتركه مسلم بعد أن صار إليه وكتب عنه جُمْلَةً، وهو متهم بسرقة حديث حفص عن (١) محمد بن عقيل".
فقال المعلمي:
"هو حديث واحد رواه محمد بن عقيل، عن حفص، عن عبد الله السلمي، عن إبراهيم بن طهمان, وكان قطن قد سمع من حفص كثيرًا، ثم ذكر محمد بن عقيل أن قطنًا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا الحديث.
فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص، فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال: "لم يكن حفظ هذا الحديث -يعني عن حفص- إلا أنا ومحمود أخو خشتام" واتَّهَمَ قطنًا أنه سرقه منه، ثم حدث به قطن بنيسابور، فطالبوه بالأصل، فدافعهم، ثم أخرجه، فرأوا الحديث مكتوبًا على الحاشية، فأنكروا ذلك.
هذا حاصل القصة، وقطن مكثر عن حفص وغيره. وقد قال الحاكم أبو أحمد: "حدث بحديثين لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء" وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يخطىء أحيانًا، يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه" وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٤١٦). وقال النسائي: "فيه نظر"، ثم روى عنه في "السنن". وقال الذهبي في "الميزان": "صدوق".
стр. 1504
فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث، فلعل الأَوْلى أن يحمل على العذر، فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص ثم نسيه أو خفى عليه أنه غريب، أو طمع أن يدلَّهُ محمد بن عقيل على حديث غريب آخر ثم ذكره وتنبَّه لفرديته فرواه.
وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية، أو لا يكون كتبه أولًا ثم لما ذكر أنه سمعه أو عرف أنه غريب ألحقه في الحاشية، وكان مع حفص في بلد واحد فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه.
وأهل الحديث جزاهم الله خيرًا ربما يشددون على الرجل وهم يرون أن له عذرًا؛ خشية أن يتساهل غيره طمعًا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم. اهـ.
المثال الثالث:
ترجم المعلمي لـ: محمد بن يونس الجمال في "التنكيل" رقم (٢٤٠) ونقل قولَ الكوثري فيه: "قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابنٌ يُدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ".
فقال المعلمي:
"محمد بن الجهم هو السمري، صدوق، وليس من رجال هذا الشأن. وقوله: "قالوا: كان له ابن ... " لم يبيّن مَن القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي عن ابن عيينة، وحسن الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة, فالحكم على
стр. 1505
الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبين، لكن لم أر من وثق الجمال، فهو ممن يستشهد به في الجملة، والله أعلم. اهـ.
المثال الرابع:
راجع ترجمة: إبراهيم بن أبي الليث من القسم الأول من هذا الكتاب.
خامسًا: السارق لا يُعتد بمتابعته:
وهذا واضح ومستفيض في كلام الشيخ المعلمي، وقد سبقت نماذج من ذلك.
* * *
стр. 1506
المطلب السادس
من قواعد الحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع، وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب
أولا: قال الشيخ المعلمي في مقدمة الفوائد المجموعة:
هذه قواعد يحسن تقديمها:
إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي ﷺ .
فقد يقول: "باطل" أو"موضوع"، وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمدا أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمدا، غير أن هذا المتبادر لم يلتفت إليه جامعوا كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يرون قيام الدليل على بطلانه، وإن كان الظاهر عدم التعمد.
قد تتوفر الأدلة على البطلان، مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يُتهم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقا فاضلا، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أدخل عليه الحديث.
كثيرا ما يذكر ابن الجوزي الخبر، ويتكلم في راوٍ من رجال سنده، فيتعقبه بعض من بعده بأن ذاك الراوي لم يتهم بتعمد الكذب، ويعلم حال هذا التعقب من القاعدتين السابقتين.
نعم، قد يكون الدليلُ الآخر غيرَ كافٍ للحكم بالبطلان، ما لم ينضم إليه وجود راوٍ في السند معروف بتعمد الكذب، ففي هذه الحال يتجه ذاك التعقب.
стр. 1507
ثانيًا: نماذج من تطبيق المعلمي لتلك القواعد:
١ - قال المعلمي في "حاشية الفوائد المجموعة" (ص ٢١٥):
ابن لهيعة لم يكن يتعمد الكذب، ولكن كان يدلس، ثم احترقت كتبه, وصار من أراد جمع أحاديث على أنها من رواية ابن لهيعة، فيقرأ عليه وقد يكون فيها ما ليس من حديثه، وما هو في الأصل من حديثه: لكن وقع فيه تغيير، فيقرأ ذلك عليه. وقد عوتب في ذلك فقال: "ما أصنع؟ يجيئونني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك فأحدثهم".
نعم، إذا كان الراوي عنه ابن المبارك أو ابن وهب وصرح مع ذلك بالسماع فهو صالح في الجملة ..
فأما ما كان من رواية غيرهما، ولم يصرح فيه بالسماع، وكان منكرًا، فلا يمتنع الحكم بوضعه. اهـ.
٢ - وقال في "الفوائد" (ص ٤٧٠):
ليث -ابن أبي سليم- كما في "التقريب": "صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك"، ومثله: "إذا جاء بالمنكر الشديد الإنكار اتجه الحكم بوضعه". اهـ.
٣ - وفي "الفوائد" (ص ١٧١):
حديث: لا تسبوا الديك فإنه صديقي وأنا صديقه، وعدوه عدوي، والذي بعثني بالحق: لو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب والفضة، وإنه ليطرد مدى صوته من الجن.
قال الشوكاني:
رواه ابن حبان، وهو موضوع، وفي إسناده: رشدين وعبد الله بن صالح وهما ضعيفان جدًّا.
стр. 1508
وروي من حديث أنس مرفوعا بلفظ: من اتخذ ديكا أبيض في داره لم يقربه شيطان ولا السحرة.
وفي إسناده: يحيى بن عنبسة، وهو كذاب.
ورواه أبو بكر الرقي بلفظ: الديك الأبيض صديقي - إلخ.
وفي إسناده: وضاع.
ورواه العقيلي بلفظ: الديك الأبيض الأفرق حبيبي. وهو أيضا موضوع.
قال ابن حجر: لم يتبين لي الحكم بالوضع.
قلت: وقد رُوي من طرق بألفاظ مختلفة، وأكثرها لفظ: الديك الكبير الأبيض. فيكون الحديث ضعيفا لا موضوعا. اهـ.
فقال الشيخ المعلمي:
دافع ابن حجر عن ثلاث روايات. وحاصل دفاعه: أن المطعون فيهم من رواتها لم يبلغوا من الضعف أن يحكم على حديثهم بالوضع.
فإن كان مراده أنه لا يحكم بأنهم افتعلوا الحديث افتعالًا، فهذا قريب، ولكنه لا يمنع من الحكم على الحديث بأنه موضوع، بمعنى أن الغالب على الظن أن النبي ﷺ لم يقله، وأن من رواه من الضعفاء الذين لم يُعرفوا بتعمد الكذب، إما أن يكون أُدخل عليهم، وإما أن يكونوا غلطوا في إسناده. اهـ.
٤ - وفي "الفوائد" ص (٣٦١):
حديث: أمر رسول الله ﵌ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي.
... قال ابن حجر في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد: قول ابن الجوزي في هذا الحديث باطل، وأنه موضوع، دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين. وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم، ولا ينبغي
стр. 1509
الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أنه لا يمكن بعد ذلك؛ لأن فوق كل ذي علم عليم ...
قال الشوكاني:
ما ذكره من قوله: ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع: كلام غير صحيح. فإنه إذا تعذر الجمع لا يحل لأحد أن يحكم بوضع الموضوع، بل غاية ما يلزم تقديم الراجح عليه. وذلك لا يستلزم كونه موضوعًا بلا خلاف ...
فقال الشيخ المعلمي:
بل إذا تحقق التناقض ولزم من صحة أحدهما بطلان الآخر لزم الوضع، والحكم بالوضع يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اهـ.
٥ - وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد" ص (٣١٤):
المتروك إن لم يكذب عمدًا فهو مظنة أن يقع له الكذب وهمًا، فإذا قامت الحجة على بطلان المتن، لم يمتنع الحكم بوضعه، ولاسيما مع التفرد المريب. اهـ.
٦ - وفي "الفوائد" ص (٤٢٩):
حديث: أهل مقبرة عسقلان يزفون إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها.
... روى أحمد في المسند من حديث أنس مرفوعًا: عسقلان أحد العروسين ... أورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال في إسناده: أبو عقال هلال بن زيد، يروي عن أنس أشياء موضوعة.
وقال ابن حجر في القول المسدد: وهذا الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط، وما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه.
وطريق الإمام أحمد معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام.
стр. 1510
قال الشوكاني:
هذا كلامه، ولا يخفاك أن هذه مراوغة من الحافظ ابن حجر، وخروج من الإنصاف. فإن كون الحديث في فضائل الأعمال، وكون طريقة أحمد: معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل: لا يوجب كون الحديث صحيحًا ولا حسنًا، ولا يقدح في كلام من قال في إسناده وضاع. ولا يستلزم صدق ما كان كذبًا وصحة ما كان باطلا. فإن كان ابن حجر يسلم أن أبا عقال يروي الموضوعات، فالحق ما قاله ابن الجوزي، وإن كان ينكر ذلك، فكان الأولى به التصريح بالإنكار والقدح في دعوى ابن الجوزي ...
فقال الشيخ المعلمي:
ابن حجر لا ينكر ما قيل في أبي عقال، ولكنه يقول إن ذلك لا يستلزم أن يكون كل ما رواه موضوعًا، وإذا كان الكذوب قد يصدق، فما بالك بمن لم يصرح بأنه كان يتعمد الكذب؟ فيرى ابن حجر أن الحكم بالوضع يحتاج إلى أمر آخر ينضم إلى حال الراوي، كأن يكون مما يحيله الشرع أو العقل.
وهذا لا يكفي في رده ما ذكره الشوكاني.
وقد يقال: انضم إلى حال أبي عقال أن المتن منكر، ليس معناه من جنس المعاني التي عني النبي ﷺ ببيانها، أضف إلى ذلك قيام التهمة هنا؛ فإن أبا عقال كان يسكن عسقلان، وكانت ثغرا عظيما، لا يبعد من المغفل أن يختلق ما يرغب الناس في الرباط فيه، أو يضعه جاهل ويدخله على مغفل، والحكم بالوضع قد يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اهـ.
٧ - وقال الشوكاني في آخر الكلام على الحديث السابق:
وقد روى ابن النجار، عن أنس مرفوعًا ... في فضل رباط عسقلان.