المطلب السادس
من قواعد الحكم على الحديث بالبطلان أو الوضع، وأنه لا يلزم اشتمال إسناده على كذاب
أولا: قال الشيخ المعلمي في مقدمة الفوائد المجموعة:
هذه قواعد يحسن تقديمها:
إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي ﷺ .
فقد يقول: "باطل" أو"موضوع"، وكلا اللفظين يقتضي أن الخبر مكذوب عمدا أو خطأ، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمدا، غير أن هذا المتبادر لم يلتفت إليه جامعوا كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يرون قيام الدليل على بطلانه، وإن كان الظاهر عدم التعمد.
قد تتوفر الأدلة على البطلان، مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يُتهم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقا فاضلا، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أدخل عليه الحديث.
كثيرا ما يذكر ابن الجوزي الخبر، ويتكلم في راوٍ من رجال سنده، فيتعقبه بعض من بعده بأن ذاك الراوي لم يتهم بتعمد الكذب، ويعلم حال هذا التعقب من القاعدتين السابقتين.
نعم، قد يكون الدليلُ الآخر غيرَ كافٍ للحكم بالبطلان، ما لم ينضم إليه وجود راوٍ في السند معروف بتعمد الكذب، ففي هذه الحال يتجه ذاك التعقب.
стр. 1507
ثانيًا: نماذج من تطبيق المعلمي لتلك القواعد:
١ - قال المعلمي في "حاشية الفوائد المجموعة" (ص ٢١٥):
ابن لهيعة لم يكن يتعمد الكذب، ولكن كان يدلس، ثم احترقت كتبه, وصار من أراد جمع أحاديث على أنها من رواية ابن لهيعة، فيقرأ عليه وقد يكون فيها ما ليس من حديثه، وما هو في الأصل من حديثه: لكن وقع فيه تغيير، فيقرأ ذلك عليه. وقد عوتب في ذلك فقال: "ما أصنع؟ يجيئونني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك فأحدثهم".
نعم، إذا كان الراوي عنه ابن المبارك أو ابن وهب وصرح مع ذلك بالسماع فهو صالح في الجملة ..
فأما ما كان من رواية غيرهما، ولم يصرح فيه بالسماع، وكان منكرًا، فلا يمتنع الحكم بوضعه. اهـ.
٢ - وقال في "الفوائد" (ص ٤٧٠):
ليث -ابن أبي سليم- كما في "التقريب": "صدوق اختلط أخيرًا، ولم يتميز حديثه فترك"، ومثله: "إذا جاء بالمنكر الشديد الإنكار اتجه الحكم بوضعه". اهـ.
٣ - وفي "الفوائد" (ص ١٧١):
حديث: لا تسبوا الديك فإنه صديقي وأنا صديقه، وعدوه عدوي، والذي بعثني بالحق: لو يعلم بنو آدم ما في صوته لاشتروا ريشه ولحمه بالذهب والفضة، وإنه ليطرد مدى صوته من الجن.
قال الشوكاني:
رواه ابن حبان، وهو موضوع، وفي إسناده: رشدين وعبد الله بن صالح وهما ضعيفان جدًّا.
стр. 1508
وروي من حديث أنس مرفوعا بلفظ: من اتخذ ديكا أبيض في داره لم يقربه شيطان ولا السحرة.
وفي إسناده: يحيى بن عنبسة، وهو كذاب.
ورواه أبو بكر الرقي بلفظ: الديك الأبيض صديقي - إلخ.
وفي إسناده: وضاع.
ورواه العقيلي بلفظ: الديك الأبيض الأفرق حبيبي. وهو أيضا موضوع.
قال ابن حجر: لم يتبين لي الحكم بالوضع.
قلت: وقد رُوي من طرق بألفاظ مختلفة، وأكثرها لفظ: الديك الكبير الأبيض. فيكون الحديث ضعيفا لا موضوعا. اهـ.
فقال الشيخ المعلمي:
دافع ابن حجر عن ثلاث روايات. وحاصل دفاعه: أن المطعون فيهم من رواتها لم يبلغوا من الضعف أن يحكم على حديثهم بالوضع.
فإن كان مراده أنه لا يحكم بأنهم افتعلوا الحديث افتعالًا، فهذا قريب، ولكنه لا يمنع من الحكم على الحديث بأنه موضوع، بمعنى أن الغالب على الظن أن النبي ﷺ لم يقله، وأن من رواه من الضعفاء الذين لم يُعرفوا بتعمد الكذب، إما أن يكون أُدخل عليهم، وإما أن يكونوا غلطوا في إسناده. اهـ.
٤ - وفي "الفوائد" ص (٣٦١):
حديث: أمر رسول الله ﵌ بسد الأبواب الشارعة في المسجد وترك باب علي.
... قال ابن حجر في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد: قول ابن الجوزي في هذا الحديث باطل، وأنه موضوع، دعوى لم يستدل عليها إلا بمخالفة الحديث الذي في الصحيحين. وهذا إقدام على رد الأحاديث الصحيحة بمجرد التوهم، ولا ينبغي
стр. 1509
الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع، ولا يلزم من تعذر الجمع في الحال أنه لا يمكن بعد ذلك؛ لأن فوق كل ذي علم عليم ...
قال الشوكاني:
ما ذكره من قوله: ولا ينبغي الإقدام على الحكم بالوضع إلا عند عدم إمكان الجمع: كلام غير صحيح. فإنه إذا تعذر الجمع لا يحل لأحد أن يحكم بوضع الموضوع، بل غاية ما يلزم تقديم الراجح عليه. وذلك لا يستلزم كونه موضوعًا بلا خلاف ...
فقال الشيخ المعلمي:
بل إذا تحقق التناقض ولزم من صحة أحدهما بطلان الآخر لزم الوضع، والحكم بالوضع يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اهـ.
٥ - وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد" ص (٣١٤):
المتروك إن لم يكذب عمدًا فهو مظنة أن يقع له الكذب وهمًا، فإذا قامت الحجة على بطلان المتن، لم يمتنع الحكم بوضعه، ولاسيما مع التفرد المريب. اهـ.
٦ - وفي "الفوائد" ص (٤٢٩):
حديث: أهل مقبرة عسقلان يزفون إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها.
... روى أحمد في المسند من حديث أنس مرفوعًا: عسقلان أحد العروسين ... أورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال في إسناده: أبو عقال هلال بن زيد، يروي عن أنس أشياء موضوعة.
وقال ابن حجر في القول المسدد: وهذا الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط، وما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه.
وطريق الإمام أحمد معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام.
стр. 1510
قال الشوكاني:
هذا كلامه، ولا يخفاك أن هذه مراوغة من الحافظ ابن حجر، وخروج من الإنصاف. فإن كون الحديث في فضائل الأعمال، وكون طريقة أحمد: معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل: لا يوجب كون الحديث صحيحًا ولا حسنًا، ولا يقدح في كلام من قال في إسناده وضاع. ولا يستلزم صدق ما كان كذبًا وصحة ما كان باطلا. فإن كان ابن حجر يسلم أن أبا عقال يروي الموضوعات، فالحق ما قاله ابن الجوزي، وإن كان ينكر ذلك، فكان الأولى به التصريح بالإنكار والقدح في دعوى ابن الجوزي ...
فقال الشيخ المعلمي:
ابن حجر لا ينكر ما قيل في أبي عقال، ولكنه يقول إن ذلك لا يستلزم أن يكون كل ما رواه موضوعًا، وإذا كان الكذوب قد يصدق، فما بالك بمن لم يصرح بأنه كان يتعمد الكذب؟ فيرى ابن حجر أن الحكم بالوضع يحتاج إلى أمر آخر ينضم إلى حال الراوي، كأن يكون مما يحيله الشرع أو العقل.
وهذا لا يكفي في رده ما ذكره الشوكاني.
وقد يقال: انضم إلى حال أبي عقال أن المتن منكر، ليس معناه من جنس المعاني التي عني النبي ﷺ ببيانها، أضف إلى ذلك قيام التهمة هنا؛ فإن أبا عقال كان يسكن عسقلان، وكانت ثغرا عظيما، لا يبعد من المغفل أن يختلق ما يرغب الناس في الرباط فيه، أو يضعه جاهل ويدخله على مغفل، والحكم بالوضع قد يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اهـ.
٧ - وقال الشوكاني في آخر الكلام على الحديث السابق:
وقد روى ابن النجار، عن أنس مرفوعًا ... في فضل رباط عسقلان.
стр. 1511
فقال الشيخ المعلمي:
الشطر الأول من سنده مظلم جدًّا، والثاني كالشمس، وهذا يدل على بطلانه حتما. اهـ.
٨ - وفي "الفوائد" ص (٤٢٩):
حديث: ما حسن الله خُلق رجل وخَلقه فأطعم لحمه النار.
في إسناده: عاصم بن علي، قيل: ليس بشيء، ورُدَّ بأنه أخرج له البخاري في صحيحه ووثقه الناس.
وروى من حديث أبي هريرة وأنس. وفي إسنادهما: مقال، فالحديث إذا لم يكن حسنًا فهو ضعيف، وليس بموضوع.
فقال الشيخ المعلمي بعد أن نقد أسانيده:
المدار على المعنى. اهـ.
٩ - وفي "الفوائد" ص (٣٠٤):
حديث: لا تقولوا سورة البقرة، ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذلك القرآن كله.
رواه ابن قانع عن أنس مرفوعا. وقال أحمد: هو حديث منكر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.
قال ابن حجر: أفرط ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في الموضوعات.
ولم يذكر مستنده إلا قول أحمد [وتضيف عبيس]، وهو لا يقتضى الوضع.
فقال الشيخ المعلمي:
لكنه انضم بلى ذلك ما تواتر عن النبي ﷺ وأصحابه من إطلاق (سورة البقرة) وإنما تنطع في ذلك الحجاج بن يوسف كما في حديث رمي الجمرة في الصحيحين. اهـ.
стр. 1512
الوجه الثاني
أنواع من الكذب تُلحق بالكذب في الحديث النبوي .
قال الشيخ المعلمي في آخر القاعدة الأولى من "التنكيل":
"فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين، ولو غير الحديث, فلا خفاء في سقوط صاحبه؛ فإن الكذب في رواية أثرٍ عن صحابي قد يترتب عليه أن يحتج بذلك الأثر مَنْ يرى قولَ الصحابي حُجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويَرُدُّ به بعضُ أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول، ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قول عن التابعي، أو عالم ممن بعده، وأقل ما في ذلك أن يقلده العامي.
وهكذا الكذب في رواية تعديل لبعض الرواة؛ فإنه يترتب عليه قبول أخبار ذلك الرواي، وقد يكون فيها أحاديث كثيرة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذبٍ في حديث واحد عن النبي ﵌، وكذلك الكذب في رواية الجرح، فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة، وذلك أشد من الكذب في حديث واحد.
وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه.
وهكذا الكذب في الجرح والتعديل؛ كقوله "هو ثقة" "هو ضعيف".
فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث النبوي أو قريب منه، وتترتب عليه مضار شديدة ومفاسد عظيمة، فلا يُتوهم محل للتسامح فيه، على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع [في] حديث الناس.
стр. 1513
فالأستاذ -يعني الكوثري- يرمي بعض أئمة السنة فمن دونهم من ثقات الرواة بتعمد الكذب في الرواية وفي الجرح والتعديل، كذبا يترتب عليه الضرر الشديد والفساد الكبير، ثم يزعم أنه إنما يقدح بذلك فيما لا يقبله هو منهم، فأما ما عداه فإنهم يكونون فيه مقبولين، كذا يقول، وكأنه يقول: وإذا لزم أن يسقطوا البتة فليسقطوا جميعًا ... اهـ.
* * *
стр. 1514
الوجه الثالث
رمي الراوي بالكذب في غير الحديث النبوي (١)
قال الشيخ المعلمي في القاعدة الأولى من قسم القواعد من "التنكيل":
"تقدم في الفصل الثالث (٢) قول مالك: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ عن معلن بالسفه (٣)، وإن كان أروى الناس (٤)، ولا تأخذ عن كذاب يكذب في حديث الناس، إذا جرب عليه ذلك، وإن كان لا يهتم أن يكذب على رسول الله ﷺ .... ".
أسنده الخطيب في "الكفاية" (٥) (ص ١١٦) إلى مالك كما تقدم، ثم قال (٦) (ص ١١٧): "باب في أن الكاذب في غير حديث رسول الله ﷺ ترد روايته".
وقد ذكرنا آنفا قول مالك بن أنس، ويجب أن يقبل حديثه إذا ثبت توبته. اهـ.
ولم يذكر ما يخالف مقالة مالك.
وأسند (٧) (ص ٢٣، ٢٤) إلى: الشافعي " ... ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى
стр. 1515
يجمع أمورا: منها أن يكون من حدث به ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه ... ". وهذه العبارة ثابتة في رسالة الشافعي (١).
وفي "لسان الميزان" (ج ١ ص ٤٦٩): "قال ابن أبي حاتم (٢)، عن أبيه، أن يحيى بن المغيرة سأل جريرا (ابن عبد الحميد) عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة, ولكنه يكذب في حديث الناس، فلا يكتب عنه" (٣). اهـ.
стр. 1516
وفي "النخبة وشرحها" (١): " (ثم الطعن) يكون بعشرة أشياء ... ترتيبها على الأشد فالأشد في موجب الرد على سبيل التدلي ....) (إما أن يكون بكذب الراوي) في الحديث النبوي ... متعمدا لذلك (أو تهمته بذلك) بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عُرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي، وهو دون الأول (٢) (أو فحش غلطه) أي كثرته (أو غفلته) عن الإتقان (أو فسقه) (٣) .... (أو وهمه) بأن يروي على سبيل التوهم (أو مخالفته) أي للثقات (أو جهالته) .... (أو بدعته) .... (أو سوء حفظه) .... ".
стр. 1517
. . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1518
هذه النقول تعطي أن الكذب في الكلام ترد به الرواية مطلقا، وذلك يشمل الكذبة الواحدة التي لا يترتب عليها ضرر ولا مفسدة.
وقد ساق صاحب (الزواجر) الأحاديث في التشديد في الكذب، ثم قال (ج ٢ ص ١٦٩): "هذا هو ما صرحوا به، قيل: لكنه مع الضرر ليس كبيرة مطلقا، بل قد يكون كبيرة كالكذب على الأنبياء، وقد لا يكون - انتهى".
وفيه نظر -بل الذي يتجه أنه حيث اشتد ضرره بأن لا يحتمل عادة كان كبيرة، بل صرح الروياني (١) في "البحر" بأنه كبيرة وإن لم يضر، فقال: "من كذب قصدا
стр. 1519
رُدَّتْ شهادتُه، وإن لم يضر بغيره؛ لأن الكذب حرام بكل حال، وروى فيه حديثا، وظاهر الأحاديث السابقة أو صريحها يوافقه، وكأن وجه عُدولهم عن ذلك ابتلاء أكثر الناس به، فكان كالغيبة، على ما مر فيه عند جماعة".
أقول: لا يلزم من التسامح في الشاهد أن يتسامح في الراوي لوجوه:
الأول: أن الرواية أقرب إلى حديث الناس من الشهادة، فإن الشهادة تترتب على خصومة، ويحتاج الشاهد إلى حضور مجلس الحكم، ويأتي باللفظ الخاص الذي لا يحتاج إليه في حديث الناس، ويتعرض للجرح فورا.
فمن جربت عليه كذبة في حديث الناس لا يترتب عليها ضرر، فخوف أن يجره تساهله في ذلك إلى التساهل في الرواية أشد من خوف أن يجره إلى شهادة الزور.
الثاني: أن عماد الرواية الصدق، ومعقول أن يشدد فيها فيما يتعلق به ما لم يشدد في الشهادة، وقد خفف الرواية في غير ذلك ما لم يخفف في الشهادة؛ تقوم الحجة بخبر الثقة ولو واحدا، أو عبدا، أو امرأة، أو جالب منفعة إلى نفسه، أو أصله، أو فرعه، أو ضرر على عدوه -كما يأتي- بخلاف الشهادة، فلا يليق بعد ذلك أن يخفف في الرواية فيما يمس عمادها.
الثالث: أن الضرر الذي يترتب على الكذب في الرواية أشد جدا من الضرر الذي يترتب على شهادة الزور، فينبغي أن يكون الاحتياط للرواية آكد.
стр. 1520
وقد أجاز الحنفية قبول شهادة الفاسق دون روايته, والتخفيف في الرواية بما تقدم من قيام الحجة بخبر الرجل الواحد وغير ذلك لا ينافي كونها أولى بالاحتياط؛ لأن لذلك التخفيف حِكما أخرى، بل ذلك يقتضي أن لا يخفف فيها فيما عدا ذلك فتزداد تخفيفا على تخفيف.
الرابع: أن الرواية يختص لها قوم محصورون، ينشأون على العلم والدين والتحرز عن الكذب، والشهادة يحتاج فيها إلى جميع الناس؛ لأن المعاملات والحوادث التي يحتاج إلى الشهادة عليها تتفق لكل أحد، ولا يحضرها غالبا إلا أوساط الناس وعامتهم.
والذين ينشأون على التساهل، فمعقول أنه لو رُدَّتْ شهادةُ كل من جُربت عليه كذبة، لضاعت حقوق كثيرة جدا، ولا كذلك الرواية.
نعم، الفلتة والهفوة التي لا ضرر فيها ويعقبها الندم، وما يقع من الإنسان في أوائل عمره, ثم يقلع عنه, ويتوب منه, وما يدفع به ضرر شديد، ولا ضرر فيه, وصاحبه مع ذلك مستوحش منه ربما يغتفر (١) والله أعلم.
* * *
стр. 1521
الوجه الرابع
التهمة بالكذب
قال الشيخ المعلمي في القاعدة الثانية من "التنكيل":
"تقدم أن أشدَّ موجباتِ ردِّ الراوي كذبُه في الحديث النبوي، ثم تهمتُه بذلك، وفي درجتها كذبُه في غير الحديث النبوي، فإذا كان في الرواية والجرح والتعديل بحيث يترتب عليه من الفساد نحو ما يترتب على الكذب في الحديث النبوي، فهو في الدرجة الأولى، فالتهمة به في الدرجة الثانية أو الثالثة.
وقد ذكر علماء الحديث بعد درجة الكذب في الحديث النبوي ودرجة التهمة به درجتين، بل درجات، ونصوا على أن من كان من أهل درجة من الأربع الأولى فهو ساقط البتة في جميع رواياته، سواء منها ما طُعن فيه بسببه وغيره.
... وينبغي أن يعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدثين (فلان متهم بالكذب).
وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده بدليل يصح الاستناد إليه أن الخبر لا أصل له، وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي: أتعمد الكذب أم غلط؟ فإذا تدبر وأنعم النظر، فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنه إلى أحدهما، إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به.
فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: (متهم بالكذب) أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغها أحد من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يَتهم بعض المتقدمن رجلًا في حديثٍ يزعم أنه تفرد بمع فيجد له
стр. 1522
بعض أهل العصر متابعات صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح، فأما من وثقه إمام من المتقدمين أو أكثر ولم يتهمه أحد من الأئمة فيحاول بعض أهل العصر أن يكذبه أو يتهمه فهذا مردود؛ لأنه إن تهيأ له إثباتُ بطلان الخبر عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرد جمع ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به.
بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، وترجمة محمد بن سعيد البورقي.
وإن كان الأستاذ -يعني الكوثري- يخالف في ذلك؛ فيصدق من كذبه الأئمة وكذبُه واضحٌ، كما يكذب أو يتهم من صدقوه وصدقُه ظاهرٌ، شأن المحامين في المحاكم؛ معيار الحق عند أحدهم مصلحة موكله!
... الوجه الثاني: مقتضى اللغة، والتهمة عند أهل اللغة مشتقة من الوهم، وهو كما في (القاموس): (من خطرات القلب أو مرجوح طرفي المتردد فيه).
والتهمة بهذا المعنى تعرض في الخبر إذا كان فيه إثبات ما يظهر أن المخبر يحب أن يعتقد السامع ثبوته؛ وذلك كشهادة الرجل لقريبه وصديقه وعلى من بينه وبينه نفرة، وكذلك إخباره عن قريبه أو صديقه بما يحمد عليه، وإخباره عمن هو نافر عنه بما يذم عليه.
وقِسْ على هذا كُلَّ ما من شأنه أن يدعو إلى الكذب، وتلك الدواعي تخفى وتتفاوت آثارها في النفوس وتتعارض، وتعارضها الموانع من الكذب، وقد تقدمت الإشارة إليها في الفصل الخامس، فلذاك اكتفى الشارع في باب الرواية بالإسلام والعدالة والصدق، فمن ثبتت عدالته وعُرف بتحري الصدق من المسلمين، فهو على العدالة والصدق في أخباره، لا يقدح في إخباره أن يقوم بعض تلك الدواعي، ولا أن يتهمه
стр. 1523
من لا يعرف عدالته، أو لا يعرف أثر العدالة على النفس أو من له هوى مخالف لذلك الخبر، فهو يتمنى أن لا يصح، كما قال المتنبي:
شقّ الجزيرة حتى جاءني نبأ ... فزعت منه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع إلى صدقه أملًا ... شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وكأنه أخذه من قول الأول:
إني أتتني لسان ما أسر بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر
جاءت مرجة قد كنت أحذرها ... لو كان ينفعني الإشفاق والحذر
تأتي على الناس لا تلوي على ... حتى أتتنا وكانت دوننا مضر
إذا يعادُله ذكر أكذبه ... حتى أتتني بها الأنباء والخبر
وجماعة من الصحابة روى كل منهم فضيلةً لنفسه, يرون أن على الناس قبول ذلك منهم، فتلقت الأمة ذلك بالقبول، وكان من الصحابة والتابعين يقاتلون الخوارج، ثم روى بعض أولئك التابعين عن بعض أولئك الصحابة أحاديث في ذم الخوارج، فتلقت الأمة تلك الأحاديث بالقبول.
وكثيرًا ما ترى في تراجم ثقات الرواة من التابعين فمن بعدهم إخبار الرجل منهم بثناء غيره عليه، فيتلقى أهل العلم ذلك بالقبول، وقبلوا من الثقة دعواه ما يُمكن من صحبته للنبي ﵌ أو لأصحابه أو إدراكه لكبار الأئمة وسماعه منهم وغير ذلك مما فيه فضيلة للمدعي وشرف له وداع للناس إلى الإقبال عليه وتبجيله والحاجة إليه.
ولم يكن أهل العلم إذا أرادوا الاستيثاق من حال الرواي يسألون إلا عما يمسّ دينه وعدالته.
стр. 1524
ونص أهل العلم على أن الرواية في ذلك مخالفة للشهادة، وفي (التحرير) لابن الهمام الحنفي مع (شرحه) لابن أمير حاج (جـ ٣ ص ٢٤٥): (وأما الحرية والبصر وعدم الحد في قذف) وعدم (الولاد و) عدم (العداوة) الدنيوية (فتختص بالشهادة) أي تُشترط فيها، لا في الرواية).
فأما الشهادة فإن الشرع شرط لها أمورًا أخرى مع الإسلام والعدالة كما أشار إليه ابن الهمام، وشرط في إثبات الزنا أربعة ذكور، وفي غيره من الحدود ونحوها ذكرين، وفي الأموال ونحوها رجلا وامرأتين إلى غير ذلك.
فأما الشهادة للنفس فمتفق على أنها لا تُقبل، وأما الشهادة للأصل وللفرع وللزوج وعلى العدو ففيها خلاف، وفي بعض كتب الفقه أن الرد في ذلك لأجل التهمة، وظاهر هذا أن التهمة هي العلة، فيبني عليها قياس غير المنصوص عليه، وهذا غير مستقيم؛ إذ ليس كل شاهدٍ لنفسه حقيقا بأن يُتهم؛ ألا ترى أن كبار الصحابة وخيار التابعين لو شهد أحدهم لنفسه لم نتهمه، ولا سيما إذا كان غنيًا والمشهود به يسيرًا كخمسة دراهم، والمشهود عليه معروفًا بجحد الحقوق.
أقول هذا لزيادة الإيضاح، وإلا فالواقع أننا لا نتهمهم مطلقًا، حتى لو شهد أحدهم لنفسه على آخر منهم وأنكر ذاك لم نتهم واحدًا منهما، بل نعتقد أن أحدهما نسي أو غلط، وليس ذلك خاصًا بهم، بل كل من ثبتت عدالتُه لا يتهمه عارفوه الذين يعدلونه ولا الواثقون بتعديل المعدلِّين، فإن اتهمه غيرهم كان معنى ذلك أنه غير واثق بتعديل المعدلِّين، ومتى ثبت التعديل الشرعي لم يُلتفت إلى من لا يثق به.
ولو كان لك أن تعدل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا، وهذا باطل قطعًا؛ فإن تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك
стр. 1525
له بالعدالة، والعدالة (ملكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ...) فكيف يسوغ لك أن تشهد بهذه الملكة لمن تتهمه بما ذُكر؟
ولو كان كل عدل حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذُكر لما كان في الناس عدل، وفي أصحابنا من لا نتهمه في شهادته ولو حصل له بسببها مائة درهم أو أكثر؛ كأن يدعي صاحبنا على فاجر بمائة درهم فيجحده, ثم تتفق للفاجر خصومة أخرى فيجيء إلى صاحبنا فيقول له: أنت تعرف هذه القضية، فاحضر فاشهد بما تعلم، فيقول صاحبنا: نعم أنا أعرفها ولكنك ظلمتني مائة درهم فأدِّها إليَّ إن أردتَّ أن أشهد، فيدفع له مائة درهم، فيذهب فيشهد، فإننا لا نتهم صاحبنا في دعواه ولا شهادته.
وفي أصحابنا من لو ائتمن على مئات الدراهم، ثم بعد مدة ادعى ما يحتمل من تلفها أو أنه ردها على صاحبها الذي قد مات لما اتهمناه، نعم قد يتهمه من لا يعرفه كمعرفتنا، أو من لا يعرف قدر تأثير الموانع عن الخيانة في نفس من قامت به, فالفاسق المتهتك لا يعرف قدر العدالة، فتراه يتهم العدول، ولا يكاد يعرف عدالتهم ولو كانوا جيرانه.
فإن قيل: يكفي في التعليل أن ذلك مظنة التهمة، ولا يضر تخلفها في بعض الأفراد، كما قالوا في قصر الصلاة في السفر أنه لأجل المشقة وإن تخلفت المشقة في بعض المسافرين كالمَلِك المترفه.
قلت: العلة في قصر الصلاة هي السفر بشرطه, لا المشقة, فكذلك تكون العلة في رد الشهادة للنفس هي أنها شهادة للنفس أو دعوى، كما يومىء إليه حديث: "لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعي ناسٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم ... " (١)
стр. 1526
فعلى هذا لا يتأتى القياس؛ ألا ترى أن في أعمال العمال المقيمين ما مشقته أشد من مشقة السفر العادي، ذلك كالعمل في المناجم ونحوها، ومع ذلك ليس لهم أن يقصروا الصلاة. فإن قيل: الشهادة للأصل والفرع مظنة للتهمة كما أن الشهادةَ للنفس مظنة لها، قلت: فالعمل في المناجم مظنة للمشقة، بل المشقة فيه أشق وأغلب، والتهمة في الشهادة للأصل أو الفرع أضعف وأقل من التهمة في الشهادة للنفس، وقد يكون الرجل منفردًا عن أصله أو فرعه وبينهما عدواة.
والشافعي ممن يقول برد الشهادة للأصل والفرع، ولم يعرج على التهمة، ولكنه لما علم أن جماعة ممن قبله ذهبوا بلى الرد، ولم يعلم لهم مخالفًا هاب أن يقول ما لا يعلم له فيه سلفًا، فحاول الاستدلال بما حاصله أن الفرع من الأصل فشهادة أحدهما للآخر كأنها شهادة لنفسه، ثم قال كما في (الأم) (ج ٧ ص ٤٢): (وهذا مما لا أعرف فيه خلافًا) كأنه ذكر هذا تقوية لذاك الاستدلال واعتذارًا عما فيه من الضعف، ولما علم بعض حذاق أصحابه كالمزني وأبي ثور أن هناك خلافًا ذهبوا إلى القبول.
وليس المقصود هنا إبطال القول برد الشهادة للأصل والفرع والزوج، وإنما المقصود أن الاستدلال عليه بقياس مبني على أن التهمة علة غير مستقيم.
فأما الشهادة على العدو فالقائلون أنها لا تُقبل يخصون ذلك بالعداوة الدنيوية التي تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه, فأما العداوة الدينية والدنيوية التي لم تبلغ ذاك فلا تمنع من القبول عندهم.
والمنقول عن أبي حنيفة كما في كتب أصحابه أن العداوة لا تقتضي رد الشهادة إلا أن تبلغ أن تسقط بها العدالة.
أقول: وإذا بلغت ذلك لم تُقبل شهادة صاحبها حتى لعدوه على صديقه، ويقوي هذا القول أن القائلين بعدم القبول يشرطون أن تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه،
стр. 1527
وهذا يتمنى أن يفرح لذبح أطفاله ظلمًا والزنا ببناته وارتداد زوجاته ونحو ذلك، وقِسْ على ذلك الحزن لفرحه، وهذا مسقط للعدالة حتمًا.
فإن قيل: قد يفرح بذلك من جهة أنه يحزن عدوه، ومع ذلك يحزن من جهة مخالفته للدين، قلت: إن لم يغلب حزنُه فرحَه فليس بعدل، وإن غلب فكيف يظن به أن يوقع نفسه في شهادة الزور التي هي من أكبر الكبائر وفيها أعظم الضرر على نفسه في دينه, ولا يأمن من أن يلحقه لأجلها ضرر شديد في دنياه، كل ذلك ليضر المشهود عليه في دنياه ضررًا قد يكون يسيرًا كعشرة دراهم.
وهَبْهُ صحَّ الردُّ بالعدواة مع بقاء العدالة، فالقائلون بذلك يشرطون أن تكون عداوة دنيوية تبلغ أن يحزن لفرحه ويفرح لحزنه، وهذا لا يتأتى للأستاذ -يعني الكوثري- إثباته في أحدٍ ممن يتهمهم؛ لأنه إن ثبت انحرافهم عن أبي حنيفة وأصحابه وثبت أن ذلك الانحراف عداوة فهو عداوة دينية، وهَبْ أنه ثبت في بعضهم أنها عداوة دنيوية, فلا يأتي للأستاذ إثبات بلوغها ذاك الحد، أي أن يحزن لفرحه ويفرح لحزف وهَبْهُ بلغ فقد تقدم أن الرواية لا ترد بالعدواة.
هذا على فرض مجامعة ذلك للعدالة، وإلا فالرد لعدم العدالة.
وأما ما ذكره الشافعي في أصحاب العصبية، فالشافعي إنما عني العصبية لأجل النسب، كما هو صريح في كلامه, وذلك أمر دنيوي، وكلامه ظاهر في أنها بشرطها تسقط العدالة، ولا ريب أنه إذا بلغت العصبية أو العداوة إسقاط العدالة لم تُقبل لصاحبها شهادة ولا رواية البتة، سواء أكانت دنيوية أم مذهبية أم دينية؛ كمن يُسرف في الحنق على الكفار، فيتعدى على أهل الذمة والأمان بالنهب والقتل ونحو ذلك، بل قد يكفر.
стр. 1528
فقد اتضح بما تقدم الجواب عن بعض ما يمكن التشبث به في رد رواية العدل، وبقي حكايةٌ عن شريك ربما يؤخذ منها أنه قد يقبل شهادة بعض العدول في القليل ولا يقبلها في الكثير، وفرع للشافعي قد يتوهم فيه نحو ذلك، وما يقوله أصحاب الحديث في رواية المبتدع، وما قاله بعضهم في جرح المحدث لمن هو ساخط عليه.
فأما الحكاية عن شريك فمنقطعة, ولو ثبتت لوجب حملها على أن مراده القبول الذي تطمئن إليه نفسه، فإن القاضي قد لا يكون خبيرًا بعدالة الشاهدين وضبطهما وتيقظهما، وإنما عدَّلهما غيره، فإذا كان المال كثيرًا جدًّا بقي في نفسه ريبة، وقد بيَّن أهل العلم أن مثل هذا إنما يقتضي التروي والتثبت، فإذا تروى وبقيت الحال كما كانت، وجب عليه أن يقضي بتلك الشهادة ويعرض عما في نفسه.
وأما الفرع المذكور عن الشافعي فليس من ذاك القبيل، وإنما هو من باب الاحتياط للتعديل، ومع ذلك فقد ردَّه إمام الحرمين، وقال: إن أكثر الأئمة على خلافه.
وأما رواية المبتدع، وجرح المحدث لمن هو ساخط عليه، فأُفرد كلا منهما بقاعدة. اهـ.
* * *
стр. 1529
الوجه الخامس
خوارم المروءة
قال العلامة المعلمي في "الاستبصار" (ص ٣٦ - ٣٨):
"اشتهر بين أهل العلم أن مما يخرم العدالة تعاطي ما ينافي المروءة، وقيَّده جماعة بأن يكثر ذلك من الرجل حتى يصير إخلاله بما تقتضيه المروءة غالبًا عليه.
قال الشافعي: تعالى: "ليس من الناس أحد نعلمه -إلا أن يكون قليلًا- يمحص الطاعة والمروءة حتى لا يخلطهما بمعصية، ولا يمحص المعصية وترك المروءة حتى لا يخلطهما شيئا من الطاعة والمروءة، فإذا كان الغالب على الرجل الأظهر من أمره الطاعة والمروءة قُبلت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية وخلاف المروءة رُدَّت شهادته" "مختصر المزني بهامش الأم" (٥/ ٢٥٦).
أقول: ذكروا أن المدار على العُرْف، وأنه يختلف باختلاف حال الرجل وزمانه ومكانه، فقد يُعَدُّ الفعل خرمًا للمروءة إذا وقع من رجل من أهل العلم، لا إذا كان من فاجر -مثلًا- وقد يُعَدُّ ذلك الفعل من مثل ذلك الرجل خَرْمًا للمروءة في الحجاز -مثلًا- لا في الهند، وقد يُعَدُّ خرمًا للمروءة إذا كان في الصيف لا إذا كان في الشتاء، أو يُعَدُّ خرمًا في عصر ثم يأتي عصر آخر لا يُعَدُّ فيها خرمًا.
ثم أقول: لا يخلو ذلك الفعل الذي يَعُدُّهُ أهل العُرْف خرمًا للمروءة عن واحد من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون -مع صرف النظر عن عُرْف الناس- مطلوبًا فعله شرعا وجوبًا أو استحبابًا.
стр. 1530
الثاني: أن يكون مطلوبًا تركه بأن يكون حرامًا أو مكروهًا أو خلاف الأولى.
الثالث: أن يكون مباحًا.
فأما الأول: فلا وجه للالتفات إلى العُرف فيه؛ لأنه عرف مصادم للشرع، بل إذا ترك ذلك الفعلَ رجلٌ حفظًا لمروءته في زعمه كان أحق بالذم ممن يفعله لمجرد هواه وشهوته.
وأما الثاني: فالُعْرف فيه مُعاضد للشرع، فالاعتداد به في الجملة متجه؛ إذ يقال في فاعله: إنه لم يستح من الله ولا من الناس، وضعف الحياء من الله ومن الناس أبلغ في الذم من ضعف الحياء من الله فقط، وتقدم حديث: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين".
وأما الثالث: فقد يقال: يلتحق بالثاني؛ إذ ليس في فعل ذلك الفعل مصلحة شرعية، وفيه مفسدة شرعية، وهي تعريض النفس لاحتقار الناس وذمهم.
هذا وقد يقال: إذا ثبت صلاح الرجل في دينه بأن كان مجتنبًا الكبائر والصغائر غالبًا فقد ثبتت عدالته، ولا يلتفت إلى خوارم المروءة؛ لأن الظاهر في مثل هذا أنه لا يتصور فيه أن يكون إخلاله بالمروءة غالبًا عليه، وعلى فرض إمكان ذلك فقد تبين من قوّة إيمانه وتقواه وخوفه من الله ما لا يحتاج معه إلى معاضدة خوفه من الناس، بل يظهر في هذا أن عدم مبالاته بالناس إنما هو من كمال إيمانه وتقواه.
وأما من كثر منه ارتكاب الصغائر ومع ذلك كثر منه مخالفة المروءة, ولم يبلغ أن يقال معاصيه أغلب من طاعاته، فهذا محل نظر، وفَصْل ذلك إلى المُعَدِّل: فإن كان يجد نفسه غير مطمئنة إلى صدقه فليس ممن يُرْضى، وقد قال الله ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. اهـ.
* * *
стр. 1531
الوجه السادس
البدعة
• قال العلامة المعلمي في كتاب "الاستبصار " (ص ٤٠):
"البدعة التي جرت عادتهم بالبحث عن صاحبها عند الكلام في العدالة هي البدعة في الاعتقاديات وما بني عليها أو أُلْحِق بها.
وأهل العلم مختلفون في هذا الضرب من البدعة أن يكون جرحًا في عدالة صاحبه.
والذي يظهر لي أنه ينبغي أولًا النظر في أدلة تلك المقالة (١)، ثم في أحوال الرجل وأحوال عصره وعلاقته بها، فإن غلب على الظن بعد الإبلاغ في التثبت والتحري أنه لا يخلو إظهاره تلك المقالة عن غرض دنيوي: من عصبيته (٢)، أو طمع في شهرة، أو حب دنيا، أو نحو ذلك، فحقه أن يُطرح، وكذلك إن احتمل ذلك احتمالًا قويًّا بحيث لا يغلب على ظن العارف به تبرئته مما ذكر.
وإن ظهر إنما أدَّاه إليها اجتهاده, وابتغاؤه الحق، وأنه حريص على إصابة الحق في اتباع الكتاب والسنة، فلا ينبغي أن يُجرح بمقالته، بل إن ثبتت عدالته فيما سوى ذلك، وضبطه, وتحريه, نظر في درجته من العلم والدين والصلاح، والتحري والتثبت، فإن كان عالي الدرجة في ذلك احتج به مطلقًا، وإلا فقد قُبل منه (٣) ما لا يوافق مقالته، ويتوقف عما يوافقها لموضع التهمة، وليس هذا بشيء؛ لأنه إن كان حقيقًا
стр. 1532
بأن يتهم في شيء من روايته مما ينافي العدالة فلم تثبت عدالته، وقد شرحت هذا في "التنكيل"". اهـ.
• وقال في "عمارة القبور " ص (٢١١ - ٢١٤):
قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة: ابن المديني:
"ثم ما كل من فيه بدعة، أو له هفوة، أو ذنوب، يقدح فيه بما يوهن حديثه، ولا من شرط الثقة أن يكون معصومًا من الخطايا والخطأ".
وفي "إرشاد الفحول" للشوكاني (ص ٤٩).
قال ابن القشيري: والذي صح عن الشافعي، أنه قال: في الناس من يمحض الطاعة فلا يمزجها بمعصية، وفي المسلمين من يمحض المعصية، ولا يمزجها بالطاعة، فلا سبيل إلى رد الكل، ولا إلى قبول الكل؛ فإن كان الأغلب على الرجل من أمره الطاعة والمروءة، قُبلت شهادته وروايته، وإن كان الأغلب المعصية وخلاف المروءة، رددتُها".
وفيه من جملة كلام عن الرازي:
"والضابط فيه أن كل ما لا يؤمن من جراءته على الكذب، ترد الرواية وما لا، فلا".
وفيه قال الجويني: "الثقة: هي المُعتمد عليها في الخبر، فمتى حصلت الثقة بالخبر، قبل".
قال المعلمي:
وهذا هو المعقول، وعليه عمل الأئمة الفحول؛ فإن الحكمة في اشتراط العدالة في الراوي هي كونها مانعة له عن الكذب، فيقوى الظن بصدقه، فإذا جرت منه هفوة لا تخدش قوة الظن بصدقه، لم تخدش قبول روايته.
стр. 1533
ومن هنا رجح الأئمة رواية الخوارج على رواية الشيعة؛ لأن الخوارج يعتقدون أن مطلق الكذب كفر، فضلًا عن الكذب على رسول الله ﷺ ، أما الشيعة فيتدينون بالكذب، (التقية) حتى جوزوها من النبي ﷺ ، بل على الله ؛ لتأويلهم الآيات الواردة في مدح بعض الصحابة على خلاف ظاهرها، قائلين: إنما جعل الله -تعالى- ظاهرها الثناء استداراجًا لأولئك القوم؛ ليقوموا بنصر الدين، ويكفوا ضررهم عن النبي ﷺ وأهل بيته. اهـ.
• وقال المعلمي في القاعدة الثالثة من قسم القواعد من "التنكيل ":
١ - لا شُبهة أن المبتدع إن خرج ببدعته عن الإسلام لم تقبل روايته؛ لأن من شرط قبول الرواية: الإسلام.
٢ - وأنه إن ظهر عناده أو إسرافه في اتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق ونحو ذلك مما هو أَدَلُّ على وَهَنِ التدين من كثير من الكبائر كشرب الخمر وأخذ الربا فليس بعدْلٍ، فلا تقبل روايته؛ لأن من شرط قبول الرواية: العدالة.
٣ - وأنه إن استحل الكذب، فإما أن يكفر بذلك، وإما أن يفسق، فإن عذرناه (١) فمن شرط قبول الرواية: الصدق، فلا تقبل روايته.
٤ - وأن من تردد أهل العلم فيه، فلم يتجه لهم أن يكفروه أو يفسقوه, ولا أن يعدلوه, فلا تقبل روايته؛ لأنه لم تثبت عدالته.
ويبقى النظر فيما عدا هؤلاء.
والمشهور الذي نقل ابن حبان والحاكم إجماع أئمة السنّة عليه أن المبتدع الداعية لا تقبل روايته، وأما غير الداعية فكالسني.
واختلف المتأخرون في تَعْليل رَدّ الداعية.
стр. 1534
والتحقيق إن شاء الله تعالى أن ما اتفق أئمة السنة على أنها بدعة فالداعية إليها الذي حقه أن يُسَمَّى داعية لا يكون إلا من الأنواع الأولى: إن لم يتجه تكفيره اتجه تفسيقه، فإن لم يتجه تفسيقه فعلى الأقلّ لا تثبت عدالته. وإلى هذا أشار مسلم في مقدمة "صحيحه" إذ قال:
"اعلم وفقك الله أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين، أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع، والدليل على أن الذي قلنا في هذا هو اللازم دون ما خالفه قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ وقال جل ثناؤه: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فدل ما ذكرنا أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة، والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه فقد يجتمعان في أعظم معانيهما؛ إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم كما أن شهادته مردودة عند جميعهم". اهـ.
قال المعلمي:
فالمبتدع الذي يتضح عناده: إما كافر وإما فاسق، والذي لم يتضح عناده ولكنه حقيق بأن يتهم بذلك وهو في معنى الفاسق. لأنه مع سوء حاله لا تثبت عدالته، والداعية الذي الكلام فيه واحدٌ من هذين ولَابُدَّ ... (١).
стр. 1535
وأهل البدع كما سماهم السلف "أصحاب الأهواء" واتِّبَاعُهم لأهوائهم في الجملة ظَاهِرٌ، وإنّما يبقى النظر في العمد والخطأ، ومن ثبت تعمده أو اتهمه بذلك عارفوه لم يؤمن كذبه، وفي "الكفاية" للخطيب (ص ١٢٣) عن علي بن حرب الموصلي: "كل صاحب هوى يكذب ولا يبالي" يريد والله أعلم أنهم مظنة ذلك فيحترس من أحدهم حتى يتبين براءته.
هذا وإذا كانت حججُ السنة بَيِّنَةً، فالمخالف لها لا يكون إِلَّا معاندًا أو متبعًا للهوى معرضًا عن حجج الحق.
واتباع الهوى والإعراض عن حجج الحق قد يفحش جدًّا حتى لا يحتمل أن يعذر صاحبه، فإن لم يجزم أهل العلم بعدم العذر فعلى الأقل لا يمكنهم تعديل الرجل، وهذه حال الداعية الذي الكلام فيه، فإنه لولا أنه معاند ومنقاد لهواه انقيادًا فاحشًا، مُعْرِضٌ عن حجج الحق إعراضًا شديدًا لكان أقل أحواله أن يحمله النظر في الحق على الارتياب في بدعته فيخاف -إن كان متدينًا- أن يكون على ضلالة ويرجو أنه إن كان على ضلالة فعسى الله ﵎ أن يعذره، فإذا التفت إلى أهل السنة علم أنهم إن لم يكونوا أولى بالحق منه، فالأمر الذي لا ريب فيه أنهم أولى بالعذر منه وأحق إن كانوا على خطأ أن لا يضرهم ذلك؛ لأنهم إنما يتبعون الكتاب والسُّنَّة ويحرصون على اتباع سبيل المؤمنين ولزوم صراط المنعَم عليهم: النبي ﷺ وأصحابه وخيار السلف، فيقول في نفسه: هَبْ أنهم على باطل فلم يأتهم البلاء من اتباع الهوى وتتبع السبل الخارجة.
ولا ريب أن من كانت هذه حاله فإنه لا يُكَفِّرُ أهل السنة ولا يضللهم، ولا يحرص على إدخالهم في رأيه، بل يشغله الخوف على نفسه فلا يكون داعية.
فأما غير الداعية فقد مَرَّ نقل الإجماع على أنه كالسُّنِّي، إذا ثبتت عدالته قبلت روايته، وثبت عن مالك ما يوافق ذلك، وقيل عن مالك إنه لا يُروى عنه أيضًا، والعمل على الأول.
стр. 1536
وذهب بعضهم إلى أنه لا يروى عنه إِلَّا عند الحاجة، وهذا أمر مصلحي لا ينافي قيام الحجة بروايته بعد ثبوت عدالته.
وحكى بعضهم أنه إذا روى ما فيه تقوية لبدعته لم يؤخذ عنه، ولا ريب أن ذلك المروي إذا حكم أهل العلم ببطلانه فلا حاجة إلى روايته إِلَّا لبيان حاله، ثم إن اقتضى جرح صاحبه بأن ترجح أنه تعمد الكذب أو أنه متهم بالكذب عند أئمة الحديث سقط صاحبه البتّة فلا يؤخذ عنه ذاك ولا غيره، وإن ترجح أنه إنما أخطأ فلا وجه لمؤاخذته بالخطأ، وإن ترجح صحة ذلك المروي فلا وجه لعدم أخذه.
نعم قد تدعو المصلحة إلى عدم روايته حيث يُخشى أن يغتر بعض السامعين بظاهره فيقع في البدعة، قرأت في جزء قديم من "ثقات" العجلي ما لفظه: "موسى الجهني قال: جاءني عمرو بن قيس الملائي وسفيان الثّوري فقال (١): لا تحدث بهذا الحديث بالكوفة أن النبي ﷺ قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى" كان في الكوفة جماعة يغلون بالتشيع ويدعون إلى الغلو، فكره عمرو بن قيس وسفيان أن يسمعوا (٢) هذا الحديث فيحملوه على ما يوافق غلوهم فيشتد شرهم.
وقد يمنعُ العالمُ طلبةَ الحديث عن أخذ مثل هذا الحديث لِعلمه أنهم إذا أخذوه ربما رووه حيث لا ينبغي أن يروى، لكن هذا لا يختص بالمبتدع، وموسى الجهني ثقة فاضل لم ينسب إلى بدعة.
هذا وَأَوَّلُ مَنْ نُسِبَ إليه هذا القولُ (٣): إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني - وكان هو نفسه مبتدعًا منحرفًا عن أمير المؤمنين علي، متشددًا في الطعن علي المتشيعين كما
стр. 1537
يأتي في القاعدةُ الآتية (١) - ففي "فتح المغيث" (ص ١٤٢): "بل قال شيخنا: إنه قد نص على هذا القيد في المسألة الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في الجرح والتعديل: ومنهم زائغ عن الحق، صدوق اللهجة، قد جرى في الناس حديثه، لكنه مخذول في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حيلة إِلا أن يؤخذ من حديثهم ما يعرف وليس بمنكر إذا لم تقو به بدعتهم فيتهمونه بذلك".
والجوزجاني فيه نَصْبٌ، وهو مُولع بالطعن في المتشيعين كما مَرَّ، ويظهر أنه إنما يرمي بكلامه هذا إليهم، فإن في الكوفيين المنسوبين إلى التشيع جماعة أجلّة اتفق أئمة السنة على توثيقهم وحسن الثّناء عليهم وقبول رواياتهم وتفضيلهم على كثير من الثقات الذين لم ينسبوا إلى التشيع حتى قيل لشعبة: "حَدِّثْنا عن ثقات أصحابك، فقال: إن حدثتكم عن ثقات أصحابي فإنما أحدثكم عن نَفرٍ يسير من هذه الشيعة: الحكم بن عتيبة، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، ومنصور". راجع تراجم هؤلاء في "تهذيب التهذيب".
فكأن الجوزجاني لما علم أنه لا سبيل إلى الطعن في هؤلاء وأمثالهم مطلقًا، حاول أن يتخلص مما يكرهه من مروياتهم وهو ما يتعلق بفضائل أهل البيت.
وعبارته المذكورة تُعطي أن المبتدع الصادق اللهجة، المأمون في الرواية، المقبول حديثه عند أهل السنة، إذا روى حديثًا معروفًا عند أهل السنة غير منكر عندهم، إِلَّا أنه مما قد تَقْوى به بدعتُهُ فإنه لا يؤخذ وأنه يُتَّهم.
فأما اختيار أن لا يؤخذ فَلَهُ وجهٌ رِعَايَةً للمصلحة كما مَرَّ، وأمّا أنه يُتهم فلا يظهر له وجهٌ بعد اجتماع تلك الشرائط، إِلَّا أن يكون المراد أنه قد يَتَّهِمُهُ من عَرف
стр. 1538
بدعته، ولم يعرف صدقه وأمانته، ولم يعرف أن ذاك الحديث معروف غير منكر، فيسيء الظن به وبمروياته، ولا يبعد من الجوزجاني أن يصانع عما في نفسه بإظهار أنه إنما يحاول هذا المعنى فبهذا تستقيم عبارته.
أنها الحافظ ابن حجر ففهم منها معنى آخر، قاله في "النخبة وشرحها" (سيأتي الكلام معه قريبًا).
ولابن قتيبة في كتاب "تأويل مختلف الحديث" كلام حاصله:
"أن المبتدع الصادق المقبول لا يُقبل منه ما يُقَوِّي بدعته، ويُقبل منه ما عدا ذلك. قال: "وإنما يَمنع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه أن نفسه تُرِيه أن الحق فيما اعتقده، وأن القربة إلى الله في تثبيته بكل وجه، ولا يؤمن مع ذلك التحريف والزيادة والنقص".
كذا قال، واحتج بأن شهادة العدل لا تقبل لنفسه وأصله وفرعه، وقد مَرَّ الجواب عن ذلك (١). ولا أدري كيف يُنْعَتُ بالصادق من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص؟! وإنما يستحق النعت بالصادق من يوثق بتقواه، وبأنه مهما التبس عليه من الحق فلن يلتبس عليه أن الكذب بأي وجه كان منافٍ للتقوى، مجانب للإيمان.
... (٢) والمقصود هنا أن من لا يؤمن منه تعمد التحريف والزيادة والنقص على أي وجه كان فلم تثبت عدالته، فإن كان كل من اعتقد أمرًا ورأى أنه الحق وأن
стр. 1539
القربة إلى الله تعالى في تثبيته لا يؤمن منه ذلك فليس في الدنيا ثقة، وهذا باطل قطعًا، فالحكم به على المبتدع إن قامت الحجة على خلافه بثبوت عدالته وصدقه وأمانته فباطل، وإلا وجب أن لا يحتج بخبره البتة، سواء أوافق بدعته أم خاللها.
والعدالة "ملكة تمنع من اقتراف الكبائر ... "
وتعديل الشخص شهادة له بحصول هذه الملكف ولا تجوز الشهادة بذلك حتى يغلب على الظن غلبةً واضحةً حصولها له، وذلك يتضمن غلبة الظن بأن تلك الملكة تمنعه من تعمد التحريف والزيادة والنقص.
ومن غلب على الظن غلبةً يصح الجزم بها أنه لا يقع منه ذلك فكيف لا يؤمن أن يقع منه؟ ومن لا يؤمن أن يقع منه ذلك فلم يغلب على الظن أن له ملكة تمنعه من ذلك.
ومن خيف أن يغلبه ضرب من الهوى فيوقعه في تعمد الكذب والتحريف لم يؤمن أن يغلبه ضرب آخر وإن لم نشعر به، بل الضرب الواحد من الهوى قد يوقع في أشياء يتراءى لنا أنها متضادة، فقد جاء أن موسى بن طريف الأسدي كان يرى رأي أهل الشام في الانحراف عن علي ﵁ ويروي أحاديث منكرة في فضل علي ويقول: "إني لأسخر بهم" يعني بالشيعة، راجع ترجمته في "لسان الميزان".
وروى محمد بن شجاع الثلجي الجهمي عن حبان بن هلال أحد الثقات الأثبات عن حماد بن سلمة أحد أئمة السنة عن أبي المهزم عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها".
وفي "الميزان" إن غرض الجهمية من وضع هذا الحديث أن يستدلوا به على زعمهم أن ما جاء في القرآن من ذكر "نفس الله" إنما المراد بها بعض مخلوقاته.
أقول: ولهم غرضان آخران:
أحدهما: التذرع بذلك إلى الطعن في حماد بن سلمة.
стр. 1540
الثاني: التشنيع على أئمة السنة بأنهم يروون الأباطيل.
والشيعي الذي لا يؤمن أن يكذب في فضائل أهل البيت لا يؤمن أن يكذب في فضائل الصحابة على سبيل التقية، أو ليري الناس أنه غير متشدد في مذهبه، يمهد بذلك ليُقبل منه ما يرويه مما يوافق مذهبه.
وعلى كل حال فابن قتيبة على فضله ليس هذا فَنَّه، ولذلك لم يعرج أحد من أئمة الأصول والمصطلح على حكاية قوله ذلك فيما أعلم. والله الموفق.
وفي "فتح المغيث" (ص ١٤٠) عن ابن دقيق العيد: "إن وافقه غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاءً لِنَارِه، وإن لم يوافقه أحد. ولم يوجد ذلك الحديث إِلَّا عنده مع ما وصفنا من صدقه وتحرزه عن الكذب واشتهاره بالتدين وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته فينبغي أن تقدّم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته وإطفاء ناره".
ويظهر أن تقييده بقوله: "وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته" إنما مغزاه أنه إذا كان فيه تقوية لبدعته لم تكن هناك مصلحة في نشره بل المصلحة في عدم روايته كما مَرَّ، ويتأكد ذلك هنا بأن الفرض أنه تفرد به، وذلك يدعو إلى التثبت فيه، وإذا كان كلام ابن دقيق العيد محتملًا لهذا المعنى احتمالًا، ظاهرًا فلا يسوغ حمله على مقالة ابن قتيبة التي مَرَّ ما فيها.
وقال ابن حجر في "النخبة وشرحها":
"الأكثر على قبول غير الداعية إِلَّا أن يروي ما يقوي مذهبه فَيُرَدُّ على المذهب المختار، وبه صرح الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني شيخ أبي داود والنسائي ... وما قاله متجه؛ لأن العلّة التي لها رُدَّ حديثُ الداعية واردةٌ فيما إذا كان ظاهر المروي يوافق مذهب المبتدع ولو لم يكن داعية. والله أعلم".
стр. 1541
أقول: الضمير في قوله "فَيُرَدُّ" يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أَوْقَعَ الرَّدَّ على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه، وقد قال قبل ذلك: "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كل مكفر ببدعة" والمراد بردّ الراوي ردّ مروياته كلها.
وقد يقال: يحتمل عود الضمير على المروي المقوي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يقبل منه ما عداه، وقد يُشعر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني فأقول:
إن كان معنى الردّ على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة وإن كان محكومًا بصحته، فهذا هو المعنى الذي تقدم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني.
وإن كان معناه ردّ ذاك الحديث اتهامًا لصاحبه ويردّ معه سائر رواياته، فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر موافقته لعبارة الجوزجاني.
كان كان معناه ردّ ذلك الحديث اتهامًا لراويه فيه ومع ذلك يبقى مقبولًا، فيما عداه فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا، ولا ظاهرة فيه كما مَرَّ وإنما هو قول ابن قتيبة.
وسياق كلام ابن حجر ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا أو ردّ ذاك الحديث وسائر روايات راويه وذلك لأمور، منها:
أن ابن حجر صرح بأن العلة التي ردّ بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قَدَّم أن العلة في الداعية هي: "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه".
ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته كما تقدّم فيردّ مطلقًا.
ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أَوْلَى؛ لأن الداعية يردّ مطلقًا وإن لم يرو ما يوافق بدعته، وهذا قد رَوى.
هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، ومن تتبع رواياتهم وَجَدَ فيها كثيرًا مما يوافق ظاهره بدعهم، وأهل
стр. 1542
العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها ولا في راويها بروايته لها (١)، بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إِلَّا أَنَّ لها عللًا أخرى، ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضَعَّفَها أهلُ العلم، بعضُها بضعف بعض من فوق الأعمش في السند، وبعضُها بالانقطاع، وبعضُها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس، ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨)، ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين.
هذا وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية (٢)، وتلك العلّة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمن منه ما ينافي العدالة، فهذه العلّة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوِّي بدعته ولو لم يكن داعية وجب أن لا يحتج بشيء من مرويات من كان كذلك ولو فيما يوهن بدعته (٣)، وإلا -وهو الصواب- فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور مع
стр. 1543
العلّة، فذاك المروي المقوي لبدعة راويه إما غير منكر فلا وجه لردِّه فضلًا عن ردّ راويه، وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف.
فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة؛ كَرَمْيِه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط البتة، وإن اتجه الحمل على غير ذلك؛ كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك.
وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه أو وَقَفَ.
... وبما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على ردّ المبتدع الداعية تنبيها على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي وهو ثبوت العدالة". اهـ.
بعض تطبيقات العلامة المعلمي على رواية المبتدع:
١ - ما يُخشى من تدليس المبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته:
المثال الأول:
• عَلَّق العَلَّامة المعلمي على حديث: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها"، وفي لفظ: "أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها" (ص ٣٤٩) من "الفوائد المجموعة"، وفَصَّل الكلام على طرقه، وبيَّن عِلَلَها -سوى ما لا نزل في سقوطه منها- ونظر في ذلك على ثلاثة مقامات:
المقام الأول: سند الخبر باللفظ الأول إلى أبي معاوية الضرير، والثاني إلى شريك، وأنهى بحثه بأن الخبر لا يثبت عنهما، ثم قال:
المقام الثاني: على فرض أن أبا معاوية حدث بذاك وشريكًا حدث بهذا، فإنما جاء ذاك عن أبي معاوية عن الأعمش، عن مجاهد"، وجاء هذا "عن شريك عن سلمة بن
стр. 1544
كهيل"، وأبو معاوية والأعمش وشريك كلهم مُدَلِّسُون مُتَشَيِّعُون، ويزيد شريك بأنه يكثر منه الخطأ ... (١).
وقد قَرَّرَ ابنُ حجر في "نخبته" ومقدمة "اللسان" وغيرهما أن من نوثقه ونقبل خبره من المبتدعة يختص ذلك بما لا يؤيد بدعته، فما يؤيد بدعته فلا يقبل منه البتّة، وفي هذا بحث (٢)، لكنه حق فيما إذا كان مع بدعته مدلسًا، ولم يصرح بالسماع، وقد أَعَلَّ البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨) خبرًا رواه الأعمش عن سالم يتعلق بالتشيع - بقوله: "والأعمش لا يُدرى سمع هذا من سالم أم لا، قال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش أنه قال: نستغفر الله من أشياء كنا نرويها على وجه التعجب، اتخذوها دينًا" (٣).
ويشتد أعتبار تدليس الأعمش في هذا الخبر خاصة؛ لأنه عن مجاهد، وفي ترجمة الأعمش من "التهذيب": "قال يعقوب بن شيبة في "مسنده": ليس يصح للأعمش عن مجاهد إِلَّا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إِلَّا ما قال: سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات.
وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه في أحاديث الأعمش عن مجاهد قال أبو بكر بن عياش، عنه: حدثنيه ليث [بن أبي سليم] عن مجاهد".
стр. 1545
أقول: والقتات وليث ضعيفان، ولَعَلَّ الواسطة في بعض تلك الأحاديث مَنْ هو شَرٌّ منهما، فقد سمع الأعمش من الكلبي أشياء، يرويها عن أبي صالح باذام، ثم رواها الأعمش عن باذام تدليسًا، وسكت عن الكلبي، والكلبي كذاب، ولاسيما فيما يرويه عن أبي صالح كما مر في التعليق (ص ٣١٥)، ويتأكل وَهَنُ الخبر بأن من يثبته عن أبي معاوية يقول: إنه حدث به قديمًا، ثم كَفَّ عنه، فلولا أنه علم وَهَنَهُ لما كَفَّ عنه ... ".
المثال الثاني:
• أورد الشوكاني في "الفوائد" (ص ٣٤٦) حديث: "أولُكم ورودًا على الحوض أولُكم إسلامًا: علي بن أبي طالب".
وقال: رواه ابن عدي عن سلمان مرفوعًا، وفي إسناده:
١ - عبد الرحمن بن قيس الزعفراني، وهو وضاع، وتابعه:
٢ - سيف بن محمد وهو شَرٌّ منه، وتابعهما:
٣ - يحيى بن هاشم السمسار عند الحارث بن أبي أُسامة، وهو كذاب.
ثم قال: وروى أبو بكر بن أبي عاصم من طريق:
٤ - عبد الرزاق متابعًا لهم لكن موقوفًا على سلمان.
قال السيوطي: "وهذه متابعة قوية جدًّا، ولا يضر إيراده بصيغة الوقف؛ لأنَّ له حكم الرفع".
قال الشوكاني: "فقد رواه كل واحد من هؤلاء الأربعة عن سفيان الثوري.
ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن يحيى المازني (١) عن سفيان، فكان خامسًا لهم، وعبد الرزاق لا يحتاج إلى متابع". اهـ. كلام الشوكاني.