← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

أقول: الضمير في قوله "فَيُرَدُّ" يعود فيما يظهر على المبتدع غير الداعية، أَوْقَعَ الرَّدَّ على الراوي في مقابل إطلاق القبول عليه، وقد قال قبل ذلك: "والتحقيق أنه لا يُرَدُّ كل مكفر ببدعة" والمراد بردّ الراوي ردّ مروياته كلها. وقد يقال: يحتمل عود الضمير على المروي المقوي لمذهبه، وعلى هذا فقد يفهم منه أنه يقبل منه ما عداه، وقد يُشعر بهذا استناد ابن حجر إلى قول الجوزجاني فأقول: إن كان معنى الردّ على هذا المعنى الثاني ترك رواية ذاك الحديث للمصلحة وإن كان محكومًا بصحته، فهذا هو المعنى الذي تقدم أن به تستقيم عبارة الجوزجاني. وإن كان معناه ردّ ذاك الحديث اتهامًا لصاحبه ويردّ معه سائر رواياته، فهذا موافق للمعنى الأول، ولا تظهر موافقته لعبارة الجوزجاني. كان كان معناه ردّ ذلك الحديث اتهامًا لراويه فيه ومع ذلك يبقى مقبولًا، فيما عداه فليست عبارة الجوزجاني بصريحة في هذا، ولا ظاهرة فيه كما مَرَّ وإنما هو قول ابن قتيبة. وسياق كلام ابن حجر ما عدا استناده إلى قول الجوزجاني يدل على أن مقصوده ردّ الراوي مطلقًا أو ردّ ذاك الحديث وسائر روايات راويه وذلك لأمور، منها: أن ابن حجر صرح بأن العلة التي ردّ بها حديث الداعية واردة في هذا، وقد قَدَّم أن العلة في الداعية هي: "أن تزيين بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه". ومن كانت هذه حاله فلم تثبت عدالته كما تقدّم فيردّ مطلقًا. ومنها: أن هذه العلة اقتضت في الداعية الردّ مطلقًا فكذلك هنا، بل قد يقال على مقتضى كلام ابن حجر: هذا أَوْلَى؛ لأن الداعية يردّ مطلقًا وإن لم يرو ما يوافق بدعته، وهذا قد رَوى. هذا وقد وثق أئمة الحديث جماعة من المبتدعة واحتجوا بأحاديثهم وأخرجوها في الصحاح، ومن تتبع رواياتهم وَجَدَ فيها كثيرًا مما يوافق ظاهره بدعهم، وأهل

стр. 1542

العلم يتأولون تلك الأحاديث غير طاعنين فيها ببدعة راويها ولا في راويها بروايته لها (١)، بل في رواية جماعة منهم أحاديث ظاهرة جدًّا في موافقة بدعهم أو صريحة في ذلك إِلَّا أَنَّ لها عللًا أخرى، ففي رواية الأعمش أحاديث كذلك ضَعَّفَها أهلُ العلم، بعضُها بضعف بعض من فوق الأعمش في السند، وبعضُها بالانقطاع، وبعضُها بأن الأعمش لم يصرح بالسماع وهو مدلس، ومن هذا الأخير حديث في شأن معاوية ذكره البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨)، ووهَّنه بتدليس الأعمش، وهكذا في رواية عبد الرزاق وآخرين. هذا وقد مرَّ تحقيق علة رد الداعية (٢)، وتلك العلّة ملازمة أن يكون بحيث يحق أن لا يؤمن منه ما ينافي العدالة، فهذه العلّة إن وردت في كل مبتدع روى ما يقوِّي بدعته ولو لم يكن داعية وجب أن لا يحتج بشيء من مرويات من كان كذلك ولو فيما يوهن بدعته (٣)، وإلا -وهو الصواب- فلا يصح إطلاق الحكم بل يدور مع

стр. 1543

العلّة، فذاك المروي المقوي لبدعة راويه إما غير منكر فلا وجه لردِّه فضلًا عن ردّ راويه، وإما منكر، فحكم المنكر معروف، وهو أنه ضعيف. فأما راويه فإن اتجه الحمل عليه بما ينافي العدالة؛ كَرَمْيِه بتعمد الكذب أو اتهامه به سقط البتة، وإن اتجه الحمل على غير ذلك؛ كالتدليس المغتفر والوهم والخطأ لم يجرح بذلك. وإن تردد الناظر وقد ثبتت العدالة وجب القبول، وإلا أخذ بقول من هو أعرف منه أو وَقَفَ. ... وبما تقدم يتبين صحة إطلاق الأئمة قبول غير الداعية إذا ثبت صلاحه وصدقه وأمانته، ويتبين أنهم إنما نصوا على ردّ المبتدع الداعية تنبيها على أنه لا يثبت له الشرط الشرعي وهو ثبوت العدالة". اهـ. بعض تطبيقات العلامة المعلمي على رواية المبتدع: ١ - ما يُخشى من تدليس المبتدع إذا روى ما يؤيد بدعته: المثال الأول: • عَلَّق العَلَّامة المعلمي على حديث: "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها"، وفي لفظ: "أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها" (ص ٣٤٩) من "الفوائد المجموعة"، وفَصَّل الكلام على طرقه، وبيَّن عِلَلَها -سوى ما لا نزل في سقوطه منها- ونظر في ذلك على ثلاثة مقامات: المقام الأول: سند الخبر باللفظ الأول إلى أبي معاوية الضرير، والثاني إلى شريك، وأنهى بحثه بأن الخبر لا يثبت عنهما، ثم قال: المقام الثاني: على فرض أن أبا معاوية حدث بذاك وشريكًا حدث بهذا، فإنما جاء ذاك عن أبي معاوية عن الأعمش، عن مجاهد"، وجاء هذا "عن شريك عن سلمة بن

стр. 1544

كهيل"، وأبو معاوية والأعمش وشريك كلهم مُدَلِّسُون مُتَشَيِّعُون، ويزيد شريك بأنه يكثر منه الخطأ ... (١). وقد قَرَّرَ ابنُ حجر في "نخبته" ومقدمة "اللسان" وغيرهما أن من نوثقه ونقبل خبره من المبتدعة يختص ذلك بما لا يؤيد بدعته، فما يؤيد بدعته فلا يقبل منه البتّة، وفي هذا بحث (٢)، لكنه حق فيما إذا كان مع بدعته مدلسًا، ولم يصرح بالسماع، وقد أَعَلَّ البخاري في "تاريخه الصغير" (ص ٦٨) خبرًا رواه الأعمش عن سالم يتعلق بالتشيع - بقوله: "والأعمش لا يُدرى سمع هذا من سالم أم لا، قال أبو بكر بن عياش، عن الأعمش أنه قال: نستغفر الله من أشياء كنا نرويها على وجه التعجب، اتخذوها دينًا" (٣). ويشتد أعتبار تدليس الأعمش في هذا الخبر خاصة؛ لأنه عن مجاهد، وفي ترجمة الأعمش من "التهذيب": "قال يعقوب بن شيبة في "مسنده": ليس يصح للأعمش عن مجاهد إِلَّا أحاديث يسيرة، قلت لعلي بن المديني: كم سمع الأعمش من مجاهد؟ قال: لا يثبت منها إِلَّا ما قال: سمعت، هي نحو من عشرة، وإنما أحاديث مجاهد عنده عن أبي يحيى القتات. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه في أحاديث الأعمش عن مجاهد قال أبو بكر بن عياش، عنه: حدثنيه ليث [بن أبي سليم] عن مجاهد".

стр. 1545

أقول: والقتات وليث ضعيفان، ولَعَلَّ الواسطة في بعض تلك الأحاديث مَنْ هو شَرٌّ منهما، فقد سمع الأعمش من الكلبي أشياء، يرويها عن أبي صالح باذام، ثم رواها الأعمش عن باذام تدليسًا، وسكت عن الكلبي، والكلبي كذاب، ولاسيما فيما يرويه عن أبي صالح كما مر في التعليق (ص ٣١٥)، ويتأكل وَهَنُ الخبر بأن من يثبته عن أبي معاوية يقول: إنه حدث به قديمًا، ثم كَفَّ عنه، فلولا أنه علم وَهَنَهُ لما كَفَّ عنه ... ". المثال الثاني: • أورد الشوكاني في "الفوائد" (ص ٣٤٦) حديث: "أولُكم ورودًا على الحوض أولُكم إسلامًا: علي بن أبي طالب". وقال: رواه ابن عدي عن سلمان مرفوعًا، وفي إسناده: ١ - عبد الرحمن بن قيس الزعفراني، وهو وضاع، وتابعه: ٢ - سيف بن محمد وهو شَرٌّ منه، وتابعهما: ٣ - يحيى بن هاشم السمسار عند الحارث بن أبي أُسامة، وهو كذاب. ثم قال: وروى أبو بكر بن أبي عاصم من طريق: ٤ - عبد الرزاق متابعًا لهم لكن موقوفًا على سلمان. قال السيوطي: "وهذه متابعة قوية جدًّا، ولا يضر إيراده بصيغة الوقف؛ لأنَّ له حكم الرفع". قال الشوكاني: "فقد رواه كل واحد من هؤلاء الأربعة عن سفيان الثوري. ورواه ابن مردويه من طريق محمد بن يحيى المازني (١) عن سفيان، فكان خامسًا لهم، وعبد الرزاق لا يحتاج إلى متابع". اهـ. كلام الشوكاني.

стр. 1546

فتكلم المعلمي في الثّلاثة الأُوَل، ونقل أقوال أهل العلم في تكذيبهم، ثم قال: "وأما خبر ابن مردويه ففي سنده محمد بن أحمد الواسطي، أُراه المذكور في "لسان الميزان" (٥/ ٥٣ رقم ١٧٩) وهو تالف، هو صاحب حديث: "النظر في مرآة الحجام دناءة" رواه عن "إسحاق بن الضيف" وهو صدوق يخطىء، عن "محمد بن يحيى المأربي" وثقه الدارقطني، وقال ابن عديّ: "أحاديثه مظلمة منكرة" رواه عن الثوري، عن قيس ابن مسلم الجدلي، عن عُلَيْم (١) الكندي (وهو مجهول) عن سلمان، والثلاثة المتقدمون يقولون: عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي صادق (٢) عن عليم. وأما خبر عبد الرزاق، فعبد الرزاق عمي بأخرة، وصار يلقن فيتلقن، وربما دلس، وكان يتشيع، فلا يؤمن أن يكون سمعه من بعض أولئك الدجالين فدلسه ... وقول السيوطي: "إن له حكم الرفع" مردود؛ إِذْ لا مانع أن يستشعر سلمان أن السبق إلى الإسلام يقتضي السبق في الورود. اهـ. ٢ - ما يُخشى من إدخال بعض دجاجلة المبتدعة أحاديث على أصحابهم من أهل الصدق ممّن يتلقن وفيه غفلة. • ذكر الشوكاني في "الفوائد" (ص ٤٠٧) حديث: أن النبي ﷺ سمع صوت غناء فقال: انظروا ما هذا؟ قال أبو برزة: فصعدت فنظرت فإذا معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان، فجئت فأخبرت النبي ﷺ فقال: "اللهم اركسهما في الفتنة ركسًا، ودعِّهما إلى النار دَعًّا".

стр. 1547

وقال: ذكره ابن الجوزي في "موضوعاته"، وقال: لا يصح، يزيد بن أبي زياد كان يتلقن. قال السيوطي في "اللآلىء": "هذا لا يقتضي الوضع". فقال المعلمي: "لكنه مظنة رواية الموضوع؛ فإن معنى قبول التلقن أنه قد يقال له: أَحَدَّثَكَ فلان عن فلان بكيت وكيت؟ فيقول: نعم، حدثني فلان ابن (١) فلان بكيت وكيت. مع أنه ليس لذلك أصل وإنما تلقنه وتوهم أنه من حديثه. وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين فيلقنونه فيتلقن ويروي ما وضعوه. وشيخ يزيد في هذا الخبر سليمان بن عمرو بن الأحوص، مجهول الحال كما قال ابن القطان، ولا يدفع ذلك ذكر ابن حبان له في "الثقات". ولا أرى البلاء إِلَّا من يزيد؛ فإنه من أئمة الشيعة الكبار، والراوي عنه لهذا الخبر شيعي (٢)، وله عنه خبر آخر باطل، وإذا كان من أئمة الشيعة فلا بدع أن يستحوذ عليه بعض دجاجلتهم فيلقنه الموضوعات". اهـ. * * *

стр. 1548

الوجه السابع الجهالة وفيه بعض الفوائد المتعلقة بـ "المجهول" (١). الفائدة الأولى: مناهج بعض الأئمة في توثيق المجاهيل . الفائدة الثانية: المجهول قد يسقط أو يُتهم بما يرويه إذا قامت القرائن على ذلك. الفائدة الثالثة: عدم وقوف أمثالنا على ترجمة للرجل لا يُسَوِّغ لنا الحكم عليه بالجهالة. الفائدة الرابعة: أمثلة لمجهول الحال. الفائدة الأولى: مناهح بعض الأئمة في توثيق المجاهيل: الموضع الأول: * قال العلامة المعلمي في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من مقدمة "التنكيل": " ... فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء وإن لم يعرف ما روى وعمن روى ومن روى عنه ... والعجليُّ قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي وآخرون غيرهم يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إِلَّا واحد، ولم يبلغهم عنه إِلَّا حديث واحد.

стр. 1549

فَمِمَّن وثقه ابن معين من هذا الضرب: الأسقع بن الأسلع، والحكم بن عبد الله البَلَوي، ووهب بن جابر الخيواني، وآخرون. وممَّن وثقه النسائي: رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة، وآخرون. وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إِلَّا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين. وروى همام عن قتادة عن قدامة بن وبرة عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قدامة إِلَّا في هذه الرواية فوثقه ابن معين، مع أن الحديث غريب، وله علل أخرى. راجع "سنن" البيهقي (ج ٣ ص ٢٤٨). اهـ. الموضع الثاني: * ثم قال المعلمي في الأمر التاسع من هذه القاعدة: "قد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذلك المجهول إِلَّا واحد، فإن شئت فاجعل هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة" كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة". اهـ. الموضع الثالث: * وقال المعلمي في "الاستبصار" (ص ٧): "إن منهم -أئمة الجرح والتعديل- من لا يطلق "ثقة" إِلَّا على من كان في الدرجة العليا من العدالة والضبط. ومنهم من يطلقها على كل عدل ضابط وإن لم يكن في الدرجة العليا.

стр. 1550

منهم من يطلقها على العدل وإن لم يكن ضابطًا. ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا واحدًا تُوبع عليه. ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا له شاهد. ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى حديثًا لم يستنكره هو. ومنهم من يطلقها على المجهول الذي روى عنه ثقة، إلى غير ذلك". اهـ. الفائدة الثانية: المجهول قد يَسْقُطُ أو يُتَّهَمُ بما يرويه إذا قامت القرائن على ذلك: وفيه أمثلة: المثال الأول: • في كتاب "الفوائد المجموعة" (ص ٢٩٨) حديث: "مَنْ قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاف لم يمنعه من دخول الجنة إِلَّا الموت". قال الشوكاني: "رواه الدارقطني عن أبي أمامة مرفوعًا، وقد أدخله ابن الجوزي في "الموضوعات"، وتعقبه ابن حجر في تخريج أحاديث "المشكاة"، وقال: غفل ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في الموضوعات وهو من أسمج ما وقع له. قال في "اللآلىء": وقد أخرجه النسائي، وابن حبان في "صحيحه"، وابن السني في "عمل اليوم والليلة"، وصححه الضياء في "المختارة"". فقال المعلمي: "مدار الحديث على محمد بن حمير، رواه عن محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة، وابنُ حمير موثق، غمزه أبو حاتم ويعقوب بن سفيان، وأخرج له البخاري في "الصحيح" حديثين، قد ثَبَتا من طريق غيره، وهما من روايته عن غير الألهاني، فَزَعْمُ أَنَّ هذا الحديث على شرط البخاري غفلةٌ.

стр. 1551

وفي "اللآلىء": أن الدمياطي ذكر له شواهد، منها عن عليّ وقد ذكر في الأصل (١)، ومنها عن ابن عمرو، والمغيرة، وجابر، وأنس. قال: "من الطرق التي ما نريدها، يعني: لسقوطها، ثم عاد فذكر الذي عن المغيرة، وأنه من طريق "هاشم بن هاشم" عن عمر ابن إبراهيم، عن محمد، عن المغيرة بن شعبة" رفعه، وأن أبا نعيم قال: "غريب من حديث المغيرة ومحمد، تفرد به هاشم عن عمر عنه"، ثم ذكر عن الدمياطي أن محمدًا هو محمد بن كعب، وأن عمر بن إبراهيم هو "أبو حفص العبدي البصري"، يعني المترجم في "التهذيب"، أقول: وَهِمَ الدمياطي ومَنْ تبعه، إنما هذا "عمر بن إبراهيم بن محمد بن الأسود، له ترجمة في "الميزان"، و"اللسان"، وهو مجهول، ذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته في ذكر المجاهيل، وذكره العقيلي في "الضعفاء"، وذكر له خبرًا آخر لهذا السند نفسه، لم يتابع عليه، والمجهول إذا روى خبرين لم يتابع عليهما، فهو تالف، ثم ذكره من طريق محمد بن الضوء بن الصلصال بن الدلهمس، عن أبيه، عن جده مرفوعًا، ومحمد ابن الضوء كذاب فاجر". اهـ. المثال الثاني: • وفي "الفوائد المجموعة" (ص ٢٢٦) حديث: "إذا صافح المؤمنُ المؤمنَ نزلت عليهما مائة رحمة، تسعة وتسعون لأبَشِّهِما وأَحْسَنِهِمَا لقاءً". قال الشوكاني: "رواه الخطيب عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي إسناده: محمد بن عبد الله الأشناني، وهو وضاع، ورواه البيهقي في "الشُّعَبِ" عن عمر مرفوعًا". فقال المعلمي: "في سنده -يعني حديثَ "الشُّعَب"-: "عُمَرُ بنُ عَامِر"، وهو التَّمَّار كما صرح به في رواية لأبي الشيخ، وفي "الميزان" و"اللسان": "عمر بن عامر أبو حفص السعدي

стр. 1552

التمار بصري، روى عنه أبو قلابة ومحمد بن مرزوق حديثا باطلًا"، فذكر حديثًا آخر، فَعُمر هذا مجهول يروي المنكرات فهو ساقط". اهـ. المثال الثالث: • وفي "الفوائد" أيضًا (ص ٤١٥) حديث: "زَوِّجُوا الاكفاء وتزوجوا الأكفاء، واختاروا لنطفكم، وإياكم والزنج فإنهم خَلْقٌ مُشَوَّهٌ". قال الشوكاني: "رواه ابن حبان عن عائشة مرفوعًا، وفي إسناده: محمد بن مروان السُّدِّي، وهو كذاب، وله طريق أخرى عند أبي نعيم في "الحِلْيَة" (١). فقال المعلمي في طريق "الحِلْيَة": "فيه مجهولان: أحدهما (٢): نقل في "اللسان" أن ابن حبان ذكره في "الثقات"، وقال: "يغرب"، وإذا كان يغرب مع جهالته وإقلاله فهو تالف". اهـ. المثال الرابع: • وفيه أيضًا (ص ٢٤٢) حديث: "فِكرَةُ ساعة خَيْرٌ من عبادة ستين سَنَة".

стр. 1553

قال الشوكاني: "رواه أبو الشيخ عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي إسناده: عثمان بن عبد الله القرشي، وإسحاق بن نجيح الملطي، كذابان، والمتهم به أحدهما. وقد رواه الديلمي من حديث أنس من وجه آخر". فقال المعلمي في حديث أنس: "في سنده علي بن إبراهيم القزويني، لعله المترجم في "لسان الميزان"؛ وهو مجهول يروي عن أبي زرعة خبرًا منكرًا (١) فهو تالف". اهـ. المثال الخامس: • وفيه (ص ٤٨١) حديث أنس مرفوعًا: "ما منْ معمّر يعمّر في الإسلام أربعين سنة إِلَّا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين ... ". ذكر الشوكاني ممن روى هذا الحديث: أحمد بن منيع في "مسنده"، وأنَّ في إسناده: عَبَّاد بن عَبَّاد المُهَلَّبي، ونقل عن ابن حبان قوله: كان يحدث بالمناكير فاستحق الترك". قال المعلمي: "إنما قال ابن حبان هذا في عباد بن عباد الأُرْسُوفي، وهو غير المُهَلَّبي، نَبَّهَ عليه ابن حجر، فأما المهلبي فثقة يخطىء. وأرى البلاء في هذا الخبر من شيخه "عبد الواحد بن راشد"، فإنه مجهول جدًّا (٢) ". اهـ.

стр. 1554

المثال السادس: • وفيه (ص ٣٧٩) حديث: "مَثَلي شجرة، أنا أَصْلُها، وعليٌّ فَرْعُها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها. فأيُّ شَيءٍ يخرج من الطيِّب إلا الطيِّب". قال الشوكاني: "رواه ابن مردويه عن عليٍّ مرفوعًا، وفي إسناده: عباد بن يعقوب، وهو رافضي". قال المعلمي: "عَبَّادٌ عَلَى رَفْضِهِ وحُمْقِهِ صَدُوقٌ، رواه عن يحيى بن بشار الكندي (١)، عن عمرو ابن إسماعيل الهمداني (٢)، وهما مجهولان، فالحمل عليهما، وفي ترجمتيهما من "الميزان" و"اللسان" هذا الخبر". اهـ. المثال السابع: • وفيه (ص ٢٤٦) حديث: "إن لله في الخَلْق ثلاثمائة، قلوبهم على قَلْبِ آدم، ولله في الخَلْق أربعون قلوبهم على قلب موسى ... ". ذكر الشوكاني فيمن رواه: الطبراني عن ابن مسعود مرفوعًا، وقال: في إسناده مجاهيل. قال المعلمي: "هو من طريق عبد الرحيم بن يحيى الأدمي، ثنا عثمان بن عمارة، وهما مجهولان، والمتهم بوضعه أحدهما، وفي "الميزان": "فَقَاتَل اللَّهُ مَنْ وَضَعَ هَذا الإِفْكِ". اهـ.

стр. 1555

الفائدة الثالثة: عدم وقوف أمثالنا على ترجمة للرجل لا يُسَوِّغُ لنا الحكم عليه بالجهالة: في هذه الفائدة أمثلة: المثال الأول: • في ترجمة: أحمد بن خالد الكرماني رقم (١٦) من "التنكيل" أشار المعلمي إلى ما رواه الخطيب في "تاريخه" (٢/ ١٧٨) من طريق محمد بن إسماعيل التمار الرقي عن أحمد بن خالد. ونقل قول الكوثري في أحمد: "مجهول". فقال المعلمي: "وأنا أيضًا لم أظفر له بزجمة ولا خبر إِلَّا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار، لكن مثل هذا لا يسوغ لأمثالنا أن يقول: "مجهول"". اهـ. المثال الثاني: • وفي ترجمة: إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي رقم (٥٣١) نقل المعلمي قول الكوثري فيه: "من المجاهيل" فقال: "الصواب أن يقول: "لم أعرفه"، فإن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولًا". اهـ. الفائدة الرابعة: أمثلة لـ: "مجهول الحال ": المثال الأول: • قال المعلمي في تعليقه على "الفوائد" (ص ٤٨٤): "أما عبد الله بن محمد بن رمح فمقل جدًّا، له ترجمة في "تهذيب التهذيب"، لم يذكر فيها راويًا عنه إِلَّا ثلاثة: بكر بن سهل راوي هذا (١) وسيأتي حاله، ومحمد بن محمد بن

стр. 1556

الأشعث أحد الكذابين، وابن ماجة، وليس له عند ابن ماجه إلا حديثان غريبان. ومع ذلك قال ابن حجر في القول المسدد: "ثقة"، وفي "التقريب": "صدوق"، وهذا مخالف لقاعدة ابن حجر التي جرى عليها في "التقريب"، ولكنه تسمّح هنا جريًا مع ما سمّاه في خطبة القول المسدد: "عصبية لا تخل بدين ولا مروءة". والتحقيق أن هذا الرجل مجهول الحال، ومثله لا يلتفت إلى ما تفرد به، ولاسيما عن ابن وهب، فكيف إذا انفرد عنه بكر بن سهل (١) ... ". المثال الثاني: • علق المعلمي على حديث: "سَيِّدُ طعام أهل الجنَّة اللَّحْمُ" في "الفوائد" (ص ١٦٧) فقال: "رواه سليمان -يعني: ابن عطاء- عن مسلمة -يعني: ابن عبد الله الجهني- عن أبي مشجعة عن أبي الدرداء، وأبو مشجعة ومسلمة لم يجرحا ولم يوثقا، فهما مجهولا الحال". المثال الثالث: • قال المعلمي في المسألة (١٤) من القسم الثالث من "التنكيل": "في "مصنف ابن أبي شيبة" عن شريك عن عطية بن مقسم عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُتي عمر بسارق فأمر بقطعه، فقال عثمان: إن سرقته لا تساوي عشرة دراهم قال: فأمر به عمر فقومت ثمانية دراهم فلم يقطعه. القاسم لم يدرك عمر ولا كاد، وعطية مجهول الحال، وشريك سيء الحفظ، ونسبه بعضهم إلى التدليس، ورواه الثوري عن عطية بن عبد الرحمن الثقفي عن القاسم قال: أُتي عمر بن الخطاب بنحو، ويؤخذ من كلام البخاري وأبي حاتم أن عطية هذا هو الذي روى عنه شريك، فإن صح هذا فهو مجهول الحال، وإلا فكلاهما مجهول".

стр. 1557

الشرط الخامس من الشروط الواجب توفرها في الراوي: الضبط ينقسم الكلام على الضبط إلى قسمين: الأول: ضبط الراوي في نفسه، وهو المعروف بـ: ضبط الصدر . الثاني: ضبط الراوي لكتابه. أولا: ضبط الصدر: وفيه مسائل: الأولى: الأصل في الحفظ هو حفظ الصدور. الثانية: ضبط الصغير المميز. الثالثة: في بيان حَدِّ الضابط لحديثه، وهل من شرط الضابط أن لا يقع له النسيان أو الشك؟ الرابعة: هل الضبط يتجزأ؟ الخامسة: الأُمِّيَّة وأثرها في ضبط الراوي. السادسة: أوجه الطعن في ضبط الراوي أو: مظاهر خفة ضبط الراوي. * * *

стр. 1558

المسألة الأولى الأصل فى الحفظ هو حفظ الصدور قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" عند الكلام على الرواية بالمعنى (ص ٧٧): "حفظُ الصدور قد اعتُمِدَ عليه في القرآن، وبقي الاعتمادُ عليه وحده -بعد حفظ الله في عهد النبي ﷺ ، وعمر، وسنين من عهد عثمان؛ لأن تلك القطع التي كُتب فيها في عهد النبي ﷺ كانت مفرقة عند بعض أصحابه، لا يعرفها إلا من هي عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم، ثم لمَّا جُمِعت في عهد أبي بكر، لم تُنشر هي، ولا الصحف التي كُتبت عنها، بل بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان، ثم اعتُمِد عليه في عامَّةِ المواضع التي يَحتمل فيها الرسمُ وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حتى استقرَّ تدوينُ القراءات الصحيحة. ... (و) حال الأميين قد اقتضتِ الترخيصُ لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن، مع أن ألفاظه مقصودة لذاتها؛ لأنه كلامُ ربِّ العالمين بلفظه ومعناه، مُعْجِرٌ بلفظه ومعناه، مُتَعَبَّدٌ بتلاوته، فما بالك بالأحاديث التي مدار المقصود الديني فيها على معانيها فقط؟ وإذا علمنا ... ما دلت عليه القواطع أن النبي ﷺ مبينٌ لكتاب الله ودينه بقوله وفعله، وأنَّ كل ما كان منه مما فيه بيانٌ للدين، فهو خالدٌ بخلودِ الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابةَ مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي ﷺ ، وبعد وفاته ... وأن

стр. 1559

النبي ﷺ لم يأمرهم بكتابة الأحاديث، وأقرَّهُم على عدم كتابتها، بل قيل: إنه نهاهم عن كتابتها كما مَرَّ بما فيه، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لِمَا عَلِمُوه وفهموه. وعلمنا أن عادةَ الناس قاطبةً فيمن يُلْقَى إليه كلامٌ؛ المقصود منه معناه، ويُؤمر بتبليغه، أنه إذا لم يَحفظ لفظَهُ على وجهه -وقد ضَبط معناه- لزمه أن يُبلغه بمعناه، ولا يُعد كاذبًا ولا شبهَ كاذب: علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمِروا بالتبليغ على ما جرت به العادة، مَنْ بَقي منهم حافظًا لِلَّفْظِ على وجهه، فليؤده كذلك، ومَنْ بقي ضابطًا للمعنى، ولم يَبق ضابطًا لِلَّفْظِ، فليؤده بالمعنى. هذا أمرٌ يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي ﷺ ، وبعد وفاته. ... وتشديده ﷺ في الكذب عليه، إنما المرادُ به الكذبُ في المعاني، فإن الناس يَبعثون رسلهم ونُوابهم ويأمرونهم بالتبليغ عنهم، فإذا لم يُشترطْ عليهم المحافظةُ على الألفاظ، فبلغوا المعنى، فقد صدقوا. ولو قلتَ لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب، وقال له: والدي -أو الوالد- يدعوك، أو: يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعتَ بعد ذلك على ما قال، فزعمتَ أنه عمى أو كذب، وأردت أن تعاقبَه لأنكر العقلاء عليك ذلك. وقد قَصَّ الله في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم، لأن من ذلك ما يطول فيبلغ الحَدَّ المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما يأتي في موضعٍ بألفاظٍ، وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضعٍ، ويختصر في آخر. فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي ﷺ بيانَ شدة الكذب عليه، وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب، فقال: "نضر الله امرًا سمع منا شيئًا فأداه كما سمعه،

стр. 1560

فرب مبلغ أوعى من سامع" جاء بهذا اللفظ أو معناه مطولا ومختصرا من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجبير بن مطعم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمير بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، منها الصّحيح وغيره، وكان النبي ﷺ يتحرى معونتهم على الحفظ والفهم كما مر. ... أما التابعون فقد يتحفظون الحديث كما يتحفظون القرآن، كما جاء عن قتادة أنه: "كان إذا سمع الحديث أخذه العويل والزويل حتى يحفظه"، هذا مع قوة حفظه، ذكروا أن صحيفة جابر -على كِبرها- قُرئت عليه مرّة واحدة -وكان أعمى- فحفظها بحروفها، حتى قَرأ مرة سورة البقرة فلم يخطىء حرفًا، ثم قال: لأنا لصحيفة جابر أحفظ مني لسورة البقرة ... ". اهـ. اختبار حفظ الراوي: ثم قال الشيخ المعلمي: "كان الأئمةُ يعتبرون حديثَ كُلِّ راوٍ، فينظرون كيف حَدَّثَ به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يُحدث مرة كذا ومرة كذا، بخلافٍ لا يحتمل، ضَعَّفُوه، وربما سمعوا الحديثَ من الرجل، ثم يَدَعُونه مدةً طويلة، ثم يسألونه عنه. ثم يُعتبر حرفُ مروياته برواية مَنْ روى عن شيوخه، وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف روايةَ الثقات، حكموا عليه بحسبها. وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مر. وتجدهم يجرحون الرجلَ بأنه يخطىء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا". اهـ.

стр. 1561

• وقال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٠٠): "اعلم أن المتقدمين كانوا يعتمدون على الحفظ، فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرتْ عدالتُه وكان حديثُه مستقيمًا وثقوه، ثم صاروا يعتمدون الكتابة عند السماع ... ". اهـ. * * *

стр. 1562

المسألة الثانية ضبط الصغير المميز (١) • ذكر الشيخ المعلمي في شرط قبول الخبر: البلوغ، فقال في "الاستبصار" (ص ١٥): "وأما البلوغ فهو حَدُّ التكليف، ولا يتحققُ الخوفُ من الله والخوفُ من الناس إلا بعده؛ لأن الصبي مرفوعٌ عنه القلمُ، فلا يخاف الله ، وكذلك لا يخاف الناس؛ لأنهم إن ظهروا على كذبٍ منه، قالوا: صبي، ولعله لو قد بلغ وتم عقله لتحرز. ومع هذا، فلا تكادُ تدعو الحاجةُ إلى روايةِ الصبي؛ لأنه إن رَوى، فالغالبُ أن المرويَّ عنه حيٌّ، فيراجع، فإن كان قد مات، فالغالب -إن كان الصبي صادقًا- أن يكون غيره ممن هو أكبر منه قد سمع من ذلك المخبر أو غيره، فإن اتفق أن لا يوجد ذلك الخبر إلا عند ذلك الصبي، فمثل هذا الخبر لا يُوثَقُ به. هذا، وعامَّةُ الأدلة على شرع العمل بخبر الواحد مَوردُها في البالغين". اهـ. • وقال في ترجمة: عبد الله بن محمد بن حميد أبي بكر بن أبي الأسود من "التنكيل" (١٢٨): " ... فعلى ذلك يكون سِنُّ ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر، وكان ابنَ أختِ عبد الرحمن بن مهدي، فقد يكون ساعده هو أو غيره في الضبط، وقد صحح الجمهور السماع في مثل تلك السن وفيما دونها". اهـ.

стр. 1563

• وفي ترجمة: أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست العلاف (٣٧): تكلم محمد بن أبي الفوارس في روايته عن المطيري وطعن فيه. قال الشيخ المعلمي: "ذكره الخطيب عن ابن أبي الفوارس، ثم روى عن عيسى بن أحمد بن عثمان الهمذاني كلامًا يتعلق بابن دوست، وفيه من قول عيسى: "كان محمد بن أبي الفوارس يُنكر علينا مُضينا إليه وسماعَنا منه، ثم جاء بعد ذلك وسمع منه". فكأن ابنَ أبي الفوارس تكلم أولًا في سماع ابن دوست من المطيري؛ لأنه كان عند موت المطيري ابن اثنتي عشرة سنة، ثم كأنه تبين لابن أبي الفوارس صحة السماع، فعاد فقصد ابن دوست، وسمع منه؛ وذلك أن والد ابن دوست كان من أهل العلم والصلاح والرواية والثقة، ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج ٣ ص ٤٠٩)، ووفاته سنة ٣٨١، ومولد أحمد سنة ٣٢٣، فقد وُلد له في شبابه، فكأنه اعتنى به، فَبَكَّرَ به للسماع، وقَيَّدَ سماعَه، وضَبَطَهُ له على عادة أهل العلم في ذاك العصر، وقد صَحَّحَ المحدثون سماعَ الصغير المميز". اهـ. قال أبو أنس: سماع الصغير وإن دلت القرائن أحيانا على أنه ضَبط ما سمع أو ضُبط له، إلا أنه من أحد أسباب التعليل المعروفة عند النقاد؛ فيستصغرون بعض الرواة في شيوخهم، كما سبق، وسيأتي في الكلام على شرط انتفاء العلة من شروط قبول الحديث. * * *

стр. 1564

المسألة الثالثة في بيان حد الضابط لحديثه، وهل من شرط الضابط أن لا يقع له النسيان أو الشك ؟ • قال العلامة المعلمي في النوع الثامن من "طليعة التنكيل" رقم (١): "لا يلزم من النسيان اختلالُ الضبط؛ فإن الناسي إن نسي الحديثَ أصلا لم يُحَدِّثْ به البَتَّة، وكيف يُحدث به وهو ناسٍ له؟ وإن عرض له ترددٌ في قصةٍ أو في بعضها، فإنه إذا كان ضابطا لم يُحدث بها، أو يُحدث بها ويبين التردد والشك. فالضابطُ هو الذي لا يُحدث إلا بما يُتْقِنُهُ، فما لم يُتْقِنْهُ لم يُحدث به، أو حَدث به وبَيَّن شَكَّهُ، سواء أكان عدمُ الإتقان لذاك أول مرّة عند التلقي أم عارضا". اهـ. * * *

стр. 1565

المسألة الرابعة هل الضبط يتجزأ ؟ • في ترجمة: محبوب بن موسى أبي صالح الفراء من "التنكيل" (١٨٣): "قال أبو داود: ثقة، لا يُلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب". فقال العلامة المعلمي: "فقوله: ثقة، يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح، ويعين أن المقصود أنه كان لا يُتقن حفظَ الحكاياتِ كما يحفظُ الحديثَ، فكان إذا حكاها من حفظه يخطىء. فلا يُحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابه، أو توبع عليه، أو ليس بمظنة للخطأ. وقد قال العجلي: "ثقة صاحب سنة". وقال ابن حبان في "الثقات": "متقن فاضل". وقال أبو حاتم: "هو أحب إلي من المسيب بن واضح"". اهـ. * * *

стр. 1566

المسألة الخامسة الأمية وأثرها في ضبط الراوي • قال الشيخ المعلمي في النوع الثامن من "طليعة التنكيل"، مثال رقم (١) (ص ٦٩): "أما الأمية، فليست مما يوجب قلةَ الضبط، وإنما غايتُها أن يكون في رواية صاحبها كثيرٌ من الرواية بالمعنى، وليس ذلك بقادح". اهـ. قال أبو أنس: الرواية بالمعنى، وإن لم تكن سببا للقدح في ضبط الراوي -إذْ فَعَلها كثير من الأكابر- إلا أنها تُعد أحيانا من أسباب الوهم والتعليل، كما هو معلوم، وسيأتي في موضعه. * * *

стр. 1567

المسأله السادسة أوجه الطعن في ضبط الراوي أو مظاهر خفة ضبط الراوي وفيه ستة أوجه: الوجه الأول: وقوع الخطأ في حديث الراوي. الوجه الثاني: التغير والاختلاط. الوجه الثالث: قبول التلقين لما ليس من حديثه. الوجه الرابع: الإدخال في حديثه. الوجه الخامس: الغفلة. الوجه السادس: النسيان. * * *

стр. 1568

الوجه الأول وقوع الخطأ في حديث الراوي وفيه مطلبان: المطلب الأول تفاوت درجات وقوع الخطأ في حديث الراوي، وأثر ذلك في الحكم عليه بالقبول والرد وفيه قضايا: القضية الأولي الخطأ اليسير لم يسلم منه أحد، ولا يقدح في ضبط الراوي • قال الشيخ المعلمي في ترجمة: الحارث بن عمير رقم (٦٨) من "التنكيل": " ... ومثل هذا الخطأ -وهو وصلُ المرسل- وأظهرُ منه: قد يقعُ للأكابر؛ كمالك والثوري، والحُكم المُجمعُ عليه في ذلك: أنَّ من وقع منه ذلك قليلا لم يضره، بل يُحتجّ به مطلقا، إلا فيما قامت الحجةُ على أنه أخطأ فيه". اهـ. • وقال في ترجمة حنبل بن إسحاق رقم (٨٦): "قال الدارقطني: كان صدوقا، وقال الخطيب: كان ثقة ثبتا، وتخطئته في حكايةٍ إنما تدل على اعتقاد أنه لم يكن معصوما من الخطأ، وليس هذا مما يوهن الثقة المكثر

стр. 1569

كحنبل، وقد خَطَّأَ أهلُ العلم جماعةً من أَجِلَّةِ الصحابة، بل قالوا: إن الأنبياء عليهم الصّلاة والسلام قد يُخطئون في أمور الدنيا، بل قال بعضهم: قد يُعرض لهم الخطأ في شيء من أمر الدين ولكن يُنبَّهون في الحال؛ لمكان العصمة في التبليغ، وقد تعرضت لذلك في قسم الاعتقاديات. والمقرر عند أهل العلم جميعا: أن الثقةَ الثبتَ قد يُخطىء، فإن ثبت خطؤه في شيء، فإنما يُترك ذاك الشيءُ، فأما بقية روايته فهي على الصواب، ومن ادَّعَى الخطأ في شيء فعليه البيان". اهـ. • وقال في ترجمة: محمد بن عثمان بن أبي شيبة رقم (٢١٩): "وليس من شرط الثقة أن لا يخطىء ولا يهم، فما من ثقة إلا وقد أخطأ، وإنما شرط الثقة أن يكون صدوقا، الغالب عليه الصواب، فإذا كان كذلك فما تبين أنه أخطأ فيه اطرح، وقُبل ما عداه، والله الموفق". اهـ. • وقال في ترجمة: هشام بن عروة رقم (٢٦١): "أما الوهم، فإذا كان يسيرا، يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات، فلا يستحق أن يُسمَّى خللا في الضبط، ولا ينبغي أن يُسمى تغيرا". اهـ. • وفي ترجمة: الهيثم بن جميل (٢٦٣): قال ابن عدي: لم يكن بالحافظ، يغلط على الثقات. فذكر الشيخ المعلمي مَنْ وثقه ووصفه بالحفظ، ثم قال: "أما الغلط، فذكر له الذهبي في "الميزان" حديثًا واحدًا، فإن كان هو الذي أشار إليه ابن عدي، فابن عدي هو الغالط ... وذكره الدارقطني في "السنن" (ص ٤٩٨) ثم قال: لم يسنده عن ابن عيينة غير الهيثم بن جميل، وهو ثقة حافظ.

стр. 1570

أقول: فإن حُكم للهيثم كما قد يُشعر به كلام الدارقطني فذاك (١)، وإن ترجح خطؤه كما يُشير إليه كلامُ ابن عدي، فمثل هذا الخطأ اليسير لم يَسْلم منه كبار الأئمة، كما يُعلم من كتب العلل". اهـ. * * *

стр. 1571

القضية الثانية تقديم من لم يوصف بالخطأ على من وصف به • قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ١٥٩): "عبد الله بن الحارث (١) فإنه أثبت من زيد بن الحباب؛ فإن زيدًا قد وصف بأنه يخطىء، ولم يوصف بذلك عبد الله، وكلاهما ثقتان من رجال مسلم". اهـ. القضية الثالثة كثرة الخطأ وأثرها في قبول حديث الراوي • في ترجمة: مؤمل بن إسماعيل (٢٥٣): يقول فيه البخاري: منكر الحديث. ويقول أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير. فقال الشيخ المعلمي: "وثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني، ووصفاه بكثرة الخطأ، ولَخَّصَ محمد بن نصر المروزي حالَهُ، فقال: إذا انفرد بحديثٍ وجب أن يُتوقف فيه ويُتثبت؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط. فَحَدُّه أن لا يُحتج به إلا فيما تُوبع فيه، وفيما ليس من مظانِّ الخطأ". اهـ.

стр. 1572

القضية الرابعة: ليس كل من وصف بالغلط أو الخطأ ونحوه من أوجه الطعن في الضبط يجب تخطئته في كل موضع، بل فيما قامت الحجة على خطئه فيه أو كان من مظان الخطأ. • في ترجمة: سفيان بن وكيع من "التنكيل" (١٠٠): في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٧٩) عنه (أعني: سفيان بن وكيع) قال: جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة، فجلس إلينا فقال: سمعت أبي حمادًا يقول: بعث ابنُ أبي ليلى إلى أبي حنيفة، فسأله عن القرآن ... قال الكوثري: كان وراقُه كذابا، يُدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب، فيرويها هو، فنبهوه على ذلك، وأشاروا عليه أن يُغير وراقَهُ، فلم يفعل، فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقاد. فقال الشيخ المعلمي: "حَسَّنَ الترمذي بعضَ أحاديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان شيخًا فاضلا صدوقا، إلا أنه ابتلي بوراق سوء ... وهو من الضرب الذين لأن يخر أحدهم من السماء أحب إليهم من أن يكذبوا على رسول الله ﷺ . وذكر له ابن عدي خمسة أحاديث معروفة، إلا أن في أسانيدها خللا، ثم قال: إنما بلاؤه أنه كان يتلقن، يقال: كان له وراق يلقنه من حديث موقوف فيرفعه، أو مرسل يوصله، أو يبدل رجلا برجل. والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين، ولا من مظنة الإدخال في الكتب، فإذا صح أن هذا الرجل صدوق في نفسه، لم يكن في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا". اهـ.

стр. 1573

• وفي ترجمة: سلام بن أبي مطيع رقم (١٠١): قول سلام: كان أيوب قاعدا في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة ... فرد الكوثري الحكاية بقوله: قال ابن حبان: لا يجوز أن يحتج بما ينفرد به. فقال الشيخ المعلمي: "هذا رجل من رجال "الصحيحين" منسوبٌ إلى العقل، لا إلى الغفلة، فكأن الحاكم صَحَّف، قال أبو داود: كان يُقال هو أعقل أهل البصرة. وقال البزار: كان من خيار الناس وعقلائهم. وقال أحمد وأبو داود: ثقة. وقال ابن عدي: لم أر أحدا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع ذلك كله عندي لا بأس به. فكأن ابن حبان رأى بعض حديثه عن قتادة غريبا، فأطلق. وروايته هنا ليست عن قتادة، وإنما هي قصة جرت لأيوب شهدها سلام، وليس ذلك من مظنة الغلط". اهـ. • وفي ترجمة: سلمة بن كلثوم رقم (١٠٣) منه: أبو توبة: حدثنا سلمة بن كلثوم، وكان من العابدين، ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيى منه، قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة ... فرد الكوثري هذه الحكاية بقوله: يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم -يعني سلمة. فقال الشيخ المعلمي: "عبارة الدارقطني على ما في "التهذيب": "يهم كثيرا"، وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها، وقال أبو اليمان: كان يقاس بالأوزاعي". اهـ.

стр. 1574

• وفي ترجمة: محمد بن أعين أبي الوزير رقم (١٩٤) من "التنكيل": أنه حضر واقعة لعبد الله بن المبارك ... كما في "تاريخ بغداد" (ج ١٣ ص ٣٨٤)، وقد كان خادمه ووصيه، فطعن الكوثري في الحكاية بقوله: وكون المرء خادما أو كاتبا أو وصيا أو معتمدا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم ... فقال الشيخ المعلمي: " ... وابن أعين قالوا: أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته، وابن المبارك كان رجلا في الدين، ورجلا في الدنيا، فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدل أمين يقظ، لا يُخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيق فعلي، قد يكون أبلغ من التوثيق القولي. غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكون ابن أعين ممن ربما أخطأ في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا؛ لأن روايته في "تاريخ بغداد" إنما هي واقعة لابن المبارك ... ". اهـ. • وفي ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني رقم (٤٢) من "التنكيل": في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٩٦) من طريق: الحسن بن الصباح، حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك ... ... قال البزار: كُفَّ بصرُهُ، فاضطربَ حديثُه. قال المعلمي: " ... كلمةُ البزار تقضي أن حديثَه كان قبل عماه مستقيما، فينظر متى عمي؟ ومتى سمع منه الحسن بن الصباح؟ وهل روايته التي ساقها الخطيب من مظانِّ الغلط؟ ". اهـ.

стр. 1575

• وفي ترجمة: مطرف بن عبد الله بن مطرف بن سليمان بن يسار أبي مصعب اليساري الأصم، رقم (٢٤٧) من "التنكيل": في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٩٩) من طريق القاسم بن المغيرة الجوهري حدثنا مطرف أبو مصعب الأصم قال: سئل مالك بن أنس عن قول عمر في العراق: بها الداء العضال. قال: الهلكة في الدين ... فرد الكوثري هذا الأثر بقول ابن عدي في مطرف: يروي المناكير عن ابن أبي ذئب ومالك. فقال الشيخ المعلمي بعد النظر فيما أورده ابن عدي في ترجمة مطرف من أحاديث: "والأثر: إن بالعراق الداء العضال، ثابت في "الموطأ" عن مالك، ومطرف يقول: سئل مالك، فليس هنا مظنة الخطأ. ومطرف قال فيه أبو حاتم: مضطرب الحديث، صدوق. ورجحه على إسماعيل ابن أبي أويس. وقال ابن سعد والدارقطني: ثقة. وروى عنه أبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما مر مرارا، وروى عنه البخاري في "صحيحه"". اهـ. • وفي ترجمة: مؤمل بن إسماعيل رقم (٢٥٣) من "التنكيل": قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير. ووثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني، ووصفاه بكثرة الخطأ، ولَخَّصَ محمد بن نصر المروزي حاله، فقال: إذا انفرد بحديثٍ وجب أن يُتوقف فيه ويُتثبت؛ لأنه كان سيء الحفظ، كثير الغلط. فَحَدُّهُ أن لا يُحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظانِّ الخطأ". اهـ.

стр. 1576

• وفي ترجمة: علي بن عاصم رقم (١٦٢): قال الشيخ المعلمي: "فأما علي بن عاصم فالذي يظهر من مجموع كلامهم فيه أنه خلط في أول أمره، ثم تحسَّنت حالُه، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيرا ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد". اهـ. * * *

стр. 1577

المطلب الثاني الإصرار على الخطأ وأثره في قبول الراوي • قال الشيخ المعلمي في ترجمة: المسيب بن واضح (٢٤٥): قال أبو حاتم: صدوق يخطىء كثيرا، فإذا قيل له لم يَقْبَل. أقول: "ذكر الخطيب في "الكفاية" (ص ١٤٣ - ١٤٧) ما يتعلق بخطأ الراوي، وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يُرد روايةُ من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديثٍ مجتمع عليه، فَيُنْكَرُ عليه، فلا يرجع. ومعلومٌ من تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حُكمُ الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدتُه، فلا يدخلُ ما كان من قَبيل اللحن الذي لا يُفسد المعنى، ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء، وما كان يقع من وكيع وأشباه ذلك، وكما وقع من مالك؛ كان يقول في عمرو بن عثمان: "عمر بن عثمان"، وفي معاوية بن الحكم: "عمر بن الحكم"، وفي أبي عبد الله الصنابحي: "عبد الله الصنابحي"، وقد جاء عن معن بن عيسى أنه ذكر ذلك لمالك، فقال مالك: "هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطىء، ومن يَسلم من الخطأ". فلم يرجع مالك مع اعترافه باحتمال الخطأ. فكلمةُ أبي حاتم في المسيب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشا، ولا أنه بُيِّنَ له في حديثٍ اتفاقُ أهل العلم على تخطئته فلم يرجع. وقد قال أبو عروبة في المسيب: "كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه". وهذا يُشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه بل ممّن فوقه، فكان يَثبت على ما سمع قائلا في نفسه: إن كان خطأ فهو ممّن فوقي لا مني". اهـ.

стр. 1578

• وقال الشيخ في ترجمة: الهيثم بن خلف الدوري من "الطليعة" (ص ٤١): "الخطأ الذي يضر الراوي الإصرارُ عليه هو ما يُخشى أن تترتبَ عليه مفسدةٌ، ويكون الخطأ من المُصِرّ نفسِه، وذلك كمن يسمع حديثًا بسند صحيح، فيغلط فيركب على ذاك السند متنًا موضوعًا، فينبهه أهلُ العلم، فلا يرجع، وليس ما وقع للهيثم من هذا القبيل، إنما وقع عنده في حديث: الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عتبان، وقع عنده "محمد بن الربيع" بدل "محمود بن الربيع" وثبت على ذلك، وهذا لا مفسدة فيه، بل ثبات الهيثم يدل على عظم أمانته وشدة تثبته؛ إِذْ لم يستحل أن يغير ما في أصله، وقد وقع لمالك بن أنس الإمام نحو هذا، كان يقول في عمرو بن عثمان: "عمر بن عثمان" وثبت على ذلك". اهـ. * * *

стр. 1579

الوجه الثاني من أوجه الطعن في ضبط الراوي التغير والاختلاط وفيه مطالب: المطلب الأول كبر السن أو ذهاب البصر لا يستلزم التغير، فإنا كان فإنه لا يستلزم الاختلاط الاصطلاحي . • قال الشيخ المعلمي في "طليعة التنكيل" (ص ٦٦): "بلغ حسان (١) مائة وعشرين سنة، وكان سويد بن غفلة يؤم الناس في قيام رمضان وقد أتى عليه مائة وعشرون سنة، ثم عاش حتى تم له مائة وثلاثون سنة، وبلغ أبو رجاء العطاردي مائة وسبعًا وعشرين سنة، وبلغ أبو عمرو سعد بن إياس الشيباني مائة وعشرين سنة، وبلغ المعرور بن سويد مائة وعشرين سنة، وبلغ زر بن حبيش مائة وسبعًا وعشرين سنة، وبلغ أبو عثمان النهدي مائة وثلاثين، وقيل: مائة وأربعين سنة، وحسان صحابي، والستة الباقون كلهم ثقات أثبات، مجمع على الاحتجاج بروايتهم مطلقًا، ولم يطعن أحدٌ في أحدٍ منهم بأنه تغير بأخرة". اهـ. • وفي "الطليعة" أيضا (ص ٧٢): "بلوغ التسعين لا يستلزم اختلال الضبط، ويتأكد ذلك في هؤلاء المتأخرين؛ لأن اعتمادهم على أصولٍ مثبتة منقحة محفوظة، لا على الحفظ، والله الموفق". اهـ.

стр. 1580

• وفي ترجمة: سفيان بن عيينة (٩٩): "كان ابن عيينة أشهر من نار على علم، فلو اختلط الاختلاط الاصطلاحي لسارت بذلك الركبان، وتناقله كثيرٌ من أهل العلم، وشاع وذاع ... فالحق أن ابن عيينة لم يختلط ولكن كبر سنه، فلم يبق حفظه على ما كان عليه، فصار ربما يخطىء في الأسانيد التي لم يكن قد بالغ في إتقانها؛ كحديثه عن أيوب، والذي يظهر أن ذلك خطأ هين، ولهذا لم يعبأ به أكثر الأئمة، ووثقوا ابن عيينة مطلقا". اهـ. • وفي ترجمة: محمد بن ميمون أبي حمزة السكري (٢٣٦): قال النسائي: "ذهب بصره في آخر عمره، فمن كتب عنه قبل ذاك فحديثه جيد". فقال الشيخ المعلمي: "إنما يُخشى منه بعد عماه أن يحدث من حفظه بالأحاديث التي تطول أسانيدها وتشتبه فيخطىء، فأما ذِكر ابنِ القطان الفاسي له فيمن اختلط، فلم يُعرف له مستندٌ غير كلام النسائي، وقد علمتَ أن ذلك ليس بالاختلاط الاصطلاحي". اهـ. • وقال الشيخ في ترجمة: الحجاج بن محمد الأعور من "التنكيل" (٧١): "التغيير أعم من الاختلاط". اهـ. • وقال في ترجمة: محمد بن عبد الله أبي عبد الله الحاكم النيسابوري صاحب "المستدرك" (٢١٥): "قولهم: "تغير وغفلة" لا يؤدي معنى الاختلاط". اهـ. • وقال في ترجمة الحجاج أيضًا: "إما أن لا يكون حجاج اختلط، وإنما تغير تغيرًا يسيرًا لا يضر ... ". اهـ.
следующие страницы →