وهذا يُشعر بأنه كان يكثر منه الخطأ في مظانه، وقريبٌ من ذلك قولُ ابن عدي: "من أهل الصدق، إلا أنه لما عدم كتبه صار يحمل على حفظه فيغلط، ويشتبه عليه، ولا يتعمد الكذب، وبالغ الخطيب فقال: "يغلط في الحديث كثيرًا". اهـ.
قال أبو أنس:
"قال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢٣٦٦): سألت أبي: عن حديثٍ رواه المسيب ابن واضح، عن يوسف بن أسباط، عن الثوري، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النَّبي ﷺ ، قال: "مدارة الناس صدقة".
قال أبي: هذا حديث باطل، لا أصل له، ويوسف بن أسباط دفن كتبه". اهـ.
* * *
стр. 1612
المطلب التاسع
رواية الضرير من كتبه
• في ترجمة: ابن رزق من "التنكيل" (١٨٦):
قال الكوثري: الكفيف لا يؤخذ عنه إلا ما يحفظه عن ظهر القلب.
فقال الشيخ المعلمي:
"قد حقق الخطيبُ نفسُه هذه القضية في "الكفاية" (ص ٢٢٦ - ٢٢٩) و (ص ٢٥٨ - ٢٥٩)، وذكر هنالك مَنْ كان يروي من كتبه بعدما عمي، ومنهم: يزيد بن هارون، وأبو معاوية محمد بن خازم، وعبد الرزاق.
والذين حكى عنهم المنع من ذلك اعتلوا بخشية أن يُزادَ في كتاب الأعمى وهو لا يدري.
وغيرهم يقول: المدار في هذا الأمر على الوثوق، فإذا كان الضريرُ واثقا بحفظ كتابه، ثم قرأ عليه منه ثقة مأمون متيقظ، فقد حصل الوثوقُ، وقد استغنى أهل العلم منذ قرون بالوثوق بصحة النسخة، فمن وثق بصحة نسخة، كان له أن يحتج بما فيها، كما يحتج به لو سمعه من مؤلف الكتاب ...
بل إذا تدبرت علمت أن الوثوق بهذا أمتن من الوثوق بما يرويه الرجل من حفظه فإن الحفظ خوان". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن جابر اليمامي رقم (١٩٦):
ذكر المعلمي الأمور التي لأجلها ضعفه ابن معين وغيره فقال:
стр. 1613
الرابع: أن إسحاق ابن الطباع قال: "وحدثت محمدا يوما بحديث: قال: فرأيت في كتابه ملحقا بين سطرين بخط طري.
والرجل كان أعمى، فالمُلحق غيرُه حتما، ورواية الأجلة عنه؛ مثل أيوب السختياني وعبد الله بن عون وسفيان الثوري وعبد الله بن المبارك وآخرين، وشهادة جماعة منهم له بأنه صدوق تدل أن الإلحاق لم يكن بعلمه.
فأما قول ابن حبان: كان أعمى، يُلحق في كتبه مما ليس من حديثه، ويسرق ما ذوكر به، فيحدث به، فإنما أخذه من هذه القضية، وقد بان أن الإلحاق من غيره، وإذا كان بغير علمه كما يدل عليه ما سبق، فليس ذلك بسرقة (١)، فالحكم فيه أن ما رواه الثقات عنه ونصوا على أنه من كتابه الذي عرفوا صحته فهو صالح، ويتوقف فيما عدا ذلك". اهـ.
* * *
стр. 1614
المطلب العاشر
فوائد تتعلق بالنُسَخِ والأصولِ، وذِكْرِ التسميعات والتصحيحات، وعادة المحدثين في كتابة السماع في كل مجلس، وكيف تصح رواية الحفاظ المتأخرين للكتب الستة ونحوها
(١)
كثرةُ التسميعات والتصحيحات في الأصول القديمة لا ينفي وقوع الخلل فيها .
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٨٦):
"وقع في جزء ابن مخلد (ما رواه الأكابر عن مالك):
نا أبو محمد القاسم بن هارون، نا عمران، نا بكار بن الحسن الأصبهاني، نا حماد بن أبي حنيفة، ثنا مالك ... كما نقله الأستاذ فيما علقه على "الانتقاء"، وذكر هو أن ذاك الحديث قد رواه الدارقطني في "غرائب مالك" وابن شاهين عن: محمد بن مخزوم، عن جده محمد بن الضحاك، ثنا عمران بن عبد الرحيم الأصبهاني، ثنا بكار بن الحسن، ثنا حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة، عن مالك ...
فعمران في سند ابن مخلد هو عمران بن عبد الرحيم في سند الدارقطني وابن شاهين، وفي ترجمته من "الميزان" عن السليماني: هو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك.
فابن مخلد لم يشترط في ذاك الجزء الصحةَ، وإنما اكتفى بما روي، فلو وقع في روايته من طريق عمران بسقوط أبي حنيفة لكان الظاهر أن يذكر الرواية الأخرى، فإنه لابد أن يكون عند تأليفه ذاك الجزء تتبع ما يصلح أن يُذكر فيه، ويبعد أن لا يظفر بالرواية المشهورة عن عمران بثبوت أبي حنيفة، وهي أدل على مقصوده، وقد ذكر الأستاذ أنه
стр. 1615
ليس في ذاك الجزء من طريق أبي حنيفة عن مالك شيء، وبهذا يظهر أنه وقع في روايته كما وقع في رواية غيره: حماد بن أبي حنيفة، عن أبي حنيفة ثنا مالك.
فزاغ نظرُ ناسخِ ذاك الجزء من "حنيفة" الأولى إلى الثانية، ولا يدفع ذلك ما على الجزء من التسميعات، وقد رأينا عدةً من الأصول القديمة عليها كثير من التسميعات والتصحيحات، وبقي فيها مثلُ هذا الخلل أو أشد منه، راجع "التاريخ الكبير" للبخاري (ج ١ قسم ١ ص ٧٠، ٧٩، ٨٠، ١٠١، ١٠٥، ١٥٤، ١٥٧) ". اهـ.
(٢)
عادةُ المحدثين كتابةُ السماع في كل مجلس، وما يترتب على ذلك .
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: أحمد بن الحسن بن خيرون (١٥) من "التنكيل":
"جرت عادةُ المُثْرين من طلبة العلم والمجتهدين منهم أن يَستنسخ كُلٌّ منهم الكتابَ قبل أن يسمعه على الشيخ، ثم يسمع في كتاب نفسه، ويصحح نسخته، وكثير منهم يستنسخ قبل كُلِّ مجلسٍ القطعةَ التي يتوقع أن تُقرأ في ذلك المجلس، إلى أن يتم الكتاب". اهـ.
• وقال في ترجمة ابن المذهب (٧٨):
"جرت عادتُهم بكتابة السماعِ وأسماءِ السامعين في كُلِّ مجلسٍ، فمن لم يُسَمَّعْ له في بعض المجالس دَلَّ ذلك على أنه فاته، فلم يسمعه، فإذا ادَّعَى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه؛ لأنه خلافُ الظاهر، فإذا زاد فَأَلْحَقَ اسمَه أو تسميعه بخطِّ كاتبِ التسميع الأول، قالوا: زَوَّرَ.
... ولا ريب أن من استيقن أنه سمعَ، جاز له أن يُخبر أو يَكتب أنه سمع، وأن من تثبت عدالتُه وأمانتُه، ثم ادَّعَى سماعًا، ولا مُعارض له، أو يعارضه ما مَرَّ، ولكن
стр. 1616
له عذرٌ قريبٌ؛ كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس، وكان الشيخُ يعتني بي، فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتبُ التسميع، فإنه يُقبلُ منه". اهـ.
• وقال في ترجمة ابن دوما (٧٤):
"ذكره الخطيب فقال: كان كثير السماع إلا أنه أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه.
ثم قال الخطيب: وذكرت للصوري جزءا من حديث الشافعي: حدثنا ابن دوما فقال لي: لما دخلت بغداد رأيت هذا الجزء، وفيه سماع ابن دوما الأكبر، وليس فيه سماع أبي علي، ثم سمع أبو علي فيه لنفسه، وألحق اسمه مع اسم أخيه.
فمن الجائز أنهم كانوا يحضرونه مع أخيه ولم يكتبوا إسماعه؛ لصغره، فرأى أنه كان مميزًا، وأن له حق الرواية بذلك، فإن كان كتب بخطه العادي أنه سمع، فلعله صادق، وإن كان قَلَّدَ خَطَّ كاتبِ السماع الأول إيهاما أنه كتب سماعه في المجلس، فهذا تدليس قبيح، قد يكون استجازه بناء على ما يقوله الفقهاء في مسألة: الظفر ونحوها، بعلة أنه لا يصل إلى حقه إلا بذلك". اهـ.
(٣)
استغناء أهل العلم بالوثوق بصحة النسخة عن اشتراهما صحة السند إليها .
• في ترجمة: الحسن بن الحسين بن العباس بن دوما النعالي من "التنكيل" (٧٤):
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٧٤): أخبرنا الحسن بن الحسين بن العباس النعالي أخبرنا أحمد بن جعفر بن سلم حدثنا أحمد بن علي الأبار حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء عن أبيه قال: دعاني أبو حنيفة إلى الإرجاء.
أخبرنا ابن رزق أخبرنا جعفر الخلدي حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد ... بمثله، وزاد فيه: فأبيت.
стр. 1617
قال الكوثري: النعالي هو ابن دوما المزور، قال عنه الخطيب نفسه: أفسد أمره بأن ألحق لنفسه السماع في أشياء لم يكن عليها سماعه.
وكأن الخطيب استشعر تداعي هذا السند حتى ساق شاهدًا فيه ابن رزق والحضرمي.
فقال الشيخ المعلمي:
"ابن رزق هو محمد بن أحمد بن رزق، ثقة تأتي ترجمته، والحضرمي حافظ جليل تأتي ترجمته، فالسند الثاني لا غبار عليه، وإذا كان المتن محفوظًا بسندٍ صحيحٍ، لم يزده سوقُه مع ذلك بسندٍ فيه مقالٌ إلا تأكيدا على أن المقال في ابن دوما لا يضر هاهنا.
فإن كان الخطيب إنما يروي بذاك السند ما يأخذه من مصنف الأبار، والعمدة في ذلك على أن تكون النسخة موثوقًا بها، كما لو روى أحدُنا بسندٍ له من طريق البخاري حديثا ثابتا في "صحيحه"، فإنه لا يقدح في ذلك أن يكونَ في السند إلى البخاري مطعونٌ فيه، وقد شرحت هذا في "الطليعة" وغيرها، والأبار هو الحافظ أحمد بن علي بن مسلم، تقدمت ترجمته، والخطيب معروف بشدة التثبت، بل قد يبلغ به الأمر إلى التعنت، فلم يكن ليروي عن مصنف الأبار إلا عن نسخةٍ موثوقٍ بها، بعد معرفته صحة سماع ابن دوما". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد الله بن جعفر بن درستويه (١١٩):
قال الشيخ المعلمي:
"كان يروي "تاريخ" يعقوب بن سفيان، فرواه عنه جماعةٌ، ويروي الخطيب عن رجلٍ عنه، فيأخذُ الخطيبُ الحكايةَ من "تاريخ" يعقوب، ولا يَنُصُّ على ذلك، بل يسوقها بالسند عن شيخه عن ابن درستويه عن يعقوب إلخ، على ما جرت به عادة محدثي عصره، كما ترى في "سنن" البيهقي؛ يأخذ من "سنن" أبي داود و"سنن"
стр. 1618
الدارقطني ومؤلفات أخرى كثير؛، فيسوق الحديثَ بسنده إلى أبي داود، ثم يصله بسند أبي داود، ويكرر ذلك بها كل حديث.
وقد قَرَّرَ أهلُ العلم أن جُلَّ الاعتماد في مثل هذا على الوثوق بصحة النسخة، فلا يضر أن يكون مع ذلك في الوسائط التي دون مؤلف الكتاب رجلٌ فيه كلامٌ؛ لأنه واسطة سندية فقط، والاعتماد على صحة النسخة.
وهذا كما لو أحب إنسان منا أن يشوق بسندٍ له إلى البخاري، ثم يصله بسند البخاري لبعض الأحاديث في "صحيحه"، فإنه بعد ظهور أنه إنما يروي بذلك السند من "صحيح" البخاري، لا يكون هناك معنًى لأن يعترض عليه بأن في سنده إلى البخاري رجلًا فيه كلام.
والأئمة الأثبات كالبيهقي والخطيب قد عُرف عنهم كمالُ التحري والتثبت في صحة النُّسخ، وتأكد ذلك بأن مَن كان من أهل العلم والنقد في عصرهم وما بعده لم يُنكروا عليهم شيئًا مما رووه من تلك الكتب مع وجود نسخ أخرى عندهم، وكانوا بغاية الحرص على أن يجدوا للمحدث زلةً أو تساهلًا فيشيعوا ذلك ويذيعوه؛ نصيحةً للدِّين مِن وجهٍ، وحبًّا للسمعة وللشهرة من وجه آخر، ولما قد يكون في صدر بعضهم من الحنق على الرجل أو الحسد له من وجهٍ ثالث.
وقد كان القدماء كسعيد بن أبي عروبة ووكيع وغيرهما يروون من حفظهم، وتكون لأحدهم كتبٌ ومصنفاتٌ لا تحيط بحديثه، فكثيرًا ما يُحدث من حفظه بما ليس في كتبه، مع ذلك كان الرجل إذا روى عن أحدِ هؤلاء ما ليس في كتبه أَنكر الناسُ عليه ذلك، قائلين: ليس هذا في كتب ابن أبي عروبة، ليس هذا في كتب وكيع، حتى تناول بعضهم يحيى بن معين إذ روى عن حفص بن غياث حديثًا لم يوجد في كتب حفص، كما تقدم في ترجمة حسين بن حميد.
стр. 1619
فما بالك بالمتأخرين الذين إنما يروون من الكتب.
فما بالك بمثل الخطيب الذي قد عُرف أنه إنما يروي بذاك السند من كتاب يعقوب، فإذا لم يطعن أحدٌ في شيء يرويه الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب، ولا قال أحدٌ: هذه الحكاية ليست في "تاريخ" يعقوب، ولا هذا السياق مخالف لما في "تاريخ" يعقوب بزيادةٍ أو نقصٍ أو تغييرٍ، فقد ثبت بذلك وبغيره صحةُ نُسخة الخطيب، وثبوت ذلك عن يعقوب، وهكذا لم يطعن أحد في شيء رواه ابن درستويه عن يعقوب بأنه ليس في كتاب يعقوب، إما البتة وإما بذلك السياق.
فظهر بهذا أن كُلَّ ما رواه ابنُ درستويه عن يعقوب فهو ثابت في كتاب يعقوب.
وبهذا يتبين أن محاولةَ القدحِ في كل الحكايات التي يرويها الخطيب من طريق ابن درستويه عن يعقوب بمحاولة الطعن في ابن درستويه تعبٌ لا يجدي ولا يفيد ولا يبدىء ولا يعيد". اهـ.
• وفي ترجمة: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبي بكر القطيعي (١٢):
قال الخطيب: كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نَسْخَهَا من كتابٍ لم يكن فيه سماعُه، فغمزه الناسُ، إلا أنا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين: الدارقطني وابن شاهين ... سمعت أبا بكر البرقاني سُئل عن ابن مالك، فقال: كان شيخًا صالحًا ... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسخها من كتابٍ، ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة.
قال الخطيب: وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق، لا يشك في سماعه، وإنَّما كان فيه بُلْه، فلما غرقت "القطيعة" بالماء الأسود غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتابٍ لم يكن فيه سماعه.
стр. 1620
فأجاب الشيخ المعلمي عما قيل في القطيعي حتى قال:
"الذين ذكروا الاستنساخ، لم يذكروا أنه روى مما استنسخه، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أبينُ في التليين، وأبلغ في التحذير، وليس مِنْ لازمِ الاستنساخ أن يروي عما استنسخه ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه.
وقد قال الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٩): "ومذاهبُ النقاد للرجال غامضةٌ دقيقةٌ، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث، ولا مسقطًا للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى؛ رجاء إن كان الراوي حيًّا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزله من نقل عنه منزلته، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز.
ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده، حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ... ".
فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير، وأنه استنسخ من كتابٍ ليس عليه سماعُه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حَدَّثَ بعد تغير شديد، أو حَدَّث مما استنسخه من كتاب ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له روايةً واحدةً، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدّم، تبين بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به.
هذا، وكتبُ الإمام أحمد كـ "المسند" و"الزهد" كانت نُسَخُها مشهورةً متداولةً، قد رواها غيرُ القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي، واشتهرتْ روايةُ الكتب من طريقه لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات". اهـ.
стр. 1621
• وفي ترجمة ابن المذهب (٧٨):
بعد كلام طويل فيما قيل في ابن المذهب والجواب عنه، ذكر الشيخ المعلمي قول الخطيب: "ليس بمحل للحجة"، فقال:
"حاصله أنه لا تقوم الحجة بما يتفرد بمع وهذا لا يدفع أن يُعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف معروف: كـ "المسند" و"الزهد".
وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنهم فيه وتشنيعهم عليه وتشهيرهم به بسبب حديثين نسبهما إلى "المسند" وهم يرون أنهما ليسا منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل.
وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما "المسند" و"الزهد" لسائر النسخ الصحيحة، فالكلام فيه وفي شيخه (١) لا يقتضي أدنى خدش في صحة "المسند" و"الزهد"، فليخسأ أعداء السنة". اهـ.
• وفي ترجمة: عمر بن محمد بن عيسى السذابي الجوهري (١٧٣):
في ترجمة أبي حنيفة من "تاريخ بغداد" حكاياتٌ من طريقه عن الأثرم.
قال الكوثري: قال الذهبي: في حديثه بعض النكرة، تفرد برواية ذاك الحديث الموضوع: "القرآن كلامي ومني خرج ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
"روى السذابي هذا الحديثَ عن الحسن بن عرفة، فقد يكون رواه من حفظه فوهم أو أدخله عليه بعض الجهال.
стр. 1622
فأما روايته عن الأثرم، فالظاهر أنها من كتابٍ مؤلف، والاعتماد في ذلك على صحةِ النسخة كما مَرَّ في ترجمة عبد الله بن جعفر وغيرها، ولذلك تجد تلك الحكايات مستقيمة، قد توبع عليها". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الأدمي (١٨٧):
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٠٥): أخبرنا البرقاني حدثني محمد بن أحمد بن محمد الأدمي حدثنا محمد بن علي الإيادي حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا بعض أصحابنا قال: قال ابن إدريس: ...
قال الكوثري: ترى البرقاني يصفّ نفسَه في صفّ هؤلاء، فيروي عن مثل الأدمي ... راوي "العلل" للساجي ...
فقال الشيخ المعلمي:
" ... الخبر في كتاب "العلل" للساجي، ولم يكن البرقاني ليسمع الكتاب من الأدمي حتى يثق بصحة سماعه، وبصحة النسخة.
فهب أن البرقاني أو الخطيب قال: قال الساجي في "العلل" ... ألَّا يكفي هذا للحجة؟ ".اهـ.
* * *
стр. 1623
المرتبة الثانية: النظر في اتصال الخبر
تحتوى هذه المرتبة على مطالب:
المطلب الأول: قضية اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين.
وفيه مباحث:
١ - المبحث الذي ذكره المعلمي في "عمارة القبور".
٢ - القاعدة التاسعة من مقدمة "التنكيل" تحت عنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع.
٣ - دراسة الأحاديث التي استشهد بها مسلم في مقدمة "صحيحه".
فصله: في جواب الفقير إلى الله تعالى على كتاب: "إجماع المحدثين" للدكتور: حاتم العوني.
المطلب الثاني: فوائد متفرقة تتعلق بقضية التدليس:
الأولى: أثر التدليس على العدالة.
الثانية: تحقيق القول في الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال.
الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أنها تدليس التسوية فلابد فيه من التصريح به.
الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين".
الخامسة: الإعلال بالتدليس.
стр. 1624
المطلب الثالث: ضرورة إجراء القواعد في نقد صيغ الأداء الواردة في الأسانيد.
المطلب الرابع: قضايا ومسائل تتعلق بالسماع.
المطلب الخامس: الاعتماد على النظر في سني الولادة والوفاة للرواة لبحث قضية السماع أو الإدراك لاسيما إذا لم توجد نصوص في ذلك.
المطلب السادس: نقد بعض صور التحمل سوى السماع:
١ - الوجادة.
٢ - الإجازة.
* * *
стр. 1625
المطلب الأول
قضية اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين
قال الفقير إلى الله تعالى:
للشيخ المعلمي: كتاباتٌ أفردها لهذا الشأن، وهي كتابات "بحثية" حاول فيها مناقشة رأى الفريقين المشهورين، وسلك فيها أسلوبَ المناظرة والمحاورة، ويغلب على اتجاهه فيها تقريرُ مذهب مسلم، والرد والجواب عمن يخالفه، وهذا واضح جدا فى بحثه فى "عمارة القبور"؛ حتى إنه قرر فى آخره فقال:
"فالمختار ما قاله مسلم: أن ثبوت اللقاء ليس شرط الصحة ... " وقد أطال فى هذا التقرير.
لكن قد خلا بحثه ذلك عن التعرض لأدلة مسلم التى نصبها لتقوية ما ذهب إليه، بل ونقل فيه إجماع السلف.
أما فى "التنكيل" فقد اختصر الكلام فيه، لكن اتجه البحث أولًا إلى تقوية مذهب مسلم، وقال: "وقد كنت بسطت ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه".
ثم استشكل عدم تعرض أصحاب المذهب المخالف لمسلم للأحاديث التى ذكرها مسلم محتجا بها على مذهبه، فقال:
"قد كان على المجيبن أن يتتبعوا طرق الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التى فى "صحيح البخاري"، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح فى رد دعوى مسلم .. ثم إنني بحثت، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت فى بعضها السماع، بل فى "صحيح مسلم" نفسه التصريح بالسماع فى حديثٍ منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها
стр. 1626
ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك".
وقد ذكر تلك الأجوبة عما ذكره مسلم من الأحاديث فى جزء مستقل.
والذى يُفهم من جوابه عن تلك الأحاديث التى شمَّر مسلمٌ لنصبها أدلةً على ما يقول: أن المعلمي لم يحيى فيها حُجَّةً لما ذهب إليه مسلم، فإذا سقطت أدلةُ المستدل، قويتْ شوكةُ مخالله كما هو معلوم.
وقطعًا للاستعجال، أورد أولًا ما كتبه المعلمي فى هذا الصدد، ثم أُعقب بما يفتح الله تعالى به.
* * *
стр. 1627
١ - البحث الذى ذكره الشيخ المعلمي في "عمارة القبور "
قال المعلمي في (ص ٢٣٣) منه:
"لي بحث في اشتراط اللقاء، أحببت أن ألخصه هنا:
فأقول: الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي، أو أدركه، فتأمل هذا، وأفرض أمثلة بريئة عن القرائن من الطرفين، كأن تكون ببلدة فتسمع برجل غريب جاءها، وبعد أيام تلقاه، فيخبرك عن أناس من أهل تلك البلدة: أن فلانًا قال: كذا، وفلانًا قال: كذا، من دون أن يصرح بسماع، ولا علمت لقاءه لهم، ولكنك تعتقد أنه لا مانع له من لقائهم، ثم توسع في الأمثلة، ولاحظ أنها واقعة في عصر التابعين حين لا برق، ولا بريد، ولا صحافة، ولا تأليف، وإنما كان يتلقى العلم من الأفواه، والناس مشمرون لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب نبيهم ﷺ .
ثم لاحظ أنه لم يكن يوجد منهم إلا نادرًا من لم يزر الحرمين، وفيهما يمكن اجتماع الراوي بالمروي عنه، إذا كانا متعاصرين، وبهذا يندفع ما يوهمه تباعد البلدين مع عدم اللقاء، فإذا كان الحال ما ذكر، وثبت أن أحد المتعاصرين روى عن الآخر بلا تصريح بسماع، ولا عدمه، كان المتبادر السماع، فكيف إذا لاحظت أن كثيرًا من السلف كان يزور الحرمين كل عام؛ فكيف إذا كان أحدهما ساكنًا أحد الحرمين! فكيف إذا ثبت أن الآخر زارهما! وكذا إذا كان أحد الشخصين ببلد قد زاره الآخر.
فأما إذا كانا ساكنين بلدًا واحدًا فإنه يكاد يقطع باللقاء.
وزد على هذا أن الإسناد كان شائعًا في عهد السلف، لا تكاد تجد أحدًا إلا وهو يقول: عن فلان، أن فلانًا أخبره عن فلان، أن فلانًا أخبره عن فلان -مثلًا- مع أن السلف كانوا أهل تثبت واحتياط.
стр. 1628
إذا تقرر هذا، فما المانع من الأخذ بهذه الدلالة الظاهرة، المحصلة للظن، المستوفية لنصاب الحجية؟!
إن قيل: كان اصطلاح السلف خلاف ما يقتضيه الأصل، بدليل شيوع الإرسال فيهم.
قلت: أما الإرسال الجلي فَمُسَلَّمٌ، ولكن أقل من الإسناد، كما يعلم بالاستقراء، فهو كالمجاز، لا يقدح شيوعه في تقديم الحقيقة عليه.
وأما الخفي فقليل، حتى إنه أقل من التدليس.
فإن قيل: فإن ذهاب ابن المديني والبخاري -رحمهما الله تعالى- إلى اشتراط اللقاء يدل على شيوع الإرسال الخفي في السلف.
قلت: الاستقراء أقوى من هذا الاستدلال، مع أن مسلمًا: نقل في مقدمة "صحيحه" الإجماع على عدم اشتراط اللقاء -أي قبلهما- كما أشار إليه بالتشنيع على بعض معاصريه، فقيل: "إنه أراد به البخاري"، ولا مانع من أن يريده وشيخه ابن المديني؛ فقد كان -أيضًا- معاصرًا له، فلا يخدش خلافهما وخلاف من عاصرهما أو تبعهما في الإجماع السابق، على أن أقل ما يثبت بنقل مسلم أن الغالب في عهد السلف أن تكون الرواية عن السماع، والبخاري وشيخه لا ينكران أن الظاهر من الرواية السماع؛ بدليل تصحيحهما لعنعنة الملاقي غير المدلس، فلولا وفاقهما على أن الظاهر من الرواية السماع لكانا إنما يعتمدان مجرد اللقاء، فيلزمهما أن يثبتا لكل من لقي شخصًا أنه سمع منه جميع حديثه، وهذا كما ترى، وإنما اشترطا ثبوت اللقاء؛ لأن الدلالة معه تكون أقوى وأظهر، وهذا صحيح غالبًا، ولكنه لا يقتضي إهدار الدلالة الحاصلة مع عدم ثبوت اللقاء ما دامت دلالته ظاهرة؛ مُحَصِّلة للظن مستكملة النصاب كما مَرَّ، وقد ألزمهما مسلم ﵏ عدم تصحيح المعنعن أصلًا؛ لأنه كما أن عنعنة من لم يثبت لقاؤه تحتمل عدم السماع، فكذلك من ثبت لقاؤه.
وأجيب بأن احتمال السماع في الثاني أقوى.
стр. 1629
ويرد بأن احتمال السماع في الأول قوي ظاهر محصل للظن، فلا عبرة بزيادة الثاني؛ إذ هي زيادة على النصاب، مع أن لنا أمورًا تجيز هذه الزيادة.
منها: قلة الإرسال الخفي في السلف.
ومنها: أنه أقبح وأشنع من التدليس -كما سيأتي- فالثقة أشد تباعدًا عنه؛ تدينًا وخوفًا من نقد النقاد الذين كانوا يومئذ بالمرصاد، بخلاف التدليس؛ فإنه أشد خفاء على الناقد.
وأجيب -أيضًا- بأن احتمال العنعنة لعدم السماع مع ثبوت اللقاء اتهام للراوي بالتدليس، والفرض سلامته منه، بخلاف احتمالها له مع عدم ثبوت اللقاء، فإنما فيه اتهامه بالإرسال الخفي فقط.
ويُرد بأنه قد نقل محققون من أهل الفن أن الإرسال الخفي تدليس، منهم: ابن الصلاح (١)، والنووي (٢)، والعراقي (٣). وقال: "إنه المشهور بين أهل العلم بالحديث"، ولنا بحثٌ في تحقيق ذلك والإجابة عما ذكره الحافظ: لا حاجة لإثباته هنا؛ لأن الخلاف لفظي للاتفاق على أن في الإرسال الخفي إيهامًا، فاتهام الراوي به كاتهامه بالتدليس، فإذا اتهمتم الراوي بأنه يزسل خفيا -وإن لم يوصف به- فيلزمكم أن تتهموا الراوي بأنه يدلس، فإن قلتم: إن الأصل في الثقة عدم التدليس، قلنا: وكذا الإرسال الخفي.
فإن قلتم: الإيهام في الإرسال الخفي أضعف منه في التدليس، فهو أقرب إلى اتصاف الثقة به.
قلنا: مُسَلَّمٌ غالبًا، ولكن هذا لا يقتضي أن لا يكون الأصل في الثقة عدمه، ما دام فيه إيهامٌ وتغريرٌ وغشٌّ منافٍ لكمال الثقة، مع أن الإيهام في الإرسال الخفي لأمرين
стр. 1630
كلاهما خلاف الواقع: السماع لذلك الحديث واللقاء، بخلاف التدليس، فإنه وإن دل على الأمرين، فاللقاء موافق للواقع، فتبين أن الإرسال الخفي أقبح وأشنع من التدليس، كما قاله ابن عبد البر في "التمهيد"، ونحوه ليعقوب بن شيبة. انظر "فتح المغيث" (ص ٧٥ - ٧٤).
وعليه فالثقة أشد بعدًا عنه تدينا وخوفًا من نقد النقاد، كما مر، فإذا اتهمتم الثقة به من غير أن يوصف به، لزمكم من باب أولى اتهام الثقة بالتدليس، وإن لم يوصف به.
فإن قيل: لعل السامع يكون عالمًا بعدم اللقاء، فلا إيهام، فلا إرسال خفيا.
قلنا: وكذلك لعل السامع يكون عالمًا بعدم السماع مطلقًا، أو لذلك الحديث، فلا إيهام، فلا تدليس.
والتحقيق أنه لو كان الراوي يعلم بعدم اللقاء، أو عدم السماع، وهو ثقة غير مدلس، لبيَّنه لمن يأخذ عنه، ولو فرض أن الثاني كان عالمًا بذلك فاستغنى عن التبيين، فيلزم الثاني أن يبينه للثالث، وهكذا. فإذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس، أو الإرسال الخفي إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن عاصره وأمكن لقاؤه له، ولم ينص أحد من رجال السند ولا غيرهم على عدم اللقاء، فهو كما إذا جاءنا الحديث من رواية الثقات غير الموصوفين بالتدليس إلى ثقة كذلك روى بالعنعنة عمن لقيه، وأمكن سماعه لذلك الحديث منه، ولم ينص أحد من رجال السند أو غيرهم على عدم السماع.
ففي قبول الأول احتمال اللقاء والسماع، وفي رده اتهام الثقة بإيهام اللقاء والسماع، وفي قبول الثاني احتمال السماع فقط، وفي رده اتهام الثقة بإيهام السماع فقط، فهذه بتلك.
فإذا لاحظنا قلة الإرسال الخفي في السلف واعتيادهم للإسناد وخوفهم من نقد النقاد، كان الأمر واضحًا، فكيف إذا اعتبرنا القرائن الدالة على اللقاء -كما سبق بيانها أول البحث.
стр. 1631
فالمختار ما قاله مسلم: إن ثبوت اللقاء ليس بشرط الصحة، ولم نختره لما ذكره من الإجماع والإلزام، بل لما قدمنا أن الدلالة حينئذ دلالة ظاهرة محصلة للظن، مستكملة لنصاب الحجية. والله أعلم.
وقد رأيت عن الحافظ ما يوافق ما قلناه. قال تلميذه السخاوي في "فتح المغيث" (ص ٦٢): "ولكن قيده ابن الصيرفي بأن يكون صرح بالتحديث ونحوه، أما إذا قال: عن رجل فن الصحابة وما أشبه ذلك، فلا يقبل. قال: لأني لا أعلم أسمع ذلك التابعي منه أم لا؟ إذ قد يحدث التابعي عن رجل وعن رجلين عن الصحابي، ولا أدري هل أمكن لقاء ذلك الرجل أم لا؟ فلو علمت إمكانه فيه لجعلته كمدرك العصر"، قال الناظم (العراقي): "وهو حسن متجه، وكلام من أطلق محمول عليه"، وتوقف شيخنا الحافظ في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس، حملت عنعنته على السماع، وهو ظاهر. قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين فلا بد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمه حتى نعلم هل أدركه أم لا؟
لأنا نقول: سلامته من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام" اهـ.
أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدراك المعنعن للصحابي فضلا عن لقائه، ففي مسألتنا أولى وأظهر؛ لأنه قد ثبت الإدراك، وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء، كمامر.
والعجب من الحافظ: كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه، ولو مع قيام القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها، بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم معاصرتها أصلا، فسبحان من له الكمال المطلق، وإنما ذكرنا هذا ليعلم صحة ما ذكرناه، من أن الدلالة ظاهرة، مستكملة نصاب الحجية. والله أعلم". اهـ.
стр. 1632
قال الفقير إلي الله تعالى.
تمام البحث ذكره صاحب "البناء على القبور" (ص ٩٣) في صلب الكتاب، بينما ذكره صاحب "عمارة القبور" في الحاشية (ص ٢٤٠) على اعتبار أنه أخذه من النسخة التي اعتمد عليها الأول، والتي كانت مسودة للكتاب. وقد وقع لهما -لا سيما الثاني- تصحيفات وتخليط في أرقام أصحاب المناظرة، فأصلحت ذلك، وزدت أشياء لتميم الفائدة جعلتها بين حاجزين [].
قال المعلمي:
"نقل مسلم في مقدمة "صحيحه" إجماع السلف من أئمة الحديث على الاكتفاء بالمعاصرة في تصحيح المعنعن من غير المدلس، ما لم يقم دليل على نفي اللقاء، وشنَّع على من اشترط ثبوت اللقاء من أهل عصره.
ثم جاء المتأخرون فقالوا: إن الاشتراط قول المحققين، وذكروا منهم البخاري وشيخه ابن المديني.
ولا يخفى أن هذا لا ينافي سَبْقَ الإجماعِ لهما، ومجردُ حسنِ الظن بهما أنهما لا يخرقان الإجماع، وأنهما اطلعا أنه لم يزل في طبقات السلف من يشترط اللقاء: لا يغني شيئًا.
فلو ناظر مسلم البخاري، فقال: أنت وشيخك مسبوقان بالإجماع، لم يفده إلا أن يصرح بالنقل عن بعض السلف من جميع الطبقات في موافقة قوله؛ فأما مجرد إنكار الإجماع فلا يفيد؛ إذ الإجماع من الأمور التي لا يطالب مدعيها بدليل.
أما لو قال البخاري: إنه يلزمك وغيرك حسن الظن بنا، لكان قد أتى بما يضحك منه.
نعم، ذكر السخاوي في "فتح المغيث" (ص ٦٦) [١/ ٢٨٧ طبعة دار المنهاج] عن الحارث المحاسبي ما يُظن خادشًا للإجماع؛ حيث قال: "اختلف أهل العلم .. [فيما
стр. 1633
يثبت به الحديث على ثلاثة أقوال: أولها أنه لابد أن يقول كُل عدل في الإسناد: حدثني أو سمعت إلى أن ينتهي إلى النبي ﷺ ، فإن لم يقولوا أو بعضهم ذلك فلا؛ لما عُرف من روايتهم بالعنعنة فيما لم يسمعوه] ". اهـ.
لكنه لا يصادم نقلَ مسلم؛ لاحتمال أن يكون [يعني المحاسبي] راعَى خلافَ ابن المديني، ومع هذا فإننا لا نقنع لأنفسنا بالتمسك بدعوى الإجماع، كما لا يهولنا دعوى التحقيق في الطرف الآخر، بل نسعى لتحقيق البحث بأدلته الحقيقية على صورة مناظرة؛ مشيرين لمذهب مسلم برقم (١) ومُقابله برقم (٢).
ونستوفي البحث بقدر الجهد، بحسب ما اطلعنا عليه من أدلة الفريقين، وما ظهر لنا أنه قد يستدل به. والله المستعان.
(١) الأصل الثابت في الرواية أن يكون عما شاهده الراوي وأدركه، سواء أعلم السامع لقاء الراوي للمروي عنه أم لا، وعليه فهذا هو الأصل، والظاهر الذي يجب التمسك به حتى يتبين خلافه.
(٢) وما دليلكم على ذلك؟
(١) نذكر أمثلة نوضحه بها:
أ- مصري زار اليمن، ثم عاد فأخذ يخبر عن فلان من علماء صنعاء أنه قال كذا، وعن آخر من علماء زبيد، وثالث من علماء تَعز، والسامعون لا يسمعون بأولئك العلماء، ولم يخبرهم أنه لقيهم، ولا أنهم أحياء.
ب- هندي زار الحجاز، ثم عاد، فأخبر عن فلان من علماء مكة، وفلان من علماء المدينة، وفلان من علماء الطائف، والسامعون كما تقدم.
ج- عالم هندي أخذ يخبر بمثل الذي قبله، مع أن السامعين لا يعلمون أزار الحجاز أم لا؟
стр. 1634
من تأمل هذه الأمثلة علم أن الذي يتبادر إلى الأذهان من رواية أولئك الأشخاص أنها عن سماع، مع أن الفرض أن الراوي عنعن، وأن السامع لا يعلم المعاصرة بدليل خارجي فضلًا عن اللقاء؛ أما إذا علمها فإن الأمر يزداد قوة.
(٢) هذه الأمثلة تُعارَض بغيرها، فإذا ذهب شرقي إلى أوربا، ثم عاد فأخبر عن فلان بإنجلترا، أو عن فلان بفرنسا، وعن فلان بألمانيا، فإن الذي يتبادر عدم السماع، وإن علمت المعاصرة.
(١) هذا التبادر لوجود القرائن الصارفة عن الأصل كتباعد البلدان، وضعف الدواعي إلى زيارتها، وزيادة المشقة في ذلك، ووجود البرق والبريد والصحافة والتآليف بكثرة، وغلبة الإرسال بحيث لا تكاد تجد إنسانًا يقول: أخبرني فلان عن فلان، وغير ذلك، ولهذا مثلنا أمثلة بريئة عن القرائن، وإن شئت فتصورها واقعة في زمن التابعين حيث كانت الأقوال -ولاسيما السُّنَّة- إنما تؤخذ من ألسنة الرجال، فلا برق ولا بريد ولا صحافة، بل ولا تأليف.
والناس يومئذ أهل جد وتشمير في الرحيل لطلب العلم، ولاسيما للقاء أصحاب رسول الله ﷺ ، فكيف إذا كان الراوي والمروي عنه بأحد الحرمين، والناس يومئذ كلهم يزورون الحرمين، وكثير منهم من يحج كل سنة.
فكيف إذا ثبتت زيارة الحرمين بالفعل، أو كان أحد الرجلين ببلدة قد وصلها الآخر، فكيف إذا ما أقاما ببلدة واحدة.
والحاصل: أن الأصل كما قررناه، وأنه قد تقوم قرائن تصرف عنه، وقد تقوم قرائن تؤيده، ولنذكر مثالًا آخر نوضح ذلك الأصل:
كنا في بومباي -مثلًا- فجاء رجل من السند، لم يصل بومباي قبلُ، فمكث في بومباي بضعة أيام، ثم لقينا، فأخذ يخبرنا عن فلان المدرس بمدرسة كذا في بومباي أنه قال كذا، وعن فلان الإمام بمسجد كذا فيها أنه صلى الجمعة بسورة كذا، وعن
стр. 1635
فلان التاجر بها أن سائلًا سأله فرد عليه بكذا، فالذي يتبادر إلى الأذهان أنه لقي أولئك الأفراد، وسمع منهم، مع أنه لو لم يخبرنا بذلك، لم يترجح لنا ألقيهم أم لا؟
فتبين أن التبادر إنما جاء من الرواية، فثبت أن الأصل في الرواية أن تكون عما شاهده الراوي وأدركه.
(٢) لعل اصطلاح المحدثين كان على خلاف ذلك، كما يدل عليه ذهاب ابن المديني والبخاري ومن تبعهما إلى ما ذهبوا إليه.
(١) قد أسلفنا أن مجرد ذهابهما إلى ذلك القول لا يصح نقضًا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وهو يدل أبلغ دلالة أن اصطلاحهم كان موافقًا للأصل، بل هناك من القرائن ما يدل على شدة محافظتهم على الأصل أشد من محافظة غيرهم، وذلك مزيد احتياطهم وتثبتهم وجريان عادتهم بالإسناد، والتحفظ من نقد النقاد، وغير ذلك، على أننا لو تنازلنا عن دعوى الإجماع بقيت الأغلبية، وهي كافية في إثبات المطلوب.
مع أن موافقة البخاري وشيخه على حمل عنعنة من ثبت لقاؤه على السماع يدل على ما ذكرنا، وإلا لكانت الحجة عندهما هي مجرد اللقاء، فيلزمهما أن كل من لقي شيخًا ثبت سماعه لكل حديثه، وهذا كما ترى، وإنما رأيا أن دلالة الرواية بدون ثبوت اللقاء لا تخلو عن ضعف، فاشترطا تقويتها بثبوت اللقاء، ونحن نسلم أن الرواية مع ثبوت اللقاء أقوى منها بدونه غالبًا، ولكن هذا لا يقتضي عدم حجيتها إذا كانت في نفسها دلالة ظاهرة محصلة للظن، على أنه يُعلم مما قدمناه أن القرائن قد تتظافر على إثبات اللقاء حتى تكاد تقطع به وإن لم ينقل صريحًا.
(٢) لنا: شيوع الإرسال في السلف؛ فإنه دليل على أن اصطلاحهم على خلاف الأصل الذي قدمتم.
стр. 1636
(١) أما الإرسال الجلي فلا نزل فيه؛ لأن المرسِل يتكل على وضوح القرينة الصارفة عن الأصل، وهذا إنما هو كشيوع المجاز، لا يقتضي إلغاء الحقيقة، وأما الإرسال الخفي، فلنا جوابان عنه [أ، ب]:
أ- لا نُسلم شيوعه، والاستقراء يدل على قِلَّتِه؛ فإن أكثر رواية التابعين وتابعيهم المتصلة مُعَنْعَنَة، ولو كان الإرسال الخفي شائعًا فيهم لأقلُّوا خشية الإيهام.
(٢) لعلهم كانوا يتَّكِلُون على ثبوت اللقاء.
(١) ما كل سامع لحديثهم مطلع على اللقاء، فالإيهام باق بالنسبة إلى من لم يطلع.
(٢) لعلهم كانوا يتَّكِلُون على أن من لم يطلع على ثبوت اللقاء يَسأل عنه.
(١) قد يتساهل فلا يسأل، مع أنه قد يغلب على ظنه ثبوت اللقاء؛ للقرائن المتقدمة، فالأسهل والأحوط التصريح بالتحديث من أول وهلة، ولا حامل على تركه.
فتبين أنهم كانوا يعنعنون المتصلات لاعتقادهم دلالة ذلك على السماع، بل إذا تتبعت رواية المدلسين وجدهم كثيرًا ما يعنعنون المتصلات، فلماذا يعنعنون مع علمهم بأن عنعنتهم لا تحمل على السماع لتدليسهم؟ هل يقال: إنهم كانوا يريدون أن يوهموا أنهم لم يسمعوا تلك الأحاديث، والحال أنهم سمعوها، هذا عكس التدليس المتعارف.
فالتدليس: إيهامُ السماع مع عدمه، وهذا إيهام عدم السماع مع ثبوته، وغرض المدلس إنما يتعلق بالأول دون الثاني.
فتبين أنهم إنما كانوا يعنعنون جريًا على الأصل والعرفِ المطرد في الاكتفاء بالعنعنة في المسموع.
ب- الإرسال الخفي تدليس، والكلام في الراوي غير المدلس، فإذا سوَّيْتُم بين من وُصف بالتدليس وغيره لزمكم أن تردوا المعنعن مطلقًا، كما ذكره مسلم رحمه الله تعالى.
стр. 1637
(٢) كلا، ليس الإرسال الخفي تدليسًا؛ إذ لا إيهام فيه مع عدم اللقاء.
(١) قد قدمنا ما يُعلم منه أن الإيهام واقع، وإن لم يثبت اللقاء، ويتأكد بالقرائن، كما مَرَّ.
(٢) على كل حال: المختار أنه ليس تدليسًا، كما يُعلم بمراجعة كتب المصطلح.
(١) التحقيق أنه تدليس، ولكن لا نطيل ببيانه، إذ يغنينا أن نقول: لا يضر الخلاف في الاسم، فالإرسال الخفي كالتدليس في الإيهام والتغرير، بل هو أقبح منه وأشنع، قال في "فتح المغيث" (ص ٧٤ - ٧٥) [١/ ٣١٦ ط دار المنهاج]:
"فقال ابن عبد البر في "التمهيد" [١/ ٢٨]: ولا يكون ذلك عندهم إلا عن ثقة، فإن دلس عن غير ثقة فهو تدليس مذموم عند جماعة أهل الحديث، وكذلك إن حدث عمن لم يسمع منه، فقد جاوز حَدَّ التدليس الذي رخَّص فيه من رخَّص من العلماء إلى ما ينكرونه ويذمونه ولا يحمدونه.
وسبقه لذلك يعقوب بن شيبة، كما حكاه الخطيب عنه [الكفاية ص ٥١٦]، وهو -مع قوله في موضع آخر: إذا وقع فيمن لم يلقه أقبح وأسمج [التمهيد ١/ ٢٧]:- يقتضي أن الإرسالَ أشدُّ، بخلاف قوله الأول، فهو مشعر بأنه أخفُّ، فكأنه هنا عني الخفي لما فيه من إيهام اللقي والسماع معًا، وهناك عني الجلي لعدم الالتباس" اهـ.
أقول: قوله: "إيهام اللقي والسماع معًا" أي لأن الرواية توهم السماع، ولا يكون سماع إلا مع لقي، وكلاهما غير واقع، بخلاف التدليس، فإن أحدهما وهو اللقي واقع.
(٢) لكن الإيهام في التدليس أقوى لثبوت اللقاء.
(١) نعم غالبًا، لكن قوة الإيهام فيه لا تنافي وجود الإيهام في الإرسال الخفي، على أن الإيهام في هذا لأمرين كلاهما غير واقع، وفي التدليس لأمر واحد غير واقع، مع أنه قد يكون هناك قرائن تقوي إيهام اللقاء.
стр. 1638
(٢) ............................. [طمس بمقدار خمس أو ست كلمات].
(١) فقد لزمكم على الأقل أن تسووا بين الأمرين، فكما أنكم لا تقبلون عنعنة من لم يثبت لقاؤه خشيةَ الإرسال الخفي، وإن لم يوصف بأنه كان يفعله، فكذلك لا تقبلوا عنعنة من ثبت لقاؤه خشيةَ التدليس، وإن لم يوصف بأنه كان يدلس.
(٢) هاهنا فرق، وهو أن السلامة من التدليس هي الأصل والظاهر من حال الثقة، فلا يُقام لاحتماله وزنٌ ما لم يُنقل.
(١) وكذلك نقول في الإرسال الخفي سواء، بل السلامة من الإرسال الخفي أقرب؛ لأمور، منها: أنه أقبح وأشنع كما مَرَّ، فالثقة أشد بُعدًا عنه.
ومنها: أن الغرض الحامل عليه أضعف من الحامل على التدليس؛ لأن الشخص قد يستنكف عن إدخال واسطة بينه وبين شيخ قد لقيه وسمع منه؛ لأن ذلك يوهم تقصيره، بخلاف من لم يلقه.
ومنها: أن الشخص يرغب في التدليس؛ لأنه أروج لدلسته من الإرسال الخفي.
ومنها: أنه لا يأمن الإنكار في الإرسال الخفي، فإنه قد يكون هناك من يعلم عدم اللقاء فيبادر بالإنكار عليه، بخلاف التدليس؛ فإنه لا ينكر عليه الرواية عن شيخ قد لقيه وسمع منه.
(٢) أما المدلسون فقد تكفل الأئمة ببيانهم، بخلاف الإرسال الخفي، فلم يبينوا أهله على جهة الاستقصاء، وهذا يدل أنهم كانوا يرون الخطر في التدليس، ولا يرون في الإرسال الخفي خطرًا.
وهذا إنما يتمشى على أنهم كانوا يشترطون اللقاء في قبول المعنعن، فمتى فُقد اللقال فالعنعنةُ غيرُ مقبولة لِفقده، سواء أكان الراوي ممن يرسل الإرسال الخفي أم لا، ومتى ثبت اللقاء فالعنعنةُ مقبولة، إلا إن كانت من مدلس؛ فلهذا اهتموا ببيان المدلسين، بخلاف أهل الإرسال الخفي.
стр. 1639
(١) هذه مغالطة، فقد قدمنا بيان دلالة الرواية على السماع، وقدمنا نقل مسلم لإجماع السلف على حملها على السماع إذا ثبتت المعاصرة فقط، وبسطنا ذلك أحسن بسط، وأما هذه الشبهة فلنا جوابان عنها: جواب مكافأة وجواب إنصاف.
أ- أنه إذا كان الأئمة لم يَنقلوا عن أحدٍ أنه كان يرسل إرسالًا خفيًّا، فهذا دليلٌ لنا على غلظه وشدة شناعته وقبحه، بحيث إن جميع المحدثين تنزهوا عنه، إلا الكذابين؛ فإن وصفهم بالكذب يغني عن وصفهم بالإرسال الخفي.
وإن كان الأئمة نقلوا ذلك، ولكن عن قليلٍ بالنسبة إلى مَن نقلوا عنه التدليس، فهذا أيضًا دليل لنا على شناعة الإرسال الخفي، بحيث إن الموصوفين به من المحدثين قليلٌ جدًّا بالنسبة إلى المدلسين.
ب- المشهور بين المحدثين أن الإرسال الخفي تدليس، فالوصف بالتدليس يتناول النوعين، ولنا بحث في تحقيق هذه المسألة نلخصه هاهنا:
في عبارة ابن الصلاح في حَدِّ التدليس: "فتح المغيث" (ص ٧٣) [١/ ٣١٤] [مقدمة ابن الصلاح ص ٦٦]: "وعمن عاصره ولم يلقه موهمًا أنه قد لقيه وسمعه"، وتبعه النووي، وعبارته في "التقريب": "بأن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهمًا سماعه".
وكذا العراقي، فقال "فتح المغيث" (ص ٧٤) [التقييد والإيضاح ص ٩٨]: "إنه هو المشهور بين أهل الحديث". ومثله للسيوطي في شرح "التقريب"، وهو ظاهر عبارة الخطيب في "الكفاية". انظر "فتح المغيث" (ص ٧٤) [الكفاية ص ٥١٠].
وإن قال الحافظ [النكت على ابن الصلاح ٢/ ٦١٤ - ٦١٥]: إنها تخالفه. ويؤيد هذا القول أن معنى التدليس لغة يتناوله، والأصلُ عدمُ النقل.
وأما البزار، وابن القطان، وابن عبد البر، فإنهم وإن خَصوا تعريف التدليس بما ثبت فيه اللقاء، فقد فرقوا بينه وبين الإرسال بوجود الإيهام في الأول بخلاف الثاني،
стр. 1640
وهذا يدلك أنهم أسقطوا الإرسال الخفي، فلا أدخلوه في تعريف التدليس كما مَرَّ، ولا في الإرسال؛ لقولهم: إن الإرسال لا إيهام فيه، ومع ذلك فكلامهم يدل على إلحاقه بالتدليس؛ لوجود الإيهام فيه، فليس من الإرسال، ولقولهم: إن التدليس إنما كان تدليسًا لوجود الإيهام، وفي هذا إيهام، وأي إيهام، انظر عبارة ابن عبد البر المنقولة سابقًا.
وأما كلام الشافعي [يعني أبا بكر الصيرفي، وهو قوله فيما نقله السخاوي في فتح المغيث (١/ ٢٨٦): كل من عُلم له -يعني ممن لم يظهر تدليسه- سماعٌ من إنسان، فحدث عنه، فهو على السماع حتى يُعلم أنه لم يسمع منه ما حكاه. وكل من عُلم له لقاءُ إنسان فحدث عنه فحكمه هذا الحكم اهـ. وهذا قد نقله السخاوي عن ابن الصلاح (مقدمته ص ٥٩) وقوله: يعني ممن لم يظهر تدليسه هو من كلام ابن الصلاح] فلم أقف عليه الآن [قال الزركشي في النكت (٢/ ٣٨): ما حكاه -يعني ابن الصلاح [المقدمة ص ١٥٦]- عن أبي بكر الصيرفي رأيته مصرحا به في كتابه المسمى بالدلائل والأعلام في أصول الأحكام، فقال: وكل من عُلم له سماع ... لأن السماع واللقاء قد حصلا، اللهم إلا أن يتبين أنه لم يسمع مع اللقاء. قال: ومن أمكن سماعُه وعدمُ سماعِه فهو على العلم حتى يتحقق سماعه، وكذلك الحكم في اللقاء. انتهى
وقول ابن الصلاح: إنما قال هذا فيمن لم يظهر تدليسه؛ يعني لأنه قال قبل هذا الكلام: ومن ظهر تدليسه عن غير الثقات لم يقبل خبره حتى يقول حدثني وسمعت. وقال في موضع آخر: متى قال المحدث: حدثنا فلان عن فلان. قُبل خبرُه؛ لأن الظاهر أنه حكى عنه، وإنما توقفنا في المدلس لعيب ظهر لنا منه، فإن لم يظهر فهو على سلامته، ولو توقفنا في هذا لتوقفنا في "حدثنا" لإمكان أن يكون حدث قبيلته وأصحابه كقول الحسن: "خطبنا فلان بالبصرة" ولم يكن حاضرا؛ لأنه احتمال لاغٍ، فكذلك من عُلم سماعه إذا كان غير مدلس، وكذلك إذا قال الصحابي أبو بكر أو
стр. 1641
عمر: قال رسول الله ﷺ فهو محمول على السماع، والقائل بخلاف ذلك مغفل انتهى]، إلا أن المدعَّى إنما هو أنه يقتضيه، وليس صريحًا فيه.
وأما قول أبي حاتم في أبي قلابة الجرمي -"فتح" (ص ٦٧) -[يعني فتح المغيث (١/ ٢٨٩)، وهو في الجرح ٥/ ٥٨، والمراسيل ص ١١٠]: "أنه كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم لكنه عاصرهم، كأبي زيد عمرو بن أخطب، وقال مع ذلك: إنه لا يعرف له تدليسًا". اهـ.
فيحمل على الإرسال الجلي، بأن يكون مشهورًا بين الناس أنه لم يلقهم، فلا إيهام، والرواية عن المعاصر إنما تكون تدليسًا إذا وجد الإيهام. [تراجع ترجمة أبي قلابة من القسم الأول من هذا الكتاب رقم (٣٩٦)]
وأما استدلال الحافظ -"فتح" (ص ٧٣) -[يعني فتح المغيث (١/ ٣١٣)، وهو في نزهة النظر ص ٧٢ - ٧٣]: بإطباق أهل العلم بالحديث على أن رواية المخضرمين كأبي عثمان النهدي وقيس بن أبي حازم عن النبي ﷺ من قبيل الإرسال، لا من قبيل التدليس، فلو كان مجرد المعاصرة يكتفى به في التدليس؛ لكان هؤلاء مدلسين؛ لأنهم عاصروا النبي ﷺ قطعًا، ولكن لم يعرف هل لقوه أم لا؟ اهـ.
وجوابه: أن الصحبة أمر غير مجمل لا يخفى، فكان معلومًا للتابعين أن هؤلاء ليسوا بصحابة، فلم يكن في إرسالهم إيهام.
وقوله ﵀ "ولم يعرف لقوه أم لا؟ " فيه نظر. راجع تراجمهم في كتبه.
على أنه لو فرض أنه لم يقم دليل على عدم لقائهم له ﷺ ، لالتزمنا أن تكون روايتهم عنه دعوى صحبة لها حكمُها.
ومع هذا كله فالمدَّعَى إنما هو كون هذا القول هو المشهور بين أهل الحديث، فلا ينافيه أن يكون منهم من يخالفه.
стр. 1642
على أنه لو فرض أن الإرسال الخفي لا يسمى تدليسًا، لكان وصف الشخص بالتدليس يدل على أنه لا يتنزه عن الإرسال الخفي؛ لأنهما متقاربان متشابهان.
(٢) بقي لنا اعتراض واحد، إن تفصيتم عنه [يعني تخلصتم منه] فقد فلجتم [بالجيم يعني فزتم وظفرتم]، وهو أن الثقة قد يرسل عمن عاصره غير قاصد إيهامًا، بل اتكالًا على معرفة السامع بعدم اللقاء، كما حملتم عليه قول أبي حاتم في أبي قلابة الجرمي، فيكون هذا إرسال خفي.
وفي الحقيقة لا يمتنع اتصاف الثقة به. ولا يلزم الأئمة نقله وإن صار فيما بعد خفيا.
(١) هذا أشفُّ ما أوردتموه وعلى ذلك فجوابه من وجهين: إلزامي، وتحقيقي.
أما الإلزامي؛ فلأنه يلزمكم مثله في التدليس، بأن يقال: إن الثقة قد يرسل عمن لقيه وسمع منه غير قاصد إيهامًا بل اتكالًا على معرفة السامع بأنه وإن لقيه لم يسمع منه، أو سمع منه ولكن هذا المعنعن ليس مما سمعه، وهذا لا يسمى تدليسًا، إذ لا إيهام فيه، فلا يمتنع اتصاف الثقة به، ولا يلزم الأئمة نقلُه وإن صار فيما بعد تدليسًا، فإذا اعتبرتم الاحتمال هناك، لزمكم اعتباره هنا، فيردون كل معنعن، كما قاله مسلم ﵀.
وأما التحقيقي فنقول: إن السامع من المعنعِن إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين أن شيخه لم يلق الذي روى عنه، فإن فرض أن هذا السامع حدث من يعلم بعدم لقاء المعنعن لشيخه، فهذا المحدَّث إذا كان ثقة غير مدلس كما هو المفروض، فإنه يبين وهكذا.
فتلخص من هذا أنه إذا ثبت عن أحد رجال السند بيان أن المعنعِن لم يلق المعنعَن عنه، فالأمر واضح، وإن لم يجيء البيان عن أحد منهم، ولا عن غيرهم، وجب حمل تلك العنعنة على السماع، وإلا لزم أن يكون في الرجال مدلس، والمفروض سلامتهم من التدليس، وهذا هو جوابكم عما ألزمناكم، فصح، وثبت أن العنعنة من المعاصر غير المدلس إذا رويت بسند رجاله ثقات غير مدلسين، فهي محمولة على السماع، إلا
стр. 1643
أن يقوم دليل على خلافه، ومثل العنعنة غيرها من ألفاظ الرواية التي ليست صريحة في السماع، ولا في عدمه.
(٢) هل وافقكم أحد على رأيكم هذا؟
(١) ها هي الأدلة بين أيديكم، تأملوها، فإن رأيتم الدليل موافقًا لنا، فماذا بعد الحق إلا الضلال، وإن رأيتموه علينا، فلن ينفعنا موافقة أحد، على أننا قد قدمنا أن هذا قول الإمام مسلم بن الحجاج، ونقل أنه إجماع السلف من أهل الحديث، ولم تُخدش دعوى الإجماع بما يُعد خادشًا، وقد نقل السخاوي (ص ٦٢) بعد كلام ما عن أبي بكر [سقطت لفظة بكر من الأصل] الصيرفي، ملخصه:
أن التابعي إذا قال: عن رجل من الصحابة، لا تقبل، إذ لا يعلم أعاصره أم لا، فلو أمكن علم أنه عاصره جعل كمدرك العصر ... ثم قال السخاوي: "وتوقف شيخنا في ذلك؛ لأن التابعي إذا كان سالمًا من التدليس، حملت عنعنته على السماع، وهو ظاهر، قال: ولا يقال: إنما يتأتى هذا في حق كبار التابعين الذين جل روايتهم عن الصحابة بلا واسطة، وأما صغار التابعين الذين جل روايتهم عن التابعين فلابد من تحقق إدراكه لذلك الصحابي، والفرض أنه لم يسمه حتى يعلم هل أدركه أم لا؟ لأنا نقول سلامته من التدليس كافية في ذلك؛ إذ مدار هذا على قوة الظن، وهي حاصلة في هذا المقام". اهـ.
أقول: وإذا كان هذا مع احتمال عدم إدراك المعنعِن الصحابي فضلًا عن لقائه، ففي مسئلتنا أولى وأحرى؛ لأنه قد ثبت الإدراك، وربما قامت عدة قرائن تدل على اللقاء كما، والعجب من الحافظ: كيف مشى معهم في ترجيح رد عنعنة من علمت معاصرته دون لقائه، مع أنه قد تقوم القرائن على اللقاء، وتوقف عن ردها بل احتج لقبولها في حق من لم يعلم معاصرته أصلًا. وكان العكس أقرب، كما هو واضح. والله أعلم". اهـ.
стр. 1644
قال الفقير إلى الله تعالي:
قد سقت ما كتبه الشيخ المعلمي في هذا الموضع، ولي على ما كتبه ملاحظات، أُجملها فيما يلي:
أولًا: اعتمد المعلمي فى بحثه هنا على أمور، أهمها:
١ - أن الأصل فى الرواية أن تكون عما شاهده الراوي أو أدركه، وجعله هو الظاهر الذى يُتمسك به حتى يتبين خلافه.
وفى استدلاله على هذا الأصل، ذكر أمورا عقليةً وحالاتٍ افتراضيةً تقع للناس فى نقلهم عن غيرهم، ولِمُخالفه أن ينقض بعض ما قرره فى ذلك، بالإضافة إلى أن باب "الرواية" يلزم فيه من "الاحتياط" و"التحري" أكثر مما يلزم في غيره.
٢ - نَقْل مسلم إجماع السلف من أئمة الحديث على الاكتفاء بالمعاصرة في تصحيح المعنعن من غير المدلس ما لم يقم دليل على نفي اللقاء.
وقد استصحب المعلمي هذا النقل فى غير موضع من المناظرة التى أجراها، وأكَّد به تقرير الأصل السابق، ودفع به استدلال من ذهب إلى خلاف ذلك الأصل كابن المديني والبخاري ومن تبعهما، وأن مجرد ذهاب هؤلاء إلى ذلك لا يصح نقضا لما نقله مسلم من إجماع السلف، وأن دعوى الإجماع لم تُخدش بما يُعد خادشا.
وكذلك دفع به قولَ بعض المتأخرين: إن اشتراط ثبوت اللقاء هو قول المحققين، وذكروا منهم البخاري وابن المديني، دفع ذلك بقوله: لا يَخفى أن هذا لا ينافي سَبْق الإجماع لهما.
هذا، مع أنه قد قال بعد ذلك: "فلو ناظر مسلمٌ البخاري فقال: أنت وشيخك مسبوقان بالإجماع، لم يُفِدهُ إلا أن يُصرح بالنقل عن بعض السلف من جميع الطبقات فى موافقة قوله".
стр. 1645
وهذا لم يفعله مسلم، بل اكتفى بنقل الإجماع، ثم استشهد ببعض الأحاديث التي زعم قبولَ أهل العلم لها مع عدم تحقق ذلك الشرط فيها، وأنه يلزم على قول المخالف ردها.
وتلك الأحاديث قد قام المعلمي نفسُه فيما بعدُ بالجواب عنها بما يُسقط الاستدلال بها.
ثم عاد المعلمي فتنزل، فقال: "على أننا لو تنازلنا عن دعوى الإجماع، بقيت الأغلبية، وهي كافية فى إثبات المطلوب" يعني بذلك مَنْ سِوى ابن المديني والبخاري.
ثم عاد فذكر أنه لم يُعَوِّلْ على هذا الإجماع، فقال: "فالمختار ما قاله مسلم: أن ثبوت اللقاء ليس بشرط الصحة، ولم نختره لما ذكره من الإجماع والإلزام، بل لما قدمنا أن الدلالة حينئذ ظاهرة، مُحَصِّلة للظن، مستكملة لنصاب الحجية".
فعاد إلى الاعتماد على ذلك الأصل، مع أنه قد كان قوَّى ذلك الأصل بهذا الإجماع، فى قضايا أُخَر سبق تقريرها وتدعيمها به، مع جوابه عن حُججٍ للمخالف اعتمادا عليه كذلك.
٣ - ابتنى هذا الأصل أيضا ودعَّمه بـ "قلة الإرسال الخفي" في السلف حسبما ادعاه بالاستقراء، أما "الإرسال الجلي" فلا نزل فيه، لأن المرسِل يتكل على وضوح القرينة الصارفة عن الأصل. وأكد هذا أيضا بنقل مسلم ذلك الإجماع الذى يدل على عدم شيوع هذا النوع من الإرسال.
ثانيًا: لم يعتن المعلمي في بحثه بالجانب العملي فيه، وهو النظر فى تصرفات الأئمة حيال هذه القضية، وأرى أن مِما أوقع المعلمي فى ذلك: فقدُه لكثير من المصادر التى يمكن الوقوف من خلالها على حقيقة الأمر، مثل كتب المراسيل؛ ككتاب الرازي، ولا سيما الجامعة منها كـ"جامع التحصيل" للعلائي، وإنما يوجد شيء من ذلك فى بعض تراجم "تهذيب التهذيب" لابن حجر، وهي مواضع متناثرة فى أنحاء الكتاب.
стр. 1646
ومثل بعض كتب العلل المعنية بهذا الأمر؛ كالعلل والسؤالات المنقولة عن أحمد وابن المديني، ومثل كتاب "شرح علل الترمذي" لابن رجب، وفيه نَقَلَ المذهب الذى شنع عليه مسلم: عن جمهور المحدثين والمتقدمين، وأجاب عن الأحاديث التى استشهد بها مسلم على مذهبه جوابا إجماليا (١).
ومثل كتاب "السَّنَن الأبين" لابن رشيد، وقد ألفهُ لبحث تلك القضية بحثا موسعا، وهو ملىء بالنقولات المعنية بهذا الأمر عن سائر الأئمة، وقد أجاب عن معظم أحاديث مسلم جوابا مسهبا.
وقد نعى المعلمي -كما سيأتي- على من خالف مسلما بأنهم لم يجيبوا على تلك الأحاديث، ذلك أنه لم يطلع على تلك المصنفات وغيرها، فتعنَّى هو الجوابَ عنها جوابا مختصرا، وهو آخر عهده ببحث تلك المسألة فيما يظهر، وتطبيقاته العملية في ثنايا كتبه -كما سيأتي- تؤكد ذلك.
وقد رأيت بعض الفضلاء، وهو الشيخ إبراهيم عبد الله اللاحم في كتابه: "الاتصال والانقطاع" (٢) ذكر المعلمي فيمن اختار مذهب مسلم من المعاصرين.
وقد يصح هذا بالنسبة لما كتبه في "عمارة القبور"، لكن في "التنكيل" يُفيد كلامُه نوعا من التوقف وعدم الجزم بذلك، بل فتح فيه بابا لنقض الأمثلة التي ساقها مسلم مستدلا بها على مذهبه، مما دفعه بعد ذلك للكتابة فيه رأسا كما سيأتي، وانتظر.
* * *
стр. 1647
٢ - القاعدة التاسعة من مقدمة "التنكيل" تحت عنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع:
وهي خمسة مباحث:
قال العلامة المعلمي:
المبحث الأول
في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له
ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سلفًا وخلفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي مدلسًا.
وتوضيح هذا الإلزام أنه كما أن الراوي الذي يُعرف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرف ويشتهر بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك.
فإن كان ذلك الوقوعُ يُوجِبُ التوقفَ عن الحكم بالاتصال في الأوَّل، فليوجبه في الثاني، كان لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول.
أجاب النووي بما إيضاحه: أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع، إلا المدلس.
стр. 1648
أقول: فمُسْلمٌ يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا يُنكر أنها تدليسٌ في المَعْنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه.
هذا، وصنيعُ مسلمٍ يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الايهام، ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص ٣٥٧) (١).
وذكر مسلم أمثلةً، فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تعد تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الراوية تدفع ظهور الصيغة في السماع، وقد كنت بسطت ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه.
ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة؛ لأنا نقول: هذا مُسَلَّمٌ، ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام، والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.
стр. 1649
وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" أنه لا يُحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور، وهذا سَهْوٌ من النووي؛ فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرةً زعم أنه لم يُصرَّحْ فيها بالسماع، ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح" البخاري كما ذكره النووي أيضًا.
هذا، ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزمُ عدمَ علمِ غيره، وهذا ليس بجوابٍ عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح.
وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة اطلاعه.
أقول: قد كان على المُجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري"، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رَدِّ دعوى مسلم، فاضطروا بلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح" مسلم نفسه التصريح بالسماع في حديث منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك (١).
وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء، إنما هو لما يخرجه في "صحيحه"، لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدةٍ من كتبه كـ (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق.
стр. 1650
المبحث الثاني
في ضبط المعاصرة المُعْتَد بها على قول مسلم
قال المعلمي:
ضبطها مسلم بقوله:
"كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاءُه والسماعُ منه؛ لكونهما كانا في عصر واحد ... ".
وجَمْعُهُ بين "جائز" و"ممكن" يُشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة، والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك.
والمعنى يؤكد هذا؛ فإنه قد ثبت أن الصيغةَ -بحسب العُرْف، ولا سيما عُرْف المحدثين وما جرى عليه عملهم- ظاهرةٌ في السماع، فهذا الظهور يحتاج إلى دافعٍ، فمتى لم يُعلم اللقاء، فإن كان مع ذلك مستبعدا: الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع؛ لأن ظهور عدم اللقاء يُدافع ظهور الصيغة، وقد يكون الراوي عدَّ ظهور عدم اللقاء قرينة على أنه لم يُرِدْ بالصيغة السماع، وإن احتمل اللقاء احتمالًا لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له، فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا فلا محيص عن الحكم بالاتصال؛ وذلك كمدني روى عن عمر، ولم يعلم لقاؤه له نصًّا، لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلا، فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا.
فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا؛ كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار، فإنه يُحكم باللقاء حتمًا، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي روى عن يماني لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. وانظر ما يأتي في الفقهيات في مسألة "القضاء بالشاهد واليمين".