← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

ومثل بعض كتب العلل المعنية بهذا الأمر؛ كالعلل والسؤالات المنقولة عن أحمد وابن المديني، ومثل كتاب "شرح علل الترمذي" لابن رجب، وفيه نَقَلَ المذهب الذى شنع عليه مسلم: عن جمهور المحدثين والمتقدمين، وأجاب عن الأحاديث التى استشهد بها مسلم على مذهبه جوابا إجماليا (١). ومثل كتاب "السَّنَن الأبين" لابن رشيد، وقد ألفهُ لبحث تلك القضية بحثا موسعا، وهو ملىء بالنقولات المعنية بهذا الأمر عن سائر الأئمة، وقد أجاب عن معظم أحاديث مسلم جوابا مسهبا. وقد نعى المعلمي -كما سيأتي- على من خالف مسلما بأنهم لم يجيبوا على تلك الأحاديث، ذلك أنه لم يطلع على تلك المصنفات وغيرها، فتعنَّى هو الجوابَ عنها جوابا مختصرا، وهو آخر عهده ببحث تلك المسألة فيما يظهر، وتطبيقاته العملية في ثنايا كتبه -كما سيأتي- تؤكد ذلك. وقد رأيت بعض الفضلاء، وهو الشيخ إبراهيم عبد الله اللاحم في كتابه: "الاتصال والانقطاع" (٢) ذكر المعلمي فيمن اختار مذهب مسلم من المعاصرين. وقد يصح هذا بالنسبة لما كتبه في "عمارة القبور"، لكن في "التنكيل" يُفيد كلامُه نوعا من التوقف وعدم الجزم بذلك، بل فتح فيه بابا لنقض الأمثلة التي ساقها مسلم مستدلا بها على مذهبه، مما دفعه بعد ذلك للكتابة فيه رأسا كما سيأتي، وانتظر. * * *

стр. 1647

٢ - القاعدة التاسعة من مقدمة "التنكيل" تحت عنوان: مباحث في الاتصال والانقطاع: وهي خمسة مباحث: قال العلامة المعلمي: المبحث الأول في رواية الرجل بصيغة محتملة للسماع عمن عاصره ولم يثبت لقاؤه له ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" عن بعض أهل عصره: أنه شرط أن يثبت لقاء الراوي للمروي عنه ولو مرة، فإن لم يثبت لم يحكم لما يرويه عنه بالاتصال، وذكروا أن الذي شرط ذلك هو البخاري وشيخه علي بن المديني، وحكى مسلم إجماعَ أهل العلم سلفًا وخلفًا على الاكتفاء بالمعاصرة وعدم التدليس، وألزم مخالفه أن لا يحكم بالاتصال فيما لم يصرح فيه الراوي بالسماع وإن ثبت اللقاء في الجملة ولم يكن الراوي مدلسًا. وتوضيح هذا الإلزام أنه كما أن الراوي الذي يُعرف ويشتهر بالإرسال عمن عاصره ولم يلقه قد يقع له شيء من ذلك، فكذلك الراوي الذي لم يُعرف ويشتهر بالإرسال عمن لقيه وسمع منه قد يقع له شيء من ذلك. فإن كان ذلك الوقوعُ يُوجِبُ التوقفَ عن الحكم بالاتصال في الأوَّل، فليوجبه في الثاني، كان لم يوجبه في الثاني فلا يوجبه في الأول. أجاب النووي بما إيضاحه: أن رواية غير المدلس بتلك الصيغة عمن قد لقيه وسمع منه الظاهر منها السماع، والاستقراء يدل أنهم إنما يطلقون ذلك في السماع، إلا المدلس.

стр. 1648

أقول: فمُسْلمٌ يقول: الحال هكذا أيضًا في رواية غير المدلس عمن عاصره، والرواية عن المعاصر على وجه الإيهام تدليسٌ أيضًا عند الجمهور، ومن لم يطلق عليها ذلك لفظًا لا يُنكر أنها تدليسٌ في المَعْنى، بل هي أقبح عندهم من إرسال الراوي على سبيل الإيهام عمن قد سمع منه. هذا، وصنيعُ مسلمٍ يقتضي أن الإرسال على أي الوجهين كان إنما يكون تدليسًا إذا كان على وجه الايهام، ويوافقه ما في "الكفاية" للخطيب (ص ٣٥٧) (١). وذكر مسلم أمثلةً، فيها إرسال جماعة بالصيغة المحتملة عمن قد سمعوا منه، ولم تعد تدليسًا ولا عُدُّوا مدلسين، ومحمل ذلك أن الظن بمن وقعت منهم أنهم لم يقصدوا الإيهام، وأنهم اعتمدوا على قرائن خاصة كانت قائمة عند إطلاقهم تلك الراوية تدفع ظهور الصيغة في السماع، وقد كنت بسطت ذلك، ثم رأيت هذا المقام يضيق عنه. ولا يخالف ذلك ما ذكروه عن الشافعي أن التدليس يثبت بمرة؛ لأنا نقول: هذا مُسَلَّمٌ، ولكن محله حيث تكون تلك المرة تدليسًا بأن تكون بقصد الإيهام، والأمثلة التي ذكرها مسلم لم تكن كذلك، بدليل إجماعهم على أن أولئك الذين وقعت منهم تلك الأمثلة ليسوا مدلسين.

стр. 1649

وزعم النووي في "شرح صحيح مسلم" أنه لا يُحكم على مسلم بأنه عمل في "صحيحه" بقوله المذكور، وهذا سَهْوٌ من النووي؛ فقد ذكر مسلم في ذلك الكلام أحاديثَ كثيرةً زعم أنه لم يُصرَّحْ فيها بالسماع، ولا علم اللقاء، وأنها صحاح عند أهل العلم، ثم أخرج منها في أثناء "صحيحه" تسعة عشر حديثًا كما ذكره النووي نفسه، ومنها ستة في "صحيح" البخاري كما ذكره النووي أيضًا. هذا، ولم يجيبوا عن تلك الأحاديث إلا بأن نفي مسلم العلم باللقاء لا يستلزمُ عدمَ علمِ غيره، وهذا ليس بجوابٍ عن تصحيح مسلم لها، وإنما هو جواب عن قوله أنها عند أهل العلم صحاح. وقد دفعه بعض علماء العصر بأنه لا يكفي في الرد على مسلم مع العلم بسعة اطلاعه. أقول: قد كان على المُجيبين أن يتتبعوا طرق تلك الأحاديث وأحوال رواتها، وعلى الأقل كان يجب أن يعتنوا بالستة التي في "صحيح البخاري"، وكنت أظنهم قد بحثوا فلم يظفروا بما هو صريح في رَدِّ دعوى مسلم، فاضطروا بلى الاكتفاء بذاك الجواب الإجمالي، ثم إنني بحثتُ، فوجدت تلك الستة قد ثبت فيها اللقاء، بل ثبت في بعضها السماع، بل في "صحيح" مسلم نفسه التصريح بالسماع في حديث منها، وسبحان من لا يضل ولا ينسى، وأما بقية الأحاديث فمنها ما يثبت فيه السماع واللقاء فقط، ومنها ما يمكن أن يجاب عنه جواب آخر، ولا متسع هنا لشرح ذلك (١). وزعم بعض علماء العصر أن اشتراط البخاري العلم باللقاء، إنما هو لما يخرجه في "صحيحه"، لا للصحة في الجملة، كذا قال، وفي كلام البخاري على الأحاديث في عدةٍ من كتبه كـ (جزء القراءة) وغيره ما يدفع هذا. والله الموفق.

стр. 1650

المبحث الثاني في ضبط المعاصرة المُعْتَد بها على قول مسلم قال المعلمي: ضبطها مسلم بقوله: "كل رجل ثقة روى عن مثله حديثًا، وجائزٌ ممكنٌ له لقاءُه والسماعُ منه؛ لكونهما كانا في عصر واحد ... ". وجَمْعُهُ بين "جائز" و"ممكن" يُشعر بأن المراد الإمكان الظاهر الذي يقرب في العادة، والأمثلة التي ذكرها مسلم واضحة في ذلك. والمعنى يؤكد هذا؛ فإنه قد ثبت أن الصيغةَ -بحسب العُرْف، ولا سيما عُرْف المحدثين وما جرى عليه عملهم- ظاهرةٌ في السماع، فهذا الظهور يحتاج إلى دافعٍ، فمتى لم يُعلم اللقاء، فإن كان مع ذلك مستبعدا: الظاهر عدمه، فلا وجه للحمل على السماع؛ لأن ظهور عدم اللقاء يُدافع ظهور الصيغة، وقد يكون الراوي عدَّ ظهور عدم اللقاء قرينة على أنه لم يُرِدْ بالصيغة السماع، وإن احتمل اللقاء احتمالًا لا يترجح أحد طرفيه فظهور الصيغة لا معارض له، فأما إذا كان وقوع اللقاء ظاهرًا بينًا فلا محيص عن الحكم بالاتصال؛ وذلك كمدني روى عن عمر، ولم يعلم لقاؤه له نصًّا، لكنه ثبت أنه ولد قبل وفاة عمر بخمس عشرة سنة مثلا، فإن الغالب الواضح أن يكون قد شهد خطبة عمر في المسجد مرارًا. فأما إذا كان الأمر أقوى من هذا؛ كرواية قيس بن سعد المكي عن عمرو بن دينار، فإنه يُحكم باللقاء حتمًا، والحكم به في ذلك أثبت بكثير من الحكم به لشامي روى عن يماني لمجرد أنه وقع في رواية واحدة التصريح بالسماع. وانظر ما يأتي في الفقهيات في مسألة "القضاء بالشاهد واليمين".

стр. 1651

المبحث الثالث قال المعلمي: لا يكفي احتمال المعاصرة، لكن إذا كان الشيخ غير مُسَمًّى، ففي كلامهم ما يدل على أنه يحكم بالاتصال؛ وذلك فيما إذا جاءت الراوية عن فلان التابعي: عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ... ونحو ذلك، راجع "فتح المغيث" (ص ٦٢). والفرق بين التسمية والإبهام أن ظاهر الصيغة السماع، والثقة إذا استعملها في غير السماع ينصب قرينةً، فالمدلس يعتد بأنه قد عُرف منه التدليس قرينة، وأما غيره فإذا سمى شيخًا ولم يثبت عندنا معاصرته له فمن المحتمل أنه كان معروفًا عند أصحابه أنه لم يدركه فاعتد بعلمهم بذلك قرينة. وأهل العلم كثيرا ما ينقلون في ترجمة الراوي بيان مَنْ حَدَّث عنهم ولم يلقهم، بل أفردوا ذلك بالتصنيف "كمراسيل ابن أبي حاتم" وغيره، ولم يعتنوا بنقل عدم الإدراك؛ لكثرته، فاكتفوا باشتراط العلم بالمعاصرة، فأما إذا أَبْهَمَ، فلم يُسَمِّ، فهذا الاحتمال (١) مُنتفٍ؛ لأن أصحاب ذاك التابعي لم يعرفوا عي ذلك الصحابي، فكيف يعرفون أنه لم يدركه أو أنه لم يلقه؟! ففي هذا تنتفي القرينةُ (٢)، وإذا انتفت ظهر السماعُ وإلا لزم التدليس والفَرضُ عدمُه. هذا ما ظهر لي (٣)، وعندي فيه توقف (٤). * * *

стр. 1652

المبحث الرابع قال المعلمي: اشتراط العلم باللقاء أو بالمعاصرة إنما هو بالنظر إلى من قُصدت الروايةُ عنه، فأما من ذُكر عَرَضًا فالظاهر أنه يكفي فيه الاخال، فإذا كان غيرَ مسمًّى فالأمر أوضح؛ لما مَرَّ فى المبحث السابق. وذلك كما في حديث "الصحيحين" (١) من طريق عبد العزيز بن صهيب قال: "سأل رجل أنس بن مالك: ما سمعت نبي الله ﷺ يذكر فى الثوم؟ فقال: قال النبي ﷺ ... " لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "سئل أنس عن الثوم؟ فقال: قال النبي ﷺ ... ". عبد العزيز معروف بصحبة أنس، ولا ندري من السائل. ومن ذلك ما في "صحيح" مسلم (٢) من طريق حنظلة قال: "سمعت عكرمة بن خالد يحدث طاوسًا أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ ... " وأخرجه البخاري (٣) من طريق حنظلة: "عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ ... ". وقد يأتي شِبهُ هذا، ويكون المُبهم هو الراوي نفسه، وإنما كنى عن نفسه لغرضٍ، كحديث "الصحيحين" (٤) عن معاذة: "أن امرأة قالت لعائشة: أيجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت؟ فقالت: أحرورية أنت؟ ... " لفظ البخاري.

стр. 1653

وفي "الفتح": "بَيَّنَ شعبةُ في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية، أخرجه الإسماعيلي من طريقه، وكذا لمسلم من طريق عاصم وغيره عن قتادة". أقول: في "صحيح" مسلم من طريق يزيد الرشك "عن معاذة أن امرأة سألت ... " ومن طريق عاصم عن معاذة قالت: "سألتُ عائشةَ فقلتُ ... ". وقد يجيء نحو ذلك والراوي لم يشهد القصة ولكنه سمعها بتمامها ممن قصد الرواية عنه، كما في حديث البخاري (١) من طريق علقمة قال: "كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف، فقال رجل: ما هكذا نزلت! فقال: قرأت على رسول الله ﷺ ... ". ورواه مسلم (٢) من وجهٍ آخر عن علقمة: "عن عبدالله قال: كنت بحمص، فقال لي بعض القوم: اقرأ علينا، فقرأت عليهم، قال: فقال لي رجل من القوم: والله ما هكذا أُنزلت ... ". فإن لم يكن التصرف من الرواة، فالجمع بين الروايتين أن علقمة كان مع عبد الله ابن مسعود بحمص ولكنه لم يشهد القصة وإنما سمعها من عبد الله، ولما كان المقصود الرواية عنه هو عبد الله، لم يلتفت إلى ما وقع في الرواية الأولى من إيهام شهود علقمة للقصة، وهكذا ما في قول معاذة: "أن امرأة سألت .... " من إيهام أن السائلة غيرها، فإن مثل ذلك لا يضع حكمًا ولا يرفعه. والسر في حمل تلك الأمثلة على السماع ما قدمناه، ومن شك في هذا لزمه أن يشك في اتصال قولِ ثقةٍ غير مدلس قد عُرف بصحبة ابن المبارك: طار غراب فقال ابن المبارك ... أو: هبت ريح فقال ابن المبارك ... وهذا لا سبيل إليه فكذا ذاك، والله الموفق. * * *

стр. 1654

المبحث الخامس قال المعلمي: اشتهر في هذا الباب العنعنة مع أن كلمة "عن" ليست من لفظ الراوي الذي يذكر اسمه قبلها، بل هي لفظُ مَن دونه. وذلك كما لو قال همام: "حدثنا قتادة عن أنس" فكلمة "عن" من لفظ همام؛ لأنها متعلقة بكلمة "حدثنا" وهي من قول همام، ولأنه ليس من عادتهم أن يبتدىء الشيخ فيقول: "عن فلان ... "، وإنما يقول: حدثنا، أو أخبرنا، أو قال، أو ذكر، أو نحو ذلك، وقد يبتدىء فيقول: "فلان ... " كما ترى بعض أمثلة ذلك في بحث التدليس من "فتح المغيث" وغيره، ولهذا يكثر في كتب الحديث إثبات "قال" في أثناء الإسناد قبل: "حدثنا"، و"أخبرنا"، وذلك في نحو قول البخاري: "حدثنا الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثنا يحيى بن سعيد" وكثيرًا ما تحذف فيزيدها الشراح أو قراء الحديث، ولا تثبت قبل كلمة "عن"، وتصفح إن شئت "شرح القسطلاني على صحيح البخاري". فبهذا يتضح أنه في قول همام: "حدثنا قتادة عن أنس" لا يُدرى كيف قال قتادة، فقد يكون قال: "حدثني أنس" أو "قال أنس" أو "حدَّث أنس" أو"ذَكَر أنس" أو "سمعت أنسًا" أو غير ذلك من الصيغ التي تصرح بسماعه من أنس أو تحتمله، لكن لا يحتمل أن يكون قال: "بلغني عن أنس"؛ إذ لو قال هكذا، لزم همامًا أن يحكي لفظه أو معناه؛ كأن يقول: "حدثني قتادة عمَّن بلَّغَهُ عن أنس" وإلا كان همام مدلسًا تدليس التسوية، وهو قبيح جدًّا، وإن خف أمره في هذا المثال لما يأتي في قسم التراجم في ترجمة الحجاج بن محمد. والمقصود هنا أنه لو قال راوٍ لم يُعرف بتدليس التسوية: "حدثني عبد العزيز بن صهيب عن أنس" كان متصلًا؛ لثبوت لقاء عبد العزيز لأنس، وأنه غير مدلس، مع أننا لا ندري كيف قال عبد العزيز، فقد يكون قال: "قال أنس" أو "ذكر أنس" أو

стр. 1655

"حدث أنس" أو ابتدأ فقال: "أنس" فالحمل على السماع في العنعنة يستلزم الحمل على السماع في هذه الصيغ وما أشبهها، وقد صرحوا بذلك كما تراه في "فتح المغيث" (ص ٦٩) وغيره (١). وما ذكروه من الخلاف في كلمة "أن" إنما هو في نحو أن يجيء "عن عبد العزيز أن أنسا سأل النبي ﷺ ... " ومعلوم أن عبد العزيز لم يدرك ذلك، ومن حمله على السماع إنما مال إلى أن الظاهر أن عبد العزيز سمع القصة من أنس، فكأنه قال: "حدثني أنس أنه سأل النبي ﷺ ... " وفي هذا المثال لا مزية لكلمة "أن" بل لو قال عبد العزيز "سأل أنس النبي ﷺ ... " لكان هذا كقوله: "عن عبد العزيز أن أنسًا سأل ... " بل إن كلمة "أن" في المثال ليست من لفظ عبد العزيز وإنما هي من لفظ الراوي عنه فقوله: "حدثني عبد العزيز أن أنسًا سأل" إنما تقديره: "حدثني عبد العزيز بأن أنسًا سأل" وقد يكون عبد العزيز قال: "سأل أنس" وقد يكون قال غير ذلك. والله أعلم. اهـ. * * *

стр. 1656

٣ - جواب المعلمي عن الأحاديث التي استشهد بها مسلم رحمه الله تعالى في مقدمة "صحيحه" على ما ذهب إليه من عدم اشتراط العلم باللقاء قال الشيخ المعلمي: ١ - حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: "كنت أطيب ... " (١). ورواه جماعة عن هشام، عن أخيه عثمان، عن أبيه. أقول: فهذا تدليس من هشام، وراجع ترجمة هشام في مقدمة "الفتح"، و"معرفة الحديث" للحاكم (ص ١٠٤). قال الفقير إلى الله تعالى: قد حمل المعلمي في هذا الجواب صنيعَ هشام على أنه تدليسٌ منه، وهو القول الأحدث له، ومقتضاه إيهامُ السماع، ودَعَّمَ ذلك بما أحال به على مقدمة "الفتح" و"معرفة علوم الحديث" للحاكم. ففي مقدمة "الفتح" (ص ٤٧١): "قال يعقوب بن شيبة: هشام ثبت ثقة، لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق؛ فإنه انبسط في الرواية عن أبيه، فأنكر ذلك عليه أهل بلده. والذي نراه أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه، فكان تساهله أنه أرسل عن أبيه ما كان يسمعه من غير أبيه، عن أبيه. قال ابن حجر: هذا هو التدليس. اهـ.

стр. 1657

وفي "معرفة علوم الحديث" للحاكم (ص ١٠٤) ذكر أجناس التدليس قال: الجنس الثاني من المدلسين: قوم يدلسون الحديث فيقولون: "قال فلان"، فإذا وقع إليهم من ينقر عن سماعاتهم، ويُلح، ويراجعهم، ذكروا فيه سماعاتهم، ثم ذكر مثالا لرواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة حديثًا، ثم بيَّن أن بعضه لم يسمعه من أبيه، إنما هو عن الزهري. اهـ. أقول: مقتضى ما ذهب إليه المعلمي هنا -وهو أن صنيعَ هشام: تدليسٌ؛ مستدلا بوصف الحاكم وابن حجر لفعل هشام بذلك- ينقضُ استدلالَ مسلم؛ وذلك لأن الأمثلة التي ذكرها مسلم مفروضة في غير المدلس، ومقتضى استدلال مسلم برواية هشام: تصريح بأن هشاما لا يدلس. وهو الذي ذهب إليه المعلمي قبل ذلك في "التنكيل" (١/ ٥٠٣)؛ فقال فى ترجمة هشام رقم (٧٨٩): "التحقيق أنه لم يدلس قط، ولكن كان ربما يحدث بالحديث عن فلان، عن أبيه، فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه، ثم ربما ذكر ذلك الحديث بلفظ: "قال أبى" أو نحوه؛ اتكالًا على أنه قد سبق منه بيانُ أنه سمعه من فلان، عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية، فيروي ذاك الحديث عنه، عن أبيه؛ لما فيه من صورة العلو، مع الإتكال على أن الناس قد سمعوا روايته الأولى وحفظوها. وفي مقدمة "صحيح مسلم" ما يصرح بأن هشامًا غير مدلس، وفيه أن غير المدلس قد يرسل، وذكر لذلك أمثلةً، منها: حديث رواه جماعة عن هشام: "أخبرني أخي عثمان بن عروة، عن عروة" ورواه آخرون عن هشام، عن أبيه، ومع هذا فإنما اتفق لهشام مثل ذلك نادرًا، ولم يتفق إلا حيث يكون الذي بينه وبين أبيه ثقة لا شك فيه؛ كأخيه عثمان، ومحمد ابن عبد الرحمن بن نوفل يتيم عروة، والله الموفق". اهـ.

стр. 1658

وقد نحا ابنُ رشيد في كتابه "السنن الأبين" (ص ٩١ - ٩٧) نحوًا آخر؛ إذ ذكر أن الأمثلة التي أوردها مسلم في هذا الموضع لرواةٍ لقي بعضهم بعضًا، وأسندوا رواياتِهم معنعِنين ممن لم يُتهم بالتدليس. ثم قال: على أن هشامًا قد وقع له بعض الشيء، ثم أورد المثال الذي ذكره الحاكم في الجنس الثاني من أجناس التدليس، والذي أشار إليه المعلمي آنفًا. ثم قال ابن رشيد: "فحاصل ما أتيتَ به أيها الإمام من الأمثلة أن من عُلم سماعُه من إنسانٍ، ثم اختلفت الرواةُ عنه؛ فزاد بعضهم بينهما رجلًا أو أكثر، وأسقطه بعضهم، ومثَّلتَ ذلك بهشام عن أبيه عن عائشة؛ فإنه يحكم لمن في زاد بالاتصال، ولمن نقص بالإرسال، وهذه المسألة أيها الإمام من معضلات هذا العلم، وهي من باب العلل التي يعز لدائها وجود الدواء، ويتعذر في كثهير منها الشفاء، فكيف يصح أن يجعل ما هذه حاله دليلًا في محل نزاع أو يحكم فيه حكمًا جمليًّا، وليت الحكم التفصيلي يكشف بعض أمره. فنقول: إذا ورد حديث معنعن عن رواة لقي بعضهم بعضا، ثم ورد ذلك الحديث بعينه بزيادة رجل منصوصا على التحديث فيه أو معنعنا أيضا، نظرنا إلى حفظ الرواة وكثرة عددهم، وانفتح باب الترجيح، فحكمنا لمن يرجح قوله من الزائد أو الناقص أو لمن تيقنا صوابه؛ كأن نتحقق أنه لم يسمعه ممن رواه عنه مرسلا، أو أن ذلك الزائد في الإسناد خطأ، كما قد نحكم بذلك إذا كان الحديث بلفظ: (نا)، ثم زاد أحدهما راويا نقصه غيره، أو أن الحديث عند الراوي عنهما معا، وقد بان ذلك كله في بعضها كما هو معلوم عند أهل الصنعة. فإن أشكل الأمر توقفنا وجعلنا الحديث معلولا، إذ كل واحد من الطريقين متعرض لأن يعترض به على الآخر؛ إذ لعل الزائد خطأ، وإذا كان الزائد بلفظ: (عن) أيضا، فلعله نقص رجل آخر غير ذلك المزيد، وإنما يرتفع هذا الاحتمال إذا قال الراوي الزائد: حدثنا، ويبقى احتمال أن يكون الحديث عنده عنهما معا.

стр. 1659

فأما أن يحكم بأنه لم يسمعه منه لزيادة رجل في الإسناد مطلقا، ففيه نظر، لا سيما في رواية الأبناء عن الآباء عن الأجداد أو عن الآباء فقط أو الإخوة بعضهم عن بعض، فكثيرا ما يتحملون النزول ويدَعون العلو -وإن كان عندهم- حرصا على ذكره عن الآباء والأجداد وإبقاءً للشرف ... ... وقد حكم بعض المتأخرين بإرسال الناقص ووصل الزائد، وهو الذي ظهر منك أيها الإمام في حكمك هنا، وهو كما قدمناه لا يسلم من التعقب بأن يعترض على أحدهما بالآخر. فمن ذلك أنك قلت: إن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: كنت أطيب رسول الله ﷺ لحله ولحرمه بأطيب ما أجد. فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبو أسامة عن هشام قال: أخبرني عثمان بن عروة، عن عائشة عن النبي ﷺ . ثم أوردت في كتابك حديث عثمان؛ لأنه الذي رجح عندك أنه المسند، ومن أسقطه أرسل، ولسنا ننفي أن يحصل ظنٌ في بعض الأحاديث بأن الحُكم لمن زاد، كما قد يرجح أيضا في بعض أن الحكم لمن نقص، فتعميم الحُكم في المسألة لا يصح. اهـ.

стр. 1660

قال الفقير إلى الله تعالي: هذه ثلاثة أجوبة على هذا النموذج الذي ساقه مسلم: الجواب الأول: للمعلمي، وهو أنه تدليسٌ من هشام، وهو ينقضُ استدلالَ مسلم كما سبق؛ لأن الفرض في المسألة أنها في غير المدلس، ولذا اكتفى المعلمي في الجواب بقوله: فهذا تدليسٌ من هشام. أقول: لكنَّ هشاما لم يصفْه أحدٌ من المتقدمن بالتدليس صراحةً، قال العلائي في جامع التحصيل (ص ١١١): "هشام بن عروة إمام مشهور، لم يشتهر بالتدليس، ولكن قال علي بن المديني: سمعت يحيى يعني ابن سعيد يقول: كان هشام بن عروة يحدث عن أبيه، عن عائشة ﵂، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وما ضرب بيده شيئا .. الحديث. فلما سألته قال: أخبرني أبي عن عائشة، قالت: ما خُيِّر رسولُ الله ﷺ بين أمرين. لم أسمع من أبي إلا هذا، والباقي لم أسمعه إنما هو عن الزهري. رواه الحاكم في "علومه" (ص ١٠٤ - ١٠٥) عن ابن المديني. وفي جعل هشام بمجرد هذا مدلسا نظر، ولم أر من وصفه به". اهـ. كلام العلائي. وذكره ابن حجر في المرتبة الأولى من المدلسين، وهم من لم يوصف بذلك إلا نادرا، ووصف ما وقع لهشام بأنه تدليس، كما سبق أن وصفه بذلك في "مقدمة الفتح"، وكذا ذكره احتمالا في "النكت الظراف" (١٢/ ١٦). وانظر ما يأتي في الجواب الثاني.

стр. 1661

الجواب الثاني: للمعلمي أيضا؛ وهو أن هشاما لم يكن مدلسا، وإنما كان يعتمد على ما وصله قبل ذلك فيرسله، ولم يتفق له ذلك إلا نادرا، حيث يكونُ الذي بينه وبين أبيه ثقةٌ لا شكَّ فيه. أقول: في "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٤٨٧ - ٤٩١): "قال الأثرم: فقلت له -يعني لأحمد-: هذا الاختلاف عن هشام، منهم من يرسل، ومنهم من يسند عنه، مِنْ قِبَلِه كان؟ فقال: نعم. ... وقال الأثرم أيضًا: قال أبو عبد الله: ... ما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني أن هشامًا ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى. قلت لأبي عبد الله: كان هشام تغير؟ قال: ما بلغني عنه تغير ... اهـ. فقول الإمام أحمد: مما أرى ذاك إلا على النشاط، يعني أن هشاما ينشط تارة فيسند، ثم يرسل مرة أخرى: يؤيد قول المعلمي الثاني؛ أنه ليس بالتدليس المقتضي للإيهام، وإنما هو الإرسال الذي يسوغه ما سبق من الوصل. الجواب الثالث: لابن رشيد؛ وهو أنه خلافًا من الرواة عن هشام، فمنهم من زاد بينه وبين أبيه رجلا -وهو أخوه عثمان- ومنهم من لم يذكره، فينبغي أن يكون الأمرُ دائرا على الترجيح بين الرواة في ذلك، فقد تكون الزيادةُ خطًا، أو قد يكون الساقطُ من الرواية الناقصة أكثرَ من رجل، أو قد يكون الراوي سمع الحديث بواسطة وبدون واسطة، لا سيما إذا كان قد صرح بالسماع في الحالة الثانية. إذًا، فليست كلُّ زيادةِ رجلٍ في إسنادٍ تدل على أن الرواية بدونه مرسلة أو منقطعة.

стр. 1662

هذا إجمالُ ما ذكره ابن رشيد، وأزيد هنا فأقول: أولا: إذا كان سماعُ الراوي من شيخه ثابتا بالطرق المعتبرة، ورُوي عنه عن شيخه حديثٌ بلا واسطة، ثم زاد بعضهم واسطة، فإنه تجري فيه الاحتمالات التي ذكرها ابن رشيد، بحسب صيغ الاتصال الواردة في الإسنادين، وبحسب قرائن الترجيح المعتمدة، فلا يُحكم دائما برجحان الرواية الزائدة. لكن في هذه الحالة التي نحن بصددها قد ثبت ما يُقوي أن هشاما إنما أخذ هذا الحديث عن أخيه عثمان، وأنه لم يسمعه من أبيه. وهذا ما رواه سفيان بن عيينة قال: قال لي عثمان بن عروة: ما يروي هشام بن عروة هذا الحديث إلا عني. اهـ. رواه عن ابن عيينة: الشافعي (مسنده: ٥٦٥) والحميدي (١/ ١٠٥) وأحمد (٦/ ١٦٠) وأبو خيثمة زهير بن حرب (تاريخه: ٣٠٤٩). وذكر الدارقطني في العلل (١٥/ ٥٣) فيمن روى ذلك عن ابن عيينة: علي بن المديني. وقال الدارقطني: الصحيح: عن هشام بن عروة أنه سمع هذا الحديث من أخيه عثمان بن عروة، عن عروة. وكان أحيانا يرسله. اهـ. وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٩/ ٢٩٦): لم يسمعه هشام من أبيه، إنما سمعه من أخيه عثمان، عن أبيه. اهـ. ثانيا: إذا لم يكن السماع ثابتا، فإن مما يستدل به الأئمة على عدم السماع: ورود بعض الروايات بالواسطة بينهما، وهذا مستفيضٌ عنهم. مثاله: أ- ما في جامع التحصيل في أحكام المراسيل (١/ ١٧٩):

стр. 1663

سالم بن أبي الجعد الكوفي ... وقال أحمد بن حنبل: لم يلق ثوبان؛ بينهما معدان بن أبي طلحة. وسئل ابن معين عن سالم بن أبي الجعد، عن كعب بن مرة البهزي؟ فقال: هو مرسل؛ قد أدخل شعبة بينهما: شرحبيل بن السمط. ب- و (١/ ٢٧٠): محمد بن ميمون أبو حمزة السكري، قال أبو حاتم: كنت أرى أبا حمزة أدرك بكير بن الأخنس، حتى قيل لي إن المراوزة يدخلون بينهما: أيوب بن عائذ. وثَمَّ جوابٌ رابع احتمله الحافظ ابن حجر في "النكت الظراف" (١٢/ ١٦)؛ فقال: "إما أن يكون هشام دلسه، وإما أن يكون مِمَّن رواه عنه بدون ذكر عثمان سوَّاه". اهـ. أقول: الاحتمال الأول سبق إيراده واحتمالُ التسوية من أمثال: أيوب، وابن المبارك، ووكيع، وابن نمير بعيدٌ، والله تعالى أعلم. وثَمَّ جوابٌ خامس وهو أنه بسبب نقصٍ في حفظ هشام لما كبر؛ ففي "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/ ٦٠٥): قال يعقوب بن شيبة: "هشام مع تثبته ربما جاء عنه بعض الاختلاف". فقال ابن رجب: "وذلك فيما حدث بالعراق خاصة، ولا يكاد يكون الاختلاف عنه فيما يفحش، يُسند الحديث أحيانًا، ويُرسله أحيانًا، لا أنه يقلب إسناده، كأنه على ما تذكر من حفظه. يقول: عن أبيه، عن النبي ﷺ ، ويقول: عن أبيه، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، إذا أتقنه أسنده وإذا هابه أرسله. وهذا فيما نرى أن كتبه لم تكن معه بالعراق فيرجع إليها. والله أعلم". اهـ. وسبق أن الإمام أحمد قال: ما بلغني عنه تغير.

стр. 1664

ومع ذلك وصفه ابن القطان بالتغير، فقال الذهبي في "الميزان": "هشام حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدا، ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبى صالح اختلطا وتغيرا. نعم الرجل تغير قليلا، ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا! أهو معصوم من النسيان؟ ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم، في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات ... ". اهـ. ٢ - هشام، عن أبيه، عن عائشة: "كان النبي ﷺ إذا اعتكف" (١) ورواه مالك (٢) عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة. في أبواب الاعتكاف "باب لا يدخل البيت إلا لحاجة". [٤/ ٣٢٠ فتح] عندما روى البخاري المتن بمعنى هذا عن الليث، عن الزهري، عن عروة وعمرة، ذكر الحافظ أن منهم من اقتصر على عروة، ثم قال: "اتفقوا على أن الصوابَ قولُ الليث، وأن الباقين اختصروا منه ذكر عمرة، وأن ذكر عمرة في رواية مالك من المزيد في متصل الأسانيد". أقول: ويؤيد ذلك ما في كتاب الحيض من "صحيح" البخاري [١/ ٤٧٨ فتح] من طريق هشام عن أبيه، وفيه من قوله: "أخبرتني عائشة أنها كانت ترجل رسول الله ﷺ ، وهي حائض، ورسول الله حينئذ مجاور في المسجد، يدني لها رأسه، فترجله وهي حائض". اهـ.

стр. 1665

قال الفقير إلى الله تعالي: قال ابن رشيد جوابًا على هذا الموضع: "هذا أيضا من ذلك القبيل؛ حكمتَ فيه أن من نقص عَمرة فهو مرسل، والصحيح في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معًا عن عائشة، وهو الذي اعتمد البخاري، فقال: نا قتيبة، قال نا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، أن عائشة زوج النبى ﷺ قالت: "وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجته إذا كان معتكفا". وأما أنت فظهر من فعلك في كتابك أنك لم يَصْفُ عندك كَدَرُ الإشكال في هذا الحديث، فأوردتَّ في كتابك حديثَ مالك مُصَدِّرًا به بناء على اعتقادك فيه الاتصال وفي غيره الانقطاع، فقلتَ: نا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، قالت: "كان النبي ﷺ وإذا اعتكف يدني إليَّ رأسه فأرجله وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان". ثم أتبعته باختلاف الرواة فيه على شرطك من أنك لا تكرر إلا لزيادة معنى أو إسنادٍ يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك، فقلت: حدثنا قتيبة بن سعيد قال نا ليث ح وحدثنا محمد بن رمح قال أنا الليث عن ابن شهاب عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارة، وإن كان رسول الله ﷺ ليدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا". وقال ابن رمح: "إذا كانوا معتكفين".

стр. 1666

فقد بيَّنَ الليث في حديثه عندك وعند البخاري أنه له عنهما، وقد كان يمكننا أن نقول إنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة بهذا السياق الأتم، وعن عروة فقط مختصرا، لولا ما أورده البخاري عن ابن شهاب عن عروة وعمرة مختصرا أيضا. [٤/ ٣٢٠ فتح] وقد كفى الإمام أبو عبد الله البخاري مؤونةَ البحث، وبيَّنَ أنه عند عروة مسموع من عائشة، فذكر رواية هشام عن أبيه بإسقاط عمرة من طريق مالك وابن جريح عن هشام عن أبيه عن عائشة، ووقع في رواية ابن جريج من قول عروة: أخبرتني عائشة، وذكر الحديث في كتاب الحيض من صحيحه في باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله ... فهذا نص جلي على سماع عروة من عائشة، وذلك بخلاف ما اعتقده مسلم ﵀ من انقطاع رواية من أسقط عمرة من الإسناد فيما بين عروة وعائشة. ولم يقل فيه أحد: عن عروة، عن عمرة إلا مالك ﵀، وأنس بن عياض عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فتابع مالكا، والجمهور على خلافهما؛ بيَّن ذلك الإمام أبو الحسن الدارقطني في جزء له جمعه في الأحاديث التي خولف فيها مالك ﵁ فقال: روى مالك في الموطأ عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة: كان النبي ﷺ وإذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله. خالفه عقيل بن خالد، ويونس بن يزيد، والليث بن سعد، فرووه عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، وقيل ذلك عن الأوزاعي، وتابعهم ابن جريج، والزبيدي، والأوزاعي، ومعمر، وزياد بن سعد، وابن أخي الزهري، وعبد الرحمن ابن نمير، ومحمد بن أبي حفصة، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن بديل، وغيرهم، فرووه عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، لم يذكروا فيه عمرة، ويشبه أن يكون القول قولهم؛ لكثرة عددهم واتفاقهم على خلاف مالك.

стр. 1667

وقد رواه أنس بن عياض أبو ضمرة عن عبيد الله بن عمر، عن الزهري، فوافق مالكا، ولا نعلم أحدا تابع أبا ضمرة على هذه الرواية عن عبيد الله، والله أعلم. انتهى كلام الدارقطني ﵀. قلت -والله المرشد-: والصحيح عندي في هذا الحديث أنه عند ابن شهاب عن عروة وعمرة معا، ولاشك أنه عند عروة مسموع من عائشة كما بينه البخاري من طريق ابن جريح حيث قال: أخبرتني عائشة ... ". اهـ. ٣ - الزهري وصالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة، عن عائشة: "كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم". ققال يحيى بن أبي كثير: أخبرني أبو سلمة أن عمر بن عبد العزيز أخبره أنا عروة أخبره أنا عائشة أخبرته. [أخرج مسلم حديث يحيى دون الحديث الأول، كتاب الصيام، (باب: بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته) (٢/ ٧٧٨) (رقم ١١٠٦/ ٦٩)]. أقول: الظاهر أن الحديث عند أبي سلمة من الوجهين، وإنما رواه بنزول؛ توقيرا لـ "عمر بن عبد العزيز"، وإظهارًا لفضله، وهذا أولى بلا ريب من اتهام أبي سلمة بالتدليس. قال الفقير إلى الله تعالى: قال ابن رشيد: "فزاد يحيى -كما تراه في الإسناد- رجلين نصًّا على الإخبار، فاعتمدتَ -يعني مسلمًا- في كتابك على حديث يحيى بن أبي كثير؛ لأنه زاد في الإسناد، والحُكم عندك لمن زاد، ولسنا نُسلم ذلك؛ فإن أبا سلمة معلومُ السماع من عائشة، والزهري ويحيى إمامان، وصالح بن أبي حسان صالح للمتابعة والاعتبار، وهو معلومُ السماع من أبي سلمة وسعيد بن المسيب، ذكر سماعه منهما البخاري [التاريخ الكبير (٤/ ٢٧٥)] فيما حكاه القاضي أبو الفضل وغيره، فتقوى به جانب

стр. 1668

الزهري ... ومع ذلك فيحتمل أن يكون الحديث عند أبي سلمة عن عائشة، ويكون عنده أيضًا عن عمر بن عبد العزيز، عن عروة عن عائشة، فاحتاج إلى نقله من طريق عمر بن عبد العزيز لأرب له في ذلك، فأعد نظرًا في هذا الحديث، فإنه لا يصفو من كدر العلة". اهـ. أقول: قد عبر المعلمي عن هذا الأَرَب -ولم ير كلامَ ابنِ رشيد- بتوقير عمر بن عبد العزيز، وإظهار فضله. وفي الحديث اختلاف كثير، ذكره الدارقطني في "العلل" (٥/ ١٥١ / أ، ب) فليراجعه من شاء، وفي "علل ابن أبي حاتم" (٧٣٩) جانبٌ منه، وقد تعرضت له في كتابي: "السعي الحثيث في كشف ما أغلق من علل الحديث" وهو شرح لكتاب العلل لابن أبي حاتم. ٤ - وروي ابن عيينة وغيره، عن عمرو بن دينار، عن جابر، قال: "أطعمنا رسول الله ﷺ لحوم الخيل" رواه حماد بن زيد (١) عن عمرو، عن محمد بن علي، عن جابر. أقول: عمرو ذكره ابن حجر في "طبقات المدلسين" وقال: "أشار الحاكم في "علوم الحديث" إلى أنه كان يدلس". أقول: عبارة الحاكم في "المعرفة" (ص ١١١) في الكلام على المدلسين: "هذا باب يطول، فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ... وأن الأعمش لم يسمع من أنس، وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن عامة حديث عمرو

стр. 1669

ابن دينار عن الصحابة غير مسموعة"، وقد حمل الترمذي (١) رواية حماد على الوهم، وقال: "سمعت محمدًا -يعني البخاري- يقول: ابن عيينة أحفظ من حماد" (٢). ولكن ذكر الحافظ في "الفتح " (٩/ ٥١٣) أن حمادًا توبع، ثم قال: "والحق أنه إن وجدت رواية فيها تصريح عمرو بالسماع من جابر، فتكون رواية حماد من المزيد في متصل الأسانيد، وإلا فرواية حماد بن زيد هي المتصلة". أقول: إن لم يثبت عن عمرو ما يدل على التدليس غير هذا، فينبغي حمل كلام الحاكم على الصحابة الذين لم يلقهم عمرو، وقد بين الأئمة كثيرًا منهم في ترجمة عمرو من "التهذيب"، وهذا عند الحاكم تدليس، كما صرح به، والحق أنه لا يلزم من ثبوت هذا عن الراوي أن يحكم عليه بالتدليس في شيوخه الذين قد سمع منهم، ثم يحمل ما وقع في هذا الحديث على نحو ما تقدم في الذي قبله، وهو أن عمرًا أراد تكريم محمد بن علي؛ لقرابته من النبي ﷺ ، وفضله، فروى عنه ما قد سمعه هو من شيخه، والله أعلم. ثم رأيت في "مسند" أحمد (٣/ ٢٦٨) "ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو ابن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: "كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ ، يعني العزل، قال: قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا" والحديث في "الصحيحين" (٣) من طريق عمرو، عن عطاء، عن جابر مصرحًا فيه بالسماع، فقد يقال إن عمرًا إنما يفعل مثل هذا فيما سمعه نادرًا، حيث قد حدَّثَ بالحديث على وجهه، ويكون سمعه من ثقة متفق عليه.

стр. 1670

قال الفقير إلى الله تعالى: قال ابن رشيد: "هذا أيضًا من ذلك القبيل؛ حكمتَ -يعني مسلمًا- فيه لرواية حماد على رواية سفيان، فأوردت رواية حماد في كتابك، وليس حماد بن زيد ممن يُضاهى بسفيان بن عيينة، لاسيما في عمرو بن دينار؛ فهو المَلِيُّ به، الثبت فيه، المقدَّم على غيره. قال ابن الجنيد: قلت ليحيى: من أثبت في عمرو بن دينار، سفيان أو محمد بن مسلم؟ فقال: سفيان أثبت في عمرو بن دينار من محمد بن مسلم ومن داود العطار ومن حماد بن زيد، سفيان أكثر حديثا منهم عن عمرو وأسند، قيل: فابن جريج؟ قال هما سواء. قال عثمان بن سعيد: قال يحيى بن معين: ابن عيينة أحب إلي في عمرو بن دينار من سفيان الثوري. وهو أعلم به، ومن حماد بن زيد. قلت: فشعبة؟ قال: وأي شيء عند شعبة عن عمرو بن دينار؟ إنما يروي عنه نحوا من مائة حديث .. فكيف يُقدَّمُ أحدٌ على من هذه حاله في عمرو، مع أن عمرًا معلوم بالرواية عن جابر، وقد تابع سفيانَ على قوله: الحسنُ بن واقد، ذكر ذلك النسوي، وما أرى محمد بن علي في هذا الموضع إلا من المزيد في متصل الأسانيد". والله أعلم. اهـ. ٥، ٦ - "عبد الله بن يزيد الأنصاري، وقد رأي النبي ﷺ ، روي عن حذيفة حديثًا، وعن أبي مسعود حديثًا، ولم يصرح بالسماع، ولا علمنا لقيه لهما". أقول: أما حديث حذيفة فذكر النووي أنه قوله: "أخبرني النبي ﷺ بما هو كائن" الحديث، خرجه مسلم (١).

стр. 1671

أقول: أخرج أولًا معناه (١) مطولًا من طريق أبي إدريس عن حذيفة، ومن طريق أبي وائل (٢) عن حذيفة، ثم ذكره؛ فهو متابعة. والحديث مشهور عن حذيفة، فإن صح قول مسلم في عدم العلم بلقاء عبد الله بن يزيد لـ "حذيفة"، فالجواب أنه لما لم يكن له عنه إلا حديث واحد، والحديث مشهور من غير طريقه عن حذيفة، لم يَحْتَجْ أهل العلم إلى الكلام فيه، بل رووا الحديث على أنه متابعة، فهو مقبول في مثل ذلك، وإن كان محكومًا عليه بالانقطاع (٣). وأما حديثه عن أبي مسعود ففي شرح النووي أنه حديث "نفقة الرجل على أهله". أقول: والحديث في "الصحيحين" (٤) من طرق، وفي رواية للبخاري (٥): " ... عن عبد الله بن يزيد أنه سمع أبا مسعود ... " فقد ثبت اللقاء والسماع لهذا الحديث نفسه (٦). راجع "الفتح" (٩/ ٤٠١). قال الفقير إلى الله تعالي: أجاب ابن رُشيد عن الاستدلال بهذين الحديثين بجوابين: الأول عام: وهو أن عبد الله بن يزيد الأنصاري له صحبة، وقد رأى النبى ﷺ كما قال مسلم، وذكره في الكوفيين من الصحابة في كتاب "الطبقات". ... والصحابة رضوان عليهم عدول بأجمعهم، بإجماع أهل السنة على ذلك، فلو قدَّرْنا إرسالَ بعض الصحابة عن بعض لم يضرنا ذلك شيئًا، ولم يكن قادحًا،

стр. 1672

ولا يدخل هنا قولك: "إن المرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة"؛ لما قلناه من الاتفاق على عدالة الجميع، ولذلك قبل الجمهور مراسل الصحابة عن النبي ﷺ ... فإن اعترضت أيضا أيها الإمام بإمكان احتمال الإرسال عن تابعي؛ إذ يحتمل أن يكون الصحابي رواه عن تابعي، عن صحابي، عن رسول الله ﷺ ولكن أرسله، قلنا: نادرٌ بعيدٌ، فلا عبرة به، وغاية ما قدر عليه الحفاظ المعتنون أن يبرزوا من ذلك أمثلة نَزْرة تجري مجرى المُلَح في المذاكرات والنوادر في النوادي". الثاني خاص: وهو شقان: أولهما: ثبوت سماع عبد الله بن يزيد من أبي مسعود، كما رواه البخاري في الصحيح، وهذا مما غاب عن مسلم ﵀. ثانيهما: حديث عبد الله عن حذيفة، قال: لم يخرجه البخاري؛ إما لعلةٍ اطلع عليها بسعة علمه لم يطلع عليها مسلم، أو يكون تركه للاختصار" اهـ. وجواب المعلمي عن هذا الحديث جواب حسن، والله تعالى أعلم. ٧، ٨ - "أبو عثمان النهدي، وأبو رافع الصائغ، وهما ممن أدرك الجاهلية، وصحبا البدريين، ونقلا عنهم الأخبار، حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة، قد أسند كل واحد منهما عن أُبيِّ بن كعب حديثًا، ولا يعلم لقاؤهما له". أقول: حديث أبي عثمان، قال النووي: إنه قوله: "كان رجل لا أعلم أحدًا أبعد من المسجد بيتًا منه" خرجه مسلم (١).

стр. 1673

والجواب عنه أن في "مسند" أحمد (٥/ ٣٣): "حدثنا سفيان، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن أُبَي"، فذكر الحديث، ثم قال أحمد: "ثنا علي بن إسحاق ثنا عبد الله بن المبارك أنا عاصم الأحول، عن أبي عثمان، حدثني أُبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ : "أما إنَّ لك ما احتسبت". وهي قطعة من هذا الحديث، فثبت اللقاء والسماع. اهـ. قال النووي: وأما حديث أبي رافع عنه فهو: "أن النبي ﷺ كان يعتكف في العشر الأُخر، فسافر عامًا، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين يومًا". رواه أبو داود. أقول: لم يخرجه مسلم: في "الصحيح"، وذلك يدل على توقفٍ له فيه؛ لأنه ليس هناك طريقٌ أخرى صحيحةٌ يوردها، ويجعل هذه متابعةً لها، والحديثُ في حُكْمٍ وسُنَّة، وقد أنصف بذلك. قال الفقير إلى الله تعالي: قد استدل ابنُ رشيد على ثبوت سماع أبي عثمان النهدي من أُبي بن كعب يقول ابن المديني في كتاب "التاريخ" له: "أبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن ملّ، وكان جاهليًّا، ثقة، لقي عمر وابن مسعود وأبا بكرة وسعدًا وأسامة، وروى عن علي وأبي موسى وعن أبي بن كعب، وقال في بعض حديثه: حدثني أُبي بن كعب، وقد أدرك النبي ﷺ ". اهـ. قال ابن رشيد: "قد نصَّ علي أنه يقول في بعض حديثه: حدثني أُبي بن كعب، فمنه ما اطّلعنا عليه، ومنه ما لم نطّلع عليه ... ". ولعل ما قصده عليُّ بن المديني هو الحديث الذي استدل به المعلمي من "مسند" أحمد، فإن عني غيره فالأمر أثبت. والله تعالى الموفق.

стр. 1674

٩، ١٠، ١١، ١٢ - أسند أبو عمرو الشيباني، وأبو معمر عبد الله بن سخبرة، كل واحد منهما عن أبي مسعود خبرين. قال النووي: "حديثا الشيباني أحدهما حديث: "جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: إنه أُبْدَع بِي"، والآخر: "جاء رجل إلى النبي ﷺ بناقة مخطومة، فقال: لك بها" أخرجهما مسلم (١)، وأسند أبو عمرو أيضًا عن أبي مسعود حديثا ... "المستشار مؤتمن" رواه ابن ماجه" (٢). أقول: ومتن الأول: "من دل على خير، فله مثل أجر فاعله". وأما الثاني، فمتنه: "لتأتين" (٣) أي الناقة، وكلها في فضائل الأعمال، وشواهد الأول من السنن الثابتة معروفة، كقوله ﷺ : "من سن سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها"، وقوله: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه". ودليل الثاني قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٦١]. وللثالث شواهد من حديث جابر وابن عباس وأبي هريرة، ومعناه ثابت في العقول (٤) أن الإنسان لا يستشير على الحقيقة إلا من يأتمنه، فمن استشارك فقد ائتمنك. قال النووي: "وأما حديثا أي معمر، فأحدهما: كان النبي ﷺ "يمسح مناكبنا في الصلاة" أخرجه مسلم (٥)، والآخر: "لا تجزىء صلاة لا يقيم الرجل صلبه فيها في

стр. 1675

الركوع" أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وقال الترمذي: (هو حديث حسن صحيح) ". أقول: أما الحديث الأول فأخرج معه مسلم عدة أحاديث صحيحة تؤدي معناه، فهو في حكم المتابعة، وأقرب تلك الشواهد من لفظه حديث النعمان بن بشير، فهو إذًا في معنى المتابعة. وأما الحديث الثاني فلم يخرجه مسلم، ولعل ذلك لأنه في حكم مختلف فيه، ولم يجد له شاهدًا صريحًا صحيحًا. ومن شواهده: حديث المسيء صلاته وفيه قوله ﷺ : "ارجع فصل فإنك لم تصل" وهو في "الصحيحن"؛ لكن لم يقع في روايتهما أن الرجل إنما قصر بأنه لم يقم صلبه في الركوع والسجود، كان وقع معنى ذلك في رواية لغيرهما كما في "الفتح" (١). ومن شواهده قول زيد بن وهب: "رأى حذيفة رجلًا لا يتم الركوع والسجود، فقال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله محمدًا ﷺ عليها" أخرجه البخاري (٢)؛ ولكن في الحكم له بالرفع خلاف، والله أعلم. ١٣ - قال مسلم: "وأسند عبيد بن عمير (٣) عن أم سلمة زوج النبي ﷺ حديثًا، وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي ﷺ ". قال النووي: "هو قولها لما مات أبو سلمة: قلت غريب وفي أرض غريبة (٤)، لأبكينه بكاء يتحدث عنه. أخرجه مسلم (٥).

стр. 1676

أقول: حاصله أنه بعد موت أبي سلمة جاءت امرأة لتسعدها في البكاء، فقال النبي ﷺ للمرأة: "أتريدين أن تدخلي الشيطان بيتًا قد أخرجه الله منه" فهو في النهي عن النياحة، وهو ثابت بأحاديث كثيرة، وفيه فضيلة لأبي سلمة وذلك -أيضًا- ثابت. ١٤، ١٥، ١٦ - قال مسلم: "وأسند قيس بن أبي حازم (١) -وقد أدرك زمن النبي ﷺ عن أبي مسعود الأنصاري عن النبي ﷺ ثلاثة أخبار". قال النووي: "هي حديث: "إن الإيمان هاهنا، وإن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين" (٢)، وحديث: "إن الشمس والقمر لا يكسفان لموت أحد" (٣)، وحديث: "لا أكاد أدرك الصلاة مما يطول بنا فلان" (٤)، أخرجها كلها البخاري ومسلم. أقول: قال البخاري في "الصحيح"، في كتاب الكسوف: "حدثنا شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل، عن قيس، قال سمعت أبا مسعود يقول ... "، فذكر الحديث الثاني (٥). وقال في أبواب الإمامة: "حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير، قال: حدثنا إسماعيل، قال: سمعت قيسًا قال: أخبرني أبو مسعود"، فذكر الحديث الثالث (٦)، فثبت اللقاء والسماع، ولله الحمد.

стр. 1677

قال الفقير الى الله تعالى: استدل ابن رُشيد أيضا على سماع قيس من أبي مسعود بهذين الحديثين اللذين أخرجهما البخاري وفيهما التصريح بالسماع، وكذا استدل يقول علي بن المديني بسماعه منه في كتابه "التاريخ والعلل"، وهو في المطبوع من "العلل" (ص ٤٩ - ٥٠). ١٧ - قال مسلم: "وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى -وقد حفظ عنه عمر، وصحب عليا- عن أنس، عن النبي ﷺ حديثًا". قال النووي: "وهو قوله: "أمر أبو طلحة أم سليم، اصنعي طعامًا للنبي ﷺ "، أخرجه مسلم" (١). أقول: هو عنده في كتاب الأشربة والأطعمة: "باب جواز استتباعه (٢) غيره"، ساق مسلم الحديث من طريق (٣) إسحاق بن عبد الله بن (٤) أبي طلحة أنه سمع أنسًا"، ثم من طريق (٥) سعد (٦) بن سعيد حدثني أنس، ومن طريق أخرى عنه: سمعت أنسا، ثم ذكر رواية ابن أبي ليلى، فهي عنده متابعة ثم ذكره من طريق خمسة آخرين عن أنس. ١٨، ١٩، ٢٠ - قال مسلم: "وأسند ربعي بن حراش (٧) عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ حديثين، وعن أبي بكرة عن النبي ﷺ حديثا، وقد سمع ربعي من علي، وروى عنه".

стр. 1678

قال النووي: "أما حديثاه عن عمران فأحدهما في إسلام حصين والد عمران، رواه عبد بن حميد في "مسنده" (١)، والنسائي في كتاب "عمل اليوم والليلة" (٢) بإسناديهما الصحيحين (٣)، والحديث الآخر: "لأعطن الراية رجلًا يحب الله ورسوله"، رواه النسائي في "سننه" (٤). أقول: لم يخرجهما مسلم، ولا فيهما حُكم، وقد تُوبع ربعي على كُلٍّ منهما. قال النووي: "وأما حديثه عن أبي بكرة فهو: "إذا المسلمان حمل أحدهما على أخيه السلاح، فهما على حرف جهنم" أخرجه مسلم (٥)، وأشار إليه البخاري (٦). أقول: ذكراه في المتابعات. ٢١ - قال مسلم: "وأسند نافع بن جبير بن مطعم عن أبي شريح الخزاعي عن النبي ﷺ حديثًا". قال النووي: "أما حديثه فهو حديث: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره"، أخرجه مسلم في كتاب الإيمان هكذا (٧)، وقد أخرجه البخاري ومسلم -أيضًا- من رواية سعيد بن أبي سعيد المقبري (٨) ".

стр. 1679

أقول: أخرج مسلم حديث أبي هريرة (١) بمثل أبي شريح، ثم أخرج حديث نافع عن أبي شريح، فهو شاهد، مع ثبوته عن أبي شريح من طريق سعيد المقبري سماعًا من أبي شريح (٢). ٢٢، ٢٣، ٢٤ - قال مسلم: "أسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ ثلاثة أحاديث". قال النووي: "الأول: "من صام يومًا في سبيل الله" (٣)، والثاني: "إن في الجنة شجرة" (٤)، أخرجهما البخاري ومسلم، والثالث: "إن أدنى أهل الجنة"، أخرجه مسلم (٥) ". أقول: قال البخاري في "التاريخ" (٤/ ٧١٢): "النعمان بن أبي عياش الزرقي الأنصاري، سمع أبا سعيد الخدري ... "، وقال في "الصحيح" في كتاب الرقاق في باب صفة الجنة والنار: "وقال إسحاق بن إبراهيم: أنبأنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب عن أبي حازم عن سهل بن سعد ... " قال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش، فقال: أخبرني أبو سعيد ... فذكر الحديث الثاني، بل رواه مسلم نفسه في أوائل كتاب الجنة بهذا السند نفسه، وفيه: وقال أبو حازم: فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي، فقال حدثني أبو سعيد الخدري.

стр. 1680

٢٥ - قال مسلم: "وأسند عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري عن النبي ﷺ حديثًا". قال النووي: "هو حديث: الدين النصيحة". أقول: أخرجه مسلم (١) في كتاب الإيمان (باب: بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون)، وذكر معه أحاديث تؤدي معناه، منها: حديث أبي هريرة: "لا تؤمنوا حتى تحابوا"؛ وحديث جرير: "بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"، وقد روي: "الدين النصيحة" من حديث ثويان وغيره، ومعناه ثابت بنصوص كثيرة، كقوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] وقوله ﷺ : "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يُسْلِمُهُ" وقوله ﷺ : "من غشنا فليس منا" إلى غير ذلك. قال الفقير إلي الله تعالي: قد صرح ابن المديني في كتابه "العلل" (ص ٦٨) بلقائه لجماعة من الصحابة منهم تميم الداري. ٢٦ - قال مسلم: "وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج عن النبي ﷺ حديثًا". قال النووي: "هو حديث المحاقلة أخرجه مسلم (٢) ". أقول: في باب كراء الأرض بالطعام، وأخرج له عدة متابعات، وشواهد. ٢٧ - قال مسلم: "وأسند حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أحاديث".

стр. 1681

قال النووي: "من هذه الأحاديث: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" أخرجه مسلم (١) "، ثم ذكر (٢) عن الحميدي: أنه ليس للحميري عن أبي هريرة في الصحيح غيره، قال النووي: "وربما اشتبه بـ "حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري"، وقد رويا له في "الصحيحين" أحاديث كثيرة، وليس للحميري عن أبي هريرة -أيضًا- في "سنن" أبي داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) غير هذا الحديث". قال مسلم في (باب: فضل صوم المحرم)، والترمذي في (باب: ما جاء في صوم المحرم)، والنسائي في (باب: فضل صلاة الليل)، قال النسائي: "أخبرنا قتيبة"، زاد مسلم والنسائي: "ابن سعيد ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري"، كذا قال مسلم والترمذي، أما النسائي فقال: "هو ابن عوف عن أبي هريرة"، وقال أبو داود: (باب: في صوم المحرم)، "حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، قال أبو عوانة، عن أبي بشر، بن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة". وقال أحمد في "المسند" (٣/ ٣٤٤): "ثنا عفان، ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأخرجه النسائي عن سعيد بن نصر عن عبد الله عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول: قال رسول الله ﷺ ، قال النسائي: "أرسله شعبة". ورواه أحمد (٣/ ٣٣٥): عن أبي الوليد الطيالسي عن أبي عوانة عن عبد الملك عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة. ورواه البيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩١) من طريق مسدد، ثنا أبو عوانة عن عبد الملك ابن عمير عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة.

стр. 1682

وقد رواه مسلم أيضًا من طريق جرير عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومن طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير، قال مسلم بهذا الإسناد في ذكر الصيام عن النبي ﷺ بمثله. وقد أخرجه ابن ماجه من طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم". قال البيهقي (١): "وخالفهم في إسناده عبيد الله بن عمرو (٢) الرقي"، ثم ساقه من طريق الربيع بن نافع عن عبيد الله عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن سفيان البجلي، قال: كان النبي ﷺ يقول، فذكره (٣). أقول: ورجاله ثقات، ويمكن أن يكون شعبة -والله أعلم- إنما أرسله لهذا الاختلاف. وقال البخاري في "التاريخ" (١/ ٢ / ٣٤٣): "حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري عن أبي هريرة وابن عباس". أقول: وفي الحديث نظر من وجوه: الأول: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم لـ "حميد الحميري" لقاء لأبي هريرة. الثاني: ما سمعتَ من الاختلاف. والثالث: أنه لا يُتابع عن أبي هريرة، ولا عن جندب، مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفاظ المكثرين.

стр. 1683

الرابع: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهد -فيما أعلم- إلا ما رواه الترمذي (١) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، وقال الترمذي: "حسن غريب" وعبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن شيبة الواسطي، قال أحمد: ويحيى: "ليس بشيء"، وقال أحمد، وغيره: "منكر الحديث" وقال مرة: "ليس بذلك، وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير"، وضعفه غيرهم أيضًا، والنعمان بن سعد تفرد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم (٢)، وكذا قال البخاري (٤/ ٣ / ٧٧)، كما ثبت في بعض نسخ "التاريخ" (٣). قال ابن حجر في "التهذيب" (٤): "والراوي عنه ضعيف، فلا يحتج بخبره". أقول: ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)، والثقة عنده من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا؛ لأن الراوي عنه غير ثقة، وروى عنه المناكير، كما مر. الخامس: أن الثابت عن النبي ﷺ ، أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملا؛ إلا أنه كان يكثر الصيام في شعبان، والله أعلم. المجموع ٢٣ حديثًا (٦). ٨: الذي يثبت السماع فيه.

стр. 1684

٤: الذي لم يخرجه مسلم. ١١: الذي أخرجه في المتابعات والشواهد ونحوها. ١: الذي أخرجه محتجًا به فيما يظهر. اهـ. قال الفقير إلى الله تعالى: قد أجاب الشيخ المعلمي عن الشواهد التي ساقها مسلم للتدليل على ما قرره في عدم اشتراط العلم باللقاء أو السماع في صحة الإسناد المعنعن، وقد استوفى النظر فيها، ولم يكن الجواب فيها جميعًا واحدًا، بل كُلٌّ بحسبه. ووافق المعلمي ابنَ رشيد في بعض ما أجاب به، مع عدم اطلاع المعلمي على كلام ابن رشيد، ولم يُتم ابنُ رشيد النظر في كل الشواهد. والمتحصَّل أن تلك الأجوبة غالبُها ظاهرٌ في الرد على احتجاج مسلم بها، وقد اعترف بذلك بعض المؤيدين لمسلم، بل والزاعمين إجماع المحدثين على مذهبه، وهو حاتم العوني، واعتذر لمسلم فيما اعتذر به أن مسلمًا استهان بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن ينقر له الأدلة ويصفي له الرويَّة، قال: ولو كان مسلم يرد على البخاري أو على بن المديني أو على غيرهما من أئمة السنة لرأيت غير ذلك ولاختلف الأمر تمامًا، قال: لقد كان مسلم مترددًا في الرد -كما ذكر- استخفافًا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول، ثم تصبَّر على الرد وهو مستثقله، ولذلك لم يحزم له كُلَّ حُموله ولا أعدَّ له كُلَّ عُدَّتِه. كذا قال العوني، ومثل هذا الاعتذار لا يليق بمثل مسلم ﵀، أن تدفعه الاستهانةُ بخصمه أن يسوق أدلةً لا تنهض ولا تصلح فيما ساقها من أجله فيعطي لخصمه ما يُسَوِّغُ له ردَّ كلامِه.

стр. 1685

وقد يُتَصور هذا إذا كان كلامُ مسلم جوابًا على سؤالٍ عارضٍ، أما إذا كان في صَدر تصنيفٍ كهذا، مع شدة التشنيع على المخالف، فكيف لا يحزم له حُمولَه، ويعدُّ له عُدَّتَه، وفي الفصل الآتي جواب مجمل عما أورده العوني في هذا الكتاب، والله تعالى الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل. * * *
следующие страницы →