قال النووي: "من هذه الأحاديث: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل" أخرجه مسلم (١) "، ثم ذكر (٢) عن الحميدي: أنه ليس للحميري عن أبي هريرة في الصحيح غيره، قال النووي: "وربما اشتبه بـ "حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري"، وقد رويا له في "الصحيحين" أحاديث كثيرة، وليس للحميري عن أبي هريرة -أيضًا- في "سنن" أبي داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) غير هذا الحديث".
قال مسلم في (باب: فضل صوم المحرم)، والترمذي في (باب: ما جاء في صوم المحرم)، والنسائي في (باب: فضل صلاة الليل)، قال النسائي: "أخبرنا قتيبة"، زاد مسلم والنسائي: "ابن سعيد ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري"، كذا قال مسلم والترمذي، أما النسائي فقال: "هو ابن عوف عن أبي هريرة"، وقال أبو داود: (باب: في صوم المحرم)، "حدثنا مسدد وقتيبة بن سعيد، قال أبو عوانة، عن أبي بشر، بن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة".
وقال أحمد في "المسند" (٣/ ٣٤٤): "ثنا عفان، ثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن حميد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة، وأخرجه النسائي عن سعيد بن نصر عن عبد الله عن شعبة عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية، أنه سمع حميد بن عبد الرحمن يقول: قال رسول الله ﷺ ، قال النسائي: "أرسله شعبة".
ورواه أحمد (٣/ ٣٣٥): عن أبي الوليد الطيالسي عن أبي عوانة عن عبد الملك عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
ورواه البيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩١) من طريق مسدد، ثنا أبو عوانة عن عبد الملك ابن عمير عن محمد بن المنتشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة.
стр. 1682
وقد رواه مسلم أيضًا من طريق جرير عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ومن طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير، قال مسلم بهذا الإسناد في ذكر الصيام عن النبي ﷺ بمثله.
وقد أخرجه ابن ماجه من طريق زائدة عن عبد الملك بن عمير عن محمد بن المنتشر عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: أي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ قال: "شهر الله الذي تدعونه المحرم".
قال البيهقي (١): "وخالفهم في إسناده عبيد الله بن عمرو (٢) الرقي"، ثم ساقه من طريق الربيع بن نافع عن عبيد الله عن عبد الملك بن عمير عن جندب بن سفيان البجلي، قال: كان النبي ﷺ يقول، فذكره (٣).
أقول: ورجاله ثقات، ويمكن أن يكون شعبة -والله أعلم- إنما أرسله لهذا الاختلاف.
وقال البخاري في "التاريخ" (١/ ٢ / ٣٤٣): "حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري عن أبي هريرة وابن عباس".
أقول: وفي الحديث نظر من وجوه:
الأول: ما ذكره مسلم من أنه لا يعلم لـ "حميد الحميري" لقاء لأبي هريرة.
الثاني: ما سمعتَ من الاختلاف.
والثالث: أنه لا يُتابع عن أبي هريرة، ولا عن جندب، مع ما لأبي هريرة من الأصحاب الحفاظ المكثرين.
стр. 1683
الرابع: أنه بالنسبة إلى الصوم ليس له شاهد -فيما أعلم- إلا ما رواه الترمذي (١) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن علي، وقال الترمذي: "حسن غريب" وعبد الرحمن بن إسحاق هو: ابن شيبة الواسطي، قال أحمد: ويحيى: "ليس بشيء"، وقال أحمد، وغيره: "منكر الحديث" وقال مرة: "ليس بذلك، وهو الذي يحدث عن النعمان بن سعد أحاديث مناكير"، وضعفه غيرهم أيضًا، والنعمان بن سعد تفرد عنه عبد الرحمن بن إسحاق فيما قال أبو حاتم (٢)، وكذا قال البخاري (٤/ ٣ / ٧٧)، كما ثبت في بعض نسخ "التاريخ" (٣). قال ابن حجر في "التهذيب" (٤): "والراوي عنه ضعيف، فلا يحتج بخبره".
أقول: ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥)، والثقة عنده من روى عن ثقة، وروى عنه ثقة، ولم يرو منكرًا، وهذا الشرط مع تساهله مفقود هنا؛ لأن الراوي عنه غير ثقة، وروى عنه المناكير، كما مر.
الخامس: أن الثابت عن النبي ﷺ ، أنه لم يكن يصوم شهرًا كاملا؛ إلا أنه كان يكثر الصيام في شعبان، والله أعلم.
المجموع ٢٣ حديثًا (٦).
٨: الذي يثبت السماع فيه.
стр. 1684
٤: الذي لم يخرجه مسلم.
١١: الذي أخرجه في المتابعات والشواهد ونحوها.
١: الذي أخرجه محتجًا به فيما يظهر. اهـ.
قال الفقير إلى الله تعالى:
قد أجاب الشيخ المعلمي عن الشواهد التي ساقها مسلم للتدليل على ما قرره في عدم اشتراط العلم باللقاء أو السماع في صحة الإسناد المعنعن، وقد استوفى النظر فيها، ولم يكن الجواب فيها جميعًا واحدًا، بل كُلٌّ بحسبه.
ووافق المعلمي ابنَ رشيد في بعض ما أجاب به، مع عدم اطلاع المعلمي على كلام ابن رشيد، ولم يُتم ابنُ رشيد النظر في كل الشواهد.
والمتحصَّل أن تلك الأجوبة غالبُها ظاهرٌ في الرد على احتجاج مسلم بها، وقد اعترف بذلك بعض المؤيدين لمسلم، بل والزاعمين إجماع المحدثين على مذهبه، وهو حاتم العوني، واعتذر لمسلم فيما اعتذر به أن مسلمًا استهان بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن ينقر له الأدلة ويصفي له الرويَّة، قال: ولو كان مسلم يرد على البخاري أو على بن المديني أو على غيرهما من أئمة السنة لرأيت غير ذلك ولاختلف الأمر تمامًا، قال: لقد كان مسلم مترددًا في الرد -كما ذكر- استخفافًا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول، ثم تصبَّر على الرد وهو مستثقله، ولذلك لم يحزم له كُلَّ حُموله ولا أعدَّ له كُلَّ عُدَّتِه.
كذا قال العوني، ومثل هذا الاعتذار لا يليق بمثل مسلم ﵀، أن تدفعه الاستهانةُ بخصمه أن يسوق أدلةً لا تنهض ولا تصلح فيما ساقها من أجله فيعطي لخصمه ما يُسَوِّغُ له ردَّ كلامِه.
стр. 1685
وقد يُتَصور هذا إذا كان كلامُ مسلم جوابًا على سؤالٍ عارضٍ، أما إذا كان في صَدر تصنيفٍ كهذا، مع شدة التشنيع على المخالف، فكيف لا يحزم له حُمولَه، ويعدُّ له عُدَّتَه، وفي الفصل الآتي جواب مجمل عما أورده العوني في هذا الكتاب، والله تعالى الموفق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
* * *
стр. 1686
فصل: جوابٌ مُجْمَلٌ على كتاب: (إجماع المحدثين)
للدكتور/ حاتم العوني
قال الفقير إلى الله تعالى.
هذه مجامع بعض الفوائد والفرائد التى يُستعان بها في تحرير هذه القضية، كنت قد قيَّدتُها في الجواب عن الكتاب المذكور، وقد خَلَّط فيه صاحبُه، ونحا فيها منحًى لم يُسبق إليه؛ إذ ذهب إلى أن إجماعَ المحدثين -ومنهم ابن المديني والبخاري- موافقٌ لما ذهب إليه مسلم من عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين.
وقد رأيتُ أن أورد مجامعَ هذه النِّكات هاهنا؛ تتميما للفائدة، دون استقصاءٍ للقضية المذكورة، فلها موضع آخر.
وطريقتي أن أذكر أرقام الصفحات التي أُعلق عليها من الكتاب المذكور أولًا، ثم أذكر ما يُمكِنُ لغير الناظر فيه أن يستفيد من هذا التعليق، ولو كان ناظرا فيه لكان أَوْلَى، والله تعالى الموفق.
ص (١٦ - ١٧):
أقول:
ثبوتُ الاتصال شرطٌ من شروط قبول الحديث، فإذا لم يثبت الاتصال وفق شرطه عند قائله، لزم عدمُ قبول الحديث حتى يثبت، وعليه فلا يلزم من أجل رَدِّ الحديث الجزمُ بالانقطاع؛ لأن ذلك يحتاج إلى دليل آخر.
стр. 1687
إذًا، فسواء توقف الناقد فى ثبوت الاتصال، أو جزم بالانقطاع، فالنتيجة واحدة من حيث عدم القبول، وإن كان الأولُ أخفَّ باعتبار أنه يحتمل أن يقف الناقد فيما بعدُ على شرطه فى الاتصال. لكن إذا وجدنا الناقد ينفي علمه بثبوت ما يدل على الاتصال فى كتابٍ مصنف له، فهل نقول مع ذلك: إنه متوقف فقط، غير جازم بالانقطاع، لعله يقف على ما نفاه بعد ذلك؟ فيه بُعدٌ واضحٌ.
هذه هى ثمرة التفريق بين التوقف فى ثبوت الاتصال، والجزم بالانقطاع، وهو افتراض جدلي، لا يُعوِّل عليه أحدٌ فيما أعلم؛ لأن الأصل أن نفي الإمام ما ذكرنا لا يكون إلا مع استقصاء البحث والنظر.
إذًا، فكلام ابن القطان إذا كان تقسيما من حيث التسمية فقط، فلا بأس، أما مِن حيث الحُكم فحسبما قدمنا.
ولذا فقد تعقبه الذهبي بكلام عمليّ إذ قال: بل رأيهما دال على الانقطاع. يعني بذلك الانقطاع الحكمي، وهو المعتبر هنا.
وموقف الذهبي -فى ضوء ما حررتُه آنفا- منضبطٌ لا إشكال فيه، وليس فيه غرابةٌ ولا اضطرابٌ كما زعم العوني.
ص (٢٢):
قول العوني: فلم خشي مسلم الإرسال مع تحقق المعاصرة الطويلة؟
أقول:
لم يذكر العوني القرينة التى راعاها مسلم في نفي سماع الحسن من عمران -إذا صحَّ ما نسبه الحاكم إلى مسلم - والبخاري- في جزمهما بهذا النفي.
ومن الدلائل البينة التى تُراعَى في سماع المتعاصرين، والتي لا يسعُ مسلما ولا غيره إهمالها: ورود نفي السماع من إمام معتمد في هذا الباب، كيحيى القطان
стр. 1688
وابن مهدي، وأحمد وابن معين، فقولهم حجة في مثل هذا عند الشيخين، إذا لم يقم عندهما أو أحدهما دليل مناهض لهذا القول.
وقد قال بعدم سماع الحسن من عمران بن حصين: ابن المديني، وأحمد، وبهز بن أسد العمي، ويحيى بن معين، وهو قول أبى حاتم وغيره.
ص (٢٣ - ٢٥):
أقول:
مسلمٌ قد نَصَّ في مقدمة صحيحه أن من شروط اتصال الإسناد المعنعن: عدم وجود دلالة بينة على عدم اللقاء أو السماع.
فإذا وجدت الدلالة، اتفق الجميع على الحكم بانقطاع ذلك الإسناد: مسلمٌ؛ لِنَصِّهِ على ذلك، ومخالفُه من بابٍ أَولى؛ لأن شرطه أبعد من هذا.
وإنما محل الخلاف: إذا لم توجد دلالة بينة أو قرينة على ذلك، فمسلم -بحسب كلامه فى ذاك الموضع- لا يتردد -مع توفر الشرطن الآخرين- في أن الرواية على السماع حتى تكون هناك دلالة على خلافه.
وأما من نَقل مسلمٌ قولَه، فلا يحكم لتلك الرواية بالاتصال حتى يتبين له بالدليل وقوع اللقاء أو السماع ولو مرة.
في ضوء ذلك يمكن توجيه وفهم ما ألزم به ابنُ رجب مسلما، فأقول:
من ثبتت له رؤية النبى ﷺ ، فإن كان حينئذ رضيعا أو صغيرا لا يضبط، فتلك دلالة تاريخية بينة على عدم السماع المعتد به، فمسلم كغيره، يرى تلك الرواية مرسلة، لأن الرؤية حصلت في سِنٍّ لا يحتمل، ولذا فقد ذكرهم مسلم فى طبقة ما قبل كبار التابعين؛ لأن لهم حُكمهم.
стр. 1689
وهؤلاء لا يعنيهم ابنُ رجب فى قوله: "ويَرِدُ على ما ذكره مسلم: أنه يلزمه أن يحكم باتصال كل حديث رواه من ثبت له رؤية من النبى ﷺ ، بل هؤلاء أَوْلى؛ لأن هؤلاء ثبت لهم اللقي، وهو يكتفي بمجرد إمكان السماع"، وإنما يعني من كان وقت الرؤية بالغا، ولم يرد ما يدل على ثبوت السماع أو ما يدل على حضوره مجلس النبي ﷺ ، أو مصاحبته في سفر، أو نحو ذلك مما يمكن معه سماع شيء من حديثه.
وهذا مُتصور فيمن أسلم يوم الفتح، ولم يهاجر إلى النبي ﷺ ، فإنه لا يمتنع أن يسمع من النبي ﷺ شيئا ذلك اليوم، وليست هناك دلالة على عدم السماع، ولم يرو ما يدل على نحو ما سبق، فيكون على قول مسلم حديثه متصل، وعلى قول مخالفه حديثه مرسل، ولو مع ثبوت الرؤية التى هى أبلغ من مجرد إمكان السماع، حتى يثبت السماع ولو مرة.
ومثل هؤلاء من قدم على النبي ﷺ في حجة الوداع، وقد ثبتت رؤيتهم للنبي ﷺ في هذا الجمع الغفير.
والمخالف لمسلم لا يرى ذلك كافيا في ثبوت سماعهم لغير ما سمعه عامة الصحابة في خطبة الوداع.
وكذلك مَن أسلم في حياة النبي ﷺ من أهل الجزيرة، فقد عاصره، وأمكن لقاؤه له، لقرب دار بعضهم، ولم تقم دلالة على عدم سماعه منه. فهذا على قول مسلم هاهنا حديثه متصل، ومخالفه لا يرى ذلك كافيا، بل لابد من قيام دليل على لقائه للنبي ﷺ ، أو سماعه منه ولو مرة.
فإذا قامت دلالة بينة على عدم اللقاء أو السماع، كقدومه على النبي ﷺ مسلما إلا أنه لم يدركه؛ لِوَفاته ﷺ ، فالجميع متفقون على أن حديثه مرسل.
وهذا الصنف الأخير من "المخضرمين" وقد ذكرهم مسلم فى طبقاته سردا، ولم يذكر لكل واحدٍ دلالةً على عدم سماعه من النبي ﷺ ، إلا أن يكون اعتمد قولَ مَن
стр. 1690
سبقه من الأئمة في وصف هؤلاء بذلك، أو استدل مع ذلك بكون جُل رواية هؤلاء عن الصحابة، وليس فيها رواية عن النبي ﷺ ، ولعله لذلك قد نصَّ ابن رجب في إلزامه بأن يكون مُعاصر النبي ﷺ مع إمكان لقائه: روى عنه شيئا، فحينئذ يكون الإلزام قائما، والله تعالى أعلم.
ص (٢٧):
تعليقا على الملاحظة الواردة هناك.
أقول:
إنما قال مسلم " ... وجائز ممكن له لقاؤه والسماع منه لكونهما جميعا كانا فى عصر واحد ... ".
فمسلم قد صرح بأنه يُكتفى بإمكانية اللقاء والسماع للمعاصر، شريطة ألا يقوم دليلٌ ينقض تلك الإمكانية، فالحديث عنده على الاتصال بهذه الإمكانية مع تحقق الشرطين الآخرين، فهو لا يشترط العلم بالسماع بدليل خاص، بل يكتفي بما قدمنا.
أما مخالفه فيشترط تحقق العلم باللقاء أو السماع بدليل خاص؛ كثبوت تصريحه بما يدل عليه من ألفاظ الاتصال المعروفة، كسمعت وحدثنا، أو ما يدل على حضور مجلسه أو مماشاته أو نحو ذلك من الأدلة الخاصة المُثبِتة لوقوع اللقاء أو السماع ولو مرة.
فمسلم لا يشترط -لثبوت الاتصال- تحقُّق العلم باللقاء أو السماع، بل إذا توفرت الشروط التى ذكرها، فالأصل هو حصول اللقاء والسماع.
ومخالفه لا يراه أصلا فى ذلك، بل هو على الاحتمال حتى يأتي دليلٌ خارجي يُثبت ذلك، ولو مرة.
فليس في تعبير أهل العلم بأن البخاري يشترط العلم باللقاء أو السماع، وأن مسلما لا يشترط العلم بذلك: أيّ تجوّز أو تسمّح أو اختصار، بل هي كبد الحقيقة، والله تعالى أعلم.
стр. 1691
ص (٣١):
قول العوني في توجيه كلام السمعاني في اشتراط طول الصحبة: "من كان مختصا بشيخٍ ملازما له حُملت عنعنته عنه على الاتصال، ولو كان من مشاهير المدلسين، كما هو مقرر فى هذا العلم". اهـ.
أقول:
هذا الكلام فيه نظر من جهة أنه أطلقه، والصواب أن يكون ذلك أغلبِيًّا.
وشاهدُ ذلك مواضعُ عنعن فيها مشهور بالتدليس، عن شيخ قد أكثر عنه جدا؛ كرواية الأعمش عن إبراهيم بن يزيد النخعي.
راجع ترجمة الأعمش من القسم الأول من هذا الكتاب.
ص (٣٤).
أما عدم تصريح البخاري بالشرط المنسوب إليه، فشأنه في ذلك شأن عامة المتقدمين من الأئمة، لا يذكرون مناهجهم وشروطهم بعباراتٍ تعريفية أو بحدودٍ فاصلة، على طريقة متأخري المتكلمن والأصوليين، بل جرت عادتهم باستعمال اللغة الخاصة بأهل هذا الفن، فإذا لم يفهم غيرهم المراد من مفردات تلك اللغة، فالعتْبُ عليهم؛ إذ لم يرجعوا إلى أصحاب التخصص فى ذلك.
وليس عدمُ نصِّ أئمة هذا الشأن على ما ذكرنا بمسوِّغٍ لغير أهل الاختصاص: أن يطلقوا العنان لنسبة ما يتراءى لهم من شروطٍ للأئمة أو مناهجَ لهم.
بل الأمر بحاجة إلى طول النظر، والبحث المتواصل، مع توفر الملكة والأدوات اللازمة لفهم تصرفات الأئمة وعباراتهم.
وأما عدم صلاحية (صحيح البخاري) لإثبات نسبة شرطٍ ما من شروط الصحة إلى البخاري بحجة أن البخاري قد أسَّسَ كتابه على شدة الاحتياط والمبالغة في
стр. 1692
التحري، فهذه مجازفةٌ، تُفقد (صحيح البخاري) أيَّ اعتبارٍ لناظر، أو مجالٍ لباحث، أو متأملٍ لدارس.
فما عساهُ ينفع النظر والبحث والدرس في كتابِ إمامٍ يبالغ في التحري والاحتياط، فلا يُقاسُ على أحكامه، ولا تصرفاته.
هذا لو سلمنا بافتراض أن تكون المبالغةُ في التحري أو شدةُ الاحتياط أمرًا خاصًّا بالبخاري، زائدًا على تصرفات الأئمة في تعاملهم مع النصوص، فهل يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد وابن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة، لا يبالغون في الاحتياط في حكمهم على الحديث أو على الرواة؟ وهل لا يوصف الإمام بذلك إلا إذا صنف كتابا في "الصحيح"؟
لقد اتفق المحققون من أئمة هذا الفن على أن الحديث لا يصلح فيه حُسْنُ الظنِّ، وأنَّ مَبْناه على الاحتياط والتحري، فهو أصلٌ فيه، وكُلُّ أحكامهم وقواعدهم تؤيد ذلك وتؤكده، وما حادَ مَن حادَ مِمَّن بعدهم عن منهج النقد إلا بسبب التفريط في هذا الأصل.
وهذا موضوعٌ مِن الأهمية بمكان، وقد حاولتُ بَسْطَ القول فيه في رسالتي "القواعد المهمة فى إحياء مناهج الأئمة"، وهي قَيْدُ الجمع، يسَّر الله إتمامها.
والمقصود هنا أن البخاري قد صنف كتبا عِدَّة منها ما جمع فيه ما احتج به طوائف أهل العلم في بعض المسائل محل النظر، ككتاب "القراءة خلف الإمام" و"خلق أفعال العباد"، ورجح من ذلك ما رآه راجحا.
ومنها ما صنفه ليكون ما يخرجه فيه حجةً بينه وبين الله تعالى، وسماه "المسند الصحيح". فما لم يخرجه فيه، فإن جاء عنه نقلٌ -لا إشكال فيه- أنه صحَّحه، فإن كان مِمَّا لا يَسَعُهُ تركُه؛ لظهور الحاجة إليه في أبوابٍ قد خرجها فى صحيحه، فإنه لم يُغفله -مع وضوح الاحتياج إليه، واستغناء البخاري بالخفي فى ذلك- إلا لأنه لم
стр. 1693
ير ذلك الحديث صالحا لأن يخرج في مصافِّ ما يُحتج به في بابه، وأما إن كان مما يَسَعُهُ إغفالُه؛ لإخراجه ما يُغني عنه في بابه، فإن كانا سواء، فقد استغنى البخاري بما خرجه، ولم ير في الثاني مزيدَ فائدة، وإن كان في الثاني ما ليس فيما خرجه، فتَرْكُ البخاري له مع ذلك يُشعر بما قدمنا.
هذا إذا كان نَقْلُ التصحيح لا إشكالَ فيه؛ فإن أكثر مَن نَقل عن البخاري في ذلك هو الإمام أبو عيسى الترمذي، وفي بعض النقولات المروية عنه من طريقه إشكالٌ يحتاج إلى تحرير، وقد وقفتُ لبعض المحققين كابن عبد البر والذهبي على اعتراضات على الترمذي بهذا الصدد، فلم يُسَلِّمُوا بأشياء نقلها الترمذي عن البخاري، بل وشنَّع عليه الذهبي أحيانا.
وقد وقع لي قدرٌ غيرُ قليل من هذه الإشكالات أثناء استقرائي لكتاب "الجامع" مع ترتيب "العلل الكبير" للقاضي، وقيَّدتُّ فى ذلك تحريراتٍ على هذه المواضع، وهي فى جزء، يسر الله إتمامه وإخراجه.
أما إذا لم يُنقل عنه تصحيحُه، فالأمر في ذلك أوضح.
ومن المعلوم لِكل باحثٍ أن البخاري قد أودع اختياراتِه وما يذهب إلى القول به في أبواب العلم المختلفة: فيما بوَّب به، وما خرجه في تلك الأبواب، حتى إنه قد اشتهر بين المحققين أن "فقه البخاري" في تراجمه، فهل بالغ أيضا فى التحري والاحتياط في اختياراته تلك، بحيث لا يمكن أن يُستفاد مما فيها من أحكام ونظر واجتهاد، إلا لمن أراد الاحتياط والتحري البالِغَيْن؟.
الحَقُّ أن هذه النظرة لكتاب "الصحيح" للبخاري قد اخترعها بعضُ متأخري المحققين، ولا أثر لها عند المتقدمين، الذين أخضعوا كتابَه للنقد كسائر الكتب، وإنَّ مما أَكْسَبَ كَتاب "الصحيح" مكانتَهُ: نُدْرَةَ ما صفا للنقاد من تعقباتهم على البخاري فيه، بخلاف غيره من الكتب.
стр. 1694
فزعمُ أن البخاري قد وضع لأحاديث هذا الكتاب ورواته شروطا: هي فوق المقاييس التى تعارف عليها النقاد حينئذٍ؛ زيادةً في الاحتياط والتحري: زعمٌ خالٍ من أي تحقيق أو تحرير.
نعم، يمكن أن تكون تلك المقاييس والضوابط بالنسبة لكثير من المتأخرين ممن شهروا هذا المعنى وأُشْربوه: فيها تشددٌ واحتياطٌ بالغٌ، لِبُعْدِ الهْوَّةِ -ليس بين البخاري وحده، بل- بين المتقدمين بعامة وبين المتأخرين في باب النقد.
ولا شك أن البخاري لمَّا كان على رأس مَن صنَّفُوا في الصحيح من المتقدمين، صار وصفُ منهجه بالمبالغة في الاحتياط والتحري: إفساحا للمجال أمام المتوسعين في التسامح مع النصوص، تخففا من ذلك الاحتياط المزعوم، فَصُنِّفَتْ لذلك كثيرٌ من الكتب الموسومة بالصحة وُلوجا من هذا المدخل.
هذه إشارة، وراجع تراجم: ابن حبان، والحاكم، والضياء المقدسي، من القسم الثاني من هذا الكتاب.
وقد عاد العوني فنقض ما ذكره من أن كتاب "صحيح البخاري" لا يصلح أن يكون دليلا على صحة نسبة ذلك الشرط على البخاري للسبب الذى ذكرناه عنه آنفا، بِرَدِّهِ على مَن زعم أن شرطَ البخاري المنسوبَ إليه شرطُ كمال، بمعنى أنه شرطٌ له في (الجامع الصحيح) لا في أصل الصحة، مع أن ما ردَّه هو من مقتضيات ما أكَّدَهُ قبل ذلك، لكنه فضَّل انتفاء هذا الشرط عن البخاري أصلا.
هذا من حيث الجواب العقلي على ما قاله العوني، أما الجواب العملي الخاص بنسبة هذا الشرط إلى البخاري بصفة عامة، فيأتي طرف منه في موضعه.
стр. 1695
ص (٣٧ - ٣٨):
في الجواب عما طرحه العوني عن سبب عدول ابن رجب وابن حجر عن انتزاع الأدلة من (صحيح البخاري) إلى كتب البخاري الأخرى كـ (التاريخ الكبير) و (الأوسط) و (القراءة خلف الإمام).
أقول:
لا فرقَ بين مذهب البخاري فى (الصحيح) وغيره في أصل ما يَتوقف عليه قبولُ الحديث أو ردُّه، لكن قد يتخفف البخاري من بعض الشروط خارج (الصحيح) في مفردات أسانيد يراها دالةً بمجموعها على صحة ما يستدل عليه.
والباحث عن دليل شيء يعمد إلى الأصرح والأوضح من ذلك.
وصنيعُ البخاري في غالب صحيحه إنما هو: "تصرفاتٌ" تحتاج إلى فهم خاص، مع البحث في قرائن خارجية، أما في كتبه الأخرى فهي عباراتٌ صريحةٌ وواضحةٌ وذِكْرُ إدراكِ ولقاءِ وسماعِ الرواة بعضهم من بعض في تلك الكتب -لا سيما التاريخ- من أعظم المقصود فيها، كما يُعلم باستقراءها.
ص (٤٢ - ٤٣):
حول الفرق بين قولهم: "لا أعرف لفلان سماعا من فلان" و: "لم يسمع فلان من فلان" ودعوى العوني أنهما جميعا جزمٌ بالانقطاع.
أقول:
سبق أن ذكرتُ أن تحققَ الاتصال شرطٌ في ثبوت صحة الرواية، ومقتضى كونِ الشىء شرطا لصحة أمرٍ ما: أنه ما لم يتحقق ثبوتُ ذلك الشرط، لا يمكن الحُكم بصحة ذلك الأمر، فنافِي الصحة: على أصله حتى يتبأنه أو لغيره -ممن هو على مذهبه- ثبوتُ ذلك الشرط.
стр. 1696
فإذا تحقق من عدم ثبوته جزم بعدم الصحة، وإذا لم يتحقق من ذلك، ولم يقف على ما يفيد الثبوت كان على أصله في لزوم ثبوت الشرط.
ففى الحالتين لا يثبت عنده ذلك الأمر: تارة للجزم بالبطلان، وتارة لتخلف شرط الصحة.
ففي مسألتنا هذه يُعبر الناقد عن الحال الأولى بقوله مثلا: "فلان عن فلان منقطع" أو "مرسل" أو "لم يسمع فلان من فلان"، وفي الحال الثانية يقول: "لا أعرف أو: لا أعلم لفلان سماعا من فلان" ونحو ذلك من العبارات الدالة على ما قدَّمنا.
فلما لم يتحقق عدم ثبوت السماع بدليل خاص -فلم يجزم بالانقطاع-، اكتفى بالتنصيص على عدم توفر شرطه فى الاتصال وهو العلم بالسماع، ليدل على عدم اعتداده بهذه الرواية حتى يثبت عنده ذلك، فربما قال حينئذ: هذا إسناد ليس بمتصل مثلا، يعني لم يتوفر فيه عنده شرط صحة الاتصال.
فاحتجاج المحققين يقول البخاري وغيره: "لا أعلم لفلان سماعا من فلان" على أنه اشتراطٌ للعلم بالسماع لثبوت الاتصال احتجاجٌ صحيحٌ وواضح.
• وقد ينفي الناقدُ علمَه بسماع راوٍ من آخر، فهو على أصله السابق ذِكْرُه، ثم يدعم ذلك بقرينةٍ تُقَوي ثبوت عدم السماع -الذى لم يتحقق من ثبوته- كأن يقف على رواية بواسطة بأن الراويين، أو كأن يذكر أنه لم يعلم ما يدل على إدراك الراوي الأول للثاني.
• وقد يجزم الناقد -مع عدم علمه بالسماع- بالانقطاع أو الإرسال بناءً على أصله في لزوم تحقق شرط العلم بالسماع، فالحديث عنده مرسل لما سبق من فَقْد شرط الاتصال.
ولا يلزم أن يكون الانقطاع مجزوما به في كل موضع، بل إذا تخلف شرط الاتصال كان للإسناد حُكم الانقطاع كما بيناه آنفا.
стр. 1697
• وقد ينفي الناقدُ العلمَ بالسماع في وقت، وتستقر نفسُه على ذلك، فيجزم بعدم السماع في وقتٍ آخر؛ لدليل وقف عليه، أو لغلبة ظن، أو لقرينة، ونحو ذلك، لكن هذا قليل جدا، بل نادر الوقوع، ويمكن حمله على محامل أخر.
• وقد يختلف ناقدان؛ فيجزم أحدهما بالانقطاع، ويتوقف الثاني، بحسب قوة ما توفر لكل منهما من الدلائل، وإن كانا جميعا لا يريان فيه حجة كما سبق.
والمقصود هنا أن نفي العلم بالسماع ليس هو نفيا للسماع في نفس الأمر، وإن كان له حُكمه، والله تعالى أعلم.
ص (٥١ - ٥٢):
النظر فى بعض نماذج من القرائن ذكرها العوني للدلالة على أن نفي العلم بالسماع ليس اشتراطا للعلم به:
• جهالة الراوى، فيقال: لا يُعرف له سماع من شيخه، أو: إسناده مجهول لا يعرف سماع بعضهم من بعض.
أقول:
هذه قرينة على عكس ما استدل به العوني؛ فالمجهول لا يمكن الجزم بعدم سماعه من شيخه؛ لأنه لا تعرف عينُه أو حالُه، ولا تُعلم سَنَةُ ميلاده ولا وفاته، وربما لم تُعرف بلدُه، فمثل هذا لا يُعلم سماعه، ولا يُجزم بنفيه، لكن يكفي عدم العلم في سقوط الاعتداد بروايته فضلا عن جهالته.
أما ما ذُكر من القرائن الأخرى فهى ترجح عدم السماع، وإن لم تكن كافيةً للجزم به، لكن محل النظر في هذه القضية هو حيث لا توجد قرائن كما سبق، وإلا فمُسلم نفسه قد اشترط عدم وجود دلائل بينة على عدم السماع.
стр. 1698
فمن القرائن المشهورة في ذلك:
• ذكر وسائط بين راويين لم يثبت التقاؤهما.
• نكارة المتن.
• بُعْد البلدان بين الرواة المتعاصرين.
• اختلاف طبقات الرواة.
• وقوع كتاب شيخٍ لراوٍ، فيروي عنه، ولا يذكر ما يدل على السماع.
• عدم ثبوت رواية راوٍ عن شيخٍ، تقضي العادة بإكثاره عنه لو لقيه وسمع منه، فإذا حدَّث عنه بحديث أو حديثين لم يُثبتوا له السماع بذلك.
ص (٦٣ - ٦٥):
ومما ذُكر من معاني نفى العلم بالسماع:
١ - نفي أن يكون الراوي قد تلقى روايته عن شيخه بطريق السماع، وإن كان قد تلقاها إجازة أو مكاتبة أو وجادة أو عرضا.
أقول:
هذا خلاف الأصل في حقيقة السماع، وهو مُفتقِرٌ لنصٍّ خاصٍّ ممن أطلقه، وهو واضح في النماذج التى سيقت فى ذلك.
٢ - الخبر المجرَّد عن أن الراوي لم يذكر ما يدل على السماع ممن روى عنه دون إعلالٍ للحديث بذلك -بل مع الحكم بالاتصال والقبول-؛ يعني أن الناقد يريد إخبارنا بذلك فقط، دون إعلال.
أقول:
لو صحَّ هذا لكان كلامُ الناقد لَغْوا، لا يُقصد به شيء ذو بال، وهذا غير معهود في كلام أئمة هذا الشأن.
стр. 1699
والنموذج الذى سيق للتدليل على هذا العنى لا يُغني شيئا.
وهو قول البخاري في سليمان بن بريدة بن الحصيب: "لم يذكر سماعا من أبيه" وقد ولد هو وأخوه عبد الله في بطن واحد على عهد عمر، وقد أدركا من أبيهما ثلاثين سنة أو أكثر، وقد كان معه بالمدينة إلى أن ذهب إلى البصرة، إلى أن استقر أخيرا بمرو في خراسان، وهو معه في جميع تنقلاته، هكذا قرر العوني.
أقول:
مع ذلك كله لم يُثبت البخاري لهما السماع، ولم يخرج في صحيحه لسليمان عن أبيه شيئا، ولم ينفرد بذلك، بل توقف في هذا السماع: أحمد في أصح الروايات عنه ونفاه إبراهيم الحربي.
وإذا كان هذا مع ما سبق من توفُّر حيثيات السماع، فما بالك بما هو أقل من ذلك بكثير؟.
وقد استدل العوني على أن نفي البخاري العلمَ بسماع سليمان من أبيه إنما هو خبر مجرد، ليس فيه قصد الإعلال أو التوقف عن الحكم بالاتصال: بنقل الترمذي في كتابه "العلل الكبير" (بترتيب القاضي ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣) عن البخاري قوله: "أصح الأحاديث عندي في المواقيت: حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي موسى، قال: وحديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه في المواقيت، وهو حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث الثوري".
استدل العوني على ما سبق بتحسين البخاري لحديث سليمان عن أبيه، وبإخراج مسلم له فى صحيحه (٦١٣)، وبتصحيح ابن خزيمة (٣٢٣، ٣٢٤) وابن الجارود (١٥١) وابن حبان (١٤٩٢) له في صحاحهم.
стр. 1700
أقول:
ليس في تصحيح هؤلاء في قضيتنا هذه مدخل، إنما النظر في تحسين البخاري -بحسب حكاية الترمذي عنه-، فيقال: لو افترضنا أن معنى "الحسن" عند البخاري يفيد وصف الحديث بالقوة أو بدرجة ما من القبول، فما أَدْرَى العوني -أو غيره- أن مقتضيات "الحسن" عند البخاري هي مقتضيات "الصحيح"، حتى يقال إن تحسين البخاري لتلك الرواية يدل على صحة السماع المذكور؟
والبخاري لم يخرج في "جامعه" شيئا مما رآه -بحسب نقل الترمذي- أصح الأحاديث عنده في المواقيت، ولم يذكر شيئا منه في بابه، مع شدة الحاجة إليه؛ لأنه بوَّب عليه، ولم يذكر فيه سوى حديث أبي مسعود الأنصاري، وليس فيه بداية وقت كل صلاة ونهايتها، وهو بيت القصيد فيه.
وأحاديث المواقيت يمكن تقسيمها بطريقتن:
الأولى:
١ - ما كان منها في إمامة جبريل بالنبي ﷺ يومين متتالين، يصلي به الصلوات الخمس في اليوم الأول لأول أوقاتها، وفي الثاني لآخر أوقاتها، فيكون وقت كل صلاة بين هذين الوقتين.
وقد رُوي حديثُ إمامة جبريل عن جماعة من الصحابة، منهم: جابر، وابن عباس، وابن مسعود، وأبو هريرة، وأبو سعيد. وتكاد تتفق تلك الروايات في سياق مواقيت الصلوات.
٢ - ما كان منها حكاية عن قول النبي ﷺ في بيانه لتلك المواقيت، وممن رُوي عنه ذلك: عبد الله بن عمرو، وبريدة، وأبي موسى.
стр. 1701
والطريقة الثانية:
١ - ما وقعت فيها صلاة المغرب في وقت واحد هو غروب الشمس، فليس فيها وقتان كسائر الصلوات.
٢ - ما وقعت فيها في وقتين؛ هما غروب الشمس وقبل غياب الشفق لصلاة العشاء.
ولم تختلف روايات حديث إمامة جبريل للنبي ﷺ في أن لصلاة المغرب وقتا واحدا، سوى من لم يتعرض لذلك من الرواة.
واتفقت روايات عبد الله بن عمرو، وبريدة؛ وأبي موسى، على أن له وقتين.
لم يخرج مسلم من حديث إمامة جبريل شيئا، إنما خرج حديث عبد الله بن عمرو أولًا، ثم حديث بريدة ثم حديث أبي موسى. وهي جميعا متفقة على أن لصلاة المغرب وقتين.
والذي جاء في ترتيب "العلل الكبير" للقاضي: "قال محمد -يعني البخاري-: أصح الأحاديث عندي في المواقيت: حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي موسى، قال: وحديث سفيان الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه في المواقيت، وهو حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث الثوري".
لكن يبدو أن في هذا السياق شيئا؛ ففيه عطفُ حديث أبي موسى وبريدة على حديث جابر في الوصف بـ "أصح الأحاديث عندي"، وعلى ذلك بَنَى العوني كلامَه.
ونُسخة "ترتيب العلل" معروفة بالسقم، لا يُركن إليها دائما؛ ففي نَقْل البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ٣٧١) عن "علل الترمذي" عن البخاري أنه قال: "حديث أبي موسى حسن، وحديث الثوري عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه في المواقيت هو حديث حسن". اهـ.
стр. 1702
وفي نَقل ابن الملقن في "البدر المنير" (٣/ ١٧٩) عن "علل الترمذي": سألت البخاري عنه - يعنى حديث بريدة، فقال: حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث سفيان - يعني الثوري.
فصواب عبارة البخاري حسبما جاء في الكتب الناقلة لهذا الموضع:
"أصح الأحاديث عندي في المواقيت حديث جابر بن عبد الله، وحديث أبي موسى حسن، وحديث سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة حديث حسن، ولم يعرفه إلا من حديث الثوري، وحديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبى هريرة في المواقيت هو حديث حسن".
قال الترمذي: وحديث جابر في المواقيت قد رواه عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ نحو حديث وهب بن كيسان عن جابر عن النبي ﷺ .
فالذي قدمه البخاري بإطلاق هو حديث جابر، والأحاديث الأخرى قد حسَّنها، والدليل على ذلك أن كُلَّ مَن نقل كلام الترمذي ذكر قول البخاري: أصح شيء في المواقيت حديث جابر. ولم ينقلوا ذلك في سائر الأحاديث، وإنا نقلوا فيها التحسين فقط.
وقد فهم عبد الحق الإشبيلي من عبارة الأصحية لحديث جابر أن ذلك في إمامة جبريل، لا في كل أحاديث المواقيت، نقله عنه الحافظ ابن حجر في كتاب "التلخيص الحبير".
والمتأمِّل في الأحاديث الثلاثة التي نقل الترمذي فيها عن البخاري القولَ بتحسينها يراها جميعا تشتمل على فردية وغرابة في أسانيدها، ولعل في كلام الترمذى عقبه في ذكر تعدد الرواة عن جابر إشارة إلى ذلك.
стр. 1703
بيانه:
١ - أن حديث أبي موسى الأشعري لا يُعرف إلا من طريق بدر بن عثمان، عن أبى بكر بن أبي موسى، عن أبيه، به. ورواه عن بدر جماعةٌ حفاظ مشاهير.
قال البزار في مسنده (البحر الزخار ٨/ ٤٤): "حديث أبي موسى لا نعلم رواه عن أبى بكر إلا بدر بن عثمان". ثم قال: "وأكثر الأحاديث التى تُروى عن رسول الله ﷺ أنه صلى المغرب في اليومين جميعا لوقتٍ واحد، إلا حديث أبي موسى هذا، وحديث أبي هريرة الذي رواه الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة وحديث قتادة عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو؛ فإن هؤلاء رووا أن النبي ﷺ جعل للمغرب وقتين". اهـ.
وفاتَهُ حديثُ سليمان بن بريدة عن أبيه، وروايةٌ لسليمان بن موسى، عن عطاء، عن جابر.
وبدر بن عثمان ليس له في "صحيح مسلم" (٦١٤) و"سنن النسائي" (٥٢٣) سوى هذا الحديث الواحد، ورواه أبو داود في "سننه" (٣٣٤) وقال: "روى سليمان ابن موسى، عن عطاء، عن جابر، عن النبي ﷺ في المغرب بنحو هذا ... وكذلك روى ابن بريدة عن أبيه". اهـ.
وفاتَه رواية قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو في ذلك.
وذكر البخاري حديث بدر هذا في ترجمته من "التاريخ الكبير" (٢/ ١٣٩).
٢ - وأما حديث بريدة بن الحصيب، فلا يُعرف إلا من طريق علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة -وهو سليمان- عنه به. ونقل الترمذي -كما في ترتيب العلل- عن البخاري أنه لم يعرفه إلا من حديث الثوري، عن علقمة. مع أن الحديث قد رُوي عن شعبة، عن علقمة، كذا حكاه الترمذي نفسه في "الجامع" (١٥٢)
стр. 1704
وخرجه مسلم من طريقه كذلك في "الصحيح" عن شيخه إبراهيم بن محمد بن عرعرة السامي، عن حرمي بن عمارة، عن شعبة به.
فسواءٌ قلنا إن البخاري لم يقف على رواية شعبة أصلا -وهو بعيد- أو قلنا إنه لم يرها محفوظةً، كما عُهد عن غير واحد من النقاد إذا عبروا بهذه الجملة، فهو يَرى أن الحديث لا يُعرف إلا من طريق الثوري، عن علقمة بن مرثد، وهذا يؤيد معنى الغرابة الذي قدمنا.
ورواية شعبة مدارها على حرمي بن عمارة، وقد رواها عنه غير ابن عرعرة شيخ مسلم: جماعةٌ منهم: ابن المديني، وبندار -محمد بن بشار-.
ولما روى بندار هذا الحديث عن حرمي، ذكره لأبي داود -الطيالسي- فأنكره عليه، وقال: صاحب هذا الحديث ينبغي أن يُكَبَّرَ عليه.
قال بندار: فمحوتُه من كتابي.
وكأنَّ أبا داود رأى أن هذا الحديث ليس من حديث شعبة -وقد كان من المكثرين عنه والمقدَّميِن فيه- وأن الوهم إما من حرمي بن عمارة راويه عن شعبة، أو من بندار نفسه، فمحاه بندار من كتابه خشية أن يكون الحديث خطأ.
هذا هو الظاهر من استنكار أبي داود، لكن ابن خزيمة لم يفهم منه هذا، بل كأنه فهم أن أبا داود يستنكر الحديث من أصله، لا من رواية شعبة فحسب، فقال في صحيحه: "ينبغي أن يُكبَّر على أبي داود؛ حيث غلط، وأن يُضرب بندار عشرة؛ حيث محا هذا الحديث من كتابه، (وهو) حديث صحيح على ما رواه الثوري أيضا عن علقمة، غلط أبو داود، وغيَّر بندار". اهـ.
وحرمي بن عمارة ليس من المقدَّمِين في شعبة، وله عنه أوهام، وقد استنكر عليه الإمام أحمد حديثين عن شعبة، -صحَّحَ الشيخان أحدَهما، ووصفه أحمد بالغفلة مع كونه صدوقا.
стр. 1705
والمقصود أن الحديثَ عند البخاري في جميع الأحوال غريبٌ من جهة الثوري، عن علقمة بن مرثد.
ورواه عن الثوري: إسحاق بن يوسف الأزرق عند مسلم وغيره، ومخلد بن يزيد الحراني عند النسائي وغيره.
٣ - وأما حديث محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبى سلمة، عن أبى هريرة، فكذلك، لا يُعرف الحديثُ عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق، وجاء عنه من طريق آخر أعلَّه البخاري بالإرسال، وهو حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبى هريرة، راجع "جامع الترمذي" رقم (١٥١).
ومحمد بن عمرو بن علقمة ليس بذلك الحافظ، ولابن معين كلام في روايته عن أبي سلمة، وله عنه مناكير.
والملاحظ أن حديثي بريدة وأبي موسى يجعلان للمغرب وقتين، بخلاف حديث محمد بن عمرو، فيجعل له وقتا واحدا.
أما حديث جابر، فله عنه طرق عدة، كما حكاه الترمذي، اتفقت جميعها على أن للمغرب وقتا واحدا، سوى رواية لسليمان بن موسى الأشدق، عن عطاء، عن جابر، ففيها أن له وقتا واحدا، وقد خولف سليمان فى ذلك.
وبعد هذا الاستطراد، فإن من المعلوم أن قول البخاري: أصح الأحاديث عندي حديث كذا، لا يقتضي صحته عنده، وإنما هو من باب التفضيل والترجيح، وأَنْزَلُ منه ما وصفه بعد ذلك من الأحاديث بالحُسْن، ولو رأى البخاري في شيء من تلك الأخبار ما يصلح أن يخرجه في صحيحه أو يذكره تعليقا أو نحو ذلك في باب المواقيت -وهو بحاجة إلى ذلك وليس عنده ما يغني عنه- لَفَعَلَ.
стр. 1706
فالاستدلال بوصف حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه بـ "الحسن" على أن البخاري يرى صحة سماع سليمان من أبيه -مع ما مَرَّ شرحُه- استدلالٌ في غاية البُعد، والله تعالى الموفق.
وأما رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه فلم يسلك فيها البخاري مسلك رواية أخيه سليمان، فلم يقل: لم يذكر عبد الله سماعا من أبيه، ولا أعرض عن إخراج حديث عبد الله عن أبيه في صحيحه، بل اكتفى بقوله في ترجمته من "التاريخ الكبير": (٥/ ٥١): "عن أبيه سمع سمرة، ومن عمران بن حصين".
ففرَّق بين (عن) أبيه و (سمع) سمرة. وعلَّق مغلطاي على هذا الموضع من ترجمة عبد الله من كتابه "الإكمال" بأن فيه إشعارا بل جزما بانه لم يسمع منه. اهـ.
لكن لا يتساوى صنيع البخاري في ترجمة سليمان وعبد الله من هذه الزاوية، فترجمة سليمان أصرح فى المراد.
وبالنظر في الحديثين الذين خرجهما البخاري لعبد الله بن بريدة، عن أبيه في كتاب "المغازي" نلاحظ ما يلي:
الحديث الأول: رقم (٤٣٥٠)
أخرجه البخاري في باب: "بعث علي بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع" الحديث الثانى في الباب.
قال البخاري: "حدثني محمد بن بشار حدثنا روح بن عبادة حدثنا علي بن سويد بن منجوف عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: بعث النبي ﷺ عليا إلى خالد ليقبض الخمس، وكنت أبغض عليا، وقد اغتسل، فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا؟ فلما قدمنا على النبي ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا بريدة أتبغض عليا؟ فقلت: نعم.
قال: لا تبغضه، فإن له فى الخمس أكثر من ذلك".
стр. 1707
هذا الحديث بهذا السياق المختصر، معروف برواية روح بن عبادة، عن علي بن سويد بن منجوف به. رواه عن روح جماعة، منهم الإمام أحمد في المسند (٥/ ٣٥٩).
وعلي بن سويد ليس له في البخاري سوى هذا الموضع، كما قاله ابن حجر.
وللحديث طريق أخرى عن عبد الله بن بريدة، يرويها عنه عبد الجليل بن عطية القيسي، وممن رواه عن عبد الجليل:
(١) يحيى بن سعيد القطان، رواه عنه الإمام أحمد في المسند (٢١٨٨٩).
(٢) والنضر بن شميل، رواه النسائي في "خصائص علي" عن إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه عنه به. ومن طريق النسائي أخرجه الطحاوي في "مشكل الآثار" (٧/ ٧٤).
(٣) وعبد الصمد بن عبد الوارث، أخرجه ابن زنجويه في "الأموال" (٩٦٨). وتتميز رواية عبد الجليل عن رواية علي بن سويد بن منجوف بما يلي:
١ - قال عبد الجليل -في رواية القطان والنضر عنه-: حدثنا عبد الله بن بريدة قال: حدثني أبي: بريدة قال ...
ففيه تصريح عبد الله بسماعه من أبيه.
٢ - في آخره -من روايتهم جميعا عنه- قال عبد الله: فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبي: بريدة.
وهذا تأكيد لما سبق من السماع.
٣ - في سياق حديث عبد الجليل زيادات، ففيها في أوله قولُ بريدة: "أبغضتُ عليا بغضا لم أبغضه أحدا، وأحببت رجلا من قريش لم أحبه إلا على بغضه عليا، قال: فأصَبْنا سَبْيًا، فكتب -أي الرجل- إلى النبي ﷺ : ابعث إلينا من يخمسه، قال: فبعث إلينا عليا، وفي السبي وصيفةٌ هى أفضل السبي، قال: فخَمَّس
стр. 1708
وقسم، فخرج رأسه يقطر، فقلت: يا أبا الحسن ما هذا؟ فقال: ألم تر إلى الوصيفة؟ فإنها صارت في الخمس، ثم صارت في آل محمد، ثم صارت في آل علي، فوقعت بها".
ثم قال: "فكتب الرجل إلى النبي ﷺ بالقصة، فقلت: ابعثني، فبعثني، فجعل يقرأ الكتاب ويقول صدق". وفيه: "لا تبغضه وإن كنت تحبه فازدد له حبا".
وفيه: "فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة".
وزاد: "قال: فما كان أحدٌ من الناس أحبَّ إليَّ من علي".
وعبد الجليل هذا وثقه يحيى بن معين، وقال البخاري في "التاريخ الكبير" (٦/ ١٢٣): "ربما وهم".
وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (٥/ ١٢١): "تفرد به بهذا السياق عبد الجليل ابن عطية الفقيه أبو صالح البصري".
ودخولُ الوهم على مثل عبد الجليل في ذِكْره صيغة التحديث بأن عبد الله وأبيه ممكنٌ. لكن ربما يُبعده نَقْلُ عبد الجليل قول عبد الله في آخر الحديث: "فوالذي لا إله غيره ما بيني وبين النبي ﷺ في هذا الحديث غير أبي: بريدة".
فالوهم في هذا بعيد، وحينئذٍ فربما أشعر هذا أن عبد الله احتاج إلى بيان سماعه لهذا الحديث من أبيه مباشرة بلا واسطة؛ إذ كان السامعون يَعرفون عدم سماعه من أبيه في الجملة.
فهل استأنس البخاري -على افتراض وقوفه عليه- برواية عبد الجليل في ذِكْر السماع في هذا الحديث بِعَيْنِه؛ لبُعده عن مظنة الوهم، لكنه لمَّا لم يكن على شرطه لم يخرج روايته، ولم يعتمد على لفظه، واكتفى بإيراد أصل الحديث مختصرا من رواية غير عبد الجليل عن عبد الله.
стр. 1709
يُشجع على هذا الاحتمال عدمُ جزم البخاري بما يفيد عدم السماع -كما فعل مع سليمان- وإخراجه لعبد الله، عن أبيه حديثين في صحيحه.
وللحديث طريق ثالثة، أخرجها الحاكم في "المستدرك" (٦/ ١٩٥) من حديث الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن عبد الله بن بريدة. لكن اختلف في إسناده على الأعمش؛ فرواه أبو قلابة، قال: ثنا يحيى بن حماد -هو ابن أبي زياد اليصري- ثنا أبو عوانة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، حدثني عبد الله بن بريدة، قال: إني لأمشي مع أبي، إذ مَرَّ بقوم ينقصون عليا ... ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، عن وكيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن ابن بريدة، عن أبيه: أنه مَرَّ على مجلسٍ .. ثم ذكر الحديث.
والإسناد الأول صريح في الاتصال بخلاف الثاني، ولم أر الإسناد الأول إلا عند الحاكم في هذا الموضع، أما الاسناد الثانى فقد رواه أحمد فى "المسند" (٥/ ٣٥٨) وغيره، ورواه أبو معاوية عن الأعمش، مختصرا جدا، بلفظ: "ابن بريدة عن أبيه". أخرجه النسائي (٥/ ١٣٠) وغيره.
وهذا الإسناد الثانى أَسْلَمُ من جهة رواته، وأَبْعَدُ عن أسباب الوهم.
وقد يمكن أن يقال: لم يخرج البخاري لعبد الله عن أبيه ما يحتج به أو يعتمد عليه فى بابه.
أما هذا الحديث فقد خرج البخاري أولا حديث البراء: "بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن. قال: ثم بعث عليا بعد ذلك مكانه ... ".
وهو كافٍ في معنى ما بوَّب به: "باب: بعث علي بن أبى طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع"، ثم خرج حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وهو شاهد لهذا المعنى، وليس فيه فيما زاد على ذلك شيء يُنكر.
стр. 1710
وأما الحديث الثانى، فأخرجه (٤٤٧٣) في آخر باب: "كم غزا النبي ﷺ " من كتاب المغازي أيضا، وفيه أن بريدة غزا مع رسول الله ﷺ ست عشرة غزوة.
وقد صدَّر البخاري الباب بحديث زيد بن أرقم، وفيه أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، غزا هو معه سبع عشرة منها.
وهذا كافٍ في معنى الباب المعقود لعدد غزواته ﷺ .
ثم أعقبه بحديث البراء أنه غزا مع النبي ﷺ خمس عشرة، ثم حديث بريدة أنه غزا معه ست عشرة غزوة. فهما شاهدان لصحة حديث زيد بن أرقم في الجملة، والله تعالى أعلم.
والإمام أحمد، مع روايته لحديث عبد الجليل بن عطية وإخراجه له في المسند -مع اشتماله على تصريح عبد الله بن بريدة بسماعه من أبيه- لمَّا سُئل عن سماعه منه، قال: "ما أدري، عامَّة ما يُروى عن بريدة عنه وضعف حديثه". رواه أبو القاسم البغوي: حدثني محمد بن علي الجوزجاني قال: قلت لأبي عبد الله أحمد بن حنبل ...
وكذا قال حنبل بن إسحاق لأحمد: "فسمع عبد الله من أبيه شيئا؟ قال: لا أدري". اهـ.
فهاتان روايتان عن أحمد تفيد توقفه في هذا السماع.
لكن عقَّب محمد بن علي الجوزجاني -وهو أبو جعفر الوراق- بقوله: "لا أدري ما معنى قول أحمد هذا؛ فإن عبد الله بن بريدة ولد في خلافة عمر بن الخطاب، وبقي أبوه بريدة إلى أيام يزيد بن معاوية، فكيف لم يسمع منه، على أن أحمد قد روى له حديثا أنه وفد مع أبيه على معاوية، فكيف خفي سماعه منه". اهـ.
رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٧/ ١٣٤).
стр. 1711
أقول:
خبر وفادة عبد الله بن بريدة مع أبيه على معاوية قد رواه عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن زيد بن الحباب، عن حسين -وهو ابن واقد- عن عبد الله بن بريدة، وفيه حكاية.
ورواه أبو زرعة الدمشقي عن أحمد بن شبوية، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عبد الله بن بريدة بذكر الوفادة فقط دون الحكاية.
أخرجهما ابن عساكر (٢٧/ ١٢٦).
وأحمد لم ينف لقاء عبد الله لأبيه حتى يُستدرك عليه لإخراجه لما يدل على ذلك، وإن كان لأحمد كلام فى رواية حسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، وعزا أحمد ما يُنكر من حديث عبد الله إلى رواية حسين عنه، وكذا أبي المنيب، فلعله أن يقال: لم يَركن أحمد لهذا الخبر. وعلى كل حال، فإن كان ثَمَّ استدراك أو تعقيب، فبرواية عبد الجليل السالفة؛ ففيها التصريح بالتحديث، بل وفيها نَصُّ عبد الله على ما يدفع الشك في سماعه؛ بأنه لا يوجد بينه وبين أبيه في هذا الخبر واسطة.
لكن يبقى افتراض أن يكون هذا الإسناد عند أحمد صحيحا محفوظا حتى يصلح الإلزام به. ولم أقف لأحمد على رأي في عبد الجليل بن عطية.
وكثيرا ما نَفى النقاد سماعا أو توقفوا فيه مع حصول اللقاءة لقرينةٍ أو لأمرٍ ما دفعهم إلى ذلك، وهذا مستفيضٌ من صنيعهم.
ومع اتفاق حنبل بن اسحاق ومحمد بن علي الجوزجاني في روايتهما عن الإمام أحمد قوله في سماع عبد الله بن بريدة من أبيه: "لا أدري"، فقد روى ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٧/ ١٣٤) من طريقين: أحدهما: معمر بن محمد الجوهري -وهو ابن عيسى بن سعيد أبو حفص المعروف بالسذابي- والخضر بن داود -فرقهما- قالا: حدثنا أحمد بن هانىء -هو أبو بكر الأثرم- قال: قلت لأبي عبد الله: ابنا
стр. 1712
بريدة سليمان وعبد الله- زاد الجوهرى: كيف هما عندك؟ وقالا: فقال: أما سليمان فليس في نفسي منه شيء، وأما عبد الله. ثم سكت، ثم قال: كان وكيع يقول: كانوا لسليمان بن بريدة أَحْمَدَ منهم لعبد الله، أو شيئا هذا معناه.
زاد الجوهرى: "قلت لأبي عبد الله: سمعا من أبيهما؟ قال: ما رأيت أحدا يشك في هذا أيهما (كذا) سمعا" اهـ. ولعل المراد: (أنهما) سمعا.
أقول:
أما رواية الخضر بن داود، فهى من رواية العقيلي عنه، رواها في ترجمة عبد الله بن بريدة من كتابه "الضعفاء". وهذا المعنى الذي اتفق الخضر بن داود والجوهري على روايته عن الأثرم مستفيضٌ عن الإمام أحمد، وهو تقديم أحاديث سليمان على أحاديث بريدة، وأرجع أحمد ما يوجد في أحاديث عبد الله عن أبيه من النكارة إلى بعض الرواة عن عبد الله كما مَرَّ.
أما ما جاء من زيادة الجوهري في روايته عن الأثرم، وسؤاله لأحمد عن سماع سليمان وعبد الله من أبيهما، وجواب أحمد بأنه ما رأى أحدا يشك في هذا (أنهما) سمعا، فإن صح السياق هكذا ولم يكن فيه تحريف -ولم أجده في غير هذا الموضع- فهي زيادة مخالفة لما سبق نقلُه عن أحمد في ذلك.
وعمر بن محمد الجوهري هذا قد ترجم له الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٢٢٥) وعنه الذهبي في "الميزان" (٦٢٠٠) وابن حجر في "اللسان" (٦٢٠٨).
ولم يذكر الخطيب فيه توثيقا، بل قال: "وفي بعض حديثه نكرة" وساق له خبرا مرفوعا، قال الذهبي عنه: هذا موضوع.
ولذا فلا يمكن الوثوق بزيادة الجوهري هذه عن الأثرم، إن صحت العبارة هكذا، وإجراء قواعد النقد على روايته تلك يقضى بخطأها وشذوذها، والله تعالى أعلم.
стр. 1713
ص (٧١ - ٧٥):
استطرد العوني في استدلاله على أن نفي العلم بالسماع ليس دليلا على اشتراط العلم به، وإنما هو نفي لنفس السماع، فذكر ثلاثة أمثلة تدل على أن مسلما نفسه استعمل الإعلال بنفي السماع، والمفترض أنه لا يذهب هذا المذهب، بل يُشَنِّع على قائله، فهو دليل على أنه لم يقصد نفي العلم المجرَّد، بل نفي السماع بالقرائن التى وقف عليها.
وهاك الجواب عما ذكره من الأمثلة:
المثال الأول:
ذكر مسلم حديثًا في كتابه "التمييز" من رواية محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن جده عبد الله بن عباس، وهو حديث: "أن النبى ﷺ وقَّت لأهل المشرق العقيق"، ثم تعقبه بقوله: "لا يُعلم له سماعٌ من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه".
قال العوني:
"لم يلجأ مسلم إلى الجزم بعدم السماع اعتمادا على عدم المعاصرة، وإنما لجأ إلى الإعلال بنفي العلم بالسماع، التي هي عبارة عن ترجيحٍ لعدم السماع.
قال: ويشهد لوقوع المعاصرة فعلا بين محمد بن علي وجدّه: أن ابن حبان ذكر محمد بن علي في طبقة التابعين، ولم يذكر له رواية عن صحابي غير جدّه ابن عباس.
قال: واستدل لوقوع المعاصرة أيضا الشيخ أحمد محمد شاكر بطبقة الآخذين عن محمد بن علي، حتى مال إلى صحة سماعه من جده.
وقال: بَيَّن ابنُ القطان في "بيان الوهم والإيهام" أن سبب الشك في سماع محمد ابن علي من جده ابن عباس أنه أدخل بينه وبينه واسطة في بعض حديثه عنه. اهـ.
стр. 1714
أقول:
الجواب: أن راوي هذا الحديث عن محمد بن علي هو يزيد بن أبي زياد القرشي أبو عبد الله الكوفي، قال مسلم نفسُه قبل كلامه السابق في سماع محمد من جده: يزيد ممن قد اتقى حديثَه الناسُ والاحتجاجَ بخبره إذا تفرد؛ (للذي) اعتبروا عليه من سوء الحفظ والمتون (؟) في رواياته التي يرويها.
فالعلة التى ردَّ بها مسلمٌ هذه الرواية هي ضعفُ يزيد هذا؛ لسوء حفظه -وما كان يتلقن في آخر عمره- فلا يحتج بما يتفرد بيع وقد تفرد بهذا الحديث عن محمد بن علي، وجعله مع ذلك: عن جده.
وقول مسلم بعد ذلك: "ومحمد بن علي لا يُعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه" ليس من باب تعدد مواطن العلة فى هذا الحديث، وإنما هو لتقرير نكارة هذا الإسناد، وإلزام يزيد بالوهم فيه؛ بأن محمد بن علي بن عباس لا يُعرف بروايته عن جده، ولا يُعلم له لقاؤه أو رؤيته.
ومن المعلوم أنه لا يُنظر في سماع راوٍ من شيخ له فى إسناد، إلا إذا كان الطريق إلى ذلك الراوي محفوظا حتى يستحق النظر في سماعه من شيخه هذا، فإن لم يكن كذلك، اكتفى الناقد ببيان عدم صحة الإسناد من أصله.
وللنقاد نظرٌ خاصٌّ بمن يُعَلَّلُ به الإسنادُ فَيُحَمِّلُونه تبعةَ الخطأ فيه، وليس من منهجهم (فرز) الإسناد واحدا واحدا، واستخراج ما فيه من العيوب: فهذا ضعيف، وهذا لين، وهذا مدلس وقد عنعن، وهذا اختلط والراوي عنه ممن سمعه بعد الاختلاط، وهذا لم يسمع من شيخه، وهكذا. بل يصيبون كبد الحقيقة -ما أمكن- فيما يُعللون به الحديث، أو يُعِلُّون الحديث ولا يترجح لهم سببٌ خاصٌّ فى ذلك، فيتوقفون عن ذِكره مع جزمهم بالإعلال، ومع وجود عدة أسباب محتملة لذلك.
стр. 1715
ولم يذكر أحدٌ من المعتمَدين في باب التراجم -وعلى رأسهم البخاري والرازيان- أن محمد بن علي يروي عن ابن عباس، ومن المعلوم أن أصحاب التواريخ وكتب التراجم يَذكرون أعلى مَن روى عنهم المترجَم له، فلو أن لمحمد بن علي رواية عن ابن عباس لقدموها على روايته عن أبيه. وهذا لا ينفي وجود روايته عن ابن عباس في بعض الأسانيد التي لا يرونها محفوظةً، فلم يعولوا عليها.
أما ابن حبان، فمع اعتماده على البخاري في سوق تراجمه في الغالب، إلا أنه أحيانا يعتمد على ما يقع له في بعض الأسانيد، فيذكر الراوي في طبقة - بل وطبقتين، بناء على ما وقع له من ذلك، وعليه في بعض ذلك اعتراضات ومؤاخذات.
والحافظ ابن حجر مع قوله في "تهذيب التهذيب": "ذكره ابن حبان فى طبقة التابعين من الثقات" إلا أنه لم يُقم لذلك وزنا، فقال في "التقريب": "من السادسة، لم يثبت سماعه من جده، مات سنة أربع -أو خمس- وعشرين يعني ومائة". والطبقة السادسة كما بيَّنها في مقدمة "التقريب" هي: طبقة من عاصروا صغار التابعين، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة.
فصنيع ابن حبان خطأ وشذوذ بلا شك.
وما قدَّمته من عدم اعتداد الأئمة برواية محمد بن علي عن ابن عباس، فلم يذكروها في ترجمته، وقولُ مسلم السابق في كتاب "التمييز": "لا يُعلم له سماعٌ من ابن عباس، ولا أنه لقيه أو رآه" قاضٍ على تلك الرواية بالشذوذ، ولو ثبتت فهي منقطعة حتما، ولا عبرة حينئذ بميل أحدٍ إلى صحة ذلك السماع بناء على مقدمات واهية في مقابل تصرفات الأئمة.
وفَهْمُ العوني لجواب ابن القطان: بأن سبب الشك في سماع محمد بن علي من جده ابن عباس أنه أدخل بينه وبينه واسطة في بعض حديثه عنه: خطأ؛ لأسباب:
стр. 1716
أما أولًا: فلأن ابن القطان إنما قال: "ومحمد بن علي إنما هو معروف بالرواية عن أبيه عن جده ابن عباس ... ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه روى عن جده". ثم نقل كلام مسلم في "التمييز"، فهذا واضح من كلام ابن القطان -كما سبق في تقريرنا- أن الأصل في رواية محمد بن علي أنها عن أبيه عن جده، فلما جاءت رواية يزيد بن أبى زياد هذه بإسقاط (أبيه) وقع الشك -حسبما عبَّر ابن القطان- في سماع محمد من جده. لا أن ابن القطان يقول إن سبب الشك في هذا السماع هو وجود (أبيه) بين محمد وجده في بعض حديثه، فهذا قَلْبٌ للأمر.
ثانيًا: لا يصح ما ذكره العوني شرحا لكلام ابن القطان إلا إذا عكسنا القضية، فتكون رواية محمد بن علي عن جده مستفيضة، أو قائمة يعترف بها الأئمة ويثبتونها في كتبهم، ثم يبحثون في سماعه منه، فيقعون على بعض الروايات التى ترد بزيادة (أبيه)، فحينئذ يقولون: لم يذكر سماعا، ويروي أحيانا بواسطة، فيغلب على ظنهم عدم السماع.
وهذا نموذج عجيب لعدم فهم تصرفات القوم في تعاملهم مع الأسانيد والروايات. وعُذر العوني ميلُه الشديد لإثبات ما تقرر عنده سلفا. والله تعالى الموفق.
المثال الثاني:
ذكر ابن رجب في "فتح الباري" حديثا لأبي صالح -مولى أم هانىء- عن ابن عباس، ثم قال: وقال مسلم في كتابه "التفصيل": "هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس". اهـ.
أقول:
أبو صالح هذا قد اتُّهم بالكذب، والقضية إنما هي في رواية الثقة غير المدلس، وأبو صالح ليس هو بالثقة، ولا هو ممن يُؤمن منه التدليس، فقول مسلم: لا يثبت له سماع من ابن عباس، إنما هو باعتبار أنه في نفسه ليس بثقة حتى تُحتمل منه عنعنةٌ بالشرائط التي ذكرها مسلم. فالمثال لا يصلح إلا مع اكتمال أركان المسألة، والله تعالى أعلم.
стр. 1717
المثال الثالث:
قال العوني:
تُذكر قصة صحيحة أن مسلما دخل على البخاري، فقال له مسلم: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله!. ثم ذكر بمحضرهما حديث كفارة المجلس، من رواية موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال مسلم للبخاري: في الدنيا أحسن من هذا؟! تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟! فقال البخاري: لا، إلا أنه معلول. فقال مسلم: لا إله إلا الله! (وارتعد)، أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله، فألحَّ عليه، وقبَّل رأسه وكاد أن يبكي، فقال: اكتب إن كان ولابد. وأَمْلَى عليه رواية وهيب، عن سهيل بن أبي صالح، عن عون بن عبد الله بن عتبة موقوفا عليه، وقال له: لم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل، وحديث وهيب أَوْلَى، فقال مسلم: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك"!
أقول:
بصرف النظر عن الشك في صحة هذه القصة، وما في سياقها من بعض الغرابة -ولعلنا نتعرض لذلك لاحقا- فإن القَدْر المتعلق بإعلال البخاري لرواية موسى بن عقبة قد أورده البخاري في "تاريخه الكبير" (٤/ ١٠٥) وغيره، والملاحظ أن العلة الأصلية لرواية موسى هي مخالفة وهيب بن خالد، وإجراء بعض قواعد النقد على تلك المخالفة يقضى لرواية وهيب على رواية موسى.
بيان ذلك:
١ - أن وهيبا -بالإضافة إلى تثبته البالغ- هو أعرف بسهيل وحديثه، وقد أكثر عنه، وله في "صحيح" مسلم عنه عدة أحاديث، وسماعُه منه مستفيضٌ، أما موسى بن عقبة فهو من أقران سهيل، ولا تكاد تعرف له عنه رواية إلا في هذا الحديث، وحديث
стр. 1718
آخر بهذا الإسناد مرفوعا: "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر" وقد خالفه وهيب فيه أيضا: فرواه عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب قوله.
ذكره الدارقطني في "العلل" (١٠/ ١٢٥) والبيهقي في "سننه" (٥/ ٢٦٢). بل إن رواية سهيل عن موسى هي الأكثر والأشهر في الكتب.
٢ - أن رواية وهيب تدل على حفظه؛ لأنها طريق غير معهودة، قد سلك فيها خلاف الجادة من حديث سهيل.
٣ - أن إسناد: ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، لا يُعرف إلا في هذا الحديث، كما قال البخاري لمَّا سأله مسلم: "في الدنيا أحسن من هذا؟ تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ". وهو سؤال استغراب من مسلم أن يأتي هذا المتن بمثل هذا الإسناد، فلمَّا أطلعه البخاري على علة قاضيةٍ بخطأ ذلك الإسناد، زال استغرابُه.
٤ - ليس من اللازم أن تكون المقارنة بين وهيب وموسى في روايتهما عن سهيل، يدل عليه من كلام البخاري قوله: لم يذكر موسى سماعا من سهيل، فكأنه يُحيل على ما بينهما من الواسطة، وكذلك فقد أعلَّ روايةَ موسى برواية وهيب كُلٌّ من: الإمام أحمد، حكاه الدارقطني في "العلل" (٨/ ٢٠٣) وأبو زرعة وأبو حاتم كما في "العلل" (٢٠٧٧) وأرجع أحمد احتمال الوهم فيه لابن جريج، وتردد أبو حاتم في سبب الوهم بين ابن جريج وبين سهيل، ولم يذكروا موسى بن عقبة بشيء.
فهؤلاء كأنهم يذهبون:
أولا: -بتخطئة ابن جريج- إلى:
١ - أن الحديث لم يكن عند ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، بل هو عنده بإسناد آخر.
стр. 1719
٢ - أو عنده عن موسى بن عقبة، لكن ليس عن سهيل، بل عن رجل عن سهيل، فالعهدة على تلك الواسطة.
٣ - أو عنده عن موسى بن عقبة، عن سهيل، لكن ليس عن أبيه، عن أبى هريرة مرفوعا.
وثانيا: -بتخطئة سهيل- إلى أنه كان عنده: عن عون بن عبد الله موقوف، فوهم وسار على جادة الإسناد، فجعله: عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا.
فالبخاري قد قدم رواية وهيب، وأعلَّ الرواية الأخرى، كما صنع أحمد والرازيان، لكن قوله: "لم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل" كأنه يُلمح إلى الاحتمال الثاني، على اعتبار أن بين موسى وسهيل واسطة؛ لأنه لا يُعرف له سماع منه، سواء كان موسى يرسله عن سهيل، أو أخطأ فيه ابن جريج، وإلى الاحتمال الأول على اعتبار أن موسى بن عقبة لا يُعرف بالرواية عن سهيل، فالإسناد خطأ.
يؤيدُ الأخيرَ جزمُه بأنه لا يعرف في الدنيا بهذا الإسناد إلا هذا الحديث، ولشهرة رواته، كان ذلك أمارةً على شذوذ هذا الإسناد من أصله. فلما وقف على رواية وهيب زالت تلك الإشكالات، وتبين وجه الصواب في الإسناد، بغض النظر عن تعيين وجه الخطأ فيه.
أما مسلم فقد استغرب إسناد هذا الحديث، وعبَّر عن ذلك بقوله: "في الدنيا أحسن من هذا! " كعادة غير واحدٍ من المتقدمين في التعبير أحيانا عن الغرابة بالحسن، وزاد: "تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ".
فحديثٌ غريبٌ؛ لا تُعرف روايةُ بعض رواته عن بعض -مع شهرتهم- إلا في هذا الحديث الواحد، لَيُثير الريبة، مع شيء من التعجب والهيبة، فلما أوقفه البخاري على رواية وهيب الموقوفة، زال عنه إشكال تلك الغرابة، وعلم أن هذا الإسناد خطأ كشأن كثير مما يشبهه من غرائب الأسانيد ذات الرواة المشاهير.
стр. 1720
هذا هو ما اطمأن له مسلم من العلة المذكورة، وليس رضاه عن ذلك منحصرا فيما ذكره البخاري من عدم علمه بسماع موسى بن عقبة من سهيل، فلم تكن صحة الإسناد عنده متوقفة على ذلك السماع حتى يقال: إنه رضي بنفيه من البخاري، بل وكاد يطير فرحًا بذلك!!. بل أسباب الخلل في هذا الإسناد لاسيما مع الاطلاع على رواية وهيب ظاهرة لصغار الطلبة فضلا عن إمامٍ كمسلم ﵀.
يؤيد ذلك تعليلُ أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وغيرهم للحديث دون التعرض لذلك السماع. وقد سبق شرحُ تلك الأسباب آنفا.
والمقصود أن ما جعله العوني إعلالا من البخاري -وهو عدم العلم بالسماع- إنما هو قرينة لذلك، وما جعله قرائن للإعلال -وهو ما اشتملت عليه رواية وهيب من المخالفة- إنما هو عين الإعلال، والله تعالى الموفق.
وأما فيما يتعلق بصحة هذه القصة، فقد سبق العوني إلى تصحيحها: الحافظ ابن حجر في كتاب "النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٢٢٧) وجاء تصحيحه لها ردا على توهين العراقي -وغيره- لها، واتهامه لراويها: أحمد بن حمدون القصار، وقد حقق ابن حجر وغيره أن المستنكر في هذه القصة ما جاء فيها من قول البخاري: "لا أعلم في الباب غير هذا الحديث" وهذا غير متصور أن يصدر من مثل البخاري في سعة اطلاعه، مع وجود عدة أحاديث في هذا الباب. وذكر أن صواب العبارة: "لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" وقد سبق شرحُ ما يستفاد من هذه العبارة.
وذكر ابن حجر أن الوهم جرى لأبي عبد الله الحاكم في سياقه لهذه الحكاية في كتابه "معرفة علوم الحديث"، وقد روى تلك الحكاية من طريق الحاكم بهذا اللفظ المستنكر: الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٩٦) (١٣/ ١٠٢) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٨/ ٩١)، ورواه الخطيب (١/ ٢٠٥) وابن عساكر (٥٢/ ٦٨) باللفظ الآخر من غير طريق الحاكم.