← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

أما أولًا: فلأن ابن القطان إنما قال: "ومحمد بن علي إنما هو معروف بالرواية عن أبيه عن جده ابن عباس ... ولم يذكر البخاري ولا ابن أبي حاتم أنه روى عن جده". ثم نقل كلام مسلم في "التمييز"، فهذا واضح من كلام ابن القطان -كما سبق في تقريرنا- أن الأصل في رواية محمد بن علي أنها عن أبيه عن جده، فلما جاءت رواية يزيد بن أبى زياد هذه بإسقاط (أبيه) وقع الشك -حسبما عبَّر ابن القطان- في سماع محمد من جده. لا أن ابن القطان يقول إن سبب الشك في هذا السماع هو وجود (أبيه) بين محمد وجده في بعض حديثه، فهذا قَلْبٌ للأمر. ثانيًا: لا يصح ما ذكره العوني شرحا لكلام ابن القطان إلا إذا عكسنا القضية، فتكون رواية محمد بن علي عن جده مستفيضة، أو قائمة يعترف بها الأئمة ويثبتونها في كتبهم، ثم يبحثون في سماعه منه، فيقعون على بعض الروايات التى ترد بزيادة (أبيه)، فحينئذ يقولون: لم يذكر سماعا، ويروي أحيانا بواسطة، فيغلب على ظنهم عدم السماع. وهذا نموذج عجيب لعدم فهم تصرفات القوم في تعاملهم مع الأسانيد والروايات. وعُذر العوني ميلُه الشديد لإثبات ما تقرر عنده سلفا. والله تعالى الموفق. المثال الثاني: ذكر ابن رجب في "فتح الباري" حديثا لأبي صالح -مولى أم هانىء- عن ابن عباس، ثم قال: وقال مسلم في كتابه "التفصيل": "هذا الحديث ليس بثابت، وأبو صالح باذام قد اتقى الناس حديثه، ولا يثبت له سماع من ابن عباس". اهـ. أقول: أبو صالح هذا قد اتُّهم بالكذب، والقضية إنما هي في رواية الثقة غير المدلس، وأبو صالح ليس هو بالثقة، ولا هو ممن يُؤمن منه التدليس، فقول مسلم: لا يثبت له سماع من ابن عباس، إنما هو باعتبار أنه في نفسه ليس بثقة حتى تُحتمل منه عنعنةٌ بالشرائط التي ذكرها مسلم. فالمثال لا يصلح إلا مع اكتمال أركان المسألة، والله تعالى أعلم.

стр. 1717

المثال الثالث: قال العوني: تُذكر قصة صحيحة أن مسلما دخل على البخاري، فقال له مسلم: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله!. ثم ذكر بمحضرهما حديث كفارة المجلس، من رواية موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبى صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، فقال مسلم للبخاري: في الدنيا أحسن من هذا؟! تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟! فقال البخاري: لا، إلا أنه معلول. فقال مسلم: لا إله إلا الله! (وارتعد)، أخبرني به؟ فقال: استر ما ستر الله، فألحَّ عليه، وقبَّل رأسه وكاد أن يبكي، فقال: اكتب إن كان ولابد. وأَمْلَى عليه رواية وهيب، عن سهيل بن أبي صالح، عن عون بن عبد الله بن عتبة موقوفا عليه، وقال له: لم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل، وحديث وهيب أَوْلَى، فقال مسلم: "لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك"! أقول: بصرف النظر عن الشك في صحة هذه القصة، وما في سياقها من بعض الغرابة -ولعلنا نتعرض لذلك لاحقا- فإن القَدْر المتعلق بإعلال البخاري لرواية موسى بن عقبة قد أورده البخاري في "تاريخه الكبير" (٤/ ١٠٥) وغيره، والملاحظ أن العلة الأصلية لرواية موسى هي مخالفة وهيب بن خالد، وإجراء بعض قواعد النقد على تلك المخالفة يقضى لرواية وهيب على رواية موسى. بيان ذلك: ١ - أن وهيبا -بالإضافة إلى تثبته البالغ- هو أعرف بسهيل وحديثه، وقد أكثر عنه، وله في "صحيح" مسلم عنه عدة أحاديث، وسماعُه منه مستفيضٌ، أما موسى بن عقبة فهو من أقران سهيل، ولا تكاد تعرف له عنه رواية إلا في هذا الحديث، وحديث

стр. 1718

آخر بهذا الإسناد مرفوعا: "وفد الله ثلاثة: الغازي والحاج والمعتمر" وقد خالفه وهيب فيه أيضا: فرواه عن سهيل، عن أبيه، عن مرداس، عن كعب قوله. ذكره الدارقطني في "العلل" (١٠/ ١٢٥) والبيهقي في "سننه" (٥/ ٢٦٢). بل إن رواية سهيل عن موسى هي الأكثر والأشهر في الكتب. ٢ - أن رواية وهيب تدل على حفظه؛ لأنها طريق غير معهودة، قد سلك فيها خلاف الجادة من حديث سهيل. ٣ - أن إسناد: ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل بن أبي صالح، لا يُعرف إلا في هذا الحديث، كما قال البخاري لمَّا سأله مسلم: "في الدنيا أحسن من هذا؟ تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ". وهو سؤال استغراب من مسلم أن يأتي هذا المتن بمثل هذا الإسناد، فلمَّا أطلعه البخاري على علة قاضيةٍ بخطأ ذلك الإسناد، زال استغرابُه. ٤ - ليس من اللازم أن تكون المقارنة بين وهيب وموسى في روايتهما عن سهيل، يدل عليه من كلام البخاري قوله: لم يذكر موسى سماعا من سهيل، فكأنه يُحيل على ما بينهما من الواسطة، وكذلك فقد أعلَّ روايةَ موسى برواية وهيب كُلٌّ من: الإمام أحمد، حكاه الدارقطني في "العلل" (٨/ ٢٠٣) وأبو زرعة وأبو حاتم كما في "العلل" (٢٠٧٧) وأرجع أحمد احتمال الوهم فيه لابن جريج، وتردد أبو حاتم في سبب الوهم بين ابن جريج وبين سهيل، ولم يذكروا موسى بن عقبة بشيء. فهؤلاء كأنهم يذهبون: أولا: -بتخطئة ابن جريج- إلى: ١ - أن الحديث لم يكن عند ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سهيل، بل هو عنده بإسناد آخر.

стр. 1719

٢ - أو عنده عن موسى بن عقبة، لكن ليس عن سهيل، بل عن رجل عن سهيل، فالعهدة على تلك الواسطة. ٣ - أو عنده عن موسى بن عقبة، عن سهيل، لكن ليس عن أبيه، عن أبى هريرة مرفوعا. وثانيا: -بتخطئة سهيل- إلى أنه كان عنده: عن عون بن عبد الله موقوف، فوهم وسار على جادة الإسناد، فجعله: عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعا. فالبخاري قد قدم رواية وهيب، وأعلَّ الرواية الأخرى، كما صنع أحمد والرازيان، لكن قوله: "لم يذكر موسى بن عقبة سماعا من سهيل" كأنه يُلمح إلى الاحتمال الثاني، على اعتبار أن بين موسى وسهيل واسطة؛ لأنه لا يُعرف له سماع منه، سواء كان موسى يرسله عن سهيل، أو أخطأ فيه ابن جريج، وإلى الاحتمال الأول على اعتبار أن موسى بن عقبة لا يُعرف بالرواية عن سهيل، فالإسناد خطأ. يؤيدُ الأخيرَ جزمُه بأنه لا يعرف في الدنيا بهذا الإسناد إلا هذا الحديث، ولشهرة رواته، كان ذلك أمارةً على شذوذ هذا الإسناد من أصله. فلما وقف على رواية وهيب زالت تلك الإشكالات، وتبين وجه الصواب في الإسناد، بغض النظر عن تعيين وجه الخطأ فيه. أما مسلم فقد استغرب إسناد هذا الحديث، وعبَّر عن ذلك بقوله: "في الدنيا أحسن من هذا! " كعادة غير واحدٍ من المتقدمين في التعبير أحيانا عن الغرابة بالحسن، وزاد: "تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ". فحديثٌ غريبٌ؛ لا تُعرف روايةُ بعض رواته عن بعض -مع شهرتهم- إلا في هذا الحديث الواحد، لَيُثير الريبة، مع شيء من التعجب والهيبة، فلما أوقفه البخاري على رواية وهيب الموقوفة، زال عنه إشكال تلك الغرابة، وعلم أن هذا الإسناد خطأ كشأن كثير مما يشبهه من غرائب الأسانيد ذات الرواة المشاهير.

стр. 1720

هذا هو ما اطمأن له مسلم من العلة المذكورة، وليس رضاه عن ذلك منحصرا فيما ذكره البخاري من عدم علمه بسماع موسى بن عقبة من سهيل، فلم تكن صحة الإسناد عنده متوقفة على ذلك السماع حتى يقال: إنه رضي بنفيه من البخاري، بل وكاد يطير فرحًا بذلك!!. بل أسباب الخلل في هذا الإسناد لاسيما مع الاطلاع على رواية وهيب ظاهرة لصغار الطلبة فضلا عن إمامٍ كمسلم ﵀. يؤيد ذلك تعليلُ أحمد وأبي حاتم وأبي زرعة والدارقطني وغيرهم للحديث دون التعرض لذلك السماع. وقد سبق شرحُ تلك الأسباب آنفا. والمقصود أن ما جعله العوني إعلالا من البخاري -وهو عدم العلم بالسماع- إنما هو قرينة لذلك، وما جعله قرائن للإعلال -وهو ما اشتملت عليه رواية وهيب من المخالفة- إنما هو عين الإعلال، والله تعالى الموفق. وأما فيما يتعلق بصحة هذه القصة، فقد سبق العوني إلى تصحيحها: الحافظ ابن حجر في كتاب "النكت على كتاب ابن الصلاح" (١/ ٢٢٧) وجاء تصحيحه لها ردا على توهين العراقي -وغيره- لها، واتهامه لراويها: أحمد بن حمدون القصار، وقد حقق ابن حجر وغيره أن المستنكر في هذه القصة ما جاء فيها من قول البخاري: "لا أعلم في الباب غير هذا الحديث" وهذا غير متصور أن يصدر من مثل البخاري في سعة اطلاعه، مع وجود عدة أحاديث في هذا الباب. وذكر أن صواب العبارة: "لا أعلم في الدنيا بهذا الإسناد غير هذا الحديث" وقد سبق شرحُ ما يستفاد من هذه العبارة. وذكر ابن حجر أن الوهم جرى لأبي عبد الله الحاكم في سياقه لهذه الحكاية في كتابه "معرفة علوم الحديث"، وقد روى تلك الحكاية من طريق الحاكم بهذا اللفظ المستنكر: الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ٤٩٦) (١٣/ ١٠٢) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٥٨/ ٩١)، ورواه الخطيب (١/ ٢٠٥) وابن عساكر (٥٢/ ٦٨) باللفظ الآخر من غير طريق الحاكم.

стр. 1721

وقد ساقها الحاكم نفسه على الصواب في "تاريخ نيسابور" كما قاله ابن حجر وغيره. ووهم الحاكم في هذا الحديث وهمًا آخر، فقال عقبه في "المستدرك": "هذا الحديث صحيح على شرط مسلم إلا أن البخاري قد علله بحديث وهيب عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن كعب الأحبار". اهـ. كذا قال، وقد سبق أن رواية وهيب التي ذكرها البخاري وغيره إنما هي عن: سهيل، عن عون بن عبد الله بن عتبة من قوله. ولعل الحاكم ذهب وهمُه إلى حديث: "وفد الله ثلاثة ... " الذي سبقت الإشارة إليه، وقد خالف فيه أيضا وهيب ما رواه موسى بن عقبة عن سهيل. وأحمد بن حمدون القصار الذي تدور عليه هذه القصة -وهو صاحبها، والذي اتهمه بها بعضهم- قد حمل عليه أبو علي الحافظ شيخ الحاكم، وقال: حدثنا أحمد بن حمدون إن حلت الرواية عنه، وأنكر عليه أحاديث. وقد كان حافظا، وقال الخليلي في "الإرشاد": "صاحب غرائب وحفظ". وسأل الحاكمُ شيخَه: لم قال ذلك؟ أهذا بسبب ما نُسب إليه من المجون والسخف، أم لأجل الحديث؟ فقال: لأجل الحديث. فساق له أحاديث استنكرها عليه، فأجاب عنها الحاكم بأنه قد رواها غيره، وذكر أنه فتش في حديثه فلم ير شيئا يكون الحمل فيه عليه، وقال: أحاديثه مستقيمة، وهو مظلوم. ويشهد لأصل القصة فيما يتعلق بإعلال البخاري لرواية ابن جريج عن موسى تلك، ما ذكره البخاري بلفظه في ترجمة سهيل من "التاريخ الكبير" كما سبق. لكن يبقى النظر في بقية سياق القصة وألفاظها، وليس بالمستغرب أن يسأل مسلمٌ البخاريَّ عن هذا الحديث على النحو الذي ذكرناه آنفا، لكن لا يبعد أن يصبغها راويها أحمد بن حمدون القصار بتلك الصبغة حسبما يتفق مع ما وصف به من المزاح والسخف، ففي السياق "صنعة" و"كلفة".

стр. 1722

وفي بعض السياق غرابة، فليس من عادة البخاري ولا غيره من النقاد ذلك التمنُّع والعُسْر الشديد في بيان ما عندهم من نقد الأخبار، حتى تبلغ أن يُلِحَّ مسلمٌ، ويُقَبِّلَ رأسَ البخاري، ويكاد يبكي! وليس يسوغ لأئمة هذا الشأن أن يستروا -أو يكتموا- أخطاء الرواة أو علل الأسانيد، لاسيما إذا سُئلوا عنها، أو عُرضت عليهم. فلا يُقال في هذا: "استر ما ستر الله" فليس هذا من جنس ما يسوغ سِتْرُهُ. هذا ما أردت تقييده هنا بهذا الصدد على عجالة، والله تعالى الموفق. ص (٧٧): في المسألة الثالثه: الأدلة على بطلان نسبة اشتراط العلم باللقاء إلى البخاري وغيره من العلماء. الدليل الأول: سبق الجواب عن شبهات العوني في محاولته إسقاط الحجة التي اعتمد عليها الناسبون لذلك الشرط إلى البخاري وغيره من الأئمة. الدليل الثاني: نَقْل مسلم الإجماع في مقدمة "صحيحه" على ما ذهب إليه. أقول: ١ - إطلاق ذلك الإجماع إنما هو دعوى في محل نزل تحتاج إلى ما يدعمها، وما ذكره مسلم من شواهد على ذلك الإجماع قد نُوزع فيها كما سبق، بل وفي صنيعه نفسه ردٌ على بعض ذلك. ٢ - ومَنْ زُعم اطلاعُه على "مقدمة مسلم" دون نكير -وهو أبو زرعة- هو من مشاهير من نُسب إليه خلافُ مذهب مسلم، وفي مناقشة تلك القضية الشائكة

стр. 1723

لا يُكتفى باحتمال اطلاع فلان وفلان على ما قاله مسلم دون نكير؛ لأن الجواب عن ذلك باحتمالات مناهضة يُفسد الحِجاج ويُسقطه. والواجب اعتبار الصريح من تصرفات الأئمة، دون الركون إلى احتمالات ومنطقيات لا تقدم ولا تؤخر. ٣ - ومهما يكن من قوة عبارات مسلم في نقل ذلك الإجماع وثقته بذلك، فهو يعكس قناعته التامة بما يطرحه في هذه القضية، وقد بناه على ما ذكره من أن طائفة من أهل الحديث الذين ذكرهم -ومنهم شعبة والقطان وابن مهدي، ومن بعدهم- لم يكونوا يفتشون عن سماع رواة الحديث ممن روى عنهم إلا إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهر به. وقد خُولف مسلمٌ فيما بَنى عليه ذلك الإجماع بأن ما نفاه من صنيع أهل الحديث قد وُجد بكثرة، ونظرةٌ في كتب المراسيل -مثلا- تُبين ذلك بجلاء. ٤ - وقضيةُ قَصْد مسلم بذلك التشنيع البخاريَّ ﵀، قضيةٌ فرعيةٌ لا تُغير من حقائق الأمور شيئا، وسواء أقصد مسلمٌ البخاريَّ أم لا؟ فالمراد: هل هو مذهب البخاري -كما أكده غير واحد من المحققن وأثبتوه من صنيعه في كتبه- أم لا؟ واستبعادُ أن يكون مسلمٌ قصد البخاريَّ لشناعة الألفاظ التي استعملها في الحَطِّ على قائل تلك المقالة، لا ينفي عن البخاري أن يكون من أصحابها، والعبرة بالدلائل والبينات. ٥ - ولا حاجةَ لِنَصْبِ أو زَعْم خلافٍ بين البخاري ومسلم في تلك المسألة، وناسِبُ ذلك الشرط الذي أنكره مسلم إلى البخاري لا يلزمه القول بنصب ذلك الخلاف، كما سبقت الإشارة إلى ذلك. ٦ - قول العوني في جوابه عما تُعُقب به على مسلم من الوقوف على تصريح بعض الرواة بالسماع من بعض في تلك الأسانيد التي زعم مسلم أنه لم يُحفظ عنهم فيها سماع، ومن ذلك في "صحيح" مسلم نفسه، قوله (ص ٩٣): "إني لأتلمس

стр. 1724

من وقوع السهو لمسلم في بعض ذلك أنه كان مستهينا بخصمه غاية الاستهانة، وأنه كان عنده أقل وأدنى من أن يُنَقِّر له الأدلة، ويُصَفِّيَ له الروَّية؛ استخفافا بذلك المبتدع المستحدث لذلك القول، ثم تصبَّر على الرد، وهو مستثقله، ولذلك لم يَحزم له كُلَّ حُموله، ولا أعد له كُلَّ عدته"!! أقول: هذا أقرب إلى انتقاص مسلم من الاعتذار له؛ إذ كيف يُقيم الدنيا في رد دعوى جاهل خامل الذكر، ثم يستهين به حتى يفتح الباب له لينقده بل اللائق به أن يعتني بتمحيص الأدلة، وانتقاء البراهن التي تُلزم خصمه وتلجمه مهما كان حاله، بل رد الجاهل خامل الذكر على مثل مسلم أشد عيبا لمسلم من رد ذي العلم المعروف، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. ص (٩٣): • قول الحاكم: قرأت بخط محمد بن يحيى: سألت أبا الوليد: أكان شعبة يفرق بين (أخبرني) و (عن)؟ فقال: أدركت العلماء وهم لا يفرقون بينهما. أقول: الحاكم هو أبو عبد الله، ومحمد بن يحيى هو الذهلي، وأبو الوليد هو هشام بن عبد الملك الطيالسي. وتعتمد صحة وجادة الحاكم تلك على معرفته بخط الذهلي وتمييزه له، وقراءته من كتابٍ له، وأبو الوليد كأنه يُلمح إلى مذهب شعبة في ذلك بأن ذكر ما يخالفه، وشعبة قد استفاض عنه قوله: "كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خَلٌّ وبَقْلٌ"، وهو من أَجَلِّ شيوخ هشام، وقد عُرف بالتشدد في هذا الباب، وكان يتتبع ألفاظ الرواة، ويوقفهم على السماع، وقد كَفى مَن بعده النظر في عنعنة المدلسين الذين روى عنهم كما هو مشهور في موضعه.

стр. 1725

وعلى كل حال فمطلق عبارة هشام غير مراد قطعا، ولابد لها من حَمْلٍ مقبول، ولذا فقد ضيَّقه البيهقي بأن حمله على من لا يُعرف بالتدليس، فمن لم يُعرف بذلك لم يُراع العلماء ذكره التحديث أو الإخبار في روايته، لكن وُجد في صنيع النقاد الإعلال بعدم السماع لفقد التصريح من غير المدلس في أحيان كثيرة، وجعلوه من قبيل المرسل، ولذلك فقد زاد ابن رجب فاحتمل حمله على من ثبت لقاؤه، حتى يحترز من المرسل. وعبارة أبي الوليد لا تفيد معنى الإجماع المذكور، بل تصدق على جماعة ممن أدركهم، ويبقى افتراض أنهم ممن يؤخذ عنهم ذلك الفن. ص (٩٥): • قول الحاكم في النوع الحادي عشر من "علوم الحديث" (ص ٣٤): "معرفة الأحاديث المعنعنة وليس فيها تدليس، وهي متصلة بإجماع أئمة أهل النقل على تورع رواتها عن أنواع التدليس". أقول: الملاحظ أن الحاكم لم يتعرض لاشتراط العلم باللقاء، لكنه شرط خلو الإسناد من أنواع التدليس. وبالرجوع إلى النوع السادس والعشرين من "علوم الحديث" وهو معرفة المدلسين (ص ١٠٣) نجد الحاكم قد ذكر للتدليس عنده ستة أجناس: قال: الجنس السادس من التدليس: "قوم رَوَوْا عن شيوخ لم يَرَوْهم قط ولم يسمعوا منهم، إنما قالوا: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماع عال ولا نازل". اهـ.

стр. 1726

فبان بذلك أن قوله في الموضع الأول: " ... وليس فيها تدليس ... على تورع رواتها عن أنواع التدليس" يدخل فيه التحرز من الإرسال الذي هو رواية الراوي عمن عاصره ولم يره أو لم يدركه إلا أنه لم يسمع منه. والتحرز من الإرسال هو أساس اشتراط العلم باللقاء أو السماع بين المتعاصرين كما هو معلوم. نعم، تطبيقات الحاكم تفيد اكتفاءه بالمعاصرة، فهذا مذهبُه، وقد جُرِّب على الحاكم مخالفته لتقريراته النظرية في كتابه "المستدرك" لمن تأمل ذلك، والله الموفق. وقد شرح ابن حجر في "النكت" ظهور الاتصال الذي هو من شروط "المسند" وعَوَّلَ فيه على كلام الحاكم الذي اختلفت النسخ الخطية في نقله عنه، بقوله: "ظهور الاتصال يخرج المنقطع، لكن يدخل فيه ما فيه انقطاع خفي؛ كعنعنة المدلس، والنوع المُسمَّى بالمرسل الخفي، فلا يخرج ذلك عن كون الحديث يُسمى مسندا". وعبارة الحاكم التي يدور الجدل حولها هي قوله: "المسند من الحديث أن يرويه المحدث عن شيخ يظهر سماعه منه لِسن يَحتمله (وفي نسخ: ليس يحتمله) وكذلك سماع شيخه من شيخه إلى أن يصل الإسناد إلى صحابي مشهور إلى رسول الله ﷺ ". فقد بيَّن الحافظ أن هذا الظهور لا يشترط انتفاء عنعنة المدلس ولا الإرسال الخفي، مع أن الحاكم قد شرط لقبول الحديث المعنعن ألا يكون فيه تدليس -مع تورع رواته عن أنواع التدليس- كما سبق بيانه، واشتمال ذلك عنده على الإرسال. ص (١٠٢). لست أطيل في هذا الموطن فيما وقع في كلام أبي عمرو الداني، والبيهقي، وابن حزم بهذا الصدد، لكني أقول: أما أبو عمرو الداني فهو آخذٌ من عبارة الحاكم، وقد عاب ابنُ حجر على ابن الصلاح نقل هذا القول عن أبي عمرو مع أنه أخذه من كلام الحاكم.

стр. 1727

قال ابن حجر: "لا شك أن نقله عن الحاكم أَوْلَى؛ لأنه من أئمة الحديث، وقد صنف في علومه". يعني أن أبا عمرو الداني ليس من أئمة الحديث، فإن فنه القرآن وعلومه كما هو معلوم. وقد سبقت الإشارة إلى كلام الحاكم في هذا الصدد. ص (١٠٥): أما البيهقي، فإن العوني ادعى أن الطحاوي أعلَّ حديث قيس بن سعد عن عمرو بن دينار بعدم العلم بسماعه منه، فأجاب عليه البيهقي، والحق أن الطحاوي لم يُعل الحديث بعدم العلم بالسماع، بل قال: "أما حديث ابن عباس فمنكر؛ لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء" يعني حديث القضاء بشاهد ويمين. وعبارة الطحاوي لا تفيد ما توهمه العوني، فإن الطحاوي قد ادعى أن الحديث منكر، ثم وجه ذلك بقوله: "لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء". فلم يتعرض لسماعه منه أو لقائه له بنفي ولا إثبات، ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع، فإن كثيرا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم يحدثوا عنهم بشيء. حرر ذلك العلامة المعلمي في "التنكيل" (٢/ ١٥٣ - ١٥٤) وقال: "فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد. قلت: بل قد يكون لسببٍ آخر؛ كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضل بن فضالة القتباني؛ لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمد بن يحيى الذهلي؛ لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري، فكأن الطحاوي رأى أن قيسا لو كان يروي عن عمرو لجاء من روايته عنه عدة أحاديث؛ لأن عمرا كان أقدم وأكبر وأجل، وقد سمع من الصحابة، وحديثه كثير مرغوب فيه، وكان قيس معه

стр. 1728

بمكة منذ ولد، فحَدَسَ الطحاوي أن قيسا كان ممتنعا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره كما قد نستنكر أن نرى حديثا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى. فإن قيل: فقد يكون لاستنكاره خشي انقطاعه. قلت: كيف يبني على ظن امتناع قيس من الرواية عن عمرو نفسه أن يحمل هذا الحديث على أنه أرسله عنه، بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسه كان أشد امتناعا من أن يروي عن رجل عنه، فضلا عن أن يرسل عنه -أو بعبارة أخرى- يدلس، وقيس غير مدلس. فإن قيل: فعلى ماذا يحمل؟ قلت: أما الطحاوي فكأنه خشي أن يكون سيف -وهو راوي الحديث عن قيس- أخطأ في روايته عن قيس، عن عمرو. فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟ قلت: لا، فإن أئمة الحديث لم يعرجوا عليه؛ هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث فيما يظهر إنما حَدَسَ أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس، وذلك يقضي أن الحديث عنده ثابت عن عمرو. وهذا مسلم أخرج الحديث في "صحيحه" وثبته النسائي وغيره. وليس هناك مظنة للخطأ، وسيف ثقة ثبت، لو جاء عن مثله عن ابن وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم عن محمد بن يحيى لوجب قبوله؛ لأن المحدث قد يمتنع من الرواية عن شيخ ثم يضطر إلى بعض حديثه. هذا على فرض ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟ بل قد جاء عن قيس عن عمرو حيث آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: "سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار ... " ووهب وأبوه من الثقات الأثبات.

стр. 1729

ذكر البيهقي ذلك في الخلافيات ثم قال: "ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا" نقله ابن التركماني في "الجوهر النقي" ثم راح يناقش البيهقي بناء على ما توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد مر إبطال هذا الوهم. والطحاوي أعرف من أن يدعي ذلك لظهور بطلانه، مع ما يلزم من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهم للقاء والسماع، على فرض أن هناك مجالا للشك في اللقاء. وقد بيَّنا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا امتناع، ولكن قيسا عاجله الموت، ولما كان يحدث في حلقته في المسجد الحرام كان عمرو حيا في المسجد نفسه، ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو، فكان قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه عن عمرو؛ لأن عمرا معهم بالمسجد، فكان قيس يحدث بما سمعه من أكابر شيوخه، فإن احتاج إلى شيء من حديث عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمرا عن ذلك الحديث فحدثهم به فرووه عنه ولم يحتاجوا إلى ذكر قيس، واستغنى سيف في هذا الحديث وجرير في الحديث الآخر بالسماع من قيس، لأنه ثقة ثبت، ولعله عرض لهما عائق عن سؤال عمرو ... ". وقد قال المعلمي قبل ذلك (ص ١٥٣): "قيس ولد بعد عمرو ومات قبله، وكان معه بمكة وسمع كل منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم. وكان عمرو لا يدع الخروج إلى المسجد الحرام والقعود فيه إلى أن مات، كما تراه في ترجمته من طبقات ابن سعد، وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضا، وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم ولم يدركهم قيس. فهل يظن بقيس أنه لم يلق عمرا وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات، أو لم يكونا يصليان معا في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟! أو لم يكونا يجتمعان في حلقة

стр. 1730

عطاء وغيره في المسجد؟! ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع! أو يظن بقيس أنه استنكف من السماع من عمرو؛ لأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالا؟ ". اهـ. قال الفقير إلى الله تعالى: المراد هنا أن البيهقي إنما رد استنكار الطحاوي رواية قيس عن عمرو بن دينار، وأنه لا يوجد مسوغ لردها واستبعادها، وأن الدلائل والبينات قائمة على وقوع اللقاء بينهما على ما ذكر البيهقي -وشرحه المعلمي وقرره- وهي من الحالات النادرة التي تتوفر فيها تلك الدلائل بين أمثال قيس بن سعد وعمرو بن دينار، ولا يوجد تصريح واحد بسماع ونحوه، ومع ذلك لم يطعن أحد في ذلك السماع، ولا أثبته أحدٌ بنصٍّ خاصٍّ. ص (١١١): وأما ابن حزم فنقلُه عدم الخلاف فيما ذَكر مجازفةٌ، فقد نقل أن العدل لا يروي عمن أدركه إلا ما سمعه، والمدلس عنده ساقط العدالة، وليس ابن حزم ممن يرجع إليه في مثل تلك القضايا. ص (١٠٦): وأما ابن عبد البر فكلامه واضح غاية الوضوح في الإجماع على قبول الإسناد المعنعن إذا كان رواته عدولا، وتحقق لقاء بعضهم لبعض مجالسةً ومشاهدةً، مع البراءة من التدليس. وقد غالط العوني في تعليقه على كلام ابن عبد البر مغالطاتٍ يضيق هذا الموضع عن كشفها.

стр. 1731

لكني أقول: مراد ابن عبد البر أن الإسناد المعنعن إذا اجتمعت فيه تلك الشرائط فهو مجمع على قبوله، ولا يشترط التصريح بالسماع في كل موضع؛ لأن: (عن) حينئذ ظاهرها الاتصال، وهو الأصل فيها، فلو اختل شرط من تلك الشرائط تخلف هذا الظهور. والمثال الذي ذكره ابن عبد البر يحتاج إلى إيضاح: روى الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن ثور بن يزيد قال: حُدِّثْتُ عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة: أن النبي ﷺ مسح ظاهر خفيه وباطنهما. ورواه الوليد بن مسلم عن ثور، عن رجاء بن حيوة، عن كاتب المغيرة، عن المغيرة به مرفوعا. فأعلَّ أحمد والبخاري وأبو زرعة والترمذي وغير واحد رواية الوليد برواية ابن المبارك، والذي صنعه الوليد هو إبدال صيغة: "حُدِّثْتُ" بين ثور وحيوة بصيغة: "عن"، وزاد ذكر المغيرة، فوصل الإسناد. والذي يعنينا هنا هو قضية الإبدال، فأقول: لفظة: "حُدِّثْتُ" صريحةٌ وظاهرة في الانقطاع، أما لفظة: "عن" فكما سبق أن الأصل في استعمالها الاتصال بالشروط المذكورة، فإذا اختل شرط منها لم يُقطع بالانقطاع، بل فَقدت ظهور الاتصال، فهي على الاحتمال، والتردد في ذلك كافٍ في التوقف في الخبر أو حتى رده إلى أن يثبت الاتصال. فالذي صنعه الوليد هو إبدال ما هو صريح في الانقطاع بما هو محتمل أو ظاهر في الاتصال بشروطه، وهذا شبيا جدًّا -بل هو هو- بتدليس التسوية؛ لأن صيغة "حُدِّثْتُ" عِوَضٌ عن ذكر الواسطة، فأسقطها الوليد بقوله: "عن"؛ لأنها ليست صريحة في ذكر الواسطة.

стр. 1732

ومما يؤكد ما ذكرتُ أن قضية الإبدال هنا ليست هي لصريحٍ في الانقطاع بظاهرٍ في الاتصال مطلقا، أن ثور بن يزيد لا يكاد يُعرف بالرواية عن رجاء بن حيوة إلا في هذا الحديث، وخبر آخر موقوف، قد خولف في إسناده فيه كما في: "سنن" الدارقطني (٣/ ٣٠٩) و"سنن" البيهقي (٧/ ٤٤٧) وإن جاء فيه تصريحه بالسماع من رجاء بن حيوة، والحديث قال فيه أحمد: هذا حديث منكر. ص (١١٤ - ١١٥): كلام الشافعي يشتمل قبول الحديث المعنعن بشروط ثلاثة - هي كما سبق في كلام ابن عبد البر: العدالة واللقاء والبراءة من التدليس، فحينئذٍ يستوي "سمعت فلانا" و"عن فلان" وكلام العوني فيه ما فيه. (١١٦ - ١١٧): أقول: كلام الحميدي الذي نقله الخطيب في "الكفاية" (ص ٢٤) عليه مناقشات. من ذلك: ١ - الاكتفاء بمعرفة شيخه الثقة لمن روى عنه، وإن لم يعرفه هو، فيكفيه ثبوته عند من حدثه. فقد قال الحميدي في صفة الحديث الذي يثبت وتلزم الحجة به: " ... أو يكون حديثا متصلا حدثنيه ثقة معروف عن رجل جهلته وعرفه الذي حدثني عنه، فيكون ثابتا يعرفه من حدثنيه حتى يصل إلى النبي ﷺ .. ". فيكتفي الحميدي بمجرد معرفة شيخه الثقة لمن روى عنه، ولم ينص على كون شيخه وثَّقَهُ، بل يعرفه، والمحققون لا يرون في قول الراوي: "حدثني الثقة" حجةً في قبول خبره، فكيف إذا كان يعرفه فقط؟

стр. 1733

٢ - قوله: "وإن لم يقل كلُّ واحدٍ ممن حدثه: سمعت أو حدثنا حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر؛ لأن ذلك عندي على السماع لإدراك المحدث من حدث عنه حتى ينتهي ذلك إلى النبي ﷺ ، ولازمٌ صحيحٌ يلزمنا قبوله ممن حمله إلينا إذا كان صادقا مدركا لمن روى ذلك عنه ... فهذا الظاهر الذي يحكم به، والباطن ما غاب عنا من وهم المحدث وكذبه ونسيانه وإدخاله بينه وبين من حدث عنه رجلا أو أكثر، وما أشبه ذلك مما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال، فلا نُكَلَّفُ علمُه إلا بشيء ظهر لنا، فلا يسعنا حينئذ قبولُه لما ظهر لنا منه. اهـ. أقول: أولًا: لم يتعرض الحميدي لبراءة الرواة من التدليس، وهو الحد الأدنى عند الجميع، وعليه فهذا إطلاق لم يقل به أحد فيما أعلم. ثانيًا: قوله: "وإن أمكن أن يكون بين المحدث والمحدث عنه واحد أو أكثر ... والباطن ما غاب عنا ... لما يمكن أن يكون ذلك على خلاف ما قال ... ". أقول: من أجل هذا الإمكان احتاط المحققون ووضعوا قواعد لنقد الأسانيد ونصبوا شروطا لقبول الأخبار، ولم يتركوا سبيلا لهذه "الإمكانات" أو "الاحتمالات" إلا أغلقوه، سوى القليل النادر مما لا يغيب أمره عن مجموع النقاد. ولو فُتح البابُ لهذا الإمكان وهذا الباطن، ورُكن إلى ذلك لما اطمأن ناقدٌ لخبر. وهذا لا يتنافى مع كون هذا العلم إنما هو بغلبة الظن، لكنه الظن الغالب والراجح الذي هو مناط التكليف في كثير من العلوم. ففي مسألتنا هذه شُرط لقبول الإسناد المعنعن:

стр. 1734

١ - عدالة الرواة؛ لإخراج كل مَنْ مِنْ شأنه الوقوع في الخطأ عمدا أو سهوا. ٢ - البراءة من التدليس؛ لإخراج مَنْ يروي عمَّن سمع منه ما لم يسمع؛ مُوهما السماع منه. ٣ - تعاصر الراويين؛ لإخراج مَنْ يروي عمَّن لم يدركه، أو أدركه في سِنٍّ لا تحتمل. ٤ - لقاء الراوييْن، ولو مرة، أو يَرد سماعه له من طرق محفوظة تقوم بها الحجة؛ لاستبعاد احتمال أن يروي عمن لم يلقه أو لم يسمع منه قط، وهو المعروف عند الأكثر بالإرسال، فإذا ثبت هذا لم يضره أن يقول بعد ذلك: "عن"؛ لأن الفرض أنه غير مدلس، وهذا هو الشرط الذي نازع فيه مسلم. ٥ - ألَّا توجد دلائل وبينات على عدم اللقاء أو السماع؛ تحرزا من دخول الوهم أو الخطأ فيما جاء صريحا في الدلالة عليهما. ولذا، وجب التفتيش عمَّا مِن شأنه أن يكون وإلا على عدم اللقاء أو السماع، أو مُغَلِّبا للظن بذلك قبل الحكم بالاتصال؛ لأن هذا من لوازم الشروط: أن تُستوفى أولًا قبل الحكم بمقتضاها. ص (١١٧ - ١٢١): قول الخطيب في "الكفاية" (ص ٢٩١): "أهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: حدثنا فلان عن فلان صحيح معمول به: (١) إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه. (٢) ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس.

стр. 1735

(٣) ولا يُعلم أنه يستجيز إذا حدثه أحد شيوخه عن بعض من أدرك حديثا نازلا فسمى بينهما في الإسناد مَن حدثه به أن يُسقط ذلك ويروي الحديث عاليا، فيقول: حدثنا فلان عن فلان، أعني الذي لم يسمعه منه؛ لأن الظاهر من الحديث السالم رواية مما وصفنا الاتصال، وإن كانت العنعنة هي الغالبة على إسناده". ثم أسند الخطيب إلى الشافعي قوله الذي سبق التعليق عليه، وهو: " ... وكان قول الرجل: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا، وقوله: حدثني فلان عن فلان سواء عندهم، لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه، فمن عرفناه بهذا الطريق قبلنا منه: حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلسا ... ". فأقول: نَقْلُ الخطيب للإجماع المذكور مشتملا على الإدراك واللقاء والسماع هو كلمة اتفاق في حمل الإسناد المعنعن على الاتصال، سوى القول الشاذ بلزوم التصريح بما يدل على السماع في كل موضع. وما استشهد به الخطيب من كلام الشافعي في قوله: "لا يحدث واحد منهم عمن لقي إلا ما سمع منه ... " يسير في نفس المضمار، وسبق تكلف العوني في توجيه تلك العبارة. وتبقى الحالة التي ذكرها مسلم ونقل عليها الإجماع أيضا، وهي عدم تحقق اللقاء أو السماع، وهذه لم يتعرض لها الخطيب في هذا الموضع، أما قوله في (ص ٢٨٩): "وأما قول المحدث: قال فلان، فإن كان المعروف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه جعل ذلك بمنزلة ما يقول فيه غيره: ثنا، وإن كان ربما يروي سماعا وغير سماع لم يحتج من رواياته إلا ما بين الخبر فيه".

стр. 1736

فهذا أعَمُّ من أن يكون ثبت سماعُه ممن روى عنه أم لا، وتعينُ أنه لم يثبت سماعه حتى يقال إن الخطيب هنا يوافق مذهب مسلم تكلفٌ وتحكمٌ، فالتشبث به سراب، وليس هذا موطن تحرير هذه القضية عند الخطيب. ص (١٢٢): سبق الجواب عن دعوى عدم صلاحية "صحيح" البخاري دليلا على اشتراط العلم باللقاء. ص (١٢٣): مناقشة الأمثلة التي ضربها العوني للدلالة على اكتفاء البخاري في "صحيحه" بالمعاصرة دون اشتراط ثبوت اللقاء أو السماع. المثال الأول: حديثا أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان ﵁: الأول: حديث: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (٥٠٢٧). والثاني: حديث حصار عثمان، وما فيه من قصة حفر بئر رومة، وتجهيز جيش العسرة (٢٧٧٨). أقول: قد صرح البخاري في "تاريخيه" المطبوعين بسماع أبي عبد الرحمن من عثمان، بالإضافة إلى علي وابن مسعود. مع أنه قد قال شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن من عثمان ولا من عبد الله، ولكن قد سمع من علي، روى هذا الدوري في "تاريخه" (٣١٨٠) عن يحيى بن معين عن حجاج عن شعبة.

стр. 1737

ورواه ابن الجنيد في "سؤالاته" (٦٠٣) عن ابن معين نفسه، ثم قال: "وأظن يحيى ذكر هذا عن شعبة". ولم يشك الدوري، بل جزم بأنه من نقل ابن معين عن شعبة، فنسبة هذا القول لابن معين -كما فعل العوني- غير دقيقة. نعم، نَقْلُ ابن معين وسكوتُه يُفيد الموافقة في الجملة، وإلا لبيَّن مخالفته في ذلك، كما هي عادة النقاد، كما فعل أحمد فيما رواه عنه الأثرم أنه لما ذكر قول شعبة: لم يسمع أبو عبد الرحمن السلمي من عثمان ولا من ابن مسعود، لم يُنكر، وقال: دَعْ عبد الله، فإني تركته، أراه وهما. "مراسيل" ابن أبي حاتم (١٠٧ - ١٠٨). ويؤكد أحمد ذلك الوهم بقوله -كما نقله عنه ابنه في "العلل ومعرفة الرجال" (٤٥٠٦) -: " ... وقرأ أبو عبد الرحمن (يعني السلمي) على عبد الله، وكان قارئا للقرآن ... ". وقال ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب "الجرح" (٥/ ٣٧): "روى عن عثمان وعلي وابن مسعود، روى عن عمر مرسل"، فلم يجزم هاهنا بالانقطاع إلا بين أبي عبد الرحمن وعمر، وكذا جزم ابن معين بعدم سماعه من عمر. وقال أبو حاتم في "المراسيل" (١٠٦): "ليس تثبت روايته عن علي، فقيل له: سمع من عثمان بن عفان؟ قال: روى عنه، لا يذكر سماعا". اهـ. وقد أخرج البخاري لأبي عبد الرحمن السلمي عن علي عدة أحاديث، جاء التصريح بسماعه منه في واحد منها (٣٠٨١) (٦٩٣٩). ومسلم لم يخرج لأبي عبد الرحمن عن عثمان شيئا، إنما خرج له عن علي في عدة مواضع. والمقصود هنا ما يلي: ١ - لم يعتمد البخاري في تصحيح حديثيّ أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان على المعاصرة وحدها كما زعم العوني، وإلا لصحح كثيرا من الروايات المشابهة،

стр. 1738

ولأورد الباحث لذلك عشرات النظائر، لا أربعة نماذج لا يصفو له منها شيء، وهذا خلاف ما عرف من طريقة البخاري ومذهبه، فكم أعرض عما صححه غيره من أجل هذا الشرط. والذي يقتضيه جزم البخاري بسماع أبي عبد الرحمن من عثمان في "تاريخيه" أنه وقف على دليل أو أكثر، أو قرائن تبلغ مبلغ الأدلة على ثبوت ذلك السماع. ٢ - هناك فرقٌ بين أن يصرح مثل البخاري بسماع راوٍ من آخر، وبين أن يصحح تلك الرواية لقرائن احتفت بها. ٣ - لم ينفرد البخاري بمخالفة قول شعبة فيما يتعلق بسماع أبي عبد الرحمن السلمي من المذكورين، فقد خالفه أحمد في سماعه من عبد الله بن مسعود كما مَرَّ، وخالفه أبو حاتم في روايته عن علي، ومسلم يظهر أنه وافقه في أنه لم يسمع من عثمان - فلم يخرج له عنه شيئا، ووافقه في سماعه من علي كما فعل البخاري، والبخاري قد خالفه في سماعه من عثمان، ووافقه في علي، وخالفه في ابن مسعود فصرح بسماعه منه، إلا أنه لم يخرج لأبي عبد الرحمن عنه شيئًا. ٤ - يدل هذا على أن القضية في هذا المثال وأكثر الأمثلة الآتية في كلام العوني إنما هي قضايا خلافية اجتهادية، يُثبت البخاري فيها سماعَ راوٍ من آخر وينفيه غيره، وهناك كثير من النماذج -بل هي الغالبة- على عكس ذلك؛ ينفي البخاري أو يتوقف في سماعٍ يُثبته غيره، وذلك بحسب ما يتوفر لكل ناقد أو إمام من دلائل ثبوت السماع، كما يختلفون في توفر شروط العدالة والضبط. المثال الثاني: حديث عروة بن الزبير، عن أم سلمة، أن رسول الله ﷺ قال لها: "إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون" (١٦١٩) (١٦٢٦).

стр. 1739

ذكره الدارقطني في "التتبع" وقال: "هذا مرسل" وبيَّن أنه روي من طريق عروة، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة. وقال الطحاوي في "بيان مشكل أحاديث رسول الله ﷺ ": "عروة لا نعلم له سماعًا من أم سلمة". أقول: لي على هذه الرواية بعض الملاحظات: أولًا: أخرج البخاري في "صحيحه" عدة أحاديث، جميعها من طريق عروة بن الزبير، عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة ومنها هذا الحديث في السياق الأول، ولم يخرج هذا الإسناد بدون ذكر زينب إلا في السياق الثاني من هذا الحديث. ثانيًا: عروة لم تشتهر روايته عن أم سلمة وله عنها في الكتب أحاديث ربما لا تزيد على السبعة، ليس في شيء مما وقفت عليه ما يدل على السماع، بل في بعضها صيغ ظاهرها الحكاية عن قولها لا الرواية عنها، مثل: قالت أم سلمة. ثالثًا: جُلُّ أحاديث عروة عن أم سلمة إنما هي بواسطة زينب بنت أبي سلمة، وبعضها بواسطة عائشة، أخرج منها البخاري حديثين أو ثلاثة. رابعًا: لم يتعرض البخاري في "تاريخيه" المطبوعين لرواية عروة عن أم سلمة، فضلًا عن السماع منها. خامسًا: خرج البخاري حديث عروة، عن زينب، عن أم سلمة بلفظه تامًّا في باب (٦٤): طواف النساء مع الرجال، رقم (١٦١٩)، ثم خرجه في باب (٧١): من صلى ركعتي الطواف خارجًا من المسجد، رقم (١٦٢٦) مصدرًا به الباب، ولم يُتم لفظه، بل ذكر صدره فقط، ثم عطف عليه (١٦٢٧) رواية عروة عن أم سلمة تامًّا.

стр. 1740

ولفظ الرواية الأولى ليس فيه محل الشاهد للتبويب، فلم يتمه، وساق الرواية الثانية بلفظها المشتمل على موضع الحاجة منها، وهي قوله: "فلم تُصلِّ حتى خرجت". والملاحظ أن الرواية الأولى مسندة إلى أم سلمة من قولها، أما الثانية فحكاية عما دار بينها وبين النبي ﷺ ، وعن فعلها. وصنيع البخاري في اكتفائه بصدر الرواية الأولى، وعطف الأخرى عليها تامَّة يقتضي أنهما عن قصة واحدة، الأولى مسندة من لفظ أم سلمة، والثانية حكاية عن فعلها. سادسًا: احتياط البخاري وتوقِّيه المعروف عنه يقضي باعتماده في الباب على الإسناد الأول، وهو الإسناد المشهور المتفق على اتصاله، والذي أكثر من الاحتجاج به في "صحيحه"، لكن لما لم يكن فيه ما احتاج إليه صريحا منصوصا عليه في معنى التبويب، تجوَّز في إيراد اللفظ التامّ المحتوي على موضع الحاجة بإسناد محتمل، أخرج أصله قبل ذلك. وقد صنع البخاري شبيها بهذا في كتاب الصلاة، ففي باب: الصلاة على الفراش، أخرج البخاري (٣٨٣) حديث عروة، أن عائشة أخبرته، أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهي بينه وبين القبلة على فراش أهله اعتراض الجنازة. ثم أعقبه (٣٨٤) برواية عروة أن النبي ﷺ كان يصلي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه. قال الحافظ في الرواية الثانية: "صورة سياقه بهذا الإرسال، لكنه محمول على أنه سمع ذلك من عائشة بدليل الرواية التي قبلها، والنكتة في إيراده أن فيه تقييد الفراش بكونه الذي ينامان عليه بخلاف الرواية التي قبلها فإن قولها: "فراش أهله" أعم من أن يكون هو الذي نام عليه أو غيره".

стр. 1741

أقول: المثالان قريبا الشَّبَه، والفرق أن حديث الصلاة ظاهر الإرسال بخلاف حديث الحج، وقد قال الحافظ: "سماع عروة من أم سلمة ممكن؛ فإنه أدرك من حياتها نيفا وثلاثين سنة، وهو معها في بلد واحد"؛ ولذا لم يقل الحافظ هنا ما قاله في حديث الصلاة "لكنه محمول على أنه سمع ذلك من زينب بنت أبي سلمة". وعندي أنه ينبغي قول ذلك، فمن المعطيات الست السابقة وغيرها يظهر لي أن البخاري لم يورد حديث يحيى بن أبي زكريا الغساني أبي مروان، عن هشام، عن عروة، عن أم سلمة من أجل أنه يرى أن عروة سمع من أم سلمة، ولكن اعتمادا -كما سبق بيانه- على أن الرواية عند عروة، عن زينب، عن أم سلمة، ولكنه احتاج إلى حكاية عروة للحديث عن فعل أم سلمة للموضع الذي سقناه آنفًا. يؤيد ذلك أن النسائي لما أعلَّ رواية عروة عن أم سلمة أعلها بأنه لم يسمعه منها، وإنما سمعه من زينب عنها، ثم ساقه من طريق مالك عن أبي الأسود، عن عروة به، فحمل رواية عروة عن أم سلمة على أنه سمعها من زينب عنها، كما يدل عليه صنيع البخاري. أما الدارقطني فقد أعله بالإرسال، وتتبَّع في ذلك البخاريَّ آخذًا عليه إخراجه في "الصحيح"، وذكر أن حفص بن غياث رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أيى سلمة، عن أمها أم سلمة، فوصله من طريق هشام عن عروة، لكن المحفوظ من رواية جماعة عن هشام إنما هو بدون ذكر زينب، كما قال الحافظ. ومن تدبر صنيع البخاري ظهر له أنه لا يلزمه بإيراده رواية عروة عن أم سلمة اعتراضٌ ولا انتقاضٌ، على ما شرحناه سابقا. ولا يتوجه أو يسوغ حملُ إيراده تلك الرواية على أنه يكتفي في ثبوت الاتصال بالمعاصرة، ولو كان ذلك يحتمل ولو من وجه بعيد لاكتفى البخاري بإيراده

стр. 1742

إسنادا ومتنا في الباب المعقود لأجله، وما الذي ألجأه إلى تصدير الباب برواية عروة عن زينب دون أن يسوق لفظها الذي لا يشتمل على موضع الشاهد منه؟! هذا ما عَنَّ لي، والله تعالى من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل. ص (١٢٧): المثال الثالث: حديث قيس بن أبي حازم، عن بلال بن أبي رباح، أنه قال لأبي بكر: "إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله". رقم (٣٧٥٥). قال العوني: "وقد قال علي بن المديني في "العلل": "روى عن بلال ولم يلقه". فلما أراد العلائي الدفاع عن ذلك قال: "في هذا القول نظر؛ فإن قيسا لم يكن مدلسًا، وقد ورد المدينة عقب وفاة النبي ﷺ ، والصحابة بها مجتمعون، فإذا روى عن أحدٍ: الظاهرُ سماعُه عنه". وبنحو ذلك دافع خالد الدريس عن هذا الحديث في "صحيح" البخاري، مضيفا أنه حديث موقوف، وفي باب المناقب. وبذلك نرجح أن البخاري اكتفى في إخراجه لهذا الحديث بشرط مسلم". انتهى ما قاله العوني. أقول: هكذا ساق العوني طرف إسناد الحديث: قيس بن أبي جازم، عن بلال بن أبي رباح، أنه قال لأبي بكر ... والذي في "الصحيح" (٣٧٥٥): "قيس أن بلالًا قال لأبي بكر ... " وبينهما فرق؛ فالأُولى صريحةٌ في الرواية عن بلال نفسه، وهي تقتضي الاتصال بالشروط التي ذكرناها آنفا، والثانية حكاية عن القول المذكور، ولا تُحمل بظاهرها على الاتصال، حسبما جرى عمل النقاد في التفريق بين "عن" و"أن" كما سبق التنبيه عليه في غير موضع.

стр. 1743

والمقصود أن سياق إسناد الصحيح لا يُعد من مسند قيس عن بلال، وإنما يَحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون قيس قد حضر ذلك الموقف فحكى ما شاهده وسمعه بناء على لقائه لأبي بكر وسماعه منه وروايته عنه، وقد أثبت له السماع منه: ابن المديني نفسه، وقد ثبت التصريح بسماعه منه وحضور مجلسه في غير موضع، بل قد قيل: إن أصح الأسانيد إلى أبي بكر هو: إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن أبي بكر. الثاني: ألا يكون شهد ذلك، وإنما بلغه؛ إما حدَّث به أبو بكر في حضوره، أو جرى ذكر ذلك في مجلسه، أو حدَّثه أحدٌ ممن حضروا ذلك القول، فأرسله. وقد ذكر الطبراني في "المعجم الكبير" (١/ ٣٥٦) ما رواه قيس بن أبي حازم عن بلال فذكر حديثين غريبين: أحدهما: بلفظ: عن بلال يرفعه ... والثاني: عن بلال أنه رأى رجلا ... ولم يذكر هذا الحديث، وقد ذكره في ترجمة بلال (١/ ٣٣٧) من طريق عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن أبي أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم بلفظ: قال بلال لأبي بكر حين توفي رسول الله ﷺ ... وبمثل هذا اللفظ أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٢٣٨) عن محمد بن عبيد الطنافسي، عن إسماعيل به. وقوله: "قال بلال" هو نحو "أن بلالا قال"، وكلاهما غير صريحين في الاتصال على ما بيَّنا. واستظهر الحافظ بلفظ أحمد: "حين توفي رسول الله ﷺ " على أن ذلك القول كان في خلافة أبي بكر، يعني بعد وفاة النبي ﷺ ، فكأنه يُلمح إلى وقوع ذلك حال وجود قيس في المدينة على المشهور من وفاة النبي ﷺ ، وقيس في طريقه إليه، فلم يدركه.

стр. 1744

والمراد أن سياق البخاري لهذا الحديث في هذا الموطن إن كان على الاحتمال الأول الذي ذكرناه آنفا، وهو حضور قيس لذلك الموقف وشهوده إياه، فالأمر على السلامة والجادّة، فلا إشكال، وليس بممتنع أن يختلف البخاري مع شيخه ابن المديني في مثل هذا، فإن مقتضى إثبات ابن المديني سماع قيس من أبي بكر ونفي لقاءه لبلال أنه يرى عدم حضوره ذلك الموقف. وعلى كل حالٍ فالأصلُ عدم ثبوت اللقاء أو السماع حتى تأتي بينةٌ عليه، ولذا فالاحتمال الأول لا تُساعد عليه الأدلة، ووجب العمل بكلام ابن المديني في ذلك؛ لأنه لم ينهض دليلٌ أو قوله يخالفه، وسياق البخاري للإسناد ظاهره الإرسال كما بيناه سابقا. وإن كان على الاحتمال الثاني -وهو الأقرب- فقد تجوز فيه البخاري بإيراده في كتاب المناقب، وليس فيه حُكمٌ، ولا ما يُحتاج فيه إليه وحده. وأمَّا أنَّ البخاري بإخراجه لهذه الرواية بهذا السياق يرى سماع قيس من بلال؛ اكتفاءً بمطلق المعاصرة، فهو خطأ يكشفه ما سبق إيضاحه، والله تعالى الموفق. ص (١٢٧): المثال الرابع: حديثا عبد الله بن بريدة عن أبيه، وقد سبق النظر في ذلك، فليراجعه من شاء. ص (١٢٨): احتجاج العوني بأن هناك مجموعة من الأسانيد نُفي سماعُ بعض رواتها من شيوخهم، وهي في "صحيح" البخاري، والنُّفاة للسماع أمثال: أبي داود، وأبي حاتم الرازي، والعقيلي، والإسماعيلي، والدارقطني، وغيرهم، بقوله: لو كان متقررًا عندهم أن البخاري يشترط العلم بالسماع لما تجرءوا على انتقاد بعض أحاديث "صحيحه" بعدم السماع ...

стр. 1745

أقول: هذا احتجاجٌ في غاية السقوط؛ لأنه لا يَعْدُو أن يكون ذلك اختلافا في الاجتهاد والنظر. "وعدم التجرؤ" الذي يصوره العوني هو اختراعٌ حادث ابتدعه بعض المتأخرين، ليس له أثرٌ عند متقدمي الأئمة والنقاد ممن عاصروا البخاري أو جاءوا بعده إلى زمن الخطيب فلم يُؤثَر عن أحدٍ من المعتبَرين منهم التوقفُ عما يراه مخالفا لرأي البخاري أو صنيعه من أجل أنه وضعه في "صحيحه". وأقوال هؤلاء، والكُتب التي صنفها بعضهم في هذا الصدد، تشهد على ذلك، فالناقد يخبر عن رأيه في الرواة: عدالةً وضبطا وسماعا، وفي الأخبار: قبولا وردًّا، بغض النظر عن رأي غيره وشرطه كائنا من كان. ولا يتهيأُ هذا ولا ينبغي لِكُلِّ أَحَد، ولكل مقامٍ رجال، والأمر يدور مع الدلائل والبينات، ولا علاقة لهذا الباب بـ "الأدب العلمي" الذي هَوَّل به العوني. ولو صدقتْ تلك التوهمات، ما جرؤ!! أحدٌ من النقاد على الطعن أو الجرح في راوٍ خرج له البخاري في "صحيحه"، وكذلك مسلم، أو على إعلال حديث خُرج فيهما؛ لأن الفرض أنهما ينتقيان رجال "صحيحيهما" وأحاديثهما، فالطعن في أحدهما "سوء أدب" مع صاحب "الصحيح"، وعدم وثوق باجتهاده ونظره. والحقُّ أن شأنَ أهل العلم عند أنفسهم أجلُّ من ذلك. فمقاماتُ أئمة النقد، ومن أجلِّهم البخاري، محفوظةٌ، ومراتبُهم في هذا الفنِّ معلومةٌ، ولم يُتهم أحدٌ من المتقدمين بمخالفته لشيخه أو من تقدمه بسوء أدب أو نحوه، وكُلٌّ يُؤخذ من قوله ويُرَدُّ ولا يُضرب كلامُ أهل العلم بعضه ببعض، ولا يُلزم أحدُهم بقولِ آخر، بل تُجرى قواعدُ الفن في كل موضع. والله تعالى أعلم.

стр. 1746

ص (١٣٠): الدليل الحادي عشر: احتجاج البخاري في "صحيحه" بالمكاتبة والمناولة المقترنة بالإجازة، بل واحتجاجه بالوجادة. أقول: أما المكاتبة والمناولة المقترنة بالإجازة فلا إشكال فيهما، بل هما مما اتفق غالب أهل العلم على الاحتجاج بهما، وهو المشهور المعتمد المعمول به. وليس ثمة علاقة بين الاحتجاج بهاتين الوسيلتين من وسائل التحمل وبين عدم اشتراط العلم بالسماع؛ لأنهما كافيان في الاتصال، وهو المراد، فبأي وسيلة ثبت مما يُحتج به واعتُبر عند النقاد: أَغْنَى ذلك عن الشرط المعهود للاتصال، وهو العلم بالسماع. وأما الوجادة، فقد اختُلف في الاحتجاج بها، ووضع المحتجون بها شروطا لذلك، لكن لم يثبت أن البخاري احتج بها، والمثال الذي ذكره العوني قد وصفه الدارقطني بالمكاتبة، وأيَّده الحافظ في مقدمة "فتح الباري" (ص ٣٨٠) وهو الصحيح. ص (١٣٢): الدليل الثاني عشر: اكتفاء البخاري بالمعاصرة في نصوص صريحة عنه. ١ - سأل الترمذيُّ البخاريَّ كما في "ترتيب العلل الكبير" (٢/ ٦٣٢) عن حديثٍ لعطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي قائلا: "أترى هذا الحديث محفوظا؟ قال: نعم. قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء بن يسار قديم". اهـ. أقول: الحديث هو: "ما قُطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة" وهو من رواية زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، وهذا الحديث لا يُعرف إلا من حديث زيد بن أسلم، كما قال الترمذي في "الجامع" (١٤٨٠).

стр. 1747

وقد اختلف عليه فيه؛ فرواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن عطاء، عن أبي واقد، عن النبي ﷺ ، وهو الإسناد الذي سأل الترمذي البخاري عنه. ورواه المسور بن الصلت وخارجة بن مصعب، عن زيد، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ . ورواه سليمان بن بلال، عن زيد، عن عطاء بن يسار، عن النبي ﷺ مرسلًا. ورواه هشام بن سعد، عن زيد، عن ابن عمر. وهو اختلاف مشهور، حكاه غير واحد من الحفاظ، وهذا هو محل سؤال الترمذي للبخاري: هل المحفوظ من رواية زيد بن أسلم أنها عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي؟ على اعتبار أن للحديث عن زيد بن أسلم أسانيد أخر على ما ذكرنا. فَرَدَّ البخاريُّ عن السؤال بالإيجاب؛ أي أن هذا الوجه محفوظ. وقد خولف البخاري - فيما نقله عنه الترمذي هنا. فرجح الدارقطني المرسل بقوله: "المرسل أشبه" كما في "علله" (١١٥٢). وحكى البزار الأوجه الثلاثة الأُوَل، وقال: المسور لين الحديث، وقد روى عنه جماعة من أهل العلم، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار فليس بالقوي في الحديث -"نصب الراية" (٤/ ٣٧٨) - ولم يذكر رواية سليمان المرسلة بشيء فكأنه يميل إلى تقويتها. وخرج أبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٢٥١) رواية يوسف بن أسباط، عن خارجة بن مصعب، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا. وقال: "تفرد به خارجة فيما أعلم عن أبي سعيد، ورواه عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن عطاء، عن أبي واقد الليثي، وهو المشهور الصحيح". اهـ.

стр. 1748

هذا مما وقفت عليه بشأن ذلك الخلاف، وكلامِ بعض الحفاظ عليه، ولست بصدد النظر في الراجح من ذلك، ولكن الشأن الآن هو تقرير أن البخاري حكم فيما رواه عنه الترمذي في كتاب "العلل" بأن طريق عبد الرحمن بن عبد الله هذا محفوظ، وليس بمنكر أو خطأ، وليس هذا من قبيل الحكم على ذلك الإسناد بالصحة المشتملة على جميع مفردات الشروط المعتبرة المعروفة. ولو كان مقتضى جواب البخاري على ما يفهمه كثير من المتأخرين في معنى المحفوظ في مثل هذا الموطن: أنه حكم على الإسناد بالصحة والقبول مطلقا، لما احتاج الترمذي إلى السؤال عن إدراك عطاء بن يسار لأبي واقد الليثي؛ لأنه حينئذٍ يكون البخاري قد أجاب ضمنا عمَّا هو أبعد من الإدراك وهو السماع، هذه واحدة. الثانية: أن سؤال الترمذي عن الإدراك وليس السماع يشير إلى أن الإدراك كان عنده فيه بُعْدٌ أو غموض، ولذا فقد دفع البخاري عنه هذا الإشكال بأن الإدراك ليس بخافٍ؛ إذ كان عطاء قديما، وهو استدلال تاريخي بَحْت، ولم يتعرض البخاري لقضية السماع. لكنَّ العوني قد رَكَّبَ من مجموع أمرين: الأول: حُكْم البخاري على هذه الرواية بأنها محفوظة، ومقتضى ذلك عند العوني تصحيحها. الثاني: إخباره بإدراك عطاء بن يسار لأبي واقد الليثي. فَبَنَى الباحثُ على تصحيح البخاري لروايةٍ لم يزد فيها على الإخبار بإدراك بعض رواتها لبعض: أن البخاري يكتفي بالمعاصرة. وهذا تركيبٌ وبناءٌ مغلوطٌ، ومجازفة، على ما بينا مقصودَ البخاري بكل من الأمرين فيما سبق، والله تعالى الموفق.

стр. 1749

٢ - قال البخاري في "الأوسط": حدثني عبدة قال: حدثنا عبد الصمد، قال: حدثنا عبد الله بن بكر بن عبد الله المزني، قال: سمعت يوسف بن عبد الله بن الحارث: كنت عند الأحنف بن قيس، وهو يوسف ابن أخت محمد بن سيرين. وعبد الله أبو الوليد -وهو ابن الحارث والد يوسف- روى عن عائشة وأبي هريرة ولا نُنكر أن يكون سمع منهما؛ لأن بين موت عائشة والأحنف قريب من اثنتي عشرة سنة. اهـ. أقول: هذه قرينة تاريخية على عدم إنكار السماع لأجل احتمال سن الراوي للسماع من شيخه، لكن لم يجعل البخاري تلك القرينة- وهي الإدراك أو المعاصرة- قاضيةً بثبوت السماع، وعدمُ إنكار السماع لا يستلزم ثبوته. بيان ذلك أن إنكار السماع يحتاج إلى دليل خاص؛ كعدم الإدراك، وهذا يثبت بالتاريخ، أو استحالة اللقاء؛ كتباعد البلدان مع عدم هجرة أحد الراويين إلى بلد الآخر، أو تصريح خاص بعدم السماع ممن تقوم الحجة بنفيه في ذلك، فإذا لم يوجد شيء من هذا ونحوه، لم يَسُغْ للناقد إنكارَ السماع أو نفيه، ولكنه أيضا يتوقف في إثباته حتى تتوفر الشرائط المعتبرة عنده في ذلك. ص (١٣٤ - ١٣٩): الدليل الثالث عشر: اكتفاءُ جمعٍ من الأئمة بالمعاصرة. الجواب عن ذلك بإجمالٍ أُلَخِّصُه في النقاط التالية: الأولى: عدم إنكار السماع، أو إثبات احتمال اللقاء بالنظر في سن الراوي وشيخه، أو مقارنة سن بعض من ثبت لقاء الراوي لهم بمن هو محل البحث في لقائه وسماعه منه، فهذا مما تختلف فيه أنظار الأئمة النقاد، وتتباين فيه اجتهاداتهم، ويتبادلون احتمال اللقاء ونفيه، وكذا السماع في أحوال متشابهة للرواة، ولكل مقام مقال.

стр. 1750

وليس لكل واحد من النقاد طريقة مطردة في ذلك، بل لكل حالة نظر خاص، فمن ترجح له من الأئمة لقاءُ راوٍ لشيخٍ أو سماعُه منه بقرائن معتبرة، بَنى على هذا الرجحان ميلَه إلى تقوية الاتصال، ومن لم يترجح له ذلك منهم بَنى على الأصل في نفيه أو على الأقل توقفه فيه. الثانية: قد تكون تلك القرائن عند الإمام أقوى من مجرد مجيء التصريح باللقاء أو السماع في رواية، صحَّت أم لم تصح، ومن المعلوم أن هذا النظر خاص بأئمة النقد لتوفر الملكات والأدوات اللازمة لهذا، فإن كانوا مع ذلك ربما اختلفوا في بعض الحالات، كان ذلك أَدْعَى لاحتياط مَن بعدهم، والتأني في الخوض في ذلك. الثالثة: ميل الإمام إلى تقوية أو ثبوت اللقاء أو السماع للقرائن التي يراها ليس هو من باب الاكتفاء بمطلق المعاصرة في ثبوت الاتصال، وإلا لاستفاض ذلك وانتشر، وإذا عُرفت نسبة تلك الحالات إلى نسبة ما نُفي فيه اللقاء مع ظهور تحقق المعاصرة أو ما نُفي فيه السماع مع تحقق اللقاء: عُلم أن ما ذكره العوني عن أمثال ابن المديني، وأحمد، وابن معين، وأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم هو من قبيل النادر الذي احتفت به قرائن لم تتوفر لغيره عند القائل به، ومع ذلك فقد عبَّرُوا عن ذلك بعباراتٍ احتمالية يظهر فيها الميلُ دون الجزم، وكذلك فإنهم لم يتفقوا عليه، بل لم يقنع آخرون بتلك القرائن، فنفوا اللقاء أو السماع. بهذا يتبين وهاءُ الاحتجاج بتلك المواضع التي تحيطها قرائن وملابسات ليس هذا موطن شرحها، والله تعالى الموفق. ص (١٤٤). الدليل الرابع عشر: كتاب العوني: "المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس" يحتاج إلى وَقْفة، ليس هذا موضعها، لكني أقول هنا:

стр. 1751

الأبحاث الاصطلاحية النظرية متى كانت نتيجتها شاذَّةً عن غالب تصرفات أهل الاصطلاح، فإن تلك الأبحاث تنادي على نفسها حينئذٍ بالشذوذ والهجران. والعبرة ليست بالمسميات أو الإطلاقات، وإنما بحقائق الأمور. وهاهنا سؤال يفرض نفسه ويتعين الجواب عنه: ما هو الشرط الذي نعاه مسلم على مخالفه في قضية الإسناد المعنعن؟ الجواب: أنه شرط اللقاء ولو مرة، والمخالف يتفق مع مسلم في ألا يكون الراوي مدلسًا، ومع ذلك زاد هذا الشرط، فلو كان اشتراط انتفاء التدليس كافٍ في التحرز عن رواية الراوي عمن لم يلقه لما كان لهذا الاشتراط معنى؛ لأن التدليس حينئذٍ يشمله. لكن لمَّا كان التدليس يُستعمل في غالب اصطلاح أهل العلم على رواية الراوي عمن سمع ما لم يسمع -ولا يمتنع إطلاق البعض أحيانا وصف التدليس على غير ذلك- احتاج المخالف إلى التحرز عن روايته عمن لم يلقه، فاشترط اللقاء ولو مرة. ولو كان مسلم: يرى أن تلك الصورة داخلة في حَدِّ التدليس، لكفاه أن يرد على المخالف بقوله: قد اشترطت ألا يكون الراوي مدلسًا، وبالتالي فلن يروي عمن عاصره ولم يلقه، ولكنه لم يفعل، وكان هو الأَولى بذلك الجواب من العوني. ص (١٤٦ - ١٤٧): الدليل الخامس عشر: بدون تعليق!! ص (١٤٨): المسألة الرابعة: الأصل الأول: مقتضى "عن" في عرف المحدثين.

стр. 1752

أقول: نعم، الظاهر من استعمال "عن" ليس كالظاهر من استعمال "أن" و"قال"، فهاتان ونحوهما لا يُشعران بالاتصال، بل تُعَلُّ روايةٌ اشتملت على "عن" بأخرى أَوْلَى مشتملة على "أن" بدلا منها، ولو كانا سواء ما أُعِلَّتْ الأولى بالثانية؛ حيث إن الثانية خادشةٌ أو مريبةٌ في الاتصال. أما "عن" فالمخالف لمسلم لا يقول إنها لا تدل على الاتصال، ولكنه يحتاج لحملها على ذلك إلى ثبوت اللقاء أو السماع ولو مرة واحدة كحد أدنى للتحرز عن الإرسال، ثم هو يحمل "عن" بعد ذلك على ظاهر الاتصال، فلا يفتش عن السماع في الإسناد المعنعن حينئذٍ إلا مع الريبة في بعض المواضع. فالمخالف يرى أن "عن" جرى عُرف المحدثين على استعمالها في الإسناد المتصل تخففًا من ذكر صيغ السماع في كل موضع، لكن بشرط ثبوت الاتصال بين كل راويين ترد بينهما "عن". ص (١٥٢ - ١٥٧): الأصل الثاني: سبقت الإشارة إليه قريبًا. قال الفقير إلى الله تعالى: انتهى هاهنا ما بدا لي التعليق عليه من الكتاب المذكور، والله من وراء القصد، وهو يتولى السرائر، وهو حسبي ونعم الوكيل. * * *

стр. 1753

المطلب الثاني فوائد متفرقة تتعلق بقضية التدليس الأولى: أثر التدليس على العدالة . الثانية: الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال. الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أما تدليس التسوية فلابد فيه من التصريح به. الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين". الخامسة: الإعلال بالتدليس. الأولى: أثر التدليس على العدالة: • في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٠٠) من طريق أبى معمر: "حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس ... " فقال الكوثري في الوليد: "ينسبه ابن عدي إلى التدليس الفاحش". فقال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٥١٦): "قد علم الأستاذ أن التدليس ليس بجرح، وإنما يُذكر صاحبه به ليُعرف، فلا يُقضى على ما جاء عنه بالعنعنة أنه متصل ما لم يتبين ذلك من وجه آخر، وقد صرح الوليد هنا بالسماع غاية التصريح فلا مدخل للتدليس هنا البتة" اهـ. • وقال فيه (١/ ٣٨٧): "المدلس إنما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عُرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذبًا".

стр. 1754

• وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الموضح" (١/ ٣٧٩): "تدليس الشيخ بالكناية عنه باسم لا يُعرف به قد ينافي العدالة، وذلك إذا كان مع ذلك هناك شيخ آخر معروف بذاك الاسم يُظن أنه المراد، فلا يجوز على الثوري مثل هذه الخيانة الفاجرة، وهي أن يكني عن إبراهيم الهجري الضعيف باسم عُرف به السبيعي الإمام، بحيث يكون الظاهر أنه المراد، حاشى الثوري من هذا" اهـ. الثانية: الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال: راجع مبحث المعلمي في "عمارة القبور". الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يُحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أما تدليس التسوية فلا بد فيه من التصريح به: • قال في "عمارة القبور" ص (١٧١): "تراهم يعمدون إلى السند الذي فيه من وصف بمطلق التدليس، ولكنه صرح بالتحديث عن شيخه فيحكمون له بالصحة، وإن كان شيخه أو شيخ شيخه لم يصرح بالسماع، إلا أن يوصف بالتسوية، فلابد من التصريح بالسماع منه إلى آخر السند، ووجهه أن تدليس التسوية أقبح وأشنع من مطلق التدليس؛ إذ لا يخلو عن الكذب، فالظاهر سلامة الثقة منه، وإن وصف بمطلق التدليس. انظر: كتب الفن في تدليس التسوية". وفي (ص ١٧٢): أما سفيان: فقد قيل: "إنه كان يدلس التسوية"، ولكن في "فتح المغيث" (ص ٧٧): قال البخاري: "لا يعرف لـ "سفيان الثوري" عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه". وظاهر هذا يتناول تدليس التسوية، وإلا لقال البخاري: ولكنه كان يسوي فيما رواه عن حبيب، أو نحو ذاك. مع أن سفيان أثبت إن شاء الله من أن يسوي فيما رواه

стр. 1755

عن شيخ قد تنزه عن التدليس؛ لأن العلم ينزهه عن التدليس عن شيخه، يحمل على الظن بأنه لم يسو فيما رواه عنه. اهـ. الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين ": • قال الشيخ المعلمي في "عمارة القبور" ص (١٨٤ - ١٨٥). قال في "فتح المغيث" (ص ٧٧) في الكلام على ما في الصحيحن من عنعنة المدلسين: "قال ابن الصلاح، وتبعه النووي وغيره: محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول، لا المتابعات، تحسينٌ للظن بمصنفيها، يعني ولو لم نقف نحن على ذلك .. وأشار ابن دقيق العيد إلى التوقف في ذلك، .. وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنزلة مَنزلة السماع، يعني: إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، وعن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققن سماع المعنعن لها .. والذي عندي أن صاحب الصحيح لا يصحح عنعنة من عُرف أنه يدلس إلا بعد الوثوق بثبوت السماع، وإنما لم يُثبت السند المصرح فيه؛ لأنه نازل، أو نحو ذلك. فإن قيل: قد يثبت عنده السماع من طريق فيها مَن لا يُوافق على توثيقه. قلت: هذا خلاف الظاهر، بل الغالب على الظن أنه قد ثبت لديه من طريق متفق على تصحيحها، وإلا لأبرزها. نظير ما قالوه في سفيان بن عيينة: أنه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل الثقة الذي صرح به، ولكن مع هذا كله لا يزال في النفس شيء؛ خشية أن يكون خفي على صاحب "الصحيح" كون ذلك المعنعن يدلس، أو خفي عليه جرحٌ في بعض رجال الطريق التي ثبت لديه فيها التصريح بالتحديث، أو نحو ذلك.
следующие страницы →