الأبحاث الاصطلاحية النظرية متى كانت نتيجتها شاذَّةً عن غالب تصرفات أهل الاصطلاح، فإن تلك الأبحاث تنادي على نفسها حينئذٍ بالشذوذ والهجران.
والعبرة ليست بالمسميات أو الإطلاقات، وإنما بحقائق الأمور.
وهاهنا سؤال يفرض نفسه ويتعين الجواب عنه:
ما هو الشرط الذي نعاه مسلم على مخالفه في قضية الإسناد المعنعن؟
الجواب: أنه شرط اللقاء ولو مرة، والمخالف يتفق مع مسلم في ألا يكون الراوي مدلسًا، ومع ذلك زاد هذا الشرط، فلو كان اشتراط انتفاء التدليس كافٍ في التحرز عن رواية الراوي عمن لم يلقه لما كان لهذا الاشتراط معنى؛ لأن التدليس حينئذٍ يشمله.
لكن لمَّا كان التدليس يُستعمل في غالب اصطلاح أهل العلم على رواية الراوي عمن سمع ما لم يسمع -ولا يمتنع إطلاق البعض أحيانا وصف التدليس على غير ذلك- احتاج المخالف إلى التحرز عن روايته عمن لم يلقه، فاشترط اللقاء ولو مرة.
ولو كان مسلم: يرى أن تلك الصورة داخلة في حَدِّ التدليس، لكفاه أن يرد على المخالف بقوله: قد اشترطت ألا يكون الراوي مدلسًا، وبالتالي فلن يروي عمن عاصره ولم يلقه، ولكنه لم يفعل، وكان هو الأَولى بذلك الجواب من العوني.
ص (١٤٦ - ١٤٧):
الدليل الخامس عشر:
بدون تعليق!!
ص (١٤٨):
المسألة الرابعة:
الأصل الأول: مقتضى "عن" في عرف المحدثين.
стр. 1752
أقول:
نعم، الظاهر من استعمال "عن" ليس كالظاهر من استعمال "أن" و"قال"، فهاتان ونحوهما لا يُشعران بالاتصال، بل تُعَلُّ روايةٌ اشتملت على "عن" بأخرى أَوْلَى مشتملة على "أن" بدلا منها، ولو كانا سواء ما أُعِلَّتْ الأولى بالثانية؛ حيث إن الثانية خادشةٌ أو مريبةٌ في الاتصال.
أما "عن" فالمخالف لمسلم لا يقول إنها لا تدل على الاتصال، ولكنه يحتاج لحملها على ذلك إلى ثبوت اللقاء أو السماع ولو مرة واحدة كحد أدنى للتحرز عن الإرسال، ثم هو يحمل "عن" بعد ذلك على ظاهر الاتصال، فلا يفتش عن السماع في الإسناد المعنعن حينئذٍ إلا مع الريبة في بعض المواضع.
فالمخالف يرى أن "عن" جرى عُرف المحدثين على استعمالها في الإسناد المتصل تخففًا من ذكر صيغ السماع في كل موضع، لكن بشرط ثبوت الاتصال بين كل راويين ترد بينهما "عن".
ص (١٥٢ - ١٥٧):
الأصل الثاني: سبقت الإشارة إليه قريبًا.
قال الفقير إلى الله تعالى:
انتهى هاهنا ما بدا لي التعليق عليه من الكتاب المذكور، والله من وراء القصد، وهو يتولى السرائر، وهو حسبي ونعم الوكيل.
* * *
стр. 1753
المطلب الثاني
فوائد متفرقة تتعلق بقضية التدليس
الأولى: أثر التدليس على العدالة .
الثانية: الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال.
الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أما تدليس التسوية فلابد فيه من التصريح به.
الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين".
الخامسة: الإعلال بالتدليس.
الأولى: أثر التدليس على العدالة:
• في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٤٠٠) من طريق أبى معمر: "حدثنا الوليد بن مسلم قال: قال لي مالك بن أنس ... " فقال الكوثري في الوليد: "ينسبه ابن عدي إلى التدليس الفاحش".
فقال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٥١٦):
"قد علم الأستاذ أن التدليس ليس بجرح، وإنما يُذكر صاحبه به ليُعرف، فلا يُقضى على ما جاء عنه بالعنعنة أنه متصل ما لم يتبين ذلك من وجه آخر، وقد صرح الوليد هنا بالسماع غاية التصريح فلا مدخل للتدليس هنا البتة" اهـ.
• وقال فيه (١/ ٣٨٧):
"المدلس إنما يسلم من الجرح بالتدليس إذا كان قد عُرف عنه أنه يدلس، فإن ذلك يكون قرينة تخلصه من أن يكون تدليسه كذبًا".
стр. 1754
• وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الموضح" (١/ ٣٧٩):
"تدليس الشيخ بالكناية عنه باسم لا يُعرف به قد ينافي العدالة، وذلك إذا كان مع ذلك هناك شيخ آخر معروف بذاك الاسم يُظن أنه المراد، فلا يجوز على الثوري مثل هذه الخيانة الفاجرة، وهي أن يكني عن إبراهيم الهجري الضعيف باسم عُرف به السبيعي الإمام، بحيث يكون الظاهر أنه المراد، حاشى الثوري من هذا" اهـ.
الثانية: الفرق بين حدِّ التدليس والإرسال:
راجع مبحث المعلمي في "عمارة القبور".
الثالثة: الوصف بمطلق التدليس يُحمل على أخف أنواعه وهو: تدليس الشيوخ، أما تدليس التسوية فلا بد فيه من التصريح به:
• قال في "عمارة القبور" ص (١٧١):
"تراهم يعمدون إلى السند الذي فيه من وصف بمطلق التدليس، ولكنه صرح بالتحديث عن شيخه فيحكمون له بالصحة، وإن كان شيخه أو شيخ شيخه لم يصرح بالسماع، إلا أن يوصف بالتسوية، فلابد من التصريح بالسماع منه إلى آخر السند، ووجهه أن تدليس التسوية أقبح وأشنع من مطلق التدليس؛ إذ لا يخلو عن الكذب، فالظاهر سلامة الثقة منه، وإن وصف بمطلق التدليس. انظر: كتب الفن في تدليس التسوية".
وفي (ص ١٧٢):
أما سفيان: فقد قيل: "إنه كان يدلس التسوية"، ولكن في "فتح المغيث" (ص ٧٧):
قال البخاري: "لا يعرف لـ "سفيان الثوري" عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه".
وظاهر هذا يتناول تدليس التسوية، وإلا لقال البخاري: ولكنه كان يسوي فيما رواه عن حبيب، أو نحو ذاك. مع أن سفيان أثبت إن شاء الله من أن يسوي فيما رواه
стр. 1755
عن شيخ قد تنزه عن التدليس؛ لأن العلم ينزهه عن التدليس عن شيخه، يحمل على الظن بأنه لم يسو فيما رواه عنه. اهـ.
الرابعة: عنعنة المدلسين داخل "الصحيحين ":
• قال الشيخ المعلمي في "عمارة القبور" ص (١٨٤ - ١٨٥).
قال في "فتح المغيث" (ص ٧٧) في الكلام على ما في الصحيحن من عنعنة المدلسين:
"قال ابن الصلاح، وتبعه النووي وغيره: محمول على ثبوت السماع عندهم فيه من جهة أخرى، إذا كان في أحاديث الأصول، لا المتابعات، تحسينٌ للظن بمصنفيها، يعني ولو لم نقف نحن على ذلك .. وأشار ابن دقيق العيد إلى التوقف في ذلك، .. وأحسن من هذا كله قول القطب الحلبي في "القدح المعلى": أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين مُنزلة مَنزلة السماع، يعني: إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، وعن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققن سماع المعنعن لها ..
والذي عندي أن صاحب الصحيح لا يصحح عنعنة من عُرف أنه يدلس إلا بعد الوثوق بثبوت السماع، وإنما لم يُثبت السند المصرح فيه؛ لأنه نازل، أو نحو ذلك.
فإن قيل: قد يثبت عنده السماع من طريق فيها مَن لا يُوافق على توثيقه.
قلت: هذا خلاف الظاهر، بل الغالب على الظن أنه قد ثبت لديه من طريق متفق على تصحيحها، وإلا لأبرزها.
نظير ما قالوه في سفيان بن عيينة: أنه لا يدلس إلا عن ثقة، مثل الثقة الذي صرح به، ولكن مع هذا كله لا يزال في النفس شيء؛ خشية أن يكون خفي على صاحب "الصحيح" كون ذلك المعنعن يدلس، أو خفي عليه جرحٌ في بعض رجال الطريق التي ثبت لديه فيها التصريح بالتحديث، أو نحو ذلك.
стр. 1756
إلا أنه على كل حال إذا كانت عنعنة المدلس في "الصحيح" يكون الظن بثبوت السماع أقوى مما لو كانت في غير الصحيح. اهـ.
الخامسة: الإعلال بالتدليس:
• ذكر الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ١١١) قول أبي رية:
"ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: وأتى كعب عمر فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيدًا، وإنك تقول من أين وإني في جزيرة العرب".
ثم تعقبه بقوله: "هي عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، وأبو إسحاق مشهور بالتدليس، ولم يذكر سماعا، وروى غيره القصة عن عمرو بن ميمون كما في صحيح البخاري وغيره بدون هذه الزيادة". اهـ.
• وذكر الشيخ المعلمي فيه (ص ١١٩) قوله:
"وفي تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعبًا عن سدرة المنتهى. فقال: إنها على رءوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، وليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء العلم بها".
فقال المعلمي: "هو من طريق الأعمش، عن شمر بن عطية، عن هلال بن يساف، قال: سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر".
كذا قال، والأعمش مشهور بالتدليس، وهلال بن يساف لم يدرك كعبًا" اهـ.
• وذكر فيه (ص ١٣٣) قوله:
"فقد روى وكيع، عن الأعمش، عن أبي صالح الخ".
فقال المعلمي: "يُنظر السند إلى وكيع، والأعمش مدلس، وأبو صالح لم يتبين إدراكه للقصة". اهـ.
стр. 1757
• وفيه (١٧٣ - ١٧٤) قوله:
"وعن أبي حسان الأعرج أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن رسول الله: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار. فطارت شققا ثم قالت: كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم، مَنْ حَدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ؟ إنما قال رسول الله ﷺ : كان أهل الجاهلية يقولون: إن الطيرة فى الدابة والمرأة والدار، ثم قرأتْ ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾
فقال المعلمي: " ... أما روايته عن أبي هريرة فعزاه أبو رية إلى "تأويل مختلف الحديث" لابن قتيبة، وقد رواه الإمام أحمد في المسند (٦: ١٥٠ و ٢٤٠ و ٢٤٦) من طريق: قتادة، عن أبي حسان، وليس بالصحيح عن عائشة؛ لأن قتادة مدلس، ولو صح عن عائشة لما صح المنسوب إلى أبي هريرة؛ لجهالة الرجلين، وليس في شيء من روايات أحمد لفظ "كذب"، ولو صحت لكانت بمعنى "أخطأ"، كما يدل عليه آخر الحديث. وقد تبين أنه لا خطأ، فقد رواه جماعة من الصحابة كما علمت، فأما معناه والجمع بينه وبين الآية فيطلب من مظانه" اهـ.
• ونظر الشيخ المعلمي في حديث أيي هريرة في يأجوج ومأجوج، فقال في "الأنوار الكاشفة" (ص ١٨٤ - ١٨٦):
"هذا الحديث مداره على قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة، رواه عن قتادة فيما وقفت عليه ثلاثة:
الأول: شيبان بن عبد الرحمن في مسند أحمد (٢: ٥٢٣).
الثاني: أبو عوانة في سنن الترمذي ومستدرك الحاكم (٤: ٤٨٨).
الثالث: سعيد بن أبي عروبة في تفسير ابن جرير (١٦: ١٦) وسنن ابن ماجه ومسند أحمد (٢: ٥٣٢).
стр. 1758
فأما شيبان وأبو عوانة ففي روايتهما: " ... قتادة عن أبي رافع"
وأما سعيد فرواه عنه فيما وقفت عليه ثلاثة:
الأول: يزيد بن زريع عند ابن جرير وفيه أيضًا: " ... قتادة عن أبي رافع".
الثاني: عبد الأعلى بن عبد الأعلى عند ابن ماجه وفيه: " ... قتادة قال حدث أبو رافع"
هكذا نقله ابن كثير في تفسيره طبعة بولاق (٦: ١٧٣) وطبعة المنار (٥: ٣٣٣) ومخطوطة مكتبة الحرم المكي، وهكذا في سنن ابن ماجه نُسخ مكتبة الحرم المكي المخطوطة وهي أربع، وطبعة عمدة المطابع بدهلى في الهند سنة (١٢٧٣)، ووقع في أربع نسخ مطبوعة هنديتن ومصريتين: " ... قتادة قال حدثنا أبو رافع" مع أن سياق السند من أوله فيها هكذا: "حدثنا أزهر بن مروان ثنا عبد الأعلى ثنا سعيد عن قتادة ... " فلو كان في الأصل: "قال حدثنا" لاختصر في الأصول المخطوطة لهذه النسخ الأربع إلى: "ثنا" كسابقيه في أثناء السند، ولكنه جهل الطابعين، حسبوا أنه لا يقال: "حدث فلان" وإنما يقال: "حدثنا فلان" فأصلحوه بزعمهم، وتبع متأخرهم متقدمهم، والله المستعان.
الثالث: روح بن عبادة عند أحمد وفيه " ... قتادة ثنا أبو رافع" وأحسب هذا خطأ من ابن المذهب راوي المسند عن القطيعي عن عبد الله بن أحمد، وفي ترجمته من الميزان واللسان قول الذهبي: "الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بمتقن، وكذلك شيخه ابن مالك، ومن ثم وقع في المسند أشياء غير محكمة المتن ولا الإسناد" ومن المحتمل أن يكون الخطأ من روح، فإن كلا من يزيد وعبد الأعلى أثبت منه، وقتادة مشهور بالتدليس فلو كان الخبر عند سعيد عنه مصرحًا فيه بالسماع لحرص سعيد على أن يرويه كذلك دائمًا بل أطلق أبو داود أن قتادة لم يسمع من أبي رافع، وظاهره أنه لم يسمع منه شيئًا، ولكن نظر فيه ابن حجر، على كل حال فلم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع، فلم يصح الخبر عن أبي رافع، وأبو رافع هو نفيع البصري
стр. 1759
مخضرم ثقة ... فلو صح الخبر عنه لزم تصحيحه عن أبي هريرة، ولو صح عن أبي هريرة لصح عن النبي ﷺ ، ولو صح مع ذلك أن كعبًا أخبر بما يشبهه لكان محمله الطبيعي أن كعبًا سمع الحديث من أبي هريرة أو غيره من الصحابة فاقتبس منه خبره، لكن الخبر لم يصح عن أبي رافع، فلم يصح عن أبي هريرة، فلم يصح عن النبي ﷺ ، ولا ندري ممن سمعه قتادة، والله أعلم.
• وفيه (٦٤ - ٦٥)
"روى ابن شهاب عن قبيصة أن الجدة جاءت أبا بكر تلتمس أن تورث فقال: ما أجد لك في كتاب الله شيئًا، وما علمت أن رسول الله ذكر لك شيئًا، ثم سأل الناس، فقام المغيرة فقال: كان رسول الله ﷺ يعطيها السدس. فقال له: هل معك أحد؟ فشهد محمد بن مسلمة بمثل ذلك، فأنفذه لها أبو بكر".
فقال الشيخ المعلمي:
"هذه واقعة حال واحدة، ليس فيها ما يدل على أنه لو لم يكن مع المغيرة غيره لم يقبله أبو بكر. والعالم يحب تظاهر الحجج كما بينه الشافعي في الرسالة (ص ٤٣٢). ومما حسَّن ذلك هنا أن قول المغيرة: "كان رسول الله ﷺ يعطيها السدس" [كما نقله أبو رية] يعطي أن ذلك تكرر من قضاء النبي ﷺ .
وقد يستبعد أبو بكر تكرر ذلك ولم يعلمه هو مع أنه كان ألزم للنبي ﷺ من المغيرة. وأيضًا الدعوى قائمة، وخبر المغيرة يشبه الشهادة للمدعية، ومع ذلك فهذا خبر تفرد به الزهري، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة، عن قبيصة، واحد عن واحد عن واحد. فلو كان في القصة ما يدل على أن الواحد لا يكفي لعاد ذلك بالنقض على الخبر نفسه. فكيف وهو منقطع، لأن قبيصة لم يدرك أبا بكر، وعثمان بن إسحاق وإن وثق لا يعرف في الرواية إلا برواية الزهري وحده عنه هذا الخبر وحده". اهـ.
стр. 1760
المطلب الثالث
ضرورة إجراء القواعد في نقد صيغ الأداء الواردة في الأسانيد
قال الفقير إلى الله تعالى:
اعلم أن صيغ الأداء في الأسانيد مما اعتنى به الأئمة، فكانوا يضعونها تحت النقد والنظر، ولابد أن يصح الطريق لقائل الصيغة أولًا حتى تثبت عنه، ثم لابد أن تتوفر فيه هو شروط قبول الرواية المعتبرة حتى يقبل منه تصريحه بالسماع من شيخه؛ خشيةَ أن يكون قد وهم فى ذلك، وهذا من دقائق هذا العلم، ومما يرجع فيه أولًا وأخيرا لأئمة النقد.
ولهذا أمثلة معروفة لأهل الفن؛ من ذلك: أن أصحاب الزهري قد اتفقوا على رواية حديث عنه عن سعيد بن المسيب، لم يصرح الزهري بسماعه فيه من ابن المسيب. وخالفهم أسامة بن زيد الليثي -وهو ضعيف- فرواه عن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب حكى عمرو بن علي الفلاس أن يحيي القطان قد ترك أسامة بسبب ذلك. انظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٢١٠).
نماذج لهذا المطلب:
١ - نظر الشيخ المعلمي في حديث أبي هريرة في يأجوج ومأجوج، في "الأنوار الكاشفة" (ص ١٨٤ - ١٨٦) وقد سبق قريبا.
٢ - وفي "الفوائد" (ص ١٢٧ - ١٢٨) حديث: "إذا جامع أحدكم زوجته أو جاريته فلا ينظر إلى فرجها فإن ذلك يورث العمى".
قال الشوكاني: "رواه ابن عديّ عن ابن عباس مرفوعًا، وقال ابن حبان: هذا موضوع وكذا قال ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه. وعَدّه ابن الجوزي في "الموضوعات"، وخالفه ابن الصلاح فقال: إنه جيد الإسناد، وقد أخرجه البيهقي في "سننه".
стр. 1761
وسبب هذا الاختلاف أن إسناده عن ابن عدي: حدثنا قتيبة حدثنا هشام بن خالد حدثنا بقية عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس فذكره.
قال ابن حبان: كان بقية يروى عن كَذَّابين، ويدلس، وكان له أصحاب يسقطون الضعفاء من حديثه.
وقال ابن حجر: لكن ابن القطان ذكر في كتاب "أحكام النظر": أن بقي بن مخلد رواه عن هشام بن خالد عن بقية قال: حدثنا ابن جريج. فهذا فيه التصريح من بقية بالتحديث، وهو ثقة إذا صرح بالتحديث، وسائر الإسناد رجاله ثقات، فمن هذه الحيثية قال ابن الصلاح: إنه جيد".
فقال الشيخ المعلمي تعليقًا على رواية بقي بن مخلد والتي فيها تصريح بقية بالتحديث:
"أخشى أن يكون هذا خطأ، ومع ذلك فقد بقيت التسوية كما ذكره ابن حجر في آخر عبارته، لأن بقية ممن يفعلها".
٣ - بَحْث الشيخ المعلمي في سماع سليمان بن موسى الأشدق من جابر بن عبد الله، مع تعليقاتي عليه من ترجمة سليمان من القسم الأول:
قال الشيخ المعلمي:
في تهذيب التهذيب: في ترجمته: "أرسل عن جابر ... " وفيه: "وقال ابن معين: سليمان ابن موسى عن مالك بن يخامر مرسل، وعن جابر مرسل" (١) ولم يذكر ما يخالف ذلك.
стр. 1762
لكن رأيت في مسند الإمام أحمد (ج ٣ ص ١٢٥): ثنا عبد الرزاق أنا ابن جريج قال سليمان بن موسى: أنا جابر "أن النبي ﷺ قال: لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالفه إلى مقعده، ولكن ليقل: أفسحوا".
ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج أخبرني سليمان بن موسى قال: أخبرني جابر: "أن النبي ﷺ قال: لا يقيم أحدكم أخاه يوم الجمعة ... "
فقول سليمان في السند الأول: "أنا جابر" صريح في سماعه من جابر، لكن فيه عنعنة ابن جريج (١).
وأما السند الثاني فسالم من التدليس، ومحمد بن بكر وابن جريج على شرط الشيخين، وقد صرح كل منهما بالسماع بحيث ينتفي احتمال التدليس، وصرح سليمان بقوله: "أخبرني جابر".
ويبعد كل البعد أن يكون هاهنا سهو من النساخ في السندين المتتابعين معًا (٢).
فلم يَبْق إلا أحدُ احتمالين؛ إما أن يكون صدق في أن جابرًا أخبره، وإما أن يكون كذب. وقد ثبت أن الرجل صدوق، وهو أعلم بنفسه (٣) من ابن معين وغيره، ولم ندر على ما بنى ابن معين حُكْمَهُ، فتمسكنا بما صح من سماع سليمان من جابر، وقد أدرك من حياة جابر مُدَّةً (٤).
стр. 1763
وقد قال الحافظ في إتحاف المهرة (١): سليمان بن موسى الأسدي الأموي عن جابر، ولم يدركه، أورد له حديثه هذا الذي في المسند، ولم يتعرض لصيغة روايته عن جابر (٢)، وليس عندنا نسخة خطية من مسند أحمد نراجعها، فمن وجد فليراجع.
وقال المزي في الأطراف في الكلام على حديث ابن جريج الذي قال فيه: عن سليمان بن موسى وأبي الزبير عن جابر.
стр. 1764
قال المزي: سليمان لم يسمع من جابر، فلعل ابن جريج رواه عن سليمان، عن النبي ﷺ (١).
أقول: يرده ابن جريج عن سليمان وحده، كما عند أبي داود، وقد ذكره المزي -أيضا- والله أعلم (٢).
هذا مع علمنا بأن ثبوت سماعه من جابر لا يفيد صحة حديثه في شأن القبول مادامت عنعنة ابن جريج قاطعة الطريق.
* * *
стр. 1765
المطلب الرابع
قضايا ومسائل تتعلق بالسماع
١ - معنى السماع بمعناه الواسع:
ذكر الشيخ المعلمي في غرائب تحريف الكوثري لنصوص أئمة الجرح والتعديل (الطليعة: ص ٤٧):
عبد الله بن علي المديني، قال الكوثري (ص ١٦٨): "وهو لم يسمع من أبيه على ما يقال".
قال المعلمي:
يريد الكوثري بهذا قول الدارقطني، وعبارة الدارقطني كما في (تاريخ بغداد): "أخذ كتبه وروى أخباره مناولة، قال: وما سمع كثيرًا من أبيه".
فقوله: "وما سمع كثيرًا من أبيه" واضح في أنه سمع منه، إلا أنه لم يكثر، وأول عبارته يفيد أن ما لم يسمعه من كتب أبيه وأخباره أخذه منه مناولة، وهي من طرق التلقي، فعلى هذا تكون روايته عن أبيه متصلة صحيحة؛ إن صرح بالسماع فسماع، وإلا احتمل أن يكون سماعًا وأن يكون مناولة، والرواية التي ذكرها الخطيب من طريقه ولأجلها تعرض له الكوثري قد بأن فيها السماع.
هذا والسماع أصله أن يملي الشيخ بلفظه والتلميذ يسمع، لكن قد يطلق السماع على ما هو أعم من ذلك، وهذا هو المتبادر من قولهم: فلان لم يسمع من فلان، فيفهم منه أن روايته عنه منقطعة حتى ولو صرح بالاتصال يكون كذبًا، وهذا هو مفهوم عبارة الكوثري لأنه قصد بها الطعن في رواية هذا الرجل التي بين فيها السماع، فانظر تحريفه لعبارة الدارقطني اهـ.
стр. 1766
٢ - نفي السماع لا يلزم منه انتفاء جميع صور التحمل كالإجازة والمكاتبة ونحوها:
نقل الشيخ المعلمي عن الخطيب أمورا انتقدت على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية، فمن ذلك (١/ ٣٥٣):
الثالث: ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: وروى ابن بطة عن أحمد بن سلمان النجاد عن أحمد بن عبد الجبار العطاردي نحوًا من مائة وخمسين حديثًا، فأنكر ذلك عليه علي بن محمد بن ينال، وأساء القول فيه، وقال: إن النجاد لم يسمع من العطاردي شيئًا حتى همت العامة أن توقع بابن ينال واختفى. قال: وكان ابن بطة قد خرج تلك الأحاديث في تصانيفه وضرب على أكثرها وبقي بقيتها على حاله.
فقال المعلمي:
"قد مر الكلام في ابن برهان، ولكن دخول الوهم عليه في هذا بعيد، والنجاد يقال إنه ولد سنة (٢٥٣) وسمع من الحسن بن مكرم المتوفى سنة (٢٧٤) ورحل إلى البصرة وسمع بها من أبي داود المتوفى سنة (٢٧٥)، ووفاة العطاردي سنة (٢٧٢)، فلا مانع من أن يكون النجاد قد سمع من العطاردي، فإن قبلنا ما حكاه ابن برهان عن ابن ينال فلا مانع من أن يكون للنجاد إجازة من العطاردي ولابن بطة إجازة من النجاد فروى ابن بطة تلك الأحاديث بحق الإجازة، فكان ماذا؟ فأما حكه لبعضها فلعله وجدها أو ما يغني عنها بالسماع من وجه آخر فحك ما رواه بالإجازة وأثبت السماع".
٣ - لا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع؛ فإن كثيرا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم يحدثوا عنهم بشيء:
نظر الشيخ المعلمي في سماع قيس بن سعد من عمرو بن دينار، وذلك فيما رواه مسلم من حديث سيف بن سليمان: أخبرني قيس بن سعد عن عمرو بن دينار عن ابن العباس: "أن رسول الله ﵌ قضى بيمين وشهادة". وهو في المسألة (١٥) من القسم الثاني من التنكيل (ص ١٦٥)، ودفع قول الكوثري بالانقطاع بينهما بقوله:
стр. 1767
"وأما الانقطاع بين قيس وعمرو فلا وجه له، ولم يقله من يعتد به ... وقيس ولد بعد عمرو ومات قبله، وكان معه في مكة وسمع كل منهما من عطاء وطاوس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم، وكان عمرو لا يدع الخروج الى المسجد الحرام والقعود فيه إلي أن مات، كما تراه في ترجمته من (طبقات ابن سعد)، وكان قيس قد خلف عطاء في مجلسه كما ذكره ابن سعد أيضا، وسمع عمرو من ابن عباس وجابر وابن عمر وغيرهم ولم يدركهم قيس، فهل يظن بقيس أنه لم يلق عمرا وهو معه بمكة منذ ولد قيس إلى أن مات؟ أو لم يكونا يصليان في المسجد الحرام الجمعة والجماعة؟ أو لم يكونا يجتمعان في حلقة عطاء وغيره في المسجد ثم كان لكل منهما حلقة في المسجد قد لا تبعد إحدى الحلقتين عن الأخرى إلا بضعة أذرع. أو يظن بقيس أنه استنكف السماع من عمرو لأنه قد شاركه في صغار مشايخه ثم يرسل عنه إرسالا؟ ...
وسبب الوهم في هذا أن الطحاوي ذكر هذا الحديث فقال: "وأما حديث ابن عباس فمنكر لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء" فتوهم جماعة من -آخرهم الأستاذ الكوثري- أن الطحاوي قصد بهذا أن قيسا عن عمرو منقطع لعدم ثبوت اللقاء بناء على القول باشتراط العلم به، القول الذي رده مسلم في مقدمة (صحيحه)، ونقل إجماع أهل العلم على خلافه.
وعبارة الطحاوي لا تعطي ما توهموه فإنه ادعى أن الحديث منكر، ثم وجه ذلك بقوله: "لأن قيس بن سعد لا نعلمه يحدث عن عمرو بن دينار بشيء" ولم يتعرض لسماعه منه ولقائه له بنفي ولا إثبات.
ولا ملازمة بين عدم التحديث وعدم اللقاء أو السماع؛ فإن كثيرًا من الرواة لقوا جماعة من المشايخ وسمعوا منهم ثم لم يحدثوا عنهم بشيء.
فإن قيل: إنما ذاك لاعتقادهم ضعف أولئك المشايخ، وعمرو لم يستضعفه أحد.
стр. 1768
قلت: بل قد يكون لسبب آخر، كما امتنع ابن وهب من الرواية عن المفضل بن فضالة القتباني لأنه قضى عليه بقضية، وامتنع مسلم من الرواية عن محمد بن يحيى الذهلي لما جرى له معه في شأن اختلافه مع البخاري.
فكأن الطحاوي رأى أن قيس لو كان يروي عن عمرو لجاء من روايته عنه عدة أحاديث؛ لأن عَمرًا كان أقدم وأكبر وأجل، وقد سمع من الصحابة، وحديثه كثيرٌ مرغوب فيه، وكان قيس معه بمكة منذ ولد، فحدس الطحاوي أن قيسًا كان ممتنعًا من الرواية عن عمرو، فلما جاء هذا الحديث استنكره كما قد نستنكر أن نرى حديثًا من رواية ابن وهب عن المفضل، أو من رواية مسلم عن محمد بن يحيى. فإن قيل: فقد يكون لاستنكاره خشي انقطاعه.
قلت: كيف يبنى على ظن امتناع قيس من الرواية عن عمرو نفسه أن يحمل هذا الحديث على أنه أرسله عنه؟ بل المعقول أنه إذا امتنع من الرواية عنه نفسه كان أشد امتناعًا من أن يروي عن رجل عنه، فضلًا عن أن يرسل عنه -أو بعبارة أخرى- يدلس، وقيس غير مدلس.
فإن قيل: فعلى ماذا يحمل؟
قلت: أما الطحاوي فكأنه خشي أن يكون سيف وهو راوي الحديث عن قيس - أخطأ في روايته عن قيس عن عمر.
فإن قيل: فهل تقبلون هذا من الطحاوي؟
قلت: لا؛ فإن أئمة الحديث لم يعرجوا عليه، هذا البخاري مع استبعاده لصحة الحديث فيما يظهر إنما حدس أن عمرًا لم يسمعه من ابن عباس، وذلك يقضي أن الحديث عنده ثابت عن عمرو، وهذا مسلم أخرج الحديث في (صحيحه)، وثبته النسائي وغيره. وليس هناك مظنة للخطأ، وسيف ثقة ثبت لو جاء عن مثله عن ابن وهب عن المفضل بن فضالة، أو عن مسلم عن محمد بن يحيى لوجب قبوله، لأن
стр. 1769
المحدث قد يمتنع عن الرواية عن شيخ ثم يضطر إلى بعض حديثه، هذا على فرض ثبوت الامتناع، فكيف وهو غير ثابت هنا؟ بل قد جاء عن قيس عن عمرو حديث آخر، روى وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت قيس بن سعد يحدث عن عمرو بن دينار ... ووهب وأبوه من الثقات الأثبات.
ذكر البيهقي ذلك في الخلافيات ثم قال: "ولا يبعد أن يكون له عن عمرو غير هذا" نقله ابن التركماني في (الجوهر النقي)، ثم راح يناقش البيهقي بناءًا على ما توهموه أن مقصود الطحاوي الانقطاع ودعوى أنه لم يثبت لقيس لقاء عمرو، وقد مر إبطال هذا الوهم، والطحاوي أعرف من أن يدعي ذلك لظهور بطلانه، مع ما يلزمه من اتهام قيس بالتدليس الشديد الموهم للقاء والسماع على فرض أن هناك مجالًا للشبك في اللقاء، وقد بينا أن الطحاوي إنما حام حول الامتناع، والحق أنه لا امتناع.
ولكن قيسًا عاجله الموت، ولما كان يحدث في حلقته في المسجد الحرام كان عمرو حيًا في المسجد نفسه، ولعل حلقته كانت بالقرب من حلقة عمرو فكان قيس يرى أن الناس في غنى عن السماع منه من عمرو لأن عمرًا معهم بالمسجد، فكان قيس يحدث بما سمعه من أكابر شيوخه فإن احتاج إلى شيء من حديث عمرو في فتوى أو مذاكرة فذكره، قام السامعون أو بعضهم فسألوا عمرًا عن ذلك الحديث فحدثهم به فرووه عنه ولم يحتاجوا إلى ذكر قيس ... اهـ.
٤ - عادة المحدثين إثبات سماع الحاضرين في مجالس السماع:
قال الشيخ المعلمي في ترجمة ابن المذهب من "التنكيل" (١/ ٢٤٢):
"جرت عادتهم -يعني المحدثين- بكتابة السماع وأسماء السامعين في كل مجلس، فمن لم يُسمع له في بعض المجالس دل ذلك على أنه فاته فلم يسمعه، فإذا ادعى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه؛ لأنه خلاف الظاهر، فإذا زاد فألحق اسمه أو تسميعه بخط يحكي به خط كاتب التسميع الأول قالوا: زوَّر اهـ
стр. 1770
فائدة: الفرق بين "قيل لفلان"، "سئل فلان" و: "رئي فلان":
نظر الشيخ المعلمي فيما رواه الخطيب في تاريخه (٧/ ٣٦) من طريق: حبش بن الورد قال: "رُؤي أسود بن سالم يغسل وجهه من غدوة إلى نصف النهار، فقيل له: أيش خبرك؟ قال: رأيت اليوم مبتدعًا فأنا أغسل وجهي منذ رأيته إلى الساعة، وأنا أظنه لا ينقي" فقال في "التنكيل" (١/ ٢١٨):
" .. حبش بن الورد كأنه حبش بن أبي الورد المترجم في "التاريخ" أيضًا باسم محمد بن الورد ولقبه حبش، وهو من المذكورين بالعبادة والزهد، يروي الحكايات ولم يوثق ...
وقول حبش "رئي أسود" ظاهرٌ في الانقطاع، بخلاف "قيل" و"سئل"؛ فإن الراوي قد يحضر الواقعة ويكون القائلُ أو السائلُ غيرَه دونه، فأما أن يحضرها ويكون الرائي غيره دونه فلا، إلا أن يكون أعمى ... فإن صحت القصة فالظن بالأسود أنه إنما قصد تنفير الناس عن الباع وأهلها! اهـ.
* * *
стр. 1771
المطلب الخامس
الاعتماد على النظر في سني الولادة والوفاة للرواة لبحث قضية السماع أو الإدراك لاسيما إذا لم توجد نصوص في ذلك
١ - تعرض الشيخ المعلمي في ترجمة ابن الصلت من "التنكيل" إلى مسألة سماع الإمام أبي حنيفة من بعض الصحابة، فقال هناك (١/ ١٨٩):
"قضية سماع أبي حنيفة ترتبط بقضية ميلاده فلا بأس بالنظر فيها هنا". فراجعه فإنه مهم لكنه مطول.
٢ - نقل الذهبي في ترجمة ابن الصلت من "الميزان" عن "تاريخ نيسابور" للحاكم من طريق ابن الصلت: حدثنا محمد بن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: حججت مع أبي ولي ثمان عشرة سنة، فمررنا بحلقة، فإذا رجل، فقلت: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ﵁.
ثم قال الذهبي: "هذا كذب؛ فابن جزء مات بمصر ولأبي حنيفة ست سنين".
عقبه الكوثري في "التأنيب" (ص ٢٤١) بقوله: "تغافل الذهبي عن أن في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافًا كثيرًا لتقدمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة فلا يبت في أغلب الوفيات برواية أحد النقلة، وها هو أبي بن كعب ﵁ من أشهر الصحابة اختلفوا في وفاته من سنة (١٨) إلى سنة (٣٢) والذهبي يصر على أن وفاته سنة (٢٢) في كتبه جميعًا مع أنه عاش إلى سنة (٣٢) وشارك جمع القرآن في عهد عثمان كما يظهر من طبقات ابن سعد، وأين منْزلة ابن جزء من منْزلة أُبي حتى يبت بوفاة تروي له عن ابن يونس وحده، وقد قال الحسن بن علي الغزنوي أن وفاته سنة (٩٦) كما في "شرح المسند" لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته .. ".
стр. 1772
فَكَرَّ عليه الشيخُ المعلمي في ترجمه ابن الصلت من "التنكيل" (١/ ١٨٣) بقوله: "الجواب من وجوه:
الأول: وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنْزلة وقوعه في أدلة الأحكام لا يبيح إلغاء الجميع جملة بل يؤخذ بما لا يخالف له وينظر في المتخالفين فيؤخذ بأرجحها، فإن لم يظهر الرجحان أخذ بما اتفقا عليه، مثال ذلك ما قيل في وفاة سعد ابن أبي وقاص سنة ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، فإن لم يترجح أحدها أخذ بما دل عليه مجموعها أنه لم يعش بعد سنة ٥٨. فإن جاءت رواية عن رجل أنه لقي سعد بمكة سنة ٦٥ مثلًا استنكرها أهل العلم، ثم ينظرون في السند فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقة حملوا عليه. فابن جزء قيل في وفاته سنة ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، وأرجحها الثاني لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة ٨٨، فلما جاءت تلك الرواية أنه لقى بمكة سنة ٩٦ أو ٩٨ استنكرها أهل العلم ووجدوا أحق من يحمل عليه ابن الصلت فأما قول الغرنوى المتأخر أن ابن جزء توفي سنة ٩٩ فهو من نمط ما في (المناقب) للموفق ج ١ ص ٢٦ روى من طريق الجعابي القصة وفيها أن اللقاء كان سنة ٩٦ ثم حكى عن الجعابي أن ابن جزء مات سنة ٩٧ فهذان القولان مع تأخر قائليهما إنما حاولا بهما تمشية القصة، رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها سفط القدور كما جاء عن الطحاوي وأن من شهد الموسم لا يمكن أن يصل إلى مصر إلا في السنة التالية فبنيا على ذلك ولم تمكنهما الزيادة على ذلك لئلا تفحش المخالفة لما نقل عن المؤرخين جدًّا.
الوجه الثاني: ابن جزء أقرب إلى عصر تدوين الوفيات من أبي بن كعب ففي (فهرست ابن النديم) ص ٢٨١ أن لليث بن سعد تاريخًا، وتواريخ المحدثين مدارها على بيان الوفيات والليث ولد سنة ٩٤ ومات سنة ١٧٥ ومن أشهر شيوخه يزيد بن
стр. 1773
أبي حبيب المتوفى سنة ١٢٨ وهو أشهر الرواة عن ابن جزء. وفي (تدريب الراوي) في شرح النوع الستين: "وقال سفيان الثوري لا استعمل الرواة الكذب استعملنا لهم التاريخ" والثوري ولد سنة ٩٧ ومات سنة ١٦١ فيظهر أن البحث والسؤال عن الوفيات قد شرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء وهكذا غيره ممن تأخرت وفاته فلم يكن بين العوني وبين الصحابي إلا رجل واحد فيخبره عما أدركه بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأُبيّ بن كعب.
الوجه الثالث: كان الصحابة في عهد أبي بن كعب متوافرين فلم يكن لطلبة العلم كبير حرص على لقائه لأنهم يجدون غيره من الصحابة ويرون أنه مات لم يفتهم شيء لبقاء كثير من الصحابة، وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه حتى نسب إلى شراسة الخلق فلعله لم يكن يتجشم لقاءه إلا ذوو الأسنان، فإذا نظرنا في الرواة عنه فلم نجد فيهم إلا من كان رجلًا في عهد عمر لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي في عهد عمر، فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر فطلبة العلم بغاية الحرص على السماع منه لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابيًا آخر وتزلوا طبقة كظيمة وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيرًا كان أم كبيرًا كما كان سهل بن سعد يقول: "لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ " كما في ترجمته من (الاستيعاب)، يحرضهم بذلك والله أعلم على السماع منه. ولما مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث قلنا تعال إلى من سمعه من النبي ﵌. فالظن بمن كان من طلحة العلم بمصر أنه إذا بلغ سن الطلب في حياة ابن جزء كان أهم شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه فلو عاش ابن جزء إلى سنة ٩٧ أو ٩٩ لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سن الطلب إلا قبل ذلك بقليل، ولو كان فيهم من هو كذلك لأشتهر أمره لعلو سنده ولما خفي على مثل ابن يونس وغيره ممن
стр. 1774
ذى وفاة ابن جزء، وقد تتبع الرواة عن ابن جزء فإذا أخرهم وفاة عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب توفي سنة ١٣١ وقد روى عبيد الله أيضًا عن ناعم مولى أم سلمة ووفاة ناعم سنة ٨٠ على ما قيل ولم يذكروا خلافه.
الوجه الرابع: لو حج ابن جزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين في الموسم واجتمع الناس حواليه كما تزعمه تلك الرواية لكان من حضر الموسم من أهل العلم وطلبة الحديث أحرص الناس على لقائه والسماع منه، أنه لم يبق حينئذ على وجه الأرض صحابي سمع من رسول الله ﵌ وحدث عنه إلا هو فرض صحة الرواية، ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لعلوه، ولا سيما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية "من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب" فإن فيه بشارة عظيمة لهم وفضيلة بينة وترغيبًا في طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره فما بالنا لا نجد لذلك أثرًا إلا ما تضمنته تلك القصة؟
الوجه الخامس: لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أُبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد لاستنكرها أهل العلم لكن لذلك شواهد وعواضد منها ما روي عن عبد الرحمن بن أبزي أنه قال: "قلت لأبي لما وقع الناس في أمر عثمان يا أبا المنذر" ومنها ما روى عن زر بن حبيش أنه لقي أُبيًا في خلافة عثمان، ومنها ما روي عن الحسن البصري في قصة أن أُبيًا مات قبل مقتل عثمان بجمعة. فأما الرواية في لقى ابن جزء بمكة سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين فلا شاهد لها ولا عاضد. فإن قيل أرأيت لو وجد لها شواهد وعواضد قوية أتقبلونها؟ قلت أن صح سندها فنعم وأي شيء في هذا؟ أرأيت من قامت عليه البينة العادلة بما يوجب القتل أيدرأ عنه القتل أن يقال لو وجدت بينة عادلة بجرح الشهود لما كان عليه قتل؟.
стр. 1775
الوجه السادس: متأخرو الوفاة من صاحبٍ قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاته لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديدًا فعبد الله بن أبي أوفى سنة ٨٦، ٨٧، ٨٨، وسهل ابن سعد الساعدي سنة ٨٨، ٩١، وأنس سنة ٩١، ٩٣، ٩٥، وأشد ما رأيته من التفاوت ما قيل في وفاة السائب بن يزيد وذلك نادر مع أن النبي ﵌ توفي وللسائب نحو سبع سنين وعامة روايته عن الصحابة، وقد يرسل، أما ابن جزء فروى عن النبي ﷺ سماعًا ولم يذكروا له رواية عن غيره فالحرص على السماع من ابن جزء محقق بخلاف السائب.
ثم قال الأستاذ: "على أن النبي ﵌ توفي عمن يزيد على مائة ألف من الصحابة ولم تحتو الكتب المؤلفة في الصحابة عشر معشار ذلك ولا مانع من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب لا سيما المقلين في الرواية".
أقول: حاصل هذا أنه يحتمل أن يكون هناك صحابي آخر وافق عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي في الاسم واسم الأب والنسب فيكون هو الذي جاء في تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة ٩٧ أو ٩٨، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم مع أنه قد علم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما يدفع هذا الاحتمال، فإن كان الأستاذ يشير بقوله: "في الاسم واسم الأب والنسب" ولم يذكر اسم الجد - إلى عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب فذاك تابعي معروف.
ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر "نص على أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله ابن جزء الزبيدي رواية عن ابن سعد".
أقول: يحكي الذهبي عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه رأى أنسًا، ولم أر في (الطبقات) المطبوع لا ذا ولا ذاك فلا أدري أفي كتاب آخر لابن سعد؟ أم حكاية مفردة رويت بسند، فإن كان الثاني فلا أدري ما حال ذاك السند وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة (وعبد الله بن جزء الزبيدي) مع أني لم أعرف
стр. 1776
سيف بن جابر، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة مع أن صنيع ابن عبد البر في (الاستيعاب) يقتضي أنه لم يعتد بما حكاه في (كتاب العلم) كان رؤية أبي حنيفة لابن جزء، فإنه قال في ترجمة أنس بعد أن ذكر أنه توفي سنة ٩١ و ٩٢ و ٩٣: "ولا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله ﵌ إلا أبا الطفيل" وقال في ترجمة ابن جزء: "كانت وفاته بعد الثمانين وقد قيل سنة ثمان أو سبع وثمانين سنة خمس وثمانين".
٣ - في ترجمة: عبد الله بن محمد بن حميد أبي بكر بن أبي الأسود من "التنكيل" (١٨٣١٦): قال ابن أبي خيثمة: "كان ابن معين سيء الرأي في أبي بكر بن أبي الأسود".
قال الشيخ المعلمي:
"هذا مجمل، وقد جاء عن ابن معين أنه قال: "ما أرى به بأسا" وجاء عنه أيضًا أنه قال: "لا بأس به ولكنه سمع من أبي عوانة وهو صغير وقد كان يطلب الحديث" فهذا يفسر رواية ابن أبي خيثمة.
وقال ابن المديني: "بيني وبين ابن أبي الأسود ستة أشهر، ومات أبو عوانة وأنا في الكتاب" ومولد ابن المديني سنة ١٦١ وذكر هو أن وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥ وقال غيره سنة ١٧٦.
فعلى ذلك يكون سن ابن أبي الأسود حين وفاة أبي عوانة خمس عشرة سنة أو أكثر -وكان ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي- فقد يكون ساعده هو أو غيره في الضبط، وقد صحيح الجمهور السماع في مثل تلك السن وفيما دونها. نعم يؤخذ من كلام بعضهم أن أبا عوانة توفي سنة ٢٧٠ ووقع في (تاريخ جرجان) لحمزة السهمي حكاية ذلك عن بعض الحفاظ كما يأتي في ترجمة أبي عوانة، فعلى هذا يكون سن ابن أبي الأسود نحو تسع سنين، لكن ذلك القول شاذ، ومع ذلك فابن تسع سنين قد يصح سماعه عندهم.
стр. 1777
والذي يرفع النزاع من أصله أنه ليس في سماع الرجل وهو صغير ما يوجب الطعن فيه، إنما يتوجب الطعن فيه وإنما يتوجه الطعن إذا كان السماع غير صحيح، ومع ذلك كان الرجل يبني عليه ويروي بدون أن يبين، وهذا منتف هاهنا، أما أولًا فلأن احتمال صحة سماعه من أبي عوانة ظاهر، ولا سيما على المعروف من أن وفاة أبي عوانة كانت سنة خمس أو ست وسبعين ومائة. وأما ثانيًا فلأن البخاري وأبا داود والترمذي أخرجوا لابن أبي الأسود ولم يذكروا شيئًا من روايته عن أبي عوانة وذلك يدل على أحد أمرين: إما أن يكون ابن أبي الأسود لم يرو عن أبي عوانة شيئا، وإما أن يكون ربما روى عنه مع بيان الواقع. وعلى هذا فيكون كلام ابن معين وابن المديني إنما هو على سبيل الاحتياط علمًا أنه سمع من أبي عوانة وهو صغير فخشيا أن يعتمد على ذلك فيروي من غير بيان" اهـ.
٤ - حكى الشيخ المعلمي في ترجمة: عبيد الله بن محمد بن حمدان أبي عبد الله ابن بطة العكبري من "التنكيل" (١/ ٣٥١) تسعة أمور هي ما ذكره الخطيب فيما انتقد عليه مما يتعلق بالرواية، أولها:
"أنه روى عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجي (كتاب السنن) له فذكر الخطيب أن أبا ذر عبد بن أحمد الهروي كتب إليه من مكة أنه سمع نصر الأندلسي.
قال: وكان يحفظ ويفهم، فذكر قصة حاصلها أنه سمع من ابن بطة (كتاب السنن) لرجاء بن مرجى من ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء فذكر ذلك للدارقطني، قال: "هذا محال؛ دخل رجاء بن مرجى بغداد سنة أربعين، ودخل حفص بن عمر الأردبيلي سنة سبعين ومائتين، فكيف سمع منه؟ " وذكر الخطيب عن ابن برهان قصة حاصلها أن ابن بطة ورد بغداد فحدث عن حفص بن عمر الأردبيلي عن رجاء بن مرجى (كتاب السنن) قال: "فأنكر ذلك أبو الحسن الدارقطني وزعم أن
стр. 1778
حفصًا ليس عنده عن رجاء، وأنه يصغر عن السماع منه، فأبردوا بريدًا إلى (أردبيل) وكان ابن حفص بن عمر حيًا هناك وكتبوا إليه يستخبرونه عن هذا الكتاب، فعاد جوابه بأن أباه لم يرو عن رجاء بن مرجي ولا رآه قط، مولده كان بعد موته بسنين" قال ابن برهان: "فتتبع ابن بطة النسخ التي كتبت عنه وغيَّر الرواية وجعلها عن ابن الراجيان عن (فتح بن) شحرف (١) عن رجاء.
أجاب ابن الجوزي بأن أبا ذر أشعري وأن ابن برهان مبتدع على ما تقدم في ترجمتيهما.
ولا يخفي سقوط هذا الجواب؛ فإن أبا ذر ثقة كما، وابن برهان يدل سياقه للحكاية على أنه صادق فيها، ورواية ابن بطة عن الأردبيلي عن رجاء ثابتة كما تقدم أن الخطيب روى عن الحسن بن شهاب عن ابن بطة بهذا السند، والحسن بن شهاب حنبلي ثقة. ورجاء توفي ببغداد وكان قد أقام بها آخر عمره مدة، والأردبيلي توفي سنة ٣٣٩ وبين وفاتيهما تسعون سنة، يضاف إليها مدة إقامة رجاء ببغداد آخر عمره؛ لأن الأردبيلي إنما سمع منه -إن كان سمع- بسمرقند، على ما رواه الخطيب عن الحسن بن شهاب، وأضف إلى ذلك مقدار سن الأردبيلي الذي مكَّنه أن يرحل من بلده إلى سمرقند حيث سمع رجاء، وهذان المقداران يمكن حَزْرُهما بعشرين أو ثلاثين سنة تضاف إلى التسعين التي بين الوفاتين، وعلى هذا يكون الأردبيلي بلغ من العمر مائة وبضع عشرة سنة على الأقل، فيكون مولده قريبًا من سنة ٢٢٠ على الأقل، وهذا باطل حتمًا؛ وبيانه أن عادة الذهبي في (تذكرة الحفاظ) أن يذكر من مشايخ الرجل أقدمهم، وإنما قال في ترجمة الأردبيلي: "سمع أبا حاتم الرازي ويحيى ابن أبي طالب وعبد الملك بن محمد الرقاشي وإبراهيم بن ديزيل" وهؤلاء كلهم
стр. 1779
ماتوا بعد سنة ٢٧٤ فهل رحل الأردبيلي وسمع سنة ٢٣٠ فسمع من رجاء بسمرقند ثم رقد بعد ذلك أربعين سنة ثم استيقظ فسمع من الذين سماهم الذهبي؟ فالوهم لازم لابن بطة حتمًا؛ وسببه أنه ساح في أول عمره، فكان يسمع ولا يكتب، ولم يكن يؤمل أن يحتاج آخر عمره إلى أن يروي الحديث، ولهذا لم تكن له أصول، وفي (لسان الميزان): "قال أبو ذر الهروي: جهدت على أن يخرج في شيئًا من الأصول فلم يفعل، فزهدت فيه" وبعد رجوعه من سياحته انقطع في بيته مدة ثم احتاج الناس إلى أن يسمعوا منه فكان يتذكر ويروي على حسب ظنه فيهم، وكأنه سمع (سنن رجاء بن مرجى) من الأردبيلي عن رجل، فتوهم بآخره أن الأردبيلي رواها عن رجاء نفسه، وقد رجع ابن بطة عن هذا السند لما تبين له أنه وهم. والله أعلم" اهـ.
٥ - ذكر الشيخ المعلمي في ترجمة حماد بن سلمة من "التنكيل" (١/ ٢٥٠) أن الكلام فيه يعود إلى أربعة أوجه، حتى بلغ: الوجه الثالث، فقال:
"زعم بعضهم إنه كان له ربيب يدخل في كتبه وقيل ربيبان وصحَّف بعضهم "ربيب حماد" إلى "زيد بن حماد" راجع (لسان الميزان) ج ٢ ص ٥٠٦.
ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي، قال الذهبي في (الميزان): "الدولابي حدثنا محمد بن شجاع ابن الثلجي حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث -يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى (عبادان) فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر فألقاها إليه. قال ابن الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول إن حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون إنها دست في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه فكان يدس في كتبه".
قال الذهبي: "قلت: ابن الثلجي ليس بمصدق على حماد وأمثاله وقد اتهم. نسأل الله السلامة".
стр. 1780
أقول: الدولابي حافظ حنفي له ترجمة في (لسان الميزان) ج ٥ ص ٤١ وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله إلا في قبوله لها من ابن الثلجي وروايتها عنه. كان ابن الثلجي من أتباع بشر المريسي جهميًا داعية عدوًا للسنة وأهلها ... فأما ما نسب إليه من التوسع في الفقه وإظهار التعبد فلا يدفع ما تقدم.
وحكايته هذه يلوح عليها الكذب، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي ولد أبوه سنة ١٣٥ فمتى ترى ولد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي كما ذكر عن نفسه سنة ١٨١ فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من (التهذيب) شيء من رواية ابن المديني عن إبراهيم، وهذا يشعر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨، فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠ فمتى تراه ولد؟ وقد قال الخليلي: "مات وهو شاب لا يعرف له إلا أحاديث دون العشرة، يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الواحد أحاديث أنكروها على الهاشمي، وهو من الضعفاء".
وحماد بن سلمة توفي سنة ١٦٧، ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبيا وإما لم يولد، فمتى صحب حماد بن سلمة حتى عرف حديثه وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى "عبادان"؟ وكيف عرف هذا الأمر العظيم ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي، ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد، وذِكْرُ ابن حبان له في (الثقات) لا يجدي لأنه لم يثبت عنه أحاديث كئيرة يعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكي، بل الحمل على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي.
وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب مع أن عبادًا متروك، وقال عبدان: لم يكذبه الناس وإنما لقنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديث في آخر الأمر. فعلى هذا فعباد وهو المبتلى يابن أخيه يدخل عليه في حديثه، وفي "الميزان" أحاديث من مناكيره". اهـ.
стр. 1781
٦ - في الترجمة رقم (٢٠٣) من "التنكيل":
"محمد بن حماد في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٤٠٢ من طريق: عبد الله بن أُبيّ القاضي يقول: سمعت محمد بن حماد يقول: رأيت النبي ﷺ في المنام .... " قال الأستاذ -الكوثري-: ص ١٤١: "وضَّاع معروف من أصحاب مقاتل".
أقول: صاحب مقاتل قديم ففي ترجمته من "اللسان" أنه قال: "أشخصني هشام بن عبد الملك من الحجاز إلى الشام ... " وقد مر في ترجمة عبد الله بن أُبي القاضي أن أعلى شيخ له: أحمد بن عبد الله بن يونس المتوفى سنة ٢٢٧، وهشام مات سنة ١٢٥، فأني يدرك عبدَ الله بن أُبي من كان في زمن هشام رجلا؟ فهذا رجل آخر. والله المستعان اهـ.
٧ - في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٢٤٧):
"عبد الواحد بن قيس لا يتحقق له إدراك لعُبادة، بل الظاهر البين أنه لم يدركه. توفي عبادة سنة ٣٤، ومن زعم أنه تأخر إلى خلافة معاوية، إنما اغتر بحوادث جرت له مع معاوية في إمارته، والمراد بالإمارة إذ كان عاملا على الشام في خلافة عمر وعثمان، ولو عاش عبادة بعد عثمان لكان له شأن، وعامة شيوخ عبد الواحد من التابعين، روى عن أبي أمامة المتوفى سنة ٨٦، وذكروا أنه روى عن أبي هريرة ولم يره، فإن لم يدرك أبا هريرة فلم يدرك عبادة؛ لأن أبا هريرة عاش بعد عبادة نيفًا وعشرين سنة، وإن كان أدركه ومع ذلك روى عنه ولم يسمعه، فهذا ضرب من التدليس يحتمل أن يقع منه في الرواية عن عبادة على فرض إدراكه له اهـ.
٨ - في "الفوائد المجموعة" (ص ٦٥) حديث: "من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود فإنها صدقة" قال الشوكاني: رواه الخطيب عن أبي هريرة، وفي إسناده: متروكان. ورواه الخطيب أيضًا عن عائشة مرفوعًا. وقال [يحيى بن معين: هذا كذب و] باطل لا يحدث بهذا أحد يعقل.
стр. 1782
فعلق الشيخ المعلمي بقوله:
"الحديث أورده الخطيب في ترجمة يعقوب بن محمد الزهري، وروى عن ابن معين قال: "يعقوب ..... صدوق، ولكن لا يبالي عمن حدث، حدث عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: "من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود، هذا كذب - الخ" يريد أن يعقوب يحدث عن الضعفاء والمتروكين، فحدث عن بعضهم عن هشام بن عروة بهذا الخبر الباطل.
وفي "الميزان" في ترجمة يعقوب: "أخطأ من قال: إنه يروي عن هشام بن عروة، لم يلحقه، ولا كأنه ولد إلا بعد هشام".
أقول: مات هشام سنة ١٤٥، وعامة شيوخ يعقوب ماتوا بعد سنة ١٨٠، وكأن يعقوب روى هذا الخبر عن عبد الله بن محمد بن زاذان عن أبيه، عن هشام" اهـ.
* * *
стр. 1783
المطلب السادس
نقد بعض صور التحمل سوى السماع
١ - الوجادة:
• قال المعلمي في "التنكيل" (١/ ٤٨٥):
"الوجادة صحيحة من طرق التحمل".
• وفيما يتعلق بسماع مخرمة بن بكير من أبيه قال المعلمي في "التنكيل" (٢/ ١٣٤):
"قال أبو داود: "لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا وهو حديث الوتر" فقد سمع من أبيه في الجملة فإن كان أبوه أذن له أن يروي ما في كتابه ثبت الاتصال، وإلا فهي وجادة، فإن ثبت صحة ذاك الكتاب قوي الأمر، ويدل على صحة الكتاب أن مالكًا كان يعتد به ... " اهـ.
فائدة: من شروط صحة النقل من كتابِ شيخٍ على سبيل الوجادة: التصريح أنه بخطِّ صاحبه.
• في "الفوائد المجموعة" (٨٣):
حديث: "من مشى في حاجة أخيه كان له خيرًا من اعتكاف عشر سنين".
قال في المختصر: ضعيف.
فقال الشيخ المعلمي:
"ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ١٩٢) بزيادة في آخره، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد.
стр. 1784
كذا قال، وهو في كتاب "مجمع البحرين في زوائد المسندين" للهيثمي من طريق أحمد بن خالد الخلال: ثنا الحسن بن بشر قال: وجدت في كتاب أبي ثنا عبد العزيز ابن أبي رواد عن عطاء عن ابن عباس (فذكره مرفوعًا بزيادته) ثم قال: لم يروه عن عبد العزيز إلا بشر بن سلم البجلي، تفرد به ابنه".
وفيه أمران؛ الأول: أنه لم يقل (بخطه).
الثاني: أن بشر بن سلم (١) لم يوثق، بل قال أبو حاتم: (منكر الحديث) ". اهـ.
قال الفقير إلى الله تعالي:
هذا من عيوب الوجادة، فقد يكون في كتاب الشيخ أحاديثٌ زيدت فيه بعده بخطٍّ يُشبه خطَّه، ولا يتبين للناظر هذا الفرق، أو يتبين له ولكنه يُقَصِّرُ فلا يُنبه عليه، أو يكون فيه ما ليس من حديثه ولكنه بخطه، كأن يَكتب ما لم يَسمع على أمل سماعه فيما بعد، ويُميز ذلك؛ لئلا يُحَدِّثُ به قبل سماعه، لكن ربما لم يَفطن الناظر في كتابه إلى أنه لم يسمعه، ولا يفهم هذا التمييز، فينقله على أنه من جملة ما سمعه الشيخ كسائر الكتاب، وهذا باب واسع من أبواب الخلل، ولذا فقد عاب الأئمة الوجادات؛ لتطرق ذلك إليها، ولشرح هذا بتوسع، ينظر كتابي "ثمرات النخيل" الذي مَرَّ التنبيه عليه آنفا.
стр. 1785
٢ - الإجازة:
الإجازة العامة:
• قال الشيخ المعلمى في ترجمة أبي نعيم الأصبهاني من "التنكيل" (١/ ١٢٢):
"من أقسام الإجازة: الإجازة العامة، بأن يجيز الشيخ للطالب جميع مروياته أو جميع علومه، فينبغي التثبت في روايات العاملين بهذه الإجازة؛ فإذا ثبت في أحدهم أنه لا يروي بها إلا ما ثبت عنده قطعًا أنه من مرويات المجيز، فهذا ممن يوثق بما رواه بالإجازة.
وإن بأن لنا أو احتمل عندنا أن الرجل قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع ثقة عنده يحدث به عن المجيز، فينبغي أن يتوقف فيما رواه بالإجازة؛ لأنه بمنزلة قوله: حدثني ثقة عندي.
وإن بان لنا في رجل أنه قد يروي بتلك الإجازة ما يسمع غير ثقة يحدث به عن المجيز، فالتوقف في المروي أوجب.
فأما الراوي فهو بمنزلة المدلس عن غير الثقات، فإن كان قد عرف بذلك فذاك، وإلا فهو على يدي عدل.
وإذا تقرر هذا فقد رأيت في "تاريخ بغداد" (ج ٨ ص ٣٤٥): "أخبرنا أبو نعيم الحافظ أخبرنا جعفر الخلدي في كتابه قال سألت خير النساج .... " فذكر قصة غريبة ثم قال الخطيب: "قلت: جعفر الخلدي ثقة وهذه الحكاية طريفة جدًّا يسبق إلى القلب استحالتها، وقد كان الخلدي كتب إلى أبي نعيم يجيز له رواية جميع علومه، وكتب أبو نعيم هذه الحكاية عن أبي الحسن بن مقسم عن الخلدي، ورواها عن الخلدي نفسه إجازة، وكان ابن مقسم غير ثقة. والله أعلم".
стр. 1786
أقول: فقول أبي نعيم: "أخبرنا الخلدي في كتابه" أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه، فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي، وابن مقسم غير ثقة، فهذا أشد ما يقدح به في أبي نعيم، لكن لعله اغتر بما كان يظهره ابن مقسم من النسك والصلاح فظنه ثقة، فإن ابن مقسم وهو أحمد بن محمد بن الحسن ابن مقسم ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ٤٢٩) وفيها: "حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر .... وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث بثقة" وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان.
والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه، فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلا ما صرح فيه بالسماع الواضح؛ كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة: "حدثنا أبو أحمد الغطريفي" بخلاف ما استدل به الأستاذ (ص ١٠٧) وفيه عن أبي نعيم: "أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي" فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجعابي متكلم فيه اهـ.
• وفي ترجمة إبراهيم بن راشد الآدمي من "التنكيل" (١/ ٩٢):
"في ترجمة علي بن صالح الأنماطي من (الميزان) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نعيم الأصبهاني: "أنا عمر بن شاهين ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا علي بن صالح الأنماطي ... ".
استنكره الذهبي وقال: "المتهم بوضعه علي فإن الرواة ثقات سواه".
تعقبه ابن حجر في (اللسان) بأن عليا ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: "مستقيم الحديث" قال ابن حجر: "وينظر فيمن دون صاحب الترجمة".
أقول: أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة، فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن
стр. 1787
ذاك الشيخ، فيرويه أبو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ "أخبرنا" على اصطلاحه في الإجازة .. فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بي أبي نعيم وابن شاهين ويبرأ غيره. والله أعلم اهـ.
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص ١٨٤ - ١٨٥) عند ذكر خبر: "أكل الطين حرام على كل مسلم" تكلم الشيخ المعلمي على طرقه الواهية، ثم قال: وبقيت طرق أخرى معلقة لم تذكر أسانيدها، وأخرى أسانيدها مظلمة، من أشنعها:
الديلمي، أنبأنا ابن همان، أنبأنا أبو نصر محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن صالح، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن ماشاذه، أنبأنا أبو الشيخ، أنبأنا الفضل بن الحباب، عن القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: "من مات وفي قلبه مثقال من طين، كبه الله في النار".
ولو كان هذا عند أبي الشيخ، لما فات صاحبه أبا نعيم، وأبا القاسم بن منده، وقد عنيا بجمع طرق هذا الخبر، ولا أدري البلاء من بعض المسمين دون أبي الشيخ، أم من الإجازة، فإن صيغة (أنبأنا) يستعملها المتأخرون في الإجازة، وقد يكون لابن ماشاذه مثلًا إجازة عامة عن أبي الشيخ، ثم بعد موته يسمع رجلًا يحدث عنه بحديث فيحسن الظن به، ويذهب يرويه عن أبي الشيخ، وقد يكون الذي أحسن الظن به كذابًا، اتفق مثل هذا لأبي نعيم، كما تراه في ترجمة (خير النساج) من تاريخ بغداد، هذا وكلمة (قلبه) في المتن تشعر بأن كلمة (طن) محرفة عن (كبر) فقد جاءت أحاديث تشبه هذا في الكبر، والله المستعان" اهـ.
стр. 1788
الإجازة الخاصة:
• في ترجمة عمر بن الحسن أبي الحسن الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني من التنكيل (١/ ٣٨٠):
"وقال الخطيب: "أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب أخبرني محمد بن نعيم الضبي (هو الحاكم) قال: سمعت أبا علي الهروي يحدث عن عمر بن الحسن الشيباني القاضي فسألته عنه فقال: صدوق. قلت: إني سمعت أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه فقال: ما سمعنا أحدًا يقول فيه أكثر من أنه يرى الإجازة سماعًا، وكان لا يحدث إلا من أصوله".
أقول: هذه الحكاية مسنده صحيحة، وقوله: "يرى الإجازة سماعا"، يريد به الإجازة الخاصة، بدليل قوله: "وكان لا يحدث إلا من أصوله" وهي قوية، فإن كان معنى أنه يراها سماعًا هو أنه يعتد بها، ويروي ما أجيز له عمن أجازه فليس في هذا إلا أنه يصحح الأجازة الخاصة، وهو قول أكثر أهل العلم، وإن كان معناه أنه يروي ما أجيز له بلفظ: "حدثنا" فاصطلاح له قد عُرف ولا محذور فيه ... ". اهـ.
• الغمز بالإجازة:
في ترجمه: محمد بن العباس بن حيوية أبي عمر الخزاز من "التنكيل" (١/ ٤٦٣) نظر الشيخ المعلمي في قول الأزهري فيه: "كان أبو عمر بن حيويه مكثرا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا، ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة".
فقال: "علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخ الخزاز حتما، ثم هناك احتمالان:
الأول: أن يكون شيخه في ذاك الكتاب.
стр. 1789
الثاني: أن لا يكون شيخه فيه وإنما سمعه والخزاز من رجل آخر.
فعلى الأول ... فصورة التساهل موجودة، ... ومن روى من أصل شيخه لا يأمن أن يقع في نحو هذا [التساهل] إلا إذا كان قد كرر المقابلة حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، والأَولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروى إلا عن أصل نفسه، فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن أبن الرزاز فتساهله هو ترك الأولى كما عرفت، وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي عن كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابله دقيقة فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأَولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأولى كما أقتضته عياراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ -الكوثري-: "وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس يمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه".
أقول: هذا مبنى على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا وإنما ناوله إياه ابن الرزاز.
والذي نقوله إنه كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة ... ". اهـ
* * *
стр. 1790
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد
إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي
تتمة الْقسم الثالث
«وبآخره ملحقان:
١ - المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد
٢ - منهج وخطوات تصحيح الكتب على أصولها الخطية»
دَارُ طَيْبَة