أقول: فقول أبي نعيم: "أخبرنا الخلدي في كتابه" أراد به أن الخلدي كتب إليه بإجازته له جميع علومه، فأما القصة فإنما سمعها من ابن مقسم عن الخلدي، وابن مقسم غير ثقة، فهذا أشد ما يقدح به في أبي نعيم، لكن لعله اغتر بما كان يظهره ابن مقسم من النسك والصلاح فظنه ثقة، فإن ابن مقسم وهو أحمد بن محمد بن الحسن ابن مقسم ترجمته في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ٤٢٩) وفيها: "حدثنا عنه أبو نعيم الحافظ ومحمد بن عمر .... وكان يظهر النسك والصلاح ولم يكن في الحديث بثقة" وقد تكلم الدارقطني وغيره في ابن مقسم. والله المستعان.
والحق أن أبا نعيم وضع من نفسه ومن كتبه، فجزاؤه أن لا يعتد بشيء من مروياته إلا ما صرح فيه بالسماع الواضح؛ كقوله في الحكاية المارة أول الترجمة: "حدثنا أبو أحمد الغطريفي" بخلاف ما استدل به الأستاذ (ص ١٠٧) وفيه عن أبي نعيم: "أخبرني القاضي محمد بن عمر وأذن لي" فإن هذه الصيغة مما يستعمله أبو نعيم في الإجازة، ومع ذلك فالقاضي محمد بن عمر هو الجعابي متكلم فيه اهـ.
• وفي ترجمة إبراهيم بن راشد الآدمي من "التنكيل" (١/ ٩٢):
"في ترجمة علي بن صالح الأنماطي من (الميزان) حديث ساقه الذهبي من طريق أبي نعيم الأصبهاني: "أنا عمر بن شاهين ثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني ثنا إبراهيم بن راشد الآدمي ثنا علي بن صالح الأنماطي ... ".
استنكره الذهبي وقال: "المتهم بوضعه علي فإن الرواة ثقات سواه".
تعقبه ابن حجر في (اللسان) بأن عليا ذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: "مستقيم الحديث" قال ابن حجر: "وينظر فيمن دون صاحب الترجمة".
أقول: أخاف أن يكون هذا من بلايا الإجازة، فإن أبا نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني ربما تكون له إجازة عامة من شيخ، ثم يسمع الشيء ويرويه رجل عن
стр. 1787
ذاك الشيخ، فيرويه أبو نعيم عن الشيخ نفسه بلفظ "أخبرنا" على اصطلاحه في الإجازة .. فيكون البلاء في هذا الحديث من الرجل الذي بي أبي نعيم وابن شاهين ويبرأ غيره. والله أعلم اهـ.
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص ١٨٤ - ١٨٥) عند ذكر خبر: "أكل الطين حرام على كل مسلم" تكلم الشيخ المعلمي على طرقه الواهية، ثم قال: وبقيت طرق أخرى معلقة لم تذكر أسانيدها، وأخرى أسانيدها مظلمة، من أشنعها:
الديلمي، أنبأنا ابن همان، أنبأنا أبو نصر محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن صالح، أنبأنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الله بن ماشاذه، أنبأنا أبو الشيخ، أنبأنا الفضل بن الحباب، عن القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رفعه: "من مات وفي قلبه مثقال من طين، كبه الله في النار".
ولو كان هذا عند أبي الشيخ، لما فات صاحبه أبا نعيم، وأبا القاسم بن منده، وقد عنيا بجمع طرق هذا الخبر، ولا أدري البلاء من بعض المسمين دون أبي الشيخ، أم من الإجازة، فإن صيغة (أنبأنا) يستعملها المتأخرون في الإجازة، وقد يكون لابن ماشاذه مثلًا إجازة عامة عن أبي الشيخ، ثم بعد موته يسمع رجلًا يحدث عنه بحديث فيحسن الظن به، ويذهب يرويه عن أبي الشيخ، وقد يكون الذي أحسن الظن به كذابًا، اتفق مثل هذا لأبي نعيم، كما تراه في ترجمة (خير النساج) من تاريخ بغداد، هذا وكلمة (قلبه) في المتن تشعر بأن كلمة (طن) محرفة عن (كبر) فقد جاءت أحاديث تشبه هذا في الكبر، والله المستعان" اهـ.
стр. 1788
الإجازة الخاصة:
• في ترجمة عمر بن الحسن أبي الحسن الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني من التنكيل (١/ ٣٨٠):
"وقال الخطيب: "أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب أخبرني محمد بن نعيم الضبي (هو الحاكم) قال: سمعت أبا علي الهروي يحدث عن عمر بن الحسن الشيباني القاضي فسألته عنه فقال: صدوق. قلت: إني سمعت أصحابنا ببغداد يتكلمون فيه فقال: ما سمعنا أحدًا يقول فيه أكثر من أنه يرى الإجازة سماعًا، وكان لا يحدث إلا من أصوله".
أقول: هذه الحكاية مسنده صحيحة، وقوله: "يرى الإجازة سماعا"، يريد به الإجازة الخاصة، بدليل قوله: "وكان لا يحدث إلا من أصوله" وهي قوية، فإن كان معنى أنه يراها سماعًا هو أنه يعتد بها، ويروي ما أجيز له عمن أجازه فليس في هذا إلا أنه يصحح الأجازة الخاصة، وهو قول أكثر أهل العلم، وإن كان معناه أنه يروي ما أجيز له بلفظ: "حدثنا" فاصطلاح له قد عُرف ولا محذور فيه ... ". اهـ.
• الغمز بالإجازة:
في ترجمه: محمد بن العباس بن حيوية أبي عمر الخزاز من "التنكيل" (١/ ٤٦٣) نظر الشيخ المعلمي في قول الأزهري فيه: "كان أبو عمر بن حيويه مكثرا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا، ولا يقرب أصله منه فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة".
فقال: "علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخ الخزاز حتما، ثم هناك احتمالان:
الأول: أن يكون شيخه في ذاك الكتاب.
стр. 1789
الثاني: أن لا يكون شيخه فيه وإنما سمعه والخزاز من رجل آخر.
فعلى الأول ... فصورة التساهل موجودة، ... ومن روى من أصل شيخه لا يأمن أن يقع في نحو هذا [التساهل] إلا إذا كان قد كرر المقابلة حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، والأَولى به وإن وثق كل الوثوق أن لا يروى إلا عن أصل نفسه، فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن أبن الرزاز فتساهله هو ترك الأولى كما عرفت، وعلى الاحتمال الثاني لا يكون للخزاز أن يروي عن كتاب ليس هو أصله ولا أصل شيخه إلا أن يقابله بأصله مقابله دقيقة فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأَولى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأولى كما أقتضته عياراتهم في الثناء عليه كما مر.
قال الأستاذ -الكوثري-: "وكان ينبغي أن يذكر في السند اسم شيخه الذي ناوله أصله، وليس يمعقول أن يهمل التلميذ ذكر شيخه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه".
أقول: هذا مبنى على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا وإنما ناوله إياه ابن الرزاز.
والذي نقوله إنه كان على الاحتمال الأول فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة ... ". اهـ
* * *
стр. 1790
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد
إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي
تتمة الْقسم الثالث
«وبآخره ملحقان:
١ - المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد
٢ - منهج وخطوات تصحيح الكتب على أصولها الخطية»
دَارُ طَيْبَة
стр. 1791
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 1792
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد (٤)
стр. 1793
(ح) دَار طيبَة للنشر والتوزيع، ١٤٣١ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الصبيحي، إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم
موسوعة المعلمي الْيَمَانِيّ وأثره فِي علم الحَدِيث الْمُسَمَّاة (النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد)./ إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم الصبيحي - الرياض، ١٤٣١ هـ
٤ مج.
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٤)
١ - عُلُوم الحَدِيث.
٢ - الحَدِيث - الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
٣ - الحَدِيث - علل.
أ - العنوان
ديوى ٢٣٠ - ١٩/ ١٤٣١
رقم الْإِيدَاع: ١٩/ ١٤٣١
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٤)
جَمِيعُ الحُقُوق مَحفُوظَةٌ
الطَّبعَةُ الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
دَار طيبَة للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - السويدي
ش. السويدي الْعَام - غرب النفق - ص. ب ٧٦١٢
الرَّمْز البريدي ١١٤٧٢ - هَاتِف ٤٢٥٣٧٣٧ (٦ خطوط) - فاكس ٤٢٥٨٢٧٧
стр. 1794
المرتبة الثالثة: البحث والنظر في الأمور التي تدل عله خطإٍ إن كان
هكذا ذكر المعلمي تلك المرتبة، ولم يتهيأ له الكتابة فيها -فيما يبدو- وباستقراء كتب المعلمى يمكن أن ندرج تحت هذه المرتبة الأمور الآتية:
١ - دلائل العلة.
٢ - أسباب التعليل.
٣ - السبر والاعتبار - الشواهد والمتابعات.
٤ - نقد المتن أو النقد الداخلي.
* * *
стр. 1795
كُلٌّ من هذه الأمور يحتاج إلى فصولٍ وأبحاثٍ تحتمل مصنفات خاصَّة، لكني أكتفي بذكر ما يُستفاد من كلام المعلمي، فأقوم باستخراج النكت الخاصة بذلك، وتقسيمها، ووضع العناوين لها، مع ذكر النماذج التي تدل عليها من كلامه ﵀.
أما بسط تلك الأمور وشرحها، فلعل القارىء يجد قدرًا من ذلك في كتابي: "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل" يسر الله إتمامه.
فأقول وبالله التوفيق:
стр. 1796
١ - دلائل العلة
قال أبو أنس:
تنقسم الأمورُ التي يُستدل بها على احتمال وقوع الخطأ في رواية الراوي بصفة عامة إلى قسمين:
أ- التفرد.
ب- المخالفة.
أ- أما التفرد - وهو أَدَقُّها وأَغْمَضُها- ففيه هاهنا مباحث، منها:
١ - هل مجرد التفرد مانع من الأحتجاج ؟
• قال الشيخ المعلمي في "طليعة التنكيل" (ص ٦٨):
"أما الانفراد فليس بمانعٍ من الاحتجاج عند أهل السنة، بل بإجماع الصحابة والتابعين، بل الأدلة في ذلك أوضح، ولم يشترط التعدد إلا بعضُ أهلِ البدع، نعم قد يُتوقف في بعض الأفراد؛ لقيام قرائن تُشعر بالغلط، والمرجع في ذلك إلى أئمة الحديث" اهـ.
٢ - علام يُحْمَلُ تفردُ الثقةِ بما لا يُقبل ؟
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٦٧):
"الخبر المخالف للعقل لا يُقبل ولو من الثقة، وإذا تفرد الثقة بما لا يُقبلُ حُمِلَ على الخطأ، واسترحتَ منه". اهـ.
стр. 1797
٣ - إطلاق التفرد لا ينفي وجود طرق أخري واهية أو غير محفوظة .
• في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٦٥):
حديث: "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك"، له طرق واهية (١)، ورواه الترمذي (٢٥٠٦) من طريق أمية بن القاسم، عن حفص بن غياث، وقال: "حسن غريب".
فقال الشيخ المعلمي:
"ذكروا أن الصواب: "القاسم بن أمية".
ذكر الرازيان أنه صدوق، وقال ابن حبان: يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، ثم ساق له هذا الحديث، وقال: لا أصل له من كلام النبي ﷺ .
قال ابن حجر: شهادةُ أبي زرعة وأبي حاتم أنه صدوقٌ أَوْلَى.
أقول: بل الصواب تتبعُ أحاديثه فإن وُجد الأمرُ كما قال ابنُ حبان ترجَّحَ قولُه، وبان أن هذا الرجل تغيرت حاله بعد أن لقيه الرازيان، وإلا فكونه صدوقًا لا يدفع عنه الوهم، وقد تفرد بهذا (٢).
وفي "اللآلىء" أنه قد رُوي عن السري بن عاصم، وعن فهد بن حيان، كُلٌّ منهما عن حفص بن غياث، كما قال عبد الرحمن (٣).
أقول: لم يُبين السند إليهما، والسري يسرق الحديث، فهذا من ذاك.
وفهد واهٍ متروك، إما أن يكون درقه، وإما أُدخل عليه (٤).
стр. 1798
قال (١): وله شاهد من حديث ابن عباس، وساق بسندٍ فيه من لم أعرفه: عن إبراهيم بن الحكم بن أبان، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عباس، فذكره، ثم قال: إبراهيم ضعيف.
أقول: جدًّا، وربما كان البلاء ممن دونه". اهـ.
• وفي حاشية "الفوائد" (ص ٣٤٩ - ٣٥٠):
ذكر الشيخ المعلمي حديث: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" فقال:
"رواه محمد بن عمر بن الرومي، عن شريك وابن الرومي ضعفه أبو زرعة، وأبو داود، وقال أبو حاتم: صدوق قديم، روى عن شريك حديثًا منكرًا.
يعني هذا، وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر في "التقريب": لين الحديث. ووهم من زعم أن الشيخين أخرجا له أو أحدهما، وأخرجه الترمذي من طريقه، ثم قال: غريب منكر. ثم قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن شريك، ولم يذكروا فيه "الصنابحي".
فزعَم العلائي أن هذا ينفي تفرد ابن الرومي.
ولا يخفى أن كلمة "بعضهم" تَصدُقُ بمن لا يُعتدُّ بمتابعتص ولم يذكر في "اللآلىء" أحدًا رواه عن شريك غير ابن الرومي إلا عبد الحميد بن بكر، وهو هالك يسرق الحديث، فالحَقُّ أن الخبر غير ثابت عن شريك". اهـ.
٤ - هل مجرد تفرد الراوي عن شيخ بأحاديث يُسَوِّغُ ردَّها والطعن فيه بسببها ؟
• في ترجمة: محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم بن الغطريف أبي أحمد الجرجاني الغطريفي الحافظ من "التنكيل" (١٨٥):
стр. 1799
قال الكوثري: "تفرد عن أبي العباس بن سريج بأحاديث لم يروها عنه غيره".
فقال الشيخ المعلمي:
"أما أحاديثه عن ابن سريج فإنما قال حمزة: لا أعلم روى عنه غيره، يعني تلك الأحاديث، لم يستنكر حمزة شيئا منها، وابن سريج كان بابُه الفقه، ولم يكن يبذل نفسه لإملاء الحديث، وكان الغطريفي مُولعا بالإكثار واستيعاب ما عند الشيخ، كما في ترجمته من "تذكرة الحفاظ": "سمع أبا خليفة، حتى استوعب ما عنده"، فكأنه ألحَّ على ابن سريج، حتى أخذ ما عنده ولم يكن غيره يحرص على السماع من ابن سريج؛ لأنه لم يكن مكثرا من الحديث، ولا متجردا له، ولا عالي الإسناد، فإنه مات وعمره بضع وخمسون سنة، على أنه يُحتمل أن يكون غير الغطريفي قد روى عن ابن سريج تلك الأحاديث ولم يعلم حمزة". اهـ.
٥ - نماذج من التفرد المردود:
• في "الفوائد" (٤٧٥):
حديث: "نبات الشعر في الأنف أمان من الجذام".
رواه ابن عدي عن جابر مرفوعًا، وفي إسناده: وضاع. وقد رواه عن أنس مرفوعًا. وفي إسناده أيضًا: وضاع.
ورواه عن أبي هريرة وفي إسناده: رشدين بن سعد، وهو متروك.
فقال الشيخ المعلمي:
"قال السيوطي: لم ينته حاله إلى أن يُحكم على حديثه بالوضع.
أقول: بلى، إذا كان مثل هذا الخبر، فإن متنه منكر، وكذلك سنده، إذ تفرد به رشدين، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا.
стр. 1800
ولو تفرد بمثل هذا ثقة لقالوا: باطل، واعتذروا عنه بأنه لعله أُدخل عليه، أو نحو ذلك، مع أنه من رواية أبي صالح عنه، وحال أبي صالح معروفة". اهـ.
• وفيها (ص ٢٤٤):
تعرض الشيخ المعلمي لنقد طرق حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"، وَوَهَّنَها كُلَّها، وهو مروي عن عدة من الصحابة، منهم: أبو أمامة ﵁.
قال المعلمي:
وأما عن أبي أمامة فتفرد به بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الله بن صالح كاتب الليث.
وبكر بن سهل ضعفه النسائي، وهو أهل ذلك فإن له أوابد.
وعبد الله بن صالح أُدخلت عليه أحاديث عديدة، فلا اعتداد إلا بما رواه المتثبتون عنه بعد اطلاعهم عليه في أصله الذي لا ريب فيه، وعلى هذا حُمل ما علَّقه عنه البخاري.
فتفرد بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح بهذا الخبر الذي قد عُرف برواية الضعفاء له من طرقٍ أخرى يُوَهِّنُه حتمًا. اهـ.
• وفيها أيضا (ص ٤٨١):
حديث: "ما من معمّر يعمّر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين ... " الحديث.
قال المعلمي:
"أَشْبَهُ طرقِه ما في "اللآلىء" (١/ ٧٥): قال إسماعيل بن الفضل الإخشيد في "فوائده": ثنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، ثنا أبو بكر بن المقرىء، حدثنا أبو عروبة الحراني، حدثنا مخلد بن مالك، حدثنا الصنعاني -هو حفص بن ميسرة- به.
يعني: عن زيد بن أسلم، عن أنس مرفوعًا".
стр. 1801
ثم تكلم المعلمي عن رجال هذا السند واحدًا واحدًا، حتى بلغ مَخْلدًا، وذكر أنه إن صح أنه روى هذا الحديث، فقد تفرد به عن حفص.
ثم قال: فأما ما قيل إن ابن وهب رواه عن حفص، فهذا شيء انفرد به بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الله بن رمح، عن ابن وهب.
ابن وهب إمام جليل، له أصحاب كثير، منهم من وُصِف بأن لديه حديثه كله، وهما: ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن، وحرملة، ولا ذِكْر لهذا الخبر عندهما، ولا عند أحدهما، ولا عند غيرهما من مشاهير أصحاب ابن وهب، ولابن وهب مؤلفات عدّة رواها عنه الناس، وليس هذا فيها.
ثم تكلم المعلمي عن ابن رمح، وذكر أنه مقلّ، وأن ابن ماجه روى عنه حديثين غريبين.
ثم قال: وبكر حاول ابنُ حجر تقويته، ولم يصنع شيئًا، بكر ضَعَّفَهُ النسائي، ولم يوثقه أحد، وله أوابد، تقدم بعضها في التعليق صفحات ١٣٥ و ٢٢٦ و ٢٤٥ و ٤٦٧، وقال الذهبي في ترجمته من "الميزان": "ومنْ وَضْعِه ... " فذكر قول بكر: هَجَّرت -أي بكَّرت- يوم الجمعة فقرأت إلى العصر ثمان ختمات.
قال الذهبي: فاسمع إلى هذا وتعجب.
وأرى أن تفرد بكر، عن ابن رمح، عن ابن وهب مردود من جهة التفرد عن ابن وهب بمثل هذا الخبر مع شدة رغبة الناس فيه، فمن هنا لا يصلح هذا متابعة لخبر ابن الأخشيد، ولا خبر ابن الأخشيد متابعة لهذا. اهـ.
قال أبو أنس:
قال المحقق الفاضل لكتاب "المعجم" لابن الأعرابي (٢/ ٦٢٣) تعقيبا على الشيخ المعلمي: "على فرض أنه -يعني هذا الحديث- من بكرٍ، فهل يُعدّ هذان -
стр. 1802
يعني هذا وحديث: أعروا النساء ... سببًا في طرح الرجل مع باقي روايته؟ وقد يقال: هذا من الباب الذي يقال فيه: حديثٌ اسْقَطَ ألفَ حديثٍ، فرواية مثل هذا يدل على غفلة، ولكن إذا علمنا أن الثقة!! قد يَدخل له إسنادٌ في إسناد، ويخطىء في الرواية فيجعل ما يُستنكر من أحاديث الضعفاء من رواية الثقات، لكان لزامًا تقويمُ ما يرويه على أساسِ الحكم للغالب والأكثر ... "
ثم راح يذكر أمثلةً على هذا، وهو كلام متين، فليس من شرط الثقة ألا يخطىء، لكن هاهنا ملاحظات:
الأولى: أن هذا فيمن ثبت توثيقه أو تَرَجَّحَ، وبكر لم يوثقه أحدٌ باعتراف المحقق نفسه (ص ٦٢٤)، فقد نفى ما ادَّعاه الحافظ ابن حجر في "القول المسدد" - أن بكرًا قَوَّاهُ جماعة، فقال: فليس في ترجمة بكر لَدَى كل من ترجم له مما توصلت إليه ما يَنُمُّ عن هذا أو يدل عليه ... إلا إن كان -أي: ابن حجر- يعني أصحاب "طبقات القراء" - أو المفسرين، وهؤلاء يغلب على ظن العوني أنهم يعنون القراءة والتفسير، وهذا مجالٌ، ورواية الأحاديث مجالٌ آخر". اهـ.
أقول: إذًا، ما ساقه المحقق من الأمثلة على احتمال الأئمة لبعض أخطاء الثقات، لا علاقة له ببكر؛ لأنه لا يدخل في زمرة الموثَّقيِن.
الثانية: أن الأخطاء فيها ما هو محتمل، ومنها ما يدل على وهن الراوي، كما أشار إليه المحقق بقوله: وقد يقال: هذا من الباب الذي يقال فيه ...
ثم إن هذا الأمر مخصوصٌ بنظر النقاد، والنسائي: من المقدَّمين في هذا الشأن، فتضعيفه له لأحاديث تفرد بها يدل على أنها -مع عدم توثيقه- غير محتملة.
الثالثة: لا يكفي في الحكم على الرجل النظرُ في بعض أحاديثَ له، قد وافق فيها الثقات، والحكم عليها بالاستقامة، مع عدم الاعتداد بتليين من ليَّنَهُ من أهل العلم؛
стр. 1803
لأن كما أنه ليس من شرط الثقة ألا يخطىء، فكذلك ليس من لازم الضعيف ألا يُصيب، فاستقامة بعض أحاديث الرجل لا تدل على ثقته -إذا ثبت التضعيف- والله الموفق.
• وفي "الفوائد" (ص ٣٢١):
حديث: "كُلُّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي". فجاء رجل فقال: ما نسبك؟ فقال: "العرب". قال: فما سببك؟ قال: "الموالي" ... ".
قال الشوكاني: في إسناده خارجة بن مصعب، وقد تفرد به، وليس بثقة.
قال في "اللآلىء": روى له الترمذي وابن ماجة، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه.
وقال الشوكاني: في هذا المتن نكارةٌ لا تخفى على من له ممارسة لكلامه ﷺ .
فقال الشيخ المعلمي:
"هذا من إسفاف السيوطي، فإنه يعلم أن خارجة وضع كتبه عند غياث بن إبراهيم الوضاع المشهور، فأفسد غياث كتب خارجة، وضع فيها ما شاء، وكان خارجة متساهلا كما قال ابن المبارك، فلم يبال بذلك، وروى تلك البلايا.
وفوق ذلك كان يسمع الأكاذيب من غياث، فيسكت عن غياث، ويرويها عمن روى عنه غياث تدليسًا.
وهذا الخبر لم يصرح فيه بالسماع، فهو محتمل للأمرين: أن يكون مما وضعه غياث في كتب خارجة، وأن يكون مما سمعه خارجة عن غياث فدلَّسَهُ.
على أن تفرد خارجة بمثل هذا الحديث، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا كافٍ لسقوطه، فكيف إذا كان المعنى منكرًا؟.
стр. 1804
• وفيها أيضا (ص ٢٤٣):
حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".
رُوي من حديث ابن عمر، وأبي سعيد، وأبي أمامة، وثوبان، وأنس.
وزعم السيوطي أن الحديث بهذه الطرق حسن صحيح، واعترضه الشوكاني بأن الحديث عنده حسن لغيره، وأما صحيح فلا، فاعترض الشيخ المعلمي عليهما جميعًا، ووهَّن الحديث من جميع طرقه.
وتعرض الشيخ لطرق هذه الروايات بالنقد على الترتيب المذكور، حتى بلغ رواية أنس، فقال:
"أما عن أنس فتفرد به أبو بشر بكر بن الحكم المزلق، عن ثابت، عن أنس رفعه: إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم".
والمزلق قال فيه جماعة من الذين أخذوا عنه وليسوا من أهل الجرح والتعديل: كان ثقة. يريدون أنه كان صالحًا خيرًا فاضلًا.
أما الأئمة، فقال أبو زرعة: ليس بالقوي.
أقول: وهو مقلّ جدًّا من الحديث، فإذا كان مع إقلاله ليس بالقوي، ومع ذلك تفرد بهذا عن ثابت عن أنس (فلا ينبغي وهنه) (١).
وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" أنه حسن، وهذا بالنظر إلى حال المزلق في نفسه، فأما إذا نظرنا إلى: تفرده، مع إقلاله، ومع قول أبي زرعة: ليس بقوى، فلا أراه يستقيم الحكم بحسنه، وإن كان معناه صحيحًا. والله أعلم. اهـ.
стр. 1805
• وفيها (ص ٣١٤):
ذكر المعلمي خبر: "ما أنزل الله من وَحْي قط عَلى نبيّ بينه وبينه إلا بالعربية، ثم يكون هو مبلغه قومه بلسانهم". وقال: في سنده العباس أبو الفضل الأنصاري، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعًا.
قال ابن الجوزي: سليمان متروك، فنازع السيوطي بأن سليمان أخرج له (د س ت)، ولم يُتهم بكذب ولا وضع، وأن له شاهدًا.
أقول: سليمان ساقط، قال أبو داود والترمذي وغيرهما: متروك الحديث. وقال النسائي: لا يكتب حديثه. والكلام فيه كثير، وإنما ذكرت كلام الذين أخرجوا له ليعلم أن إخراجهم له لا يدفع كونه متروكًا، والمتروك إن لم يكذب عمدًا فهو مظنة أن يقع له الكذب وهمًا، فإذا قامت الحجة على بطلان المتن، لم يمتنع الحكم بوضعه، ولا سيما مع التفرد المريب، كتفرد سليمان هنا عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وفوق هذا، فالراوي عن سليمان وهو العباس بن الفضل الأنصاري تالف ... وأما الشاهد فيكفي أنه عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس ... والكلبي كذاب وشيخه تالف ... ". اهـ.
• وفي "الأنوار الكاشفة" (١٩٣ - ١٩٤):
ما روى البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببتُه، فكنت سَمْعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ... وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته"
стр. 1806
• قال الشيخ المعلمي:
"هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من "الميزان"، وابن حجر في "الفتح" (١١/ ٩٢)؛ لأنه لم يُرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان بن كرامة [رواه عن محمد بن عثمان جماعة منهم البخاري] حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة.
ومثل هذا التفرد يُريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال.
وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث: علي، ومعاذ، وحذيفة، وعائشة، وابن عباس، وأنس.
فقد يكون وقع خطأ لخالد أو شريك؛ سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثًا آخر بهذا السند، ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الآخر.
فإن كان الواقع هكذا فلم يحدث أبو هريرة بهذا، وإلا فهو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من اَيات القرآن إلى تفسير، وقد فسره أهل العلم بما تجده في "الفتح"، وفي "الأسماء والصفات" (ص ٣٤٥ - ٣٤٨).
وقد أومأ البخاري على حاله، فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق". اهـ.
ب- أمَّا المخالفة:
فهي بابٌ واسعٌ، يأتي فيه الاختلاف في الأسانيد والمتون، على ضروبٍ شتَّى، وللنظر في ذلك قواعد خاصة يستعملها النقاد في الترجيح بين الأوجه المختلفة، من ذلك: الترجيح بالأوثق، وبالأحفظ وبكثرة العدد، وبالأكثر ملازمة، وبأمور أخرى كثيرة يصعب حصرها.
стр. 1807
وهذه الضوابط أغلبية، قد يكون للنقاد أحيانا نظرٌ خاصٌ مخالف لها، والميزان بأيديهم.
وقد أفردتُ بعضَ الرسائل لإلقاء الضوء على تلك القواعد، وكيفية تطبيق النقاد لها، منها: "القواعد المهمة في إحياء مناهج الأئمة" و"ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل" و"شحذ الهمة في بيان ألفاظ أعلها الأئمة".
وللاطلاع على طريقة الشيخ المعلمي في تطبيق تلك القواعد يراجع ملحق "المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد" في آخر هذا القسم، مع الجزء الثاني من "التنكيل" وهو"البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية".
وفي حكم الاختلاف بشكل عام يقول الشيخ المعلمي في "عمارة القبور" ص (١٦٩):
"الأصل الثابت المقرر أنه إذا وقع الاختلاف مع الاشتراك في عدم الضعف يفزع إلى الجمع، فإن أمكن فالكل صحيح، وإن لم يمكن التجىء إلى الترجيح، فإن أمكن فالأرجح هو الصحيح، وإلا ثبت الاضطراب". اهـ.
* * *
стр. 1808
٢ - أسباب التعليل
هي متعددة جدًّا، يصعب حصرُها، لكني أذكر هنا أشهر ما جاء في تحقيقات الشيخ المعلمي، وأبدأ بما ذكره إجمالا في مقدمته لـ "الفوائد المجموعة"، فإنه نافع جدا، قال:
"هذه قواعد يحسن تقديمها: ....
٤ - إذا استنكر الأئمةُ المحققون المتنَ، وكان ظاهرُ السند الصحةَ، فإنهم يتطلبون له علة، فإذا لم يجدوا علة قادحة مطلقا، حيث وقعت، أعلوه بعلة ليست بقادحة مطلقا، ولكنهم يرونها كافيةً للقدح في ذاك المنكر.
• فمن ذلك: إعلاله بأن راويه لم يصرح بالسماع، هذا مع أن الراوي غير مدلس.
• أعلَّ البخاري بذلك خبرا رواه عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، عن عكرمة، تراه في ترجمة عمرو من "التهذيب" (١).
• ونحو ذلك: كلامه في حديث عمرو بن دينار، في القضاء بالشاهد واليمين (٢).
• ونحوه أيضا: كلام شيخه علي ابن المديني في حديث: "خلق الله التربة يوم السبت - إلخ" كما تراه في "الأسماء والصفات" للبيهقي (٣).
стр. 1809
• وكذلك أعلَّ أبو حاتم خبرا رواه الليث بن سعد عن سعيد المقبري، كما تراه في علل ابن أبي حاتم (٢/ ٣٥٣) (١).
• ومن ذلك: إشارة البخاري إلى إعلال حديث الجمع بين الصلاتين: بأن قتيبة لما كتبه عن الليث كان معه خالد المدائني، وكان خالد يُدخل على الشيوخ، يراجع "معرفة علوم الحديث" للحاكم، ص (١٢٠).
• ومن ذلك: الإعلال بالحمل على الخطأ، وإن لم يتبين وجهه؛ كإعلالهم حديث عبد الملك بن أبي سليمان في الشفعة.
• ومن ذلك: إعلالهم بظن أن الحديث أُدخل على الشيخ، كما ترى في "لسان الميزان" في ترجمة: الفضل بن الحباب، وغيرها.
стр. 1810
وحجتهم في هذا: أن عدم القدح بتلك العلة مطلقا، إنما بُني على أن دخول الخلل من جهتها نادر، فإذا اتفق أن يكون المتن منكرا، يغلب على ظن الناقد بطلانه، فقد يحقق وجود الخلل، وإذا يوجد سبب له إلا تلك العلة، فالظاهر أنها هي السبب، وأن هذا من ذاك النادر الذي يجيء الخلل فيه من جهتها.
وبهذا يتبين: أن ما يقع ممن دونهم من التعقب بأن تلك العلة غير قادحة، وأنهم قد صححوا ما لا يحصى من الأحاديث، مع وجودها فيها، إنما هو غفلة عما تقدم من الفرق، اللهم إلا أن يُثبت المتعقب أن الخبر غير منكر". اهـ.
* * *
стр. 1811
قال أبو أنس:
الآن يمكن تقسيم أسباب التعليل هاهنا إلى ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الأسباب المتعلقة بالراوي في نفسه، وهي:
١ - دخول حديث في حديث.
٢ - الوهم أثناء التحويل في الأسانيد عند التصنيف.
٣ - النقل من كتب غير مسموعة، فيشتبه خَطٌّ بآخر.
٤ - سُلوك الجادة في الأسانيد.
٥ - الرواية بالمعنى.
٦ - التباس أحاديث شيخين أو أكثر على الراوي، فيحدث بها على التوهم.
٧ - خطأ الراوي في حداثته، وبقاء ذلك في أصله العتيق، فلا يُغتر بوجود ذلك فيه.
٨ - تأخر كتابة الراوي ما سمعه عن وقت السماع، فيكتب من حفظه، فربما وهم أو لم يأت باللفظ على وجهه.
النوع الثانى: الأسباب المتعلقة بكتاب الراوي، وهي:
١ - القراءة من أصلٍ آخر غيرِ أصلِ نفسِه.
٢ - النقل من كتابِ شيخٍ دون التصريح أنه بخطِّ صاحبه.
٣ - وجود الحديث في حاشية أصل الشيخ، أو على ظهر الكتاب.
النوع الثالث: الأسباب المتعلقة بتأثير آخرين في الراوي، وهي:
١ - التلقين.
٢ - الإدخال على الراوي في كتبه.
٣ - سماع الراوي الصالح في نفسه مع مخلط فيملي عليه ما ليس من سماعه.
стр. 1812
النوع الأول: الأسباب المتعلقة بالراوي في نفسه
١ - دخول حديث في حديث:
• سبق قريبا نقل كلام الشيخ المعلمي على الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب ... ".
قال الشيخ المعلمي:
"هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من "الميزان"، وابن حجر في "الفتح" (١١/ ٩٢)؛ لأنه لم يُرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان بن كرامة [رواه عن محمد بن عثمان جماعة منهم البخاري] حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة.
ومثل هذا التفرد يُريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال.
وقد جاء الحديث بأسانيد فيها ضعف من حديث: علي، ومعاذ، وحذيفة، وعائشة، وابن عباس، وأنس.
فقد يكون وقع خطأٌ لخالد أو شريك؛ سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثا آخر بهذا السند، ثم التبسا عليه فغلط، روى هذا المتن بسند الحديث الأخر.
... وقد أومأ البخاري إلى حاله، فلم يخرجه إلا في باب التواضع من كتاب الرقاق" اهـ.
стр. 1813
• وفي ترجمة ابن بطة من "التنكيل" (١/ ٣٤١):
أورد الشيخ المعلمي ما ذكره الخطيب مما انتقد على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية، فقال في الأمر الثامن (١/ ٣٤٥):
"ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: قال لي محمد بن أبي الفوارس: روى ابن بطة عن البغوي عن مصعب بن عبد الله عن مالك عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم".
قال الخطيب: قلت: هذا الحديث باطل من حديث مالك، ومن حديث مصعب، ومن حديث البغوي عن مصعب، وهو موضوع بهذا الإسناد، والحمل فيه على ابن بطة.
أقول: تقدم أن ابن برهان ليس بعمدة، ولعله سمع ابن أبي الفوارس يقول: بلغني عن ابن بطة، أو نحو ذلك، ولو روى ابنُ بطة هذا الحديث لكان الظاهرُ أن يشتهر عنه وينتشر.
ولو صَحَّ عنه لحُمِل على الوهم؛ فإنه سمع من البغوي وهو صغير، ولم يكن له أصولٌ، إنما كان يحمل على حفظه فَيَهِمُ، فيحتملُ أن يكون سمع الحديث من البغوي بسند آخر، وسمع منه حديثا أو أكثر بهذا السند، فَوَهِمَ" (١). اهـ.
٢ - الوهم أثناء التحويل في الأسانيد عند التصنيف:
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: ابن المذهب من "التنكيل" (١٥٢):
"الذي يظهر لي أن ابن المذهب كان يتعاطى التخريج من أصول بعض الأحاديث، فيكتب الحديث من طريق شيخٍ من شيوخه، ثم يتصفح أصوله، فإذا
стр. 1814
وجد ذاك الحديثَ قد سمعه من شيخٍ آخر بذاك السند كتب اسمَ ذاك الشيخ مع اسم الشيخ الأول في تخريجه، وهكذا.
وهذا الصنيعُ مَظِنَّةٌ للغلط؛ كأن يريد أن يكتب اسمَ الشيخ على حديثٍ، فيخطىء، فيكتبه على حديثٍ آخر، أو يرى السند متفقًا، فيتوهم أن المتنَ متفقٌ، وإنما هو متنٌ آخر، وأشباه ذلك.
وقد قال ابن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا، فهو صحيح".
وقال يعقوب بن سفيان في سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي: "كان صحيح الكتاب، إلا أنه كان يُحَوَّلُ، فإن وقع فيه شيء، فمن النقل، وسليمان ثقة".
والمراد بأصنافِ حماد، وتحويلِ سليمان نحو ما ذكرتُ من التخريج". اهـ.
• وفي ترجمة: حماد بن سلمة من "التنكيل" (١/ ٢٤٢):
قال ابن معين: "من سمع من حماد بن سلمة الأصناف، ففيها اختلاف، ومن سمع منه نسخًا فهو صحيح".
قال الشيخ المعلمي:
"يعني أن الخطأ كان يعرض له عندما يُحَوِّلُ من أصوله إلى مصنفاته التي يجمع فيها من هنا وهنا، فأما النُّسَخُ فَصِحاح". اهـ.
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص ٤٢):
رواية سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، قال: ثنا الوليد بن مسلم، ثنا: ابن جريج، عن عطاء وعكرمة، عن ابن عباس، عن عليّ، قال: يا رسول الله، إن القرآن يتفلت من صدري، قال: "أعلمك كلمات ينفعك الله بهن ... " بحديث صلاة الحفظ. أخرجه الحاكم من هذا الوجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
стр. 1815
ونقل الشوكاني عن "اللآلىء": ولم تركن النفس إلى مثل هذا من الحاكم، فالحديث يقصر عن الحسن، فضلًا عن الصحة، وفي ألفاظه نكارة.
فقال الشيخ المعلمي:
"الحديث أخرجه الترمذي (١) عن أحمد بن الحسن بن جنيدب الحافظ عن سليمان، عن الوليد.
وأخرجه الحاكم من طريق عثمان الدارمي ومحمد بن إبراهيم العبدي، عن سليمان، عن الوليد، فهو كما قال الذهبي في "تلخيص المستدرك": "فقد حدَّث به سليمان قطعًا ... "
وقد قال الذهبي في "تلخيص المستدرك": "هذا حديث منكر شاذ، أخاف ألا يكون موضوعًا، وقد حَيَّرَنِي والله جودةُ سنده".
... وذكر الذهبي في ترجمة سليمان من "الميزان" قولَ أبي حاتم: "صدوق مستقيم الحديث، ولكنه أروى الناس عن الضعفاء والمجهولين، وكان عندي لو أن رجلًا وضع له حديثا لم يفهم، وكان لا يميزه".
فدافع عنه الذهبي أولًا، ثم ذكر هذا الحديث فقال: "هو مع نظافة سنده حديث منكر جدًّا، في نفسي منه شيء، والله أعلم، فلعل سليمان شُبِّة له، وأُدخل عليه، كما قال أبو حاتم: لو أن رجلًا وضع له حديثًا لم يفهم". اهـ.
وفي "التهذيب": "قال يعقوب بن سفيان: كان صحيح الكتاب، إلا أنه كان يحوّل، فإن وقع فيه شيء فمن النقل".
стр. 1816
يعني أن أصول كتبه كانت صحيحة، ولكنه كان يَنتقي منها أحاديث يكتبها في أجزاء، ثم يُحدث عن تلك الأجزاء، فقد يقعُ له خطأٌ عند التحويل، فيقعُ بعضُ الأحاديث في الجزء خطأ، فيحدث به.
وأحسب بليةَ هذا الخبر من ذاك؛ كأنه كان في أصل سليمان خبرٌ آخر فيه: "ثنا الوليد ثنا ابن جريج"، وعنده هذا الخبر بسند آخر إلى ابن جريج، فانتقل نظره عند النقل من سند الخبر الأول إلى سند الثاني، فتركب هذا الخبر على ذاك السند.
وكأن هذا إنما اتفق له أخيرا، فلم يسمع الحفاظ الإثبات كالبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم منه ذاك الجزى ولو سمعه أحدهم لنبهه ليراجع الأصل. اهـ.
٣ - النقل من كتب غير مسموعة، فيشتبه خَطٌّ بآخر:
• في ترجمة ابن بطة من "التنكيل" (١/ ٣٤٢):
أورد الشيخ المعلمي ما ذكره الخطيب مما انتقد على ابن بطة فيما يتعلق بالرواية، فقال في الأمر الثاني:
"ذكر الخطيب عن ابن برهان قال: قال لي الحسن بن شهاب: سألت أبا عبد الله ابن بطة: أسمعت من البغوي حديث علي بن الجعد؟ فقال: لا. قال ابن برهان: وكنت قد رأيت في كتب ابن بطة نسخة بحديث علي بن الجعد، قد حككها، وكتب بخطه سماعه عليها.
أقول: تفرد بهذا ابن برهان، ولم يرو ابن بطة حديث علي بن الجعد عن البغوي، وابن برهان لا يقبل منه ما تفرد به. ولعله وَهِمَ؛ كأن كان الجطُّ غيرَ خَطِّ ابنِ بطة، فاشتبه على ابن برهان، وكأن يكون ابن بطة إنما كتب: "هذا الكتاب من مسموعاتي"، أو نحو ذلك، يعني أنه سمعه من غير البغوي فوهم ابن برهان". اهـ.
стр. 1817
٤ - سُلوك الجادة في الأسانيد:
قال أبو أنس:
المراد به أن الراوي -لقلةِ ضبطٍ أو غفلةٍ- يسلكُ الطريقَ المشهورة في الرواية، والتي يكثر تردادها وتكرارها، فهي أسهل في الحفظ، وأسبق للذهن.
* * وهذه نماذج لشرح المعلمي لذلك السبب:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ٦٧):
"المخطىء كما يخطىء من الحقيقة إلى المجاز، فكذلك عكسه، بل احتماله أقرب، لأن أغلب ما يكون الخطأ بالحمل على المألوف، وغالب ما يقع من التصحيف كذلك، فقد رأيتُ ما لا احصيه اسمَ: "زَبر" مصحفًا إلى: "أنس"، واسم: "سعر" مصحفًا إلى: "سعد"، ولا أذكر أنني رأيتُ عكسَ هذا. قال الشاعر:
فمن يكُ سائلا عني فإني ... من الفتيان أيام الخُنان
وقال الآخر:
كساك ولم تستكسه فحمدته ... أخ لك يعطيك الجزيل وياصر
فصَحَّفَ الناسُ قافيتي هذين البيتن إلى "الختان. ناصر".
وأمثال هذا كثيرة، لا تخفى على من له إلمام.
وهكذا الخطأ في الأسانيد، أغلبُ ما يقعُ بسلوكِ الجادة؛ فهشامُ بن عروة: غالبُ روايتِه: عن أبيه، عن عائشة، وقد يروي: عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير.
فقد يسمعُ رجلٌ من هشام خبرًا بالسند الثاني، ثم يمضي على السامع زمانٌ، فيشتبه عليه، فيتوهم أنه سمع ذاك الخبر من هشام بالسند الأول - على ما هو الغالب المألوف.
стр. 1818
ولذلك تجد أئمة الحديث إذا وجدوا راويين اختلفا بأن رويا عن هشام خبرًا واحدًا؛ جعله أحدهما: عن هشام، عن وهب، عن عبيد، وجعله الآخر: عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، فالغالب أن يقدموا الأول، ويخطؤوا الثاني.
هذا مثال، ومن راجع كتب علل الحديث وجد من هذا ما لا يحصي". اهـ.
• وقال في ترجمة (١١٤):
"تحريف كلمة "العدل" إلى "القدر" هو الجاري على طريقة التصحيف والتحريف؛ فإن القارىء أو الناسخ إنما يعدل عما لا يعرفه إلى ما يعرفه". اهـ.
• وقال في حاشية "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ٢٧١):
"المعروف عندهم أنه إذا وقع الاختلاف على وجهين، فأقربهما أن يكون خطأ هو الجاري كل الجادة، أي الجاري على الغالب". اهـ.
قال أبو أنس:
هذه بعض النماذج المستخرجة من كلام المعلمي تطبيقًا لهذا السبب:
• في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٢٠):
حديث: "إذا بعثتم إليّ بريدًا فابعثوا حسن الوجه، حسن الاسم".
رواه العقيلي والطبراني عن أبي هريرة مرفوعًا.
وفي إسناده: عمر بن راشد.
فقال الشيخ المعلمي:
"روى عمر هذا الخبر عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقد رواه غيره عن يحيى، عن أبي سلمة، عن الحضرمي بن لاحق، عن النبي ﷺ ، والحضرمي من صغار التابعين الذي لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة.
стр. 1819
فكأن عمر بن راشد سمع هذا، ثم وهم فسلك به الجادة: يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة". اهـ.
• وفيها (ص ٢٣٨):
حديث: لا خير فيمن لا يجمع المال يصل به رحمه، ويؤدي به عن أمانته، ويستغني به عن خلق ربه.
رواه ابن حبان عن أنس مرفوعا. وفي إسناده: العلاء بن مسلمة، وهو وضاع. وقد رواه البيهقي في "الشعب".
فقال الشيخ المعلمي:
"رواه العلاء، عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن مرجى بن رجاء، عن سعيد ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه البيهقي من وجه آخر فيه بعض النظر عن أبي النضر، ثم قال: إنا يُروى هذا الكلام بعينه من قول سعيد بن المسيب.
ومرجى ربما وهم، وسعيد اختلط، فلعل الخطأ من أحدهما، كان أصله: قتادة، عن ابن المسيب قوله، فجعل خطأ: قتادة، عن أنس مرفوعًا". اهـ.
• وفي "الفوائد" (ص ٤٦٣):
حديث: أنه جاء بستاني اليهودي إلى النبي ﷺ ، فقال: يا محمد: أخبرني عن النجوم التي رآها يوسف ساجدة له، ما أسماؤها؟
رواه سعيد بن منصور في "سننه" عن أبي مسعود مرفوعًا، وهو موضوع، كما قال ابن الجوزي، وذكر أن في إسناده الحكم بن ظهير، وهو متروك، والسدي وهو كذاب.
стр. 1820
قال في "اللآلىء": هذا السدي ليس هو محمد بن مروان الكذاب، بل هو إسماعيل ابن عبد الرحمن، أحد رجال مسلم، والحديث أخرجه البزار، وأبو يعلى في "مسنديهما"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وابن مردويه في تفاسيرهم، وأبو نعيم، والبيهقي، كلاهما في "دلائل النبوة".
وللحكم متابع قوي، أخرجه الحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط مسلم، وهو أسباط بن نصر، عن السدي به.
فقال الشيخ المعلمي:
"وقف الذهبي في تلخيصه فلم يتعقبه، ولا كتب علامة الصحة كعادته فيما يقر الحاكم على تصحيحه (١)، والحاكم رواه عن محمد بن إسحاق الصفار، عن أحمد بن محمد ابن نصر، عن عمرو بن حماد (٢) عن أسباط، وقد جزم الجوزجاني ثم العقيلي بأن الحكم بن ظهير تفرد به عن السدي، ومن طريق الحكم ذكره المفسرون، مع أن تفسير أسباط عن السدى عندهم جميعًا، فكيف فاتهم منه هذا الخبر، ووقع للحاكم بذاك السند؟
هذا يشعر بأن بعض الرواة وهم، وقع له الخبر من طريق الحكم، ثم التبس عليه، فظنه من طريق أسباط، كالجادة، والله أعلم". اهـ.
٥ - الرواية بالمعنى:
عقد الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٧٥ - ٨٧) فصلا في الرواية بالمعنى، ناقش فيه القضايا التالية:
١ - أصل الرواية بالمعنى.
٢ - جوازها.
стр. 1821
٣ - حال الصحابة حيالها.
٤ - هل تساهل الرواة فيها؟
٥ - هل رواية الراوي بالمعنى مما يقدح فيه؟
٦ - تقديم رواية من يتحرى اللفظ على من يروي بالمعنى.
٧ - البحث في بعض الأحاديث التي رويت بالمعنى، والنظر في دلالة ذلك.
فرأيتُ إيرادَ جُلِّ هذا الفصل هنا أولًا، ثم أعرج على بقية المواضع، ثم أدلى بدلوي في هذا الشأن؛ لإكمال الفائدة، والله الموفق.
• قال المعلمي ﵀:
الرواية بالمعنى:
قال أبو رية (ص ٨): "ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي ﷺ ، ووجدوا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالحديث عن أصل لفظه ... استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى".
أقول: أنزل الله ﵎ هذه الشريعة في أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، فاقتضت حكمته ورحمته أن يكفّلهم الشريعة، ويكلفهم حفظها وتبليغها، في حدود ما يتيسر لهم.
وتكفَّلَ سبحانه أن يرعاها بقدرته؛ ليتم ما أراده لها من الحفظ إلى قيام الساعة ... ومن تدبر الأحاديث في إنزال القرآن على سبعة أحرف وما اتصل بذلك، بان له أن الله تعالى أنزل القرآن على حرفٍ هو الأصل، ثم تكرر تعليم جبريل للنبي ﷺ لتمام سبعة أحرف، وهذه الأحرف الستة الزائدة عبارة عن أنواع من المخالفة في بعض الألفاظ لِلَفْظ الحرف الأول، بدون اختلاف في المعنى [المراد بالاختلاف في المعنى هو الاختلاف المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ فأما أن يدل أحد الحرفين على معنى والآخر على معنى آخر، وكلا المعنيين
стр. 1822
معًا حق، فليس باختلاف بهذا المعنى] (١) فكان النبي ﷺ يُلَقِّنُ أصحابه، فيكون بين ما يُلقنه ذا وما لقنه ذاك شيء من ذاك الاختلاف في اللفظ، فحفظ أصحابه كُلٌّ بما لُقِّنَ، وضبطوا ذلك في صدورهم ولَقنوه الناس، ورفع الحرج مع ذلك عن المسلمين، فكان بعضهم ربما تلتبس عليه كلمة مما يحفظه، أو يشق عليه النطق بها، فيكون له أن يقرأ بمرادفها. فمن ذلك ما كان يوافق حرفًا آخر ومنه ما لا يوافق، ولكنه لا يخرج عن ذاك القبيل، وفي "فتح الباري": "ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعًا له".
فهذا ضرب محدود من القراءة بالمعنى رُخِّصَ فيه لأولئك.
وكُتب القرآن بحضرة النبي ﷺ في قطع من الجريد وغيره، تكون في القطعة الآية والآيتان أو أكثر، وكان رسمُ الخط يومئذ يحتمل -والله أعلم- غالب الاختلافات التي في الأحرف السبعة؛ إذ لم يكن له شكل ولا نقط، وكانت تُحذفُ فيه كثيرٌ من الألفات ونحو ذلك، كما تراه في رسم المصحف، وبذاك الرسمِ عينِه نُقل ما في تلك القطع إلى صحفٍ في عهد أبي بكر، وبه كُتبت المصاحف في عهد عثمان، ثم صار على الناس أن يضبطوا قراءتهم، بأن يجتمع فيها الأمران: النقلُ الثابت بالسماع من النبي ﷺ ، واحتمالُ رسم المصاحف العثمانية.
وبذلك خرجت من القراءات الصحيحة تلك التغيرات التي كان يَترخص بها بعض الناس، وبقي من الأحرف الستة المخالفة للحرف الأصلي ما احتمله الرسم، ولعله غالبها - إن لم يكن جميعها، مع أنه وقع اختلافٌ يسيرٌ بين المصاحف العثمانية، وكأنه تبعًا للقطع التي كتب فيها القرآن بحضرة النبي ﷺ ؛ كأن توجد الآية في قطعتين كتبت الكلمة في إحديهما بوجهٍ وفي الأخرى بالآخر، فبقي هذا الاختلاف في القراءات الصحيحة.
стр. 1823
ونخرج مما تقدم بنتيجتين:
الأولى: أن حفظ الصدور لم يكن كما يصوره أبو رية، بل قد اعتمد عليه في القرآن، وبقي الاعتماد عليه وحده بعد حفظ الله في عهد النبي ﷺ ، وعمر، وسنين من عهد عثمان؛ لأن تلك القطع التي كُتب فيها في عهد النبي ﷺ كانت مفرقةً عند بعض أصحابه، لا يعرفها إلا من هي عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم، ثم لما جُمعت في عهد أبي بكر لم تنشر هي ولا الصحف التي كُتبت عنها، بل بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان، ثم اعتمد عليه في عامة المواضع التي يَحتمل فيها الرسم وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حتى استقر تدوين القراءات الصحيحة.
النتيجة الثانية: أن حال الأميين قد اقتضت الترخيص لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن -مع أن ألفاظه مقصودةٌ لذاتها؛ لأنه كلام رب العالمين بلفظه ومعناه معجزٌ بلفظه ومعناه متعبَّدٌ بتلاوته- فما بالك بالأحاديث التي مدار المقصود الديني فيها على معانيها فقط؟
وإذا علمنا ما تقدم ... وعلمنا ما دلت عليه القواطع أن النبي ﷺ مبين لكتاب الله ودينه بقوله وفعله، وأن كل ما كان منه مما فيه بيانٌ للدين فهو خالد بخلود الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابة مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته ... وأن النبي ﷺ لم يأمرهم بكتابة الأحاديث، وأقرهم على عدم كتابتها، بل قيل: إنه نهاهم عن كتابتها كما بما فيه، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لما علموه وفهموه، وعلمنا أن عادة الناس قاطبةً فيمن يُلقى إليه كلامٌ؛ المقصود منه معناه ويؤمر بتبليغه: أنه إذا لم يحفظ لفظه على وجهه، وقد ضبط معناه، لزمه أن يبلغه بمعناه، ولا يُعَدُّ كاذبًا ولا شِبهَ كاذب، علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة: من بقي منهم حافظًا لِلَّفْظ على وجهه فليؤدِّه
стр. 1824
كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى ولم يبق ضابطًا لِلِّفظ فليؤدِّه بالمعنى. هذا أمر يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته.
فقول أبي رية: "لما رأى بعض الصحابة ... استباحوا لأنفسهم" إن أراد أنهم لم يؤمروا بالتبليغ، ولم يُبح لهم أن يَرْوُوا بالمعنى إذا كانوا ضابطين له دون اللفظ، فهذا كذب عليهم وعلى الشرع والعقل كما يُعلم مما مَرَّ.
وتشديده ﷺ في الكذب عليه إنما المراد به الكذب في المعاني، فإن الناس يَبعثون رسلَهم ونوابَهم، ويأمرونهم بالتبليغ عنهم. فإذا لم يشترط عليهم المحافظة على الألفاظ، فبلغوا المعنى، فقد صدقوا.
ولو قلت لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب وقال له: والدي -أو الوالد- يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنكر العقلاء عليك ذلك.
وقد قَصَّ الله في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم؛ لأن مِن ذلك ما يطول فيبلغ الحَدَّ المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما يأتي في موضع بألفاظ، وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر.
فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي ﷺ بيان شدة الكذب عليه وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب فقال: "نضر الله امرًا سمع منا شيئًا فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" جاء بهذا اللفظ أو معناه مطولا ومختصرا من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجبير بن مطعم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمير بن بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، منها الصحيح وغيره. وكان النبي ﷺ يتحرى معونتهم على الحفظ والفهم كما مر (ص ٤٣)
стр. 1825
واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ ، وهي كثيرة.
ومنها ما أصله قولي، ولكن الصحابي لا يذكر القول، بل يقول: أمرنا النبي ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذن في كذا ... وأشباه هذا، وهذا كثير أيضًا.
وهذان الضربان ليسا محل نزاع، والكلام في ما يقول الصحابي فيه: قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، أو نحو ذلك.
ومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر، ووقع اختلاف، فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله ﷺ يُهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها، فيقع له تقديم وتأخير، أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك.
ومع هذا فقد عُرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ، وتقدم (ص ٤٢) قول أبو رية: إن الخلفاء الأربعة وكبار الصحابة وأهل الفتيا لم يكونوا ليرضوا أن يرووا بالمعنى، وكان ابن عمر ممن شدد في ذلك، وقد آتاهم الله من جودة الحفظ ما آتاهم، وقصة ابن عباس مع عمر بن أبي ربيعة مشهورة، ويأتي في ترجمة أبي هريرة ما ستراه.
فعلى هذا، ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفظ فهو بلفظ النبي ﷺ ، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك؛ لأنهم كلهم كانوا يتحرون ما أمكنهم، ويبقى النظر في تصرف من بعدهم ... (١)
هذا، وكان الأئمةُ يعتبرون حديثَ كُلِّ راوٍ، فينظرون كيف حَدَّثَ به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يُحَدث مرة كذا ومرة كذا بخلافٍ لا يحتملُ: ضَعَّفُوه.