٣ - حال الصحابة حيالها.
٤ - هل تساهل الرواة فيها؟
٥ - هل رواية الراوي بالمعنى مما يقدح فيه؟
٦ - تقديم رواية من يتحرى اللفظ على من يروي بالمعنى.
٧ - البحث في بعض الأحاديث التي رويت بالمعنى، والنظر في دلالة ذلك.
فرأيتُ إيرادَ جُلِّ هذا الفصل هنا أولًا، ثم أعرج على بقية المواضع، ثم أدلى بدلوي في هذا الشأن؛ لإكمال الفائدة، والله الموفق.
• قال المعلمي ﵀:
الرواية بالمعنى:
قال أبو رية (ص ٨): "ولما رأى بعض الصحابة أن يرووا للناس من أحاديث النبي ﷺ ، ووجدوا أنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالحديث عن أصل لفظه ... استباحوا لأنفسهم أن يرووا على المعنى".
أقول: أنزل الله ﵎ هذه الشريعة في أُمَّةٍ أُمِّيَّةٍ، فاقتضت حكمته ورحمته أن يكفّلهم الشريعة، ويكلفهم حفظها وتبليغها، في حدود ما يتيسر لهم.
وتكفَّلَ سبحانه أن يرعاها بقدرته؛ ليتم ما أراده لها من الحفظ إلى قيام الساعة ... ومن تدبر الأحاديث في إنزال القرآن على سبعة أحرف وما اتصل بذلك، بان له أن الله تعالى أنزل القرآن على حرفٍ هو الأصل، ثم تكرر تعليم جبريل للنبي ﷺ لتمام سبعة أحرف، وهذه الأحرف الستة الزائدة عبارة عن أنواع من المخالفة في بعض الألفاظ لِلَفْظ الحرف الأول، بدون اختلاف في المعنى [المراد بالاختلاف في المعنى هو الاختلاف المذكور في قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا﴾ فأما أن يدل أحد الحرفين على معنى والآخر على معنى آخر، وكلا المعنيين
стр. 1822
معًا حق، فليس باختلاف بهذا المعنى] (١) فكان النبي ﷺ يُلَقِّنُ أصحابه، فيكون بين ما يُلقنه ذا وما لقنه ذاك شيء من ذاك الاختلاف في اللفظ، فحفظ أصحابه كُلٌّ بما لُقِّنَ، وضبطوا ذلك في صدورهم ولَقنوه الناس، ورفع الحرج مع ذلك عن المسلمين، فكان بعضهم ربما تلتبس عليه كلمة مما يحفظه، أو يشق عليه النطق بها، فيكون له أن يقرأ بمرادفها. فمن ذلك ما كان يوافق حرفًا آخر ومنه ما لا يوافق، ولكنه لا يخرج عن ذاك القبيل، وفي "فتح الباري": "ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه كان يقرأ بالمرادف ولو لم يكن مسموعًا له".
فهذا ضرب محدود من القراءة بالمعنى رُخِّصَ فيه لأولئك.
وكُتب القرآن بحضرة النبي ﷺ في قطع من الجريد وغيره، تكون في القطعة الآية والآيتان أو أكثر، وكان رسمُ الخط يومئذ يحتمل -والله أعلم- غالب الاختلافات التي في الأحرف السبعة؛ إذ لم يكن له شكل ولا نقط، وكانت تُحذفُ فيه كثيرٌ من الألفات ونحو ذلك، كما تراه في رسم المصحف، وبذاك الرسمِ عينِه نُقل ما في تلك القطع إلى صحفٍ في عهد أبي بكر، وبه كُتبت المصاحف في عهد عثمان، ثم صار على الناس أن يضبطوا قراءتهم، بأن يجتمع فيها الأمران: النقلُ الثابت بالسماع من النبي ﷺ ، واحتمالُ رسم المصاحف العثمانية.
وبذلك خرجت من القراءات الصحيحة تلك التغيرات التي كان يَترخص بها بعض الناس، وبقي من الأحرف الستة المخالفة للحرف الأصلي ما احتمله الرسم، ولعله غالبها - إن لم يكن جميعها، مع أنه وقع اختلافٌ يسيرٌ بين المصاحف العثمانية، وكأنه تبعًا للقطع التي كتب فيها القرآن بحضرة النبي ﷺ ؛ كأن توجد الآية في قطعتين كتبت الكلمة في إحديهما بوجهٍ وفي الأخرى بالآخر، فبقي هذا الاختلاف في القراءات الصحيحة.
стр. 1823
ونخرج مما تقدم بنتيجتين:
الأولى: أن حفظ الصدور لم يكن كما يصوره أبو رية، بل قد اعتمد عليه في القرآن، وبقي الاعتماد عليه وحده بعد حفظ الله في عهد النبي ﷺ ، وعمر، وسنين من عهد عثمان؛ لأن تلك القطع التي كُتب فيها في عهد النبي ﷺ كانت مفرقةً عند بعض أصحابه، لا يعرفها إلا من هي عنده، وسائر الناس غيره يعتمدون على حفظهم، ثم لما جُمعت في عهد أبي بكر لم تنشر هي ولا الصحف التي كُتبت عنها، بل بقيت عند أبي بكر، ثم عند عمر، ثم عند ابنته حفصة أم المؤمنين، حتى طلبها عثمان، ثم اعتمد عليه في عامة المواضع التي يَحتمل فيها الرسم وجهين أو أكثر، واستمر الاعتماد عليه حتى استقر تدوين القراءات الصحيحة.
النتيجة الثانية: أن حال الأميين قد اقتضت الترخيص لهم في الجملة في القراءة بالمعنى، وإذا كان ذلك في القرآن -مع أن ألفاظه مقصودةٌ لذاتها؛ لأنه كلام رب العالمين بلفظه ومعناه معجزٌ بلفظه ومعناه متعبَّدٌ بتلاوته- فما بالك بالأحاديث التي مدار المقصود الديني فيها على معانيها فقط؟
وإذا علمنا ما تقدم ... وعلمنا ما دلت عليه القواطع أن النبي ﷺ مبين لكتاب الله ودينه بقوله وفعله، وأن كل ما كان منه مما فيه بيانٌ للدين فهو خالد بخلود الدين إلى يوم القيامة، وأن الصحابة مأمورون بتبليغ ذلك في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته ... وأن النبي ﷺ لم يأمرهم بكتابة الأحاديث، وأقرهم على عدم كتابتها، بل قيل: إنه نهاهم عن كتابتها كما بما فيه، ومع ذلك كان يأمرهم بالتبليغ لما علموه وفهموه، وعلمنا أن عادة الناس قاطبةً فيمن يُلقى إليه كلامٌ؛ المقصود منه معناه ويؤمر بتبليغه: أنه إذا لم يحفظ لفظه على وجهه، وقد ضبط معناه، لزمه أن يبلغه بمعناه، ولا يُعَدُّ كاذبًا ولا شِبهَ كاذب، علمنا يقينًا أن الصحابة إنما أُمروا بالتبليغ على ما جرت به العادة: من بقي منهم حافظًا لِلَّفْظ على وجهه فليؤدِّه
стр. 1824
كذلك، ومن بقي ضابطًا للمعنى ولم يبق ضابطًا لِلِّفظ فليؤدِّه بالمعنى. هذا أمر يقيني لا ريب فيه، وعلى ذلك جرى عملهم في حياة النبي ﷺ وبعد وفاته.
فقول أبي رية: "لما رأى بعض الصحابة ... استباحوا لأنفسهم" إن أراد أنهم لم يؤمروا بالتبليغ، ولم يُبح لهم أن يَرْوُوا بالمعنى إذا كانوا ضابطين له دون اللفظ، فهذا كذب عليهم وعلى الشرع والعقل كما يُعلم مما مَرَّ.
وتشديده ﷺ في الكذب عليه إنما المراد به الكذب في المعاني، فإن الناس يَبعثون رسلَهم ونوابَهم، ويأمرونهم بالتبليغ عنهم. فإذا لم يشترط عليهم المحافظة على الألفاظ، فبلغوا المعنى، فقد صدقوا.
ولو قلت لابنك: اذهب فقل للكاتب: أبي يدعوك، فذهب وقال له: والدي -أو الوالد- يدعوك، أو يطلب مجيئك إليه، أو أمرني أن أدعوك له، لكان مطيعًا صادقًا، ولو اطلعت بعد ذلك على ما قال فزعمت أنه عصى أو كذب وأردت أن تعاقبه لأنكر العقلاء عليك ذلك.
وقد قَصَّ الله في القرآن كثيرًا من أقوال خلقه بغير ألفاظهم؛ لأن مِن ذلك ما يطول فيبلغ الحَدَّ المعجز، ومنه ما يكون عن لسان أعجمي، ومنه ما يأتي في موضع بألفاظ، وفي آخر بغيرها، وقد تتعدد الصور كما في قصة موسى، ويطول في موضع ويختصر في آخر.
فبالنظر إلى أداء المعنى كرر النبي ﷺ بيان شدة الكذب عليه وبالنظر إلى أداء اللفظ اقتصر على الترغيب فقال: "نضر الله امرًا سمع منا شيئًا فأداه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع" جاء بهذا اللفظ أو معناه مطولا ومختصرا من حديث ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأنس، وجبير بن مطعم، وعائشة، وسعد، وابن عمر، وأبي هريرة، وعمير بن بن قتادة، ومعاذ بن جبل، والنعمان بن بشير، وزيد بن خالد، وعبادة بن الصامت، منها الصحيح وغيره. وكان النبي ﷺ يتحرى معونتهم على الحفظ والفهم كما مر (ص ٤٣)
стр. 1825
واعلم أن الأحاديث الصحيحة ليست كلها قولية، بل منها ما هو إخبار عن أفعال النبي ﷺ ، وهي كثيرة.
ومنها ما أصله قولي، ولكن الصحابي لا يذكر القول، بل يقول: أمرنا النبي ﷺ بكذا، أو نهانا عن كذا، أو قضى بكذا، أو أذن في كذا ... وأشباه هذا، وهذا كثير أيضًا.
وهذان الضربان ليسا محل نزاع، والكلام في ما يقول الصحابي فيه: قال رسول الله ﷺ كيت وكيت، أو نحو ذلك.
ومن تتبع هذا في الأحاديث التي يرويها صحابيان أو أكثر، ووقع اختلاف، فإنما هو في بعض الألفاظ، وهذا يبين أن الصحابة لم يكونوا إذا حكوا قوله ﷺ يُهملون ألفاظه البتة، لكن منهم من يحاول أن يؤديها، فيقع له تقديم وتأخير، أو إبدال الكلمة بمرادفها ونحو ذلك.
ومع هذا فقد عُرف جماعة من الصحابة كانوا يتحرون ضبط الألفاظ، وتقدم (ص ٤٢) قول أبو رية: إن الخلفاء الأربعة وكبار الصحابة وأهل الفتيا لم يكونوا ليرضوا أن يرووا بالمعنى، وكان ابن عمر ممن شدد في ذلك، وقد آتاهم الله من جودة الحفظ ما آتاهم، وقصة ابن عباس مع عمر بن أبي ربيعة مشهورة، ويأتي في ترجمة أبي هريرة ما ستراه.
فعلى هذا، ما كان من أحاديث المشهورين بالتحفظ فهو بلفظ النبي ﷺ ، وما كان من حديث غيرهم فالظاهر ذلك؛ لأنهم كلهم كانوا يتحرون ما أمكنهم، ويبقى النظر في تصرف من بعدهم ... (١)
هذا، وكان الأئمةُ يعتبرون حديثَ كُلِّ راوٍ، فينظرون كيف حَدَّثَ به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يُحَدث مرة كذا ومرة كذا بخلافٍ لا يحتملُ: ضَعَّفُوه.
стр. 1826
وربما سمعوا الحديثَ من الرجل، ثم يَدَعُونه مدة طويلة، ثم يسألونه عنه.
ثم يُعتبر حَرْفُ مروياتِه برواية مَن روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف روايةَ الثقات حكموا عليه بحسبها.
وليسوا يوثِّقُون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مَرَّ.
وتجدُهم يجرحون الرجلَ بأنه يخطىء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا.
ونظرهم عند تصحيح الحديث أدقُّ من هذا، نعم، إن هناك من المحدثين من يُسَهِّلُ ويُخَفِّفُ، لكنَّ العارفَ لا يخفى عليه هؤلاء من هؤلاء.
فإذا رأيتَ المحققين قد وثَّقُوا رجلًا مطلقًا، فمعنى ذلك أنه يروي الحديث بلفظه الذي سمعه، أو على الأقل إذا روى بالمعنى لم يغير المعنى.
وإذا رأيتَهُم قد صحَّحُوا حديثًا، فمعنى ذلك أنه صحيح بلفظه، أو على الأقل بنحو لفظه، مع تمام معناه، فإن بان لهم خلف ذلك نبهوا عليه كما تقدم (ص ١٨).
... وذكر أبو رية (ص ٥٥ فما بعدها) الخلاف في جواز الرواية بالمعنى.
أقول: الذين قالوا: لا تجوز، إنما غرضُهم ما ينبغي أن يُعمل به في عهدهم وبعدهم، فأما ما قد مضى فلا كلام فيه، لا يُطعن في متقدم بأنه كان يروي بالمعنى ولا في روايته.
لكن إن وقع تعارض بين مَرْوِيِّهِ ومرْوِيِّ من كان يبالغ في تحري الرواية باللفظ، فذلك مما يرجح الثاني، وهذا لا نزاع فيه.
ومدار البحث هو أن الرواية بالمعنى قد توقع في الخطأ، وهذا معقول، لكن لا وجه للتهويل، فقد ذكر أبو رية (ص ٥٩): "قال ابن سيرين: كنت أسمع الحديث من عشرة، المعنى واحد والألفاظ مختلفة".
стр. 1827
وكان ابن سيرين من المتشددين في أن لا يُروى إلا باللفظ، ومع هذا شهد للذين سمع منهم أنهم مع كثرة اختلافهم في اللفظ لم يخطىء أحد منهم المعنى -ولهذا لما ذُكر له أن الحسن والشعبي والنخعي يروون بالمعنى اقتصر على قوله: "إنهم لو حدثوا كما سمعوا كان أفضل" انظر "الكفاية" للخطيب (ص ٢٠٦).
ومن تدبر ما تقدم من حال الصحابة، وأنهم كانوا كلهم يراعون الرواية باللفظ، ومنهم من كان يبالغ في تحري ذلك، وكذا في التابعين وأتباعهم، وأن الحديث الواحد قد يرويه صحابيان أو أكثر، ويرويه عن الصحابي تابعيان فأكثر وهلم جرا، وأن التابعين كتبوا، وأن أتباعهم كتبوا ودونوا، وأن الأئمة اعتبروا حال كل راو في روايته لأحاديثه في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يروي الحديث مرة بما يحيل معناه في روايته له مرة أخرى جرحوه، ثم اعتبروا رواية كل راوٍ برواية الثقات، فإذا وجدوه يخالفهم بما يحيل المعنى جرحوه.
ثم بالغ محققوهم في العناية بالحديث عند التصحيح، فلا يصححون ما عرفوا له علة، نعم قد يذكرون في المتابعات والشواهد ما وقعت فيه مخالفة ما وينبهون عليه.
من تدبر هذا، ولم يُعْمِهِ الهوى، اطمأن قلبُه بوفاء الله تعالى بما تكفل به من حفظ دينه، وبتوفيقه علماء الأمة للقيام بذلك، ولله الحمد .. (١)
• وقال الشيخ المعلمي في "الأنوار" أيضا (ص ٦٣ - ٦٤):
قول أبي رية: "إن ما وعته الذاكرة لا يمكن أن يبقى فيها على أصله".
إن أراد بذلك ألفاظ الأحاديث القولية، فليس كما قال، بل يمكن أن يبقى بعض ذلك، بل قوله: إن "الخلفاء الراشدين وكبار الصحابة وأهل الفتيا ... لم يكونوا ليرضوا بما رضي به بعضهم ... من رواية الحديث بالمعنى" اعتراف منه بأن ما ثبت عن هؤلاء روايته من الأحاديث القولية قد رووه بلفظ النبي ﷺ على وجهه الصحيح.
стр. 1828
وإن أراد الأحاديث الفعلية ومعاني القولية فباطل، بل يبقى فيها الكثير من ذلك كما لا يخفى على أحد.
قوله: "إن تغيير اللفظ قد يغير المعنى".
قلنا: قد، ولكن الغالب فيمن ضبط المعنى ضبطًا يثق به أنه لا يغير.
قوله: "كل لفظة من كلامه ﷺ يكمن وراءها معنى يقصده".
أقول: نعوذ بالله من غلو يُتذرع به إلى جحود، كان ﷺ يكلم الناس ليفهموا عنه، فكان يتحرى إفهامهم، إن كان ليحدث الحديث لو شاء العادُّ أن يُحصيه أحصاه، كما في "سنن" أبي داود عن عائشة، وأصله في "الصحيحين".
وكان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم، كما في "صحيح" البخاري عن أنس.
ويقال لأبي رية: أمفهومة كانت تلك المقاصد الكامنة وراء كل لفظة للصحابة، أم لا؟ إن كانت مفهومة لهم أمكنهم أن يؤدوها بغير تلك الألفاظ، وإلا فكيف يخاطبون بما لا يفهمونه؟
فأما حديث: "فرب مبلغ أوعى من سامع" فإنما يتفق في قليلٍ كما تفيد كلمة "رُب" وذلك كأن يكون الصحابي ممن قرب عهده بالإسلام، ولم يكن عنده علم، فيؤديه إلى عالم يفهمه على وجهه، والغالب أن الصحابة أفهم لكلام النبي ﷺ ممن
بعدهم" اهـ.
• وقال في "طليعة التنكيل" (ص ٦٩):
"أما الأميةُ فليست مما يوجب قلة الضبط، وإنما غايتها أن يكون في رواية صاحبها كثير من الرواية بالمعنى، وليس ذلك بقادح". اهـ.
• وقال في ترجمة: الحجاج بن أرطاة من "التنكيل" (٧٠):
"حاصل كلامهم في حديثه أنه صدوق مدلس يروي بالمعنى، وقد لخص ذلك محمد ابن نصر المروزي قال: "والغالب على حديثه الإرسال والتدليس وتغيير الألفاظ".
стр. 1829
فإذا صرح بالسماع فقد أَمِنَّا تدليسه، وهو فقيه عارف، لا يُخشى من روايته بالمعنى.
لكن إذا خالفه في اللفظ ثقةٌ، يتحرى الرواية باللفظ، وكان بين اللفظين اختلافٌ ما في المعنى، قُدِّم فيما اختلفا فيه لفظُ الثقةِ الآخر". اهـ.
• وفي ترجمة: إبراهيم بن بشار الرمادي منه (٢):
"يتحصل من مجموع ما ذُكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عيينة قديمًا، ثم كان يحضر مجالسه، فربما حدث سفيان ببعض تلك الأحاديث، فربما أبدل كلمة بأخرى أو نحو ذلك على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى، وكان بعض الحاضرين لا يتمكنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع، فإذا فرغ المجلس رغبوا إلى إبراهيم، فيملي عليهم ذاك المجلس، فربما أملى عليهم كما حفظ سابقا، ويكون في ذلك ألفاظ مغايرة للألفاظ التي عبر بها سفيان في ذاك المجلس، فذاك الذي أنكره عليه أحمد ويحيى، وقد يقال: إن كان إبراهيم لم يشعر بالاختلاف فالخطب سهل، وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب أحدهم فيروي عن سفيان كما حدث سفيان قديمًا، وإن كان هو إنما سمعه بتغيير ما في الألفاظ، كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغيير ما في الألفاظ، بل هذا أسوغ، فإن اللفظين كلاهما صحيح عن سفيان.
وبالجملة فهذا توسع في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحا ... ". اهـ.
قال أبو أنس:
الراوي إذا لم يكن متقنًا يقظًا متحريًا، فلربما لم تُسْعِفْهُ ذاكرتُه أن يذكر الحديث بلفظه، أو هكذا ظنَّ أنه لفظُه، أو أراد أن يختصر الحديثَ لسببِ الاستعجال أو الاستدلال أو غير ذلك، فربما وقع في حديثه حينئذٍ خللٌ يؤثر في معناه دون أن ينتبه.
стр. 1830
وأداءُ الحديث بلفظِه وسياقِه وتمامِه، مع التنصيص على مواضع التردد والشك في الإسناد أو المتن - هو من علامات ضبط الراوي وأمانته وتحريه وأيُّ غيابٍ لأحدِ هذه الأمور ربما جرَّ إلى حدوثِ خللٍ في الرواية أو كان سببًا في وقوع علة.
فإذا لم يستحضر الراوي لفظ الحديث، أو لم ينشطْ لسَوْقِه كما سمعه، أو سُئل عن مسألةٍ أو قضيةٍ، فأراد أن يستشهد بمعنًى فيه فساق ذلك الحديث بالمعنى أو اختصره، تابعَ الأئمةُ ذلك، وراقبوا الفَرق بين روايته وروايه غيره ممن ساقه بتمامه؛ لينظروا في مظاهر الخلل الحادثة - إن وجدت.
لكن لاحظ أنه ليس كُلُّ اختصارٍ علةً أو سببًا في ضعف الحديث المختصَر، بل إن كبار الحفاظ ربما اختصروا إذا احتاجوا إلى ذلك، لكن بحيث لا يؤثر ذلك في معنى الأصل. هذا البخاري: يكثر من ذلك في"صحيحه"، وربما دلّ ذلك أحيانًا على براعته وحنكته.
ولبيان: كيف تكون الروايةُ بالمعنى أو الاختصارُ سببا في التعليل، أُوردُ هنا بعض المواضع التي قد شرحتُها في كتابي"مُلَحُ الحديث على كتاب علل الحديث" لابن أبي حاتم الرازي، فأقول:
١ - قال ابن أبي حاتم (٢٤٢)(٤٠١):
"سألت أبي عن حديثٍ رواه مروان الفزاري، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ صلَّى ركعتي الفجر حين طلعتِ الشمسُ. [لفظه في (٤٠١): نام رسول الله ﷺ عن ركعتي الفجر، فقضاهما بعدما طلعت الشمس].
قال أبي: غلط مروان في اختصاره، إنما كان النبي ﷺ في سفر، فقال لبلال: "مَن يكلؤنا الليلة؟ فقال: أنا، فغلبه النومُ حتى طلعتِ الشمسُ، فقام النبي ﷺ وقد طلعتِ الشمسُ، فأمر بلالًا أن يؤذن، وأمر الناسَ أن يصلوا ركعتي الفجر، ثم صلى بهم الفجر، فقد صلى السنة والفريضة بعد طلوع الشمس". اهـ.
стр. 1831
قلت:
أصل الحديث رواه عن يزيد بن كيسان: يحيى بن سعيد القطان، رواه مسلم (٦٨٠/ ٣١٠) وبُوِّبَ عليه: "باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضاءها". ولفظه: "عرسنا مع نبي الله ﷺ فلم نستيقظ حتى طلعت الشمس، فقال النبي ﷺ : "ليأخذ كل رجلٍ برأس راحلته ... ثم دعا بالماء فتوضأ ثم سجد سجدتين ثم أقيمت الصلاة فصلى الغداة".
وقد رواه مسلم قبله (٦٨٠/ ٣٠٩) من حديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ حين قَفَل من غزوة خيبر سار ليلة حتى إذا أدركه الكرى عرّس، وقال لبلال: اكلأ لنا الليل ... فغلبت بلالًا عيناه ... فلم يستيقظ رسول الله ﷺ ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس ... ثم توضأ رسول الله ﷺ وأمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح ...
وحديث مروان بن معاوية الفزاري عن يزيد بن كيسان، أخرجه ابن ماجه (١/ ٣٦٥) وابن حبان (٢٦٥٢) وأبو يعلى (١١/ ٤٥) وغيرهم بلفظ: "أن النبي ﷺ نام عن ركعتي الفجر فصلاهما بعدما طلعت الشمس".
والعلة في اختصار هذا الحديث أن المحفوظ عن يزيد بن كيسان إنما هو في قضية عين، نام فيها النبي ﷺ ومن معه عن صلاة الفجر، فلما استيقظوا، صلوا ركعتي الفجر -وهي سنة الصبح- ثم أقيمت الصلاة، فصلوا الفريضة.
أما الحديث المختصر فليس فيه وقت أداء الفريضة، وهذا جعل مثل ابن حزم في "المحلى" يفهم منه صراحةً أن النبي ﷺ صلى الفرض في وقته وأجَّل ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس، فقال في "المحلى" (٣/ ١١٢): " ... وأما قضاء الركعتين فلقوله ﷺ : من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" وهذا عموم.
стр. 1832
حدثنا البغوي ثنا عباس بن أصبغ ثنا محمد بن عبد الملك بن أيمن ثنا ابن وضاح ثنا يحيى بن معين ثنا مروان بن معاوية الفزاري ... وساق الحديث، ثم قال:
فهذا ﵇ لم يبدأ بها قبل الفرض.
ثم ساق آثارًا في هذا المعنى، وهذا المعنى ليس واردًا في أصل حديث يزيد بن كيسان، كما سبق بيانه، ولكن مروان حكاه بالمعنى، فأوهم خلاف مقتضاه وهذا هو سبب تعليل أبي حاتم له، والله تعالى الموفق.
٢ - قال ابن أبي حاتم (٨٩٦):
"سألت أبي عن حديثٍ رواه مروان الفزاري، عن أبي حيان التيمي، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : سمَّى الأنثى من الخيل: الفرس.
فقال: هذا حديث مشهور، رواه جماعة عن أبي حيان، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، عن النّبي ﷺ أنه ذكر الغلول، فقال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على عنقه فرس.
فاختصر مروان هذا الحديث لمَّا قال: "يحملها على رقبته" أي: جعل الفرس أُنثى حين قال: "يحملها" ولم يقل: "يحمله". اهـ.
قلت:
أصل الحديث عند البخاري (٣٠٧٣) ومسلم (١٨٣١) من طريق جماعة عن أبي حيان التيمي به، ولفظه عند البخاري، وكذا في الموضع الذي ساق مسلم لفظه: "على رقبته فرس له حمحمة".
ولم أقف فيه على لفظ: "يحمله" أو "يحملها".
وحديث مروان الفزاري أخرجه أبو داود في "سننه" (٢٥٤٦) والحاكم في "مستدركه" (٢/ ١٥٧) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه وابن حبان كما في "صحيحه" (٤٦٨٠).
стр. 1833
ولما كان مروان الفزاري ليس بالمحل الذي يحتمل أو يقبل منه التفرد عن أبي حيان التيمي بمثل هذا، فَحَمَلَ أبو حاتم هذا اللفظ - الشاذ: "أن النبي ﷺ سمَّى الأنثى من الخيل الفرس" على أن مروان أخطأ في الحديث المشهور عن أبي حيان التيمي عن أبي زرعة عن أبي هريرة، فصحَّف: "فرس يحمله على رقبته" إلى: "يحملها على رقبته"، ثم لما صحَّف وجعل ضمير التذكير: مؤنثًا، ذكره بَعْدُ مختصرًا بحسب مقتضى التصحيف الذي وقع فيه، وهذا أمرٌ دقيقٌ، وعلّةٌ خفيةٌ، يجرُّ إليها مقدماتٌ وقرائن يعرفها إمام من أئمة النقد كأبي حاتم.
فانظر إلى مثل هذا النقد، وهذه النظرة الثاقبة، وقارن ذلك بمثل تصحيح ابن حبان والحاكم لحديث مروان، وزَعْم الأخير أنه على شرط الشيخين، وجعل السيوطي في "الجامع الصغير" (١/ ٣١٥) والمناوي في "فيض القدير" (٥/ ٢٢٠) الحديث دليلًا على فصاحة النبي ﷺ إذ سمَّى الأنثى فرسًا بغير هاء، ولم يقل فرسة؛ لأنه لم يُسمع من كلامهم، والحديث إذا كان خطأ، لم يصلح للاستدلال، والله تعالى الموفق.
٣ - قال ابن أبي حاتم (١٠٧):
"سمعت أبي وذكر حديث شعبة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح".
قال أبي: هذا وهم، اختصر شعبة متن هذا الحديث فقال: "لا وضوء إلا من صوت أو ريح".
ورواه أصحاب سهيل، عن أبيه عن أبي هُرَيرَة عن النبي ﷺ قال: "إذا كان أحدكم في الصلاة فوجد ريحًا من نفسه فلا يخرجن حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا". اهـ.
قلت:
من أصحاب سهيل هؤلاء: جرير بن عبد الحميد عند مسلم (٣٦٢)، وحماد بن سلمة عند أبي داود (١٧٧) وعبد العزيز بن المختار عند الترمذي (٧٥).
стр. 1834
وحديث شعبة أخرجه الترمذي أيضًا (٧٤) وابن ماجه (٥١٥).
وقضية الاختصار في هذا الحديث أن في حديث الجماعة عن سهيل ما ينقض الوضوء لمن هو فى داخل الصلاة، فلا يجب عليه الانصراف من الصلاة إذا أَحَسَّ بحركةٍ في بطنه إلا إذا تيقن الحَدَث؛ كسماع صوتِ ما يخرج منه أو يجد ريح ذلك. هذا هو مقتضى الاستثناء الوارد في حديث الجماعة.
لكنَّ شعبةَ لما اختصر الحديث جعله استثناء عامًّا في كل حال، فصار مقتضى ذلك الاختصار أن الوضوء لا ينتقض إلا من صوت أو ريح، سواء كان ذلك داخل الصلاة أو خارجها، وهذا اقتضاء فاسد.
وممن فطن لهذه العلة، وشرحها شرحًا وافيًا، مبينًا فسادَ ما يقتضيه ذلك الاختصار المشار إليه: ابن خزيمة في "صحيحه".
قال ابن خزيمة (١/ ١٨):
باب: ذكر خبر روي مختصرًا عن رسول الله ﷺ أَوْهَمَ عالمًا ممن لم يُميِّز بين الخبر المختصر والخبر المتقصى أن الوضوء لا يجب إلا من الحدث الذي له صوت أو رائحة.
ثم ساق حديث شعبة هذا.
ثم قال: باب ذكر الخبر المتقصي للّفظة المختصرة التي ذكرتها، والدليل على أن النبي ﷺ إنما أعلَم أن لا وضوء إلا من صوت أو ريح عن مسألةٍ سُئل عنها في الرجل يُخيل إليه أنه قد خرج منه ريح، فيشك في خروج الريح.
وكانت هذه المقالة عنه ﷺ : "لا وضوء إلا من صوت أو ريح" جوابًا عما عنه سُئل فقط، لا ابتداء كلام، مسقطا بهذه المسالة إيجاب الوضوء من غير الريح التي لها صوت أو رائحة؛ إذ لو كان هذا القول منه ﷺ ابتداء من غير أن تتقدمه مسألة، كانت هذه المقالة تنفي إيجاب الوضوء من البول والنوم والمذي؛ إذ قد يكون البول لا صوت له ولا ريح، وكذلك النوم والمذي لا صوت لهما ولا ريح، وكذلك الودي.
стр. 1835
ثم ذكر حديث سهيل من طريق خالد بن عبد الله الواسطي عنه بلفظ الجماعة.
لكن علَّق البخاري حديث أبي هريرة فقال: "وقال أبو هريرة: لا وضوء إلا من حدث". ذكره في جملة آثار، تحت باب: "من لم ير الوضوء إلا من المخرجين من القبل والدبر".
٤ - قال ابن أبي حاتم (١٦٧)، (١٧٣):
"سألت أبي عن حديث رواه علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة عن محمد ابن المنكدر، عن جابر قال: كان آخر الأمر من رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مسَّتِ النار.
فسمعت أبي يقول: هذا حديث مضطرب المتن، إنما هو: أن النبي ﷺ أكل كتفًا ولم يتوضأ.
كذا رواه الثقات، عن ابن المنكدر، عن جابر، ويحتمل أن يكون شعيب حدَّث به من حفظه فوهم فيه". اهـ.
قلت:
أصل الحديث عن ابن المنكدر عن جابر لفظه: "قربت للنبي ﷺ خبزا ولحما، فأكل ثم دعا بوَضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ".
هكذا رواه أبو داود (١٩٢) وغيره عن ابن جريج، ومثله عن معمر، رواه ابن حبان (١١٣٦)، وأيوب عنده أيضًا (١١٣٧)، وأبو علقمة الفروي (١١٣٥)، وجرير (١١٣٨)، وروح بن القاسم (١١٣٩).
وعَقَّب أبو داود حديث ابن جريج بحديث شعيب بن أبي حمزة: "كان آخر الأمرين ... "، ثم قال أبو داود: هذا اختصار من الحديث الأول.
стр. 1836
وذكر ابن حبان أيضًا هذا الاختصار عقب حديث شعيب (١١٣٥)، لكنه حمل النسخ على أنه خاص بما مست النار خلا لحم الجزور فقط، وأن ما أكله ﷺ في هذه الواقعة كان كتف شاة وليس بجزور.
والمقصود هنا قد شرحه البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٥٦) فذكر ما رواه الجماعة عن ابن المنكدر في قصة أكله ﷺ ووضوءه قبل الصلاة، ثم رجوعه من الصلاة وأكله ما فضل من طعامه، ثم صلى ولم يتوضأ.
قال البيهقي: يرون -يعني من علَّل حديث شعيب- أن آخر الأمرين، أريد به: في هذه القصة. اهـ
فاختصار شعيب بن أبي حمزة للحديث حوَّله من واقعة حالٍ وحادثة عينٍ إلى حكم عام دَلَّ على نَسخِ حكمٍ سابق، وليس الأمر كذلك.
قال أبو أنس:
فيما أوردتُه هاهنا إشارةٌ لما قصدتُّ إلى بيانه من تَسَبُّبِ الرواية بالمعنى أو الاختصار أحيانا من الخطأ والوهم في المعاني والأحكام، وترى أمثلةً عديدةً مع الشرح والتوضيح بشيء من التوسع في كتابي: "ثمرات النخيل في شرح أسباب التعليل"، قد وضعتُ فيه خلاصةَ ما وقفتُ عليه من الأسباب التي لا يَسَعُ طالبُ هذا العلم الجهلَ بها لفهم الكلام الخفي المجمل لأئمة النقد على الأحاديث.
٦ - التباس أحاديث شيخين أو أكثر على الراوي، فيحدث بها على التوهم:
• قال الشيخ المعلمي في رواية محمد بن زنبور، عن الحارث بن عمير في ترجمة الأخير من "التنكيل" (٦٨):
"لو كان لابُدَّ من جرح أحد الرجلين لكان ابن زنبور أحق بالجرح؛ لأن عدالة الحارث أثبت جدًّا وأقدم، ولكن التحقيق ما اقتضاه صنيع النسائي من توثيق الرجلين،
стр. 1837
ويحمل الإنكار في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في (الثقات): "ربما أخطأ".
والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث كما يعلم من تأمل ترجمتيهما، وقد تقدم في ترجمة: جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديث أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديثَ سمعها من بعض الضعفاء، ولم ينتبه لذلك، كما تنبه جرير، فكأن ابن زنبور في أوائل طلبه كتب أحاديث عن الحارث، ثم سمع من رجل آخر أحاديثَ كتبها في تلك الورقة، ولم يُسم الشيخَ، ثقةً بأنه لن يلتبس عليه، ثم غفل عن ذاك الكتاب مدة، ثم نظر فيه، فظن أن تلك الأحاديث كلها مما سمعه من الحارث". اهـ.
٧ - خطأ الراوي في حداثته، وبقاء ذلك في أصله العتيق، فلا يُغتر بوجود ذلك فيه (١):
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: مطرف بن عبد الله أبي مصعب اليساري الأصم من "التنكيل" (٢٤٧):
"في ترجمة أحمد بن داود من (اللسان): قال أبو سعيد بن يونس: حَدَّثَ عن أبي مصعب بحديثٍ منكرٍ، فسألتُه عنه، فأخرجه من كتابه كما حَدَّثَ به.
وفيه بعد ذلك ذكر حديثه عن أبي مصعب، عن عبد الله بن عمر، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: من رأى مبتلى فقال: الحمد لله، إلخ.
стр. 1838
قال: قال ابن عدي: لما حَدَّثَ أحمد بهذا الحديث عن مطرف كانوا يتهمونه ... فظلموه؛ لأنه قد رواه عن مطرف: علي بن بحر (١)، وعباس الدوري، والربيع ....
فقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس هو هذا الحديث: من رأى مبتلى. الخ.
رآه ابن عدي في أصل أحمد بن داود، وعرف أن غيره قد رواه عن مطرف، ورأى أن الحمل فيه على مطرف البتة، فقاس بقية الأحاديث عليه.
وقد يكون الحديث الذي ذكره ابن يونس غير هذا الحديث، ويكون ابن عدي رأى الأحاديث في أصل أحمد بن داود، فاعتقدوا براءته منها للدليل الظاهر، وهو ثبوتها في أصله، فحملها كلها على مطرف.
فإن كان الأمر على هذا الوجه الثاني، فذاك الدليل: وهو ثبوت الأحاديث في أصل، يحتمل الخلل، ففي "لسان الميزان" (ج ١ ص ٢٥٣)
"أحمد بن محمد بن الأزهر .... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث، ويجري مع أهل الصناعة فيه، ولا يكاد يُذكر له بابٌ إلا وأغرب فيه عن الثقات، ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرته بأشياء كثيرة فأغرب علي فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إليَّ أصولَ أحاديث ... فأخرج إليَّ كتابه بأصلٍ عتيق ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... ". اهـ.
فهذا رجلٌ روى أحاديثَ باطلة، وأبرز أصله العتيق بها، فإما أن يكون كان دجالا من وقت طلبه؛ كان يسمع شيئًا، ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت طلبه بعض الدجالين، فكان يُدخل عليه ما لم يسمع، كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح، كما تراه في ترجمة: عثمان بن صالح السهمي من "مقدمة الفتح".
стр. 1839
وفي ترجمة محمد بن غالب تمتام من "الميزان" أنه أُنكر عليه حديثٌ، فجاء بأصله إلى إسماعيل القاضي، فقال له إسماعيل: ربما وقع الخطأ للناس في الحداثة.
وفي "الكفاية" (ص ١١٨ - ١١٩) عن حسين بن حبان: "قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجلٍ حَدَّثَ بأحاديث منكرة، فردها عليه أصحابُ الحديث، إن هو رجع وقال: ظننتُها، فأما إذ أنكرتموها علي، فقد رجعت عنها؟
فقال: لا يكون صدوقا أبدا، ... فقلت ليحيى: ما يبرئه؟ قال: يخرج كتابًا عتيقا فيه هذه الأحاديث، فإذا أخرجها في كتابٍ عتيقٍ فهو صدوق، فيكون شُبِّهَ له، وأخطأ كما يُخطىء الناس، فيرجع عنها".
فأنت ترى ابن معين لم يجعل ثبوتها في الأصل العتيق دليلًا على ثبوتها عَمَّن رواها صاحب الأصل عنهم، بل حمله على أنه شُبِّهَ له وأخطأ في أيام طلبه.
إذا تقرر هذا فلعل الأحاديث التي ذكرها ابن عدي عن أحمد بن داود عن أبي مصعب رآها ابن عدي في أصل عتيقٍ لأحمد بن داود، فبنى على أن ذلك دليل ثبوتها عن أبي مصعب، وهذا الدليل لا يوثق به كما رأيت، لكن في البناء عليه عذر ما لابن عدي، يَخِفُّ به تعجبُ الذهبي إذ يقول: هذه أباطيل، حاشا مطرفًا من روايتها، وإنما البلاء من أحمد بن داود، فكيف خفي هذا على ابن عدي؟!.". اهـ.
• وفي "حاشية الموضح" (١/ ٣٤):
"عبد الله بن عمر -هو ابن محمد بن أبان بن صالح بن عمير القرشي الأموي أبو عبد الرحمن الكوفي- مُشْكُدانة مُوَثَّقٌ، على ما فيه من الغلو والغفلة.
وفي "الميزان" أنه كان مَرَّة يقرأ التفسير، فمرَّ بقوله تعالى: ﴿يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ فقرأ الكلمة الأخيرة: "ونشرا"، فروجع، فقال: هى منقوطة بثلاث.
يعني أنها في كتابه الذي يقرأ منه: "ونشرا"، فقد صَحَّفَها عند كتابته ثم قرأها على التصحيف". اهـ.
стр. 1840
٨ - تأخر كتابة الراوي ما سمعه عن وقت السماع، فيكتب من حفظه، فربما وهم أو لم يأت باللفظ على وجهه:
• قال الشيخ المعلمي في حكاية يونس بن عبد الأعلى مناظرة الشافعي لمحمد ابن الحسن من "التنكيل" (١/ ١٥٢):
"الظاهر أن يونس لم يكتب الحكاية عند سماعها من الشافعي، ولم يتقن حفظها، فاتسع في روايتها بالمعنى، واحتاط". اهـ.
* * *
стр. 1841
النوع الثاني: الأسباب المتعلقة بكتاب الراوي
١ - قراءة الراوي من أصلٍ آخر غيرِ أصلِ نفسِه ، اعتمادا على حفظه، أو ثقته به، تكون أحيانا مظنةً للغلط، وكراهة الأئمة لذلك سدا للذريعة:
• في ترجمة: محمد بن العباس بن حيويه أبي عمر الخزاز من "الطليعة" و"التنكيل":
قال الأزهري: "كان أبو عمر بن حيويه مكثرا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز (١)؛ لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة".
قال الشيخ المعلمي في "الطليعة":
"كأن بعض كُتب علي بن موسى -وهو ابن إسحاق أبو الحسن، الذي يعرف بابن الرزاز، وكان فاضلا أديبا ثقة فاضلا- هذه صارت بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، وكان فيها ما سمعه ابن حيويه، لكن لم يقيد سماعه في تلك النسخة التي هي من كتب
стр. 1842
الشيخ، وبهذا تبين أنه لا يلحق ابن حيويه عيبٌ، ولا يوجب صنيعُه أدنى قدح، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة محمد بن العباس من "التنكيل" إن شاء الله تعالى". اهـ.
ثم قال المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (٢٠٨):
"يؤخذ من عبارة الأزهري مع ما تقدم أمورٌ:
الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثيرٍ من الأوقات ...
الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: "لثقته بذلك الكتاب"، وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه: "ثقة"، ويصفه العتيقي بأنه: "كان ثقة صالحا دينا"، وبأنه: "كان ثقة متيقظا"، ويصفه البرقاني بأنه: "ثقة ثبت حجة".
الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، ...
الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه، يدل على أنه لم يكن منه تساهل يخدش فيما أثنيا عليه به.
والأزهري وإن ذكر التساهل، فقد عقبه بقوله: "وكان مع ذلك ثقة"، فهذا يقضي أنه إن ساغ أن يسمي ما وقع منه تساهلا، فهو تساهل عرفي، لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة.
وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان موثوقا به، وبمطابقته لأصل ابن حيويه، وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب عليه سماعه، وقد كانوا يكرهون مثل هذا، وذلك من باب سد الذريعة".
قال الكوثري: "رواية الخزاز لو كانت عن كتابِ أحدِ شيوخه، لكانت روايته من أصل شيخه، ولما كان يُرمى بالتسامح".
стр. 1843
فقال الشيخ المعلمي:
"علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخُ الخزاز حَتْما، ثم هناك احتمالان:
الأول: أن يكون شيخَه في ذاك الكتاب.
الثاني: أن لا يكون شيخَه فيه، وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر.
فعلى الأول -وهو الذي بنى عليه الأستاذ- فصورةُ التساهلِ موجودةٌ.
فإنه من المقرر عندهم أن التلميذ إذا سمع وضبط أصله، ثم بعد مدة وجد في أصل شيخه زيادةً أو مخالفةً لِما في أصله، لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله.
وقد قال حمزة السهمي في "تاريخ جرجان" (ص ١٢٢ - ١٢٣): "أخبرنا أبو أحمد ابن عدي .... أن النبي ﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم -في كتابي بخطي: عثراتهم- ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم".
فلو أن حمزة روى ذاك الحديث، وقال: "عقوبتهم"، ثم رأى أهلُ العلم أصلَه، وفيه "عثراتهم"، فراجعوه في ذلك، فقال: نعم، ولكني بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي: "عقوبتهم"، لَعَدُّوا هذا تساهلا.
ومن روى من أصل شيخه، لا يُؤمن أن يقع في نحو هذا، إلا إذا كان قد كرَّرَ المقابلة، حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، وأَوْلَى به -وإن وثق كل الوثوق- أن لا يروي إلا من أصله نفسه، فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن ابن الرزاز، فتساهله هو ترك الَأْولى كما عرفت.
وعلى الاحتمال الثاني، لا يكون للخزاز أن يروي من كتابٍ ليس هو أصله، ولا أصل شيخه، إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة، فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأَوْلى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأَوْلى كما اقتضته عباراتُهم في الثناء عليه كما مَرَّ". اهـ.
стр. 1844
قال الكوثري: "وكان ينبغي أن يَذكر في السند اسمَ شيخِه الذي ناوله، وليس بمعقولٍ أن يُهمل التلميذُ ذكرَ شيخِه في سندٍ ما حمله وتلقاه بطريقه".
فقال الشيخ المعلمي:
"هذا مبني على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا، وإنما ناوله إياه ابنُ الرزاز، والذي نقوله إنه إن كان على الاحتمال الأول، فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة، بل عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا، فإن فيها: "ربما أراد أن يقرأ شيئا، ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزازد"، وهذا يدل أن له أصلا بذاك المصنف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه، ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصل آخر.
ثم إن كان سمع ذاك المصنف من ابن الرزاز، فقد كان إذا قرأ منه قال: "أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز"، ثم يقرأ من الكتاب، وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز، فإنما كان يذكر اسمَ شيخِه في ذاك المصنف، ولا معنى لذكر ابن الرزاز. فإن بني الأستاذ على الاحتمال الأول، وقال: لكني لم أر في "تاريخ الخطيب" شيئا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز.
قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب، وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزار عن ابن الرزاز، فذلك من كال احتياط الخطيب، وتثبته البارع؛ لم تَطِبْ نفسُه أن يروي من ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القِيل لا يضر، والله أعلم". اهـ.
стр. 1845
٢ - النقل من كتابِ شيخٍ دون التصريح أنه بخطِّ صاحبه:
• في "الفوائد المجموعة" (٨٣):
حديث: "من مشى في حاجة أخيه كان له خيرًا من اعتكاف عشر سنين".
قال في المختصر: ضعيف.
فقال الشيخ المعلمي:
"ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٩٢ بزيادة في آخره، وقال: رواه الطبراني في الأوسط وإسناده جيد.
كذا قال، وهو في كتاب "مجمع البحرين في زوائد المسندين" للهيثمي من طريق أحمد بن خالد الخلال: ثنا الحسن بن بشر قال: وجدت في كتاب أبي ثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن عطاء عن ابن عباس (فذكره مرفوعًا بزيادته) ثم قال: لم يروه عن عبد العزيز إلا بشر بن سلم البجلي، تفرد به ابنه.
وفيه أمران؛ الأول: أنه لم يقل (بخطه).
الثاني: أن بشر بن سلم (١) لم يوثق، بل قال أبو حاتم (منكر الحديث) ". اهـ.
قال أبو أنس:
هذا من عيوب الوجادة، فقد يكون في كتاب الشيخ أحاديث زيدت فيه بعده بخطٍّ يشبه خطه، ولا يتبين للناظر هذا الفرق، أو يتبين له ولكنه يُقَصِّر فلا ينبه عليه، أو يكون فيه ما ليس من حديثه ولكنه بخطه، كأن يَكتب ما لم يَسمع على أمل سماعه فيما بعد، ويُميز ذلك؛ لئلا يُحَدِّثُ به قبل سماعه، لكن ربما لم يَفطن الناظر في كتابه إلى أنه لم يسمعه، ولا يفهم هذا التمييز، فينقله على أنه من جملة ما سمعه الشيخ كسائر الكتاب.
стр. 1846
٣ - وجود الحديث في حاشية أصل الشيخ، أو على ظهر الكتاب:
• في ترجمة: قطن بن إبراهيم من "التنكيل" (١٨١):
حدث قطن بحديث إبراهيم بن طهمان، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في الدباغ، فطالبوه بالأصل، فأخرجه وقد كتبه على الحاشية، فتركه مسلم بعد أن صار إليه، وكتب عنه جُملةً.
قال الشيخ المعلمي:
"ذكر محمد بن عقيل أن قطنًا سأله: أي حديث عندك من حديث إبراهيم بن طهمان أغرب؟ فذكر له هذا الحديث.
فذهب قطن فحدث به بالعراق عن حفص، فبلغ محمد بن عقيل فأنكر ذلك وقال: لم يكن حفظ هذا الحديث -يعني عن حفص- إلا أنا ومحمود أخو خشتام، واتَّهَمَ قطنًا أنه سرقه منه، ثم حدث به قطن بنيسابور، فطالبوه بالأصل، فدافعهم، ثم أخرجه، فرأوا الحديث مكتوبًا على الحاشية، فأنكروا ذلك.
هذا حاصل القصة، وقطن مكثر عن حفص وغيره. وقد قال الحاكم أبو أحمد: حدث بحديثين لم يتابع عليهما، ويقال: دخل له حديث في حديث، وكان أحد الثقات النبلاء. وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: يخطىء أحيانًا، يعتبر حديثه إذا حدث من كتابه. وروى عنه أبو حاتم وأبو زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في (لسان الميزان) ج ٢ ص: ٤١٦. وقال النسائي: فيه نظر، ثم روى عنه في (السنن). وقال الذهبي في (الميزان): صدوق.
فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث، فلعل الأَوْلى أن يُحمل على العذر، فلا يمتنع أن يكون قد سمع الحديث من حفص، ثم نسيه، أو خفي عليه أنه غريب، أو طمع أن يدلَّهُ محمد بن عقيل على حديث غريب آخر، ثم ذكره، وتنبَّه لفرديته، فرواه.
стр. 1847
وقد يكون كتبه بعد أن سمعه في الحاشية، أو لا يكون كتبه أولًا، ثم لما ذكر أنه سمعه، أو عرف أنه غريب، ألحقه في الحاشية، وكان مع حفص في بلد واحد، فلا مانع أن يكون سمع منه الحديث في غير المجلس الذي سمع فيه محمد بن عقيل وصاحبه.
وأهل الحديث جزاهم الله خيرًا ربما يشددون على الرجل، وهم يرون أن له عذرًا، خشيةَ أن يتساهل غيره طمعًا في أن يعذروه كما عذروا ذاك. والله أعلم. اهـ.
قال أبو أنس:
وجود الحديث في حاشية الكتاب -أو ظهره- فيه معنى الإلحاق، وهو مثير للريبة في صحة سماع صاحبه له في مجلس السماع، بل يكون الظاهر أنه ألحقه بعد ذلك، فعمَّن أخذه؟ وممن استدركه؟ أم كتبه من حفظه؟ هي أمور لا تخلو من احتمالات للخلل، ولذا غُمز بها بعضُ الرواة، بل اتُّهِم غيرُ الموثَّقين منهم.
* * *
стр. 1848
النوع الثالث: الأسباب المتعلقة بتأثير آخرين في الراوي
١ - التلقين:
• قال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٤٠٨):
"التلقين مظنة رواية الموضوع؛ فإن معناه أنه قد يقال له: أحدثك فلان عن فلان بكيت وكيت؟ فيقول: نعم حدثني فلان بن (١) فلان بكيت وكيت. مع أنه ليس لذلك أصل، وإنما تَلَقَّنَهُ، وتَوَّهَمَ أنه من حديثه.
وبهذا يتمكن الوضاعون أن يضعوا ما شاءوا، ويأتوا إلى هذا المسكين، فيلقنونه، فيتلقن، ويروي ما وضعوه". اهـ.
• وقال في "التنكيل" (٧١):
"التلقين القادح في المُلَقَّنِ هو أن يُوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فإن كان إنما فعل ذلك امتحانًا للشيخ وبَيَّنَ ذلك في المجلس لن يضره، وأما الشيخ، فإن قبل التلقين، وكثر ذلك منه فإنه يسقط". اهـ.
• وقال في حاشية "الفوائد" (ص ٢١٥):
"ابن لهيعة لم يكن يتعمد الكذب، ولكن كان يدلس، ثم احترقت كتبه، وصار من أراد جمع أحاديث على أنها من رواية ابن لهيعة فيقرأ عليه، وقد يكون فيها ما ليس من حديثه، وما هو في الأصل من حديثه، لكن وقع فيه تغيير، فيقرأ ذلك عليه، ولا يَرُدُّ من ذلك شيئا، ويذهبون يروون عنه، وقد عوتب في ذلك فقال: ما أصنع؟ يجيئونني بكتاب فيقولون: هذا من حديثك فأحدثهم". اهـ.
стр. 1849
• وفي حاشية (ص ٢١٩):
"هشام ثقة، ولكنه في آخر عمره صار يلقن فيتلقن، أَعَلَّ أبو حاتم بهذا أحاديث عديدة". اهـ.
قال أبو أنس:
انظر على سبيل المثال هذه المواضع من نسختي التي وضعت عليه مُلَحًا من "علل الرازي":
(١٥٧٥)(١٨٩٩)(١٦١٦)(١٧٤٣).
٢ - الإدخال على الراوي في كتبه:
قال أبو أنس:
هو نحو ما سبق من التلقين، ولكنه أسوأ لأنه يثبت في أصل الشيخ أو بين أوراقه، وربما احتجَّ بما فيه دون أن يفطن لذلك، فإذا نُبِّه لم يرجع.
وراجع ما سبق في: الوجه الرابع من أوجه الطعن في الضبط.
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: مطرف بن عبد الله أبي مصعب اليساري الأصم من "التنكيل" (٢٤٧):
"ثبوتُ الأحاديث في أصل الشيخِ يحتملُ الخللَ، ففي "لسان الميزان" (١/ ٢٥٣):
"أحمد بن محمد بن الأزهر .... قال ابن حبان: كان ممن يتعاطى حفظ الحديث، ويجري مع أهل الصناعة فيه، ولا يكاد يُذكر له بابٌ إلا وأغرب فيه عن الثقات، ويأتي فيه عن الأثبات بما لا يتابع عليه، ذاكرته بأشياء كثيرة فأغرب علي فيها، فطاولته على الانبساط، فأخرج إليَّ أصولَ أحاديث ... فأخرج إليَّ كتابه بأصل عتيق ... قال ابن حبان: فكأنه كان يعملها في صباه ... ". اهـ.
стр. 1850
فهذا رجلٌ روى أحاديثَ باطلة، وأبرز أصله العتيق بها، فإما أن يكون كان دجالا من وقت طلبه؛ كان يسمع شيئًا، ويكتب في أصله معه أشياء يعملها، وإما أن يكون كان معه وقت طلبه بعض الدجالين، فكان يُدخل عليه ما لم يسمع، كما وقع لبعض المصريين مع خالد بن نجيح، كما تراه في ترجمة: عثمان بن صالح السهمي من "مقدمة الفتح". اهـ.
• وقال المعلمي في ترجمة: دعلج بن أحمد السجزي رقم (٩٠) من "التنكيل":
فأما مطاعن الأستاذ (الكوثري) في دعلج: ...
فثالثها: أن الرواة الأظناء كانوا يبيتون عنده، ويُدخلون في كتبه وهذا تَخَرُّصٌ، نعم حُكي عن رجلٍ غيرِ ظِنِّين أنه بات عنده، وأَرَاهُ مالَهُ، ولم يَقل أن كتبه كانت مطروحةً له ولا لغيره ممن يُخشى منه العبث بها.
فأما إدخالُ بعضِهم عليه أحاديث، فذلك لا يقتضي الإدخالَ في كتبه، بل إذا استخرجَ الشيخُ أو غيرُه من أصوله أحاديثَ، وسَلَمَّها إلى رجلٍ لِيُرتبَها، وينسخها، فذهب الرجل ونسخها، وأدخل فيها أحاديثَ ليست من حديث الشيخ، وجاء بالنسخة فدفعها إليه ليحدث بها، صدق أنه أدخل عليه أحاديث.
ثم إذا كان الشيخُ يقظا، فاعتبر تلك النسخة بحفظه أو بمراجعة أصوله، أو دفعها إلى ثقةٍ مأمونٍ عارفٍ، كالدارقطني، فاعتبرها، فأخرج تلك الزيادة، ولم يحدث بها الشيخُ، لم يكن عليه في هذا بأس". اهـ.
• وقال في حاشية "الفوائد المجموعة" ص (٢٤٤):
"عبد الله بن صالح أُدخلت عليه أحاديثُ عديدة، فلا اعتداد إلا بما رواه المتثبتون عنه بعد اطلاعهم عليه في أصله الذي لا ريب فيه، وعلى هذا حُمل ما عَلَّقَهُ عنه البخاري". اهـ.
стр. 1851
• وَعَلَّقَ الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد" (ص ١٧٢) على حديث: "لا تسبوا الديك؛ فإنه صديقي وأنا صديقه ... " وفي إسناده: رشدين، وعبد الله بن صالح، بقوله:
"عبد الله بن صالح أُدخلت عليه أحاديث، وراوي هذا عنه ليس من المتثبتين الذين كانوا ينظرون في أصول كتبه". اهـ.
• وقال في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص ٣٩٤):
"قيس بن الربيع أُدخلت عليه أحاديث فحدث بها فسقط". اهـ.
فائدة: سرقةُ حديثِ الكذابين، أو وضع الحديث، وإدخالُه على غير معروف بتعمد الكذب؛ ليروجَ على غير أهل الصنعة، فيحسبونه شيئا:
• في "الفوائد" (ص ١٧٥) حديث: "أنه جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فشكا قلةَ الولد، فأمره أن يأكل البيض والبصل".
رواه ابن حبان عن ابن عمر مرفوعا، وقال: موضوع بلا شك.
فقال الشيخ المعلمي:
"الآفة فيه محمد بن يحيى بن ضرار، راجع ترجمته في اللسان، وقد سرقه منه جماعة، وأدخلوه على بعض من لا يتعمد الكذب". اهـ.
• وفيها (ص ٤١١):
حديث: "إذا خرجت الرايات السود، فاستوصوا بالفرس خيرًا، فإن دولتنا معهم".
رواه الخطيب عن ابن عباس.
وروى عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا أقبلت الرايات السود من قبل المشرق، فإن أولها فتنة، وأوسطها هرج، وآخرها ضلال".
وفي إسنادهما مجهول ومتروك.
стр. 1852
وروى الأزدي عن ابن مسعود مرفوعًا: إذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها، فإن فيها خليفة الله المهدي.
وقال ابن الجوزي: لا أصل له، وذكره في الموضوعات.
قال ابن حجر في "القول المسدد": لم يصب ابن الجوزي؛ فقد أخرجه أحمد في "مسنده" .. وفي طريقه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، لكنه لم يتعمد الكذب، فيحكم على حديثه بالوضع إذا انفرد، فكيف وقد توبع من طريق أخرى؟
أخرجه أحمد والبيهقي في الدلائل، من حديث أبي هريرة رفعه: يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب بإيليا.
فقال الشيخ المعلمي:
"وضعه غيره -يعني غير ابن جدعان- وأدخله عليه، أو سمعه بسند آخر هالك، فغلط، فرواه بهذا السند". اهـ.
• وفيه (ص ٤٣٠):
روى أحمد في "المسند" من حديث أنس مرفوعًا: "عسقلان أحد العروسين ... " أورده ابنُ الجوزي في "الموضوعات". وقال: في إسناده أبو عقال هلال بن زيد، يروي عن أنس أشياء موضوعة.
وقال ابن حجر في "القول المسدد": وهذا الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط، وما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه، وطريق الإمام أحمد معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام.
قال الشوكاني: هذا كلامه، ولا يخفاك أن هذه مراوغةٌ من الحافظ ابن حجر، وخروجٌ من الإنصاف؛ فإن كونَ الحديث في فضائل الأعمال، وكونَ طريقة أحمد: معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل: لا يوجب كون الحديث صحيحًا ولا حسنًا،
стр. 1853
ولا يقدح في كلام من قال في إسناده وضاع، ولا يستلزم صدق ما كان كذبًا وصحة ما كان باطلا، فإن كان ابن حجر يُسَلِّمُ أن أبا عقال يروي الموضوعات، فالحق ما قاله ابن الجوزي، وإن كان ينكر ذلك، فكان الأولى به التصريح بالإنكار والقدح في دعوى ابن الجوزي ...
فقال الشيخ المعلمي:
"ابن حجر لا ينكر ما قيل في أبي عقال، ولكنه يقول إن ذلك لا يستلزمُ أن يكونَ كُلُّ ما رواه موضوعًا، وإذا كان الكذوبُ قد يصدق، فما بالك بمن لم يصرح بأنه كان يتعمد الكذب؟
فيرى ابنُ حجر أن الحكمَ بالوضع يحتاجُ إلى أمرٍ آخر ينضم إلى حالِ الراوي، كأن يكون مما يُحيله الشرع أو العقل، وهذا لا يكفي في رَدِّه ما ذكره الشوكاني.
وقد يقال: انضم إلى حال أبي عقال أن المتن منكر، ليس معناه من جنس المعاني التي عُنِيَ النبي ﷺ ببيانها، أضف إلى ذلك قيامُ التهمة هنا، فإن أبا عقال كان يسكن عسقلان، وكانت ثغرا عظيما، لا يبعد من المغفل أن يختلق ما يُرغب الناسَ في الرباط فيه، أو يضعه جاهل ويدخله على مغفل، والحكم بالوضع قد يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى". اهـ.
• وفيه (ص ٤٨١):
حديث: "ما من معمر يعمر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص. فإذا بلغ خمسين ... "
أورده ابنُ الجوزي في "الموضوعات"، لكون أحمد رواه بإسنادٍ فيه يوسف بن أبي ذرة. قال ابن الجوزي: يروي المناكير، ليس بشيء.
ورواه أحمد أيضًا بإسناد آخر فيه: الفرج عن محمد بن عامر. قال: ضعيف، منكر الحديث، يلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، ومحمد بن عامر يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، وشيخه العرزمي ترك الناس حديثه.
стр. 1854
وفي إسناد أحمد بن منيع: عباد بن عباد المهلبي، قال ابن حبان: كان يحدث بالمناكير فاستحق الترك.
وفي إسناد البغوي وأبي يعلي: عزرة بن قيس الأزدي، ضعفه يحيى، وشيخه مجهول.
وفي إسناد أبي نعيم: عائذ بن نسير، قال ابن الجوزي: ضعيف.
فهذا غاية ما أبداه ابن الجوزي دليلا على ما حكم به من الوضع، وقد أفرط وجازف؛ فليس مثل هذه المقالات توجب الحكم بالوضع، بل أقل أحوال الحديث أن يكون حسنًا لغيره.
وقد دفع ابن حجر في "القول المسدد" هذه المطاعن التي ذكرها ابن الجوزي .... وله طرق كثيرة أوردها ابن حجر، بعضها: رجاله الصحيح.
فقال الشيخ المعلمي:
"اعلم أن هذا الخبر يتضمن معذرةً وفضيلةً للمسنين، وإن كانوا مُفَرِّطِين أو مُسْرِفين على أنفسهم، فمن ثَمَّ أولع به الناس، يحتاج إليه الرجل ليعتذر عن نفسه، أو عمَّن يتقرب إليه، فإما أن يقويه، وإما أن يركب له إسنادًا جديدًا، أو يُلقنه من يقبل التلقين، أو يُدخله على غير ضابط من الصادقين، أو يدلسه عن الكذابين، أو على الأقل يرويه عنهم، ساكتا عن بيان حاله". اهـ.
٣ - سماع الراوي الصالح في نفسه مع مُخَلِّطٍ، فيملي عليه ما ليس من سماعه:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ٨٥):
"عثمان بن صالح صالحٌ في نفسه، لكنه من الذين ابتلوا بخالد بن نجيح، كانوا يسمعون معه، فيملي عليهم ويخلط، وخالد هالك". اهـ.
* * *
стр. 1855
الأمر الثالث من المرتبة الثالثة من مراتب نقد الخبر
٣ - السبر والاعتبار - الشواهد والمتابعات
قال أبو أنس:
هذه مباحث هامة، ومطالب عزيزة، في: السبر والاعتبار، وطريقة البحث عن العلة، وكيف تُلصقُ تبعةُ الحديث براوٍ دون آخر، وأمارات النكارة في الرواية، وما يتعلق بالمتابعات والشواهد، وهي أمور لابد منها لمن يطالع كتب هذا الفن، وهي مقاصد شريفة، نشير هنا إلى طرفٍ منها من خلال تحقيقات الشيخ المعلمي، وعلى الله المعتمد، وبه التوفيق.
السبر والاعتبار:
• في ترجمة: الحسين بن إدريس الهروي من "التنكيل" (٨١):
يقول عنه ابن أبي حاتم بعد أن ذكر له أحاديث باطلة: لا أدري البلاء منه أم من خالد بن هياج.
فقال الشيخ المعلمي:
"الحسين بن إدريس يروي عن سعيد بن منصور وعثمان بن أبي شيبة وداود بن رشيد وهشام بن عمار وابن عمار -وهو محمد بن عبد الله بن عمار- وخلق منهم خالد بن هياج.
وخالد بن هياج يروي عن جماعة منهم أبوه هياج بن بسطام، وهياج قال فيه الإمام أحمد: "متروك الحديث"، وقال يحيى بن معين: "ضعيف الحديث ليس بشيء"، وقال أبو داود: "تركوا حديثه"، وأَلان أبو حاتم القول فيه قال: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
стр. 1856
وخالد بن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة، روى عنه الحسين بن إدريس عدة منها، فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء فيها من هياج، ويبرأ منها خالد والحسين، ويجوز أن تكون من خالد، ويبرأ منها هياج والحسين، ويجوز أن تكون من الحسين، ويبرأ منها هياج وخالد.
فأما ابن أبي حاتم فكان عنده عن أبيه أن هياجًا: "يكتب حديثه ولا يحتج به" وهذه الكلمة يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ، يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلط ويضطرب، كما صرح بذلك في ترجمة إبراهيم بن المهاجر.
فرأى ابن أبي حاتم أن تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن يعرف خالدًا ولا الحسين، فجعل الأمر دائرًا بينهما.
ومقتضى كلام الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبي داود في هياج أن تبرأته منها ليست في محلها.
والطريق العِلْمي في هذا: اعتبار ما رواه غير خالد من الثقات عن هياج، وما رواه خالد عن الثقات غير هياج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد، وبذلك يتبين الحال.
فإذا وجدنا غير خالد من الثقات قد رووا عن هياج مناكير يتجه الحمل فيها عليه، ووجدنا خالدا قد روى عن غير هياج من الثقات أحاديث عديدة كلها مستقيمة، ووجدنا الحسين قد روى عن الثقات غير خالد أحاديث كثيرة كلها مستقيمة، سقط هياج، وبرىء خالد والحسين.
وهذا هو الذي تبين لابن حبان، فذكر هياجًا في (الضعفاء) وقال: "كان مرجئًا يروي الموضوعات عن الثقات"، وذكر خالدًا في (الثقات)، وكذلك ذكر الحسين، وقال: "كان ركنًا من أركان السنة في بلده"، وأخرج له في "صحيحه" ... ". اهـ.
стр. 1857
• وفي ترجمة: محمد بن سعيد البورقي (٢٠٦):
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٣٥) من طريقه: "حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن في أمتي رجلا اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي هو سراج أمتي".
قال الخطيب:
"قلت: وهو حديث موضوع، تفرد بروايته البورقي، وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينَّا حاله".
يعني في ترجمته، وهي في (التاريخ) (٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
قال الكوثري (ص ٣٠): "استوفى طرقه البدر العيني في "تاريخه الكبير" واستصعب الحكم عليه بالوضع، مع وروده بتلك الطرق الكثيرة، وقد قال: " .... فهذا الحديث كما ترى قد روي بطرق مختلفة ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي ﵊، فهذا يدل على أن له أصلا، وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه، وبعضهم يدَّعون أنه موضوع، وربما كان هذا من أثر التعصب ... "
فقال الشيخ المعلمي:
"قد تأملت روايات هذا الحديث في (مناقب أبي حنيفة) وغيرها، فرأيته يدور على جماعة:
أولهم: البورقي، وقد عرفتَ حاله، رواه عن مجهول، عن مثله، عن السيناني بذاك السند ..
الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجويباري الهروي، وهو مشهور بالوضع، مكشوف الأمر جدا، وله فيه أربع طرق:
стр. 1858
الأولى: عن السيناني بذاك السند.
الثانية: عن أبي يحيى المعلم، عن حميد، عن أنس.
الثالثة: عن أبي يحيى، عن أبان، عن أنس.
الرابعة: عن عبد الله بن معدان، عن أنس، والراوي عنه في بعض هذه: مأمون ابن أحمد السلمي، وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش.
الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، إن كان له ذنب، وهو مجهول، رواه محمد بن يزيد المستملي، وهو متهم، عن مجهول، عن مثله، عن أبي المعلى، عن أبان، عن أنس.
ورواه النضري بثلاثة أسانيد أخرى، كلهم مجاهيل عن أبي المعلى، عن أبان، عن أنس.
الرابع: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم، قد تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمة: أحمد بن محمد بن الصلت رقم (٣٤) رواه النضري من طريقه بسند كلهم مجاهيل، إلى عبد الله بن مغفل (؟) عن علي بن أبي طالب قوله.
الخامس: النضري، قال فيه ابن السمعاني في "الأنساب": "الخِيُّوِي" باسم: "أبي القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيُّو النضري الخيوي، من أهل بلخ الملقب شيخ الإسلام .. ".
ولم يذكر فيه توثيقا ولا جرحا، والله أعلم به، وبعض الطرق المتقدمة من طريقه، وزاد بسند كلهم مجاهيل، عن أبان، عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي هدبة، عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن موسى الطويل، عن ثابت، عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن حماد، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني، عن جعفر بن محمد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. هذا ما وقفتُ عليه، فالأربعة الأولون قد عرفتُهم، وأما الخامس وهو النضري، فالله أعلم به، وعلى كُلِّ حالٍ فكان بين قومٍ أعاجم جهال متعصبين، لا بِدع أن يتقربوا
стр. 1859
إلى الله بتكثير الطرق، وكلهم مجاهيل، وأبان وأبو هدبة وموسى الطويل، ثلاثتهم هلكي، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث، وإلا لاشتهر في زمانهم.
فما باله لم يُعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجويباري في القرن الثالث؟
وأبو قتادة الحراني فسد بأخرة، ومع ذلك لا أراه إلا بريئا من هذا، وحماد الذي روى عنه، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر: لا أدري من هو، وربما يكون المقصود حماد بن أبي حنيفة، فإنه قد قيل إنه يروي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فكأن بعضَ المجاهيل سمع بذلك، فرَكَّبَ السندَ إليه بهذا الحديث، فاستحيا النضري عن أن يقول عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فيكون أشنع للفضيحة فكنى عن مالك برجل!
هذا، ومن شأن الدَّجَّالين أن يُرَكِّبَ أحدُهم للحديث الواحد عدةَ أسانيد؛ تغريرا للجهال، وأن يضعَ أحدُهم فيسرق الآخر، ويركب سندا من عنده، ومن شأن الجهال المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد.
وقد قال أبو العباس القرطبي: "استجاز بعض الفقهاء أهل الرأى نسبة الحكم الذي يدل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ .... ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا.
وقد أشار إلي هذا ابن الصلاح بقوله: "وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس الى النبي ﷺ ". اهـ.
• وقال الشيخ المعلمي في ترجمة (٩) منه:
"كثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
стр. 1860
ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه عنها، وفي الحال الثانية يقال من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث، كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: "كان أضعفنا طلبا وأكثرنا غرائب". اهـ.
• وفي ترجمة القاسم بن حبيب (١٧٧):
روى القاسم بن حبيب عن نزار بن حيان عن عكرمة حديثًا في ذمّ القدرية والمرجئة، استنكره غير واحد من أهل العلم، فبحث الشيخ المعلمي فيمن تلصق به تبعةُ هذا الحديث، فقال:
نزار بن حيان لم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الضعفاء (١) وقال: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد ...
فكأن ابن حبان يشير إليه - يعني هذا الحديث (٢).
والقاسم قد روى عن عكرمة .. فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث عن عكرمة رأسًا، وربح العُلُوَّ وشهادة نزار له. وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث عن نزار: ابنه عليُّ بن نزار، وقال ابن معين في علي بن نزار: ليس حديثه بشيء. لعله أراد هذا الحديث (٣).