وخالد بن هياج يروي عن أبيه مناكير كثيرة، روى عنه الحسين بن إدريس عدة منها، فتلك الأحاديث التي أنكرها ابن أبي حاتم يجوز أن يكون البلاء فيها من هياج، ويبرأ منها خالد والحسين، ويجوز أن تكون من خالد، ويبرأ منها هياج والحسين، ويجوز أن تكون من الحسين، ويبرأ منها هياج وخالد.
فأما ابن أبي حاتم فكان عنده عن أبيه أن هياجًا: "يكتب حديثه ولا يحتج به" وهذه الكلمة يقولها أبو حاتم فيمن هو عنده صدوق ليس بحافظ، يحدث بما لا يتقن حفظه فيغلط ويضطرب، كما صرح بذلك في ترجمة إبراهيم بن المهاجر.
فرأى ابن أبي حاتم أن تلك المناكير التي رآها فيما كتب به إليه الحسين لا يحتملها هياج، ولم يكن يعرف خالدًا ولا الحسين، فجعل الأمر دائرًا بينهما.
ومقتضى كلام الإمام أحمد ويحيى بن معين وأبي داود في هياج أن تبرأته منها ليست في محلها.
والطريق العِلْمي في هذا: اعتبار ما رواه غير خالد من الثقات عن هياج، وما رواه خالد عن الثقات غير هياج، وما رواه الحسين عن الثقات غير خالد، وبذلك يتبين الحال.
فإذا وجدنا غير خالد من الثقات قد رووا عن هياج مناكير يتجه الحمل فيها عليه، ووجدنا خالدا قد روى عن غير هياج من الثقات أحاديث عديدة كلها مستقيمة، ووجدنا الحسين قد روى عن الثقات غير خالد أحاديث كثيرة كلها مستقيمة، سقط هياج، وبرىء خالد والحسين.
وهذا هو الذي تبين لابن حبان، فذكر هياجًا في (الضعفاء) وقال: "كان مرجئًا يروي الموضوعات عن الثقات"، وذكر خالدًا في (الثقات)، وكذلك ذكر الحسين، وقال: "كان ركنًا من أركان السنة في بلده"، وأخرج له في "صحيحه" ... ". اهـ.
стр. 1857
• وفي ترجمة: محمد بن سعيد البورقي (٢٠٦):
في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣٣٥) من طريقه: "حدثنا سليمان بن جابر بن سليمان بن ياسر بن جابر حدثنا بشر بن يحيى قال: أخبرنا الفضل بن موسى السيناني عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إن في أمتي رجلا اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي هو سراج أمتي".
قال الخطيب:
"قلت: وهو حديث موضوع، تفرد بروايته البورقي، وقد شرحنا فيما تقدم أمره وبينَّا حاله".
يعني في ترجمته، وهي في (التاريخ) (٥/ ٣٠٨ - ٣٠٩).
قال الكوثري (ص ٣٠): "استوفى طرقه البدر العيني في "تاريخه الكبير" واستصعب الحكم عليه بالوضع، مع وروده بتلك الطرق الكثيرة، وقد قال: " .... فهذا الحديث كما ترى قد روي بطرق مختلفة ومتون متباينة ورواة متعددة عن النبي ﵊، فهذا يدل على أن له أصلا، وإن كان بعض المحدثين بل أكثرهم ينكرونه، وبعضهم يدَّعون أنه موضوع، وربما كان هذا من أثر التعصب ... "
فقال الشيخ المعلمي:
"قد تأملت روايات هذا الحديث في (مناقب أبي حنيفة) وغيرها، فرأيته يدور على جماعة:
أولهم: البورقي، وقد عرفتَ حاله، رواه عن مجهول، عن مثله، عن السيناني بذاك السند ..
الثاني: أبو علي أحمد بن عبد الله بن خالد الجويباري الهروي، وهو مشهور بالوضع، مكشوف الأمر جدا، وله فيه أربع طرق:
стр. 1858
الأولى: عن السيناني بذاك السند.
الثانية: عن أبي يحيى المعلم، عن حميد، عن أنس.
الثالثة: عن أبي يحيى، عن أبان، عن أنس.
الرابعة: عن عبد الله بن معدان، عن أنس، والراوي عنه في بعض هذه: مأمون ابن أحمد السلمي، وهو شبيهه في الشهرة بالوضع الفاحش.
الثالث: أبو المعلى بن مهاجر، إن كان له ذنب، وهو مجهول، رواه محمد بن يزيد المستملي، وهو متهم، عن مجهول، عن مثله، عن أبي المعلى، عن أبان، عن أنس.
ورواه النضري بثلاثة أسانيد أخرى، كلهم مجاهيل عن أبي المعلى، عن أبان، عن أنس.
الرابع: أبو علي الحسن بن محمد الرازي، وهو متهم، قد تقدم بعض ما يتعلق به في ترجمة: أحمد بن محمد بن الصلت رقم (٣٤) رواه النضري من طريقه بسند كلهم مجاهيل، إلى عبد الله بن مغفل (؟) عن علي بن أبي طالب قوله.
الخامس: النضري، قال فيه ابن السمعاني في "الأنساب": "الخِيُّوِي" باسم: "أبي القاسم يونس بن طاهر بن محمد بن يونس بن خيُّو النضري الخيوي، من أهل بلخ الملقب شيخ الإسلام .. ".
ولم يذكر فيه توثيقا ولا جرحا، والله أعلم به، وبعض الطرق المتقدمة من طريقه، وزاد بسند كلهم مجاهيل، عن أبان، عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي هدبة، عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن موسى الطويل، عن ثابت، عن أنس، وبسند كلهم مجاهيل عن حماد، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر، وبسند كلهم مجاهيل عن أبي قتادة الحراني، عن جعفر بن محمد، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. هذا ما وقفتُ عليه، فالأربعة الأولون قد عرفتُهم، وأما الخامس وهو النضري، فالله أعلم به، وعلى كُلِّ حالٍ فكان بين قومٍ أعاجم جهال متعصبين، لا بِدع أن يتقربوا
стр. 1859
إلى الله بتكثير الطرق، وكلهم مجاهيل، وأبان وأبو هدبة وموسى الطويل، ثلاثتهم هلكي، ومع ذلك لا أراهم إلا أبرياء من هذا الحديث، وإلا لاشتهر في زمانهم.
فما باله لم يُعرف له أثر إلا بعد أن وضعه الجويباري في القرن الثالث؟
وأبو قتادة الحراني فسد بأخرة، ومع ذلك لا أراه إلا بريئا من هذا، وحماد الذي روى عنه، عن رجل، عن نافع، عن ابن عمر: لا أدري من هو، وربما يكون المقصود حماد بن أبي حنيفة، فإنه قد قيل إنه يروي عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فكأن بعضَ المجاهيل سمع بذلك، فرَكَّبَ السندَ إليه بهذا الحديث، فاستحيا النضري عن أن يقول عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، فيكون أشنع للفضيحة فكنى عن مالك برجل!
هذا، ومن شأن الدَّجَّالين أن يُرَكِّبَ أحدُهم للحديث الواحد عدةَ أسانيد؛ تغريرا للجهال، وأن يضعَ أحدُهم فيسرق الآخر، ويركب سندا من عنده، ومن شأن الجهال المتعصبين أن يتقربوا بالوضع والسرقة وتركيب الأسانيد.
وقد قال أبو العباس القرطبي: "استجاز بعض الفقهاء أهل الرأى نسبة الحكم الذي يدل عليه القياس إلى رسول الله ﷺ .... ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ولأنهم لا يقيمون لها سندا صحيحا.
وقد أشار إلي هذا ابن الصلاح بقوله: "وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس الى النبي ﷺ ". اهـ.
• وقال الشيخ المعلمي في ترجمة (٩) منه:
"كثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب.
стр. 1860
ففي الحال الأولى تكون تبعة النكارة على الراوي نفسه لظهور براءة من فوقه عنها، وفي الحال الثانية يقال من أين له هذه الغرائب الكثيرة مع قلة طلبه؟ فيتهم بسرقة الحديث، كما قال ابن نمير في أبي هشام الرفاعي: "كان أضعفنا طلبا وأكثرنا غرائب". اهـ.
• وفي ترجمة القاسم بن حبيب (١٧٧):
روى القاسم بن حبيب عن نزار بن حيان عن عكرمة حديثًا في ذمّ القدرية والمرجئة، استنكره غير واحد من أهل العلم، فبحث الشيخ المعلمي فيمن تلصق به تبعةُ هذا الحديث، فقال:
نزار بن حيان لم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في الضعفاء (١) وقال: يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه، حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد ...
فكأن ابن حبان يشير إليه - يعني هذا الحديث (٢).
والقاسم قد روى عن عكرمة .. فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث عن عكرمة رأسًا، وربح العُلُوَّ وشهادة نزار له. وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث عن نزار: ابنه عليُّ بن نزار، وقال ابن معين في علي بن نزار: ليس حديثه بشيء. لعله أراد هذا الحديث (٣).
стр. 1861
وعلي بن نزار قد روى عن عكرمة، فلو أراد الكذب لروى هذا الحديث عن عكرمة رأسًا، ويربح العلو والشهادة لأبيه، وقال ابن عديّ في ترجمة عليّ في هذا الحديث: أنكروه على علي وعلى والده. ويؤخذ من "الميزان" أن بعضهم رواه عن فضيل عن نزار وابنه (١) عن عكرمة، ولكن أشار الذهبي إلى أن المحفوظ عن ابن فضيل عن القاسم بن حبيب وعلي بن نزار، يعني كلاهما عن نزار عن عكرمة، كما في سنن الترمذي (٢)
فالذي يتجه اتجاهًا واضحًا أن الحمل في هذا الحديث على نزَار، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه". اهـ.
النكارة:
١ - من أمارات نكارة الخبر: عدم وروده إلا من طرق واهية، مع قيام المقتضى لنقله والاهتمام به:
• في "الفوائد المجموعة" (ص ١٠٤):
حديث: أن النبي ﷺ خطب عشية عرفة فقال: أيها الناس: إن الله قد تطول عليكم في مقامكم هذا، فَقَبِلَ من محسنكم، وأعطى محسنكم ما سأل، ووهب مسيئكم لمحسنكم، إلا التبعات فيما بينكم، أفيضوا على اسم الله، وفي اليوم الثاني قال: والتبعات فيما بينكم ضمن عوضها من عنده. اهـ.
стр. 1862
قال الشوكاني:
رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعا، وقال: غريب تفرد به عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، ولم يتابع عليه.
وقد أخرجه ابن حبان من طريق مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر.
وأخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من حديث العباس بن مرداس السلمي: أن رسول الله ﷺ دعا ربه عشية عرفة بالمغفرة لأمته فأجيب.
وأخرجه عبد الرزاق في المصنف من حديث عبادة بن الصامت بنحو اللفظ الأول. وفي إسناد أبي نعيم أيضًا عبد الرحيم بن هارون، متروك، وبشار بن بكير، مجهول، وفي إسناد ابن حبان: يحيى بن عنبسة، وضاع.
وفي إسناد عبد الله بن أحمد: كنانة بن عباس بن مرداس، منكر الحديث جدًّا.
وفي إسناد عبد الرزاق: خلاس بن عمرو، وليس بشيء.
وقد حكم ابن الجوزي على هذه الأحاديث بالوضع، ورَدَّ عليه ابنُ حجر في مؤلف سماه: "قوة الحجاج في عموم المغفرة للحجاج" وعارضه في جرح من جرحه من رواة هذه الأحاديث، وقال: قد أخرج أبو داود في سننه طرفا من حديث العباس ابن مرداس، وسكت عليه، فهو صالح عنده، وقال: إنه يدخل في حَدِّ الحسن علي رأي الترمذي، وأنه أخرجه ابن ماجة، والضياء في المختارة، وما ذكر فيها إلا ما صح، فقد صححه.
وقال البيهقي بعد إخراجه في الشعب: إن له شواهد كثيرة، وقال: قد جاء من حديث أنس، أخرجه أبو يعلى، وجاء من حديث زيد جد عبد الرحمن بن عبد الله بن زيد، أخرجه ابن منده في كتاب الصحابة.
ومن حديث أبي هريرة أخرجه ابن حبان، وقال: هو باطل، وكذا قال الدارقطني". اهـ. كلام الشوكاني.
стр. 1863
نقد الشيخ المعلمي تلك الأسانيد، ووهَّاها جميعا، وأجاب عما سبق ذكره، والذي يعنينا هنا هو قوله في نهاية نقده له:
"من تدبر أحاديثَ حَجَّةِ النبي ﷺ ، وشِدّةَ عنايةِ الصحابة بنقل جزئياتها، قطع أو كاد يقطع بأن هذه القصة لو وقعت كما تحكيه هذه الأخبار لَنُقِلت متواترة.
هذا: وألفاظ الخبر في الروايات مختلفة في المغفرة لمن؟ ظاهر بعضها للمخاطبين، وبعضها للحجاج مطلقًا، وبعضها للأمة كلها، والمعنى الأول ليس بمنكر، والله أعلم.
• وفيه (ص ٤٨١):
حديث: "ما من معمّر يعمّر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص. فإذا بلغ خمسين ... ".
أورده ابنُ الجوزي في "الموضوعات"، لكون أحمد رواه بإسنادٍ فيه يوسف بن أبي ذرة. قال ابن الجوزي: يروي المناكير، ليس بشيء.
ورواه أحمد أيضًا بإسناد آخر فيه: الفرج عن محمد بن عامر. قال: ضعيف، منكر الحديث، يلزق المتون الواهية بالأسانيد الصحيحة، ومحمد بن عامر يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات ما ليس من حديثهم، وشيخه العرزمي ترك الناس حديثه.
وفي إسناد أحمد بن منيع: عباد بن عباد المهلبي، قال ابن حبان: كان يحدث بالمناكير فاستحق الترك.
وفي إسناد البغوي وأبي يعلي: عزرة بن قيس الأزدي، ضعفه يحيى، وشيخه مجهول.
وفي إسناد أبي نعيم: عائذ بن نسير، قال ابن الجوزي: ضعيف.
فهذا غاية ما أبداه ابن الجوزي دليلا على ما حكم به من الوضع، وقد أفرط وجازف؛ فليس مثل هذه المقالات توجب الحكم بالوضع، بل أقل أحوال الحديث أن يكون حسنًا لغيره.
стр. 1864
وقد دفع ابن حجر في "القول المسدد" هذه المطاعن التي ذكرها ابن الجوزي .... وله طرق كثيرة أوردها ابن حجر، بعضها: رجاله الصحيح.
فقال الشيخ المعلمي:
"اعلم أن هذا الخبر يتضمن معذرةً وفضيلةً للمسنين، وإن كانوا مُفَرِّطِين أو مُسْرِفين على أنفسهم، فمن ثَمَّ أولع به الناس، يحتاج إليه الرجل ليعتذر عن نفسه، أو عمن يتقرب إليه، فإما أن يقويه، وإما أن يركب له إسنادًا جديدًا، أو يُلقنه من يقبل التلقين، أو يُدخله على غير ضابط من الصادقين، أو يدلسه عن الكذابين، أو على الأقل يرويه عنهم، ساكتا عن بيان حاله". اهـ.
٢ - إلصاق النكارة بمن جُرب عليه مثلها:
• وفي ترجمة: عمر بن الحسن أبي الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني من "التنكيل" (١٧٠):
قال الخطيب: بلغني عن الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يذكر ابن الأشناني، فقلت: سألت عنه أبا على الحافظ فذكر أنه ثقة. فقال: بئس ما قال شيخنا أبو على، ... ورأيت في كتابه عن أحمد بن سعيد الجمال، عن قبيصة، عن الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: نهى عن بيع الولاء.
ولم يذكر الخطيب من بلغه عن الحاكم. وقال الذهبي في (الميزان): "ويروى عن الدارقطني أنه كذاب، ولم يصح هذا" والظاهر أن الذهبي عني هذه الحكاية، وأنها لم تصح؛ للجهالة بمن بلغ الخطيب.
... أما حديث الولاء، فهو متواتر عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، رواه الثوري وعبيد الله بن عمر وجمع كثير عن عبد الله بن دينار. ثم رواه يحيى بن سليم
стр. 1865
الطائفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، فظنوا أنه وهم، لكن رواه أبو ضمرة ويحيى بن سعيد الأموي، عن عبيد الله، عن عبد الله بن دينار ونافع معًا، عن ابن عمر.
وعلى ما في الحكاية رُئِيَ في كتاب ابن الأشناني عن أحمد بن سعيد الجمال، عن قبيصة، عن الثوري، عن عبيد الله، عن نافع، فاستنكر هذا؛ لأنه لم يعرف رواه عن الثوري كذلك.
والجواب أنه يحتمل أن يكون الوهم من أحمد بن سعيد الجمال؛ فقد عُرف له شبهُ ذلك، ففي ترجمته في (تاريخ بغداد) (٤/ ١٧٠) عن قبيصة، عن الثوري، عن عبد الله ابن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا: "من أُريد مالُه بغير حق فقاتل دونه فهو شهيد". وذكر الخطيب أن المحفوظ عن الثوري: عن عبد العزيز بن الحسن، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا.
وقال الذهبي في (الميزان): "أحمد بن سعيد الجمال بغدادي صدوق ... تفرد بحديث منكر، رواه عنه أحمد بن كامل وغيره: حدثنا أبو نعيم ثنا هشيم حدثنا عوف عن محمد عن أبي هريرة مرفوعًا: ابن السبيل أول شارب - يعني من زمزم".
.. فإذا قد عُرف للجمال مثل هذا، فالأَوْلَى حمل حديث الولاء عليه، وابن الأشناني مكثر لا يستنكر لمثله التفرد عن الجمال هذا". اهـ.
* * *
стр. 1866
فوائد في المتابعات والشواهد
١ - لا بد للمتابعة أن تكون ممن يُعتد به:
• في حاشية "الفوائد" (ص ٣٤٩ - ٣٥٠):
ذكر الشيخ المعلمي حديث: "أنا دار الحكمة وعلي بابها" فقال:
"رواه محمد بن عمر بن الرومي عن شريك، وابن الرومي ضعفه أبو زرعة، وأبو داود، وقال أبو حاتم: صدوق قديم، روى عن شريك حديثًا منكرًا.
يعني هذا، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر في التقريب: لين الحديث. ووهم من زعم أن الشيخين أخرجا له أو أحدهما، وأخرجه الترمذي من طريقه، ثم قال: غريب منكر. ثم قال: وروى بعضهم هذا الحديث عن شريك، ولم يذكروا فيه "الصنابحي".
فزعم العلائي أن هذا ينفي تفرد ابن الرومي.
ولا يخفى أن كلمة "بعضهم" تَصدُقُ بمن لا يُعتدُّ بمتابعته، ولم يذكر في اللآلىء أحدًا رواه عن شريك غير ابن الرومي إلا عبد الحميد بن بحر، وهو هالك يسرق الحديث، فالحَقُّ أن الخبر غير ثابت عن شريك". اهـ.
٢ - لا بد أن يصح السند إلى المتابِع:
• في "الفوائد" (ص ٤٨١):
حديث: ما من معمّر يعمّر في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه أنواعًا من البلاء: الجنون، والجذام، والبرص، فإذا بلغ خمسين ... الحديث.
стр. 1867
قال المعلمي:
"أَشْبَهُ طرقِه ما في اللآلىء ١/ ٧٥: قال إسماعيل بن الفضل الإخشيد في "فوائده": ثنا أبو طاهر بن عبد الرحيم، ثنا أبو بكر بن المقرىء، حدثنا أبو عروبة الحراني، حدثنا مخلد بن مالك، حدثنا الصنعاني -هو حفص بن ميسرة- به.
يعني: عن زيد بن أسلم، عن أنس مرفوعًا".
ثم تكلم المعلمي عن رجال هذا السند واحدًا واحدًا، حتى بلغ مخلدًا، وذكر أنه إن صح أنه روى هذا الحديث، فقد تفرد به عن حفص.
ثم قال: فأما ما قيل إن ابن وهب رواه عن حفص، فهذا شيء انفرد به بكر بن سهل الدمياطي، عن عبد الله بن رمح، عن ابن وهب.
ابن وهب إمام جليل، له أصحاب كثير، منهم منُ وصف بأن لديه حديثه كله، وهما: ابن أخيه أحمد بن عبد الرحمن، وحرملة، ولا ذِكْر لهذا الخبر عندهما، ولا عند أحدهما، ولا عند غيرهما من مشاهير أصحاب ابن وهب، ولابن وهب مؤلفات عدّة رواها عنه الناس وليس هذا فيها.
ثم تكلم المعلمي عن ابن رمح، وذكر أنه مقلّ، وأن ابن ماجه روى عنه حديثين غريبين.
ثم قال: وبكر حاول ابنُ حجر تقويته، ولم يصنع شيئًا، بكر ضَعَّفَهُ النسائي، ولم يوثقه أحد، وله أوابد، تقدم بعضها في التعليق صفحات ١٣٥ و ٢٢٦ و ٢٤٥ و ٤٦٧، وقال الذهبي في ترجمته من"الميزان": "ومن وضعه ... " فذكر قول بكر: هجرت -أي بكرت- يوم الجمعة فقرأت إلى العصر ثمان ختمات. قال الذهبي: فاسمع إلى هذا وتعجب.
стр. 1868
وأرى أن تفرد بكر عن ابن رمح عن ابن وهب مردود من جهة التفرد عن ابن وهب بمثل هذا الخبر مع شدة رغبة الناس فيه.
فمن هنا لا يصلح هذا متابعة لخبر ابن الأخشيد، ولا خبر ابن الأخشيد متابعة لهذا. اهـ.
٣ - رَدُّ ما صورته متابعة إذا كان المحفوظ تفرد غير المتابِع بتلك الرواية:
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: إبراهيم بن أبي الليث من "التنكيل" (٧):
"الذي يتلخص من مجموع كلامهم: أنهم لم ينقموا عليه شيئًا في سيرته، وأنه كانت عنده أصول الأشجعي التي لا شك فيها، وكان يَذكر أنه سمعها من الأشجعي إلا مواضع، كان يعترف أنه لم يسمعها، فقصده الأئمة أحمد ويحيى وابن المديني وغيرهم يسمعون منه كتب الأشجعي، فكانوا يسمعون منه، ثم حَدَّثَ بأحاديث عن هشيم وشريك وغيرهما من حفظه،: فاستنكروا من روايته عن أولئك الشيوخ أحاديث تفرد بها عنهم، وكان عندهم أنها مما تفرد به غير أولئك الشيوخ.
منها حديث رواه عن هشيم عن يعلي بن عطاء، وكان عندهم أنه من أفراد حماد بن سلمة عن يعلى، فتوقف فيه أحمد لهذا الحديث حتى بان له أن غير حماد قد حدث به، وعذره أحمد في بقية الأحاديث، وأما ابن معين فشدد عليه، وتبعه جماعة، واختلف عن ابن المديني، فقيل لم يزل يحدث عنه حتى مات، وقيل بل كف بأخرة ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن يونس الجمال منه (٢٤٠):
قال ابن عدي: ممن يسرق الناس ....
فقال الشيخ المعلمي:
"ابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديث واحد رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي أنه حديث حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين
стр. 1869
الجعفي عن ابن عيينة، وحسين الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبين، لكن لم أر من وثق الجمال، فهو ممن يستشهد به في الجملة. والله أعلم". اهـ.
قال أبو أنس:
عَلَّقْتُ على هذا الموضع في القسم الأول من هذا الكتاب بقولي:
قد ذكر ابنُ عدي للجمَّال حديثين سوى هذا، قد رواهما الجمَّال بإسنادين وصفهما ابن عدي بأنهما غير محفوظين، أوَّلهُما الذي رواه عنه محمد بن الجهم السمري، وقال عقبه المقالة السالفة (١).
ثم قال ابن عدي: ولمحمد بن يونس أحاديث أخر من طراز ما ذكرت، وهو ممن يسرق حديث الناس.
وابن عديّ من نقاد هذا الفن، وعبارته: "له أحاديث أخر من طراز ما ذكرت" تعني أن الجمال يروي أحاديث سوى ما ذكر ابن عدي بأسانيد غير محفوظة، فمن أين له بها؟ إما أنه يسرقها ويفتعلها، وإما أنها تُدخل عليه، أو غير ذلك.
فلما روى عن ابن عيينة ما علم ابن عدي أنه إنما ينفرد به حسين الجعفي، انقدح في ذهن ابن عدي -مع اتهام السمري له وهو من الآخذين عنه- أنه قد سرق هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي يرويها بأسانيد غير محفوظة.
ولا يُعرف مخالفٌ لابن عدي فيما رَمى به الجمَّال، فمع نَصْبِ ابن عديّ الشواهد على ما قال، فلا محيصَ من إعمال قوله، وعدم الاعتبار بما رواه الجمَّال رأسًا، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 1870
الأمر الرابع من المرتبة الثالثة من مراتب نقد الخبر
٤ - نقد المتن أو النقد الداخلي
١ - تحقيق المقال في عناية الأئمة بنقد المتن:
• ناقش الشيخ المعلمي هذه القضية في جوابه على مزاعم أبي رية، ففي "الأنوار الكاشفة" (ص ٥):
أن أبا رية ذكر علو قدر الحديث النبوي، ثم قال:
"وعلى أنه بهذه المكانة الجليلة والمنزلة الرفيعة، فإن العلماء والأدباء لم يولوه ما يستحق من العناية والدرس، وتركوا أمره لمن يُسَمَّوْن رجال الحديث، يتداولونه فيما بينهم، ويدرسونه على طريقتهم.
وطريقة هذه الفئة التي اتخذتها لنفسها قامت على قواعد جامدة، لا تتغير ولا تتبدل، فترى المتقدمين منهم وهم الذين وضعوا هذه القواعد قد حصروا عنايتهم في معرفة رواة الحديث والبحث على قدر الوسع في تاريخهم، ولا عليهم بعد ذلك إن كان ما يصدر عن هؤلاء الرواة صحيحًا في نفسه أو غير صحيح، معقولًا أو غير معقول، إذ وقفوا بعلمهم عندما يتصل بالسند فحسب، أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء ... ". اهـ.
فقال الشيخ المعلمي:
"مراده بقوله "العلماء": المشتغلون بعلم الكلام والفلسفة، ولم يكن منهم أحد في الصحابة والمهتدين بهديهم من علماء التابعين وأتباعهم والذين يلونهم، هؤلاء كلهم ممن سماهم: "رجال الحديث"، ومنهم عامة المشهورين عند الأمة بالعلم والإمامة من السلف.
стр. 1871
أولئك كلهم ليسوا عند أبي رية علماء، لأنهم لم يكونوا يخوضون في غوامض المعقول، بل يفرون منها وينهون عنها، ويعدونها زيفًا وضلالًا وخروجًا عن الصراط المستقيم، وقنعوا بعقل العامة!
وأقول: مهما تكن حالهم، فقد كانوا عقلاء: العقل الذي ارتضاه الله لأصحاب رسوله، ورضيهم سبحانه لمعرفته ولفهم كتابه، ورضي ذلك منهم، وشهد لهم بأنهم ﴿الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾، ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقال لهم في أواخر حياة رسوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾.
فمن زعم أن عقولهم لم تكن مع تسديد الشرع لها كافيةً وافيةً بمعرفة الله تعالى، وفهم كتابه، ومعرفة ما لا يتم الإيمان ولا يكمل الدين إلا بمعرفته؛ فإنما طعن في الدين نفسه.
وكان التابعون المهتدون بهدي الصحابة أقربَ الخلق إليهم عقلًا وعلمًا وهديًا، وهكذا من اهتدى بهديهم من الطبقات التي بعدهم، وهؤلاء هم الذين سماهم أبو رية "رجال الحديث".
قد يقال: أما نفي العلم والعقل عنهم فلا التفات إليه، ولكن هل راعوا العقل في قبول الحديث وتصحيحه؟
أقول: نعم، راعوا ذلك في أربعة مواطن:
عند السماع (١)، وعند التحديث (٢)، وعند الحكم على الرواة (٣)، وعند الحكم على الأحاديث (٤).
فالمتثبتون إذا سمعوا خبرا تمتنعُ صحتُه، أو تبعدُ، لم يكتبوه ولم يحفظوه، فإن حفظوه لم يحدثوا به، فإن ظهرتْ مصلحةٌ لِذِكْرهِ ذكروه، مع القدح فيه، وفي الراوي الذي عليه تبعته.
стр. 1872
قال الإمام الشافعي في "الرسالة" (ص ٣٩٩):
"وذلك أن يُستدل على الصدق والكذب فيه بأن يُحدث المحدثُ ما لا يجوز أن يكون مثله، أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه".
وقال الخطيب في "الكفاية في علم الرواية" (ص ٤٢٩): "باب وجوب إخراج المنكر والمستحيل من الأحاديث".
وفي الرواة جماعةٌ يتسامحون عند السماع، وعند التحديث، لكن الأئمة بالمرصاد للرواة، فلا تكاد تجد حديثًا بَيِّنَ البطلان إلا وجدت في سنده واحدًا أو اثنين أو جماعة قد جرحهم الأئمة.
والأئمةُ كثيرًا ما يجرحون الراوي بخبرٍ واحدٍ منكرٍ جاء به، فضلًا عن خبرين أو أكثر.
ويقولون للخبر الذي تمتنعُ صحتُه أو تبعدُ: "منكر" أو"باطل"، وتجد ذلك كثيرًا في تراجم الضعفاء، وكتب العلل والموضوعات.
والمتثبتون لا يوثقون الراوي حتى يستعرضوا حديثه وينقدوه حديثا حديثا.
فأما تصحيحُ الأحاديث فَهُم به أَعْنَى وأشدُّ احتياطا.
نعم، ليس كُلُّ من حُكي عنه توثيقٌ أو تصحيحٌ متثبتًا، ولكن العارف الممارس يميز هؤلاء من أولئك.
هذا وقد عَرف الأئمةُ الذين صححوا الأحاديث، أن منها أحاديث تثقل على بعض المتكلمن ونحوهم، ولكنهم وجدوها موافقةً للعقل المعتدِّ به في الدين، مستكملةً شرائط الصحة الأخرى، وفوق ذلك وجدوا في القرآن آيات كثيرة توافقها أو تلاقيها، أو هي من قبيلها، قد ثقلت هي أيضًا على المتكلمين، وقد علموا أن النبي ﷺ كان يدين بالقرآن ويقتدي به، فمن المعقول جدًّا أن يجيء في كلامه نحو ما في القرآن من تلك الآيات.
стр. 1873
من الحقائق التي يجب أن لا يُغفل عنها أن الفريق الأول، وهم: الصحابة ومن اهتدى بهديهم من التابعين وأتباعهم ومن بعدهم عاشوا مع الله ورسوله، فالصحابة مع النبي ﷺ وهديه ومع القرآن، والتابعون مع القرآن والصحابة والسنة وهلم جرا.
وإن الفريق الثاني، وهم: المتكلمون والمتفلسفون ونحوهم عاشوا مع النظريات والشبهات والأغلوطات والمخاصمات.
والمؤمن يعلم أن الهدى بيد الله، وأنه سبحانه إذا شَرع إلى الهدى سبيلًا، فالعدول إلى غيره لن يكون إلا تباعدًا عنه، وتعرضًا للحرمان منه. وبهذا جاء القرآن، وعليه تدل أحوالُ السلف، واعترافُ بعض أكابرهم في أواخر أعمارهم.
والدقائقُ الطبيعية شيء، والحقائق الدينية شيء آخر، فمن ظَنَّ الطريقَ إلى تلك طريقًا إلى هذه، فقد ضل ضلالًا بعيدًا.
واعلم أن أكثر المتكلمين لا يَرُدُّون الأحاديث التي صححها أئمة الحديث، ولكنهم يتأولونها، كما يتأولون الآيات التي يخالفون معانيها الظاهرة.
لكن بعضهم رأى أن تأويل تلك الآيات والأحاديث تَعَسُّفٌ ينكره العارف باللسان وبقانون الكلام وبطبيعة العصر النبوي، والذي يخشونه من تكذيب القرآن لا يخشونه من تكذيب الأحاديث، فأقدموا عليه وفي نفوسهم ما فيها، ولهم عدة مؤلفات في تأويل الأحاديث أو ردّها -قد طبع بعضها- فلم يهملوا الأحاديث كما زعم أبو رية.
(و) قول أبي رية: "والأدباء" يعني بهم: علماء البلاغة، يريد أنهم لم يتصدوا لنقد الأحاديث بمقتضى البلاغة.
قال في (ص ٦): ولما وصلت من دراستي إلى كتب الحديث، ألفيت فيها من الأحاديث ما يبعد أن يكون في ألفاظه أو معانيه أو أسلوبه من محكم قوله وبارع منطقه صلوات الله عليه ... ومما كان يثير عجبي أني إذا قرأتُ كلمةً لأحدِ أجلاف
стр. 1874
العرب أهتز لبلاغتها، وتعروني أريحية من جزالتها، وإذا قرأت لبعض ما يُنسب إلى النبي ﷺ من قولٍ لا أجد له هذه الأريحية ولا ذاك الاهتزاز، وكنت أعجب كيف يصدر عنه صلوات الله عليه مثل هذا الكلام المغسول من البلاغة، والعاري عن الفصاحة، وهو أبلغ مَنْ نَطق بالضاد، أو يأتي منه مثل تلك المعاني السقيمة، وهو أحكم من دعا إلى رشاد.
أقول: أما الأحاديث الصحيحة، فليست هي بهذه المثابة، والاهتزاز والأريحية مما يختلف باختلاف الفهم والذوق والهوى، ولئن كان صادقًا في أن هذه حاله مع الأحاديث الصحيحة، فلن يكون حاله مع كثير من آيات القرآن وسوره إلا قريبًا من ذلك.
هذا، والبلاغةُ مطابقةُ الكلام لمقتضى الحال، والنبي ﷺ كان همُّه إفهامَ الناس وتعليمَهم على اختلاف طبقاتهم، وقد أمره الله تعالى أن يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾.
والكلماتُ المنقولةُ عن العرب ليست بشيء يُذكر بالنسبة إلى كلامهم كله، وإنما نُقلت لطرافتها، ومقتضى ذلك أنه لم يُستطرف من كلامهم غيرها.
وكذلك المنقول من شِعْرهم قليل، وإنما نُقل ما استُجيد، والشِّعْر مظنةُ التصنع البالغ، ومع ذلك قد تَقرأُ القصيدةَ فلا تهتز إلا للبيت والبيتين.
ثم إن كثيرًا مما نُقل عن النبي ﷺ روي بالمعنى كما يأتي.
فأما سقم المعنى فقد ذكر علماء الحديث أنه من علامات الموضوع، كما نقله أبو رية نفسه (ص ١٠٤).
وذكر ابن أبي حاتم في تقدمة "الجرح والتعديل" (ص ٣٥١) في علامات الصحيح: "أن يكون كلامًا يصلح أن يكون من كلام النبوة"، فإن كان أبو رية يستسقم معاني الأحاديث الصحيحة، فَمِنْ نفسِه أُتي.
ومن يكُ ذا فَمٍ مُرٍّ مريض ... يجد مُرًّا به العَذْبَ الزُّلالا
стр. 1875
قوله: "أما المعنى فلا يعنيهم من أمره شيء".
كذا قال، وقد أسلفتُ أن رعايتهم للمعنى سابقة، يراعونه عند السماع، وعند التحديث، وعند الحكم على الراوي، ثم يراعونه عند التصحيح، ومنهم من يتسامح في بعض ذلك، وهم معروفون كما تقدم.
وقد قال أبو رية (ص ١٠٤): "ذكر المحققون أمورًا كُلِّيَّةً يُعرف بها أن الحديث موضوع ... " فذكر جميع ما يتعلق بالمعنى - نقلًا عنهم.
فإن قال: ولكن مصححي الأحاديث لم يراعوا ذلك.
قلت: أما المتثبتون كالبخاري ومسلم، فقد راعوا ذلك، بلى في كل منهما أحاديثُ يسيرة انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، ومرجع ذلك إما إلى اختلافِ النظر، وإما إلى اصطلاحٍ لهما يغفل عنه المنتقد، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر، وقد انتُقدت عليهما أحاديثُ من جهة السند، فهل يقال لأجل ذلك إنهما لم يراعيا هذا أيضًا؟
... وقال (ص ٦): "أسباب تصنيف هذا الكتاب ... " الخ، إلى أن قال: "ومما راعني أنى أجد في معاني كثير من الأحاديث ما لا يقبله عقل صريح".
أقول: لا ريب أن في ما يُنسب إلى النبي ﷺ من الأخبار ما يرده العقل الصريح، وقد جمع المحدثون ذلك وما يقرب منه في كتب الموضوعات، وما لم يذكر فيها منه فلن تجد له إسنادًا متصلًا إلا وفي رجاله ممن جرحه أئمة الحديث رجل أو أكثر، وزَعْمُ أن في الصحيحين شيئًا من ذلك سيأتي النظر فيه، وقد تقدمت قضية العقل.
قال: "ولا يثبته علم صحيح ولا يؤيده حس ظاهر أو كتاب متواتر".
أقول: لا أدري ما فائدة هذا، مع العلم بأن ما يثبته العلم الصحيح أو يؤيده الحس الظاهر لابد أن يقبله العقل الصريح، وأن القرآن لا يؤيد ما لا يقبله العقل الصريح". اهـ.
стр. 1876
• وفي "الأنوار" أيضا (ص ٢٦٢):
قال أبو رية (ص ٣٠٠): "المحدثون لا يعنون بغلط المتون، والمحدثون قلما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه واقعًا في نفس المتن، لأن ذلك ليس من شأنهم من جهة كونهم محدثين، وإنما هو من شأن المجتهدين، وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلاف فيه في نفس الإسناد؛ لأنه من شأنهم".
فقال الشيخ المعلمي:
"الاختلاف في المتن على أضرب:
الأول: ما لا يختلف به المعنى، وهذا ليس باضطراب.
الثاني: ما يختلف به معنى غير المعنى المقصود، وهذا قريبٌ من سابقه، ومنه القضيةُ التي استدل بها أبو رية في عِدَّةِ مواضع، يحسب أنه قد ظفر بقاصمة (١) الظهر للحديث النبوي! وهي الاختلاف والشك في الصلاة الرباعية التي سها فيها النبي ﷺ ، فسلم من ركعتين، فنبهه ذو اليدين، فوقع في رواية: "إحدى صلاتي العشي"، وفي رواية: "الظهر"، وفي أخرى: "العصر"، فالأخريان مختلفتان، لكن ذلك لا يوجب اختلافًا في المعنى المقصود؛ فإن حكم الصلوات في السهو واحد.
الثالث: ما يختلف به معنى مقصود، لكن في الحديث معنى آخر مقصود، لا يختلف، كقصة المرأة التي زوجها النبي ﷺ رجلًا بأن يعلمها ما معه من القرآن، وقد تقدمت (ص ٥٩).
الرابع: ما يختلف به المعنى المقصود كله، فهذا إن صح السند بالوجهين، وأمكن الترجيح، فالراجح هو الصحيح، وإلا فالوقف، والغالب أن البخاري ومسلمًا ينبهان على الترجيح بطرق يعرفها من مارس الصحيحين، وكذلك كتب السنن
стр. 1877
يكثر فيها بيان الراجح، لكن قد لا يتبين لأحدهم، فيرى أن عليه إثبات الوجهين يحفظهما لمن بعده، فَرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع.
... وقال: "لو انتُقدت الرواية من جهة فحوى متنها كما تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثير من الأسانيد بالنقض". اهـ.
أقول:
هذه دعوى إجمالية، والعبرة بالنظر في الجزئيات، فقد عرفنا من محاولي النقد أنهم كثيرًا ما يدَّعُون القطع حيث لا قطع، ويدَّعُون قطعًا يكذبه القرآن، ويقيمون الاستبعاد مقام القطع، مع أن الاستبعاد كثيرًا ما ينشأ عن جهلٍ بالدين، وجهل بطبيعته، وجهلٍ بما كان عليه الحال في العهد النبوي، وكثيرًا ما يسيئون فهم النصوص.
وقال (ص ٣٠٣): "وقد تعرض كثير من أئمة الحديث للنقد من جهة المتن، إلا أن ذلك قليل جدًّا بالنسبة لما تعرضوا له من النقد من جهة الإسناد". اهـ.
أقول:
من تَتَّبعَ كتبَ تواريخ رجال الحديث وتراجمهم وكتب العلل، وجد كثيرًا من الأحاديث يُطلق الأئمة عليها: "حديث منكر". "باطل". "شبه الموضوع". "موضوع"، وكثيرًا ما يقولون في الراوي: "يحدث بالمناكير". "صاحب مناكير". "عنده مناكير". "منكر الحديث"، ومن أَنْعَمَ النظرَ وجد أكثر ذلك من جهة المعنى.
ولما كان الأئمة قد راعوا في توثيق الرواة النظر في أحاديثهم والطعن فيمن جاء بمنكر، صار الغالب أن لا يوجد حديثٌ منكرٌ إلا وفي سنده مجروح، أو خلل.
فلذلك صاروا إذا استنكروا الحديثَ نظروا في سنده، فوجدوا ما يُبين وهنَهُ فيذكرونه، وكثيرًا ما يستغنون بذلك عن التصريح بحال المتن، انظر موضوعات ابن الجوزي وتدبر، تجده إنما يعمد إلى المتون التي يرى فيها ما ينكره، ولكنه قلَّما يصرح
стр. 1878
بذلك، بل يكتفي غالبًا بالطعن في السند، وكذلك كتب العلل وما يعل من الأحاديث في التراجم، تجد غالب ذلك مما يُنكر متنُه، ولكن الأئمة يستغنون عن بيان ذلك بقولهم: "منكر"، أو نحوه، أو الكلام في الراوي، أو التنبيه على خلل في السند؛ كقولهم: "فلان لم يلق فلانًا". "لم يسمع منه". "لم يذكر سماعًا". "اضطرب فيه". "لم يتابع عليه". "خالفه غيره". "يُروى هذا موقوفًا وهو أصح"، ونحو ذلك". اهـ.
٢ - نماذج من نقد الشيخ المعلمي لمتون بعض الأحاديث:
• في "الأنوار الكاشفة" (ص ٦٨):
قال أبو رية (ص ٨): "وكان علي يستحلف الصحابي على ما يرويه له".
فقال الشيخ المعلمي:
"هذا شيء تفرد به أسماء بن الحكم الفزاري، وهو رجل مجهول.
وقد ردَّهُ البخاري وغيره، كما في ترجمة أسماء من "تهذيب التهذيب".
.. على أنه لو فُرض ثبوتُه، فإنما هو مزيد احتياط، لا دليل على اشتراطه.
هذا، ومن المتواتر عن الخلفاء الأربعة أن كلا منهم كان يقضي ويفتي بما عنده من السنة بدون حاجة إلى أن تكون عند غيره، وأنهم كان ينصبون العمال من الصحابة وغيرهم ويأمرونهم أن يقضي ويفتي كل منهم بما عنده من السنة بدون حاجة إلى وجودها عند غيره.
هذا مع أن المنقول عن أبي بكر وعمر وجمهور العلماء أن القاضي لا يقضي بعلمه. قال أبو بكر: "لو وجدت رجلًا على حَدٍّ ما أقمته عليه حتى يكون معي غيري"، وقال عكرمة: قال عمر لعبد الرحمن بن عوف: لو رأيت رجلًا على حد زنا أو سرقة وأنا أمير؟، فقال: "شهادتك شهادة رجل من المسلمين"، قال: "صدقت". (راجع فتح الباري ١٣: ١٣٩ و ١٤١).
стр. 1879
ولو كان عندهم أن خبر الواحد العدل ليس بحجة تامة لما كان للقاضي أن يقضي بخبر عنده حتى يكون معه غيره، ولا كان للمفتي أن يفتي بحسب خبر عنده ويلزم المستفتي العمل به حتى يكون معه غيره.
فتدبر هذا، فإنه إجماع، وقد مضي به العمل في عهد النبي ﷺ ، وفيه الغنى". اهـ.
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص ٥٥):
حديث: "إذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين".
أخرجه البيهقي والبزار من حديث أبي هريرة بنحوه.
وأخرج سعيد بن منصور حديثا آخر مرسل.
تكلم الشيخ المعلمي على أسانيدها وبين ضعفها، ثم قال:
"مما يُريب في الخبر من أصله أن أمهاتِ المؤمنين لم يَذْكُرْنَ شيئًا من ذلك من فعل النبي ﷺ ، والله أعلم". اهـ.
قال أبو أنس:
يعني أنه إذا كان الأمر كذلك من فضيلة تلك الركعتين، حتى يأمر بها النبي ﷺ ، ويحث عليها، لكان النبي ﷺ أحرى بصلاتهما، ولو صلاهما، لكان أولى الناس بنقلها: أزواجه ﷺ ، الذي كان يدخل عليهن بالليل والنهار.
• وفيه (ص ٣٥٠):
حديث: "كان رسول الله ﷺ يوحَى إليه، ورأسه في حجر علي، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس. فقال رسول الله ﷺ : صليت؟ قال: لا. قال: اللهم إن كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس. فقالت أسماء: فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت بعدما غربت". اهـ.
стр. 1880
نقد الشيخ المعلمي أسانيده، وبَيَّنَ وَهاءَها جميعا، ثم قال:
"هذه القصة أنكرها أكثر أهل العلم لأوجهٍ؛ الأول: أنها لو وقعت لنُقلت نقلًا يليق بمثلها.
الثاني: أن سنة الله في الخوارق أن تكون لمصلحةٍ عظيمةٍ، ولا يظهر هنا مصلحةٌ، فإنه إن فُرض أن عليًا فاتته صلاةُ العصر كما تقول الحكاية، فإن كان ذلك لعذرٍ، فقد فاتت النبي ﷺ صلاةُ العصر يوم الخندق لعذرٍ، وفاتته وأصحابه صلاةُ الصبح في سفر، فصلاهما بعد الوقت، وبَيَّنَ أنَّ ما وقع لعذرٍ فليس فيه تفريطٌ.
وجاءت عدةُ أحاديث في أن من كان يحافظ على عبادةٍ، ثم فاتته لعذر، يكتب الله لا له أجرها كما كان يؤديها، وإن كان لغير عذر فتلك خطيئة إذا أراد الله تعالى مغفرتها لم يتوقف ذلك على إطلاع الشمس من مغربها، ولا يظهر لإطلاعها معنى، كما أنه لو قتل رجل آخر ظلمًا ثم أحيا الله المقتول، لم يكن في ذلك ما يكفر ذنب القاتل.
الثالث: أن طلوع الشمس من مغربها آيةٌ قاهرةٌ، إذا رآها الناس آمنوا جميعًا، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة، وبذلك فُسِّر قولُ الله ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾ الآية، فكيف يقع مثل هذا في حياة النبي ﷺ ، ولا يُنقل أنه ترتب عليه إيمان رجل واحد؟ ". اهـ.
• وفيه (ص ٢٤٠).
حديث: "أنه ﷺ كان يقول في دعائه: اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، واحشرني في زمرة المساكين".
فقال الشيخ المعلمي (ص ٢٤٢):
"لم يكن ﷺ مسكينًا قَطّ بالمعنى الحقيقي؛ أما في صغره فقد ورث من أبويه أشياء، ثم كفله جَدُّه وعمُّه، ثم لما كبر أخذ يتجر ويكسب المعدوم، ويُعين على
стр. 1881
نوائب الحق، كما وصفته خديجة ﵂، وقد امتن الله عليه بقوله ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ والعائل: المُقِلّ، لم يكن ليسأل الله تعالى أن يزيل عنه هذه النعمة التي امتن بها عليه.
أما ما كان يتفق من جوعه وجوع أهل بيته بالمدينة، فلم يكن ذلك مسكنة، بل كان يجيئه المالُ الكثير، فينفقه في وجوه الخير منتظرًا مجيء غيره، فقد يتأخر مجيء الآخر، وليس هذا من المسكنة". اهـ.
• وفيه (ص ٤٧٠):
حديث: "من ولد له ثلاثة أولاد، فلم يُسم أحدهم محمدًا فقد جهل".
وهَّاه الشيخ المعلمي، وقال:
"قد ولد للنبي ﷺ أولادٌ، فلم يُسم أحدًا منهم محمدًا، وكذا ولد لعلي من فاطمة فلم يُسم النبي ﷺ أحدهم محمدًا، وولد للعباس عشرة فلم يسم محمدًا، ومثل هذا كثير". اهـ.
• وفيه (ص ٢٧٨):
حديث: "إذا حُدِّثْتُم عني بحديث يوافق الحق، فخذوا به حَدثت أو لم أحدث".
قال الشيخ المعلمي بعد نقد أسانيده (٢٨٢):
"على فرض صحة الخبر، فلا سبيلَ إلى أن يُفهم منه ما تدفعه القواطع، فمن المقطوع به: أن معارف الناس وآراءهم وأهواءهم تختلف اختلافًا شديدًا، وأن هناك أحاديث كثيرة، تقبلها قلوب، وتنكرها قلوب.
وبهذا يُعلم أن ما يعرض للسامع من قبول واستبشار، أو نفور واستنكار، قد يكون حيث ينبغي، وقد يكون حيث لا ينبغي، وإنما هذا -والله أعلم- إرشاد إلى ما يستقبل به الخبر عند سماعه.
стр. 1882
وقد يكون منشأ ذلك: أن المنافقين كانوا يرجفون بالمدينة ويشيعون الباطل، فقد يشيعون ما إذا سمعه المسلمون، وظنوا صدقه ارتابوا في الدين، أو ظنوا السوء برسول الله ﷺ ، فأُرشدوا إلى ما يدفع عنهم بادرة الارتياب، وظن السوء، مع العلم بأن بادىء الظن ليس بحجة شرعية، فعليهم النظر والتدبر، والأخذ بالحجج المعروفة، والله الموفق". اهـ.
• وفيه (ص ٤٥٨):
حديث: "أنه قَلَّ الجرادُ في سَنة من سني عمر التي ولي فيها، فسأل عنه، فلم يُخبَر بشيء، فاغتم لذلك، فأرسل راكبًا إلى اليمن، وراكبًا إلى الشام، وراكبًا إلى العراق يسأل: هل رُئي من الجراد شيء أم لا؟ فأتاه الراكب من قبل اليمن بقبضة من الجراد، فألقاها بين يديه، فلما رآها كبَّر ثلاثا، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: خلق الله ألف أُمَّة منها: ستمائة في البحر، وأربعمائة في البر. فأول شيء يهلك من هذه الأمم: الجراد، فإذا هلكت تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه". اهـ.
فقال الشيخ المعلمي:
" .. الخبر منكر جدًّا، والأمم أكثر مما ذُكر، وقد انقرض منها أنواع، ومنها ما يتوقع انقراضه قبل الجراد". اهـ.
• وفيه (ص ١٨٦):
حديث: "كلوا البلح بالتمر، فإن الشيطان إذا رآه غضب، وقال: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق".
قال الشيخ المعلمي:
" ... هو بسند كالشمس، ومتنه ركيك، فالظاهر أن أبا زكير غلط فى إسناده، سمعه من بعض القُصَّاص، فتوهم أنه سمعه بذاك السند، والله أعلم". اهـ.
стр. 1883
• وفيه ص (٤٢٩):
حديث: أهل مقبرة عسقلان يزفون إلى الجنة كما تزف العروس إلى زوجها.
... روى أحمد في المسند من حديث أنس مرفوعًا: عسقلان أحد العروسين ... أورده ابن الجوزي في الموضوعات. وقال في إسناده: أبو عقال هلال بن زيد، يروي عن أنس أشياء موضوعة.
وقال ابن حجر في القول المسدد: وهذا الحديث في فضائل الأعمال والتحريض على الرباط، وما يحيله الشرع ولا العقل، فالحكم عليه بالبطلان بمجرد كونه من رواية أبي عقال لا يتجه.
وطريق الإمام أحمد معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل دون أحاديث الأحكام.
قال الشوكاني:
هذا كلامه، ولا يخفاك أن هذه مراوغة من الحافظ ابن حجر، وخروج من الإنصاف. فإن كون الحديث في فضائل الأعمال، وكون طريقة أحمد: معروفة في التسامح في أحاديث الفضائل: لا يوجب كون الحديث صحيحًا ولا حسنًا، ولا يقدح في كلام من قال في إسناده وضاع. ولا يستلزم صدق ما كان كذبًا وصحة ما كان باطلا. فإن كان ابن حجر يسلم أن أبا عقال يروي الموضوعات، فالحق ما قاله ابن الجوزي، وإن كان ينكر ذلك، فكان الأولى به التصريح بالإنكار والقدح في دعوى ابن الجوزي ...
فقال الشيخ المعلمي:
ابن حجر لا ينكر ما قيل في أبي عقال، ولكنه يقول إن ذلك لا يستلزم أن يكون كل ما رواه موضوعًا، وإذا كان الكذوب قد يصدق، فما بالك بمن لم يصرح بأنه كان يتعمد الكذب؟ فيرى ابن حجر أن الحكم بالوضع يحتاج إلى أمر آخر ينضم إلى حال الراوي، كأن يكون مما يحيله الشرع أوالعقل.
стр. 1884
وهذا لا يكفي في رده ما ذكره الشوكاني.
وقد يقال: انضم إلى حال أبي عقال أن المتن منكر، ليس معناه من جنس المعاني التي عني النبي ﷺ ببيانها، أضف إلى ذلك قيام التهمة هنا؛ فإن أبا عقال كان يسكن عسقلان، وكانت ثغرا عظيما، لا يبعد من المغفل أن يختلق ما يرغب الناس في الرباط فيه، أو يضعه جاهل ويدخله على مغفل، والحكم بالوضع قد يكفي فيه غلبة الظن كما لا يخفى. اهـ.
وفيه ص (٢١٨):
حديث: ما حسن الله خُلق رجل وخَلقه فأطعم لحمه النار.
في إسناده: عاصم بن علي، قيل: ليس بشيء، ورُدَّ بأنه أخرج له البخاري في صحيحه ووثقه الناس.
وروي من حديث أبي هريرة وأنس. وفي إسنادهما: مقال، فالحديث إذا لم يكن حسنًا فهو ضعيف، وليس بموضوع.
فقال الشيخ المعلمي بعد أن نقد أسانيده:
المدار على المعنى. اهـ.
• وفيه ص (٣٠٤):
حديث: لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران، ولا سورة النساء، وكذلك القرآن كله.
رواه ابن قانع عن أنس مرفوعا. وقال أحمد: هو حديث منكر، وأورده ابن الجوزي في الموضوعات.
قال ابن حجر: أفرط ابن الجوزي في إيراد هذا الحديث في الموضوعات.
ولم يذكر مستنده إلا قول أحمد [وتضعيف عبيس]، وهو لا يقتضى الوضع.
стр. 1885
فقال الشيخ المعلمي:
"لكنه انضم إلى ذلك ما تواتر عن النبي ﷺ وأصحابه من إطلاق (سورة البقرة) وإنما تنطع في ذلك الحجاج بن يوسف كما في حديث رمي الجمرة في الصحيحين". اهـ.
• وفي "الأنوار الكاشفة" (ص ٣٩):
قال أبو رية: "وعن يحيى بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة، ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب إلى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه".
فقال الشيخ المعلمي:
"هذا منقطع، يحيى بن جعدة لم يدرك عمر، وزيادته منكرة، لو كتب عمر إلى الأمصار لاشتهر ذلك، وعنده علي وصحيفته، وعند عبد الله بن عمرو صحيفة كبيرة مشهورة". اهـ.
قال أبو أنس:
يعني أن ما كان في متناول يد عمر من صحيفة علي وعبد الله بن عمرو أَوْلى أن يمحوه - لو صح هذا، لكن بقاءهما واشتهارهما دليلٌ على أن شيئا من ذلك لم يكن، والله تعالى أعلم.
• وفيها أيضا (ص ٥٤):
قال أبو رية: روى ابن عساكر (١) عن [إبراهيم بن] عبد الرحمن بن عوف قال: والله ما مات عمر بن الخطاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله، فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حذيفة (٢)، وأبا الدرداء، وأبا ذر، وعقبة بن عامر، قال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟ قالوا: تنهانا؟ قال: [لا]، أقيموا
стр. 1886
عندي، لا والله لا تفارقوني ما عشت، فنحن أعلم، نأخذ منكم ونرد عليكم، فما فارقوه حتى مات (١).
فقال الشيخ المعلمي:
"أخذ أبو رية هذا من كنز العمال (١: ٢٣٩) وأسقط منه ما أضفته بين حاجزين.
وفي خطبة كنز العمال ١: ٣ أن كل ما عُزي فيه إلى تاريخ ابن عساكر فهو ضعيف، وعبد الله بن حذيفة غير معروف، إنما في الصحابة عبد الله بن حذافة، وهو مقل جدًّا لا يثبت عنه حديث واحد، فلا يصلح لهذه القصة. وفي سماع إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف من عمر خلاف، والظاهر أنه لا يثبت (٢).
ثم إن هؤلاء النفر لم يكونوا جميع الصحابة، بل كان كثير جدًّا من الصحابة في الأمصار والأقطار يحدثون". اهـ.
• وفي "عمارة القبور" ص (١٥٣ - ١٥٦):
"البخاري في "صحيحه" تعليقا: "لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سَنَة، ثم رُفعت، فسمعت صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا".
قال المعلمي:
"علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمول على أنه صح لديه في الجملة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره من يتساهل في التصحيح.
стр. 1887
ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند.
وقد راجعنا "فتح الباري" فذكر فيه ما لفظه: (٣/ ١٦١).
"أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ الفسطاط، كما رويناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي رواية الأصبهانيين عنه".
وفي كتاب ابن أبي الدنيا في "القبور" من طريق المغيرة بن مقسم قال: "لما مات الحسن ابن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطًا، فأقامت عليه سنة فذكر بنحوه".
ولا ندري ما حال السندين إلا أن المغيرة بن مقسم كان أعمى ومدلسا.
وقد ذكر البخاري هذه القصة في (باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور).
قال في "الفتح": "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة. وقال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه؛ تعليلًا للنفس، وتخييلا باستصحاب المألوف من الأُنس، ومكابرة للحس .. فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا .. الخ".
أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضربت الخيمة للاجتماع لقراءة القرآن، وهذا مع كونه ممنوعًا -أيضًا- مردود بقول الهاتفين: "هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا".
فالقصة فيها زِراية على زوجة الحسن، وهي كما في الفتح، فاطمة بنت الحسين بن علي ﵃، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذ كلهم.
فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح، فإن أهل البيت أعلم بالله ، وأكمل عقولا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة.
стр. 1888
وفي الحديث: "لعن زوارات القبور"، أي: المكثرات لزيارتها، وضرب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنَة، أبلغ من إكثار الزيارة، وأهل البيت أَوْلى من يُنزه عن ذلك.
هذا مع علمنا أن مثل هذا لا تقوم به حجة، بل القصة بنفسها في ذكر كلام الهاتفين تدل على قبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقا علينا الذب عن أهل البيت ﵃. اهـ.
• وفيه أيضا ص (١٥٧):
البخاري في "صحيحه" تعليقًا -أيضًا- في (باب: الجريد على القبر): وقال خارجه بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان ﵁ إن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يُجاوزه.
قال في "الفتح": "وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير"، من طريق ابن إسحاق".
أقول: قال في "التاريخ الصغير" ص (٢٣) طبعة إله آباد:
"وحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وأن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه".
وقد مر قريبًا الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده وقد عُلم هاهنا سنده.
فأقول: شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة، وابن إسحاق كما تقدم في حديث فضالة أنه قال الذهبي: "ما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا".
ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثَم قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرده، ففي الأثر نكارة.
стр. 1889
بل على القول بأنه يُفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن ترفع في ذلك العصر.
بل نفس قبر عثمان بن مظعون ورد "أن النبي ﷺ وضع حجرًا، وقال: أعلم به قبر أخي". وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض.
ومع ذلك فيبعد جدا أن يخرج الشبان من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث أنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وثبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله ﷺ قبر إبراهيم وغيره.
نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعين، ومنهم خارجة لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثب، وقد كان أبناء الصحابة ﵃ بغاية التمسك بالآداب الشرعية، ولا سيما مثل خارجة بن زيد.
٥ - وفي تهذيب التهذيب في ترجمة خارجة: قال ابن نمير وعمرو بن علي: مات سنة ٩٩ هـ، وقال ابن المديني وغير واحد: مات سنة مائة. اهـ.
فالأكثر كما ترى أنه مات سنة مائة.
وقال ابن عساكر في "تاريخه": "الصحيح الذي عليه أكثر الروايات أنه توفي سنة مائة" وذكر قبل ذلك ما لفظه: "وقال العجلي: خارجة مدني .. وقال: رأيت في المنام كأني بنيت سبعين درجة، فلما فرغت منها تهورت، وهذه السنة لي سبعون سنة قد أكملتها، فمات فيها".
أقول: وقد ذكر هذه القصة ابن سعد في "الطبقات" من روايته عن الواقدي بسنده ونقلها عنه ابن خلكان، فإن صح هذا، كان مولده سنة (٣٠ هـ)، فيكون سنه يوم قتل عثمان نحو خمس سنين؛ لأن عثمان قتل سابع ذي الحجة سنة ٣٥ هـ. فكيف يكون من الشبان زمن عثمان. اهـ.
стр. 1890
المرتبة الرابعة: النظر في الأدلة الأخري مما يوافق الخبر أو يخالفه
وهذه تشتمل على:
قواعد الجمع والترجيح بين الروايات المتعارضة.
تُنظر نماذج من طريقة المعلمي في هذا في ملحق "المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد" في آخر هذا القسم، وفي الجزء الثاني من "التنكيل" وهو "البحث مع الحنفية في سبع عشرة قضية".
* * *
стр. 1891
الباب الثالث: فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وفنون من علم الرجال
يشتمل هذا الباب على مقدمة وثلاثة فصول:
أما المقدمة: فهي محاضرة للعلامة المعلمي ألقاها في أهمية علم الرجال.
وأما الفصول فهي:
الفصل الأول: قواعد النظر في كتب الفن لتعيين الرواة والبحث عن أحوالهم والحكم عليهم.
الفصل الثاني: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف في الجرح والتعديل.
ويشتمل هذا الفصل على مطالب:
المطلب الأول: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف عامة.
المطلب الثاني: ألفاظ وأوصاف ظاهرها الجرح، لكنها ربما لا تقتضيه، إذا دلت القرائن على ذلك.
المطلب الثالث: ألفاظ وأوصاف ظاهرها التعديل وربما لا تقتضيه.
الفصل الثالث: قواعد ومسائل وفوائد في الجرح والتعديل.
* * *
стр. 1892
مقدمة الشيخ المعلمي في أهمية علم الرجال
قال العلامة المعلمي:
"الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
إنه قد استقر في الأذهان، واستغنى عن إقامة البرهان: ما للعلم من الشرف والفضيلة، وأنه هو الوسيلة لرفع الإنسان في المعنى عما ارتفع عنه في الصورة من البهائم.
* * *
ومما لا نزاع فيه أن العلوم تتفاوت في مقدار ذلك الشرف، منها الشريف والأشرف، والمهم والأهم.
ومهما يُتصور لعلوم الفلسفة، والطبيعيات، والرياضيات، والأدبيات، والصناعيات، وغيرها من العلوم الكونيات -مهما يُتصور لها من الشرف والفضيلة، والمرتبة الرفيعة- فإنها لا تداني في ذلك العلم -الذي مع مشاركته لها في ترقية المدارك، وتنوير العقول- ينفرد عنها بإصلاح الأخلاق، وتحصيل السعادة الأبدية، وهو علم الدين.
مهما ترقى الإنسان في الصنائع والمعارف الكونية، وتسهيل أسباب الراحة، فإن ذلك إن رَفَعَهُ عن البهيمية من جهةٍ، فإنه ينزل به عنها من جهةٍ أخرى، ما لم تتطهر أخلاقه، فيتخلق بالرأفة والرحمة والإيثار والعفة والتواضع والصدق والأمانة والعدل والإحسان، وغيرها من الأخلاق الكريمة.
* * *
стр. 1893
كل من كان له وقوف على الأمم والأفراد في هذا العصر، علم أنه بحقٍّ يُسَمَّى عصر العلم، ولكنه يرى أنه مع ذلك يجب أن يُسَمَّى -بالنظر إلى تدهور الأخلاق- اسما آخر ..
النفوس الأرضية تربةٌ، من شأنها أن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسْقَ بماء الإيمان الطاهر، وتشرق عليها شمس العلم الديني الصحيح، وتَهُبُّ عليها رياح التذكير الحكيم.
فأي أرضٍ أُمحلت من ذلك الماء، وحُجب عنها شعاع تلك الشمس، وسُدت عنها طرق تلك الرياح، كان نباتها كما قال الملائكة ﵈: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
* * *
للدين -وهو الإسلام- ينبوعان عظيمان: كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ ..
* * *
السنة عبارة عما ثبت عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال وغيرها، مما هو تبيينٌ للقرآن، وتفصيلٌ للأحكام، وتعليمٌ للآداب، وغير ذلك من مصالح المعاش والمعاد.
* * *
أول من تلقى السنة هم الصحابة الكرام، فحفظوها وفهموها، وعلموا جملتها وتفصيلها، وبَلَّغُوها -كما أُمروا- إلى من بعدهم.
ثم تلقَّاها التابعون، وبلَّغُوها إلى مَنْ يليهم ... وهكذا، فكان الصحابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول كيت وكيت، ويقول التابعي: سمعت فلانا الصحابي يقول: سمعت النبي ﷺ ، ويقول الذي يليه: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا الصحابي يقول: سمعت النبي ﷺ ، وهكذا.
стр. 1894
كل من علم أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وأن شريعته خاتمة الشرائع، والحياة الأبدية في اتباعه: يعلم أن الناس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب.
قد وقعت الرواية ممن يجب قبولُ خبره وممن يجب ردُّه، وممن يجب التوقف فيه، وهيهات أن يُعرفَ ما هو من الحق الذي بلغه خاتم الأنبياء عن ربه ، وما هو الباطل الذي يبرأ عنه الله ورسوله، إلا بمعرفة أحوال الرواة.
وهكذا الوقائع التاريخية، بل حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشدة لغلبة التساهل في نقلها.
على أن معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهم فروع التاريخ، وإذا كان لابُدَّ من معرفة أحوال الرواة، فلا بد من بيانها، بأن يُخبر كُلُّ من عَرف حالَ راوٍ بحاله؛ ليعلمه الناس، وقد قامت الأمة بهذا الفرض كما ينبغي.
* * *
أول من تكلم في أحوال الرجال: القرآن، ثم النبي ﷺ ، ثم أصحابه، والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالا، وذم المنافقين إجمالا، ووردت آيات في الثناء على أفراد معينين من الصحابة -كما يُعلم من كتب الفضائل- وآيات في التنبيه على نفاق أفراد معينين، وعلى جرح أفراد آخرين.
وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: ﴿... إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] نزلت في رجل بعينه، كما هو معروف في موضعه، وهي مع ذلك قاعدة عامة.
* * *
وثبتت عن النبي ﷺ أحاديثُ كثيرةٌ في الثناء على أصحابه جملةً، وعلى أفراد منهم معينين، معروفةٌ في كتب الفضائل، وأخبار أخر في ذم بعض الفرق إجمالا، كالخوارج، وفي تعيين المنافقين وذم أفراد معينين، كعيينة بن حصن، والحكم بن أبي العاص.
стр. 1895
وثبتت آثار كثيرة عن الصحابة في الثناء على بعض التابعين، وآثار في جرح أفراد منهم.
* * *
وأما التابعون، فكلامهم في التعديل كثير، ولا يُروى عنهم من الجرح إلا القليل، وذلك لقربِ العهد بالسراج المنير -عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم-، فلم يكن أحدٌ من المسلمن يجترىء على الكذب على الله ورسوله.
وعامة المُضَعَّفِين من التابعين إنما ضُعِّفُوا للمذهب؛ كالخوارج، أو لسوء الحفظ أو للجهالة.
ثم جاء عصر أتباع التابعين فما بعده، فكثر الضعفاء، والمغفلون، والكذابون، والزنادقة، فنهض الأئمة لتبيين أحوال الرواة وتزييف ما لا يثبت، فلم يكن مصر من أمصار المسلمين إلا وفيه جماعة من الأئمة يمتحنون الرواة، ويختبرون أحوالهم وأحوال رواياتهم، ويتتبعون حركاتهم وسكناتهم، ويُعلنون للناس حكمهم عليهم.
* * *
استمر ذلك إلى القرن العاشر، فلا تجد في كتب الحديث اسمَ راوٍ إلا وجدت في كتب الرجال تحقيقَ حالِه، وهذا مصداق الوعد الإلهي -قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
* * *
وكان نشاط الأئمة في ذلك آية من الآيات؛ فمن أمثلة ذلك: قال العراقي في شرح "مقدمة ابن الصلاح": روينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث -يعني حديث فضائل القرآن سورة سورة- فقلت للشيخ: من حدثك؟ فقال حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال: