الباب الثالث: فوائد وقواعد في الجرح والتعديل وفنون من علم الرجال
يشتمل هذا الباب على مقدمة وثلاثة فصول:
أما المقدمة: فهي محاضرة للعلامة المعلمي ألقاها في أهمية علم الرجال.
وأما الفصول فهي:
الفصل الأول: قواعد النظر في كتب الفن لتعيين الرواة والبحث عن أحوالهم والحكم عليهم.
الفصل الثاني: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف في الجرح والتعديل.
ويشتمل هذا الفصل على مطالب:
المطلب الأول: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف عامة.
المطلب الثاني: ألفاظ وأوصاف ظاهرها الجرح، لكنها ربما لا تقتضيه، إذا دلت القرائن على ذلك.
المطلب الثالث: ألفاظ وأوصاف ظاهرها التعديل وربما لا تقتضيه.
الفصل الثالث: قواعد ومسائل وفوائد في الجرح والتعديل.
* * *
стр. 1892
مقدمة الشيخ المعلمي في أهمية علم الرجال
قال العلامة المعلمي:
"الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
إنه قد استقر في الأذهان، واستغنى عن إقامة البرهان: ما للعلم من الشرف والفضيلة، وأنه هو الوسيلة لرفع الإنسان في المعنى عما ارتفع عنه في الصورة من البهائم.
* * *
ومما لا نزاع فيه أن العلوم تتفاوت في مقدار ذلك الشرف، منها الشريف والأشرف، والمهم والأهم.
ومهما يُتصور لعلوم الفلسفة، والطبيعيات، والرياضيات، والأدبيات، والصناعيات، وغيرها من العلوم الكونيات -مهما يُتصور لها من الشرف والفضيلة، والمرتبة الرفيعة- فإنها لا تداني في ذلك العلم -الذي مع مشاركته لها في ترقية المدارك، وتنوير العقول- ينفرد عنها بإصلاح الأخلاق، وتحصيل السعادة الأبدية، وهو علم الدين.
مهما ترقى الإنسان في الصنائع والمعارف الكونية، وتسهيل أسباب الراحة، فإن ذلك إن رَفَعَهُ عن البهيمية من جهةٍ، فإنه ينزل به عنها من جهةٍ أخرى، ما لم تتطهر أخلاقه، فيتخلق بالرأفة والرحمة والإيثار والعفة والتواضع والصدق والأمانة والعدل والإحسان، وغيرها من الأخلاق الكريمة.
* * *
стр. 1893
كل من كان له وقوف على الأمم والأفراد في هذا العصر، علم أنه بحقٍّ يُسَمَّى عصر العلم، ولكنه يرى أنه مع ذلك يجب أن يُسَمَّى -بالنظر إلى تدهور الأخلاق- اسما آخر ..
النفوس الأرضية تربةٌ، من شأنها أن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسْقَ بماء الإيمان الطاهر، وتشرق عليها شمس العلم الديني الصحيح، وتَهُبُّ عليها رياح التذكير الحكيم.
فأي أرضٍ أُمحلت من ذلك الماء، وحُجب عنها شعاع تلك الشمس، وسُدت عنها طرق تلك الرياح، كان نباتها كما قال الملائكة ﵈: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
* * *
للدين -وهو الإسلام- ينبوعان عظيمان: كتاب الله ، وسنة رسول الله ﷺ ..
* * *
السنة عبارة عما ثبت عن النبي ﷺ من الأقوال والأفعال وغيرها، مما هو تبيينٌ للقرآن، وتفصيلٌ للأحكام، وتعليمٌ للآداب، وغير ذلك من مصالح المعاش والمعاد.
* * *
أول من تلقى السنة هم الصحابة الكرام، فحفظوها وفهموها، وعلموا جملتها وتفصيلها، وبَلَّغُوها -كما أُمروا- إلى من بعدهم.
ثم تلقَّاها التابعون، وبلَّغُوها إلى مَنْ يليهم ... وهكذا، فكان الصحابي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول كيت وكيت، ويقول التابعي: سمعت فلانا الصحابي يقول: سمعت النبي ﷺ ، ويقول الذي يليه: سمعت فلانا يقول: سمعت فلانا الصحابي يقول: سمعت النبي ﷺ ، وهكذا.
стр. 1894
كل من علم أن محمدا ﷺ خاتم الأنبياء، وأن شريعته خاتمة الشرائع، والحياة الأبدية في اتباعه: يعلم أن الناس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب.
قد وقعت الرواية ممن يجب قبولُ خبره وممن يجب ردُّه، وممن يجب التوقف فيه، وهيهات أن يُعرفَ ما هو من الحق الذي بلغه خاتم الأنبياء عن ربه ، وما هو الباطل الذي يبرأ عنه الله ورسوله، إلا بمعرفة أحوال الرواة.
وهكذا الوقائع التاريخية، بل حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشدة لغلبة التساهل في نقلها.
على أن معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهم فروع التاريخ، وإذا كان لابُدَّ من معرفة أحوال الرواة، فلا بد من بيانها، بأن يُخبر كُلُّ من عَرف حالَ راوٍ بحاله؛ ليعلمه الناس، وقد قامت الأمة بهذا الفرض كما ينبغي.
* * *
أول من تكلم في أحوال الرجال: القرآن، ثم النبي ﷺ ، ثم أصحابه، والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالا، وذم المنافقين إجمالا، ووردت آيات في الثناء على أفراد معينين من الصحابة -كما يُعلم من كتب الفضائل- وآيات في التنبيه على نفاق أفراد معينين، وعلى جرح أفراد آخرين.
وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: ﴿... إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] نزلت في رجل بعينه، كما هو معروف في موضعه، وهي مع ذلك قاعدة عامة.
* * *
وثبتت عن النبي ﷺ أحاديثُ كثيرةٌ في الثناء على أصحابه جملةً، وعلى أفراد منهم معينين، معروفةٌ في كتب الفضائل، وأخبار أخر في ذم بعض الفرق إجمالا، كالخوارج، وفي تعيين المنافقين وذم أفراد معينين، كعيينة بن حصن، والحكم بن أبي العاص.
стр. 1895
وثبتت آثار كثيرة عن الصحابة في الثناء على بعض التابعين، وآثار في جرح أفراد منهم.
* * *
وأما التابعون، فكلامهم في التعديل كثير، ولا يُروى عنهم من الجرح إلا القليل، وذلك لقربِ العهد بالسراج المنير -عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم-، فلم يكن أحدٌ من المسلمن يجترىء على الكذب على الله ورسوله.
وعامة المُضَعَّفِين من التابعين إنما ضُعِّفُوا للمذهب؛ كالخوارج، أو لسوء الحفظ أو للجهالة.
ثم جاء عصر أتباع التابعين فما بعده، فكثر الضعفاء، والمغفلون، والكذابون، والزنادقة، فنهض الأئمة لتبيين أحوال الرواة وتزييف ما لا يثبت، فلم يكن مصر من أمصار المسلمين إلا وفيه جماعة من الأئمة يمتحنون الرواة، ويختبرون أحوالهم وأحوال رواياتهم، ويتتبعون حركاتهم وسكناتهم، ويُعلنون للناس حكمهم عليهم.
* * *
استمر ذلك إلى القرن العاشر، فلا تجد في كتب الحديث اسمَ راوٍ إلا وجدت في كتب الرجال تحقيقَ حالِه، وهذا مصداق الوعد الإلهي -قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة؟ قال: تعيش لها الجهابذة، وتلا قول الله : ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
* * *
وكان نشاط الأئمة في ذلك آية من الآيات؛ فمن أمثلة ذلك: قال العراقي في شرح "مقدمة ابن الصلاح": روينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث -يعني حديث فضائل القرآن سورة سورة- فقلت للشيخ: من حدثك؟ فقال حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة، فصرت إليه، فقال:
стр. 1896
حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت يا شيخ من حدثك؟ فقال لم يحدثني أحد، ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن.
لعل هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرا لتحقيق رواية هذا الحديث الواحد.
للأئمة في اختبار الرواة طرق:
منها: النظر في حال الراوي في المحافظة على الطاعات واجتناب المعاصي، وسؤال أهل المعرفة به.
قال الحسن بن صالح بن حيى: كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل، سألنا عنه، حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه؟.
ومنها: أن يحدث بأحاديث عن شيخٍ حي، فيسأل الشيخ عنها.
مثاله: قول شعبة: قال الحسن بن عمارة: حدثني الحكم، عن يحيى بن الجزار، عن علي سبعة أحاديث، فسألت الحكم عنها؟ فقال: ما سمعت منها شيئا.
ومنها: أن يحدث عن شيخٍ قد مات، فيقال للراوي: متى ولدت؟ ومتى لقيت هذا الشيخ؟ وأين لقيته؟ ثم يقابل بين ما يجيب به وبين ما حُفظ من وفاة الشيخ الذي روى عنه ومحل إقامته وتواريخ تنقله.
ومثاله: ما جاء عن عفير بن معدان أن عمر بن موسى بن وجيه حدث عن خالد بن معدان، قال عفير: فقلت له: في أي سنة لقيته؟ قال سنة ثمان [وخمسين] (١) ومائة،
стр. 1897
في غزاة أرمينية. قلت: اتق الله يا شيخ، لا تكذب، مات خالد سنة أربع [وخمسين] ومائة، أزيدك أنه لم يغز أرمينية.
ومنها: أن يسمع من الراوي أحاديثَ عن مشايخَ قد ماتوا، فتُعرض هذه الأحاديث على ما رواه الثقات عن أولئك المشايخ، فيُنظر: هل انفرد هذا الراوي بشيء، أو خالف، أو زاد ونقص؟
فتجدهم يقولون في الجرح: "ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه"، "في حديثه مناكير" "يخطىء ويخالف" ... ونحو ذلك.
ومنها: أن يسمع الراوي عدة أحاديث، فتحفظ أو تكتب، ثم يُسأل عنها بعد مدة، وربما كرر السؤال مرارا؛ لينظر: أيغير أو يبدل أو ينقص؟
• دعا بعض الأمراء أبا هريرة، وسأله أن يحدث -وقد خبأ الأمير كاتبا حيث لا يراه أبو هريرة- فجعل أبو هريرة يحدث والكاتب يكتب، ثم بعد سنة دعا الأمير أبا هريرة، ودس رجلا ينظر في تلك الصحيفة، وسأل أبا هريرة عن تلك الأحاديث؟
فجعل يحدث والرجل ينظر في الصحيفة، فما زاد وما نقص ولا قدم ولا أخر.
• وسأل بعض الخلفاء ابنَ شهاب الزهري أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربع مائة حديث، ثم إن الخليفة قال للزهري بعد مدة: إن ذلك الكتاب قد ضاع، فدعا الكاتب فأملاه عليه، ثم قابلوا الكتاب الثاني على الكتاب الأول، فما غادر حرفا.
• وكانوا كثيرا ما يبالغون في الاحتياط، حتى قيل لشعبة: لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون.
• وقال جرير: رأيت سماك بن حرب يبول واقفا، فلم أكتب عنه.
стр. 1898
• وقيل للحكم بن عتيبة: لَمِ لَمْ ترو عن زاذان؟ قال: كان كثير الكلام.
* * *
وكانوا يطعنون فيمن خالط الأمراء، أو قَبِلَ عطاياهم، أو عَظَّمَهُم، بل ربما بالغوا في ذلك، كما وقع لمحمد بن بشر الزنبري المصري مع سعة علمه، كان يملي الحديث على أهل بلده فاتفق أن خرج الملك غازيا، فخرج الزنبري يشيعه، فلما انصرف، وجلس يوم الجمعة في مجلسه، قام إليه أصحاب الحديث، فنزعوه من موضعه، وسبوه وهموا به، ومزقوا رواياتهم، ثم ذكره ابن يونس في "تاريخ مصر"، فقال: "لم يكن يشبه أهل العلم".
إنما كانوا يتسامحون فيمن بلغ من الجلالة بحيث يُعلم أنه إنما يخالط الأمراء ليأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويكفهم عن الباطل ما استطاع، كالزهري ورجاء بن حيوة.
وروى الشافعي، قال: دخل سليمان بن يسار على هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان، الذي تولى كبره من هو؟ يعني في قول الله تعالى ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]- قال: عبد الله بن أُبي، قال كذبت، هو فلان، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري، فقال: يا ابن شهاب، من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أُبي، قال: كذبت، هو فلان. فقال الزهري لهشام: أنا أكذب؟ لا أبا لك؟ والله لو نادى منادٍ من السماء: إن الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة، وسعيد، وعبيد الله، وعلقمة، عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أُبي .. وذكر تمام القصة، وفيها خضوع هشام للزهري، واسترضاؤه له.
وقد وقعت للزهري قصةٌ تُشبه هذه مع الوليد بن عبد الملك، وفيها: أن الوليد قال له: يا أبا بكر، مَنْ تولى كبره؟ أليس فلانا؟ قال الزهري: قلت: لا. فضرب
стр. 1899
الوليد بقضيبه على السرير: فمن؟ فمن؟ حتى ردد ذلك مرارا، قال الزهري: لكن عبد الله بن أُبي.
وفي جواب سليمان لهشام لطيفة، حيث لم يقل: "أمير المؤمنين أعلم" ويسكت، بل قال: "أعلم بما يقول"، أي: أعلم بقول نفسه، لا أعلم بحقيقة الحال، ولكن المقام لم يكن لتغني فيه مثل هذه الإشارة، فلذلك قيَّضَ الله تعالى الزهري ووفقه، فقال ما قال.
وقوله لهشام -وهو الملك- "لا أبا لك" جرأة عظيمة.
* * *
وكانوا من الورع وعدم المحاباة على جانب عظيم، حتى قال زيد بن أبي أنيسة: أخي يحيى يكذب.
وسئل جرير بن عبد الحميد عن أخيه أنس، فقال: قد سمع من هشام بن عروة، ولكنه يكذب في حديث الناس فلا يكتب عنه.
وروى علي بن المديني عن أبيه، ثم قال: "وفي حديث الشيخ ما فيه".
وقال أبو داود: ابني عبد الله كذاب.
وكان الإمام أبو بكر الصبغي ينهى عن السماع من أخيه محمد بن إسحاق.
حفظ علماء السلف لتراجم الرجال:
كان الرجل لا يُسَمَّى عالما حتى يكون عارفا بأحوال رجال الحديث.
ففي "تدريب الراوي": قال الرافعي وغيره: إذا أُوصي للعلماء، لم يدخل الذين يسمعون الحديث، ولا علم لهم بطرقه، ولا بأسماء الرواة ...
وقال الزركشي: أما الفقهاء، فاسم المحدث عندهم لا يطلق إلا على من حفظ متن الحديث، وعلم عدالة رواته وجرحها ...
стр. 1900
وقال التاج السبكي: إنما المحدث من عَرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال ...
وذكر عن المزي أنه سئل عمن يستحق اسم الحافظ، فقال: أقل ما يكون أن يكون الرجال الذين يعرفهم ويعرف تراجمهم وأحوالهم وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم ليكون الحكم للغالب.
فكان العالم يعرف أحوال من أدركهم، إما باختباره لأحوالهم بنفسه، وإما بإخبار الثقات له، ويعلم أحوال من تقدمه بإخبار الثقات، أو بإخبار الثقات عن الثقات .... وهكذا، ويحفظ ذلك كله، كما يحفظ الحديث بأسانيده، حتى كان منهم من يحفظ الألوف، ومنهم من يحفظ عشرات الألوف، ومنهم من يحفظ مئات الألوف بأسانيدها.
فكذلك كانوا يحفظون تراجم الرواة بأسانيدها، فيقول أحدهم: أخبرني فلان، أنه سمع فلانا، قال: قال فلان: لا تكتبوا عن فلان، فإنه كذاب ... وهكذا ..
تدوين العلم وحظ علم الرجال منه:
ذكروا أن تدوين العلم في الكتب في العهد الإسلامي شُرع فيه حوالي نصف القرن الثاني، فألف ابن جريج (٨٠ - ١٥٠) وابن أبي عروبة (؟ - ١٥٦)، والربيع بن صبيح (؟ - ١٦٠).
ويَتوهم بعض الناس أنه قبل ذلك لم يكن عند أحد من المسلمين كتاب ما يتضمن علما غير كتاب الله !، وهذا خطأ، فقد كان عند جماعة من الصحابة صحائف، في كل منها طائفة من الأحاديث النبوية، منها صحيفة كانت عند أمير المؤمنين علي ﵇ ذكرها البخاري وغيره، وجمع ابن حجر في "فتح الباري" قطعا منها.
وكان عند عمرو بن حزم كتاب كتبه النبي ﷺ إلى أهل اليمن، فيه أحكام كثيرة.
وكان عند أنس كتاب في أحكام الزكاة، كتبه أبو بكر الصديق، قال في أوله: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين.
стр. 1901
وفي رواية عند الحاكم وغيره: كتب رسول الله ﷺ كتاب الصدقة، فلم يخرجها إلى عماله حتى قُبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض ... ، وذكر الكتاب.
وكان لسمرة بن جندب كتبٌ فيها ما سمعه من النبي ﷺ ، يروي عنها الحسن البصري.
وكان لجابر بن عبد الله صحيفة كذلك، يروي عنها الحسن أيضا، وطلحة بن نافع.
وكان لعبد الله بن عمرو صحيفة كتبها بإذن النبي ﷺ ، يرويها عمرو بن شعيب ابن محمد بن عبد الله بن عمرو، عن أبيه، عن جده.
وفي "المستدرك" عن الحسن بن عمرو بن أمية الضمري قال: حَدثت عن أبي هريرة بحديث، فأنكره فقلت له: إني قد سمعته منك! قال: إن كنت سمعته مني فإنه مكتوب عندي، فأخذ بيدي إلى بيته فأراني كتابا من كتبه .... فذكرت القصة.
استنكره الذهبي، لما في "البخاري" عن أبي هريرة قال: "ما من أصحاب رسول الله ﷺ أحدٌ أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب".
لكن قال ابن عبد البر: يمكن أنه لم يكن يكتب في العهد النبوي، ثم كتب بعده.
وأما التابعون فقَلَّ عالمٌ منهم لم يكن عنده كتب، ولكن كانت الأحاديث تتجمع كيفما اتفق، بلا تأليف ولا ترتيب، كما في صحيفة همام بن منبه اليماني عن أبي هريرة، وهي نحو مائة وأربعون حديثا، تجدها في "مسند أحمد" (٢/ ٣١٢ - ٣١٩) وهي في "الصحيحين"، وغيرهما مفرقة ...
فأما عن التدوين بالترتيب والتأليف: فقد رُويت عن زيد بن ثابت الصحابي المشهور رسالة، كتبها في أحكام المواريث حوالي سنة ٤٠ للهجرة.
стр. 1902
وفي "سنن البيهقي" قطع كثيرة منها.
وذكر غير واحد أن الحسن بن محمد بن الحنفية المتوفى سنة (٩٥ هـ) وضع كتابا في بعض العقائد. ولكن في ترجمته من "تهذيب التهذيب" ما يؤخذ منه أنها رسالة صغيرة.
وفي ترجمة الحلاج من "تاريخ الخطيب" أن للحسن البصري (٢١ - ١١٠) كتابا اسمه كتاب (الإخلاص) كان يُروى ويُسمع في القرن الثالث.
و"في فهرست ابن النديم": أن لمكحول الشامي المتوفى (سنة ١١٢) أو بعدها كتابين: "كتاب السنن" و"كتاب المسائل" في الفقه.
فأما ما ذكروه أن أولَ من دَوَّنَ الحديثَ: ابنُ شهاب الزهري في سنة مائة - أو نحوها بأمر عمر بن عبد العزيز، وبعث به عمر إلى كل أرض له عليها سلطان، فلا أدري أمرتبا كان ذلك الكتاب أم لا؟.
* * *
فأما التأليف في أحوال الرجال فإنه تأخر قليلا، وقد ذكر ابن النديم: أن لليث بن سعد (٩٤ - ١٧٥) "تاريخا"، وأن لابن المبارك (١١٨ - ١٨١) "تاريخا".
وقال الذهبي في ترجمة الوليد بن مسلم الدمشقي (١١٩ - ١٩٥): "صنف التصانيف والتواريخ".
ثم أَلَّفَ ابنُ معين، وابن المديني وغيرهما، واتسع التأليف جدا.
ولكن في القرن العاشر، -وهلم جرا- تقاصرت الهمم وهُجر علم الرجال، فَقَلَّ من بقي يعتني بقراءة كتب الرجال أو نسخها أو نشرها.
أما التأليف، فأقلّ وأقلّ، اللهم إلا أن يجمع أحدهم تراجم لبعض المجاذيب والدراويش يملؤها بالخوارق، أو آخر لتراجم بعض الأدباء، ينتقي من شعرهم ما يستظرفه من الغزل ونحوه، مما إن لم يضر لم ينفع! إلا ما شاء الله تعالى.
стр. 1903
حتى أيقظ الله الأمة لعلم الحديث وعلم الرجال والفضل في ذلك -بعد الله للهند، وأعظمه لدائرة المعارف، كما سيأتي ..
* * *
أما ترتيب التراجم فمعروف، وأجوده طريقة "التهذيب" وفروعه، فإنه على ترتيب حروف الهجاء، باعتبار اسم الراوي بجميع حروفه، وكذا باعتبار اسم أبيه وجده فصاعدا ..
مثاله: إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش، وبعده إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عبيد الله ..
وكذلك يرتب باعتبار النسب، مثاله: إبراهيم بن ميمون الصنعاني، إبراهيم بن ميمون الكوفي، إبراهيم بن ميمون النحاس ..
وإفادة الترتيب سهولة الكشف واضحة، ولكن ثَمَّ فائدة أعظم، وهي التنبيه على ما قد يقع من سقط، أو زيادة، أو تصحيف، أو تحريف ..
مثال السقط:
ما وقع في "التقريب" المطبوع بدلهي سنة (١٣٢٠)، ذكر في المحمدين تراجم من اسمه محمد بن إبراهيم، ثم ذكر بعدها محمد بن كعب الأنصاري، ثم محمد بن أحمد!، وكيف يكون كعب بين إبراهيم وأحمد؟ والصواب كما في "تهذيب التهذيب"، وغيره: محمد بن أبي بن كعب.
مثال الزيادة:
ما وقع في "الميزان" المطبوع بمصر، ذكر في آخر تراجم البكريين: بكر بن يونس، ثم بكر بن الأعنق!! والصواب: بكر الأعنق كما في "لسان الميزان" ...
ومن عادتهم أن من عُرف باسمه ولقبه فقط أن يذكروه آخر الأسماء الموافقة لاسمه.
стр. 1904
وفي "الميزان" بعد بكر هذا: بكر بن بشر! والصواب بكير بن بشر، كما في "اللسان".
وأما التصحيف:
فأمثلته في "الميزان" كثيرة، فمنها: ذكر: إبراهيم بن حميد، ثم إبراهيم بن أبي حنيفة، ثم إبراهيم بن حبان! والصواب: ابن حيان كما في "اللسان" ..
وذكر: إبراهيم بن خيثم، وبعده إبراهيم بن الخضر! وخيثم تصحيف، والصواب: خثيم كما في "اللسان"، بل ليس في الأسماء خيثم، وإنما خثيم وخيثمة ..
وذكر: أصبغ بن محمد، وبعده أصبغ بن بناتة، تصحيف، والصواب: نباتة، كما في "اللسان" ..
وذكر الحارث بن شريح وبعده الحارث بن سعيد، وشريح تصحيف، والصواب: سريج كما في "اللسان" ..
والتحريف:
في الميزان كثير أيضا، فمنه أن فيه: أسامة بن يزيد، وبعده: أسامة بن يزيد الليثي، ثم: أسامة بن سعد، و (يزيد) في الأولين تحريف، والصواب: زيد فيهما، كما في "اللسان"، وغيره ..
وفيه: إسماعيل بن مسلم، وبعده إسماعيل بن سلمة، وسلمة تحريف، والصواب: مسلمة، كما في "اللسان" ..
فهذه الأغلاط الواقعة في "الميزان" المطبوع بمصر نبه عليها ترتيب الأسماء في التراجم كما هو ظاهر، على أنه ربما أخلَّ الذهبي في "الميزان" بالترتيب، ولكن "اللسان" يحول الترجمة المخالفة للترتيب إلى موضعها، وربما أبقاها حيث وقعت في "الميزان" ...
стр. 1905
وضع التراجم:
طريقهم في ذلك أن يذكروا أولًا اسم الراوي، ونسبه، وكنيته، ولقبه، ونسبته إلى قبيلته وبلدته وحرفته، ونحو ذلك مما يميزه عن غيره، فإنه كثيرا ما يشترك الرجلان فأكثر في الاسم واسم الأب، ونحو ذلك، فيخشى الاشتباه ..
ذكر ابن أبي أصيبعة في "عيون الأنباء" أن النضر بن الحارث بن كلدة الثقفي -الذي كان يؤذي النبي ﷺ هو ابن الحارث بن كلدة الثقفي، طبيب العرب!! وتبعه الآلوسي في "بلوغ الأرب" فقال: النضر بن الحارث الثقفي!! وهذا خطأ، فإن الطبيب هو الحارث بي كلدة بن عمرو بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف بن قسي، وقسي هو ثقيف .. والنضر هو بن الحارث بي كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بي النضر، وهو قريش، وقيل فهر هو قريش.
وذكر الفاضل محمد فريد وجدي في "كنز العلوم واللغة" في ترجمة أبي بن كعب الصحابي المشهور أنه ابن كعب الأحبار التابعي المشهور!! وكذا ذكر في ترجمة كعب!! وهذا خطأ، فإن أُبيا هو ابن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، وهو تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج، والخزرج وإخوتهم الأوس. هم الأنصار، وكعب الأحبار هو ابن ماتع الحميري من آل ذي رعين، أو من ذي الكلاع ..
ووقع في بعض كتب الخطيب البغدادي: قرأت على القاضي أبي العلاء الواسطي عن يوسف بن إبراهيم الجرجاني، قال: ثنا أبو نعيم بن عدي، فعمد بعض أفاضل العصر، فكتب بدل "أبو نعيم": "أبو أحمد"!، وكتب على الحاشية ما لفظه: "أبو نعيم أصل، وليس بشيء"! وحاصله أن الصواب: أبو أحمد، لا: أبو نعيم!!
стр. 1906
وهذا خطأ، أوقعه فيه أنه يعرف أبا أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ مؤلف كتاب "الكامل" توفي سنة (٣٦٥)، ولا يعرف أبا نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي الجرجاني الاستراباذي الحافظ المتوفى سنة (٣٢٣) ..
ولِكُلٍّ من الحافظين ترجمة في "تذكرة الحفاظ"، و"أنساب السمعاني"، و"طبقات الشافعية"، و"معجم البلدان"، -جرجان- .. ولأبي نعيم ترجمة في "تاريخ الخطيب".
وكذا ترجم الخطيب ليوسف بن إبراهيم المذكور، فقال: قدم بغداد، وحدث بها عن أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني ... حدثنا عنه القاضي أبو العلاء الواسطي ...
ثم يذكرون مشايخه والرواة عنه، ولذلك فوائد كثيرة:
منها: معرفة مقدار طلبه للعلم ونشره له.
ومنها: أنه كثيرا ما يقع في أسانيد كتب الحديث ونحوها ذكر الاسم -مثلا- بدون ما يتميز به، كأن يقع: محمد بن الصباح الدولابي، عن خالد، [عن خالد] (١) عن محمد، عن أنس.
وطريق الكشف أن تنظر ترجمة الدولابي: تجد في شيوخه خالد بن عبد الله الواسطي الطحان، ثم تنظر في ترجمة الطحان: تجد في شيوخه: خالد بن مهران الحذاء، ثم تنظر ترجمة الحذاء تجد في شيوخه: محمد بن سيرين، ثم تنظر ترجمة ابن سيرين، فتجد في شيوخه أنس بن مالك ..
وإن شئت فابدأ من فوق: فانظر ترجمة أنس بن مالك: تجد في الرواة عنه محمد بن سيرين .. وهكذا.
стр. 1907
ومما وقع لنا في هذا: أننا وجدنا في بعض الكتب التي تُصحح وتُطبع في الدائرة سندا فيه: " .. يحيى بن روح الحراني، قال: سألت أبا عبد الرحمن بن بكار بن أبي ميمونة -حراني من الحفاظ- كان مخلد بن يزيد يسأله .. " فذكر القصة.
وقد كان بعض أفاضل العصر صحح الكتاب، فكتب على قوله: "سألت أبا عبد الرحمن بن بكار بن أبي ميمونة": (كذا)!!
كأنه خشي أن يكون الصواب: سألت أبا عبد الرحمن بكار بن أبي ميمونة -على ما هو الغالب من صنيعهم، أن يذكروا اسم الرجل بعد كنيته- فأردنا أن نحقق ذلك، فلم نجد فيما بين أيدينا من الكتب ترجمة لبكار بن أبي ميمونة! ولا ليحيى بن روح الحراني! ولا وجدنا في الكنى أبا عبد الرحمن بن بكار! فراجعنا بعض مظان القصة، فإذا فيها "أبا عبد الرحمن بكار بن أبي ميمونة"، لكن لم يقنعنا ذلك، ثم انتبهنا إلى ما في القصة أن مخلد بن يزيد كان يسأل هذا الرجل، فقلنا: عسى أن نجد له ذكرا في ترجمة مخلد، فلما نظرنا فيها وجدنا في الرواة عن مخلد: أحمد بن بكار، فأسرعنا إلى ترجمته، فإذا هو ضالتنا، وهو أبو عبد الرحمن أحمد بن بكار بن أبي ميمونة (١) ...
ومنها: دفع شبهة التكرار:
فقد يتوهم في المثال المذكور أن: "عن خالد" الثانية مزيدة تكرارا ..
ومنها: التنبيه على السقط:
كأن يقع في المثال الماضي: "عن خالد" مرة واحدة.
وعلى الزيادة:
كأن يقع فيه: (عن خالد) ثلاث مرات ..
стр. 1908
وعلى التصحيف والتحريف:
كأن يقع فيه (عن حاله) ..
وعلى التقديم والتأخير:
كأن يقع فيه (عن خالد الحذاء، عن خالد الطحان) والصواب عكسه ..
ومنها: أن يعرف تاريخ ولادة صاحب الترجمة وتاريخ وفاته تقريبا إذا لم يعرف تحقيقا.
مثاله: بكير بن عامر البجلي، لم يعلم تاريخ ولادته ولا وفاته، ولكن روى عن قيس بن أبي حازم، وروى عنه وكيع وأبو نعيم، ووفاة قيس سنة ٩٨، ومولد وكيع سنة ١٢٨، ومولد أبي نعيم سنة ١٣٠، وهؤلاء كلهم كوفيون، وقد ذكر ابن الصلاح وغيره أن عادة أهل الكوفة أن لا يسمع أحدهم الحديث إلا بعد بلوغه عشرين سنة، فمقتضى هذا أن يكون عمر بكير يوم مات قيس فوق العشرين، فيكون مولد بكير سنة ٧٨ أو قبلها، ويعلم أن سماع وكيع وأبي نعيم من بكير بعد أن بلغا عشرين سنة، فيكون بكير قد بقي حيا بلى سنة ١٥٠، فقد عاش فوق سبعين سنة. وهناك فوائد أخرى ...
وبذلك يُعلم حسنُ صنيع المزي في "تهذيب الكمال" فإنه يحاول أن يذكر في ترجمة الرجل جميعَ شيوخه، وجميعَ الرواة عنه، ولَنِعْمَ ما صنع، وإن خالفه الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" .. ومن لم يهتد إلى الطريق السابق، وقع في الخطأ ..
ثم يذكرون في الترجمة ما يتعلق بتعديل الرجل أو جرحه مفصلا .. وفائدة ذلك واضحة، وتفصيله يطول. ولكن أذكر أمرا واحدا، وهو: أنهم قد يذكرون في ترجمة الرجل ما يُعلم منه أنه ثقة في شيء دون آخر، كأن يكون مدلسا، فيحتج بما صرح فيه بالسماع فقط، أو يكون اختلط بأخرة، فيحتج بما حدث به قبل الاختلاط فقط، أو يكون سيء الحفظ، فيحتج بما حدث به من كتابه فقط، أو نحو ذلك.
стр. 1909
فربما أخرج البخاري ومسلم أو أحدهما - لبعض هؤلاء من صحيح حديثه، فيقع الوهم لبعض العلماء أن ذلك الرجل ثقة مطلقا بحجة أنه أخرج له صاحب "الصحيح" ..
ثم يذكرون في آخر الترجمة تاريخ ولادة الراوي وتاريخ وفاته ..
ولذلك فوائد كثيرة ذكرها في فتح المغيث (٤٩٠).
ومما وقع لنا مما يتعلق بهذا، أنه وقع في بعض الكتب التي تُصحح وتُطبع في الدائرة سند فيه: " .... أحمد بن محمد بن أبي الموت أبو بكر المكي، قال: قال لنا أحمد بن زيد بن هارون .. "، وقد كتب عليه بعض الأفاضل ما معناه: "الصواب: أحمد عن يزيد بن هارون، وأحمد هو الإمام ابن حنبل، ويزيد بن هارون الواسطي الحافظ المشهور"!!
وإنما حمله على هذا أنه لم يجد ترجمة لأحمد بن زيد بن هارون، وهكذا نحن، فقد جهدنا أن نظفر له بترجمة في الكتب التي بين أيدينا فلم نجد، ولكننا مع ذلك نعلم أن ما كتبه ذلك الفاضل خطأ؛ لأن أحمد توفي سنة ٢٤١، وابن أبي الموت له ترجمة في "لسان الميزان"، وفيها ما لفظه: "وأرخ ابن الطحان في "ذيل الغرباء" وفاته في ربيع الآخر سنة ٣٥١ بمصر، وعاش تسعين سنة"، فعلى هذا يكون مولده سنة ٢٦٠، أي: بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل بنحو عشرين سنة، فكيف يحمل قوله: "قال لنا أحمد"، على الإمام أحمد بن حنبل؟؟ ..
هذا، ومن المؤلفات في علم الرجال ما هو خاص بالأنساب، كـ"أنساب السمعاني"، وهو حقيقٌ بأن يُطبع (١)؛ فإن النسخة التي طُبعت بالتصوير في أوربا كثيرة التصحيف والتحريف، مع تعليق الخط وغير ذلك .. وفائدته عظيمة، ولا سيما في أنساب الرجال الذين لا توجد تراجمهم في الكتب المطبوعة ..
стр. 1910
وكثيرا ما يستفاد منه في غير الأنساب ..
ومن غريب ذلك أنه تكرر في "المستدرك" و"سنن البيهقي" ذكر الحسن بن محمد ابن حليم المروزي! فتارة تأتي هكذا وتارة يقع: ابن حكيم!، وبعد أن كدنا نيأس من تصحيحه، قلنا: قد يجوز أن يكون ربما نُسب إلى الجد المشتبه فيقال: الحليمي، أو: الحكيمي، فراجعنا "الأنساب"، فإذا به ذكره في "الحليمي" باللام، وذكر أنه منسوب إلى جده "حليم" ..
ومن الكتب ما يكون خاصا بالمشتبه، والمطبوع منها كـ"المؤتلف والمختلف" لعبد الغني، و"المشتبه" للذهبي غير واف بالمقصود.
وقد قررت الدائرة طبع كتاب "الإكمال" لابن ماكولا (١)، وهو أهم الكتب في هذا الشأن.
ولابن حجر كتاب "تبصير المنتبه"، هذب فيه كتاب "المشتبه" للذهبي، وسد ما فيه من الخلل، وزاد زيادات مهمة، وفيه أشياء ليست في "الإكمال"، وفي المكتبة الآصفية نسخة منه جيدة، وهو حري بأن يطبع (٢)، وقد استفدنا منه كثيرا ..
ومن الغريب في ذلك: أنه تكرر في "سنن البيهقي" ذكر أبي محمد أبي الشيخ عبد الله ابن محمد بن حيان الأصبهاني، فيقع تارة (حيان)، وتارة (حبان)! فنظرنا في "التبصير" فوجدناه عدد (حَبان) و (حِبان) وغيرهما مما يقع على هذه الصورة، إلا (حيان)، فإنه تركه اعتمادا على أن كل ما وقع على هذه الصورة مما لم يذكره فهو (حيان)، كعادته في أمثال ذلك!! وهذا وإن كان كافيا لحصول الظن، ولكن لم نقنع به، ثم قلنا فيه: يجوز أن يكون ربما نسب إلى جده هذا؟ فنظرنا في (مشتبه النسبة) من "التبصير" فإذا هو فيه (الحياني)، ذكره في حرف الجيم مع الجبائي ..
стр. 1911
ومن الكتب ما يختص بالكنى، وهو مهم لمعرفة ضبط الكنية، فإنها تقع في الكتب مصحفة ومحرفة: أبو سعد وأبو سعيد، أبو الحسن وأبو الحسين، أبو عبد الله وأبو عبيد الله.
والعالم محتاج إلى جميع كتب الرجال، لأنه يجد في كل منها ما لا يجده في غيره، وإن لم يكن عنده إلا بعضها فكثيرا ما يبقى بحسرته، وكثيرا ما يقع في الخطأ ..
زعم بعض علماء العصر أن الحديث الذي في "صحيح مسلم" عن أبي وائل، عن أمير المؤمنين علي -كرم الله وجهه- في تسوية القبور ضعيف، لأن أبا وائل هو عبد الله بن بحير بن ريسان القاص، قد جرحه العلماء!! كأن هذا العالم نظر في فصل الكنى من "الميزان"، وليس فيه أبو وائل إلا واحد، هو عبد الله بن بحير، فرجع إلى ترجمته من "الميزان" ونقل كلام الأئمة فيه، ولم ينظر أنه ليس عليه علامة مسلم!! والحديث في صحيح مسلم كما علم، وإنما عليه علامة أبي داود والترمذي وابن ماجه، ولا نظر أنه لم يذكر لعبد الله بن بحير رواية إلا عن أوساط التابعين، وأبو وائل الذي في الحديث يرويه عن أمير المؤمنين علي -كرم الله وجهه-! ولو ظفر هذا العالم بـ "التقريب" أو"الخلاصة" أو"تهذيب التهذيب" لوجد في فصل الكنى: أبا وائل آخر، هو شقيق بن سلمة، تابعي كبير مخضرم، روى عن الخلفاء الأربعة وغيرهم، وأخرج له البخاري ومسلم وغيرهما، واتفق الأئمة على توثيقه، ولذلك لم يذكر في "الميزان"؛ لأن الميزان خاص بمن تكلم فيه ..
وأغرب من هذا ما وقع في (مجلة المنار)، رأيت في بعض أجزائها القديمة ذكر كلام ابن حزم في ترتيب كتب الحديث -أظنه نقله من"تدريب الراوي"- ووقع في العبارة: "وكتاب ابن المنذر" فكتب في حاشية المجلة: "ابن المنذر: إبراهيم وعلي" كأنه نظر فصل الأبناء من "الخلاصة" فوجد فيه ذلك!!
стр. 1912
وإبراهيم بن المنذر وعلي بن المنذر لم يذكر لأحدهما كتاب، وإنما "ابن المنذر" في عبارة ابن حزم هو الإمام محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، صاحب التصانيف وتوفي سنة ٣١٨، ولم يذكر في "الخلاصة" لأنه لم يرو عنه أحد الأئمة الستة لتأخره، وهو مترجم في "تذكرة الحفاظ" و"الميزان" و"لسانه" و"طبقات الشافعية"، وغيرها ... ". اهـ. ما أردت إيراده هنا من كلام العلامة المعلمي في هذه المحاضرة، وتبقى بعض القوائم الخاصة بكتب الرجال.
* * *
стр. 1913
الفصل الأول: قواعد النظر في كتب الفن لتعيين الرواة والبحث عن أحوالهم والحكم عليهم .
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: منهج النظر في كتب تراجم الرجال
١ - قال الشيخ المعلمي في "القاعدة السادسة" من قسم القواعد من "التنكيل": "كيف البحث عن أحوال الرواة ؟
من أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل؛ للبحث عن حالِ رجلٍ وقع في سندٍ، فعليه أن يراعيَ أمورًا:
الأول:
إذا وجد ترجمةً بمثلِ ذاك الاسم، فليتثبت، حتى يتحققَ أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل؛ فإن الأسماء كثيرًا ما تشتبه، ويقع الغلط والمغالطة فيها، كما يأتي في الأمر الرابع. وراجع "الطليعة" (ص ١١ - ٤٣) ".
قال أبو أنس:
في الموضع المشار إليه من "الطليعة"، وهو النوع الأول: اثنا عشر مثالا على هذا الأمر، أكتفي هنا -لمناسبة المقام- بإيراد المثال الأول منها؛ لكونه مستوفيا لكثير من الفوائد المتعلقة بهذا المبحث، فأقول:
стр. 1914
قال الشيخ المعلمي:
"صالح بن أحمد: قال الخطيب في "التاريخ" (١٣/ ٣٩٤): "أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ حدثنا القاسم بن أبي صالح، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: سمعت سفيان بن عيينة ... ".
تكلم الأستاذ -يعني الكوثري- في هذه الرواية (ص ٩٧) من "التأنيب" فقال:
"في سنده صالح بن أحمد التميمي، وهو ابن أبي مقاتل، القيراطي، هروي الأصل، ذكر الخطيب عن ابن حبان أنه كان يسرق الحديث ... والقاسم بن أبي صالح الحذَّاء ذهبت كتبه بعد الفتنة، فكان يقرأ من كتب الناس، وكُفَّ بصرُه كما قاله العراقي، ونقله ابن حجر في "لسان الميزان" ... ".
أقول -المعلمي-:
أما صالح، فهو صالح بن أحمد، وهو موصوف في السند نفسه بأنه:
١ - تميمي.
٢ - وحافظ.
٣ - ويظهر أنه همذاني؛ لأن شيخه والراوي عنه همذانيان.
٤ - ويروي عن القاسم بن أبي صالح.
٥ - ويروي عنه محمد بن عيسى بن عبد العزيز.
٦ - وينبغي بمقتضى العادة ألا (١) يكون توفي بعد القاسم بمدة.
стр. 1915
٧ - وينبغي بمقتضى العادة أن لا يكون بين وفاته ووفاة الراوي عنه مدة طويلة مما يندر مثله.
وهذه الأوجه كلها منتفية في حَقِّ القيراطي؛ فلم يُوصف بأنه تميمي، ولا بأنه حافظ -وإن قيل كان يُذكر بالحفظ، فإن هذا لا يستلزم أن يُطلَق عليه لقب "الحافظ"- ولم يُذكر أنه همذاني، بل ذكروا أنه هروي الأصل سكن بغداد (١)، ولم تُذكر له رواية عن القاسم (٢).
ولا لمحمد بن عبد العزيز رواية عنه (٣).
والظاهر أنه جيء به إلى بغداد طفلا، أو ولد بها؛ فإن في ترجمته من "تاريخ بغداد" ذكر جماعة من شيوخه، وكلهم عراقيون من أهل بغداد والبصرة ونواحيها، أو ممن ورد على بغداد، وسماعه منه قديم، فمن شيوخه البغدادين: يعقوب الدورقي المتوفى سنة ٢٥٢، ويوسف بن موسى القطان المتوفى سنة ٢٥٣، ومن البصريين: محمد بن يحيى بن أبي حزم القِطَعي المتوفى سنة ٢٥٣.
وصرح الخطيب في ترجمة: فضلك الرازي بأن ابن أبي مقاتل بغدادي، فلا شأن له من جهة السماع بهمذان ولا بهراة، وكانت وفاته سنة ٣١٦ هـ، أي قبل وفاة
стр. 1916
القاسم باثنين وعشرين سنة، وقبل وفاة محمد بن عيسى بن عبد العزيز بمائة وأربع عشرة سنة.
ومن اطَّلَعَ على "التأنيب" وغيره من مؤلفات الأستاذ -الكوثري- علم أنه لم يُؤْتَ من جهلٍ بطريق الكشف عن تراجم الرجال الواقعين في الأسانيد، ومعرفة كيف يعلم انطباق الزجمة على المذكور في السند من عدم انطباقها، ولا من بُخْلٍ بالوقت، ولا سآمة للتفتيش، فلابد أن يكون قد عرف أكثر هذه الوجوه -إن لم نقل جميعها- وبذلك عَلم لا محالة أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس بالقيراطي، فيحمله ذلك على مواصلة البحث، فيجد في "تاريخ بغداد" نفسه في الصفحة اليسرى التي تلت الصفحة التي فيها ترجمة القيراطي، وقد نقل الكوثري منها، سيجد ثمة رجلا آخر:
"صالح بن أحمد بن محمد أبو الفضل (١)، التميمي، الهمذاني، قدم بغداد، وحدث بها عن ... والقاسم بن بندار (وهو القاسم بن أبي صالح كما في ترجمته من "لسان الميزان" وقد نقل الأستاذ عنها) ... وكان حافظًا فهمًا ثقة ثبتًا ... ".
ولهذا الحافظ ترجمة في "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٨١) وفيها في أسماء شيوخه: "القاسم بن أبي صالح"، وفيها ثناء أهل العلم عليه، وفيها أن وفاته سنة ٣٨٤، وذكره ابن السمعاني في "الأنساب" الورقة ٥٩٢، وذكر في الرواة عنه: "أبا الفضل محمد بن عيسى البزاز"، وإذ كانت وفاة الحافظ سنة ٣٨٤، فهي متأخرة عن وفاة القاسم بست وأربعين سنة، ومتقدمة على وفاة محمد بن عيسى بست وأربعين سنة، ومثل هذا يكثر في الفرق بين وفاة الرجل ووفاة شيخه ووفاة الراوي عنه.
فاتضح يقينًا أن هذا الحافظ الفهم الثقة الثبت هو الواقع في السند.
стр. 1917
وقد عرف الكوثري هذا حق المعرفة، والدليل على ذلك:
أولًا: ما عرفناه من معرفته وتيقظه.
ثانيًا: أن ترجمة التميمي قريبة من ترجمة القيراطي التي طالعها الكوثري.
ثالثًا: أن من عادة الكوثري -كما يُعلم من "التأنيب"- أنه عندما يريد القدح في الراوي، يتتبع التراجم التي فيها ذلك الاسم واسم الأب فيما تصل إليه يده من الكتب، ولا يكاد يقنع بترجمة فيها قدح، لطمعه أن يجد أخرى فيها قدح أشفى لغيظه.
رابعًا: في عبارة الكوثري: "والقاسم بن أبي صالح الحذاء، ذهبت كتبه بعد الفتنة، وكان يقرأ من كتب الناس، وكُفَّ بصره، قاله العراقي، ونقله ابن حجر في "لسان الميزان".
والذي في "لسان الميزان" (٤/ ٤٦٠):
" (ز) - قاسم بن أبي صالح بندار الحذاء ... روى عنه إبراهيم بن محمد بن يعقوب وصالح بن أحمد الحافظ ... قال صالح: كان صدوقًا متقنًا، وكتبه صحاح بخطه، فلما وقعت الفتنة ذهبت عنه كتبه، فكان يقرأ من كتب الناس، وكُفَّ بصرُه، وسماع المتقدمين عنه أصح".
وحرف (ز) أول الترجمة إشارة إلى أنها من زيادة ابن حجر، كما نَبَّه عليه في خطبة "اللسان"، وذكر هناك أن لشيخه العراقي ذيلا على "الميزان"، وأنه إذا زاد ترجمة في "اللسان" فما كان من ذيل شيخه العراقي جعل في أول الترجمة حرف (ذ)، وما كان من غيره جعل حرف (ز)، فعلم من هذا أن ترجمة القاسم من زيادة ابن حجر نفسه، لا من ذيل العراقي.
وهَبْ أن الكوثري وهم في هذا، فالمقصود هنا أن الذي في الترجمة من الكلام في القاسم هو من كلام الراوي عنه: صالح بن أحمد الحافظ، فلماذا دَلَّس الكوثري النقل، وحرّفه، ونسبه إلى العراقي؟
стр. 1918
الجواب واضح: وهو أن الكوثري خشي إن نسب الكلام إلى صالح بن أحمد الحافظ، أن يتنبه القارىء، فيفهم أن صالح بن أحمد الحافظ هذا هو الواقع في سند الخطيب، وليس هو القيراطي لوجهين:
الأول: أن القيراطي مطعون فيه، فلم يكن الحفاظ ليعتدوا بكلامه في القاسم، وكذلك الكوثري لم يكن ليعتد بكلام القيراطي.
الثاني: أن كلام صالح في الترجمة يدل أنه تأخر بعد القاسم، والقيراطي توفي قبل القاسم باثنتين وعشرين سنة، وبهذا يتبين أيضًا أن الكلام في القاسم لا يضره بالنسبة إلى رواية الخطيب، لأنها من رواية صالح بن أحمد الحافظ نفسه عنه، وهو المتكلم فيه، فلم يكن ليروي عنه إلا ما سمعه منه من أصوله قبل ذهابها.
فأعرض الكوثري لهذين الغرضين عن صالح بن أحمد الحافظ، ونسب كلامه إلى العراقي، وحذف من العبارة ما فيه ثناء القاسم (١)، وهذه عادة له ستأتي أمثلة منها إن شاء الله تعالى.
والمقصود هنا إثبات أن الكوثري قد عرف يقينًا أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس هو بالقيراطي، بل هو ذاك الحافظ الفهم الثبت، ولكن كان الكوثري مضطرًا إلى الطعن في تلك الرواية، ولم يجد في ذاك الحافظ مغمزًا، ووقعت بيده ترجمة القيراطي المطعون فيه، وعرف أن هذا الفن أصبح في غاية الغربة، فغلب على ظنه أنه إذا زعم أن الواقع في السند هو القيراطي، لا يرد ذلك عليه أحد، فأما الله ﵎ فله معه حساب آخر، والله المستعان". اهـ.
стр. 1919
ثم ترجم الشيخ المعلمي لـ "صالح بن أحمد" في "التنكيل" رقم (١٠٩) وفيها:
"لما كانت قضية صالح بن أحمد وما معها أول انتقاد أتى في "الطليعة"، رأى الأستاذ أنه لا يجدر به السكوت عليها مهما كَلَّفَهُ الكلام من التعسف والتعجرف ... ذكر الأستاذ في "الترحيب" (ص ٢٦) أنه قد سبقه إلى القول بأن صالح بن أحمد الواقع في السند هو القيراطي: الملك عيسى، واللجنة الأزهرية التي عَلَّقَتْ على الطبعة الثانية للمجلد الثالث عشر من "تاريخ بغداد".
فأقول: أما أنا فلم أكن وقفت على ذلك، وليس للأستاذ في ذلك عذر؛ إذ ليس هو ممن يقلد مثل من ذكره في هذه المواضع، وكلامه يدل على أنه لم يقلد، بل بحث ونظر، فغاية الأمر أن يكون جرَّأَهُ الغلط على التغالط ...
ثم قال الأستاذ في "الترحيب" (ص ٢٨):
"ومع هذا لا مانع من قبول تحقيق الأستاذ اليماني في عدّ صالح بن أحمد في السند هو الموثَّق مُقَدِّرًا بحثه ... ".
ثم عاد فأقام الحجة على أن في نفسه مانعًا أيَّ مانع فقال:
"على أن صالح بن أحمد المضعَّف ... "!!!
قال أبو أنس:
انتهى ما في المثال الأول من النوع الأول من الطليعة، ونعود إلى الأمر الثاني الذي ذكر الشيخ المعلمي أن يُراعَى لمن أحب أن ينظر في كتب الجرح والتعديل للبحث عن أحوال الرجال.
قال المعلمي:
الثاني:
ليستوثق من صحة النسخة، وليراجع غيرها إذا تيسر له؛ ليتحقق أن ما فيها ثابت عن مؤلف الكتاب، راجع "الطليعة" (ص ٥٥ - ٥٩).
стр. 1920
قال أبو أنس:
في النوع الثالث من مغالطات الكوثري ومجازفاته من الطليعة:
"اهتبال التصحيف أو الغلط الواقع في بعض الكتب إذا وافق غرضه".
ذكر الشيخ المعلمي لذلك أمثلةً منها مثال يتعلق بسنة ميلاد أبي عوانة الوضاح ابن عبد الله اليشكري، وإدراكه للحسن البصري ومحمد بن سيرين، ورؤيتهما، وحفظه بعض أحوالهما.
قال المعلمي:
"أبو عوانة الوضاح بن عبد الله، اتفق الأئمة على الثناء عليه، والاحتجاج بروايته، وأخرج له الشيخان في "الصحيحين" أحاديث كثيرة، ويأتي بعض ثناء الأئمة عليه في ترجمته من "التنكيل".
وصح أنه أدرك الحسن البصري وابن سيرين وحفظ بعض أحوالهما، قال البخاري في ترجمته من "التاريخ" (٤ / ق ٣/ ١٨١): "سمع الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي سليمان وقتادة ... قال لنا عبد الله بن عثمان: أخبرنا يزيد بن زريع، قال: أخبرنا أبو عوانة، قال: رأيت محمد بن سيرين في أصحاب السكر، فكلما رآه قوم ذكروا الله. وقال لنا موسى بن إسماعيل: قال لي أبو عوانة: كل شيء حدثتك فقد سمعته" يعني أنه لا يدلس، ولا يروي عمن لم يسمع منه.
وقال ابن سعد في "الطبقات" (٧ / ق ٣/ ٤٣): "أخبرنا هشام أبو الوليد الطيالسي، قال: حدثنا أبو عوانة، قال: رأيت الحسن بن أبي الحسن يوم عرفة خرج من المقصورة فجلس في صحن المسجد، وجمع الناس حوله".
стр. 1921
وهذه الأسانيد بغاية الصحة، وفي "الصحيحين" من رواية أبي عوانة عن قتادة أحاديث، كحديث: "ما من مسلم يغرس غرسًا ... " وحديث: "من نسي الصلاة ... " وحديث: "تسحروا فإن في السحور بركة".
وأخرج له مسلم في "صحيحه" من حديثه عن الحكم بن عتيبة كما ذكره المزيّ في "تهذيبه".
ووفاة الحسن وابن سيرين سنة (١١٠)، والحكم سنة (١١٥)، وقتادة سنة (١١٧)، وحماد سنة (١٢٠)، وقيل قبلها، وذكر ابن حبان في ترجمة قتادة من "الثقات" وفاته سنة (١١٧)، وذكر في ترجمة أبي عوانة روايته عن قتادة ثم قال في أبي عوانة: "وكان مولده سنة اثنتين وتسعين، ومات في شهر ربيع الأول سنة ست وسبعن ومائة".
هكذا في النسخة المحفوظة في المكتبة الآصفية في حيدرآباد الدكن تحت رقم (١ - ٤) من فن الرجال، المجلد الثالث، الورقة (٢١٨)، الوجه الأول، ومثله في نسخة أخرى جيدة محفوظة في المكتبة السعيدية بحيدرآباد.
وكانت عند الحافظ ابن حجر في "ثقات ابن حبان" نسخة يشكو في كتبه من سقمها، قال في "تهذيب التهذيب" (٨/ ٤٠٣): " ... ذكره ابن حبان في "الثقات" ... وقال: روى عنه حبيب، كذا في النسخة، وهي سقيمة". وقال في "لسان الميزان" (٢/ ٤٤٢) "رافع بن سلمان ... ذكره ابن حبان في "الثقات"، لكن وقع في النسخة - وفيها سقم ... رافع بن سنان".
فوقع في تلك النسخة السقيمة تخليط في ترجمة أبي عوانة، فذكره ابن حجر في "تهذيب التهذيب" وبيّن أنه خطأ قطعًا، ومع ذلك ففي عبارة ابن حجر تخليط في النسخة من "تهذيب التهذيب" المطبوع، ففيه (١١/ ١١٨):
"وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان مولده سنة اثنتين وعشرين ومائة، وقال: هو خطأ للشك فيه لأنه صح أنه رأى ابن سيرين ... "، وقوله: "وقال هو خطأ
стр. 1922
للشك فيه" صوابه والله أعلم: "كذا قال: وهو خطأ لا شك فيه"، وقد علمت أن البلاء من نسخة "الثقات" التي كانت عند ابن حجر.
وليس الكوثري ممن يخفى عليه هذا، ولا ما هو أخفى منه، لكنه كان محتاجًا إلى الطعن في أبي عوانة ظلمًا وعدوانًا، فقال (ص ١١٨) في أبي عوانة: "فعلى تقدير ولادته سنة ١٢٢ كما هو المشهور -كذا- لا تصح رؤيته للحسن ولا لابن سيرين ... "!!!. اهـ.
الثالث:
إذا وجد في الترجمة كلمة جرح أو تعديل منسوبة إلى بعض الأئمة، فلينظر: أثابتة هي عن ذاك الإمام أم لا؟ راجع "الطليعة" (ص ٧٨ - ٨٦) (١).
الرابع:
ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة؛ فإن الأسماء تتشابه، وقد يقول المحدث كلمة في راوٍ، فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك، وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه، ويخطىء بعض من بعده فيحملها على آخر.
ففي الرواة: "المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي" و"المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي" و"المغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي".
حكى عباس الدوري عن يحيى بن معين توثيق الأول، وتضعيف الثالث.
فحكى ابن أبي حاتم عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني، ووهَّمَهُ المزي، ووثق أبو داود الثالث، وضعف الأول، فذُكِرَت له حكاية الدوري عن ابن معين، فقال: غلط عباس.
стр. 1923
وفي الرواة: "محمد بن ثابت البناني" و"محمد بن ثابت العبدي" وغيرهما، فحكى ابن أبي حاتم عن ابن أبي خيثمة عن ابن معين أنه قال في الأول: "ليس بقوي ... " وذى ابن حجر أن الذي في "تاريخ ابن أبي خيثمة" حكاية تلك المقالة في الثاني، وحكى عثمان الدارمي عن ابن معين في الثاني أنه ليس به بأس، وحكى معاوية بن صالح عن ابن معين أنه يُنكَر على الثاني حديث واحد، وحكى الدوري عن ابن معين أنه ضعف الثاني، قال الدوري: "فقلت له: أليس قد قلت مرة: ليس به بأس؟ قال: ما قلت هذا قط".
وفي الرواة: "عمر بن نافع مولى ابن عمر" و"عمر بن نافع الثقفي"، حكى ابن عدي في ترجمة الأول عن ابن معين أنه قال: "ليس حديثه بشيء"، فزعم ابن حجر أن ابن معين قالها في الثاني.
وفي الرواة: "عثمان البتي" و"عثمان البري"، حكى الدوري عن ابن معين في الأول: "ثقة"، وحكى معاوية بن صالح عنه فيه: "ضعيف"، قال النسائي: "وهذا عندي خطأ، ولعله أراد عثمان البري".
وفي الرواة: "أبو الأشهب جعفر بن حيان" و"أبو الأشهب جعفر بن الحارث"، وثق الإمام أحمد الأول، فحكى ابن شاهين ذلك في الثاني - كما في نبذة من كلامه طبعت مع "تاريخ جرجان"، وضعف جماعةٌ الثاني، فحكى ابن الجوزي كلماتهم في ترجمة الأول.
وفي الرواة: "أحمد بن صالح ابن الطبري الحافظ" و"أحمد بن صالح الشمومي"، حكى النسائي عن معاوية بن صالح عن ابن معين كلامًا، عده النسائي في الأول، فذكر ابن حبان: إنما قاله ابن معين في الثاني.
وفي الرواة: "معاذ بن رفاعة الأنصاري" و"معان بن رفاعة السلامي"، نقل الناس عن الدوري أنه حكى عن ابن معين أنه قال في الثاني -وهو معان-: "ضعيف"،
стр. 1924
ونقل أبو الفتح الأزدي، عن عباس، أنه حكى عن ابن معين، أنه قال في الأول -وهو معاذ-: "ضعيف"، فكأنه تصحف على الأزدي.
وفي الرواة: "القاسم العمري" وهو ابن عبد الله بن عمر بن حفص، و"القاسم المعمري" وهو ابن محمد، فحكى عثمان الدارمي عن ابن معين أنه قال: "قاسم المعمري كذاب خبيث"، قال الدارمي: "وليس كما قال يحيى".
والمعمري قد وثقه قتيبة أما العمري فكذبه الإمام أحمد، وقال الدوري عن ابن معين: "ضعيف ليس بشيء"، فيشبه أن يكون ابن معين إنما قال: "قاسم العمري كذاب خبيث"، فكتبها عثمان الدارمي، ثم بعد مدة راجعها في كتابه، فاشتبه عليه، فقرأها "قاسم المعمري ... ".
وفي الرواة: "إبراهيم بن أبي حرة" و"إبراهيم بن أبي حية"، روى ابن أبي حاتم من طريق عثمان الدارمي عن ابن معين توثيق الثاني، ومن تدبر الترجمتين كاد يجزم بأن هذا غلط على ابن معين، وأنه إنما وثق الأول.
وحكى أبو داود الطيالسي قصة لـ"أبي الزبير محمد بن مسلم بن تَدْرُسْ المكي" وحكى هو عن شعبة قصة نحو تلك لـ"محمد بن الزبير التميمي البصري".
وأخشى أن يكون الطيالسي وهم في أحدهما.
وذكر ابن أبي خيثمة في كلامه في "فطر بن خليفة" ما لفظه: "سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت فطرًا لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان".
وذكر هو في كلامه في: "فضيل بن عياض": "سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت حديث فضيل؛ لأنه روى أحاديث فيها إزراء على عثمان".
وأخشى أن تكون كلمة قطبة إنما هي في فطر فحكاها ابن أبي خيثمة مرة على الصواب، ثم تصحفت عليه "فطر" بفضيل، فحكاها في فضيل بن عياض.
стр. 1925
وحكى محمد بن وضاح القرطبي، أنه سأل ابن معين عن "الشافعي" فقال: "ليس بثقة"، فحكاها ابن وضاح في الشافعي الإمام، فزعم بعض المغاربة أن ابن معين إنما قالها في: "أبي عبد الرحمن أحمد بن يحيى بن عبد العزيز الأعمى المشهور بالشافعي" فإنه كان ببغداد، وابن وضاح لقي ابن معين ببغداد، فكأنه سأل ابن معين عن الشافعي -يريد ابنُ وضاح الإمامَ- فظن ابنُ معين أنه يريد أبا عبد الرحمن؛ لأنه كان حيًا معهما في البلد.
وفي ترجمة: والد أبي عبد الرحمن من "التهذيب" أن ابن معين قال: "ما أعرفه، وهو والد الشافعي الأعمى".
الخامس:
إذا رأى في الترجمة: "وثقه فلان" أو"ضعفه فلان" أو"كذبه فلان"، فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: "هو ثقه" أو "هو ضعيف" أو "هو كذاب".
ففي "مقدمة الفتح" في ترجمة: إبراهيم بن سويد بن حيان المدني: "وثقه ابن معين وأبو زرعة"، والذي في ترجمته من "التهذيب": "قال أبو زرعة: ليس به بأس"، وفي "المقدمة" في ترجمة: إبراهيم بن المنذر الحزامي: "وثقه ابن معين ... والنسائي"، والذي في ترجمته من "التهذيب":
"قال عثمان الدارمي: رأيت ابن معين كتب عن إبراهيم بن المنذر أحاديث ابن وهب، ظننتها المغازى، وقال النسائي ليس به بأس".
وفي "الميزان" و"اللسان" في ترجمة: معبد بن جمعة: "كذبه أبو زرعة الكشي" وليس في عبارة أبي زرعة الكشي ما يعطي هذا، بل فيها أنه: "ثقة في الحديث" وقد شرحت ذلك في ترجمة معبد من قسم التراجم.
стр. 1926
السادس:
أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره، وربما يخل ذلك بالمعنى، فينبغي أن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافًا، بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها.
السابع:
قال ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٧):
"وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكين ومخارجها ... (١).
فمن ذلك أن الدوري قال [: سئل ابن معين عن محمد بن إسحاق، فقال: ثقة، فحكى غيره] (٢) عن ابن معين، أنه سئل عن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق وليس بحجة.
ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك: يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس، وسئل عن عُقيل وزمعة بن صالح، فقال: عُقيل ثقة متقن، وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت، وجرحه في وقت آخر ... ".
أقول: وكذلك ما حكوه من كلام مالك في ابن إسحاق، إذا حكيت القصة على وجهها، تبين أن كلمة مالك فلتة لسان عند سورة غضب، لا يقصد بها الحكم.
стр. 1927
وكذلك ما حكوه عن ابن معين أنه قال لشجاع بن الوليد: "يا كذاب"، فحملها ابن حجر على المزاح.
ومما يدخل في هذا أنهم قد يضعفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه، أو إلى بعض الرواة عنه، أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه، أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه، وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك.
فإسماعيل بن عياش ضعفوه فيما روى عن غير الشاميين، وزهير بن محمد ضعفوه فيما رواه عنه الشاميون.
وجماعة آخرون ضعفوهم في بعض شيوخهم، أو فيما رووه بعد الاختلاط، ثم قد يُحْكَى التضعيف مطلقًا، فيتوهم أنهم ضعفوا ذلك الرجل في كل شيء.
ويقع نحو هذا في التوثيق، راجع ترجمة: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، قال أحمد مرة: ثقة، وكذا قال ابن معين، ثم بَيَّن كلٌ منهما مرة أنه اختلط، وزاد ابن معين، فَبَيَّنَ أنه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه، غير صحيح الحديث عنهم.
ومن ذلك: أن المحدث قد يُسأل عن رجلٍ، فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله، ثم قد يَسمع له حديثًا، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث، ثم قد يسمع له حديثًا آخر، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في هذا الحديث الثاني، فيظهر بين كلامه في هذه المواضع بعض الاختلاف، وقع مثل هذا للدارقطني في "سننه" وغيرها -وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم- وقد يُنقل الحكم الثاني أو الثالث وحده، فيتوهم أنه حكم مطلق.
الثامن:
ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له، وتمكنت معرفتهم به.
стр. 1928
بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة، وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه، ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه.
ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى، وعمن روى، ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا.
والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي، وآخرون غيرهما، يوثقون من كان من التابعين أو اتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة، بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد.
فممن وثقه ابن معين من هذا الضرب:
الأسقع بن الأسلع، والحكم بن عبد الله البَلَوِي، ووهب بن جابر الخَيْواني وآخرون.
وممن وثقه النسائي:
رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون.
وقد روى العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين.
وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وَبَرةَ، عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية، فوثقه ابن معين، مع أن الحديث غريب، وله علل أخرى راجع "سنن البيهقي" (٣/ ٢٤٨).
стр. 1929
ومن الأئمة من لا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حتى يطلع على عدة أحاديث له، تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي.
وهذا كله يدل على أن جُلَّ اعتمادِهم في التوثيق والجرح إنما هو على سَبْرِ حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٤) واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي، فوجدها مستقيمة، تدل على صدقٍ وضبطٍ، ولم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه، وَثَّقَهُ، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره.
وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا، فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغداد شيخٌ، فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سُئل عن الشيخ، وَثَّقَهُ، وقد يتفق أن يكون الشيخُ دجالا، استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك، أو يخلط بعد ذلك.
ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس"، فَحُكِيَ له عنه أحاديثُ تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيمًا".
وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" (١)، وقد كذبه أحمد، وقال: "أحاديثه موضوعة"، وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة".
стр. 1930
وهكذا يقع في التضعيف، ربما يجرح أحدهم الراوي لحديثٍ واحدٍ استنكره، وقد يكون له عذر.
ورد ابنُ معين مصر، فدخل على عبد الله بن الحكم، فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان، وعَدَّ جماعةً، روى عنهم قصة، فقال ابن معين: "حدثك بعض هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟ " فقال: "لا، حدثني جميعهم بجميعه، فراجعه فأصر، فقام يحيى وقال للناس: يكذب ".
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلا منهم حدثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز، ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلا منهم حدثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذبه في ذلك، وقد أساء الساجي إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: "كذبه ابن معين".
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى، فقال: "من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟! "، وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا فقام، فقال: "هو ذا أنا"، فتبسم يحيى وقال: "أما إنَّك لست بكذاب ... ".
وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان: "ضعيف مضطرب الحديث"، فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة، فقال: "ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة ... والغلط فيه من غير إبراهيم".
التاسع:
ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد.