السادس:
أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره، وربما يخل ذلك بالمعنى، فينبغي أن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافًا، بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها.
السابع:
قال ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٧):
"وينبغي أن يتأمل أيضًا أقوال المزكين ومخارجها ... (١).
فمن ذلك أن الدوري قال [: سئل ابن معين عن محمد بن إسحاق، فقال: ثقة، فحكى غيره] (٢) عن ابن معين، أنه سئل عن إسحاق وموسى بن عبيدة الربذي: أيهما أحب إليك؟ فقال: ابن إسحاق ثقة، وسئل عن محمد بن إسحاق بمفرده، فقال: صدوق وليس بحجة.
ومثله أن أبا حاتم قيل له: أيهما أحب إليك: يونس أو عقيل؟ فقال: عقيل لا بأس به، وهو يريد تفضيله على يونس، وسئل عن عُقيل وزمعة بن صالح، فقال: عُقيل ثقة متقن، وهذا حكم على اختلاف السؤال، وعلى هذا يحمل أكثر ما ورد من اختلاف أئمة الجرح والتعديل ممن وثق رجلا في وقت، وجرحه في وقت آخر ... ".
أقول: وكذلك ما حكوه من كلام مالك في ابن إسحاق، إذا حكيت القصة على وجهها، تبين أن كلمة مالك فلتة لسان عند سورة غضب، لا يقصد بها الحكم.
стр. 1927
وكذلك ما حكوه عن ابن معين أنه قال لشجاع بن الوليد: "يا كذاب"، فحملها ابن حجر على المزاح.
ومما يدخل في هذا أنهم قد يضعفون الرجل بالنسبة إلى بعض شيوخه، أو إلى بعض الرواة عنه، أو بالنسبة إلى ما رواه من حفظه، أو بالنسبة إلى ما رواه بعد اختلاطه، وهو عندهم ثقة فيما عدا ذلك.
فإسماعيل بن عياش ضعفوه فيما روى عن غير الشاميين، وزهير بن محمد ضعفوه فيما رواه عنه الشاميون.
وجماعة آخرون ضعفوهم في بعض شيوخهم، أو فيما رووه بعد الاختلاط، ثم قد يُحْكَى التضعيف مطلقًا، فيتوهم أنهم ضعفوا ذلك الرجل في كل شيء.
ويقع نحو هذا في التوثيق، راجع ترجمة: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، قال أحمد مرة: ثقة، وكذا قال ابن معين، ثم بَيَّن كلٌ منهما مرة أنه اختلط، وزاد ابن معين، فَبَيَّنَ أنه كان كثير الغلط عن بعض شيوخه، غير صحيح الحديث عنهم.
ومن ذلك: أن المحدث قد يُسأل عن رجلٍ، فيحكم عليه بحسب ما عرف من مجموع حاله، ثم قد يَسمع له حديثًا، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في ذاك الحديث، ثم قد يسمع له حديثًا آخر، فيحكم عليه حكمًا يميل فيه إلى حاله في هذا الحديث الثاني، فيظهر بين كلامه في هذه المواضع بعض الاختلاف، وقع مثل هذا للدارقطني في "سننه" وغيرها -وترى بعض الأمثلة في ترجمة الدارقطني من قسم التراجم- وقد يُنقل الحكم الثاني أو الثالث وحده، فيتوهم أنه حكم مطلق.
الثامن:
ينبغي أن يبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له، وتمكنت معرفتهم به.
стр. 1928
بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة، وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه، ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه.
ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى، وعمن روى، ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا.
والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي، وآخرون غيرهما، يوثقون من كان من التابعين أو اتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة، بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد.
فممن وثقه ابن معين من هذا الضرب:
الأسقع بن الأسلع، والحكم بن عبد الله البَلَوِي، ووهب بن جابر الخَيْواني وآخرون.
وممن وثقه النسائي:
رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون.
وقد روى العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين.
وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وَبَرةَ، عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية، فوثقه ابن معين، مع أن الحديث غريب، وله علل أخرى راجع "سنن البيهقي" (٣/ ٢٤٨).
стр. 1929
ومن الأئمة من لا يُوَثِّقُ مَنْ تَقَدَّمَهُ حتى يطلع على عدة أحاديث له، تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذاك الراوي.
وهذا كله يدل على أن جُلَّ اعتمادِهم في التوثيق والجرح إنما هو على سَبْرِ حديث الراوي، وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نص على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٤) واستغربه، ولو تدبر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديث الراوي، فوجدها مستقيمة، تدل على صدقٍ وضبطٍ، ولم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه، وَثَّقَهُ، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف، وربما يبني بعضهم على هذا حتى في أهل عصره.
وكان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا، فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغداد شيخٌ، فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة، ثم سُئل عن الشيخ، وَثَّقَهُ، وقد يتفق أن يكون الشيخُ دجالا، استقبل ابن معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلط قبل ذلك، أو يخلط بعد ذلك.
ذكر ابن الجنيد أنه سأل ابن معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس"، فَحُكِيَ له عنه أحاديثُ تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيمًا".
وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" (١)، وقد كذبه أحمد، وقال: "أحاديثه موضوعة"، وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة".
стр. 1930
وهكذا يقع في التضعيف، ربما يجرح أحدهم الراوي لحديثٍ واحدٍ استنكره، وقد يكون له عذر.
ورد ابنُ معين مصر، فدخل على عبد الله بن الحكم، فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان، وعَدَّ جماعةً، روى عنهم قصة، فقال ابن معين: "حدثك بعض هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟ " فقال: "لا، حدثني جميعهم بجميعه، فراجعه فأصر، فقام يحيى وقال للناس: يكذب ".
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أن كلا منهم حدثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز، ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلا منهم حدثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذبه في ذلك، وقد أساء الساجي إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: "كذبه ابن معين".
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدث عن عبد الرزاق بحديث استنكره يحيى، فقال: "من هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟! "، وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا فقام، فقال: "هو ذا أنا"، فتبسم يحيى وقال: "أما إنَّك لست بكذاب ... ".
وقال ابن عمار في إبراهيم بن طهمان: "ضعيف مضطرب الحديث"، فبلغ ذلك صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة، فقال: "ابن عمار من أين يعرف إبراهيم؟ إنما وقع إليه حديث إبراهيم في الجمعة ... والغلط فيه من غير إبراهيم".
التاسع:
ليبحث عن رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة، واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد.
стр. 1931
فإن شئت فاجعل هذا رأيًا لأولئك الأئمة؛ كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"، كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثِّق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة.
وقد اختلف كلام ابن معين في جماعةٍ، يوثق أحدهم تارة ويضعفه أخرى، منهم: إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سَوّار، والجراح بن مَليح الرؤاسي، و [حرب] (١) ابن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخُشَني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حبان الرقي، وسَلْم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله [بن] (٢) الحسين أبو حريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله ابن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم.
وجاء عنه توثيق جماعة، ضعفهم الأكثرون، منهم: تمام بن نجيح، ودَرّاج بن سَمْعان، والربيع بن حبيب الملاح، وعباد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزنجي، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزمعي، ومُؤَمَّل بنُ إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحِمَّاني.
وهذا يشعر بأن ابن معين كان ربما يطلق كلمة: "ثقة" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب.
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة" ومرة: "ثقة" أو: "لا بأس به" أو نحو ذلك (راجع تراجم: جعفر بن ميمون التميمي، وزكريا بن منظور، ونوح بن جابر).
وربما يقول في الراوي: "ليس بثقة"، ويوثقه غيره (راجع تراجم: عاصم بن علي، وفليح بن سليمان، وابنه محمد بن فليح، ومحمد بن كثير العبدي).
стр. 1932
وهذا قد يُشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة: "ليس بثقة" على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه "ثقة" على المعنى المشهور لكلمة "ثقة".
فأما استعمال كلمة "ثقة" على ما هو دون معناها المشهور، فيدل عليه مع ما تقدم أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف.
قال أبو زرعة في: عمر بن عطاء بن وراز: "ثقة ليِّن"، وقال الكعبي (١) في: القاسم أبي عبد الرحمن الشامي: "ثقة يكتب حديثه وليس بالقوي". وقال ابن سعد في: جعفر بن سليمان الضُّبَعِي: "ثقة وبه ضعف".
وقال ابن معين في: عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم: "ليس به بأس، وهو ضعيف"، وقد ذكروا أن ابن معين يطلق كلمة "ليس به بأس" بمعنى "ثقة".
وقال يعقوب بن شيبة في: ابن أنْعُم هذا: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق، رجل صالح"، وفي: الربيع بن صبيح: "صالح صدوق ثقة، ضعيف جدًّا".
وراجع تراجم: إسحاق بن يحيى بن طلحة، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن عمر بن [حفص] (٢) بن عاصم، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعبد السلام بن حرب، وعلي بن زيد بن جدعان، ومحمد بن مسلم بن تدرس، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن يمان.
وقال يعقوب بن سفيان في: أجلح: "ثقة، في حديثه لين"، وفي: محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم".
стр. 1933
وأما كلمة "ليس بثقة" فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعةٍ، منهم: صالح مولى التَّوْأمَة، وشعبة مولى ابن عباس، وفي ترجمة مالك من "تقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم عن يحيى القطان، أنه سأل مالكًا عن صالح هذا؟ فقال: "لم يكن من القراء"، وسأله عن شعبة هذا فقال: "لم يكن من القراء" (١).
فأما صالح، فأثنى عليه أحمد وابن معين، وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكًا إنما أدركه بعد الاختلاط.
وأما شعبة مولى ابن عباس، فقال أحمد: "ما أرى به بأسًا"، وكذا قال ابن معين، وقال البخاري: "يتكلم فيه مالك، ويحتمل منه".
قال ابن حجر: "قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله "ويحتمل منه" يعني من شعبة، وليس هو ممن يترك حديثه، قال: ومالك لم يضعفه، وإنما شَحَّ عليه بلفظة ثقة - قلت: هذا التأويل غير شائع، بل لفظة "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد، وقد قال ابن حبان: روى عن ابن عباس ما لا أصل له، حتى كأنه ابن عباس آخر".
أقول: ابنُ حبان كثيرًا ما يُهَوِّلُ مثلَ هذا التهويل في غير محله، كما يأتي في ترجمته، وترجمةِ محمد بن الفضل من قسم التراجم.
وكلمة "ليس بثقة" حقيقتها اللغوية نفي أن يكون بحيث يقال له "ثقة"، ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، وقد ذكرها الخطيب في "الكفاية" في أمثلة الجرح غير المفسر.
واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله: "لم يكن من القراء" يشعر بأنه أراد هذا المعنى.
стр. 1934
نعم إذا قيل: "ليس بثقة ولا مأمون" تَعَيَّنَ الجرحُ الشديد، وإن اقتصر على "ليس بثقة" فالمتبادرُ جرحٌ شديدٌ، ولكن إذا كان هناك ما يُشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر حُملت عليه، وهكذا كلمة "ثقة" معناها المعروف: التوثيق التام، فلا تُصرف عنه إلا بدليل، إما قرينة لفظية؛ كقول يعقوب: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق" وبقية الأمثلة السابقة، وإما حالية منقولة، أو مستدل عليها بكلمة أخرى عن قائلها، كما مر في الأمر السابع عن "لسان الميزان" أو عن غيره، ولا سيما إذا كانوا هم الأكثر.
فتدبر ما تقدم، وقابِلْه بما قاله الكوثري في "الترحيب" (ص ١٥)، قال:
"وكم من راوٍ يُوثَّقْ ولا يُحتج به، كما في كلام يعقوب الفَسَوي، بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يُعَدُّ ثقة، كما قال ابن مهدي: أبو خلدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة".
وعلى الأستاذ مؤاخذات:
الأولى: أنه ذكر هذا في معرض الاعتذار، وأنا لم أناقشه فيما قام الدليل فيه.
الثانية: أن كلمة يعقوب التي أشار إليها هي قوله: "كتبت عن ألف شيخ وكسر كلهم ثقات (١)، ما أحدٌ منهم أَتَّخِذُه عند الله حجةً، إلا أحمد بن صالح بمصر وأحمد ابن حنبل بالعراق"، أوردتها في "الطليعة" (ص ٢١) إلى قوله "ثقات"، ذكرت ذلك من جملة الشواهد على أن شيخ يعقوب في ذاك السند هو أحمد بن الخليل الموثق، لا أحمد بن الخليل المجروح، فزعم الأستاذ في "الترحيب" أنني اقتصرت على أول العبارة لأُوهم أن شيخ يعقوب في ذاك السند ثقة يحتج به! وهذا كما ترى.
أولًا: لأن سياق كلامي هناك واضح في أني إنما أردت تعيين شيخ يعقوب، فأما الاحتجاج وعدمه فلا ذكر له هناك.
стр. 1935
ثانيًا: لأن بقية عبارة يعقوب لا تعطي أن شيوخه كلهم غير الأحمدين لا يحتج بأحد منهم في الرواية، كيف وفيهم أئمة أجلة قد احتج بروايتهم الأحمدان أنفسهما، بل قام الإجماع على ذلك، وإنما أراد يعقوب بالحجة عند الله من يؤخذ بروايته ورأيه وقوله وسيرته.
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي لا توافق مقصود الأستاذ؛ فإنها تعطي بظاهرها أن كلمة "ثقة" إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان، ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يُحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير، فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلًا، ضابطًا تقوم الحجة بروايته، فلا يقال له: "ثقة"، بل يقال: "صدوق" ونحوها، وأين هذا من مقصود الأستاذ؟
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط، وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن "أبا خلدة" قد قال فيه يزيد بن زريع، والنسائي، وابن سعد، والعجلي، والدارقطني: "ثقة"، وقال ابن عبد البر: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ".
وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث، فقال: "حدثنا أبو خلدة"، فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مر. فيظهر لي أن السائل فَخَّمَ كلمةَ "ثقة"، ورفع يده، وشدَّها بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك، فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات، وذلك لا ينفي أن يُقال فيمن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف، وهذا بحمد الله تعالى ظاهر، وإن لم أر من نبَّه عليه.
стр. 1936
وقريبٌ منه أن المروذي قال: "قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان" وقد وثق أحمد مئات من الرواة يُعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير.
الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة "ثقة" كما قدمت أنا أمثلته، لا يُسَوِّغُ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل.
العاشر: إذا جاء في الراوي جرحٌ وتعديلٌ، فينبغي البحث عن ذات (!) بين الراوي وجارحه أو مُعَدله من نفرةٍ أو محبةٍ، وقد مرَّ إيضاح ذلك في القاعدة الرابعة". اهـ. كلام الشيخ المعلمي في هذا المبحث.
٢ - ولَخَّصَ الشيخ المعلمي عامّة الأمور التي يجب أن تتوفر في المقالة المسندة التي ظاهرها ذم أحد الرواة أو ما يقتضيه:
فقال في "التنكيل" (١/ ٨ - ٩):
الأول: أن يكون هذا الرجل المعين الذي وقع في الإسناد ووقعت فيه المناقشة ثقة.
الثاني: أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات.
الثالث: ظهور اتصال السند ظهورًا تقوم به الحجة.
الرابع: ظهور أنه ليس هناك علّة خفية يتبّين بها انقطاع أو خطأ أو نحو ذلك مما يوهن الرواية.
الخامس: ظهور أنه لم يقع في المتن تصحيف أو تحريف أو تغيير قد توقع فيه الرواية بالمعنى.
السادس: ظهور أن المراد في الكلام ظاهره.
السابع: ظهور أن الذامّ بنى ذَمَّه على حُجَّةٍ، لا نحو أن يُبلغه إنسانٌ أن فلانًا قال كذا أو فعل كذا، فيحسبه صادقًا، وهو كاذب أو غالط.
стр. 1937
الثامن: ظهور أن الذامّ بنى ذَمَّه على حُجَّةٍ، لا على أمرٍ حمله على وجه مذموم، وإنما وقع على وجه سائغ.
التاسع: ظهور أنه لم يكن للمتكلَّم فيه عذر أو تأويل فيما أنكره الذام.
العاشر: ظهور أن ذلك المقتضى للذم لم يرجع عنه صاحبه.
قال المعلمي:
والمقصود بالظهور في هذه المواضع: الظهور الذي تقوم به الحجة.
وقد يزاد على هذه العشرة، وفيها كفاية.
فهذه الأمور إذا اختلّ واحد منها لم يثبت الذم، وهيهات أن تجتمع على باطل. اهـ.
* * *
стр. 1938
المبحث الثاني
تتبع أحاديث الراوي الذي يُشكلُ أمرُهُ، وتتباينُ فيه أقوالُ الأئمة جرحا وتعديلاً
• في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٦٥) حديث: "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك"، له طرق واهية، ورواه الترمذي (٢٥٠٦) من طريق أمية بن القاسم عن حفص بن غياث، وقال: حسن غريب، فقال الشيخ المعلمي:
"-ذكروا أن الصواب: "القاسم بن أمية"-
ذكر الرازيان أنه صدوق، وقال ابن حبان: يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، ثم ساق له هذا الحديث وقال: لا أصل له من كلام النبي ﷺ .
قال ابن حجر: شهادةُ أبي زرعة وأبي حاتم أنه صدوقٌ أَوْلَى.
أقول: بل الصواب تتبعُ أحاديثِه فإن وُجد الأمرُ كما قال ابنُ حبان، ترجَّحَ قولُه، وبان أن هذا الرجل تغيرت حاله بعد أن لقيه الرازيان، وإلا فكونه صدوقًا لا يدفع عنه الوهم، وقد تفرد بهذا. اهـ.
فائدة:
اعتبار حديث الراوي في الأحوال والأوقات المختلفة، للاستدلال على حاله:
قال الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص: ٨١):
"كان الأئمة يعتبرون حديثَ كلِّ راوٍ، فينظرون كيف حدث به في الأوقات المتفاوتة، فإذا وجدوه يحدث مرة كذا ومرة كذا، بخلافٍ لا يحتمل، ضعفوه.
стр. 1939
وربما سمعوا الحديث من الرجل، ثم يَدَعُونَهُ مدة طويلة، ثم يسألونه عنه.
ثم يعتبر حرف مروياته برواية من روى عن شيوخه وعن شيوخ شيوخه، فإذا رأوا في روايته ما يخالف رواية الثقات، حكموا عليه بحسبها.
وليسوا يوثقون الرجل لظهور صلاحه في دينه فقط، بل معظم اعتمادهم على حاله في حديثه كما مَرَّ.
وتجدهم يجرحون الرجل بأنه يخطيء ويغلط، وباضطرابه في حديثه، وبمخالفته الثقات، وبتفرده، وهلم جرا ... ". اهـ.
* * *
стр. 1940
المبحث الثالث
تتبع مواضع الإرسال ونحوه في أحاديث الثقات إذا اختلف الرأي فيهم
• قال الشيخ المعلمي في عمرو بن دينار من "التنكيل" (٢/ ١٥٧ - ١٥٩):
"قد يرسل ما سمعه من ثقةٍ متفقٍ عليه، كما أرسل عن جابر ما سمعه من محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عنه، ومحمد إمام حجة.
وقد تتبعتُ ما قيل إن عَمرًا أرسله مثل هذا الإرسال غير الحديث السابق (١)، فلم أجد إلا حديثًا واحدًا، حاله كحال الحديث السابق، وذلك أن في "مسند أحمد" (ج ٣ ص ٣٦٨): "ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن عمرو بن دينار، عن جابر ... قلت لعمرو: أنت سمعته من جابر؟ قال: لا".
والحديث في "صحيح البخاري" من طريق ابن عيينة: قال عمرو: أخبرني عطاء أنه سمع جابرًا.
فبين عمرو وجابر في هذا: عطاء بن أبي رباح، وهو إمام حجة.
ووجدت حديثين آخرين، لم يتضح لي الإرسال فيهما، فإن صَحَّ فالواسطة في أحدهما عكرمة وطاوس أو أحدهما، وفي الثاني: ابن أبي مليكة، وهؤلاء كلهم ثقات أثبات، فإن ساغ أن يقال في حديثٍ رواه عمرو، عن ابن عباس: لعله لم يسمعه منه، فإنما يسوغ أن يُفرض أن عمرًا سمعه من ثقة حجة سمعه من ابن عباس ... ". اهـ.
* * *
стр. 1941
المبحث الرابع
تتبع مرويات بعض الرواة للنظر في شيوخهم وأسانيدهم
• في ترجمة: محمد بن عبد الله بن إبراهيم أبي بكر الشافعي من "التنكيل" (٢١١):
قال الأستاذ -يعني الكوثري- (ص ١١١):
"يكثر المصنف -يعني الخطيب- عنه جدا في مثالب أبي حنيفة، وكان كَلِفا بأن يُدْعَى بالشافعي، وليس له عملٌ في مذهب الشافعي، غير النيل من فقيه الملة بالرواية عن مجاهيل وكذابين في مثالبه ....
فقال الشيخ المعلمي:
"قد تتبعت تلك الروايات فلم أر في شيوخه فيها كذابين ولا مجاهيل، إنما له رواية واحدة عن الكديمي، والكديمي قد وثقه بعضهم، وأطلق بعضهم تكذيبه، وروايتان أخريان عن رجل لم أظفر بتوثيقه، وآخر لم أظفر بترجمته، وسائر رواياته عن الثقات المعروفين ... وأبو بكر ثقة حافظ متفق على توثيقه وتثبيته، راجع ترجمته
في (تاريخ بغداد) و (تذكرة الحفاظ) ".
* * *
стр. 1942
المبحث الخامس
استقراء كلام أئمة الجرح والتعديل والمتكلمين في الرجال للوقوف على طرائقهم أو مصطلحاتهم
وهذه نماذج لذلك:
• قال المعلمي في القاعدة الرابعة من قسم القواعد من "التنكيل"، وهي قاعدة "قدح الساخط، ومدح المحب ونحو ذلك" (١/ ٦٠):
"وقد تتبعت كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيعين، فلم أجده متجاوزًا الحد، وإنما الرجل لما فيه من النَّصْبِ يرى التشيع مذهبًا سيئًا، وبدعةً ضلالةً، وزيغًا عن الحق وخذلانًا، فيطلق على المتشيعين ما يقتضيه اعتقاده كقوله: "زائغ عن القصد - سيء المذهب" ونحو ذلك.
وكلامه في الأعمش ليس فيه جرح، بل هو توثيق، وإنما فيه ذمه بالتشيع والتدليس، وهذا أمر متفق عليه أن الأعمش كان يتشيع ويدلس، وربما دلس عن الضعفاء، وربما كان في ذلك ما ينكر". اهـ.
• وقال في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٢٢):
"قد استقرأت كثيرًا من توثيق العجلي، فبان لي أنه نحو من ابن حبان". اهـ.
• وفيه (ص ٢٨٢):
"العجلي مثل ابن حبان، أو أشد تسهلا في توثيق التابعين، كما يعلم بالاستقراء". اهـ.
стр. 1943
• وفيه (ص ٤٨٥):
"العجلي متمسح جدًّا، وخاصة في التابعين، فكأنهم كلهم عنده ثقات، فتجده يقول: "تابعي ثقة" في المجاهيل، وفي بعض المذمومي؛ كعمر بن سعد، وفي بعض الهلكي؛ كأصبغ بن نباتة". اهـ.
• وفي "الأنوار الكاشفة" (٦٨):
"توثيق العجلي وجدته بالاستقراء كتوثيق ابن حبان أو أوسع".
• وفي الأمر الثامن من القاعدة السادسة -وسبق نقله قريبا-:
"ابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى، وعمن روى، ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره، وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا.
والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد، وابن معين، والنسائي، وآخرون غيرهما، يوثقون من كان من التابعين أو اتباعهم إذا وجدوا رواية أحدهم مستقيمة، بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد.
فممن وثقه ابن معين من هذا الضرب:
الأسقع بن الأسلع، والحكم بن عبد الله البَلَوِي، ووهب بن جابر الخَيْواني وآخرون.
وممن وثقه النسائي:
رافع بن إسحاق، وزهير بن الأقمر، وسعد بن سمرة وآخرون.
стр. 1944
وقد روى العوام بن حوشب، عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين.
وروى همام، عن قتادة، عن قدامة بن وَبَرةَ، عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قدامة إلا في هذه الرواية، فوثقه ابن معين، مع أن الحديث غريب، وله علل أخرى راجع "سنن البيهقي" (٣/ ٢٤٨) ... ". اهـ.
* * *
стр. 1945
المبحث السادس
النظر في مواليد الرواة، ووفياتهم، وطبقات شيوخهم؛ للتعيين، والجمع والتفريق، وغير ذلك
وفيه مطالب:
المطلب الأول
النظر في تأخر تدوين الوفيات، واختلاف الروايات فما وفاة بعض الصحابة، وكيف الترجيح في ذلك
• تعرض الشيخ المعلمي في ترجمة: أحمد بن محمد بن الصلت الحماني -الكذاب- من "التنكيل" إلى تاريخ وفاة ابن جزء الصحابي، وذلك أن ابن الصلت روى ما فيه لقاء أبي حنيفة لابن جزء، ولأبي حنيفة ١٨ سنة، يعني سنة ٩٦ أو ٩٨ - على الخلاف في سنة ميلاد أبي حنيفة، فنظر المعلمي في تلك القضايا المذكورة.
ففي ترجمة ابن الصلت من "ميزان الاعتدال" (٥٥٥):
"في تاريخ نيسابور للحاكم: ... أحمد بن الصلت الحماني، حدثنا محمد بن سماعة، عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة، قال: حججت مع أبي، ولي ثمان عشرة سنة، فمررنا بحلقة، فإذا رجل، فقلت: من هذا؟ قالوا: عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي ت.
قلت: هذا كذب؛ فابن جزء مات بمصر، ولأبي حنيفة ست سنين". اهـ.
стр. 1946
قال الشيخ المعلمي:
"قال الأستاذ -يعني الكوثري-:
"تغافل الذهبي عن أن في مواليد رجال الصدر الأول ووفياتهم اختلافًا كثيرًا؛ لتقدمهم على تدوين كتب الوفيات بمدة كبيرة، فلا يُبَتُّ في أغلب الوفيات برواية أحد النَّقَلَةِ.
وها هو أُبي بن كعب ﵁ من أشهر الصحابة، اختلفوا في وفاته من سنة ١٨ إلى سنة ٣٢، والذهبي يصر على أن وفاته سنة ٢٢ في كتبه جميعًا، مع أنه عاش إلى سنة ٣٢، وشارك جمع القرآن في عهد عثمان، كما يظهر من طبقات ابن سعد.
وأين منْزلة ابن جزء من منْزلة أُبي، حتى يُبَتُّ بوفاةٍ تُروى له عن ابن يونس وحده، وقد قال الحسن بن علي الغزنوي: إن وفاته سنة ٩٦، كما في "شرح المسند" لعلي القاري، ولعل ذلك هو الصواب في وفاته".
أقول: الجواب من وجوه:
الأول:
وقوع الاختلاف في ذلك في الجملة إنما هو بمنزلة وقوعه في أدلة الأحكام، لا يُبيح إلغاءَ الجميع جملةً، بل يؤخذ بما لا مخالفَ له، ويُنظر في المتخالِفَيْنِ، فيؤخذ بأرجحها، فإن لم يظهر الرجحانُ، أُخذ بما اتفقا عليه.
مثال ذلك: ما قيل في وفاة سعد بن أبي وقاص: سنة ٥١، ٥٤، ٥٥، ٥٦، ٥٧، ٥٨، فإن لم يترجح أحدها، أُخذ بما دل عليه مجموعها: أنه لم يعش بعد سنة ٥٨.
فإن جاءت روايةٌ عن رجلٍ أنه لقي سعدا بمكة، سنة ٦٥ مثلًا، استنكرها أهلُ العلم، ثم ينظرون في السند، فإذا وجدوا فيه من لم تثبت ثقته، حملوا عليه.
стр. 1947
فابنُ جَزء قيل في وفاته: سنة ٨٥، ٨٦، ٨٧، ٨٨، وأرجحها الثاني؛ لأنه قول ابن يونس مؤرخ مصر، وهي مع ذلك مجتمعة على أنه لم يعش بعد سنة ٨٨.
فلما جاءت تلك الرواية أنه لُقِيَ بمكة سنة ٩٦ أو ٩٨، استنكرها أهل العلم، ووجدوا أحقَّ مَنْ يُحمل عليه: ابنُ الصلت.
فأما قول الغزنوي المتأخر: إن ابن جزء توفي سنة ٩٩، فهو من نمط ما في "المناقب" للموفق (١/ ٢٦)، روى من طريق الجعابي القصةَ، وفيها أن اللقاء كان سنة ٩٦، ثم حكى عن الجعابي أن ابن جزء مات سنة ٩٧.
فهذان القولان مع تأخر قائليهما، إنما حاولا بهما تمشيةَ القصة، رأيا أن فيها أن اللقاء كان بالموسم، وأن المعروف في وفاة ابن جزء أنها بمصر بقرية يقال لها سفط القدور، كما جاء عن الطحاوي، وأن من شهد الموسم لا يمكن أن يصل إلى مصر إلا في السنة التالية، فبنيا على ذلك، ولم تمكنهما الزيادة على ذلك؛ لئلا تفحش المخالفة لما نُقل عن المؤرخن جدًّا.
الوجه الثاني:
ابنُ جزء أقرب إلى عصر تدوين الوفيات من أُبي بن كعب؛ ففي "فهرست ابن النديم" (ص ٢٨١) أن لليث بن سعد تاريخًا، وتواريخ المحدثين مدارها على بيان الوفيات، والليث ولد سنة ٩٤، ومات سنة ١٧٥، ومن أشهر شيوخه يزيد بن أبي حبيب المتوفى سنة ١٢٨، وهو أشهر الرواة عن ابن جزء.
وفي "تدريب الراوي" في شرح النوع الستين: "وقال سفيان الثوري: لما استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ".
والثوري ولد سنة ٩٧، ومات سنة ١٦١، فيظهر أن البحث والسؤال عن الوفيات قد شُرع فيه في حياة الرواة عن ابن جزء، وهكذا غيره ممن تأخرت وفاته، فلم يكن
стр. 1948
بين الباحث وبين الصحابي إلا رجل واحد، فيخبره عما أدركه، بخلاف الحال في متقدمي الوفاة كأُبيّ بن كعب.
الوجه الثالث:
كان الصحابة في عهد أُبي بن كعب متوافرين، فلم يكن لطلبة العلم كبيرُ حرصٍ على لقائه؛ لأنهم يجدون غيره من الصحابة، ويرون أنه إن مات لم يَفُتْهُم شيءٌ؛ لبقاء كثير من الصحابة، وهو لعلمه بذلك لم يكن يبذل نفسه، حتى نُسب إلى شراسة الخلق، فلعله لم يكن يتجشم لقاءه إلا ذوو الأسنان، فإذا نظرنا في الرواة عنه فلم نجد فيهم إلا من كان رجلًا في عهد عمر، لم يكن في ذلك دلالة بينة على أنه توفي في عهد عمر.
فأما ابن جزء فكان آخر الصحابة بمصر، فطلبة العلم بغاية الحرص على السماع منه؛ لأنهم يرون أنه إن مات لم يجدوا صحابيًا آخر، ونزلوا طبقة عظيمة، وهو لعلمه بذلك يبذل نفسه لتحديث من يريد أن يسمع منه، صغيرًا كان أم كبيرًا، كما كان سهل بن سعد يقول: "لو مت لم تسمعوا أحدًا يقول: قال رسول الله ﷺ " كما في ترجمته من "الاستيعاب"، يحرضهم بذلك والله أعلم على السماع منه.
ولما مات أنس قال مورق العجلي: ذهب اليوم نصف العلم. قيل كيف ذاك؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفنا في الحديث، قلنا: تعال إلى من سمعه من النبي ﷺ .
فالظن بمن كان من طلبة العلم بمصر أنه إذا بلغ سنَّ الطلب في حياة ابن جزء، كان أهم شيء عنده أن يلقاه ويسمع منه، فلو عاش ابن جزء إلى سنة ٩٧ أو ٩٩، لكان في الرواة عنه من لم يبلغ سن الطلب إلا قبل ذلك بقليل، ولو كان فيهم من هو كذلك لاشتهر أمره لعلو سنده، ولما خفي على مثل ابن يونس وغيره ممن ذكر وفاة ابن جزء.
стр. 1949
وقد تتبعت الرواة عن ابن جزء، فإذا آخرهم وفاةً: عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، توفي سنة ١٣١، وقد روى عبيد الله أيضًا عن ناعم مولى أم سلمة، ووفاة ناعم سنة ٨٠ على ما قيل ولم يذكروا خلافه.
الوجه الرابع:
لو حج ابن جزء سنة ست وتسعين أو ثماني وتسعين، وحَدَّث في الموسم، واجتمع الناس حواليه، كما تزعمه تلك الرواية، لكان من حضر الموسم من أهل العلم وطلبة الحديث أحرص الناس على لقائه والسماع منه؛ لأنه لم يبق حينئذٍ على وجه الأرض صحابي سمع من رسول الله ﷺ وحدث عنه إلا هو، على فرض صحة الرواية، ثم لتناقلوا ما يسمعون منه وتنافسوا فيه لِعُلُوِّهِ، ولا سيما ذاك الحديث المذكور في تلك الرواية: "من تفقه في دين الله كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب"، فإن فيه بشارة عظيمة لهم، وفضيلة بينة، وترغيبًا في طلب العلم، ولا يعرفونه من رواية غيره، فما بالنا لا نجد لذلك أثرًا إلا ما تضمنته تلك القصة؟
الوجه الخامس:
لو لم يكن فيما يدل على تأخر وفاة أُبيّ بن كعب إلا ما أشار إليه الأستاذ من الرواية التي عند ابن سعد، لاستنكرها أهل العلم، لكن لذلك شواهد وعواضد، منها ما روي عن عبد الرحمن بن أبزى أنه قال: "قلت لأُبي: لما وقع الناس في أمر عثمان يا أبا المنذر ... "، ومنها ما روي عن زر بن حبيش أنه لقي أُبيًا في خلافة عثمان، ومنها ما روي عن الحسن البصري في قصةٍ أن أُبيًا مات قبل مقتل عثمان بجمعة.
فأما الرواية في لُقِيِّ ابنِ جزء بمكة سنة ست وتسعن أو ثماني وتسعين، فلا شاهد لها ولا عاضد.
فإن قيل: أرأيت لو وُجد لها شواهد وعواضد قوية، أتقبلونها؟
стр. 1950
قلت: إن صح سندها، فنعم، وأي شيء في هذا؟
أرأيت من قامت عليه البينة العادلة بما يوجب القتل، أيدرأ عنه القتل أن يقال: لو وُجدت بينة عادلة بجرح الشهود لما كان عليه قتل؟.
الوجه السادس:
متأخرو الوفاة من الصحابة قد يقع الاختلاف في تاريخ وفاتهم، لكنه لا يكاد يكون التفاوت شديدًا، فعبد الله بن أبي أوفى سنة ٨٦، ٨٧، ٨٨، وسهل بن سعد الساعدي سنة ٨٨، ٩١، وأنس سنة ٩١، ٩٣، ٩٥، وأشد ما رأيته من التفاوت ما قيل في وفاة السائب بن يزيد، وذلك نادر مع أن النبي ﷺ توفي وللسائب نحو سبع سنين، وعامة روايته عن الصحابة، وقد يرسل.
أما ابن جزء فروى عن النبي ﷺ سماعًا، ولم يذكروا له رواية عن غيره، فالحرص على السماع من ابن جزء محقق بخلاف السائب.
ثم قال الأستاذ: "على أن النبي ﷺ تُوفي عمن يزيد على مائة ألف من الصحابة، ولم تحتو الكتب المؤلفة في الصحابة عُشر معشار ذلك، ولا مانع من اتفاق كثير منهم في الاسم واسم الأب والنسب، لا سيما المقلين في الرواية".
أقول: حاصل هذا أنه يُحتمل أن يكون هناك صحابي آخر، وافق عبدَ الله بن الحارث بن جزء الزبيدي في الاسم واسم الأب والنسب، فيكون هو الذي جاء في تلك القصة أن أبا حنيفة لقيه بمكة سنة ٩٧ أو ٩٨، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال لا يكفي لدفع الحكم، مع أنه قد عُلم مما تقدم في الوجه الرابع وغيره ما يدفع هذا الاحتمال.
فإن كان الأستاذ يشير بقوله: "في الاسم واسم الأب والنسب" ولم يذكر اسم الجد - إلى عبد الله بن الحارث الزبيدي النجراني المكتب، فذاك تابعي معروف.
стр. 1951
ثم ذكر الأستاذ أن ابن عبد البر "نص على أن أبا حنيفة رأى أنس بن مالك وعبد الله بن جزء الزبيدي روايةً عن ابن سعد".
أقول: يحكي الذهبي (١) عن ابن سعد أنه روى عن سيف بن جابر عن أبي حنيفة أنه رأى أنسًا، ولم أر في "الطبقات" المطبوع لا ذا ولا ذاك، فلا أدري أفي كتاب آخر لابن سعد؟ أم حكاية مفردة رويت بسند، فإن كان الثاني فلا أدري ما حال ذاك السند، وكيف وقعت لابن عبد البر زيادة "وعبد الله بن جزء الزبيدي"، مع أني لم أعرف سيف بن جابر (٢)، وما دام الحال هكذا فلا تقوم بذلك حجة، مع أن صنيع ابن عبد البر في "الاستيعاب" يقتضي أنه لم يعتد بما حكاه في "كتاب العلم" من رؤية أبي حنيفة لابن جزء، فانه قال في ترجمة أنس بعد أن ذكر أنه توفي سنة ٩١ و ٩٢ و ٩٣: "ولا أعلم أحدًا مات بعده ممن رأى رسول الله ﷺ إلا أبا الطفيل"، وقال في ترجمة ابن جزء: "كانت وفاته بعد الثمانين، وقد قيل سنة ثمان أو سبع وثمانين، وقيل سنة خمس وثمانين". اهـ.
* * *
стр. 1952
المطلب الثاني
استعمال النظر في وفيات الرواة وشيوخهم والآخذين عنهم، في التعيين
• في المثال التاسع من النوع الأول من "طليعة التنكيل"، وهو تبديل الرواة؛ إذ يتكلم الكوثري في الأسانيد التي يسوقها الخطيب طاعنًا في رجالها واحدًا واحدًا، فيمر به الرجل الثقة الذي لا يجد فيه طعنًا مقبولًا، فيفتش عن رجل آخر يوافق ذلك الثقة في الاسم واسم الأب، ويكون مقدوحًا فيه، فإذا ظفر به زعم أنه هو الذي في السند، قال المعلمي:
"محمد بن عمر، قال الخطيب (ج ١٣ ص ٤٠٥):
"محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، حدثنا محمد بن عمر بن دليل، قال: سمعت محمد بن عبيد الطنافسي ... ".
ذكر الكوثري هذه الرواية ص ١٢٦، وقال: "محمد بن عمر هو ابن وليد التميمي، وقد تصحف "وليد" إلى "دليل" في الطبعات كلها، ويقول عنه ابن حبان: يروي عن مالك ما ليس من حديثه".
أقول: لم يذكروا في ترجمة محمد بن عمر بن وليد التيمي الذي تكلم فيه ابن حبان وغيره أنه يروي عن محمد بن عبيد الطنافسي، ولا أنه يروي عنه محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع، وأراه أقدم من ذلك، فإنه يروي عن المتوفين حوالي سنة ١٨٥ هـ، كمسلم بن خالد، ومالك، وهشيم، فيبعد أن ينزل إلى محمد بن عبيد المتوفى سنة ٢٠٤ هـ، ولم يذكروا راويا عن التيمي هذا إلا أبا زرعة المولود سنة ٢٠٠، ويبعد أن يكون أدركه، أعني التيمي هذا، محمد بن الحسين بن حميد الذي أقدم من سمي من شيوخه موتًا: أبو سعيد الأشج المتوفى سنة ٢٥٧.
стр. 1953
فالأقرب أن يكون الواقع في السند هو محمد بن عمر بن وليد الكندي الكوفي، يروي عن الكوفيين المتوفين حوالي سنة مائتين، وأقدم من سمي من شيوخه: محمد ابن فضيل المتوفى سنة ١٩٥.
وذكر ابن أبي حاتم هذا الكندي فقال: "كتب عنه أبي في الرحلة الثالثة بالكوفة، وقدمنا الكوفة سنة ٢٥٥ وهو حي، فلم يقض لنا السماع منه"، وقال النسائي: "لا بأس به"، وذكره ابن حبان في الثقات.
فهذا كوفي يروي عن أقران محمد عبيد -ومحمد بن عبيد كوفي وقد أدركه - أعني الكندي- محمد بن حسين بن حميد بن الربيع، وهو كوفي أيضًا، وهذا لا يخفى على الكوثري، لكنه لم يجد في هذا مغمزًا، فعدل إلى التيمي المطعون فيه؛ لحاجة الكوثري إلى الطعن في تلك الرواية، والله المستعان". اهـ.
* * *
стр. 1954
المطلب الثالث
استعمال النظر في وفيات الرواة وشيوخهم والآخذين عنهم، في نقد الحكايات، لا سيما المشتملة على جرح بعض الرواة
• ذكر الشيخ المعلمي في ترجمة: حماد بن سلمة، من "التنكيل" (٨٥) أن الكلام فيه يعود إلى أربعة أمور ...
"الوجه الثالث: زعم بعضهم أنه كان له ربيبٌ يُدخل في كتبه، وقيل ربيبان، وصَحَّفَ بعضُهم "ربيب حماد" إلى "زيد بن حماد"، راجع "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٥٠٦).
ومدار هذه التهمة الفاجرة على ما يأتي.
قال الذهبي في "الميزان": "الدولابي حدثنا محمد بن شجاع بن الثلجي، حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، قال: كان حماد بن سلمة لا يعرف بهذه الأحاديث -يعني التي في الصفات- حتى خرج مرة إلى (عَبّادان)، فجاء وهو يرويها، فلا أحسب إلا شيطانًا خرج إليه من البحر، فألقاها إليه.
قال ابن الثلجي: فسمعت عباد بن صهيب يقول: إن حمادًا كان لا يحفظ، وكانوا يقولون: إنها دُسَّتْ في كتبه، وقد قيل: إن ابن أبي العوجاء كان ربيبه، فكان يدس في كتبه".
قال الذهبي: قلت: ابن الثلجي ليس بِمُصَدَّقٍ على حماد وأمثاله، وقد اتُّهِمَ. نسأل الله السلامة.
أقول: الدولابي حافظ حنفي، له ترجمة في "لسان الميزان" (ج ٥ ص ٤١)، وهو بريء من هذه الحكاية إن شاء الله، إلا في قبوله لها من ابن الثلجي، وروايتها عنه.
стр. 1955
كان ابن الثلجي من أتباع بشر المريسي، جهميًا، داعية، عدوًا للسنة وأهلها، قال مرة: عند أحمد بن حنبل كتب الزندقة، وأوصى أن لا يُعطى من وصيته إلا من يقول: القرآن مخلوق. ولم أر من وثقه، بل اتهموه وكذبوه، قال ابن عدي: كان يضع أحاديث في التشبيه، وينسبها إلى أصحاب الحديث، يثلبهم بذلك، وذكر ما رواه عن حبان بن هلال، وحبان ثقة، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة مرفوعا: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها"، وكذبه أيضًا الساجي، والأزدي، وموسى بن القاسم الأشيب.
فأما ما نُسب إليه من التوسع في الفقه وإظهار التعبد، فلا يدفع ما تقدم.
وحكايته هذه يلوح عليها الكذب، إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي وُلد أبوه سنة ١٣٥، فمتى ترى وُلد إبراهيم؟ ومولد ابن الثلجي كما ذَكر عن نفسه سنة ١٨١ فمتى تراه سمع من إبراهيم؟ وفي ترجمة قيس بن الربيع من "التهذيب" شيء من رواية ابن المديني، عن إبراهيم، عن أبيه، وهذا يُشعر بأنه عاش بعد أبيه، وأبوه مات سنة ١٩٨، فإذا كان إبراهيم مات سنة ٢٠٠، فمتى تراه ولد؟ وقد قال الخليلي: "مات وهو شاب، لا يعرف له إلا أحاديث دون العشرة، يروي عنه الهاشمي جعفر بن عبد الوارث أحاديث أنكروها على الهاشمي، وهو من الضعفاء". وحماد بن سلمة توفىِ سنة ١٦٧، ومقتضى ما تقدم أن يكون إبراهيم حينئذ إما صبيا، وإما لم يولد، فمتى صحب حماد بن سلمة حتى عرف حديثه، وعرف أنه لم يكن يروي تلك الأحاديث حتى خرج إلى "عبادان"، وكيف عرف هذا الأمر العظيم، ولم يعرفه أبوه وكبار الأئمة من أقران حماد وأصحابه؟ وكلهم أبلغوا في الثناء على حماد كما يأتي، ولا داعي إلى الحمل على إبراهيم لأنه لم يوثقه أحد، وذِكر ابن حبان له في "الثقات" لا يجدي؛ لأنه لم يثبت عنه أحاديث كثيرة يعرف باعتبارها أثقة هو أم لا؟ ولا إلى أن يقال: لعل إبراهيم سمع ذلك من بعض الهلكى، بل الحمل على ابن الثلجي كما ذكر الذهبي.
стр. 1956
وكذلك ما ذكره عن عباد بن صهيب، مع أن عبادًا متروك، وقال عبدان: لم يكذبه الناس، وإنما لقنه صهيب بن محمد بن صهيب أحاديث في آخر الأمر. فعلى هذا فعباد وهو المبتلى بابن أخيه يدخل عليه في حديثه، وفي "الميزان" أحاديث من مناكيره. اهـ.
• وفي ترجمة: أحمد بن علي بن مسلم أبي العباس الأبار من "التنكيل" (٢٧):
"قال الأستاذ -يعني الكوثري- (ص ١٩): "والأبار من الرواة الذين كان دعلج التاجر يدر عليهم الرزق، فيدونون ما يروقه للنكاية في مخالفيه في الفروع والأصول، فللأبار قلمٌ مأجورٌ ولسانٌ ذلق في الوقيعة في أئمة أهل الحق، وكفى ما يجده القارىء في روايات الخطيب عنه في النيل من أبي حنيفة وأصحابه لتعرف مبلغ عداوته وتعصبه، ورواية العدو المتعصب مردودة عند أهل النقد، كيف وهو يروي عن مجاهيل -بل الكذابين- في هذا الباب ما ستراه، فلا يحتاج القارىء الكريم في معرفة سقوط هذا الراوي إلى شيء سوى استعراض مروياته فيمن ثبتت إمامته وأمانته، فكفى الله المؤمنين القتال".
فقال العلامة المعلمي:
في "تذكرة الحفاظ" للذهبي (ج ٢ ص ١٩٢): الأبار الحافظ الإمام أبو العباس أحمد بن علي بن مسلم محدث بغداد، يروي عن مسدد، وعلي بن الجعد، وشيبان بن فروخ، وأمية بن بسطام، ودُحيم، وخلق كثير. حدث عنه دعلج، وأبو بكر النجاد، وأبو سهل بن زياد، والقطيعي، وآخرون.
قال الخطيب: كان حافظًا متقنًا حسنَ المذهب، قال جعفر الخلدي: كان الأبار أزهد الناس، استأذن أمّه في الرحلة إلى قتيبة، فلم تأذن له، فلما ماتت رحل إلى بلخ، وقد مات قتيبة، وكانوا يعزونه على هذا.
قلت: وله تاريخ وتصانيف، مات يوم نصف شعبان، سنة تسعين ومائتين".
стр. 1957
رأى الأستاذ في الرواة عن الأبار: دعلج بن أحمد السجزي، ورأى في ترجمة دعلج أنه كان تاجرًا، كثير المال، كثير الإفضال على أصحاب الحديث وغيرهم، وأنه أخذ عن ابن خزيمة مصنفاته، وكان يفتي بقوله، فاستنبط الأستاذ أن دعلجًا كان متعصبًا لابن خزيمة في الأصول يعني العقائد، وفي الفروع، وابن خزيمة عند الأستاذ مجسم، وأبو حنيفة عنده مننره، التنزيه الذي يسميه خصومه تعطيلًا وتكذيبًا، فعلى هذا كان دعلج متعصبًا على أبي حنيفة للعقيدة وللمذهب معًا! ثم استنبط الأستاذ في شأن الأبار أنه جمع ما جمعه في الغض من أبي حنيفة تقربًا إلى دعلج المثري المنفق، وأن دعلجًا كان يوسع العطاء للأبار لأجل ذلك!
فأقول: لا يخفى على عارفٍ بالفقه والحديث أنه يكفي في رد هذه التهمة أن يبين أن الأبار ودعلجًا من الحفاظ المعروفين، روى عنهما أئمة الحديث العارفون بالعدالة والرواية، ووثقوهما، وأثنوا عليهما، ولم يطعن أحد في عدالتهما ولا روايتهما، ولم يذكر أحد دعلجًا بتعصبٍ، بل كان فضله وأفضاله كلمة وفاق، ولم يذكر أحد الأبار بحرصٍ على الدنيا، كما ذكروا الحارث بن أبي أسامة وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما، بل وصفه شيخ الزهاد وراوية أخبارهم: جعفر بن محمد بن نصير الخلدي بأنه كان أزهد الناس كما سلف.
ومع هذا فالأبار كان ببغداد، وسُكنى دعلج بها وحصول الثروة له وما عُرف به من الإنفاق، وتجرد ابن خزيمة للكلام في العقائد، وأخذ دعلج كتبه، واتباعه له: كل ذلك إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة؛ فإن أقدم من سمي من شيوخ الأبار: مسدد المتوفى سنة ٢٢٨، فعلي بن الجعد المتوفى سنة ٢٣٠، فأمية بن بسطام المتوفى سنة ٢٣١، وبذلك يظهر أن مولد الأبار كان بعد سنة ٢١٠، وتوفي سنة ٢٩٠ كما مرّ، ومولد دعلج سنة ٢٦٠ بسجستان، وبها نشأ، ثم كان يطوف البلدان لطلب العلم والتجارة.
стр. 1958
ويظهر أن أول دخوله بغداد كان في أواخر سنة ٢٨٢، أو أوائل التي تليها، فإن أعلى من سمع دعلج منه ببغداد -كما يؤخذ من ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (١) - محمد بن ربح البزار ومحمد بن غالب تمتام، وكانت وفاتهما سنة ٢٨٣، وقد كان ببغداد الحارث بن أبي أسامة، وهو أسن منهما وأعلى إسنادًا وأشهر ذِكْرًا، وتوفي يوم عرفة سنة ٢٨٢، ولم يذكروا لدعلج عنه رواية، ولو أدركه ما فاته، فعلى هذا أول ما لقي دعلج الأبار سنة ٢٨٣، وسن الأبار يومئذ نحو سبعين سنة، وسن دعلج نحو ثلاث وعشرين سنة.
ولم يكن دعلج حينئذٍ ذا ثروة ولا إنفاق؛ لأنه أقام بعد ذلك بمكة زمانًا، وسمع بها من الحافظ المعمر عالي الإسناد: علي بن عبد العزيز البغوي، المتوفى سنة ٢٨٦، وكان البغوي بغاية الفقر، حتى كان يضطر إلى أخذ الأجرة على الحديث، ... وبقي على ذلك إلى أن مات، إذ لو كَفَّ قبل موته، لكان الظاهر أن يذكر ذلك تلامذتُه الأجلاء، وهم كثير، ولهم حرص على أن يدفعوا عن شيخهم ما عِيب به، فيقول واحد منهم أو أكثر: إنما كان يأخذ للضرورة ثم كَفَّ عن ذلك.
... ، والأبار توفي سنة ٢٩٠، أي وسن دعلج ثلاثون سنة، وعاش دعلج بعده فوق ستين سنة، فإنه توفي سنة ٣٥١، والظاهر مما ذكروه من أنه أقام بمكة زمانًا أنه لم يسكن بغداد إلا بعد وفاة الأبار بمدة، فبالنظر فيما تقدم يتبين أنه ليس هناك أدنى قرينة تقتضي أن يكون دعلج وصل الأبار بفلس واحد.
أما ابن خزيمة فإنه توفي سنة ٣١١، أي بعد وفاة الأبار بإحدى وعشرين سنة، وإنما تجرد للتأليف في العقائد في أواخر عمره، وفي "تذكرة الحفاظ" (ج ٢ ص ٢٦٢) عن الحاكم عن جماعة: لما بلغ ابن خزيمة من السن والرياسة والتفرد بهما ما بلغ،
стр. 1959
كان له أصحاب صاروا أنجم الدنيا .. فلما ورد منصور الطوسي كان يختلف إلى ابن خزيمة للسماع وهو معتزلي ... واجتمع مع أبي عبد الرحمن الواعظ، وقالا: هذا إمام لا يسرع من الكلام وينهى عنه، وقد نبغ له أصحاب يخالفونه، وهو لا يدري فإنهم إلى مذهب (الكلابية) (١) ... " ثم ذكر كلامًا فيه أن ذلك الخلاف كان بعد ضيافة عملها ابن خزيمة "في جمادى الأولى سنة تسع" يعني سنة ٣٠٩، وكأن ذاك الخلاف هو الذي دعا ابن خزيمة إلى التأليف في العقائد، وعلى كل حال فالظاهر البين أن أخذ دعلج كتب ابن خزيمة وإفتاءه بقوله، إنما كان بعد وفاة الأبار بمدة.
وإنما الثابت أن الأبار كان ساخطًا على أبي حنيفة سخطًا ما، كما يدل عليه جمعه ما جمع، وذلك شأن أهل الحديث في عصره، كالبخاري ويعقوب بن سفيان وزكريا الساجي والعقيلي وغيرهم، فإن صح أن يسمى ذلك عداوة وتعصبًا، فهي عداوة دينية، لا ترد بها الشهادة، فكيف الرواية؟ وقد مر إيضاح ذلك في القواعد". اهـ.
• وفي ترجمة الخطيب من "التنكيل" (١/ ١٤٥):
"قال ابن الجوزي في "المنتظم" (ج ٨ ص ٢٦٦) بعد أن عدَّدَ جملةً من مصنفات الخطيب:
"فهذا الذي ظهر لنا من مصنفاته، ومن نظر فيها عرف قدر الرجل وما هُييء له مما لم يتهيأ لمن كان أحفظ منه، كالدارقطني وغيره.
وقد روي لنا عن أبي الحسن ابن الطيوري أنه قال: أكثر كتب الخطيب مستفادة من كتب الصوري، ابتدأ بها.
قال ابن الجوزي: وقد يضع الإنسان طريقا فيُسلك، وما قصر الخطيب على كل حال.
стр. 1960
أقول: لم يُسَمِّ ابن الجوزي مَنْ حَكى له ذاك القول عن ابن الطيوري، وابن الطيوري هذا هو المبارك عبد الجبار، وثقه جماعة، وكذبه المؤتمن الساجي الحافظ، والصوري هو محمد بن عبد الله الساحلي، ترجمته في "التذكرة" (ج ٣ ص ٢٩٣)، وفيها أن مولده سنة ست أو سبع بعد السبعين وثلاثمائة، ووفاته سنة ٤٤١، فهو أكبر من الخطيب بنحو خمس عشرة سنة، ومع حفظه ففي "التذكرة" (ج ٣ ص ٢٩٨) في ترجمة أبي نصر السجزي المتوفى سنة ٤٤٤: "قال ابن طاهر: سألت الحافظ أبا إسحاق الحبال عن أبي نصر السجزي والصوري، أيهما أحفظ؟ فقال: كان السجزي أحفظ من خمسين مثل الصوري".
وفي "التذكرة" (ج ١ ص ٣١٤): "قال ابن ماكولا: كان أبو بكر الخطيب آخر الأعيان ممن شاهدناه معرفة وحفظًا وإتقانًا وضبطًا لحديث رسول الله ﷺ ، وتفننًا في علله وأسانيده، وعلمًا بصحيحه وغريبه وفرده ومنكره ومطروحه، ثم قال: ولم يكن للبغدادين بعد الدارقطني مثله، وسألت الصوري عن الخطيب وأبي نصر السجزي، ففضل الخطيب تفضيلًا بينًا".
وقد علمت أن الصوري توفي سنة ٤٤١، أي قبل وفاة الخطيب باثنتين وعشرين سنة، ووفاة السجزي سنة ٤٤٤، وابن طاهر لقي الحبال سنة ٤٧٠، كما في "التذكرة" (ج ٣ ص ٣٦٣)، فتفضيل الحبال بين السجزي والصوري كان بعد موتهما، فهو بحسب ما انتهى إليه أمرهما، وأما تفضيل الصوري بين الخطيب والسجزي، ففي حياتهما، لكن أحدهما وهو السجزي كان في أواخر عمره، والآخر وهو الخطيب في وسط عمره؛ لأن الصوري مات سنة ٤٤١، كما مَرَّ، فالسؤال منه وجوابه يكون قبل ذلك، فإذا فرضنا أنه قبل ذلك بشهر مثلًا حيث كان سن السائل وهو ابن ماكولا نحو عشرين سنة، فإن مولده ٤٢٢، كان ذلك قبل وفاة السجزي بنحو ثلاث سنين، وقبل وفاة الخطيب بنحو اثنتين وعشرين سنة، فيخرج مما تقدم أن الخطيب -
стр. 1961
باعتراف الصوري- كان قبل موته باثنتين وعشرين سنة بحيث يُفضل تفضيلًا بينًا على من هو بحكم الحبال أحفظ من خمسين مثل الصوري، فما عسى أن يكون بلغ بعد ذلك؟.
وإذا كانت النسبة بينهما هي هذه، فما معنى ما حكى عن ابن الطيوري؟ هل معناه أن الصوري ابتدأ في أكثر الكتب التي تُنسب إلى الخطيب ولم يتم شيئًا منها؟ يقول ابن السمعاني: إن مؤلفات الخطيب ستة وخمسون مصنفًا، فهل ابتدأ الصوري في عمل ثلاثين مصنفًا أو نحوها ولم يتم شيئا منها؟ فإن كان أتم شيئًا منها أو قارب أو على الأقل كتب منه كراسة مثلًا، فقد كان ابن الطيوري من أخص الناس بالصوري، كما يؤخذ من "لسان الميزان" (ج ٥ ص ١٠)، أفلم يكن عنده شيء من ابتداءات الصوري، فيبرز للناس تصديقًا لقوله؟ ... ". اهـ.
• وفي ترجمة طلق بن حبيب من "التنكيل" (١١٤):
"قَوْله -يعني الكوثري-: أبو حنيفة أعرف بمذهب سعيد بن جبير ... مردود عليه؛ فإن سعيد أُخرج من الكوفة عقب وقعة ابن الأشعث، وعُمْرُ أبي حنيفة سنتان أو ثلاث". اهـ.
* * *
стр. 1962
المطلب الرابع
استعمال مواليد ووفيات شيوخ الراوي والآخذين عنه، في معرفة طبقته، أو تقريب سنة مولده ووفاته، أو في نفي الإدراك أو استبعاد السماع، ونحو ذلك
• في ترجمة ابن الصلت من "التنكيل":
"في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ٢٨٦): محمد بن المثنى بن زياد أبو جعفر السمسار، كان أحد الصالحين، صحب بشر بن الحارث، وحفظ عنه، وحدث عن نوح بن يزيد وعفان بن مسلم وغيرهم ...
ثم ذكر قول ابن أبي حاتم: كتبت عنه مع أبي وهو صدوق. وأنه مات سنة ٢٦٠ ... فالسمسار يظهر أنه لم يدرك ابن عيينة، وأن ابن الصلت افتضح في روايته عنه أنه قال: "سمعت ابن عيينة".
فإن ابن عيينة مات سنة ١٩٨، والمُسمّون من شيوخ السمسار ماتوا بعد ذلك بزمان، فبشر بن الحارث سنة ٢٢٧، وعفان ٢٢٠، ونوح بن يزيد قريبًا من ذلك، ولم أظفر بتاريخ وفاته، لكن ذكروا في الرواة عنه: أحمد بن سعد بن إبراهيم أبا إبراهيم الزهري الذي ولد سنة ١٩٨، كما في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ١٨١)، وأحمد بن علي بن الفضيل أبا جعفر الخراز المقرىء، المتوفى سنة ٢٨٦، كما في "تاريخ بغداد" (ج ٤ ص ٣٠٣)، فظهر بذلك أن وفاة نوح كانت سنة بضع عشرة ومائتين أو بعد ذلك.
стр. 1963
أضف إلى ذلك أن من عادتهم أنهم يحرصون على أن يذكروا في ترجمة الرجل أقدمَ شيوخه، وأجلَّهم، فلو عرفوا للسمسار سماعًا من ابن عيينة، أو أحد أقرانه، أو من قرب منه، لكان أولى أن يذكروه في شيوخه من نوح وعثمان.
فإن قيل: إن كان ابن الصلت أراد الكذب، فما الذي منعه أن يسمي شيخًا أشهر من السمسار، وأثبت، لا يُشك في سماعه من ابن عيينة؟
قلت: منعه علمه بأن الكذب على المشاهير سرعان ما يفتضح؛ لإحاطة أهل العلم بما رووه، بخلاف المغمورين، الذين لم يرغب أهل العلم في استقصاء ما رووه". اهـ.
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص ٦٥)
حديث: "من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود: فإنها صدقة".
قال المعلمي في الحاشية:
"الحديث أورده الخطيب في ترجمة: يعقوب بن محمد الزهري، وروى عن ابن معين قال: يعقوب ... صدوق، ولكن لا يبالي عمن حَدَّثَ، حَدَّثَ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي ﷺ قال: من لم يكن عنده صدقة فليلعن اليهود، هذا كذب - الخ.
يريد أن يعقوب يحدث عن الضعفاء والمتروكين، فَحَدَّثَ عن بعضهم عن هشام بن عروة بهذا الخبر الباطل.
وفي "الميزان" في ترجمة يعقوب: أخطأ من قال: إنه يروي عن هشام بن عروة، لم يلحقه، ولا كأنه ولد إلا بعد هشام.
стр. 1964
أقول: مات هشام سنة ١٤٥، وعامة شيوخ يعقوب ماتوا بعد سنة ١٨٠، وكأن يعقوب روى هذا الخبر عن عبد الله بن محمد بن زاذان، عن أبيه، عن هشام". اهـ.
• ونظر المعلمي في رواية عبد الواحد بن قيس -وهو السلمي أبو حمزة الدمشقي النحوي- عن عبادة بن الصامت، فقال في حاشية "الفوائد" (ص: ٢٤٧):
"لا يتحقق له إدراك لعبادة، بل الظاهر البيِّن أنه لم يدركه؛ توفي عبادة سنة ٣٤، ومن زعم أنه تأخر إلى خلافة معاوية، إنما اغتر بحوادث جرت له مع معاوية في إمارته، والمراد بالإمارة إذ كان عاملًا على الشام في خلافة عمر وعثمان، ولو عاش عبادة بعد عثمان لكان له شأن.
وعامّة شيوخ عبد الواحد من التابعين، روى عن أبي إمامة المتوفي سنة ٨٦، وذكروا أنه روى عن أبي هريرة ولم يره، فإن لم يدرك أبا هريرة، فلم يدرك عبادة؛ لأن أبا هريرة عاش بعد عبادة نيفًا وعشرين سنة، وإن كان أدركه ومع ذلك روى عنه ولم يسمعه، فهذا ضرب من التدليس يحتمل أن يقع منه في الرواية عن عبادة على فرض إدراكه له. اهـ.
• وقال الشيخ في محاضرة: علم الرجال وأهميته:
"بكير بن عامر البجلي، لم يعلم تاريخ ولادته ولا وفاته، ولكن روى عن قيس بن أبي حازم، وروى عنه وكيع وأبو نعيم، ووفاة قيس سنة ٩٨، ومولد وكيع سنة ١٢٨، ومولد أبي نعيم سنة ١٣٠، وهؤلاء كلهم كوفيون، وقد ذكر أبن الصلاح وغيره أن عادة أهل الكوفة أن لا يسمع أحدهم الحديث إلا بعد بلوغه عشرين سنة، فمقتضى هذا أن يكون عمر بكير يوم مات قيس فوق العشرين، فيكون مولد بكير سنة ٧٨ أو قبلها، ويعلم أن سماع وكيع وأبي نعيم من بكير بعد أن بلغا عشرين سنة، فيكون بكير قد بقي حيا إلى سنة ١٥٠، فقد عاش فوق سبعين سنة". اهـ.
стр. 1965
الفصل الثانى: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف فى الجرح والتعديل
ويشتمل هذا الفصل على مباحث:
الأول: حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف عامة.
الثاني: ألفاظ وأوصاف ظاهرها الجرح وأخرى لا تقتضي الجرح.
الثالث: ألفاظ وأوصاف ظاهرها التعديل ولا تقتضيه.
المبحث الأول
حدود ومعاني ألفاظ وأوصاف عامة
١ - الفرق بين قول البخاري: "فيه نظر" و"في حديثه نظر ":
• قال الشيخ المعلمي في: "التنكيل" ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني (٤٢).
"ذكروا أن البخاري يقول: "فيه نظر" أو "سكتوا عنه" فيمن هو عنده ضعيف جدًّا، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص ١٦١):
"وكثيرًا ما يعبر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها".
ولم يقل البخاري في الحنيني: "فيه نظر"، إنما قال: "في حديثه نظر"، وبينهما فرق.
فقوله: "فيه نظر" تقتضي الطعن في صدقه، وقوله: "في حديثه نظر" تشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلةٍ أو سوءِ حفظٍ ...