← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

قال أبو أنس: سواء كان الإلحاق بعلم ابن جابر -وحُمل على غير السرقة- أو كان بغير علمه، فقد كان الرجل سيء الحفظ، وكان اعتماده على كتبه، ثم عَمِي، فَوُجِد في كتبه أشياء أُلحقت فيها، واختلط عليه حديثه، وصار يُلقَّن ما ليس من حديثه، فسقط وتُرك، ولم يَعتمد عليه أهل العلم في شيء من روايته، ولم يُخرج له في الصحيحين، لا أصلا ولا استشهادا، وليس له في الكتب الستة سوى الحديث الذي ذكرنا، وهو أيضًا لا يثبت، فإنه من أفراد قيس بن طلق، والله تعالى الموفق. • وتعرض الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٢٦٥) للقاسم ابن أمية الحذاء البصري، فقال: "ذكر الرازيان أنه "صدوق"، وقال ابن حبان: "يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة" ثم ساق له هذا الحديث -يعني حديث: لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك- وقال: لا أصل له من كلام النبي ﷺ . قال ابن حجر: شهادة أبي زرعة وأبي حاتم أنه صدوق أوْلَى. أقول: بل الصواب تتبع أحاديثه، فإن وُجد الأمرُ كما قال ابن حبان ترجَّح قوله، وبان أن هذا الرجل تغيرت حاله بعد أن لقيه الرازيان، وإلا فكونه صدوقًا لا يدفع عنه الوهم، وقد تفرد بهذا". اهـ. • وأورد الشوكاني (ص ٣٧٩) حديث: "مثلي مثل شجرة، أنا أصلها، وعليٌّ فرعها، والحسن والحسين ثمرتها، والشيعة ورقها، فأي شيء يخرج من الطيب إلا الطيب". قال الشوكاني: رواه ابن مردويه عن علي مرفوعًا، وفي إسناده: عباد بن يعقوب وهو رافضي.

стр. 1997

قال المعلمي: "عباد على رفضه وحُمقه صدوق ... ". اهـ. • وترجم المعلمي لـ: محمد بن يونس الجمال في "التنكيل" رقم (٢٤٠) ونقل قولَ الكوثري فيه: "قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ". اهـ. فقال المعلمي: "محمد بن الجهم هو السمري، صدوق، وليس من رجال هذا الشأن ... ". اهـ. • ذكر الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص ٦٣) حديث: "من جاع أو احتاج فكتمه الناسَ وأفضى به إلى الله، فتح الله له برزق [سنة] من حلال". وقال: رواه ابن حبان عن أبي هريرة مرفوعا، وقال: باطل، آفته إسماعيل بن رجاء الحصني. قال في "اللآلىء": أخرجه البيهقي في "الشعب" من هذا الطريق، وقال: ضعيف، تفرد به إسماعيل بن رجاء عن موسى بن أعين وهو ضعيف، وأخرجه الخطيب في "المتفق والمفترق" وقال: غريب. وحكى ابن حجر في "اللسان" عن العجلي والحاكم توثيق إسماعيل، وعن أبي حاتم أنه صدوق. فقال الشيخ المعلمي: "لكن ضعفه الساجي، والعقيلي، والدارقطني، وابن حبان، وابن عدي، والبيهقي، وأنكروا هذا الحديث. وقول أبي حاتم: "صدوق" لا يدفع عنه الغفلة، وكذا توثيق العجلي والحاكم؛ فإن كلمة "ثقة" عندهما لا تفيد أكثر مما تفيده كلمة "صدوق" عند غيرهما، بل دون ذلك". اهـ.

стр. 1998

• في ترجمة: سالم بن عصام من "التنكيل" (٩٥): قال أبو الشيخ الأصبهاني: "كان شيخا صدوقا صاحب كتاب ... ". فقال الشيخ المعلمي (١): "صاحبُ الكتاب يكفيه كونُه في نفسه صدوقًا، وكونُ كتابه صحيحا". اهـ. ٢١ - " صدوق" عند أبي حاتم: • في ترجمة علي بن جرير الباوردي (١٥٩): " ... قال أبو حاتم: "صدوق"، ولم يكن ليقول ذلك حتى يعرفه كما ينبغي، وأبو حاتم معروف بالتشدد، وقد لا تقل كلمة "صدوق" منه عن كلمة "ثقة" من غيره، فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة "صدوق" في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه، هذا هو الغالب". اهـ. • وفي ترجمة عبد السلام بن محمد الحضرمي (١٣٤): "قال الكوثري ص ١٨٦: "يقول عنه أبو حاتم: صدوق. إلا أن هذا اللفظ مصطلح عنده فيمن يجب النظر في أمره، فيكون مردود الرواية إذا لم يتابع". أقول: أبو حاتم: معروف بالتشدد، قلما وجدته يقول في رجل "هو صدوق" إلا وقد وثقه غيره، وعبد السلام هذا ذكره ابن حبان في "الثقات". اهـ. ٢٢ - قولهم: "أرجو أن يكون صدوقا ": • في ترجمة: محمد بن معاوية الزيادي (٢٣٤): "روى النسائي عن هذا الرجل في "عمل اليوم والليلة"، وقال في مشيخته: "أرجو أن يكون صدوقا، كتبت عنه شيئا يسيرا".

стр. 1999

وإنما قال: "أرجو ... " لأنه إنما سمع منه شيئا يسيرا، ولم يتفرغ لاختباره؛ لاشتغاله بالسعي وراء مَنْ هُمْ أعلى منه إسنادا، مِمَّن هم في طبقة شيوخ هذا الرجل، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة صدوق"، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان صاحب حديث". فدل هذا أنه قد عرفه حق معرفته، وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيق مقبول، بل قد يكون أثبت من توثيق كثير من الأئمة، لأن ابن حبان كثيرا ما يتعنت في الذين يعرفهم، ولم يغمزه أحد". اهـ. ٢٣ - قولهم: "لا بأس به ": في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٧٣) حديث: "إن لله ديكا عنقه منطوية تحت العرش، ورجلاه تحت التخوم، فإذا كانت هنية من الليل صاح: سبوح قدوس، وصاحت الديكة". روي من طرق، نقدها الشيخ المعلمي، وبيَّن سقوطها جميعا، قال: "منها ما رواه أبو الشيخ، عن ابن عمر، مرفوعًا، من طريق: عبد الله بن صالح كاتب الليث: ليس بعمدة، حدثني رشدين بن سعد: واهٍ جدًّا، عن الحسن بن ثوبان: لا بأس به، ولكن ليس حَدُّه أن يقبل منه التفرد بمثل هذا لو صح عنه". اهـ. ٢٤ - " أرجو أنه لا بأس به" عند ابن عدي: • قال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٣٥): "هذه الكلمة رأيت ابنَ عدي يطلقها في مواضع تقتضي أن يكون مقصوده: أرجو أنه لا يتعمد الكذب"، وهذا منها، لأنه قالها بعد أن ساق أحاديث يوسف -يعني ابن محمد بن المنكدر- وعامتها لم يتابع عليها". اهـ. • وفي "الفوائد المجموعة" (ص ٤٥٩): حديث: "إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار".

стр. 2000

رواه الطيالسي عن أنس مرفوعًا. قال ابن الجوزي: لا يصح، درست بن زياد، ليس بشيء. قال في اللآلىء: لم يتهم بكذب، بل قال النسائي: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: ضعيف، ووثقه ابن عدي فقال [أرجو] أنه لا بأس به". اهـ. فقال الشيخ المعلمي: "ليس هذا بتوثيق، وابن عدي يذكر منكرات الراوي ثم يقول: "أرجو أنه لا بأس به"، يعني بالبأس تعمدَ الكذب، ودرست واه جدًّا". اهـ. ٢٥ - " لا أخرج عنه في الصحيح حرفا واحدا ": • في ترجمة: الحسين بن أحمد الهروي الصفار من "التنكيل" (٨٠): "قال البرقاني: ... عندي عنه رزمة، ولا أخرج عنه في الصحيح حرفًا واحدًا ... ". قال الشيخ المعلمي: "عبارة البرقاني إنما فيها أن الرجل ليس بحجة، ولا يخرج عنه في الصحيح، وهذا يشعر بأنه يروي عنه في غير الصحيح للاعتبار". اهـ. ٢٦ - الفرق بين قولهم: "كأنه ضعفه" و"ضعفه ": • في ترجمة: مؤمل بن إهاب من "التنكيل" (٢٥٤): "قال الكوثري في "التأنيب" ص ٦٥: "ضعفه ابن معين على ما حكاه الخطيب". قال الشيخ المعلمي: "فَبَيَّنْتُ -يعني في ترجمة إبراهيم بن بشار من "التنكيل"- أن الخطيب إنما حكى عن ابن الجنيد قال: "سُئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن إهاب، فكأنه ضعفه". وقد وثقه جماعة.

стр. 2001

فقال الأستاذ في "الترحيب" ص ٤٥: "فقول القائل: كأنه ضعفه، لا يفرق كثيرًا من قوله: ضعفه؛ لكون الحُكم على الأحاديث بالصحة والضعف، وعلى الرجال بالثقة والضعف -في أخبار الآحاد- مبنيا على ما يبدو للناظر، لا على ما في نفس الأمر، فظهر أن ذلك عبارة عن غلبة الظن فيما لا يقين فيه، وسبق أن نقلنا عن أحمد في الرمادي: كأنه يغير الألفاظ - وقد بنى عليه الذم الشديد، باعتبار أن ظن الناظر ملزم". أقول: ابن الجنيد هنا راوٍ، لا ناظر، وباب الرواية اليقين، فإن كان قد يكفي الظن، فذاك الظنُّ الجازمُ، وآيته أن يجزم الراوي الثقة. فأما قوله: "أظن" مثلا، فإنه يصدق بظنٍّ ما، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، فما بالك بقوله: "فكأنه ضعفه". وأصل كلمة: "كأن" للتشبيه، والتشبيه يستلزم كون المشبَّه غير المشبَّه به. فأما معناها الثاني، فعبر عنه في "مغنى اللبيب" بقوله: "الشك والظن"، فدل ذلك على أنها دون "أظنه". وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من "مقدمة الفتح" مثل هذه الكلمة: "كأنه ضعيف"، فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله: "هذا ظنٌّ، لا تقوم به حجة". هذا، وتردد ابن الجنيد يحتمل وجهن، أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سُئل عن مؤمل ما يُشعر بأنه لم يعجبه مؤمل، ولا ندري ما الذي جرى منه، وما قدر دلالته؟ على أنهم مما يقولون: "ضعفه فلان" مع أن الواقعَ من فلانٍ تليينٌ يسيرٌ، كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد، فما بالك بقوله: "فكأنه ضعفه"؟. وإنما ينقل أهلُ العلم أمثالَ هذه الكلمة؛ لاحتمال أن يوجد تضعيفٌ صريحٌ، فيكون مما يعتضد به، فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق.

стр. 2002

نعم، الثقات يتفاوتون في درجات التثبت، ويظهر أن مؤملًا لم يكن في أعالي الدرجات، ففي الرواة من هو أثبت منه، وإنما يظهر أمر (١) ذلك عند التخالف والتعارض عند الأولين. فأما كلمة الإمام أحمد في إبراهيم بن بشار الرمادي، فقد تقدم لفظها في ترجمة إبراهيم، فراجعها، يتبين لك أن أحمد كان جازمًا بأن إبراهيم كان يملي على الناس على خلاف ما سمعوا، وأنه إنما لامَهُ وذمَّه على ذلك". قال أبو أنس: يناسب هنا نَقْلُ ما أشار إليه المعلمي في ترجمة إبراهيم من "التنكيل" رقم (٢)، ثم نعود إلى بقية كلامه هنا، ففي ترجمته: "يقول ابن أبي حاتم: أنبأنا عبد الله بن أحمد بن حنبل فيما كتب إلي، قال: سمعت أبي، وذكر إبراهيم بن بشار الرمادي، فقال: كان يحضر معنا عند سفيان، ثم يملي على الناس ما سمعوه من سفيان، وربما أملى عليهم ما لم يسمعوا -كأنه يغير الألفاظ، فتكون زيادة ليس في الحديث، فقلت له: ألا تتقي الله، تملي عليهم ما لم يسمعوا- وذَمَّه في ذلك ذمًا شديدًا". وقال ابن معين: ليس بشيء، ولم يكتب عند سفيان، وكان يملي على الناس ما لم يَقُلْهُ سفيان. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال أبو عوانة في "صحيحه": .. ثقة، من كبار أصحاب ابن عيينة، وممن سمع منه قديما.

стр. 2003

وقال الحاكم: ثقة مأمون، من الطبقة الأولى من أصحاب ابن عيينة. وقال يحيى بن الفضل: كان والله ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان متقنًا ضابطًا، صحب ابن عيينة سنين كثيرة، وسمع أحاديثه مرارًا ... ، ولقد حدثنا أبو خليفة، ثنا إبراهيم بن بشار الرمادي، قال: حدثنا سفيان بمكة وعبادان، وبين السماعين أربعون سنة. سمعت أحمد بن زنجويه يقول: سمعت جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: كان الحميدي لا يكتب عند سفيان بن عيينة، وإبراهيم بن بشار أحفظهما. أقول: يتحصل من مجموع ما ذُكر أن إبراهيم كان قد سمع من سفيان بن عيينة قديمًا، ثم كان يحضر مجالسه، فربما حدث سفيان ببعض تلك الأحاديث، فربما أبدل كلمة بأخرى، أو نحو ذلك، على ما هو معروف من عادة سفيان في الرواية بالمعنى، وكان بعض الحاضرين لا يتمكنون من الحفظ أو الكتابة وقت السماع، فإذا فرغ المجلس، رغبوا إلى إبراهيم، فيملي عليهم ذاك المجلس، فربما أملى عليهم كما حفظ سابقا، ويكون في ذلك ألفاظ مغايرة للألفاظ التي عَبَّرَ عنها سفيان في ذاك المجلس، فذاك الذي أنكره عليه أحمد ويحيى. وقد يقال: إن كان إبراهيم لم يشعر بالاختلاف، فالخطبُ سهلٌ، وإن شعر به فغايته أن يكون استساغ للجماعة أن يذهب أحدهم فيروي عن سفيان كما حدث سفيان قديمًا، وإن كان هو إنما سمعه بتغيير ما في الألفاظ، كما ساغ لسفيان أن يروي ما سمعه تارة كما سمعه، وتارة بتغيير ما في الألفاظ، بل هذا أسوغ؛ فإن اللفظين كلاهما صحيح عن سفيان. وبالجملة، فهذا توسُّعٌ في الرواية بالمعنى لا يوجب جرحا، وظاهر قول أحمد: "كأنه يغير الألفاظ" أنه جَوَّزَ أن إبراهيم يغير الألفاظ من عنده، وذلك أشَدُّ.

стр. 2004

وهكذا ما يُروى عن ابن معين، قال في إبراهيم: "رأيته ينظر في كتاب، وابن عيينة يقرأ، ولا يغير شيئًا، ليس معه ألواح ولا دواة"، فالكتاب الذي كان ينظر فيه سماعُه القديم من ابن عيينة، فكان يعيدُ سماعَه؛ ليتثبت، وقد عرف عادة ابن عيينة في الرواية بالمعنى، فلم يكن يلتفت إلى اختلاف بعض الألفاظ، ولعله لو رأى اختلافا معنويا لراجع ابن عيينة، إما في المجلس وإما بعده. وقد جاء عن يحيى القطان أنه ذكر لابن عيينة ما قد يقع في حديثه من اختلافٍ، فقال ابن عيينة: "عليك بالسماع الأول، فإني قد سئمت" كما في "فتح المغيث" ص ٤٢٩. وفي "التهذيب": "وقال أحمد: كأن سفيان الذي يروي عنه إبراهيم بن بشار ليس هو سفيان بن عيينة. يعني مما يغرب عنه، وكان مكثرا عنه". أقول: وحُقَّ لمن لازم مثل ابنِ عيينة في كثرة حديثه عشراتِ السنين أن يكون عنده عنه ما ليس عند غيره ممن صحبه مدة قليلة. نعم، قال البخاري في إبراهيم: يهم في الشيء بعد الشيء، وهو صدوق. وأورد له حديثا رواه ابن عيينة مرفوعا (١)، وغيره يرويه عن ابن عيينة مرسلا، قال ابن عدي: لا أعلم أُنكر عليه إلا هذا الحديث الذي ذكره البخاري، وباقي حديثه مستقيم، وهو عندنا من أهل الصدق. أقول: فإن كان وهم في هذا، فهو وهم يسير في جانب ما روى، فالرجل ثقة ربما وهم، والسلام". اهـ.

стр. 2005

ثم قال الشيخ المعلمي في الموضع السابق من ترجمة مؤمل بن إهاب: "وإنما قال: "كأنه يغير الألفاظ" لأحد أمرين: الأول: أن يكون أحمد جَوَّز أن تكون العبارة التي ساقها إبراهيم هي عبارة ابن عيينة نفسه قبل ذلك المجلس، وأن تكون عبارة إبراهيم نفسه بأن غير ألفاظ ابن عيينة وعبر عن المعنى، وكانت نَفْسُ أحمد مائلةً إلى هذا الاحتمال الثاني، فقال: "كأنه يغير الألفاظ"، أي من عنده. الأمر الثاني: أن يكون أحمد قد علم جملةً حين سمع في ذاك المجلس عبارةَ سفيان، ثم عبارة إبراهيم: اختلاف العبارتين، ولم يُحقق حينئذٍ وجهَ الاختلاف، ثم لمّا أُخبر بذلك مال إلى أن الوجه هو تغيير الألفاظ، وعلى كلا الأمرين فأحمد مُحَقِّقٌ لاختلاف العبارتين جازمٌ به، وعلى ذلك بَنَى اللومَ والذمَّ، لا على مجرد احتمال أن إبراهيم يغير الألفاظ. فإن قيل: اختلافُ العبارتين مستلزمٌ لتغيير الألفاظ؟ قلت: إن صَحَّ هذا، استعملَ أحمد: "كأن" في التحقيق بدليل ما قبلها، وذلك خلاف المعنى المتبادر منها. وليس في نقل ابن الجنيد ما يوجب صرفَها عن أصل معناها الذي تقدم بيانه. وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى المنقول عن غيره، وقد ذكرت في "الطليعة" توثيق الأئمة لمؤمل، وبذلك يرجح رجحانًا ظاهرًا أن ابن معين لم يضعفه. والله المستعان". اهـ. ٢٧ - قولهم: "تكلموا فيه" في مقابل التوثيق: • في ترجمة: أحمد بن محمد بن عبد الكريم أبي طلحة الفزاري الوساوسي من "التنكيل" (٣٥):

стр. 2006

"سئل عنه الدارقطني فقال: "تكلموا فيه" (١)، وقال الخطيب في "التاريخ" (ج ٥ ص ٥٨): "سألت البرقاني عن أبي طلحة الفزاري فقال: ثقة". فكلمة "تكلموا فيه" ليست بجرح؛ إذ لا يُدرى من المتكلم وما الكلام؟ والتوثيق صريحٌ، فالعمل عليه". اهـ. • وفي ترجمة محمد بن إسماعيل بن يوسف السلمي أبي إسماعيل الترمذي (١٩٣). قال ابن أبي حاتم: "تكلموا فيه". فقال الشيخ المعلمي: لا يُدرى من المتكلم ولا الكلام، وقد وثقه النسائي ومَسْلمة والدارقطني، وغيرهم، فهو ثقة حتمًا (٢). اهـ.

стр. 2007

• وفي ترجمة: علي بن زيد بن عبد الله أبي الحسن الفرائضي من "التنكيل" (١٦٠). قال ابن يونس: "تكلموا فيه". قال الشيخ المعلمي: "لم يبين من المتكلم، ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة". والتوثيق مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى (١). ٢٨ - قولهم: "كُفَّ بصره فاضطرب حديثه ": • في ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني أبي يعقوب المدني من "التنكيل" (٤٢): ... قال البزار: كُفَّ بصرُه فاضطرب حديثه. فقال الشيخ المعلمي: " ... كلمة البزار تقتضي أن حديثه كان قبل عماه مستقيمًا، فينظر متى عمي؟ ". اهـ. ٢٩ - قولهم: "ضعيف، ومع ضعفه يكتب حديثه ": • في ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني أيضا: نقل الشيخ المعلمي قولَ ابن عدي هذا في إسحاق، وذكر أنه يقتضي أنه يعتبر به. ٣٠ - قولهم: "في حديثه بعض المناكير ": نقله المعلمي أيضا من قول أبي أحمد الحاكم في إسحاق هذا، وقال بمثل قوله في قول ابن عدي السابق.

стр. 2008

٣١ - قولهم: "كبر وافتقر ": • في "الفوائد المجموعة" (ص ٢١٩) قال الشيخ المعلمي في: داود بن فراهيج مولى قيس بن الحارث بن فهر: "ضعفه شعبة ويحيى وغيرهما، وهو صدوق في الأصل، ولكنه تغير بأخرة. وقال يعقوب الحضرمي: "ثنا شعبة عن داود، وكان قد كبر وافتقر"، وهذه كلمة شديدة". • وفي (ص ٣٥٥) منه: "كان في أول أمره لا بأس به، ثم تغير، قال يعقوب الحضرمي: ثنا شعبة عن داود، وكان قد كبر وافتقر" (١) وهذه الكلمة شديدة؛ فإنها تُشعر باتهامه بأن يكون حمله الكِبَر والفقر على التقرب إلى بعض الناس برواية ما يَسُرُّهم. اهـ.

стр. 2009

٣٢ - قولهم: "لو لم يصنف كان خيرا له ": • في ترجمة: أسد بن موسى المعروف بـ "أسد السنة" من "التنكيل" (٤٦): قال ابن حزم: منكر الحديث. وقد قال البخاري: مشهور الحديث. فقال الشيخ المعلمي: "هذا بحسب الظاهر يبطل قول ابن حزم، لكن يجمع بينهما قولُ ابنِ يونس: حدث بأحاديث منكرة، وأحسب الآفة من غيره. وقولُ النسائي: ثقة، ولو لم يصنف كان خيرًا له. وذلك أنه لما صنف احتاج إلى الرواية عن الضعفاء، فجاءت في ذلك مناكير، فحمل ابن حزم على أَسَد، ورأى ابنُ يونس أن أحاديثه عن الثقات معروفة. وحَقَّقَ البخاري فقال: حديثه مشهور. يريد -والله أعلم-: مشهور عَمَّنْ روى عنهم، فما كان فيه من إنكارٍ فَمِنْ قبله. وقد قال ابن يونس أيضًا والبزار وابن قانع: ثقة وقال العجلي: ثقة، صاحب سنة. وفي "الميزان". استشهد به البخاري، واحتج به النسائي وأبو داود، وما علمت به بأسًا. اهـ. ٣٣ - قولهم: "فيه ضعف" أَخَفُّ من: "ضعيف ": • أشار إلى ذلك الشيخ المعلمي في ترجمة: النضر بن محمد المروزي من "التنكيل" (٢٥٧). ٣٤ - قولهم: "كان يتهم بداء سوء ": • في ترجمة: صالح بن محمد التميمي الحافظ الملقب "جزرة" (١١٠): ذكر الكوثري ص ١٨٧ قول صالح في الحسن بن زياد اللؤلؤي: "ليس بشيء، لا هو محمود عند أصحابنا ولا عندهم، يُتهم بداء سوء، وليس هو في الحديث بشيء".

стр. 2010

ثم قال الكوثري: " ... والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار استهانتهم بأمر القذف الشنيع، هكذا فيما لا يُتَصوَّرُ قيامُ الحجة فيه، مع علمهم بحكم الله في القذفة .. " فقال الشيخ المعلمي: "قوله: والعجب من هؤلاء الأتقياء الأطهار ... ، إن أراد به قول صالح في الحسن ابن زياد: يُتهم بداء سوء، فليس بقذفٍ، كما لا يخفى على ذي فقه. أولًا: لأن صالحًا لم يُثبِتْ، وإنما ذكر أن الحسن يُتهم، أي يتهمه بعض الناس، وفي كتب الحنفية أنفسهم: إن قال: قد أُخبرت بأنك زانٍ، لم يكن فيه حَدٌّ. ثانيًا: لأنه لم يثبت الفعل، وإنما أثبت اتهام بعض الناس. ثالثًا: لم يذكر صريح الزنا، وإنما قال "بداء سوء"، وأدواء السوء كثيرة، بل لعل تلك الكلمة لا تعريض فيها بموجِب الحَدِّ، وإنما المراد بداء السوء ما دون الفاحشة. ولم تقتصر حال اللؤلؤي على التهمة بما دون الفاحشة، بل شهد عليه الأئمة الأثبات بفعله في الصلاة، كما سلف في ترجمة الخطيب، وتراه في ترجمة اللؤلؤي من "لسان الميزان" وغيره. وصالح مكلف شرعًا بإخبار سائله عن اللؤلؤي بحاله في ما يقتضي عدالته أو جرحه، وقد نَصَّ جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في المسئول عنه: "هو زان" لم يكن قذفًا محرمًا، وإنما هو شهادة وجب عليه أداؤها. فتدبر ما تقدم، ثم انظر هل هناك كلمة يؤدي بها صالح ما وجب عليه أعف وأطهر من قوله "يُتهم بداء سوء"؟. وقد حكى الحنفية أنفسهم عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة كلمةً شنيعةً، قالها، وليس في صدد جرح، بل في مدح نفسه وذم من كان ينازعه في ولاية القضاء، وسبق في ترجمة الخطيب كلمات الكوثري في حقه.

стр. 2011

فالأستاذ يستحل لنفسه ولأصحابه ما لا يكاد يحل لمن رُفع عنه القلم، ويحاول التشنيع على هذا الحافظ المجمع على ثقته وأمانته بكلمةٍ هي أعفُّ وأطهرُ ما يمكنه أن يؤدي بها ما أوجب الله تعالى عليه، ثم يضج ويعج من مخالفيه إذا نسبوه إلى تعمد المغالطة". اهـ. * * *

стр. 2012

المبحث الثاني ألفاظ وأوصاف ظاهرها الجرح، لكنها ربما لا تقتضيه، إذا دلت القرائن على ذلك ١ - قولهم: "لم يكن من أصحاب الحديث ": • في ترجمة: محمد بن أبي عتاب أبي بكر الأعين من "التنكيل" (٢١٨): قال ابن معين: لم يكن من أهل الحديث (١). قال المعلمي: "هذه كلمة مجملة، وقد فَسَّرها الخطيب بقوله: "يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل (٢)، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعًا عنه". وقال الإمام أحمد: "رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه".

стр. 2013

وذكره ابن حبان في "الثقات" (١). وأخرج له مسلم في مقدمة "صحيحه" (٢) ". اهـ. ٢ - قولهم: "لا أعرفه بطلب الحديث" أو "ما رأيته طلب حديثًا قط ": • في ترجمة: الحسن بن علي بن محمد الحلواني من "التنكيل" (٧٧): قال الشيخ المعلمي: "قال فيه يعقوب بن شيبة: "كان ثقة ثبتًا"، وقال النسائي: "ثقة"، وقال الترمذي: "كان حافظا"، وقال الخليلي: "كان يشبه أحمد في سمعته وديانته"، وقال الخطيب: "كان ثقة حافظا"، وروى عنه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وأبو داود مع أنه لا يروي إلا عن ثقة، ومع شدة متابعته لأحمد". وقد قال الكوثري ص ١٠٩: "لم يكن أحمد يحمده كما ذكره الخطيب". فقال الشيخ المعلمي: "إنما لم يحمده أحمد؛ لأنه بلغه عنه أنه مع قوله "القرآن كلام الله غير مخلوق ما نعرف غير هذا" امتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن، فكأنَّ أحمد رأى أن امتناع العالم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم، يكون ذريعة لانتشار تلك البدعة، التي جَدَّ أهلها -والدولة معهم- في نشرها وحمل الناس عليها، ولعلَّ الحلواني لم ينتبه لهذا، وعارض ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم. فأما قول أحمد: "لا أعرفه بطلب الحديث، ولا رأيته يطلبه" فَحَقٌّ وصدقٌ؛ أحمد في بلدٍ والحلواني في بلد آخر، وقد قال يحيى القطان في عبد الواحد بن زياد: "ما رأيته طلب حديثًا قط"، ولم يَعُدُّوا هذا تضعيفًا". اهـ.

стр. 2014

٣ - قولهم: "حدَّث بما ليس في كتابه" أو "حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه"، والفرق بينها وبين: "حدَّث بما ليس في حديثه" و"حدث من حفظه بما ليس عنده" و"يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله" و"يروي عما ليس عليه سماعه ": • في ترجمة: أحمد بن سلمان النجاد من "التنكيل" (١٩): قال الكوثري: ص ٦٥: "يقول فيه الدارقطني: يحدث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله". وفي ص ١٢٥: "والنجاد ممن يروي عما ليس عليه سماعه كما نص على ذلك الدارقطني، كما في (٤/ ١٩١) من "تاريخ الخطيب"، وليس قول الدارقطني فيه: قد حدَّث أحمد بن سلمان من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله، مما يزال بِلَعَلَّ ولَعَلَّ". فقال الشيخ المعلمي: "لفظ الدارقطني: "حَدَّثَ .... " كما في "تاريخ بغداد" في الموضع الذي أحال عليه الأستاذ، وهكذا في "تذكرة الحفاظ" وفي "الميزان" و"اللسان"، وهذه الكلمة تصدق بمرة واحدة، كما حملها عليه الخطيب؛ إذ قال: "كان قد كُفَّ بصرُه في آخر عمره، فلَعَلَّ بعضَ طلبة الحديث قرأ عليه ما ذَكر الدارقطني". بخلاف ما نسبه الأستاذ إلى الدارقطني أنه قال: "يحدث من كتاب غيره ... "، "ممن يروي عما عليه سماعه"؛ فإن هاتين العبارتين تُعطيان أن ذلك كان مِنْ شأنِهِ، تَكَرَّرَ منه مرارًا (١)!

стр. 2015

وقول الأستاذ "مما يُزَال بِلَعَلَّ ولَعَلَّ" يريد قولَ الخطيب: " .. فلعل بعض الطلبة ... " وقد مَرَّ، ولولا شدةُ غيظِ الأستاذ على المحدثين لاكتفى بنص عبارة الدارقطني وعبارة الخطيب قائلًا: فعلى هذا ينبغي التثبت فيما يرويه عن النجاد من لم يكن في عصره معروفًا بالتيقظ، وراوي تينك الحكايتين عن النجاد هو محمد بن عبد الله بن أبان الهيتي، قال فيه الخطيب " ... وكان مغفلًا مع خلوه عن علم الحديث ... "، وإذا كانت هذه نهايته فما عسى أن تكون بدايته؟ فلا يؤمن أن يكون سمع تينك الحكايتين من النجاد في ذاك المجلس الذي حدث فيه النجاد من كتاب غيره بما ليس في أصوله. أقول: لو كان الأستاذ يكفكف من نفسه لاكتفى بهذا أو نحوه، فإذا قيل له: القضية النادرة لا يعتد بها في حمل غيرها عليها، وإنما الحمل على الغالب، فقد يمكنه أن ينازع في هذا. أما أنا فأقول: إنما قال الدارقطني: "بما لم يكن في أصوله"، ولم يقل: "بما لم يكن من حديثه"، أو نحو ذلك، فدل هذا على احتمال أن يكون ما حَدَّث به من ذلك الكتاب كان من حديثه أو روايته، وإن لم يكن في أصوله، وذلك كأن يكون سمع شيئًا فحفظه، ولم يثبته في أصله، ثم رآه في كتاب غيره كما حفظه، فحدث به، أو يكون حضرَ سماعَ ثقةٍ

стр. 2016

غيرِه في كتاب، ولم يُثبت اسمَه فيه، ثم رأى ذلك الكتاب، وهو واثق بحفظه، فحدَّث منه بما كان سمعه، أو تكون له إجازةٌ بجزءٍ معروفٍ، ولا أصل له به، ثم رأى نسخةً موثوقًا بها منه، فحدَّث منها. نعم، كان المبالغون في التحفظ في ذاك العصر لا يحدث أحدهم إلا بما في أصوله، حتى إذا طولب أبرزَ أصلَهُ، ولا ريب أن هذا أحوط وأحزم، لكنه لا يتحتم جرحُ مَنْ أخَلَّ بذلك إذا كانت قد ثبتت عدالته وأمانته وتيقظه، وكان ما وقع منه محتملًا لوجهٍ صحيح. وقد قال أبو علي ابن الصواف: "كان النجادُ يجيء معنا إلى المحدثين ونعله في يده، فيقال له في ذلك، فيقول: أحب أن أمشي في حديث رسول الله ﷺ حافيًا" .... وكان ابن رزقويه يقول: "النجاد ابن صاعدنا". قال الخطيب: "عني بذلك أن النجاد في كثرة حديثه، واتساع طرقه، وأصناف فوائده لمن سمع منه، كابن صاعد لأصحابه؛ إذ كل واحد من الرجلين كان واحدَ وقته". وقال الخطيب: "كان صدوقًا عارفًا، صنف كتابا كبيرًا في السنن، وكان له بجامع المنصور حلقةً قبل الجمعة للفتوى، وحلقة بعدها للإملاء" هكذا في "تذكرة الحفاظ" (ج ٣ ص ٨٠)، وقال الذهبي أول الترجمة: "النجاد الإمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد". وقد روى عنه الأئمة؛ كالدارقطني وابن شاهين والحاكم -وأكثر عنه في المستدرك- وابن منده وابن مردوية وغيرهم، ولم يُنْكَرْ عليه حديثٌ واحدٌ. الثقةُ تثبتُ بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته، لم يُقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة، لا احتمال فيها، كما تقدم في القواعد. والله الموفق". اهـ.

стр. 2017

• وفي ترجمة: أحمد بن كامل القاضي منه (٢٩): قال الكوثري ص ٤٣: "وأحمد بن كامل القاضي فيه يقول الدارقطني: .. كان متساهلًا في الرواية؛ ربما حدث من حفظه بما ليس عنده، كما رواه الخطيب". فقال الشيخ المعلمي: "ذكرت في "الطليعة" (ص ٦٩) أن عبارة الدارقطني كما في "تاريخ بغداد" (١) وغيره " .. بما ليس عنده في كتابه". وهذا القيد "في كتابه" يدفع القَدْحَ؛ فإنه لا يلزم من عدم كون الحديث عند أحمد في كتابه أن لا يكون عنده في حفظه. .. ولا يخفى أن الظاهر من قولهم: "عنده" يتناول ما في كتابه وما في حفظه، وعادةُ النقادِ جاريةٌ على هذا الظاهر، وتجد أمثلة من ذلك في "تهذيب التهذيب" (ج ١ ص ١١٠)، ولا حاجة إلى تتبع نظائر ذلك ما دام هو الموافق للظاهر كما تقدم. .. وغاية الأمر أن الدارقطني رأى أنه كان الأحوط لأحمد بن كامل أن لا يحدث بما ليس في كتابه، وإن كان يحفظه، وتَرْكُ الراوي للأحوط لا يقدح فيه، بل إذا خاف أن يكون تركه رواية ما حفظه ولم يثبته في كتابه الأصل كتمانًا للعلم وتعريضًا للضياع وجبَ عليه أن يرويه، وراجع ما تقدم في ترجمة: أحمد بن جعفر بن حمدان". اهـ. ٤ - قولهم: "لو قدر أن يسرق حديث فلان لسرقه ": • في ترجمة: محمد بن بشار بندار -المتفق على ثقته- من "التنكيل" (١٩٥): ذكر الكوثري اتهامه بسرقة الحديث.

стр. 2018

فقال الشيخ المعلمي: "هذا ثقة جليل، وثقه أبو حاتم مع تشدده، والنسائي، والذهلي، ومَسْلمة، وابن خزيمة، وكان يسميه: "إمام زمانه"، وآخرون، واحتج به الشيخان في "الصحيحين"، وبقية الستة. وفي "التهذيب" عن "الزهرة": "روى عنه البخاري مائتي حديث وخمسة أحاديث، ومسلم أربعمائة وستين". ... وأما سرقة الحديث فإنما أخذها الأستاذ مما رُوي عن أبي موسى (١) أنه سبق بندارا إلى تصنيف حديث "داود بن أبي هند"، ثم قال: هنا قومٌ لو قدروا أن يسرقوا حديثَ داودَ لسرقوه -يعني بندارا-. وإنما كانت بين الرجلين منافسة، فأراد أبو موسى أن بندارا يحسده على السبق إلى تصنيف حديث داود، حتى لو أمكنه أن يسرق ذاك الكتاب؛ ليفقده أبا موسى لفعل. وليس هذا من سرقة الحديث في شيء، ولم يقع من بندار لا هذا ولا ذاك، ولا هو ممن يقع منه ذلك، وإنما بالغ أبو موسى كما لا يخفى. ومع هذا، لم يكن بين الرجلين بحمد الله ما يسمى عداوة، وقد توفي بندار قبل أبى موسى، فجاء بعض الجهلة إلى أبي موسى، فقال له: البشرى، مات بندار. يعني: وخلا لك الجو. فقال له أبو موسى: جئت تبشرني بموته؟! علي ثلاثون حجة إن حدثت أبدا. فعاش بعد ذلك تسعين يوما، لم يحدث، ثم مات رحمهما الله تعالى. وإنما حلف أبو موسى أن لا يحدث ندامةً على ما سبق منه من المنافسة، وإظهارا لأنها لم تبلغ به أن يُسَرَّ بموت صاحبه، فامتنع من التحديث الذي كانت المنافسة فيه". اهـ.

стр. 2019

٥ - قولهم: "كان يجبي الخراج ": • في ترجمة: عنبسة بن خالد من "التنكيل" (١٧٥): في كتاب ابن أبي حاتم (ج ٣ قسم ١ ص ٤٠٢): "سألت أبي عن عنبسة بن خالد فقال: كان على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن". وقال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه، وكان أحمد يقول: ما لنا ولعنبسة ... هل روى عنه غير أحمد بن صالح؟ وقال يحيى بن بكير: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن بموضع للكتابة عنه. فقال الشيخ المعلمي: "أبو حاتم ولد سنة ١٩٥، وأول طلبه الحديث سنة ٢٠٩، وإنما دخل مصر بعد ذلك بمدة، فلم يدرك عنبسة، ولا ولايته الخراج؛ لأن عنبسة توفي سنة ١٩٨، ولا يُدرى من أخبر أبا حاتم بذلك؟ فلا يثبت ذلك، ولا ما يترتب عليه من الجرح. وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم (ابن وارة) يقول: روى ابن وهب عن عنبسة بن خالد. قلت لمحمد بن مسلم: فعنبسة بن خالد أحب إليك أو وهب الله بن راشد؟ فقال: سبحان الله، ومن يقرن عنبسة إلى وهب الله؟ ما سمعت بوهب الله إلا الآن منكم. فقد روى عن عنبسة: أحمد بن صالح على إتقانه، وعبد الله بن وهب على جلالته وتقدمه، وكل منهما أعقل وأفضل من مائة مثل يحيى بن بكير، وروى عنه محمد بن مهدي الإخميمي وغيرهم كما في "التهذيب". فأما الإمام أحمد، فكأنه سمع بأن عنبسة كان يجبي الخراج، فكرهه لذلك، وليس في ذلك ما يثبت به الجرح، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج له البخاري في "الصحيح" مقرونًا بغيره، وأخرج له أبو داود في "السنن" ...

стр. 2020

فعنبسة يروي عنه ابن وهب، ويصدقه أحمد بن صالح، ويثني عليه ابن وارة، ويثبته أبو داود، ويستشهد به البخاري، ويوثقه ابن حبان". اهـ. ٦ - قولهم: "في خلقه زعارة ": • في ترجمة: أيوب بن إسحاق بن سافري من "الطليعة" (ص ٤٤): في ترجمته من "تهذيب تاريخ ابن عساكر" (ج ٣ ص ٢٠٠) عن ابن يونس: " ... وكان في خُلقه زعارة، وسأله أبو حميد في شيء يكتبه عنه، فمطله ... "، ومعروف في اللغة ومتكرر في التراجم أن يقال: "في خلق فلان زعارة"، أي شراسة، وهذا وإن كان غيرَ محمودٍ، فليس مما يقدح في العدالة، أو يخدش في الرواية" (١). ٧ - شُرْبُ النبيذ على مذهب العراقيين: • في ترجمة: الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان أبي علي بن أبي بكر من "التنكيل" (٧٣): قال الخطيب (ج ٧ ص ٢٧٩): "كتبنا عنه، وكان صدوقًا صحيح الكتاب، وكان يفهم الكلام على مذهب الأشعري، وكان مشتهرًا بشرب النبيذ، إلى أن تركه بأخرة، كتب عنه جماعة من شيوخنا كأبي بكر البرقاني ... سمعت أبا الحسن بن رزقويه

стр. 2021

يقول: أبو علي ابن شاذان من أوثق من برأ الله في الحديث، وسماعي منه أحب إلي من السماع من غيره، أو كما قال". فقال الشيخ المعلمي: "سماع البرقاني وغيره منه يدل أنه كان على مذهب العراقيين في الترخص في النبيذ، ومثل ذلك لا يُجرح به اتفاقًا، ومع ذلك فقد ترك ذلك بأخرة، وسماع الخطيب منه متأخر، وغالب السماع أو جميعه في ذاك العصر من الكُتب، وقد قال الخطيب: "كان صدوقًا صحيح الكتاب". اهـ. ٨ - عدم الحنكة السياسية: • في ترجمة: سعيد بن مسلم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير من "التنكيل" (٩٦): قال الكوثري ص ٤٦: "عامل أرمينية في عهد الرشيد، وقد حاق بالمسلمين ما حاق من البلايا هناك من سوء تصريف هذا العامل شئون الحكم، وابتعاده في الحكم عن الحكمة والسداد، كما في "تاريخ ابن جرير" وغيره". اهـ. فقال الشيخ المعلمي: "حُسن السياسة شيء، والصدق في الرواية شيء آخر، ولسعيد ترجمة في "تاريخ بغداد" (ج ٩ ص ٧٤)، وفيها: " ... قال العباس بن مصعب: قدم مرو زمان المأمون ... وكان عالما بالحديث والعربية، إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس". ولو قال الأستاذ: لم يُوثَّق، لَكَفَاهُ". اهـ. ٩ - اللحن في الأسماء، وعدم رجوع الراوي عن الخطأ الذي يراه من غيره: • في ترجمة: المسيب بن واضح من "التنكيل" (٢٤٥): يقول أبو حاتم عن المسيب: صدوق يخطىء كثيرا، فإذا قيل له لم يقبل. اهـ.

стр. 2022

قال الشيخ المعلمي: "ذكر الخطيب في "الكفاية" (ص ١٤٣ - ١٤٧) ما يتعلق بخطأ الراوي وبعدم رجوعه، فذكروا أنه يرد رواية من كان الغالب عليه الغلط، ومن يغلط في حديثٍ مجتمع عليه، فينكر عليه، فلا يرجع. ومعلوم من تصرفاتهم ومن مقتضى أدلتهم أن هذا حكم الغلط الفاحش الذي تعظم مفسدته، فلا يدخل ما كان من قبيل اللحن الذي لا يُفسد المعنى. ومن قبيل ما كان يقع من شعبة من الخطأ في الأسماء، وما كان يقع من وكيع، وأشباه ذلك، وكما وقع من مالك؛ كان يقول في عمرو بن عثمان: عمر بن عثمان، وفي معاوية بن الحكم: عمر بن الحكم، وفي أبي عبد الله الصنابجي: عبد الله الصنابحي. وقد جاء عن معن بن عيسى أنه ذكر ذلك لمالك، فقال مالك: هكذا حفظنا، وهكذا وقع في كتابي، ونحن نخطيء، ومن يَسْلمْ من الخطأ؟ فلم يرجع مالك، مع اعترافه باحتمال الخطأ. فكلمة أبي حاتم في المسيب لا تدل على أنه كان الغالب عليه، ولا أن خطأه كان فاحشا، ولا أنه بُيِّنَ له في حديثٍ اتفاق أهل العلم على تخطئته فلم يرجع. وقد قال أبو عروبة في المسيب: كان لا يحدث إلا بشيء يعرفه يقف عليه. وهذا يُشعر بأن غالب ما وقع منه من الخطأ ليس منه، بل ممن فوقه، فكان يَثبت على ما سمع، قائلا في نفسه: إن كان خطأ، فهو ممن فوقي، لا مني .. ". اهـ. • وفي ترجمة: محمد بن عبيد الطنافسي (٢١٧): يقول فيه أحمد: يخطيء، ولا يرجع عن خطئه.

стр. 2023

قال الشيخ المعلمي: "الظاهر أن خطأه إنما كان في اللحن؛ فقد وُصف بأنه يلحن، فأما الثقة فقد وثقه أحمد نفسه، وابن معين، وابن عمار، والنسائي، والعجلي، وابن سعد، والدارقطني، وغيرهم، وقال ابن المديني: "كان كيسا"، واحتج به الشيخان في "الصحيحين"، وبقية الأئمة". اهـ. ١٠ - الإغفاءة حال القراءة لِمَا سبق سماعُه، لاسيما من المكثرين: • في ترجمة: إبراهيم بن سعيد الجوهري من "الطليعة" ص (٤٨): حكى عبد الرحمن بن خراش قال: سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم ابن سعيد عند أبي نعيم، وأبو نعيم يقرأ، وهو نائم - وكان الحجاج يقع فيه. قال الشيخ المعلمي: ذكر الكوثري تلك المقالة، فحرفها تحريفًا قبيحًا، قال ص ٧٥: كان يتلقى وهو نائم، كما قال الحافظ حجاج بن الشاعر، فحجاجٌ هذا مِمَّنْ جُرْحُهُ لا يَندمل. وقال ص ١١٩: رماه الحافظ حجاج بن الشاعر بأنه كان يتلقى وهو نائم. قال المعلمي: "كان من عادةِ المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ؛ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخٍ، قد سمع منه الكثير؛ يرجو أن يسمع منه ما لم يسمعه مِنْ قَبل، فيتفق أن يشرعَ الشيخُ يحدثُ بجزءٍ، قد كان ذاك المكثر سمعه منه قبل ذلك، فلا يعتني باستماعه ثانيًا أو ثالثًا؛ لأنه يرى ذلك تحصيلَ حاصلٍ، فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعة من هذا القبيل. فعبارةُ حجاجٍ تحتمل ذلك، ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديثَ يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائما.

стр. 2024

وعبارة الكوثري تفيد هذا، وعبارة حجاج إنما تدل على مرة واحدة عند أبي نعيم، وعبارة الكوثري تدل أن التلقي في حال النوم كان من عادة إبراهيم عند أبي نعيم وغيره! فتدبر وتأمل". اهـ. وزاد المعلمي في ترجمة إبراهيم من "التنكيل" (٥): قال الأستاذ في "الترحيب" ص ٥٠: لا يتصور من مثل ابن الشاعر أن يقع فيه من غير أن يتكرر ذلك منه. فقال المعلمي: "أما كلمة حجاج، فلا تقتضي إلا مرة واحدة، وأما قول ابن خراش: "وكان حجاج يقع فيه" فإن عَني تلك الكلمة، بان حالُها، وإن عناها وغيرَها، فالوقيعة في الإنسان معناها مطلقُ الذمِّ، كأن يكون قال مَرَّة تلك الكلمة، وقال مَرَّة: لم يكن بالذكي، وقال أخرى: مغرمٌ بالكتابة عن كُلِّ أحدٍ لِيُقالَ: مكثر، ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحًا. ثم مال الأستاذ إلى الإنصاف، فذكر أنه يجب الذب عن إبراهيم بن سعيد، ولكنه جعل الحمل على عبد الرحمن بن خراش، وستأتي ترجمته". اهـ. ١١ - رمي الراوي بأنه أَلْحَق اسمَه أو تسميعه في بعض الأجزاء: • في ترجمة: الحسن بن علي بن محمد أبي علي ابن المذهب التميمي من "التنكيل" (٧٨): قال الخطيب في "التاريخ" (ج ٧ ص ٣٩٠): "كان يروي عن ابن مالك القطيعي "مسند أحمد بن حنبل" بأسره، وكان سماعه صحيحًا، إلا الأجزاء منه، فإنه أَلْحَقَ اسمَه فيها، وكذلك فعل في أجزاء من "فوائد ابن مالك" وذكر أمورا أخرى.

стр. 2025

فقال الشيخ المعلمي: "أما الأمر الأول، وهو إلحاق السماع، فأجاب ابن الجوزي في "المنتظم" (ج ٨ ص ١٥٥) بقوله: "هذا لا يوجبُ القدحَ؛ لأنه إذا تبين سماعُه للكتاب، جاز أن يكتب سماعَه بخطه. والعجب من عوام المحدثين، كيف يجيزون قولَ الرجل: أخبرني فلان، ويمنعون أن يكتب سماعَه بخط نفسه، أو إلحاق سماعه فيها بما يتقنه". أقول: جرت عادتهم بكتابة السماعِ وأسماءِ السامعين في كل مجلس، فمن لم يُسَمَّعْ له في بعض المجالس، دَلَّ ذلك على أنه فاته فلم يسمعه، فإذا ادَّعى بعد ذلك أنه سمعه ارتابوا فيه؛ لأنه خلاف الظاهر، فإذا زاد فَأَلْحَقَ اسمَه أو تسميعَه بخط كاتب التسميع الأول، قالوا: زَوَّرَ. والظاهر أن هذا لم يقع من ابن المذهب، ولو كان وقع، لبالغ الخطيب في التشنيع، وإنما أَلْحَقَ ما ألحق بخطه الواضح. ولا ريب أن من استيقن أنه سمع، جاز له أن يخبر أو يكتب أنه سمع، وأن من تثبت عدالته وأمانته ثم ادعى سماعًا، ولا معارض له، أو يعارضه ما مَرَّ ولكن له عذر قريب، كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس، وكان الشيخ يعتني بي، فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتبُ التسميع، فإنه يُقبل منه. ولعل هذا هو الواقع، فقد دل اعتمادُ الخطيب عليه في كتاب "الزهد" -كما يأتي- واقتصاره في الحكم على قوله: "ليس بمحل للحجة" أنه كان عنده صدوقًا. وذكر ابن نقطة كما في "الميزان" أن مسندي فضالة بن عبيد وعوف بن مالك، وأحاديث من مسند جابر لم تكن في كتاب ابن المذهب، وهي ثابتة في رواية غيره عن شيخه، قال: "ولو كان يُلحق اسمه -كما زعم الخطيب- لأَلحق ما ذكرناه".

стр. 2026

يعني: لو كان يُلحق اسمه فيما لم يسمع - والخطيب لم يقل ذلك، وإنما أطلق أنه ألحق اسمه؛ لأن ثبوت السماع بمجرد الدعوى مع الصدق ليس في درجة ثبوته بالبينة. وقد قال الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٩): "ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره .... رجاء إن كان الراوي حيا، أن يحمله ذلك على التحفظ .... وإن كان ميتًا، أن ينزله من ينقل عنه منزلته، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز ... ". وقال شجاع الذهلي: "كان شيخًا عسرًا في الرواية، وسمع الكثير، ولم يكن ممن يعتمد عليه في الرواية، كأنه خلط في شيء من سماعه". وقال السلفي: "كان مع عسره متكلمًا فيه .... ". والعَسِرُ في الرواية هو الذي يمتنع من تحديث الناس إلا بعد الجهد، وهذه الصفة تنافي التزيُّد، ودعوى سماع ما لم يسمع، إنما يدعي سماعَ ما لم يسمع مَنْ له شهوة شديدة في ازدحام الناس عليه، وتكاثرهم حوله، ومن كان هكذا كان من شأنه أن يتعرض للناس، يَدْعُوهم إلى السماع منه، ويرغبهم في ذلك، فأما من يأبى التحديث بما سمع إلا بعد جهد، فأي داعٍ له إلى التزيُّد؟ ". اهـ. ١٢ - قولهم: يروي كتابا لم يكن له به أصل عتيق: • في ترجمة: ابن المذهب أيضا: قال الخطيب: " ... وكان يروي عن ابن مالك أيضًا كتاب "الزهد" لأحمد بن حنبل، ولم يكن له به أصل عتيق، وإنما كانت النسخة بخطه، كتبها بأخرة، وليس بمحل للحجة". اهـ.

стр. 2027

فقال الشيخ المعلمي: "وأما قضية كتاب "الزهد"، فقد قال السلفي عقب ما مَرَّ عنه: "حدث بكتاب الزهد -بعدما عدم أصله- من غير أصله"، فدل هذا على أنه كان لابن المذهب أصلٌ بكتاب "الزهد"، ولكن عدمه، وبقيت عنده نسخة بخطه، فلعله كان قد عارضها بأصله، أو أصلٍ آخر عَلم مطابقته لأصله، ويقوي ذلك أن الخطيب نفسه سمع منه كتاب "الزهد"، وروى منه أشياء. وأما قول الخطيب: "وليس بمحل للحجة"، فحاصله أنها لا تقوم الحجة بما يتفرد به، وهذا لا يدفع أن يُعتمد عليه في الرواية عنه من مصنف معروف كـ "المسند" و"الزهد". وسيأتي في ترجمة عبد العزيز بن الحارث طعنُهم فيه، وتشنيعُهم عليه، وتشهيرُهم به؛ بسبب حديثين نسبهما إلى "المسند" وهم يرون أنهما ليسا منه، ولم يغمزوا ابن المذهب بشيء ما من هذا القبيل، وذلك يدل أوضح دلالة على علمهم بمطابقة نسختيه اللتين كان يروي منهما "المسند" و"الزهد" لسائر النسخ الصحيحة، فالكلام فيه، وفي شيخه (١)، لا يقتضي أدنى خدش في صحة "المسند" و"الزهد"، فليخسأ أعداء السنة". اهـ. ١٣ - إلحاق أنساب المُهْمَلِين في الأسانيد بسؤالِ عارفٍ بالفن: • في ترجمة: ابن المذهب أيضا: قال الخطيب: "كان كثيرا يعرض عليَّ أحاديثَ، في أسانيدها أسماءُ قومٍ غيرِ منسوبين، ويسألني عنهم، فأذكر له أنسابهم، فيلحقها في تلك الأحاديث، ويزيدها في أصوله موصولة بالأسماء، وكنت أنكر عليه هذا الفعل فلا ينثني عنه". اهـ.

стр. 2028

فقال الشيخ المعلمي: "وأما إلحاقه ما كان يذكر له الخطيب من أنساب غير المنسوبين، فتساهلٌ لا يوجب الجرحَ، ولكنه يدل على أن ابن المذهب لم يكن بمتقن، وأنه كان فيه سلامةٌ، وحسنُ ظنٍّ بالخطيب ومعرفته، ولا نشك أن الخطيب لم يكن يذكر له من الأنساب إلا ما يستيقنه، فالخطب إن شاء الله تعالى سهل". اهـ. ١٤ - استنساخ ما فقده الراوي: من كتابٍ ليس عليه سماعه: • في ترجمة: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبي بكر القطيعي (١٢): قال الخطيب: "كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نَسْخَها من كتابٍ لم يكن فيه سماعُه، فغمزه الناس، إلا أنا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه، ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين: الدارقطني وابن شاهين ... سمعت أبا بكر البرقاني سُئل عن ابن مالك، فقال: كان شيخًا صالحًا ... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسخها من كتابٍ، ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة". قال الخطيب: "وحدثني البرقاني قال: كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق، لا يُشك في سماعه، وإنما كان فيه بُلْه، فلما غرقت "القطيعة" (١) بالماء الأسود، غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتابٍ لم يكن فيه سماعه". فقال الشيخ المعلمي: "نَسْخُهُ ما غَرق من كتبه من كتابٍ ليس عليه سماعه، يحتمل ما قال ابن الجوزي (٢)،

стр. 2029

ويحتمل أن يكون ذاك الكتاب كان أصل ثقةٍ آخر، كان رفيقه في السماع، فعرف مطابقته لأصله، والمدار على الثقة بصحة النسخة، وقد ثبت أن الرجل في نفسه ثقة مأمون (١)، وتلك الحكاية تحتمل ما لا ينافي ذلك، فكان هو الظاهر. ولا أدري متى غرق القطيعة بالماء الأسود، وقد فتشتُ أخبار السنين في "المنتظم"، فلم أره ذكر غرقا بالماء الأسود، وإنما ذكر أنه في شهر رمضان سنة ٣٦٧ غرق بعض المحال، منها قطيعة أم جعفر، فإن كان ذلك هو المراد، فإنما كان قبل وفاة القطيعي بنحو سنة واحدة، وقد سمع الناس منه الكتب كلها قبل ذلك مرارًا، وأُخذت منها عدة نسخ. والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه روى مما استنسخه، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أبينُ في التليين، وأبلغ في التحذير، وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه، ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته؛ لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه، وقد قال الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٩): "ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز، فتوقف عن الاحتجاج بخبره، وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث، ولا مسقطًا للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى؛ رجاء إن كان الراوي حيًا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزله من نقل عنه منزلته، فلا يُلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده، حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ... ".

стр. 2030

فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير، وأنه استنسخ من كتابٍ ليس عليه سماعه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته، ولا بعد موته أنه حدث بعد تغير شديد، أو حدَّث مما استنسخه من كتابٍ ليس عليه سماعه، ولا استنكروا روايةً واحدةً، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم، تبين بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به. هذا، وكتب الإمام أحمد كـ "المسند" و"الزهد" كانت نُسخُها مشهورةً متداولةً، قد رواها غير القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقه؛ لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي ابن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته يتم الصالحات". اهـ. ١٥ - قولهم: "رأيت كتبه طرية" أو"كانت أصوله العتق غرقت فاستدرك نسخها" أو"يترب كتبه لِيُظَنَّ أنها عتق ": • في ترجمة: أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست العلاف أبي عبد الله البزاز من "تاريخ بغداد" (٤/ ١٢٥): "سمعت أبا القاسم الأزهري يقول: ابن دوست ضعيف؛ رأيت كتبه كلها طرية، وكان يُذكر أن أصوله العتق غرقت، فاستدرك نسخها. سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست، فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويتربها؛ ليظن أنها عتق" فقال الشيخ المعلمي في ترجمة ابن دوست من "التنكيل" (٣٧): "التضعيفُ مفسَّرٌ بما بعده، واعلم أن المتقدمين كان يعتمدون على الحفظ، فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرت عدالته، وكان حديثه مستقيمًا، وثَّقُوه.

стр. 2031

ثم صاروا يعتمدون الكتابةَ عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي، طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع، فشدَّدَ النقادُ، فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم، الموثوق به، المقيد سماعه فيه. فإذا لم يكن للشيخ أصلٌ، لم يعتمدوا عليه، وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادَّعَى السماعَ ممن يستبعدون سماعَهُ منه، كان الأمرُ أشدَّ. ولا ريب أن في هذه الحالة الثالثة احتياطًا بالغا، ولكن إذا عُرفت عدالةُ الرجل وضبطُه وصدقُه في كلامه، وادَّعى سماعا عتملا ممكنا، ولم يُبرز به أصلًا، واعتذر بعذرٍ محتملٍ قريبٍ، ولم يأتِ بما يُنكر، فبأي حجة يُرد خبره؟ وقد قال الخطيب: "حدثني أبو عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك، فلم لا تملي من كتابك؟ فقال لي: انظر فيما أمليه، فإن كان لك فيه زلل أو خطأ، لم أُمْلِ من حفظي، كان كان جميعه صوابًا، فما الحاجة إلى الكتاب؟ أو كما قال". فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه، بل اعتنى بتحفيظه ما سمع. فإذا كانت أصوله بعد حفظه ما فيها غرقت، فابتلت، وخيف تقطع الورق، وبقيت الكتابة تقرأ، فاستنسخ منها، أو ذهبت، فنسخ من حفظه، أو من كُتبٍ قد كانت قُوبلت على أصوله، أو لم تُقابل، ولكنه اعتبرها بحفظه، فأي حَرَجٍ في ذلك؟ وإذ كان اعتمادُه على حفظه، فَهَبْ أنه لم يكن له أصولٌ البتة، أو كانت، فتلفت، ولم يستدرك نسخها، ألا يكون له أن يروي من حفظه؟ أولًا تقومُ الحجةُ بخبره إذا كان عدلًا ضابطًا؟

стр. 2032

وأما قضية التتريب، فهي في عبارة للبرقاني، قال الخطيب: "سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويتربها؛ لِيُظَنَّ أنها عتق". فقوله: "قيل ... " لا يُدرى من القائل؟ وعلى فرض صحة ذلك فهو تدليس خفيف، أراد به دفع تعنت بعض الطلبة، وكان إذا سُئل يبين الواقع كما في بقية عبارة الأزهري، وأما قول البرقاني: "تكلموا فيه"، وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه، فمحمول على ما صرحوا به مِمَّا مَرَّ، ومَرَّ ما فيه. وبَعْدُ، فقد وصفوا ابنَ دوست بالحفظ والمعرفة؛ قال الخطيب: "كان مكثرًا من الحديث، عارفًا به، حافظًا له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر المخلص، ثم انقطع عن الخروج، ولزم بيته، كتب عنه الحسن بن محمد الخلال، وحمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، وأبو القاسم الأزهري، وهبة الله بن الحسن الطبري، وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءًا واحدا". ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثًا واحدًا، فلا أرى أمره إلا قويًا، والله أعلم". اهـ. ١٦ - قراءة الشيخ من كتاب غيره، وليس عليه سماعه، إذا وثق به: • في ترجمة: محمد بن العباس بن حيويه أبي عمر الخزاز من "الطليعة" ص (٢١) و"التنكيل" رقم (٢٠٨): قال الأزهري: "كان أبو عمر بن حيويه مكثرًا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز (١)؛ لثقته

стр. 2033

بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة". قال الشيخ المعلمي في "الطليعة": "كأن بعض كُتب علي بن موسى -وهو ابن إسحاق أبو الحسن، الذي يعرف بابن الرزاز، وكان فاضلا أديبا ثقة فاضلا- هذه صارت بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، وكان فيها ما سمعه ابن حيويه، لكن لم يقيد سماعه في تلك النسخة التي هي من كتب الشيخ، وبهذا تبين أنه لا يلحق ابن حيويه عيبٌ، ولا يوجب صنيعُه أدنى قدح، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة محمد بن العباس من "التنكيل" إن شاء الله تعالى". اهـ. ثم قال المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (٢٠٨): "يؤخذ من عبارة الأزهري مع ما تقدم أمورٌ: الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثيرٍ من الأوقات، ... الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: "لثقته بذلك الكتاب"، وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه: "ثقة"، ويصفه العتيقي بأنه: "كان ثقة صالحا دينا"، وبأنه: "كان ثقة متيقظا"، ويصفه البرقاني بأنه: "ثقة ثبت حجة". الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، ... الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه، يدل على أنه لم يكن منه تساهل يخدش فيما أثنيا عليه به.

стр. 2034

والأزهري وإن ذكر التساهل، فقد عقبه بقوله: "وكان مع ذلك ثقة"، فهذا يقضي أنه إن ساغ أن يسمى ما وقع منه تساهلا، فهو تساهل عرفي، لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة. وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان موثوقا به، وبمطابقته لأصل ابن حيويه، وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب عليه سماعه، وقد كانوا يكرهون مثل هذا، وذلك من باب سد الذريعة". قال الكوثري: "رواية الخزاز لو كانت عن كتابِ أحدِ شيوخه، لكانت روايته من أصل شيخه، ولما كان يُرمى بالتسامح". فقال الشيخ المعلمي: "علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخُ الخزاز حَتْما، ثم هناك احتمالان: الأول: أن يكون شيخَه في ذاك الكتاب. الثاني: أن لا يكون شيخَه فيه، وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر. فعلى الأول -وهو الذي بنى عليه الأستاذ- فصورةُ التساهلِ موجودةٌ. فإنه من المقرر عندهم أن التلميذ إذا سمع وضبط أصله، ثم بعد مدة وجد في أصل شيخه زيادةً أو مخالفةً لما في أصله، لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله. وقد قال حمزة السهمي في "تاريخ جرجان" (ص ١٢٢ - ١٢٣): "أخبرنا أبو أحمد ابن عدي .... أن النبي ﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم -في كتابي بخطي: عثراتهم- ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم". فلو أن حمزة روى ذاك الحديث، وقال: "عقوبتهم"، ثم رأى أهلُ العلم أصلَه، وفيه: "عثراتهم"، فراجعوه في ذلك، فقال: نعم، ولكني بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي: "عقوبتهم"، لَعَدُّوا هذا تساهلا.

стр. 2035

ومَنْ رَوى مِنْ أصل شيخه، لا يُؤمن أن يقع في نحو هذا، إلا إذا كان قد كرَّرَ المقابلة، حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، وأوْلَى به -وإن وثق كل الوثوق- أن لا يروي إلا من أصله نفسه، فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن ابن الرزاز، فتساهله هو ترك الَأْولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني، لا يكون للخزاز أن يروي من كتابٍ ليس هو أصله، ولا أصل شيخه، إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة، فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأَوْلى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأَوْلى كما اقتضته عباراتُهم في الثّناء عليه كما مَرَّ". اهـ. قال الكوثري: "وكان ينبغي أن يَذكر في السند اسمَ شيخِه الذي ناوله، وليس بمعقولٍ أن يُهمل التلميذُ ذكرَ شيخِه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه". فقال الشيخ المعلمي: "هذا مبني على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا، وإنما ناوله إياه ابنُ الرزاز، والذي نقوله إنه إن كان على الاحتمال الأول، فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة، بل عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا؛ فإن فيها: "ربما أراد أن يقرأ شيئا، ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز"، وهذا يدل أن له أصلا بذاك المصنَّف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه، ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصلٌ آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنَّف من ابن الرزاز، فقد كان إذا قرأ منه قال: "أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز"، ثم يقرأ من الكتاب، وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز، فإنما كان يذكر اسمَ شيخِه في ذاك المصنَّف، ولا معنى لذكر ابن الرزاز.
следующие страницы →