← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

ثم صاروا يعتمدون الكتابةَ عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي، طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع، فشدَّدَ النقادُ، فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم، الموثوق به، المقيد سماعه فيه. فإذا لم يكن للشيخ أصلٌ، لم يعتمدوا عليه، وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادَّعَى السماعَ ممن يستبعدون سماعَهُ منه، كان الأمرُ أشدَّ. ولا ريب أن في هذه الحالة الثالثة احتياطًا بالغا، ولكن إذا عُرفت عدالةُ الرجل وضبطُه وصدقُه في كلامه، وادَّعى سماعا عتملا ممكنا، ولم يُبرز به أصلًا، واعتذر بعذرٍ محتملٍ قريبٍ، ولم يأتِ بما يُنكر، فبأي حجة يُرد خبره؟ وقد قال الخطيب: "حدثني أبو عبد الله الصوري قال: قال لي حمزة بن محمد بن طاهر: قلت لخالي أبي عبد الله بن دوست: أراك تملي المجالس من حفظك، فلم لا تملي من كتابك؟ فقال لي: انظر فيما أمليه، فإن كان لك فيه زلل أو خطأ، لم أُمْلِ من حفظي، كان كان جميعه صوابًا، فما الحاجة إلى الكتاب؟ أو كما قال". فيظهر أن والده لم يكتف بتسميعه، بل اعتنى بتحفيظه ما سمع. فإذا كانت أصوله بعد حفظه ما فيها غرقت، فابتلت، وخيف تقطع الورق، وبقيت الكتابة تقرأ، فاستنسخ منها، أو ذهبت، فنسخ من حفظه، أو من كُتبٍ قد كانت قُوبلت على أصوله، أو لم تُقابل، ولكنه اعتبرها بحفظه، فأي حَرَجٍ في ذلك؟ وإذ كان اعتمادُه على حفظه، فَهَبْ أنه لم يكن له أصولٌ البتة، أو كانت، فتلفت، ولم يستدرك نسخها، ألا يكون له أن يروي من حفظه؟ أولًا تقومُ الحجةُ بخبره إذا كان عدلًا ضابطًا؟

стр. 2032

وأما قضية التتريب، فهي في عبارة للبرقاني، قال الخطيب: "سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويتربها؛ لِيُظَنَّ أنها عتق". فقوله: "قيل ... " لا يُدرى من القائل؟ وعلى فرض صحة ذلك فهو تدليس خفيف، أراد به دفع تعنت بعض الطلبة، وكان إذا سُئل يبين الواقع كما في بقية عبارة الأزهري، وأما قول البرقاني: "تكلموا فيه"، وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه، فمحمول على ما صرحوا به مِمَّا مَرَّ، ومَرَّ ما فيه. وبَعْدُ، فقد وصفوا ابنَ دوست بالحفظ والمعرفة؛ قال الخطيب: "كان مكثرًا من الحديث، عارفًا به، حافظًا له، مكث مدة يملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر المخلص، ثم انقطع عن الخروج، ولزم بيته، كتب عنه الحسن بن محمد الخلال، وحمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، وأبو القاسم الأزهري، وهبة الله بن الحسن الطبري، وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءًا واحدا". ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثًا واحدًا، فلا أرى أمره إلا قويًا، والله أعلم". اهـ. ١٦ - قراءة الشيخ من كتاب غيره، وليس عليه سماعه، إذا وثق به: • في ترجمة: محمد بن العباس بن حيويه أبي عمر الخزاز من "الطليعة" ص (٢١) و"التنكيل" رقم (٢٠٨): قال الأزهري: "كان أبو عمر بن حيويه مكثرًا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز (١)؛ لثقته

стр. 2033

بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة". قال الشيخ المعلمي في "الطليعة": "كأن بعض كُتب علي بن موسى -وهو ابن إسحاق أبو الحسن، الذي يعرف بابن الرزاز، وكان فاضلا أديبا ثقة فاضلا- هذه صارت بعد وفاته إلى تلميذه ابن حيويه، وكان فيها ما سمعه ابن حيويه، لكن لم يقيد سماعه في تلك النسخة التي هي من كتب الشيخ، وبهذا تبين أنه لا يلحق ابن حيويه عيبٌ، ولا يوجب صنيعُه أدنى قدح، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة محمد بن العباس من "التنكيل" إن شاء الله تعالى". اهـ. ثم قال المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (٢٠٨): "يؤخذ من عبارة الأزهري مع ما تقدم أمورٌ: الأول: أنها تقتضي أن ذاك الكتاب كان في متناول ابن حيويه في كثيرٍ من الأوقات، ... الأمر الثاني: أن في عبارة الأزهري: "لثقته بذلك الكتاب"، وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه: "ثقة"، ويصفه العتيقي بأنه: "كان ثقة صالحا دينا"، وبأنه: "كان ثقة متيقظا"، ويصفه البرقاني بأنه: "ثقة ثبت حجة". الأمر الثالث: عبارة الأزهري تقتضي أنه لم يتفق لابن حيويه القراءة من غير أصله إلا من ذاك الكتاب، ... الأمر الرابع: إطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه، يدل على أنه لم يكن منه تساهل يخدش فيما أثنيا عليه به.

стр. 2034

والأزهري وإن ذكر التساهل، فقد عقبه بقوله: "وكان مع ذلك ثقة"، فهذا يقضي أنه إن ساغ أن يسمى ما وقع منه تساهلا، فهو تساهل عرفي، لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة. وهذا إنما يكون بفرض أن ذاك الكتاب الذي قرأ منه كان موثوقا به، وبمطابقته لأصل ابن حيويه، وإنما فيه أنه ليس هو أصله الذي كتب عليه سماعه، وقد كانوا يكرهون مثل هذا، وذلك من باب سد الذريعة". قال الكوثري: "رواية الخزاز لو كانت عن كتابِ أحدِ شيوخه، لكانت روايته من أصل شيخه، ولما كان يُرمى بالتسامح". فقال الشيخ المعلمي: "علي بن موسى أبو الحسن ابن الرزاز شيخُ الخزاز حَتْما، ثم هناك احتمالان: الأول: أن يكون شيخَه في ذاك الكتاب. الثاني: أن لا يكون شيخَه فيه، وإنما سمعه الخزاز من رجل آخر. فعلى الأول -وهو الذي بنى عليه الأستاذ- فصورةُ التساهلِ موجودةٌ. فإنه من المقرر عندهم أن التلميذ إذا سمع وضبط أصله، ثم بعد مدة وجد في أصل شيخه زيادةً أو مخالفةً لما في أصله، لم يكن له أن يروي إلا ما في أصله. وقد قال حمزة السهمي في "تاريخ جرجان" (ص ١٢٢ - ١٢٣): "أخبرنا أبو أحمد ابن عدي .... أن النبي ﷺ قال: أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم -في كتابي بخطي: عثراتهم- ورأيت في كتاب ابن عدي بخطه: عقوبتهم". فلو أن حمزة روى ذاك الحديث، وقال: "عقوبتهم"، ثم رأى أهلُ العلم أصلَه، وفيه: "عثراتهم"، فراجعوه في ذلك، فقال: نعم، ولكني بعد سماعي بمدة رأيت في أصل شيخي: "عقوبتهم"، لَعَدُّوا هذا تساهلا.

стр. 2035

ومَنْ رَوى مِنْ أصل شيخه، لا يُؤمن أن يقع في نحو هذا، إلا إذا كان قد كرَّرَ المقابلة، حتى وثق كل الوثوق بالمطابقة، وأوْلَى به -وإن وثق كل الوثوق- أن لا يروي إلا من أصله نفسه، فإن كان الخزاز سمع ذاك الكتاب من أبي الحسن ابن الرزاز، فتساهله هو ترك الَأْولى كما عرفت. وعلى الاحتمال الثاني، لا يكون للخزاز أن يروي من كتابٍ ليس هو أصله، ولا أصل شيخه، إلا أن يقابله بأصله مقابلة دقيقة، فيثق بمطابقته لأصله، ومع ذلك فالأَوْلى به أن لا يروي إلا من أصله، وعلى هذا فتساهل الخزاز هو في ترك الأَوْلى كما اقتضته عباراتُهم في الثّناء عليه كما مَرَّ". اهـ. قال الكوثري: "وكان ينبغي أن يَذكر في السند اسمَ شيخِه الذي ناوله، وليس بمعقولٍ أن يُهمل التلميذُ ذكرَ شيخِه في سند ما حمله وتلقاه بطريقه". فقال الشيخ المعلمي: "هذا مبني على الاحتمال الأول، وأن لا يكون الخزاز سمع الكتاب أصلا، وإنما ناوله إياه ابنُ الرزاز، والذي نقوله إنه إن كان على الاحتمال الأول، فالخزاز سمع ذاك الكتاب سماعا من ابن الرزاز، وإلا لغمزوه بأنه يعتمد على الإجازة، بل عبارة الأزهري نفسه تصرح بهذا؛ فإن فيها: "ربما أراد أن يقرأ شيئا، ولا يقرب أصله منه، فيقرؤه من كتاب أبي الحسن بن الرزاز"، وهذا يدل أن له أصلا بذاك المصنَّف غير ذاك الكتاب، إلا أنه لم يقرب منه، ولو كان إنما يرويه بمناولة الشيخ ذاك الكتاب لما كان له أصلٌ آخر. ثم إن كان سمع ذاك المصنَّف من ابن الرزاز، فقد كان إذا قرأ منه قال: "أخبرنا أبو الحسن ابن الرزاز"، ثم يقرأ من الكتاب، وإن كان إنما سمعه من غير ابن الرزاز، فإنما كان يذكر اسمَ شيخِه في ذاك المصنَّف، ولا معنى لذكر ابن الرزاز.

стр. 2036

فإن بني الأستاذ على الاحتمال الأول، وقال: لكني لم أر في "تاريخ الخطيب" شيئا رواه الخطيب من طريق الخزاز عن ابن الرزاز. قلت: أما كونه شيخه، فقد صرح به الخطيب، وأما اجتناب الخطيب أن يروي من طريق الخزاز عن ابن الرزاز، فذلك من كمال احتياط الخطيب، وتثبته البارع؛ لم تَطِبْ نفسُه أن يروي مِنْ ذاك الوجه الذي قد قيل فيه، وإن كان ذاك القِيل لا يضر، والله أعلم". اهـ. ١٧ - عدم رواية أصحاب الكتب الستة عن الشيخ في كتبهم، مع إدراكهم له، إذا دلت القرائن على قيام العذر في ذلك: • في ترجمة: إبراهيم بن شماس من "التنكيل" (٦): قال الكوثري ص ١٥٠: "ذلك المتعبد الغازي ... على عُلُوِّ طبقته، لم يُخرج عنه أحدٌ من أصحاب الأصول الستة ... ". اهـ. فقال الشيخ المعلمي: " ... فأما عدم إخراج البخاري عنه في "صحيحه"، فكأنه إنما لقيه مرة؛ فإن إبراهيم كان دائبا في الجهاد، فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في "الصحيح"، وقد أدرك البخاريُّ مَنْ هو أبو من إبراهيم وأعلى إسنادا. وكَمْ مِنْ ثقة ثبت لم يتفق أن يخرج عنه البخاري في "صححيه" وأخرج عمن هو دونه بكثير. فأما بقية الستة، فأبو داود ولد سنة ٢٠٢، فقد أدرك إبراهيم؛ فإن إبراهيم استشهد سنة ٢٢٠، ولكن لعله لم يلقه، وإنما روى في مسائل مالك عن رجل عنه، على ما يظهر من "التهذيب"، وقد سمع أبو داود جماعةً ممن هم أكبر وأعلى إسنادًا من إبراهيم. ومسلم ولد سنة ٢٠٤، والباقون بعد ذلك.

стр. 2037

وجامعوا الكتب الستة يتحرون علوَّ الإسناد، والاختصار، ولا ينزلون إلا لحاجة، والراوية عن إبراهيم قليلة؛ لاشتغاله بالجهاد، ولأنه لم يُعمّر حتى يُحتاج إليه، وقد روى عنه من هو أجل من أصحاب الكتب الستة كما مرَّ". اهـ. وقد قال المعلمي قبل ذلك: "فأما الذين أدركوه، فإنما وصفوه بالسُّنَّة، قال الإمام أحمد: "كان صاحب سنة"، وقال أحمد بن سيار: "كان صاحب سنة وجماعة، كتب العلم، وجالس الناس، ورأيت إسحاق بن إبراهيم [ابن راهويه] يعظم من شأنه ويحرضنا على الكتابة عنه". وممن روى عنه: الإمام أحمد، وأبو زرعة، والبخاري في غير "الصحيح"، وأحمد لا يروي إلا عن ثقة عنده، كما يأتي في ترجمة محمد بن أعين، وأبو زرعة من عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٤١٦)، والبخاري نحو ذلك، كما يأتي في ترجمة أحمد بن عبد الله أبو عبد الرحمن. ووثقه الدارقطني وابن حبان وغيرهما، وتحريض ابن راهويه على الكتابة عنه يدل على مكانته في الصدق والثبت، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان متقنا ... ". اهـ. • وفي ترجمة: رجاء بن السندي من "التنكيل" (٩٢): قال الكوثري ص ٩٢: " .. أعرض عنه أصحاب الأصول الستة". فقال الشيخ المعلمي: "توفي رجاء سنة ٢٢١، فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجة، وأدركوا مِنْ أقرانه، ومَنْ هو أكبر منه، ومَن هو مثله، أو أعلى إسنادًا منه، فلم يحتاجوا إلى الرواية عن رجل عنه؛ لإيثارهم العُلُّو. وأدركه أبو داود في (الجُمْلة)؛ لأنه مات وسِنُّ أبي داود نحو تسع عشرة سنة، ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يلقه.

стр. 2038

فأما مسلم، فإنه كان له حين مات رجاء نحو ست عشرة سنة، وهو بلديه، ويمكن أن يكون سمع منه وهو صغير، فلم ير مسلم ذلك سماعا لائقًا بأن يعتمده في "الصحيح". ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع مِمَّن هو أسنُّ من رجاء، وأعلى إسنادًا، ففاته رجاء. وأما البخاري فقد ذكر "الكمال" أنه روى عنه، لكن قال المزي: "لم أجد له ذكرًا في الصحيح"، فقد لا يكون البخاري لقيه، وقد يكون لقيه مرة، فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاري أقرانهم، فلم يحتج إلى النزول بالرواية عن رجاء. فتحصل من هذا أنهم إنما لم يخرجوا عنه إيثارًا للعلو من غير طريقه، على النزول من طريقه. هذا، وقد روى عنه الإمام أحمد، وروى عنه أيضًا إبراهيم بن موسى، وأبو حاتم، وقال: "صدوق"، وقال الحاكم: "ركن من أركان الحديث". اهـ. • وفي ترجمة: محمد بن معاوية الزيادي منه (٢٣٤): قال الكوثري (ص ١٨): "والزيادي ممن أعرض عنهم الأئمة الستة في أصولهم .. ". فقال الشيخ المعلمي: "قد قدمنا مرارا أن كونهم لم يخرجوا للرجل ليس بدليلٍ على وهنه عندهم، ولا سيما من كان سنُّه قريبا من سِنِّهم وكان مقلا كهذا الرجل، فإنهم كغيرهم من أهل الحديث إنما يُعنُون بعلو الإسناد، ولا ينزلون إلا لضرورة. وقد روى النسائي عن هذا الرجل في "عمل اليوم والليلة"، وقال في مشيخته: "أرجو أن يكون صدوقا، كتبت عنه شيئا يسيرا"، وإنما قال: "أرجو ... " لأنه إنما سمع منه شيئا يسيرا، ولم يتفرغ لاختباره؛ لاشتغاله بالسعي وراء مَنْ هُم أعلى منه

стр. 2039

إسنادا ممن هم في طبقة شيوخ هذا الرجل، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة صدوق"، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان صاحب حديث"، فدل هذا أنه قد عرفه حَقَّ معرفته، وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيق مقبول، بل قد يكون أثبت من توثيق كثير من الأئمة؛ لأن ابن حبان كثيرا ما يتعنت في الذين يعرفهم، ولم يغمزه أحد". اهـ. ١٨ - عدم التزام الشيخ بمذهب معين في الفقه: • في ترجمة: أحمد بن كامل القاضي من "التنكيل" (٢٩): قال الدارقطني (١): "أهلكه العجب؛ فإنه كان يختار، ولا يضع لأحد من الأئمة أصلًا. فقال له الإسماعيلي: كان جريري المذهب؟ فقال: بل خالفه، واختار لنفسه، وأملى كتابًا في السنن، وتكلم على الأخبار". فقال الشيخ المعلمي: "فحاصل هذا أنه لم يلتزم مذهبَ إمامٍ معينٍ، بل كان ينظر في الحُجج، ثم يختار قولَ من رجح قولُه عنده. أقول: وهذا ليس بجرح، بل هو بالمدح أولى، وقد قال الخطيب: "كان من العلماء بأيام الناس، والأحكام، وعلوم القرآن، والنحو، والشعر، وتواريخ أصحاب الحديث، قال ابن رزقويه: لم تر عيناي مثله". أقول: فيحق له أن ينشد: إن أكن معجبًا فعجب عجيب لم يجد فوق نفسه من مزيد". اهـ. * * *

стр. 2040

المبحث الثالث ألفاظ وأوصاف ظاهرها التعديل في الرواية وربما لا تقتضيه ١ - قولهم: "كانه عالما بالحديث" أو الوصف بالعلم عموما: • في ترجمة: سعيد بن سَلْم بن قتيبة بن مسلم الباهلي الأمير من "التنكيل" (٩٦): قال الكوثري ص ٤٦: "عامل أرمينية في عهد الرشيد، وقد حاق بالمسلمن ما حاق من البلايا هناك من سوء تصريف هذا العامل شئون الحكم، وابتعاده في الحكم عن الحكمة والسداد، كما في "تاريخ ابن جرير" وغيره". فقال الشيخ المعلمي: "حُسن السياسة شيء، والصدق في الرواية شيء آخر، ولسعيد ترجمة في "تاريخ بغداد" (ج ٩ ص ٧٤)، وفيها: " ... قال العباس بن مصعب: قدم مرو زمان المأمون ... وكان عالما بالحديث والعربية، إلا أنه كان لا يبذل نفسه للناس". ولو قال الأستاذ: لم يُوَثَّقْ (١)، لَكَفاهُ". اهـ. • وفي ترجمة: ابن أبي حاتم الرازي من "التنكيل" (١٤٠): رواية لأبي الشيخ عن أبي العباس الجمال. فقال الشيخ المعلمي: " ... بقي النظر في حال أبي العباس الجمال، وقد ذكره أبو الشيخ وأبو نعيم، فوصفاه بالعلم، ولم يوثقاه". اهـ.

стр. 2041

٢ - الوصف بالاضطلاع بعلوم كثيرة كالنحو واللغة ومعرفة النسب وحفظ أيام العرب والإنس الشديد بعلم الحديث: • في ترجمة: عبد الواحد بن برهان العكبري من "التنكيل" (١٤٩): قال الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ١٧): "كان يذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره، إلا أنه لم يرو شيئًا، وكان مضطلعًا بعلومٍ كثيرة، منها: النحو، واللغة، ومعرفة النسب، والحفظ لأيام العرب، وأخبار المتقدمين، وله إنس شديد بعلم الحديث". اهـ. وقال ابن ماكولا: "كان فقيها حنفيًا، قرأ اللغة، وأخذ الكلام من أبي الحسين البصري". قال الشيخ المعلمي: "فقد كان ابن برهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء ... (١) أما العقيدة فذكروا أن ابن برهان كان معتزليًا، ولا أدري ما الذي كان يوافق فيه المعتزلة. نعم، ابن برهان لم يوثقه أحدٌ فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يَهم فيما يرويه من الحكايات، أو يبني على الظن، فَحَقُّه أن لا تقوم الحجة بما ينفرد به، ولكنه يُذكر في المتابعات والشواهد، كما صنع الخطيب. والله الموفق". اهـ. • وقال الشيخ المعلمي في آخر ترجمة ابن بطة من "التنكيل" (١٥٣): "الذي يتحصل أن ابن بطة مع علمه وزهده وفضله وصلاحه البارع كثيرُ الوهم في الرواة، فلا يُتَّهم بما ينافي ما تواتر من صلاحه، ولا يُحتجَّ بما ينفرد بروايته". اهـ.

стр. 2042

وقد بَيَّنَ الشيخُ السببَ في وقوع ابن بطة في كثرة الوهم في الرواة فقال: "سَبَبُهُ أنه سَاحَ في أول عمره، فكان يسمع ولا يكتب، ولم يكن يؤمّل أن يحتاج آخر عمره إلى أن يروي الحديث، ولهذا لم تكن له أصول". اهـ. ٣ - الوصف بالإمامة في الفقه: • في ترجمة: المفضل بن غسان الغلابي من "التنكيل" (٢٤٩): قال الشيخ المعلمي: "الإمامة في الفقه لا تستلزم الثقةَ في الحديث، ولا يضرُّ الحنفيةَ أن يثبتَ أن أبا حنيفة ممن لا تقوم الحجة بما ينفرد بروايته، ولا تكادُ توجدُ لهم مسئلةٌ يمكنُ أن يستدلوا عليها بشيء تفرد أبو حنيفة بروايته إلا وهم يستدلون عليه بأشياء أخرى، وقد استدل بعضهم على الشافعي بحديث أبي حنيفة عن عاصم في المرتدة، فلما رَدَّ عليه ذلك، لم يكابر، بل قال: إني إنما ذهبت في ترك قتل النساء إلى القياس ... ، كما تقدم في ترجمة الشافعي. وكما أن الإنصاف يَقضي أن لا يُتخذَ ما ثبت عن الأئمة، كسفيان الثوري وغيره، من قولهم في أبي حنيفة ما يقتضي أنها لا تقوم الحجة بما ينفرد بروايته: ذريعةً بلى الطعن في فقهه جملة وفي مذهبه، فكذلك يَقضي أن لا يُتخذ ما يُستدل به على فقهه جملةً: ذريعة إلى رَدٌ كلامِ أئمة الفن في روايته". اهـ. ٤ - الشهرة بحفظ القرآن، وفهم المعاني: • في ترجمة: ابن حبان البستي الحافظ من "التنكيل" (٢٠٠): قال ابن حبان في الإمام أبي حنيفة: "كان أجلَّ في نفسه من أن يكذب، ولكن لم يكن الحديث شأنَه، فكان يروي فيخطىء من حيث لا يعلم، ويقلب الإسناد من حيث لا يفهم، حدَّث بمقدار مائتي حديثٍ، أصاب منها في أربعة أحاديث، والباقية إما قَلَب إسنادها أو غَيَّر مَتْنَها".

стр. 2043

فقال الشيخ المعلمي: "أجاب الأستاذ بوجهين: الأول: حاصله أن أبا حنيفة مشهورٌ بالحفظ والفهم، واشتهر عنه أنه لا يُبيح الرواية إلا لمن استمرَّ حفظُه من الأخذ إلى الأداء، ولا يُبيح الرواية مما يجده الراوي بخط يده، ما لم يذكر أخذه له، وتواتر (؟) عنه ختمه القرآن في ركعة - ونحو هذا. الثاني: التنديد بابن حبان. أقول: أما الوجه الأول، فلم ينفرد ابن حبان بنسبة الخطأ والغلط في الرواية إلى أبي حنيفة، بل وافقه على ذلك كثيرون، حتى من المائلين إلى أبي حنيفة. نعم، انفرد بذاك التحديد؛ لأنه اعتنى بذلك، وأَلَّفَ كتابين: أحدهما كتاب "علل ما استند إليه أبو حنيفة"، والثاني كتاب "علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه". واشتهارُ أبي حنيفة بالحفظ غيرُ مُسَلَّمٍ، وحفظُ القرآن لا يستلزمُ حفظَ الأحاديث، والفهمُ لا يستلزمُ الحفظَ، وفهمُ المعاني والعلل غيرُ فهم وجوه الرواية، وقد اشتهر ابن أبي ليلى بالفقه، حتى كان الثوري إذا سئل قال: فقهاؤنا ابن أبي ليلى وابن شبرمة. وكان ابن أبي ليلى رديء الحفظ للروايات، كثير الغلط. وما اشتهر عن أبي حنيفة مسن اشتراط استمرار الحفظ -إنْ صحَّ- فمرادُهُ: التذكر في الجملة، وإلا لزم ما هو أشد. والتذكر في الجملة لا يدفع احتمال التوهم والخطأ. وكان على الأستاذ أن ينقل نصوصا صحيحة صريحة عن الأئمة المعتمد عليهم ترد قولَ ابن حبان، كما جاء في الشافعي قولُ أبي زرعة الرازي: "ما عند الشافعي حديث غلط فيه"، وقول أبي داود: "ليس للشافعي حديث أخطأ فيه"، أو يتجشم جمعَ الأحاديث التي يثبت أن أبا حنيفة رواها، وبيان ما يثبت من موافقة الثقات له ومخالفتهم". اهـ.

стр. 2044

٥ - الوصف بالصلاح والفضل لا يقتضي التوثيق المطلق، بل يُثبت الصدق، ويبقى النظر في ثبوت الضبط: • قال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص: ٩٨): "محمد بن ذكوان الأزدي الطاحي، منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم. وقال النسائي: "ليس بثقة ولا يكتب حديثه"، وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: "حدثني محمد بن ذكوان، وكان كخير الرجال". ثم قال أبو داود: ولم يرو شعبة عن محمد بن ذكوان إلا هذا الحديث (١). وقد روى شعبة عن آخر يقال له: محمد بن ذكوان، فإن كان أراد صاحبنا، فقول شعبة: "كخير الرجال" ليس بتوثيق، وقد يكون الرجلُ صالحًا في نفسه، وليس بشيء في الرواية، واقتصارُ شعبة على حديثٍ واحدٍ يُشعر بما ذكرت. وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: "محمد بن ذكوان الذي روى عنه شعبة ثقة"، فإن كان أراد هذا، فكأنه لم يخبره، بل بنى على الغالب أن شعبة لا يروي إلا عن ثقة، وقوى عنده ذلك بقول شعبة: "كان كخير الرجال". اهـ. • وفي ترجمة: موسى بن المساور أبي الهيثم الضبي من "التنكيل" (٢٥٢): قال الكوثري ص ١٣٦: "من رجال "الحلية"، مجهول الحال، ولم أر من وثقه". فقال الشيخ المعلمي: "قال أبو الشيخ في "طبقات الأصبهانيين": "روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله ابن معاذ ووكيع والناس، وكان خيرًا فاضلًا، ترك ما ورثه من أبيه لأخوته، ولم يأخذ منه شيئًا؛ لأن أباه كان يتولى للسلطان ... "، ونحو ذلك في "تاريخ أصبهان" لأبي نعيم.

стр. 2045

وبذا يثبتُ أن الرجل عدلٌ صدوقٌ، ويبقى النظر في ضبطه، وسكوتُ هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته، يدل أنه لم يكن به بأس". اهـ. • وفي حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٣٠٤): "الخليل بن مُرَّة صالح متعبد، فَمِنْ ثَمَّ أثنى بعضهم عليه، فأما في الحديث، فقد قال البخاري: "منكر الحديث" وقال أيضًا: "فيه نظر"، وهاتان من أشد صيغ الجرح عند البخاري. وقال أبو الوليد الطيالسي: "ضال مضل" (١). اهـ. وقال المعلمي أيضًا في "الفوائد" (ص ٤٠١): "ضعيف". اهـ.

стр. 2046

٦ - شَرَفُ الأصل لا دخل له بالرواية: • في "الفوائد المجموعة" (٤٨٨): حديث: "إذا أراد الله أن يخلق خلقًا للخلافة مسح ناصيته بيده". رواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعًا، وقال: هذا منكر بهذا الإسناد، والبلاء فيه من مصعب النوفلي، ولا أعلم له شيئًا آخر. ورواه العقيلي من طريقه، وقال: مصعب مجهول النقل، حديثه غير محفوظ، ولا يتابع عليه، ولا يعرف إلا به. ورواه الخطيب عن أنس مرفوعًا، وفي إسناده: ميسرة بن عبد الله، مولى المتوكل، وهو ذاهب الحديث. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس مرفوعًا، وزاد: لا تقع عليه عين إلا أحبته. قال الحاكم: رواته هاشميون معروفون بشرف الأصل". فعلَّقَ الشيخُ المعلمي هنا بقوله: "وأي دَخْلٍ لهذا؟ ". اهـ. ٧ - ذِكْر الرجل في الأكابر الذين رَوَوْا عن فلانٍ لا يستلزم الثقة في الرواية: • في ترجمة الدارقطني من "التنكيل" (١٦٤): ذكر الكوثري ص ١٦٧ ما رُوي عن الدارقطني من نَفْيه سماع أبي حنيفة من أنس، ثم قال: " ... وأين هو -يعني الدارقطني- أيضًا من محمد بن مخلد العطار الحافظ الذي ذكر حماد بن أبي حنيفة في عداد الأكابر الذين رووا عن مالك ... ". اهـ.

стр. 2047

فقال الشيخ المعلمي: "حماد ترجمة في "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٣٤٦)، ودَعْوى أن ابن مخلد ذكره في الأكابر الذين رَوَوْا عن مالك فيها نظر، كما مرَّ في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت، فإن ثبت ذلك، فَكِبَرُ العُمر لا يستلزمُ الثقةَ في الرواية". اهـ. ٨ - عدالة الشهادة لا تستلزم عدالة الرواية: • في ترجمة: محمد بن جعفر الأدمي من "التنكيل" (١٩٧): قال الشيخ المعلمي: "ذكروا أنه كان شاهدا، فقد كان مُعَدَّلا عند القضاة، لكن لم أر من وثقه". اهـ. * * *

стр. 2048

الفصل الثالث: قواعد ومسائل وفوائد في الجرح والتعديل ويشتمل ذلك على أربعة مطالب: المطلب الأول: تقدمة الشيخ المعلمي لكتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم. المطلب الثاني: القواعد التي أفردها المعلمي في مقدمة "التنكيل" مع ذكر نماذج من تطبيقاته في ذلك. المطلب الثالث: تلخيص منهج المعلمي في نقد روايات الجرح والتعديل في مسائل على هذا الترتيب. المطلب الرابع: مسائل وفوائد مستخرجة ومستنبطة من سائر كلامه ﵀. * * *

стр. 2049

المطلب الأول تقدمة الشيخ المعلمي لكتاب "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم قال ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. الإنسان يفتقر في دينه ودنياه إلى معلوماتٍ كثيرةٍ، لا سبيلَ له إليها إلا بالأخبار، وإذ كان يقع في الأخبار الحقُّ والباطلُ، والصدقُ والكذبُ، والصوابُ والخطأُ، فهو مضطر إلى تمييز ذلك. وقد هَيَّأَ الله ﵎ لنا سلفَ صدقٍ، حفظوا لنا جميعَ ما نحتاج إليه من الأخبار في تفسير كتاب ربنا ، وسنةِ نبينا ﷺ ، وآثارِ أصحابه، وقضايا القضاة، وفتاوى الفقهاء، واللغة وآدابها، والشعر، والتاريخ، وغير ذلك. والتزموا وألزموا مَنْ بعدهم سَوْقَ تلك الأخبار بالأسانيد، وتتبعوا أحوالَ الرواةِ التي تساعد على نَقْدِ أخبارهم، وحفظوها لنا في جملة ما حفظوا. وتفقدوا أحوالَ الرواةِ، وقَضَوْا على كُلِّ راوٍ بما يستحقُّه، فَمَيَّزُوا مَنْ يجب الاحتجاجُ بخبره ولو انفرد، ومَنْ لا يجب الاحتجاجُ به إلا إذا اعتضد، ومَنْ لا يُحتج به ولكن يُستشهد، ومَن يُعتمد عليه في حالٍ دونَ أُخرى، وما دون ذلك من متساهلٍ ومغفلٍ وكذابٍ.

стр. 2050

وعمدوا إلى الأخبار فانتقدوها وفحصوها، وخَلَّصُوا لنا منها ما ضمنّوه كتبَ الصحيح، وتفقدوا الأخبارَ التى ظاهرها الصحة، وقد عرفوا بسعة علمهم ودقة فهمهم ما يدفعها عن الصحة، فشرحوا عللَها، وبينوا خللَها، وضمنّوها كتبَ العلل. وحاولوا مع ذلك إماتَةَ الأخبارِ الكاذبةِ، فلم ينقلْ أفاضلُهم منها إلا ما احتاجوا إلى ذكره؛ للدلالة على كذب راويه أو وهنه. ومن تسامح من متأخريهم، فروى كُلَّ ما سمع، فقد بَيَّنَ ذلك، ووكل الناسَ إلى النقد الذي قد مُهِّدَتْ قواعدُه ونُصبَتْ معالِمُه. فَبِحَقٍّ قال المستشرق المحقق مرجليوث: "ليفتخر المسلمون ما شاءوا بعلم حديثهم". علم الجرح والتعديل هو عِلمٌ يُبحثُ فيه عن جرحِ الرواةِ وتعديلهم، بألفاظٍ مخصوصةٍ، وعن مراتب تلك الألفاظ، وهذا العلمُ من فروع علم رجال الأحاديث، ولم يذكرْه أحدٌ من أصحاب الموضوعات، مع أنه فرعٌ عظيمٌ. والكلام في الرجال جرحا وتعديلا ثابت عن رسول الله ﷺ ، ثم عن كثيرٍ من الصحابة والتابعين، فَمَنْ بعدهم، وجُوِّزَ ذلك تورعا وصونا للشريعة، لا طَعْنا في الناس، وكما جاز الجرحُ في الشهود، جاز في الرواة، والتثبتُ في أمر الدين أَوْلَى من التثبت في الحقوق والأموال، فلهذا افترضوا على أنفسهم الكلامَ في ذلك. النقد والنقاد: ليس نقدُ الرواة بالأمر الهَيِّنِ؛ فإنَّ الناقدَ لا بُدَّ أن يكون واسعَ الاطلاع على الأخبار المروية، عارفا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيرا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي:

стр. 2051

متى وُلد؟ وبأيّ بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟ ثم يعرف أحوالَ الشيوخِ الذين يحدث عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث. ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه. ويكون مع ذلك متيقظا، مرهفَ اللهم، دقيقَ الفطنة، مالكا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادرُ ظَنٍّ، حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حُكمه، فلا يجاوز ولا يقصر. وهذه المرتبة بعيدةُ المرامِ، عزيزةُ المنالِ، لم يبلغْها إلا الأفذاذ. وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم مَنْ يتكلم في الرواة، فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلتفتُ إليه. قال الإمام علي ابن المدينى -وهو من أئمة هذا الشأن-: "أبو نعيم وعفان صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال؛ هؤلاء لا يَدَعُون أحدا إلا وقعوا فيه". وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجدُ في كتب الفنِّ نقلَ شيء من كلامهما.

стр. 2052

أئمة النقد: اشتهر بالإمامة في ذلك جماعةٌ؛ كمالك بن أنس، وسفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وآخرون، قد ساق ابن أبى حاتم تراجمَ غالبهم مستوفاة في كتابه "تقدمة المعرفة لكتاب الجرح والتعديل"، وذلك أنه رأى أن مدار الأحكام في كتاب الجرح والتعديل على أولئك الأئمة، وأن الواجب أن لا يصل الناظر إلى أحكامهم في الرواة حتى يكون قد عرفهم المعرفة التى تثبت في نفسه أنهم أهلٌ أن يصيبوا في قضائهم، ويعدلوا في أحكامهم، وأن يقبل منهم ويستند إليهم ويعتمد عليهم. اهـ. * * *

стр. 2053

المطلب الثاني القواعد التي أفردها الشيخ المعلمي في مقدمة "التنكيل" مع ذكر نماذج من تطبيقاته في ذلك القاعدة الأولى: هل يشترط تفسير الجرح ؟ القاعدة الثانية: إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل؟ القاعدة الثالثة: قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ... القاعدة الرابعة: قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك. القاعدة الأولى هل يشترط تفسير الجرح؟ قال: (ص ٥٩): اعلم أن الجرحَ على درجاتٍ: الأولى: المُجْمَل، وهو ما لم يُيَيِّنْ فيه السببُ؛ كقولِ الجارح: "ليس بعدل"، "فاسق". ومنه -على ما ذكره الخطيب في "الكفاية" (ص ١٠٨) عن القاضي أبي الطيب الطبري- قولُ أئمةِ الحديثِ: "ضعيف" أو "ليس بشيء". وزاد الخطيب قولَهم: "ليس بثقة". الثانية: مُبَيَّنُ السببِ، ومَثَّلَ له بعضُ الفقهاءِ بقولِ الجارحِ: "زان"، "سارق"، "قاذف".

стр. 2054

ووراءَ ذلك درجاتٌ بحسب احتمالِ الخللِ وعدمِهِ؛ فقوله: "فلان قاذف" قد يحتملُ الخللَ: مِنْ جهةِ أن يكونَ الجارحُ أخطأَ في ظَنِّهِ أن الواقعَ قذفٌ، ومِنْ جهةِ احتمالِ أن يكونَ المرميُّ مستحقًا للقذف، ومنْ جهةِ احتمالِ أن لا يكونَ الجارحُ سمع ذلك من المجروح، وإنما بَلَغَهُ عنه، ومِنْ جهةِ أن يكونَ إنما سمعَ رجلًا آخر يُقْذَفُ، فَتَوَهَّمَ أنه الذي سَمَّاهُ، ومِنْ جهةِ احتمالِ أن يكونَ المجروحُ إنما كان يحكي القذفَ عن غيره، أو يَفْرض أن قائلًا قاله، فلم يسمعْ الجارحُ أولَ الكلام، إلى غير ذلك من الاحتمالات. نعم، إنها خلافًا لظاهرِ، ولكنْ قد يَقْوَى المُعارِضُ جدًّا، فيغلبُ على الظن أن هناك خللًا، وإن لم يتبين. واختلف أهلُ العلم في الدرجة الأولى، وهي الجرح المجمل، إذا صدر من العارف بأسباب الجرح، فمنهم من قال: يجب العملُ به، ومنهم من قال: لا يُعملُ به؛ لأن الناس اختلفوا في أشياءَ، يراها بعضهم فسقًا ولا يوافقه غيره. وفَصَّلَ الخطيبُ فيما نقله عنه العراقي والسخاوي، قال: "إن كان الذي يُرجعُ إليه عدلًا، مرضيًا في اعتقاده وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالمًا باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك، قُبِلَ قولُه فيمن جَرحه مجملًا، ولا يُسأل عن سببه". يريد أنه إذا كان عارفًا باختلاف الفقهاء، فالظاهر أنه لا يَجرح إلا بما هو جرحٌ باتفاقهم. وأقول: لا بد من الفرق بين: جرحِ الشاهد وجرحِ الراوي، وبين ما إذا كان هناك ما يخالفُ الجرحَ، وما إذا لم يكن هناك ما يخالفه.

стр. 2055

فأما الشاهدُ، فلهُ ثلاثُ أحوالٍ: الأولى: أن تكون قد ثبتت عدالتُه في قضيةٍ سابقةٍ، وقَضى بها القاضي، ثم جُرح في قضيةٍ أخرى. الثانية: أن لا تكون قد ثبتت عدالتُه، ولكن سُئل عنه عارفوه، فمنهم من عَدَّلَهُ، ومنهم من جرحه. الثالثة: أن لا تكون قد ثبتت عدالتُه، وسُئل عنه عارفوه، فجرحه بعضهم، وسكت الباقون. فأما الثالثة: فإن كان القاضي لا يقبلُ شهادةَ من لم يُعدَّلْ، فأيُّ فائدةٍ في استفسار الجارح؟ وإن كان يقبلها، فلضعفها يكفي الجرح المجمل. وأما الثانية: فقد يكثر الجارحون، فيغلبُ على الظن صحةُ جرحهم، وإن أجملوا، وقد لا تحصل غلبةُ الظن إلا بالدرجة الثانية من الجرح، وهي بيان السبب، وقد لا تحصل إلا بأزيد منها مما مر بيانه. وإذا كان القاضي متمكنًا من الاستفسار؛ لحضور الجارح عنده، أو قربه منه، فينبغي أن يستوفيه على كل حال؛ لأنه كلما كان أقوى، كان أثبتَ للحجة، وأدفعَ للتهمة. وأما الأولى: فينبغي أن لا يكفي فيها جرحٌ مجملٌ، ولو مع بيان السبب، بل يحتاج إلى بيان المستند بما يدفع ما يحتمل من الخلل. وأما الراوي، فحالُه مخالفةٌ للشاهد فيما نحن فيه من أوجه: الأول: أن الذين تكلموا في الرواة أئمةٌ أجلّةٌ، والغالبُ فيمن يَجرحُ الشاهدَ أن لا يكونَ بتلك الدرجة، ولا ما يقاربها.

стр. 2056

الثاني: أن الذين تكلموا في الرواة منصبُهم منصبُ الحُكَّامِ، وقد قال الفقهاء: إن المنصوبَ لجرح الشهود يُكتفى منه بالجرح المُجمل. الثالث: أن القاضي متمكنٌ من استفسار جارحِ الشاهد كما مر، والذين جرحوا الرواة يكثر في كلامهم الإجمال، وأن لا يستفسرهم أصحابهم، ولم يبقَ بأيدي الناس إلا نقلُ كلامِهم، ولم يزل أهل العلم يتلقون كلماتهم ويحتجون بها. وبعد أن اختار ابنُ الصلاح اشتراطَ بيانِ السببِ، قال: "ولقائلٍ أن يقول: إنما يعتمدُ الناسُ في جرح الرواة وردِّ حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث ... وقلَّ ما يتعرضون لبيان السبب، بل يقتصرون على ... فلان ضعيف، و: فلان ليس بشيء، ونحو ذلك ... فاشتراطُ بيانِ السببِ يُفضى إلى تعطيل ذلك، وسَدِّ بابِ الجرح في الأغلب الأكثر، وجوابُه أن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أنْ توقَّفْنَا عن قَبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبةً قويةً، يوجب مثلُها التوقفَ، ثم مَنِ انزاحت عنه الريبةُ منهم؛ ببحثٍ عن حالِه: أوجبَ الثقةَ بعدالتِه، قَبِلنا حديثَهُ، ولم نتوقفْ، كالذين احتج بهم صاحبا "الصحيحين" وغيرهم ممن مَسَّهُم مثلُ هذا الجرح من غيرهم، فافهم ذلك فإنه مخلصٌ حسنٌ". وتبعه النووي في "التقريب" و"شرح صحيح مسلم"، ولفظه هناك: "على مذهب من اشترط في الجرح التفسيرَ نقولُ: فائدةُ الجرح فيمن جُرح مطلقًا أن يُتوقفَ عن الاحتجاج به، إلى أن يُبحث عن ذلك الجرح ... ". وذى العراقي في "ألفيته" و"شرحها" بعضَ الذين أشار ابنُ الصلاح إلى أن صاحبي "الصحيحين" احتجا بهم، وقد جُرحوا، فذكر مِمَّنْ روى له البخاري: عكرمة مولى ابن عباس، وعمرو بن مرزوق الباهلي. وممن روى له مسلم: سويد بن سعيد.

стр. 2057

وهؤلاء قد سبق جرحُهم مِمَّنْ قَبْلَ صاحبي "الصحيح"، وكذلك سبق تعديلُهم أيضًا، فهذا يدل أن التوقفَ الذي ذكره ابنُ الصلاح والنوويُّ يشملُ من اختُلِفَ فيه؛ فعدَّلَهُ بعضهم وجرحه غيره جرحًا غير مفسَّر، وسياق كلامهما يقتضى ذلك، بل الظاهر أن هذا هو المقصود؛ فإن مَنْ لم يُعدَّلْ نصًا أو حكما ولم يُجرح، يجب التوقف عن الاحتجاج به، ومَن لم يُعدل وجُرح جرحًا مجملا، فالأمر فيه أشد من التوقف والارتياب. فالتحقيقُ أن الجرحَ المُجملَ يَثبتُ به جرحُ مَنْ لم يُعَدَّلْ نصًا ولا حكمًا، ويُوجبُ التوقفَ فيمن قد عُدِّلَ حتى يُسْفِرَ البحثُ عما يقتضي قبولَهُ أو ردَّهُ، وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله تعالى". اهـ. • وقال الشيخ المعلمي في ترجمة: المفضل بن غسان الغلابي من "التنكيل" (٢٤٩): "الجرحُ غيرُ المُفَسَّرِ قد تقدم في القواعد البحثُ فيه، وأن التحقيقَ أنه مقبولٌ من أهله، إلا أن يُعارضه توثيقٌ أثبتُ منه، وبالجملة فالذي يُخشى من .. الجرح الذي لم يُفسر هو الخطأ، فمتى تبين أو ترجح أنه خطأ لم يُؤخذ به". اهـ. * * *

стр. 2058

القاعدة الثانية إذا اجتمع جرح وتعديل فبأيهما يعمل ؟ قال: (ص ٧٣): "قد يُنقلُ في راوٍ جرحٌ وتعديلٌ، ولكننا إذا بحثنا بمقتضى القاعدة السابقة (١) سقط أحدُهما، أو تَبَيَّنَ أنه إنما أُريد به ما لا يُخالف الآخرَ، فهاتان الصورتان خارجتان عن هذه القاعدة، فأما إذا ثبتَ في الرجل جرحٌ وتعديلٌ متخالفان، فالمشهور في ذلك قضيتان: الأولى: أن الجرحَ إذا لم يُبَيَّنْ سببُه، فالعمل على التعديل، وهذا إنما يَطَّرِدُ في الشاهد؛ لأن مُعَدِّلَهُ يَعرف أن القاضي إنما يسأله ليحكمَ بقوله، ولأن شرطَه معرفتُه بسيرةِ الشاهدِ معرفةَ خبرة، ولأن القاضي يستفسرُ الجارحَ كما يجب، فإذا أَبَى أن يُفسرَ، كان إِباؤُهُ مُوهنًا لجرحه. فأما الراوي، فقد يكون المُثْنِي عليه لم يَقصد الحُكمَ بثقته، وقد يكون الجرحُ متعلقًا بالعدالة، مثل "هو فاسق"، والتعديلُ مطلقٌ، والمُعَدِّلُ غيرُ خبيرٍ بحالِ الراوي، وإنما اعتمد على سَبْرِ ما بلغه من أحاديثه؛ وذلك كما لو قال مالك في مدني: "هو فاسق"، ثم جاء ابن معين فقال: "هو ثقة". وقد يكون المُعَدِّلُ إنما اجتمع بالراوي مدةً يسيرةً، فَعَدَّلَهُ، بناء على أنه رأى أحاديثه مستقيمة، والجارحُ من أهل بلدِ الراوي؛ وذلك كما لو حجَّ رازيٌّ، فاجتمع به ابن معين ببغداد، فسمع منه مجلسًا، فوثقه، ويكون أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان قد قالا فيه: "ليس بثقة ولا مأمون".

стр. 2059

ففي هذه الأمثلة لا يَخفى أن الجرحَ أَوْلَى أن يُؤخذَ به. فالتحقيقُ أن كُلًّا من التعديل والجرح الذي لم يُبَيِّنْ سببُه يَحتملُ وقوعَ الخلل فيه، والذي ينبغي أن يُؤخذ به منها: هو ما كان احتمالُ الخللِ فيه أبعدَ من احتماله في الآخر، وهذا يختلفُ ويتفاوتُ باختلافِ الوقائع. والناظرُ في زماننا لا يكادُ يتبينُ له الفَصْلُ في ذلك إلا بالاستدلال بصنيع الأئمة؛ كما إذا وجدنا البخاريَّ ومسلما قد احتجا أو أحدُهما براوٍ، سَبَقَ مِمَّنْ قَبلهما فيه جرحٌ غيرُ مُفَسَّرٍ، فإنه يَظهرُ لنا رُجحانُ التعديلِ غالبا، وقِسْ على ذلك، وهذا تفصيلُ ما تقدَّمَ في القاعدة الخامسة عن ابن الصلاح وغيره. لكن ينبغي النظرُ في كيفية رواية الشيخين عن الرجل؛ فقد يَحْتَجَّانِ أو أحدُهما بالراوي في شيء دون شيء، وقد لا يَحْتَجَّانِ بن وإنما يُخرجان له ما تُوبع عليه، ومن تتبع ذلك، وَأنْعَمَ فيه النظرَ، عَلم أنهما في الغالب لا يُهملان الجرحَ البَتَّةَ، بل يحملانِه على أمرٍ خاصٍّ، أو على لِينٍ في الراوي، لا يَحُطُّهُ عن الصلاحية به فيما ليس مظنةَ الخطأ، أو فيما تُوبع عليه ونحو ذلك، راجع الفصل التّاسع من "مقدمة فتح الباري". القضية الثانية: أن الجرح إذا كان مفسَّرا فالعملُ عليه، وهذه القضية يُعرف ما فيها بمعرفة دليلها، وهو ما ذكره الخطيب في "الكفاية" ص ١٠٥ قال: "والعلة في ذلك أن الجارح يُخبر عن أمرٍ باطنٍ قد عَلمه، ويُصَدِّقُ المُعَدِّلَ، ويقول له: قد علمتُ من حاله الظاهرةِ ما علمتَها، وتفردتُّ بعلمٍ لم تعلمْه من اختبار أمره، اخبارُ المعدِّلِ عن العدالة الظاهرة لا ينفي صدقَ قولِ الجارح. ولأنَّ مَنْ عَمل بقول الجارح لم يَتَّهِمْ المُزَكِّي، ولم يُخْرِجْهُ بذلك عن كونه عدلًا، ومتى لم نَعملْ بقول الجارح كان في ذلك تكذيبٌ له ونقضٌ لعدالته، وقد عُلم أن حاله في الأمانة مخالفةٌ لذلك".

стр. 2060

أقول: ظاهرُ كلام الخطيب أن الجرحَ المُبَيَّنَ السبب مقدمٌ على التعديل، بل يظهر مما تقدم عنه في القاعدة الخامسة من قبول الجرح المجمل إذا كان الجارح عارفًا بالأسباب واختلاف العلماء: أن الجارح إذا كان كذلك، قُدِّمَ جرحُه الذي لم يُبين سببه على التعديل. لكنَّ جماعةً من أهل العلم قَيَّدُوا الجرحَ الذي يُقدم على التعديل بأن يكون مفسرًا، والدليل المذكور يُرشد إلى الصواب؛ فقولُ الجارح العارف بالأسباب والاختلاف: "ليس بعدل"، أو: "فاسق"، أو: "ضعيف" أو: "ليس بشيء"، أو: "ليس بثقة"، هل يجب أن لا يكونَ إلا عن علمٍ بسببٍ موجبٍ للجرح إجماعًا؟ أَوَ لا يحتمل أن يكون جَهِلَ أو غَفَلَ أو ترجح عنده مالا نوافقه عليه؟ أَوَليس في كل مذهبٍ اختلافٌ بين فقهائه فيما يوجب الفسق؟ فإن بَيَّنَ السببَ، فقال مثلًا: "قاذف"، أو قال المُحَدِّثُ: "كذاب"، أو: "يَدَّعِي السماعَ ممن لم يسمع منه"، أَفليس إذا كان المتكلَّمُ فيه راويًا، قد لا يكون المتكلِّمُ قصد الجرحَ، وإنما هي فلتةُ لسانٍ عند ثورةِ غضبٍ، أو كلمةٌ قصد بها غيرَ ظاهرها بقرينة الغضب؟ أوَ لم يختلف الناس في بعض الكلمات: أقذفٌ هي أم لا؟ حتى إن فقهاء المذهب الواحد قد يختلفون في بعضها. أَوَليس قد يستندُ الجارح إلى شُيوع خبرٍ قد يكونُ أصلُه كذبةَ فاجرٍ، أو قرينةً واهيةً، كما في قصة الإفك؟ وقد يستند المحدث إلى خبرِ واحدٍ يراه ثقةً، وهو عند غيره غير ثقة. أَوَليس قد يَبني المحدثُ كلمةَ "كذاب" أو "يضع الحديث" أو "يدعي السماع ممن لم يسمع منه" على اجتهادٍ يحتملُ الخطأ؟

стр. 2061

فإن فَصَّلَ الجارحُ القذفَ، أفليس قد يكون القذفُ لمستحقه (١)؟ أَوَليس قد يكون فلتةَ لسانٍ عند سورةِ غضبٍ، كما وقع من محمد بن الزبير أو من أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، على ما رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة، وكما وقع من أبي حصين عثمان بن عاصم فيما ذكره وكيع، وإن كانت الحكاية منقطعة؟ إذا تدبرت هذا، علمتَ أنه لا يستقيم ما استدل به الخطيب إلا حيث يكون الجرحُ مبينًا مفسرًا مثبتا مشروحًا بحيث لا يظهر دفعه إلا بنسبة الجارح إلى تعمد الكذب، ويظهر أن المعدِّلَ لو وقف عليه لما عَدَّلَ، فما كان هكذا فلا ريب أن العمل فيه على الجرح، وإن أكثر المعدِّلُون، وأما ما دون ذلك، فعلى ما تقدم في القضية الأولى (٢) ". اهـ. * * *

стр. 2062

القاعدة الثالثة قولهم: من ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا ... قال: (ص ٧٥): قال البخاري في "جزء القراءة": "والذي يُذكر عن مالكٍ في ابن إسحاق لا يكاد يبين .. ولو صح ... فلربما تكلم الإنسان فيرمي صاحبَه بشيء واحدٍ ولا يتهمه في الأمور كلها، وقال إبراهيم بن المنذر عن محمد بن فليح: نهاني مالك عن شيخين من قريشٍ وقد أكثر عنهما في "الموطأ"، وهما مما يحتج بحديثهما، ولم يَنْجُ كثيرٌ من الناس من كلام بعض الناس فيهم، نحو ما يُذكر عن إبراهيم من كلامه في الشعبي، وكلام الشعبي في عكرمة، وفيمن كان قبلهم، وتأويل بعضهم في العرض والنفس، ولم يلتفت أهل العلم في هذا النحو إلا ببيان وحجة، ولم يسقط عدالتهم إلا ببرهان وحجة .... وقال بعض أهل المدينة: إن الذي يُذكر عن هشام بن عروة قال: كيف يدخل ابن إسحاق على امرأتي؟ لو صح عن هشام، جائز أن تكتب إليه ... وجائز أن يكون سمع منها وبينهما حجاب وهشام لم يشهد". اهـ. وفي "فتح المغيث" للسخاوي (ص ١٣٠) عن محمد بن نصر المروزي: "كُلُّ رجلٍ ثبتتْ عدالتُه، لم يُقبل فيه تجريحُ أحدٍ، حتى يُبَيِّنَ ذلك بأمرٍ لا يحتملُ أن يكونَ غيرَ جُرحة". وفي ترجمة عكرمة من "مقدمة فتح الباري" عن ابن جرير: "من ثبتت عدالتُه لم يُقبل فيه الجرحُ، وما تَسقطُ العدالةُ بالظنِّ، وبقول فلان لمولاه: لا تكذب عليَّ، وما أشبهه من القول الذي له وجوهٌ وتصاريفُ ومعانٍ غير الذي وَجَّهَهُ إليه أهلُ الغباوة". اهـ.

стр. 2063

وقال ابن عبد البر: "الصحيحُ في هذا الباب أنَّ مَنْ صَحَّتْ عدالتُه، وثبتت في العلم أمانتُه، وبانت ثقته وعنايته بالعلم، لم يُلتفت فيه إلى قولِ أحدٍ، إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة، تصح بها جرحته على طريق الشهاداتِ والعملِ فيها من المشاهدة والمعاينة". اهـ. قال السخاوي في "فتح المغيث": "ليس المرادُ إقامةَ بينةٍ على جرحه، بل المعنى أنه يَستند في جَرحه على ما يَستند إليه الشاهدُ في شهادته، وهو المشاهدةُ ونحوها". اهـ. قد يُقالُ: إن كان المرادُ بثبوتِ العدالةِ أن يتقدمَ التعديلُ والحكمُ به والعملُ بحسبه على الجرحِ (١)، فهذا إنما يكثرُ في الشهود. وإن كان المرادُ بثبوتها حصولَ تعديل على أي حالٍ كان، فهذا لا وجهَ له؛ فقد تقدم في القاعدة السادسة ما يُعلم منه أن التعديلَ يتفاوتُ، ويحتملُ كثيرٌ منه الخللَ كما يحتملُهُ الجرحُ الذي لم يُشْرَحْ كُلَّ الشَّرْحِ، أو أشد. ومن تَتَّبَعَ صنيعَ أهل العلم تبَيَّنَ له أنهم كثيرًا ما يُقدمون الجرحَ الذي لم يُشْرَحْ كُلَّ الشَّرْحِ على التوثيق، كما في حالِ إبراهيم بن أبي يحيى والواقدي وغيرهما. وكثيرًا ما يقع للبخاري وغيره القدحُ فيمن لم يُدركوه، وقد سبقَ أن عدَّلَهُ معدِّلٌ أو أكثر، ولم يَسبق أن جرحه أحدٌ. فأقول: الذي يتحررُ أن للعدالة جهتين: الأولى: استقامة السيرة، وثبوت هذا بالنظر إلى هذه القاعدة تظهر فيمن تظهر عدالته ويُعدل تعديلًا معتمدًا، وتمضي مدة، ثم يجرح. فأما ما عدا ذلك، فالمدار على الترجيح، وقد مَرَّ في القاعدة السابقة.

стр. 2064

الجهة الثانية: استقامة الرواية، وهذا يَثبتُ عند المحدث بتتبعه أحاديث الراوي، واعتبارها، وتبين أنها كلها تدل على أن الراوي كان من أهل الصدق والأمانة، وهذا لا يتيسر لأهل عصرنا، لكن إذا كان القادحون في الراوي قد نَصُّوا على ما أنكروه من حديثه، بحيث ظهر أن ما عدا ذلك من حديثه مستقيم، فقد يتيسر لنا أن ننظر في تلك الأحاديث، فإذا تبين أن لها مخارج قوية تدفع التهمة عن الراوي، فقد ثبتت استقامة روايته. وقد حاولتُ العمل بهذا في بعض الآتين في قسم التراجم، كالحارث بن عمير، والهيثم بن جميل. فأما ما عدا هذا، فإننا نحتاج إلى الترجيح، فقد يترجح عندنا استقامةُ رواية الرجل باحتجاج البخاري به في "صحيحه"؛ لظهور أن البخاري إنما احتج به بعد أن تتبع أحاديثه، وسبرها، وتبين له استقامتها، وقد علمنا مكانة البخاري، وسعة اطلاعه ونفوذ نظره، وشدة احتياطه في "صحيحه"، وقِسْ على ذلك، وراجع ما تقدم في القواعد السابقة. والله الموفق. هذا، وقد تعرض ابنُ السبكي في ترجمة أحمد بن صالح من "طبقات الشافعية" لهذه القاعدة، وزاد فيها فقال: "فنقول مثلًا: لا يُلتفتُ إلى كلام ابنِ أبي ذئب في مالك، وابنِ معين في الشافعي، والنسائيِّ في أحمد بن صالح؛ لأن هؤلاءِ أئمةٌ مشهورون، صار الجارحُ لهم كالآتي بخبرٍ غريبٍ، لو صَحَّ لتوفرتِ الدواعي على نقله، وكان القاطع قائمًا على كذبه ... ومعنا أصلان نستصحبهما إلى أن نتيقن خلافهما: أصلُ عدالة الإمام المجروح ... وأصلُ عدالة الجارح ... فلا نلتف إلى جرحه، ولا نجرحه بجرحه، فاحفظ هذا المكان، فهو من المهمات ... فنحن نقبل قولَ ابن معين ... ولا نقبل قوله في الشافعي، ولو فَسَّرَ، وأَتَى بِأَلفِ إيضاحٍ؛ لقيامِ القاطعِ على أنه غيرُ محُقٍّ بالنسبة إليه".

стр. 2065

أقول: هَوَّلَ على عادته، والإنصافُ أن الشافعيَّ لم يكن معصومًا، ولم يَقُمِ القاطعُ اليقيني على أنه لم يقع منه ما إذا وقع من الرجل صَحَّ أن يُجرح به، ولم يكن الشافعي طول عمره في جميع أحواله لا يزال بحضرته جَمٌّ غفيرٌ تقضى العادة حتمًا بأنه لو وقع منه شيء مما ذُكر لتوفرتِ الدواعي على نقله. نعم، لو فرضنا أن الجارح ذكر أمرًا يصح أن يقال فيه: لو وقع لتوفرت الدواعي على نقله تواترًا، ولم يكن ذلك، فإنه لا يقبل منه. ولو أن السبكي ترك أن يفرض ما لم يقع، واعتنى بما وقع في الأمثلة التي ذكرها وبَيَّن وجوهَها، لأجاد وأفاد، وقد تعرضتُّ لما وقفتُ عليه من ذلك في تراجم أولئك الثلاثة من قسم التراجم، ولله الحمد". اهـ. • وقال الشيخ المعلمي في أثناء القاعدة الثانية من مقدمة "التنكيل" (ص ٣٩): "كُلُّ من ثبتت عدالتُه، لا يَتَّهِمُهُ عارفوه الذين يعدلونه، ولا الواثقون بتعديل المعدِّلِين، فإن اتَّهَمَهُ غيرهم، كان معنى ذلك أنه غيرُ واثقٍ بتعديل المعدِّليِن، ومتى ثبت التعديل الشرعي لم يُلتفت إلى من لا يثق به، ولو كان لك أن تُعدل الرجل وأنت لا تأمن أن يدعي الباطل ويشهد لنفسه زورًا بخمسة دراهم مثلًا، لكان لك أن تعدل من تتهمه بأنه لو رشاه رجل عشرة دراهم أو أكثر لشهدوا له زورًا، وهذا باطل قطعًا؛ فإن تعديلك للرجل إنما هو شهادة منك له بالعدالة، والعدالة "ملكة تمنع صاحبها من اقتراف الكبائر وصغائر الخسة ... " فكيف يسوغ لك أن تشهد بهذه الملكة لمن تتهمه بما ذُكر؟، ولو كان كُلُّ عدلٍ حقيقًا بأن يتهمه عارفوه بنحو ما ذُكر، لما كان في الناس عدل ... ". اهـ. • وفي ترجمة: زكريا بن يحيى الساجي من "التنكيل" (٩٤): قال الكوثري ص ١٨: شيخ المتعصبين ...

стр. 2066

فقال الشيخ المعلمي: "أما التعصب، فقد مَرَّ حكمُه في القواعد، وبَيَّنَا أنه إذا ثبتت ثقةُ الرجل وأمانتُه، لم يقدحْ ما يسميه الأستاذ تعصبًا في روايته، ولكن ينبغي التروي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه وبين التثبت ... ". اهـ. • وفي ترجمة: عبد المؤمن بن خلف أبي يعلى التميمي النسفى الحافظ من "التنكيل" (١٤٨): قال الكوثري: عبد المؤمن ليس ممن يُصدَّقُ فيه (يعني في الحسن بن زياد اللؤلؤى) لأنه كان ظاهريًا طويل اللسان على أهل القياس. فقال الشيخ المعلمي: "قد سلف في القواعد أن المخالفة في المذهب لا تُرد بها الرواية: كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالمًا يشك فيه. ومن حَكم له أهلُ العلم بالصدق والأمانة والثقة، فقد اندفع عنه أن يقال: لا يصدَّق في كذا، اللهم إلا أن تقام الحجةُ الواضحةُ على أنه تعمد كذبًا صريحًا، فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة. والأستاذ -الكوثري- يمرُّ بالجبال الرواسي، فينفخُ، ويخيّل لنفسه وللجهال أنه قد أزالها أو جعلها هباء، والذي جرأه على ذلك كثرةُ الأتباع، وغربة العلم، وما لا أحب ذكره، والله المستعان". اهـ. • وفي ترجمة ابن المذهب من "التنكيل" (٧٨): "من تثبت عدالته وأمانته ثم ادعى سماعًا، ولا معارضَ له، أو يعارضه .. ولكن له عذرٌ قريبٌ، كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس، وكان الشيخُ يعتني بي، فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتب التسميع، فإنه يقبل منه". اهـ.

стр. 2067

نماذج من رد الجرح المُجْمل إذا عارضه توثيق: • في ترجمة: محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي من "التنكيل" (٢١٤): قال ابن عدي: "رأيت أبا يعلي سيء القول فيه، ويقول: شهد على خالي بالزور. ثم قال ابن عدي: وابن عمار ثقة، حسن الحديث عن أهل الموصل: معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة". فقال الشيخ المعلمي: "ووثقه وأثنى عليه جماعةٌ كثيرة، فأما أبو يعلى فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدةٌ ما في المذهب، كما يدلُّ عليه عكوفُ أبي يعلي على سماع كتب أهلِ الرأي من بشر بن الوليد، وردفتها كُدورةٌ عائليةٌ، كما يدل عليه قول أبي يعلي: شهد على خالي بالزور. وهذه كلمةٌ مرسلةٌ، لم يُبين ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلي أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك، فهل تعمَّدَ ابنُ عمار الشهادةَ بالباطل أو أخطأ؟. وإعراض الناس -ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلي- عن كلمته، يُبين أنها كلمة طائشة، لا تستحق أن يُلتفت إليها. وابن عمار أكبر من أبي يعلي بنحو خمسين سنة، فلعل أبا يعلي سمع خاله -ومَنْ خالُه؟ - يقول: شهد عليَّ ابنُ عمار بالزور، فأخذها أبو يعلى، ولم يحققها، وقدمنا في القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين ثغرة (١)، لم يُقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا مفسَّرا محققا مثبتا، ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلي وإجماعهم على توثيق ابن عمار". اهـ.

стр. 2068

• وفي ترجمة: محمد بن عثمان بن أبي شيبة منه (٢١٩): قال الخطيب: سألتُ البرقاني عن ابن أبي شيبة، فقال: لم أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه. فقال المعلمي: "ليس في هذا ما يوجب الجرح، إذ لم يُبين من هو القادح، وما هو قدحه؟ ". اهـ. • وفي ترجمة: زكريا بن يحيى الساجي (٩٤): قال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث، وثقه قوم، وضعفه آخرون. فقال الشيخ المعلمي: "أما كلمة ابن قطان، فلم يُبَيِّنْ مَنْ هُم الذين ضعفوه، وما هو التضعيف، وما وجهه، ومثل هذا النقل المرسل على عواهنه لا يُلتفتُ إليه أمام التوثيق المُحَقَّق، وأخشى أن يكون اشتبه على ابن قطان بغيره ممن يقال له: "زكريا بن يحيى"، وهم جماعة، وابن القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف، فقد وقع له في موضع تصحيفٌ في ثلاثة أسماء متوالية. راجع "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٢٠١ - ٢٠٢) قد قال ابن حجر في "اللسان" متعقبًا كلمة ابن القطان: "ولا يغتر أحدٌ بقول ابن القطان، وقد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحدٌ قَطُّ ... وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة، يَعرفُ الحديثَ والفقهَ، وله مؤلفاتٌ حسانٌ في الرجال واختلافِ الفقهاء وأحكام القرآن ... وقال مَسْلمة بن القاسم: بصري ثقة". اهـ. • وفي ترجمة: جرير بن عبد الحميد (٦٣): قال قتيبة: "ثنا جرير الحافظ المقدم لكني سمعته يشتم معاوية علانية". فقال الشيخ المعلمي: "لم يُبَيِّنْ ما هو الشتم؟ ولم يضره ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيتَ، واحتج به صاحبا "الصحيحين"، وبقية الستة، والناس". اهـ.

стр. 2069

• وفي ترجمة: محمد بن كثير العبدي (٢٣٠): قال الكوثري ص ١٦١: "فيه يقول ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة". فقال الشيخ المعلمي: "قال الإمام أحمد: "ثقة، لقد مات على سُنَّة"، وقال أبو حاتم مع تشدده: "صدوق"، وأخرج له الشيخان في "الصحيحين"، وبقية الستة، روى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في "لسان الميزان" (٢/ ٤١٦)، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان تقيا فاضلا". وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: "ليس بثقة" أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة: "لا تكتبوا عنه" فلم أجدها، نعم قال ابن الجنيد عن ابن معين: "كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه" قال: "ثم سألته عنه، فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه". وابن معين كغيره؛ إذا لم يفسر الجرحَ، وخالفه الأكثرون، يرجح قولهم". اهـ. • وفي ترجمة: محمد بن أبي عتاب أبي بكر الأعين (٢١٨): قال ابن معين: لم يكن من أهل الحديث (١).

стр. 2070

قال المعلمي: "هذه كلمة مُجْمَلة، وقد فَسَّرها الخطيب بقوله: "يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل (١)، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعًا عنه". وقال الإمام أحمد: "رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه". وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢). وأخرج له مسلم في مقدمة "صحيحه" (٣) ". اهـ. • وفي ترجمة: علي بن زيد بن عبد الله أبي الحسن الفرائضي من "التنكيل" (١٦٠). قال ابن يونس: "تكلموا فيه". فقال الشيخ المعلمي: "لم يبين من المتكلم، ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة"، والتوثيق مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى". اهـ. قال أبو أنس: علقت على هذه الترجمة في القسم الأول رقم (٥٢٨) بقولي: مَسلمة بن قاسم ترجمه ابن الفرضي في "تاريخ علماء الأندلس" (٢/ ١٣٠)، وقال: سمعت من ينسبه إلى الكذب، وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال لي: لم يكن كذابًا، ولكن كان ضعيف العقل.
следующие страницы →