فقال الشيخ المعلمي:
"أما التعصب، فقد مَرَّ حكمُه في القواعد، وبَيَّنَا أنه إذا ثبتت ثقةُ الرجل وأمانتُه، لم يقدحْ ما يسميه الأستاذ تعصبًا في روايته، ولكن ينبغي التروي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه وبين التثبت ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد المؤمن بن خلف أبي يعلى التميمي النسفى الحافظ من "التنكيل" (١٤٨):
قال الكوثري: عبد المؤمن ليس ممن يُصدَّقُ فيه (يعني في الحسن بن زياد اللؤلؤى) لأنه كان ظاهريًا طويل اللسان على أهل القياس.
فقال الشيخ المعلمي:
"قد سلف في القواعد أن المخالفة في المذهب لا تُرد بها الرواية: كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالمًا يشك فيه.
ومن حَكم له أهلُ العلم بالصدق والأمانة والثقة، فقد اندفع عنه أن يقال: لا يصدَّق في كذا، اللهم إلا أن تقام الحجةُ الواضحةُ على أنه تعمد كذبًا صريحًا، فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة.
والأستاذ -الكوثري- يمرُّ بالجبال الرواسي، فينفخُ، ويخيّل لنفسه وللجهال أنه قد أزالها أو جعلها هباء، والذي جرأه على ذلك كثرةُ الأتباع، وغربة العلم، وما لا أحب ذكره، والله المستعان". اهـ.
• وفي ترجمة ابن المذهب من "التنكيل" (٧٨):
"من تثبت عدالته وأمانته ثم ادعى سماعًا، ولا معارضَ له، أو يعارضه .. ولكن له عذرٌ قريبٌ، كأن يقول: فاتني أولًا ذلك المجلس، وكان الشيخُ يعتني بي، فأعاده لي وحدي، ولم يحضر كاتب التسميع، فإنه يقبل منه". اهـ.
стр. 2067
نماذج من رد الجرح المُجْمل إذا عارضه توثيق:
• في ترجمة: محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي من "التنكيل" (٢١٤):
قال ابن عدي: "رأيت أبا يعلي سيء القول فيه، ويقول: شهد على خالي بالزور. ثم قال ابن عدي: وابن عمار ثقة، حسن الحديث عن أهل الموصل: معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة".
فقال الشيخ المعلمي:
"ووثقه وأثنى عليه جماعةٌ كثيرة، فأما أبو يعلى فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدةٌ ما في المذهب، كما يدلُّ عليه عكوفُ أبي يعلي على سماع كتب أهلِ الرأي من بشر بن الوليد، وردفتها كُدورةٌ عائليةٌ، كما يدل عليه قول أبي يعلي: شهد على خالي بالزور.
وهذه كلمةٌ مرسلةٌ، لم يُبين ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلي أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك، فهل تعمَّدَ ابنُ عمار الشهادةَ بالباطل أو أخطأ؟.
وإعراض الناس -ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلي- عن كلمته، يُبين أنها كلمة طائشة، لا تستحق أن يُلتفت إليها.
وابن عمار أكبر من أبي يعلي بنحو خمسين سنة، فلعل أبا يعلي سمع خاله -ومَنْ خالُه؟ - يقول: شهد عليَّ ابنُ عمار بالزور، فأخذها أبو يعلى، ولم يحققها، وقدمنا في القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين ثغرة (١)، لم يُقبل ما يقوله أحدهما في الآخر إلا مفسَّرا محققا مثبتا، ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلي وإجماعهم على توثيق ابن عمار". اهـ.
стр. 2068
• وفي ترجمة: محمد بن عثمان بن أبي شيبة منه (٢١٩):
قال الخطيب: سألتُ البرقاني عن ابن أبي شيبة، فقال: لم أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه.
فقال المعلمي:
"ليس في هذا ما يوجب الجرح، إذ لم يُبين من هو القادح، وما هو قدحه؟ ". اهـ.
• وفي ترجمة: زكريا بن يحيى الساجي (٩٤):
قال أبو الحسن ابن القطان: مختلف فيه في الحديث، وثقه قوم، وضعفه آخرون.
فقال الشيخ المعلمي:
"أما كلمة ابن قطان، فلم يُبَيِّنْ مَنْ هُم الذين ضعفوه، وما هو التضعيف، وما وجهه، ومثل هذا النقل المرسل على عواهنه لا يُلتفتُ إليه أمام التوثيق المُحَقَّق، وأخشى أن يكون اشتبه على ابن قطان بغيره ممن يقال له: "زكريا بن يحيى"، وهم جماعة، وابن القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف، فقد وقع له في موضع تصحيفٌ في ثلاثة أسماء متوالية. راجع "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٢٠١ - ٢٠٢) قد قال ابن حجر في "اللسان" متعقبًا كلمة ابن القطان: "ولا يغتر أحدٌ بقول ابن القطان، وقد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحدٌ قَطُّ ... وذكره ابن أبي حاتم فقال: كان ثقة، يَعرفُ الحديثَ والفقهَ، وله مؤلفاتٌ حسانٌ في الرجال واختلافِ الفقهاء وأحكام القرآن ... وقال مَسْلمة بن القاسم: بصري ثقة". اهـ.
• وفي ترجمة: جرير بن عبد الحميد (٦٣):
قال قتيبة: "ثنا جرير الحافظ المقدم لكني سمعته يشتم معاوية علانية".
فقال الشيخ المعلمي:
"لم يُبَيِّنْ ما هو الشتم؟ ولم يضره ذلك في روايته، بل أجمعوا على توثيقه كما رأيتَ، واحتج به صاحبا "الصحيحين"، وبقية الستة، والناس". اهـ.
стр. 2069
• وفي ترجمة: محمد بن كثير العبدي (٢٣٠):
قال الكوثري ص ١٦١: "فيه يقول ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة".
فقال الشيخ المعلمي:
"قال الإمام أحمد: "ثقة، لقد مات على سُنَّة"، وقال أبو حاتم مع تشدده: "صدوق"، وأخرج له الشيخان في "الصحيحين"، وبقية الستة، روى عنه أبو داود وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة، كما في "لسان الميزان" (٢/ ٤١٦)، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان تقيا فاضلا".
وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: "ليس بثقة" أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة: "لا تكتبوا عنه" فلم أجدها، نعم قال ابن الجنيد عن ابن معين: "كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه" قال: "ثم سألته عنه، فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه".
وابن معين كغيره؛ إذا لم يفسر الجرحَ، وخالفه الأكثرون، يرجح قولهم". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن أبي عتاب أبي بكر الأعين (٢١٨):
قال ابن معين: لم يكن من أهل الحديث (١).
стр. 2070
قال المعلمي:
"هذه كلمة مُجْمَلة، وقد فَسَّرها الخطيب بقوله: "يعني لم يكن بالحافظ للطرق والعلل (١)، وأما الصدق والضبط فلم يكن مدفوعًا عنه".
وقال الإمام أحمد: "رحمه الله تعالى، مات ولا يعرف إلا الحديث، ولم يكن صاحب كلام، وإني لأغبطه".
وذكره ابن حبان في "الثقات" (٢).
وأخرج له مسلم في مقدمة "صحيحه" (٣) ". اهـ.
• وفي ترجمة: علي بن زيد بن عبد الله أبي الحسن الفرائضي من "التنكيل" (١٦٠).
قال ابن يونس: "تكلموا فيه".
فقال الشيخ المعلمي:
"لم يبين من المتكلم، ولا ما هو الكلام، وقد قال مسلمة بن قاسم: "ثقة"، والتوثيق مقدم على مثل هذا الجرح كما لا يخفى". اهـ.
قال أبو أنس:
علقت على هذه الترجمة في القسم الأول رقم (٥٢٨) بقولي:
مَسلمة بن قاسم ترجمه ابن الفرضي في "تاريخ علماء الأندلس" (٢/ ١٣٠)، وقال: سمعت من ينسبه إلى الكذب، وسألت محمد بن أحمد بن يحيى القاضي عنه فقال لي: لم يكن كذابًا، ولكن كان ضعيف العقل.
стр. 2071
وزاد الذهبي في "تاريخ الإسلام" و"سير النبلاء"، وابن حجر في "اللسان" عن ابن الفرضي قوله: "حُفظ عليه كلام سوء في التشبيه".
ونقل ابن حجر في "اللسان" عن أبي جعفر المالقي في "تاريخه" قوله: "فيه نظر".
وقال الذهبي في "السير" (١٦/ ١١٠): "لم يكن بثقة". وقال في "الميزان": "ضعيف".
فمثل هذا ليس بعمدة أصلًا، ولا يُعتد بقوله في الجرح والتعديل، لاسيما إذا انفرد أو خالف.
وقد قال الشيخ المعلمي نفسه في ترجمة: "محمد بن سعد العوفي" من "التنكيل" (٢٠٥):
"أما مَسلمة بن قاسم فقد جعل الله لكل شيء قدرًا، حَدُّه أن يُقبل منه توثيقُ مَنْ لم يجرحه مَنْ هو أجلُّ منه ونحو ذلك، فأما أن يُعَارضَ بقوله نصوصُ جمهور الأئمة فهذا لا يقوله عاقل". اهـ.
وقول ابن يونس: "تكلموا فيه" ظاهره الجرح بلا شك، لكن إذا ثبت توثيق من قيل فيه هذا توثيقًا معتبرًا تطمئن النفس إليه، فيقال حينئذٍ: التوثيق مقدم، والجرح غير مفسَّر، فلعله تُكُلِّمَ فيه بكلام لا يضرُّ.
أما إذا لم يُوثق توثيقًا يعتد به -كما في هذه الحالة- صار الجرحُ وإن كان غيرَ مفسَّرٍ، محلًا للاعتبار والقبول - والله تعالى أعلم". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن جعفر الأدمي (١٩٧):
قال عنه محمد بن أبي الفوارس: كان قد خلط فيما حدث.
فقال الشيخ المعلمي:
"ذكروا أنه كان شاهدًا، فقد كان معدلا عند القضاة، لكن لم أر من وثقه، فأما التخليط فلم يُبين ما هو". اهـ.
стр. 2072
• وفي ترجمة الحسن بن الفضل البوصرائي منه (٧٩):
قال ابن المنادي: أَكْثَرَ الناسُ عنه، ثم انكشفَ أمرُه، فتركوه، وخرقوا حديثه.
فقال الشيخ المعلمي:
"قد روى عن البوصرائي جماعةٌ من الأكابر، كابنِ صاعد والصفار، وكلامُ ابن المنادي غيرُ مُفَسَّرٍ، وقد كانوا ربما يغضبون على المحدث، ويخرقون حديثه لغير موجبٍ، كما مر في "الطليعة" (ص ٤٩) (١)، وكما تراه في ترجمة محمد بن بشر الزنبري من "لسان الميزان" (٢). اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن عمر بن محمد بن بهتة (٢٢٥):
قال الخطيب: "سألتُ البرقاني عن ابن بهتة، فقال: لا بأس به، إلا أنه كان يُذكر أن في مذهبه شيئا، ويقولون: هو طالبي. قلت للبرقاني: تعني بذلك أنه شيعي، قال نعم. أخبرنا أحمد بن محمد العتيقي، قال: سنة ٢٧٤، فيها توفي أبو الحسن محمد بن عمر بهتة في رجب، وكان ثقة".
فقال الشيخ المعلمي:
"فقد ثبت التوثيق، ولم يثبت ما ينافيه". اهـ.
стр. 2073
نماذج من رَدِّ الجرحِ المُفَسَّر، إذا قامت القرائن على ذلك:
• في ترجمة: عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري من "التنكيل" (١٤٩):
قال ابن الجوزي في ترجمة أبي الحسن التميمي عبد العزيز بن الحارث:
"العكبري لم يكن من أهل الحديث والعبم، إنما كان يعرف شيئًا من الحديث ... وكان معتزليًا يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار ... فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمن فهو خارج عن الإسلام، فكيف يُقبل جرحه؟. وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: كان ابن برهان يميل إلى المُرْد ويُقَبِّلُهُم".
وقال في ترجمة عبد الواحد من "المنتظم" (ج ٨ ص ٢٣٦):
"كان مجودا في النحو، وكان له أخلاق شرسة، ولم يلبس سراويل قط، ولا قَبِلَ عطاءَ أحدٍ، وكان لا يُغطي رأسه. وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن برهان يميل إلى المُرْد الصباح، ويُقَبِّلُهُم من غير ريبة. وقوله: من غير ريبة، أقبح من التقبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهوة، فهل يكون التقبيل بغير شهوة".
وفي "لسان الميزان" (٤/ ٨٢): "قال ابن ماكولا: كان فقيها حنفيا، قرأ اللغة، وأخذ الكلام من أبي الحسين البصري. قلت -ابن حجر-: وقد بالغ محمد بن عبد الملك الهمذاني في "تاريخه" فقال: كان يمشي مكشوف الرأس، وكان يميل إلى المردان من غير ريبة، ووقف مرة على مكتب عند خروجهم، فاستدعى واحدًا واحدًا فيقبله ويدعو له ويسبح الله، فرآه ابن الصباغ، فدَسَّ له واحدًا قبيح الوجه فأعرض عنه، وقال: يا أبا نصر، لو غيرك فعل بنا".
وفي ترجمة عبد الواحد من "تاريخ بغداد" (١١/ ١٧): "كان يُذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره، إلا أنه لم يرو شيئًا، وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة، منها: النحو، واللغة، ومعرفة النسب، والحفظ لأيام العرب، وأخبار المتقدمين، وله إنس شديد بعلم الحديث".
стр. 2074
قال الشيخ المعلمي:
"فقد كان ابن برهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء، ومحمد بن عبد الملك الهمذاني لا أعرف ما حاله؟ وقد ذكر ابن حجر أنه بالغ.
وقد تصرف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني؛ ففي موضعٍ زاد فيها: "ويقبلهم"، وحذف: "من غير ريبة"، وفي موضع زاد: "الصباح فيقبلهم"، وإنما أخذ الصباحة والتقبيل من قصة المكتب.
وقد كان ببغداد في ذاك العصر عددٌ كثيرٌ من مشاهير العلماء، ما منهم إلا من يُخالفُ عبدَ الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما.
وكان عبدُ الواحد على غاية الصيانة؛ ذكروا أنه: "لما ورد الوزيرُ عميدُ الدين إلى بغداد، استحضره، فأعجبه كلامه، فعرض عليه مالًا، فلم يقبله، فأعطاه مصحفًا بخَطِّ ابنِ البواب وعكازةً حُملت إليه من الروم مليحة، فأخذهما، فقال له أبو علي بن الوليد المتكلِّم: أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها، فلم تأخذ شيئًا فيه شبهة؟
فنهضَ ابنُ برهان في الحال إلى قاضي القضاة ابن الدامغاني، وقال له: لقد كدتُ أهلكُ، حهتى نبهني أبو علي بن الوليد، وهو أصغر سنًا مني، وأريد أن تعيد هذه العكازة والمصحف على عميد الدين فما يصحباني، فأخذهما وأعادهما عليه".
أفما كان في ذاك الجمِّ الغفيرِ من أهل العلم مَنْ يُنكرُ على ابن برهان ما نَسبه ابنُ الجوزي إليه؟!
وما كان فيهم من يَعيبه بذلك على الأقل؟ مع مخالفتهم له كما سلف، فما بالنا لا نعرف عنهم كلمة واحدة في ذلك إلا تلك الشاذة من ذاك الهمذاني؟
وليس المقصودُ رَدَّ كلمةِ الهمذاني، وإنما المقصودُ تجريدُها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر.
стр. 2075
فأقول: كانت المكاتب في ذاك العصر خاصةً بالأطفال، إنما هي لتعليم القراءة والكتابة، فأما ما زاد عن ذلك من العلم فكان محله الجوامع والمساجد ومجالس العلماء في بيوتهم والمدارس الكبيرة، فَمَرَّ -على ما يقول الهمذاني- ابنُ برهان مع جماعة من أهل العلم وغيرهم -فيهم الإمام أبو نصر ابن الصباغ الشافعي- بمكتبٍ من مكاتب الأطفال، فصادفَ وقتَ خروجهم، فأخذ ابنُ برهان يُقبلهم ويدعو لهم؛ تنشيطًا لهم، ورجاءَ أن يصيروا رجالًا صالحين، فمازحه ابنُ الصباغ بأن قَدَّمَ إليه واحدا منهم قبيحَ الصورة، فأعرض عنه ابنُ برهان، علمًا بأنه لا مجالَ هناك لأدنى ريبةٍ، ولو كان هناك مجالٌ لريبةٍ لكان الظاهرُ أن يُقبلَ ذاك القبيحَ كغيره.
وأي عقلٍ يميزُ أن يكونَ فيما جرى شيءٌ من الريبة، ويقرُّه الحاضرون من أهل العلم وغيرهم، ويقتصر ابن الصباغ على تلك الملاطفة؟
فأما أهل بغداد المخالفون لابن برهان في العقيدة أو المذهب أو كليهما، فلم يروا فيما جرى ما يُسَوِّغُ أن يُعابَ به ابنُ برهان.
وأما ذلك الهمذاني فدعته نفرته عن ابن برهان -لمخالفته في العقيدة والمذهب- إلى أن عَبَّرَ بقوله: "يميل إلى المردان"، فنازعه واعظُ الله تعالى في قلبه، فدافعه بقوله: "من غير ريبة"، وذكروا قصة المكتب، فجاء ابنُ الجوزي فصنع ما تقدم، ولا أدري ما صنع سبطه، فإنه كثير التصرف في مثل هذا، فوقع التزيد في الحكاية كما تراه في "بغية الوعاة" وغيرها.
أما العقيدة فذكروا أن ابن برهان كان معتزليًا، ولا أدري ما الذي كان يوافق فيه المعتزلة، فأما قوله بأن الكفار لا يخلدون في العذاب، فهي مسألة مشهورة، ولو رأى علماء بغداد أن قول ابن برهان فيها مخُرجٌ عن الإسلام، لَسَعَوْا في إقامة الحَدِّ عليه، فما بالُهم أعرضوا عن ذلك، وكانوا يُجِلُّون ابنَ برهان ويحترمونه؟
стр. 2076
نعم، ابنُ برهان لم يوثقه أحدٌ فيما نعلم، ومن المحتمل أنه كان يَهِمُ فيما يرويه من الحكايات أو يبني على الظن، فَحَقُّه أن لا تقومَ الحجة بما ينفرد به، ولكنه يُذكر في المتابعات والشواهد كما صنع الخطيب. والله الموفق". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر الأدمي منه (١٨٨):
قال الكوثري ص ١٢٧: ترى البرقاني يَصُفُّ نفسَه في صَفِّ هؤلاء، فيروي عن مثل الأدمي ... راوي "العلل" للساجي، وهو لم يكن صدوقا، يُسمع لنفسه في كتب لم يسمعها (١)، وكان بذيء اللسان ....
فقال الشيخ المعلمي:
"لفظ الخطيب في ترجمة الأدمي (١/ ٣٤٩): قال لي أبو طاهر حمزة بن محمد بن طاهر الدقاق: لم يكن الأدمي هذا صدوقا في الحديث، كان يُسمع لنفسه في كتبٍ لم يسمعْها. فسألت البرقاني عن الأدمي فقال لي: ما علمت إلا خيرا، وكان شيخًا قديما .... غير أنه كان يُطلق لسانه في الناس، ويتكلم في ابن مظفر والدارقطني".
فعدمُ التفاتِ البرقاني إلى كلام حمزة يدل على أنه لم يَعْتَدَّ به، لأن حمزة لم يُبين أيَّ كتابٍ أَلْحَقَ الأدمي سماعه فيه ولم يسمعه، ومن أين علم حمزة أنه لم يسمعه؟ وقول البرقاني: غير أنه كان يطلق لسانه ... ، فإنه قصد بها أن الأدمي كان يتكلم في الناس، فتكلم بعضهم فيه، ومثل هذا يقع فيه التجوز والتسامح، فلا يُعتد به إلا مفسرا محققا مثبتا.
... وقد كان يكفي الأستاذ أن يقول: شيخ الساجي لا يدرى من هو.
ولكنه يأبى إلا التطويل والتهويل". اهـ.
стр. 2077
موقف الشيخ المعلمي من تعارض الجرح والتعديل، وطريقته في التعامل مع الرواة المختلف فيهم:
• في ترجمة الحارث بن عمير البصري من "التنكيل" (٦٨):
قال الكوثري ص ٣٦: مختلف فيه، والجرح مقدم، قال الذهبي "الميزان": وما أُراه إلا بَيِّنَ الضعف، فإن ابن حبان قال في "الضعفاء": روى عن الأثبات الموضوعات. وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديث موضوعة. وفي "تهذيب التهذيب": قال الأزدي: "منكر الحديث". ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: "الحارث بن عمير كذاب".
فقال الشيخ المعلمي:
"الحارث بن عمير وَثَّقَهُ أهلُ عصره والكبار.
قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: "كان حماد بن زيد يُقَدِّمُ الحارثَ بن عُمير ويُثني عليه"، زاد غيره: "ونظر إليه مرة فقال: هذا من ثقات أصحاب أَيوب". وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأثرم عن أحمد: "إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة".
وقال ابن معين، والعجلي، وأبو حاتم، وأبو زرعة، والنسائي، والدارقطني: "ثقة"، زاد أبو زرعة: "رجل صالح".
وفي "اللآلي المصنوعة" (ص ١١٨ - ١١٩) عن الحافظ ابن حجر في ذكر الحارث: "استشهد به البخاري في "صحيحه" وروى عنه من الأئمة: عبد الرحمن بن مهدي، وسفيان بن عيينة، واحتج به أصحاب السنن".
وفيها بعد ذلك: "قال الحافظ ابن حجر في "أماليه": " ... أثنى عليه حماد بن زيد ... وأخرج له البخاري تعليقًا ... ".
стр. 2078
ولم يتكلم فيه أحدٌ من المتقدمين، والعدالةُ تثبتُ بأقلِّ من هذا، ومن ثَبتتْ عدالتُه لم يُقبل فيه الجرحُ إلا بِحُجَّةٍ وبَيِّنَةٍ واضحةٍ، كما سلف في القواعد.
فلننظر في المتكلمين فيه وكلامهم:
أما الأزدي: فقد تكلموا فيه، حتى اتهموه بالوضع (١)، ... على أن الأزدي استند إلى ما استند إليه ابن حبان، وسيأتي ما فيه.
وأما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المُعْضلة، ولا نَعلمُ ابنَ الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند، ولو التزم لكان في صحة الاعتماد على نقله نظر؛ لأنه كثير الأوهام، ... (٢).
وأما الحاكم، فأحسبه تبعَ ابن حبان، فإن ابن حبان ذكر الحارث في "الضعفاء"، وذكر ما أنكره من حديثه.
والذي يُستنكرُ من حديثِ الحارث حديثان:
الأول: رواه محمد بن زنبور المكي عن الحارث عن حميد.
والثاني: رواه ابنُ زنبور أيضًا عن الحارث عن جعفر بن محمد، فاستنكرها ابن حبان، وكان عنده أن ابن زنبور ثقة، فجعلَ الحَمْلَ على الحارث، وخالفه آخرون فجعلوا الحَمْلَ على ابن زنبور.
قال مَسْلمة في ابن زنبور: "تُكلم فيه؛ لأنه روى عن الحارث بن عمير مناكير، لا أُصولَ لها، وهو ثقة".
وقال الحاكم أبو أحمد في ابن زنبور: "ليس بالمتين عندهم، تركه محمد بن إسحاق ابن خزيمة"، وهذا مما يدل على وهم ابن الجوزي.
стр. 2079
وساق الخطيب في "الموضح" فصلًا في ابن زنبور، فذكر أن الرواة عنه غَيَّرُوا اسمَه على سبعة أوجهٍ، وهذا يُشعر بأن الناس كانوا يستضعفونه، لذلك كان الرواة عنه يدلسونه.
وقال ابن حجر في ترجمة الحارث من "التهذيب": "قال ابن حبان: كان ممن يروي عن الأثبات الأشياء الموضوعات، وساق له عن جعفر بن محمد ... " فذكر الحديث الثاني، وقول ابن حبان: "هذ موضوع، لا أصل له"، ثم ساقه ابنُ حجر بسنده إلى محمد بن أبي أبي الأزهر هو عن الحارث، وكذلك ذكره السيوطي في "اللآلي المصنوعة" (١/ ١١٨)، وابن أبي الأزهر هو ابن زنبور، وأسند الخطيب في "الموضح" هذا الحديث في ترجمة ابن زنبور.
ثم قال ابن حجر: "والذي يظهر لي أن العلة فيه ممن دون الحارث" يعني من ابن زنبور، وخالفهم جميعًا النسائي، فوثَّقَ الحارثَ، ووثَّقَ ابنَ زنبور أيضًا، وقال مرة: "ليس به بأس".
قال المعلمي:
"لو كان لا بد من جرح أحد الرجلين، لكان ابنُ زنبور أحقَّ بالجرح؛ لأن عدالةَ الحارث أثبتُ جدًّا وأقدم، ولكن التحقيق ما اقتضاه صنيع النسائي من توثيق الرجلين، ويُحمل الإنكار في بعض حديث ابن زنبور عن الحارث على خطأ ابن زنبور، وقد قال فيه ابن حبان نفسه في "الثقات": "ربما أخطأ".
والظاهر أنه كان صغيرًا عند سماعه من الحارث، كما يُعلم من تَأمُّلِ ترجمتهما، وقد تقدم في ترجمة جرير بن عبد الحميد أنه اختلط عليه حديث أشعث بحديث عاصم الأحول، فكأنه اختلط على ابن زنبور بما سمعه من الحارث أحاديث سمعها من بعض الضعفاء، ولم ينتبه لذلك، كما تنبه جرير، فكأن ابن زنبور في أوائل طلبه كتب أحاديثَ عن الحارث، ثم سمع من رجلٍ آخر أحاديثَ كتبها في تلك الورقة، ولم
стр. 2080
يُسَمِّ الشيخَ، ثقةً بأنه لن يلتبس عليه، ثم غفل عن ذاك الكتاب مدةً، ثم نظر فيه فظن أن تلك الأحاديث كلها مما سمعه من الحارث.
وقد وَثَّقَ الأئمةُ جماعةً من الرواة، ومع ذلك ضعفوهم فيما يروونه عن شيوخٍ معينين، منهم: عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء، ومنهم: عثمان بن غياث، وعمرو بن أبي عمرو، وداود بن الحصين فيما يروونه عن عكرمة، ومنهم: عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم: هشيم فيما يرويه عن الزهري، ومنهم: ورقاء فيما يرويه عن منصور بن المعتمر، ومنهم: الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك.
فهكذا ينبغي مع توثيق ابن زنبور تضعيفه فيما يرويه عن الحارث بن عمير.
فإن قيل: فأين أنت عما في "الميزان": "ابن حبان ثنا الحسن بن سفيان ثنا محمود بن غيلان أنبأنا أبو أسامة ثنا الحارث بن عمير، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال العباس: لأعلمنَّ ما بقاءُ رسولِ الله ﷺ فينا، فأتاه، فقال: يا رسول الله، لو اتخذنا لك مكانًا تكلم الناس منه، قال: بل أصبر عليهم، ينازعوني ردائي، ويطأون عقبي، ويصيبني غبارهم، حتى يكون الله هو يريحني منهم".
رواه حماد بن زيد عن أيوب، فأرسله، أو أن ابن عباس قاله - شك".
فهذا الحديث لا شأن لابن زنبور فيه، وليس في سنده من يتجه الحمل عليه غير الحارث.
قلت: ليس في هذا الحديث ما يُنكر، وقد رواه حماد بن زيد، غير أنه شك في إسناده، وقد قال يعقوب بن شيبة: "حماد بن زيد أثبت من ابن سلمة، وكُلٌّ ثقةٌ، غير أن ابن زيد معروفٌ بأنه يقصر في الأسانيد ويوقف المرفوع، كثيرُ الشك بتوقيه، وكان جليلًا، لم يكن له كتاب يرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه"، فأي مانع من أن يكون هذا مما قصر فيه حماد، حفظه الحارث، وقد كان حماد نفسه يثني على الحارث ويقدمه كما مَرَّ.
стр. 2081
فإن شدد مشدد، فغاية الأمر أن يكون الخطأ في وصله، وهل الخطأ من الحارث أو ممن بعده؟
وعلى فرض أنه من الحارث، فليس ذلك مما يوجب الجرح، ومثل هذا الخطأ وأظهر منه قد يقع للأكابر كمالك والثوري، والحُكم المجمع عليه في ذلك أن مَن وقع منه ذلك قليلًا لم يضره، بل يحتج به مطلقًا، إلا فيما قامت الحجة على أنه أخطأ فيه، فالحارث بن عمير ثقة حتمًا، والحمد لله رب العالمين". اهـ.
• وفي "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٩٧):
حديث: "إن فاتحة الكتاب وآية الكرسيّ، والآيتين من آل عمران ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ﴾ و ﴿قُلِ اللهم مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ -الآيتين، معلقات بالعرش، وما بينهن وبين الله حجاب- إلخ.
قال الشوكاني: رواه الديلمي عن عليّ ﵁ مرفوعًا. وفي إسناده الحارث بن عمير.
قال ابن حبان: تفرد به، وكان يروي الموضوعات عن الأثبات.
وتعقبه العراقي: بأنه قد وثقه حماد بن زيد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وابن معين، والنسائي، واستشهد به البخاري في صحيحه، واحتج به أهل السنن.
وفي إسناده أيضًا: محمد بن زنبور، وهو مختلف فيه، وفي سند الحديث انقطاع كما أشار إليه ابن حجر، وفي المتن نكارة شديدة.
وقد صرح بأنه موضوع: ابنُ حبان، وابنُ الجوزي، وليس ذلك ببعيدٍ عندي، وإن خالفهما الحافظان العراقي وابن حجر. انتهى كلام الشوكاني.
فقال الشيخ المعلمي:
"فيما يرويه ابن زنبور عن الحارث مناكير، منها هذا، فَمِنَ الحُفَّاظ من حَمل على ابن زنبور؛ لأن الحارث وثقه الأكابر، وحديثه الذي يرويه غير ابن زنبور مستقيم، سوى حديثٍ واحدٍ خُولف في رفعه، ومثل هذا لا يضره.
стр. 2082
ومن المتأخرين مَنْ حمل على الحارث؛ لأنهم وجدوا حديثَ ابن زنبور عن غيره مستقيمًا.
ووثَّقَ النسائيُّ الرجلين، والتحقيق معه؛ فهما ثقتان، لكن ما رواه ابن زنبور عن الحارث فضعيف، وفيه المنكرات، ولهذا نظائر عندهم في تضعيف رواية رجل عن شيخٍ خاص، مع توثيق كل منهما في نفسه.
وكأن ابن زنبور لم يضبط ما سمعه من الحارث، لأنه كان صغيرًا أو نحو ذلك، فاختلطت عليه أحاديثه بأحاديث غيره.
فالحق مع النسائي، ثم العراقي، وابن حجر في توثيق الرجلين، والحق مع الحاكم وابن حبان وابن الجوزي في استنكار هذا الحديث والله أعلم .. اهـ.
• وفي ترجمة: عبد الملك بن محمد أبي قلابة الرقاشي من "التنكيل" (١٤٧):
قال الكوثري: أبو قلابة الرقاشي كثير الخطأ في الأسانيد والمتون على ما نقله الخطيب عن الدارقطني.
فقال الشيخ المعلمي:
"قال الدارقطني: لا يُحتج بما تفرد به، بلغني (١) عن شيخنا أبي القاسم ابن بنت منيع (هو عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي تقدمت ترجمته) أنه قال: عندي عن أبي قلابة عشرةُ أجزاءٍ، ما منها حديثٌ مُسَلَّم، إما في الإسناد وإما في المتن، كان يحدث من حفظه، فكثرت الأوهام فيه (٢).
стр. 2083
ولا حاجة بنا ولله الحمد إلى مضايقة الأستاذ -الكوثري- بأن نقول: أنت لا تثق بالبغوي فليس لك أن تعول عليه هنا، بل نقول: قال ابن جرير: "ما رأيت أحفظ منه"، وقال مَسْلمة بن قاسم عن ابن الأعرابي: " ... ما رأيت أحفظ منه، وكان من الثقات ... "، قال مَسْلمة: "وكان راويةً للحديث، متقنًا ثقة ... " وقال أبو داود: "رجل صدق أمين مأمون كتبت عنه بالبصرة"، وقال ابن خزيمة: "ثنا أبو قلابة بالبصرة قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد".
فاتضح أن أبا قلابة كان ثقة متقنا، إلا أنه تغير بعد أن تحول إلى بغداد، وفيها سمع منه البغوي ... ". اهـ.
• وفي "الفوائد" (ص ٣٠):
قال أحمد: "أحاديث محمد بن القاسم (١) موضوعة، ليس بشيء، رَمَيْنَا بحديثه".
فقال السيوطي في اللآليء: "وقد وثقه ابن معين".
فقال الشيخ المعلمي: تعالى:
"ثبت تكذيبه من أوجهٍ عن أحمد، وتابعه البخاري وغيره، وكذبه أيضًا أبو داود وغيره.
وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: "ثقة، وقد كتبت عنه".
стр. 2084
وعادة ابن معين في الرواة الذين أدركهم أنه إذا أعجبته هيئة الشيخ يسمع منه جملة من أحاديثه، فإذا رأى أحاديث مستقيمة ظن أن ذلك شأنه فوثقه، وقد كانوا يتقونه ويخافونه.
فقد يكون أحدُهم ممن يخلط عمدًا، ولكنه استقبل ابنَ معين بأحاديث مستقيمة، ولما بَعُدَ عنه خَلَّطَ، فإذا وجدنا مِمَّن أدركه ابنُ معين من الرواة مَنْ وثقه ابنُ معين وكذبه الأكثرون أو طعنوا فيه طعنًا شديدًا، فالظاهر أنه من هذا الضرب، فإنما يزيده توثيقُ ابن معين وَهَنا؛ لدلالته على أنه كان يتعمد". اهـ.
• وفي ترجمة: عنبسة بن خالد من "التنكيل" (١٧٦):
"في كتاب ابن أبي حاتم (٣/ ٤٠٢): "سألت أبي عن عنبسة بن خالد، فقال: كان على خراج مصر، وكان يعلق النساء بثديهن".
وقال ابن القطان: كفى بهذا في تجريحه، وكان أحمد يقول: ما لنا ولعنبسة ... هل روى عنه غير أحمد بن صالح؟ وقال يحيى بن بكير: إنما يحدث عن عنبسة مجنون أحمق، لم يكن بموضع للكتابة عنه".
فقال الشيخ المعلمي:
"أبو حاتم ولد سنة ١٩٥، وأول طلبه الحديث سنة ٢٠٩، وإنما دخل مصر بعد ذلك بمدة، فلم يدرك عنبسة، ولا ولايته الخراج؛ لأن عنبسة توفي سنة ١٩٨، ولا يُدْرَى مَنْ أخبر أبا حاتم بذلك؟ فلا يثبت ذلك، ولا ما يترتب عليه من الجرح (١).
стр. 2085
وقال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم (ابن وارة) يقول: روى ابن وهب عن عنبسة بن خالد. قلت لمحمد بن مسلم: فعنبسة بن خالد أحب إليك أو وهب الله بن راشد؟ فقال: سبحان الله، ومن يقرن عنبسة إلى وهب الله؟ ما سمعت بوهب الله إلا الآن منكم.
فقد روى عن عنبسة: أحمد بن صالح على إتقاف وعبد الله بن وهب على جلالته وتقدمه، وكل منهما أعقل وأفضل من مائة مثل يحيى بن بكير، وروى عنه محمد بن مهدي الإخميمي وغيرهم كما في "التهذيب".
فأما الإمام أحمد، فكأنه سمع بأن عنبسة كان يجبي الخراج، فكرهه لذلك، وليس في ذلك ما يثبت به الجرح، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وأخرج له البخاري في "الصحيح" مقرونًا بغيره (١)، وأخرج له أبو داود في "السنن" ...
فعنبسة يروي عنه ابن وهب، ويصدقه أحمد بن صالح، ويثني عليه ابن وارة، ويثبته أبو داود، ويستشهد به البخاري، ويوثقه ابن حبان". اهـ.
• وفي "التنكيل" (٢/ ١٥):
قال ابن التركماني -في: المغيرة بن سقلاب الحراني أبي بشر قاضي حران-: "ضعفه ابن عدي، وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه صالح (٢)، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به".
فقال الشيخ المعلمي:
"الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا، لا يزيده ثناءُ بعض الغرباء عليه إلا وهنًا؛ لأن ذلك يُشْعر بأنه كان يتعمد التخليس فتزيَّنَ لبعض الغرباء،
стр. 2086
واستقبله بأحاديث مستقيمة، فظن أن ذلك شانه مطلقًا فأثنى عليه، وعرف أهلُ بلده حقيقةَ حاله.
وهذه حالُ المغيرة هذا، فإنه جزري، أسقطه محدثو الجزيرة، فقال أبو جعفر النفيلي: "لم يكن مؤتمنًا".
وقال علي بن ميمون الرقي: "كان لا يسوي بَعْرة".
وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان، كأنهما لقياه في رحلتهما، فسمعا منه، فتزيَّن لهما كما تقدم، فأحسنا به الظن.
وقد ضَعَّفَهُ ممن جاء بعد ذلك: الدارقطني، وابنُ عدي؛ لأنهما اعتبرا أحاديثه ... وهو تالف على كل حال". اهـ.
* * *
стр. 2087
القاعدة الرابعة
قدح الساخط ومدح المحب ونحو ذلك
قال الشيخ المعلمي:
"كلامُ العالم في غيره على وجهين:
الأول: ما يخرجُ مَخْرَجَ الذم بدون قصد الحُكْم، وفي "صحيح مسلم" وغيره من حديث أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اللهم إنما محمد بشرٌ يغضب كما يغضب البشر، وإني قد اتخذت عندك عهدًا لم تُخْلِفْنِيه، فأيما مؤمن آذيتُه أو سببتُه أو جلدتُه، فاجعلها له كفارةً وقربةً تقربه بها إليك يوم القيامة". وفي رواية "فأي المسلمين آذيتُه، شتمتُه، لعنتُه، جلدتُه، فاجعلها له صلاة ... ".
وفيه نحوه من حديث عائشة، ومن حديث جابر، وجاء في هذا الباب عن غير هؤلاء، وحديثُ أبي هريرة في صحيح البخاري مختصرًا.
ولم يكن ﷺ سبَّابا، ولا شتَّاما، ولا لعانا، ولا كان الغضب يُخرجه عن الحق، وإنما كان كما نعته ربه بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، وقوله : ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.
وإنما كان يرى من بعض الناس ما يضرهم في دينهم، أو يُخِلُّ بالمصلحة العامة، أو مصلحةِ صاحبِه نفسِه، فيكره ﷺ ذلك، وينكره، فيقول: "ما له تَربت يمينُه"، ونحو ذلك مما يكون المقصود به إظهار كراهية ما وقع من المدعو عليه، وشدة الإنكار لذلك، وكأنه -والله أعلم- أطلق على ذلك سبًّا وشتما على سبيل التجوز، بجامع الإيذاء، فأما اللعن فلعله وقع الدعاء به نادرًا عند شدة الإنكار.
стр. 2088
ومن الحكمة في ذلك إعلامُ الناس أن ما يقع منه ﷺ عند الإنكار كثيرا ما يكون على وجه إظهار الإنكار والتأديب، لا على وجه الحُكم، وفي مجموع الأمرين حكمةٌ أخرى، وهي أن النبي ﷺ قد عَلم من طباع أكثر الناس أن أحدَهم إذا غضب جرى على لسانه من السَّبِّ والشَّتْمِ واللعن والطعن ما لو سُئل عنه بعد سكون غضبه لقال: لم أقصد ذلك، ولكن سبقني لساني، أو لم أقصد حقيقته، ولكني غضبت، فأراد النبي ﷺ أن ينبه أمته على هذا الأصل؛ ليستقر في أذهانهم، فلا يحملوا ما يصدر عن الناس من ذلك حالَ الغضب على ظاهره جزما.
وكان حذيفةُ ربَّما يذكرُ بعضَ ما اتَّفَقَ من كلماتِ النبي ﷺ عند غضبِه، فأنكرَ سلمانُ الفارسي ذلك على حذيفة ﵄، وذكر هذا الحديث.
وسُئل بعضُ الصحابة وهو أبو الطفيل عامر بن واثلة عن شيء من ذلك، فأراد أن يخبر، وكانت امرأته تسمع، فذكرته بهذا الحديث، فَكَفَّ.
فكذلك ينبغي لأهل العلم أن لا ينقلوا كلماتِ العلماء عند الغضب، وأن يراعوا فيما نُقل منها هذا الأصل.
بل قد يقال: لو فُرض أن العالم قَصد عند غضبه الحُكْمَ، لكان ينبغي أن لا يُعتدَّ بذلك حُكما؛ ففي "الصحيحين" وغيرهما عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان" لفظ البخاري.
والحُكْمُ في العلماء والرواة يحتاجُ إلى نَظرٍ وتدبرٍ وتثبتٍ أشد مما يَحتاج إليه الحُكم في كثير من الخصومات، فقد تكون الخصومةُ في عشرة دراهم، فلا يُخشى من الحُكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم، فأما الحُكم على العالم والراوي فيُخْشى منه تفويتُ علمٍ كثيرٍ وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثا واحدا، لكان عظيمًا.
стр. 2089
ومما يخرج مَخرجَ الذمِّ، لا مخَرج الحُكم: ما يُقصد به الموعظةُ والنصيحةُ، وذلك كأنْ يبلغَ العالمَ عن صاحبه ما يكرهُه له، فيذمُّه في وجهه أو بحضرة من يبلغه، رجاءَ أن يَكُفَّ عما كرهه له، وربما يأتي بعبارةٍ ليست بكذب، ولكنها خشنة موحشة، يقصد الإبلاغَ في النصيحة ككلمات الثوري في الحسن بن صالح بن حي.
وربما يكون الأمرُ الذي أنكره أمرا لا بأس به، بل قد يكون خيرا، ولكن يخشى أن يَجُرَّ إلى ما يكره؛ كالدخول على السلطان، وولاية أموال اليتامى، وولاية القضاء، والإكثار من الفتوى.
وقد يكون أمرا مذموما، وصاحبُه معذور، ولكنَّ الناصحَ يُحِبُّ لصاحبه أن يعاودَ النظرَ، أو يحتالَ، أو يُخفيَ ذاك الأمر.
وقد يكونُ المقصودُ نصيحةَ الناس؛ لئلا يَقعوا في ذلك الأمر؛ إذ قد يكون لمن وقع منه أو، عذرٌ، ولكن يُخشى أن يتبعه الناس فيه غير معذورين، ومن هذا كلماتُ التنفير التي تقدمت الإشارة إليها في الفصل الثاني.
وقد يَتسمَّحُ العالمُ فيما يحكيه على غير جهة الحُكم، فيستندُ إلى ما لو أراد الحُكم لم يستند إليه، كحكايةٍ منقطعةٍ، وخبرِ مَنْ لا يَعُدُّ خبرَه حُجَّةً، وقرينةٍ لا تكفي لبناء الحكم، ونحو ذلك.
وقد جاء عن إياس بن معاوية التابعي المشهور بالعقل والذكاء والفضل أنه قال: "لا تنظر إلى عملِ العالم، ولكنْ سَلْهُ يصدقْك".
وكلامُ العالم إذا لم يكن بقصد الرواية أو الفتوى أو الحكم: داخلٌ في جملة عملِه الذي ينبغي أن لا يُنظرَ إليه، وليس معنى ذلك أنه قد يَعملُ ما ينافي العدالة، ولكن قد يكونُ له عذرٌ خفي، وقد يترخَّص فيما لا ينافي العدالة، وقد لا يتحفظ ويتثبت كما يتحفظ ويتئبت في الرواية والفتوى والحكم.
стр. 2090
هذا، والعارفُ المتثبتُ المتحري للحق لا يخفى عليه إن شاء الله تعالى ما حَقُّهُ أن يُعد من هذا الضرب، مما حَقُّهُ أن يُعد من الضرب الآتي، وأن ما كان من هذا الضرب فحقه أن لا يعتد به على المتكلَّم فيه ولا على المتكلِّم. والله الموفق.
الوجه الثاني: ما يَصْدُرُ على وجهِ الحكم، فهذا إنما يُخشى فيه الخطأُ، وأئمةُ الحديثِ عارفون، متبحرون، متيقظون، يَتَحَرَّزُون من الخطأ جهدَهم، لكنهم متفاوتون في ذلك.
ومهما بلغ الحاكمُ من التحري، فإنه لا يبلغُ أن تكون أحكامُه كلُّها مطابقةً لما في نفس الأمر؛ فقد تسمع رجلًا يخبر بخبر، ثم تمضي مدةً، فترى أن الذي سمعتَ منه هو فلان، وأنَّ الخبرَ الذي سمعتَه منه هو كيت وكيت، وأن معناه كذا، وأن ذاك المعنى باطلٌ، وأن المُخبر تعمَّد الإخبار بالباطل، وأنه لم يكن له عذرٌ، وأن مثل ذلك يوجب الجرح.
فمن المحتمل أن يشتبهَ عليك رجلٌ بآخرَ، فترى أن المُخبرَ فلان، وإنما هو غيره، وأن يشتبهَ عليك خبرٌ بآخرَ، إنما سمعتَ من فلانٍ خبرا آخر، فأما هذا الخبرُ فإنما سمعتَه من غيره، وأن تخطيء في فهم المعنى، أو في ظَنِّ أنه باطل، أو أن المُخبر تعمَّد، أو أنه لم يكن له عذرٌ، أو أن مثل ذلك يوجب الجرح، إلى غير ذلك.
وغالبُ الأحكام إنما تُبنى على غلبة الظن، والظن قد يُخطىء، والظنون تتفاوت، فمن الظنون المعتد بها ما له ضابط شرعي؛ كخبرِ الثقة، ومنها ما ضابطُه أن تطمئن إليه نفسُ العارف المتوقي المتثبت، بحيث يجزم بالإخبار بمقتضاه، طَيِّبَ النفسِ، مُنشرحَ الصدر.
فمن الناس من يغتر بالظن الضعيف، فيجزمُ، وهذا هو الذي يطعن أئمة الحديث في حفظه وضبطه، فيقولون: "يحدث على التوهم"، "كثير الوهم"، "كثير الخطأ"، "يهم"، "يخطىء".
стр. 2091
ومنهم المعتدلُ، ومنهم البالغُ التثبتُ؛ كان في اليمن في قضاء الحجرية قاضٍ، كان يجتمعُ إليه أهلُ العلمِ، ويتذاكرون، وكنتُ أحضرُ مع أخي، فلاحظت أن ذلك القاضي مع أنه أعلم الجماعة فيما أرى لا يكاد يجزم في مسألة، وإنما يقول: "في حفظي كذا، في ذهني كذا"، ونحو ذلك، فعلمتُ أنه ألزمَ نفسَهُ تلك العادة، حتى فيما يجزم به، حتى إذا اتَّفَقَ أن أخطأ كان عذرُه بغاية الوضوح.
وفي ثقاتِ المحدثين مَنْ هو أبلغُ تحريًا من هذا، ولكنهم يعلمون أن الحجة إنما تقوم بالجزم، فكانوا يجزمون فيما لا يرون للشك فيه مدخلًا، ويقفون عن الجزم لأدنى احتمال.
رُوي أن شعبةَ سألَ أيوب السختياني عن حديثٍ، فقال: أَشَكُّ فيه، فقال شعبة: شَكُّكَ أحبُّ إليَّ من يقين غيرك.
وقال النضر بن شميل عن شعبة: لأن أسمع من ابن عون حديثًا يقول فيه: "أظن أني سمعتُه" أحبُّ إليَّ من أن أسمع من ثقةٍ غيره يقول: "قد سمعتُ".
وعن شعبة قال: "شَكُّ ابنِ عونٍ وسليمانِ التيمي يقينٌ".
وذَكر يعقوبُ بنُ سفيان حمادَ بن زيد، فقال: "معروفٌ بأنه يُقصر في الأسانيد، ويُوقف المرفوع، كثيرُ الشَّكِّ بتوقِّيه، وكان جليلًا، لم يكن له كتابٌ يُرجع إليه، فكان أحيانًا يذكر فيرفع الحديث، وأحيانًا يهاب الحديث ولا يرفعه".
وبالغَ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، فكان إذا سُئل عن شيء لا يجيب حتى يرجع إلى الكتاب.
قال أبو طاهر السلفي: سألت أبا الغنائم النرسي عن الخطيب، فقال: "جبل لا يُسألُ عن مثله، ما رأينا مثل وما سألتُه عن شيء فأجاب في الحال إلا يرجع كتابه".
стр. 2092
وإذا سبقَ إلى نَفْسِ الإنسان أمرٌ -وإن كان ضعيفًا عنده- ثم اطَّلَعَ على ما يحتملُ موافقةَ ذلك السابقِ، ويحتملُ خلافَهُ، فإنه يترجحُ في نفسه ما يوافقَ السابقَ، وقد يَقْوَى ذلك في النفس جدًّا وإن كان ضعيفًا.
وهكذا إذا كانت نفسُ الإنسانِ تَهْوَى أمرًا، فاطَّلَعَ على ما يحتملُ ما يوافقه وما يخالفه، فإن نفسه تميل إلى ما يوافق هواها.
والعقلُ كثيرًا ما يحتاج عند النظر في المحتملات والمتعارضات إلى استفتاء النفس لمعرفة الراجح عندها، وربما يشتبه على الإنسان ما تقضي به نفسه بما يقضي به عقله، فالنفس بمنزلة المحامي عندما تميل إليه، ثم قد تكون هي الشاهد وهي الحاكم.
والعالِم إذا سخط على صاحبه، فإنما يكون سخطه لأمرٍ ينكره، فيسبق إلى النفس ذاك الإنكار، وتَهوى ما يناسبه، ثم تتبع ما يشاكله، وتميل عند الاحتمال والتعارض إلى ما يوافقه، فلا يُؤْمَنُ أن يَقوى عند العالم جرحُ مَنْ هو ساخطٌ عليه لأمرٍ -لولا السخط- لَعَلِمَ أنه لا يُوجبُ الجرحَ.
وأئمةُ الحديثِ متثبتون، ولكنهم غير معصومين عن الخطأ، وأهلُ العلم يُمَثِّلُوَن لجرحِ الساخط بكلام النسائي في أحمد بن صالح، ولما ذكر ابن الصلاح ذلك في المقدمة عقبه بقوله: "قلت: النسائي إمام حجة في الجرح والتعديل، وإذا نسب مثله إلى مثل هذا، كان وجهه أن عينَ السخط تبدي مساوىءَ، لها في الباطن مخارجُ صحيحةٌ تعمى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمدًا لقدحٍ يعلمُ بُطلانه".
وهذا حَقٌّ واضحٌ، إِذْ لَو حُمل على التَّعَمُّدِ سَقطتْ عدالةُ الجارح، والفرضُ أنه ثابتُ العدالة.
هذا، وكُلُّ ما يُخشى في الذم والجرح يُخشى مثلُه في الثناء والتعديل؛ فقد يكون الرجلُ ضعيفًا في الرواية، لكنه صالحٌ في دينه، كأبان بن أبي عياش، أو غيورٌ على
стр. 2093
السُّنَّة، كمؤمل بن إسماعيل، أو فقيهٌ كمحمد بن أبي ليلى، فتجدُ أهلَ العلم ربما يُثنون على الرجل من هؤلاء غيرَ قاصدين الحُكمَ له بالثقة في روايته.
وقد يرى العالِمُ أن الناسَ بالغوا في الطعن، فيبالغُ هو في المدح، كما يُروى عن حماد بن سلمة أنه ذُكر له طعنُ شعبة في أبان بن أبي عياش، فقال: أبان خير من شعبة.
وقد يكونُ العالِمُ وادًّا لصاحبه، فيأتي فيه نحوُ ما تقدم، فيأتي بكلماتِ الثناء التي لا يقصد بها الحكم، ولا سيما عند الغضب، كأن تسمع رجلًا يذم صديقك أو شيخك أو إمامك، فإن الغضب قد يدعوك إلى المبالغة في إطراء من ذَمَّهُ، وكذلك يقابلُ كلماتِ التنفير بكلمات الترغيب.
وكذلك تجدُ الإنسانُ إلى تعديل مَنْ يميل إليه ويحسن به الظن أسرعَ منه إلى تعديل غيره، واحتمالُ التسمُّحِ في الثناء أقربُ من احتماله في الذم؛ فإن العالم يمنعه من التسمُّحِ في الذم الخوفُ على دينه لئلا يكون غيبة، والخوف على عِرضه؛ فإن من ذم الناس فقد دعاهم إلى ذمه.
ومن دعا الناسَ إلى ذمِّه ذموه بالحق وبالباطل
ومع هذا كُلِّهِ، فالصوابُ في الجرح والتعديل هو الغالبُ، وإنَّما يُحتاج إلى التثبت والتأمل فيمن جاء فيه تعديل وجرحٌ، ولا يسوغُ ترجيحُ التعديلِ مطلقًا بأنَّ الجارحَ كان ساخطًا على المجروح، ولا ترجيحُ الجرحِ مطلقًا بأنَّ المعدِّلَ كان صديقًا له، وإنَّما يُستدل بالسخط والصداقة على قوة احتمال الخطأ إذا كان محتملًا، فأما إذا لزم من اطراح الجرح أو التعديل نسبةُ من صَدَر منه ذلك إلى افتراء الكذب أو تعمد الباطل أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوع مثله من مثله، فهذا يحتاج إلى بينة أخرى، لا يكفي فيه إثبات أنه كان ساخطًا أو محبًا.
стр. 2094
وفي "لسان الميزان" (١/ ١٦):
"وممن ينبغي أن يُتوقفَ في قبول قولِه في الجرح، مَنْ كان بينه وبين من جَرَحَهُ عداوةٌ سببُها الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثَلْبَ أبي إسحاق الجوزجاني لأهل الكوفة رأى العجب؛ وذلك لشدةِ انحرافه في النصب، وشهرةِ أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسانٍ ذلقة وعبارة طلقة، حتى إنه أخذ يُلَيِّنُ مثل الأعمش، وأبي نعيم، وعبيد الله بن موسى، وأساطين الحديث، وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثلُه أو أكبر منه، فوثَّقَ رجلًا ضَعَّفَهُ، قُبِلَ التوثيقُ، ويُلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نُسب إلى الرفض، فيُتأنى في جرحه لأهل الشام؛ للعداوة البينة في الاعتقاد، ويلتحق بذلك ما يكون سببه المنافسة في المراتب، فكثيرا ما يقع بين العصرين الاختلاف والتباين وغيره، فكل هذا ينبغي أن يُتأنى فيه ويتأمل".
أقول: قول ابن حجر: "ينبغي أن يتوقف" مقصوده كما لا يَخفى: التوقفُ على وجه التأني والتروي والتأمل، وقوله: "فهذا إذا عارضه مثله ... قُبل التوثيقُ" محلُّه ما هو الغالب من أن لا يلزم من اطراح الجرح نسبة الجارح إلى افتراء الكذب، أو تعمد الحكم بالباطل، أو الغلط الفاحش الذي يندر وقوعه، فأما إذا لزم شيء من هذا فلا محيصَ عن قبول الجرح، إلا أن تقوم بينة واضحة تثبت تلك النسبة.
وقد تتبعتُ كثيرًا من كلام الجوزجاني في المتشيعين، فلم أجدْهُ متجاوزا الحدَّ، وإنما الرَّجلُ لما فيه من النَّصْبِ يَرى التشيع مذهبًا سيئًا وبدعة ضلالة وزيغًا عن الحق وخذلانا، فيُطلقُ على المتشيعين ما يقتضيه اعتقادُه، كقوله: "زائغ عن القصد"، "سيء المذهب" ونحو ذلك.
стр. 2095
وكلامُه في الأعمش ليس فيه جرحٌ، بل هو توثيقٌ، وإنما فيه ذَمٌّ بالتشيع والتدليس، وهذا أمرٌ متفقٌ عليه: أن الأعمش كان يتشيع ويدلس، وربما دلس عن الضعفاء، وربما كان في ذلك ما يُنكر.
وهكذا كلامه في أبي نعيم، فأما عبيد الله بن موسى فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره بأشد من كلام الجوزجاني.
وتكلم الجوزجاني في عاصم بن ضمرة، وقد تكلم فيه ابن المبارك وغيره، واستنكروا من حديثه ما استنكره الجوزجاني، راجع "سنن البيهقي" (٣/ ٥١).
غاية الأمر أن الجوزجاني هَوَّلَ.
وعلى كل حالٍ، فلم يَخرج من كلام أهل العلم، وكأن ابن حجر توهم أن الجوزجاني في كلامه في عاصم يُسِرُّ حَسْوا في ارتغاء (١)، وهذا تخيل لا يُلتفتُ إليه.
وقال الجوزجاني في يونس بن خباب: "كذاب مفتر"، ويونس وإن وثقه ابن معين، فقد قال البخاري: "منكر الحديث"، وقال النسائي مع ما عرف عنه: "ليس بثقة"، واتفقوا على غُلُوِّ يونس، ونقلوا عنه أنه قال: إن عثمان بن عفان قَتل ابنتي النبي ﷺ ، وأنه رَوى حديث سؤال القبر، ثم قال: هاهنا كلمة أخفاها الناصبة، قيل له: ما هي؟ قال: إنه ليُسألُ في قبره: من وليك؟ فإن قال: عليٌّ، نجا! فكيف لا يُعذر الجوزجاني مع نصبه أن يعتقد في مثل هذا أنه كذاب مفتر؟
стр. 2096
وأشد ما رأيتُه للجوزجاني ما تقدم عنه في القاعدة الثالثة من قوله: "ومنهم زائغ عن الحق" وقد تقبل ابن حجر ذلك على ما فهمه من معناه وعظَّمه كما مَرَّ، وذكر نحو ذلك في "لسان الميزان" نفسه (١/ ١١).
وإني لأعجب من الحافظ ابن حجر ﵀، يوافق الجوزجاني على ما فهمه من ذلك ويعظمه مع ما فيه من الشدة والشذوذ كما تقدم، ويشنع عليه هاهنا ويهول فيما هو أخف من ذلك بكثير عندما يُتدبر، والله المستعان". اهـ.
تطبيقات على هذه القاعدة:
• في ترجمة: المفضل بن غسان الغلابي من "التنكيل" (٢٤٩):
"والمخالفة -يعني في المذهب- لا تقتضي اطراحَ جرحِ المخالفِ البتة، وقد قَبِلَ الناسُ من يحيى بن معين وغيرِه من الأئمة جرحَهم لكثيرٍ من الرواة المخالفين لهم في المذهب". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي منه (٢١٤):
قال الكوثري ص ١٣٣: قال ابن عدي: رأيت أبا يعلي سيء القول فيه، ويقول: شهد على خالي بالزور، وله عن أهل الموصل أفراد وغرائب.
فقال الشيخ المعلمي:
"آخر ما حكاه ابن عدي عن أبي يعلي قوله: بالزور، ثم قال ابن عدي: وابن عمار ثقة، حسن الحديث عن أهل الموصل؛ معافى بن عمران وغيره، وعنده عنهم أفراد وغرائب، وقد شهد أحمد بن حنبل أنه رآه عند يحيى القطان، ولم أر أحدا من مشايخنا يذكره بغير الجميل، وهو عندهم ثقة.
ووثقه وأثنى عليه جماعة كثيرة، فأما أبو يعلي فكانت بينه وبين ابن عمار مباعدة ما في المذهب، كما يدل عليه عكوف أبي يعلي على سماع كتب أهل الرأي من بشر بن الوليد، ورَدَفْتَها كُدُورُةٌ عائليةٌ، كما يدل عليه قولُ أبي يعلي: شهد على خالي بالزور،
стр. 2097
وهذه كلمة مرسلة، لم يُبَيِّنْ ما هو الزور؟ ومن أين عرف أبو يعلي أنه زور؟ وعلى فرض تحققه ذلك، فهل تعمَّدَ ابنُ عمار الشهادة بالباطل أو أخطأ؟ وإعراض الناس -ومنهم ابن عدي حاكي الكلمة عن أبي يعلى- عن كلمته، يُبين أنها كلمة طائشة، لا تستحق أن يُلتفت إليها.
وابنُ عمار أكبر من أبي يعلي بنحو خمسين سنة، فلعل أبا يعلي سمع خاله -ومَنْ خالُه؟ - يقول: شهد عليَّ ابنُ عمار بالزور، فأخذها أبو يعلي ولم يحققها.
وقدمنا في القواعد أنه إذا ظهر أن بين الرجلين نُفْرَةً لم يُقبل ما يقولُه أحدهما في الآخر إلا مفسرا محققا مثبتا.
ويتأكد ذلك بإعراض الناس عن كلمة أبي يعلي، وإجماعهم على توثيق ابن عمار.
فأما الغرائب فقد دلت كلمة ابن عدي على أنها غرائب صحاح، ولهذا ذكرها في صدد المدح، فحوله الكوثري إلى القدح. والله المستعان". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد الله بن الزبير أبي بكر الحميدي منه (١٢١):
قال ابن السبكي: "قال ابن خزيمة فيما رواه الحاكم عن الحافظ حسينك التميمي عنه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي، فوقعت بينه وبين البويطي وحشةٌ في مرض الشافعي، فحدثني أبو جعفر السكري صديق الربيع، قال: لما مرض الشافعي، جاء ابن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحدٌ أحقَّ بمجلسي من البويطي، وليس أحدٌ من أصحابي أعلمَ منه.
فقال له ابن عبد الحكم: كذبتَ. فقال له الحميدي: كذبتَ أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم، فترك مذهب الشافعي. فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان الحميدي معي في الدار نحوًا من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أبوا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع".
стр. 2098
قال الشيخ المعلمي:
"أول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة، أثقة هو أم لا؟ .. وقد فتشت عنه فلم أعرفه، ورأيت القصة في "تاريخ بغداد" (ج ١٤ ص ٣٠١) وفيها: "صديق للربيع"، وهذا يُشعر أنه ليس بالمعروف (١).
فعلى هذا لا تثبت القصة، وإن دلت الشواهد على أن لها أصلًا في الجملة، فإن ذلك لا يُثبت من تفاصيلها ما لا شاهد له.
وفي "توالي التأسيس" (ص ٨٤) عن الربيع صاحب الشافعي قال: "وجَّه الشافعي الحميدي إلى الحلقة، فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي، فمن شاء فليجلس، ومن شاء فليذهب".
وكان البويطي أسنَّ أصحابِ الشافعي وأفقههم، حتى كان الشافعي يعتمده في الفتيا، ويحيل عليه إذا جاءته مسألة، كما في "الطبقات الشافعية"، وكان ابن عبد الحكم حينيذ فتى ابن إحدى وعشرين سنة، فلم يكن قد استحكم علمه ولا عقله، فمنازعته للبويطي طيشة من طيشات الشباب.
وكان الحميدي أعلمهم بالحديث وأقدمهم صحبة للشافعي؛ لأنه قدم معه من الحجاز إلى مصر، والباقون إنما صحبوه بمصر، والحميدي قرشي مكي كما أن الشافعي كذلك، فهو أقربهم إلى الشافعي وألصقهم به.
стр. 2099
ولذلك والله أعلم لما ذهب أصحاب الشافعي في مرضه إلى الجامع تخلف الحميدي عنه، ثم خشي الشافعي أن يتنازعوا الحلقة، فأرسل الحميدي إليهم ليبلغهم عنه، فلو شك ابن الحكم في خبر الحميدي لكان حقُّهُ أن يذهب ليراجع الشافعيَّ، لكنه عرف صدقه، فاضطرم في نفسه اليأس والحزن والغضب، فإن بدرت منه تلك الكلمة فهي من فلتات الغضب كما لا يخفى، فلا يتشبث بمثلها في الطعن في مثل الحميدي إلا مثل الأستاذ! وقد قال هو نفسه في حاشية (ص ٩٩): "وأهل العلم قد تبدر منهم بادرة فيتكلمون في أقرانهم بما لا يقبل فلا يتخذ ذلك حجة".
وقد أسلفت تحقيق هذا المعنى في القاعدة الرابعة من قسم القواعد، والأستاذ يقصر عن الحق تارة، ويتعداه أخرى! ". اهـ.
• وفي ترجمة: زكريا بن يحيى الساجي (٩٤):
قال الكوثري (ص ١٨): "شيخ المتعصبين ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
"أما التعصب، فقد مَرَّ حكمُهُ في القواعد، وبَيَّنَا أنه إذا ثبتتْ ثقةُ الرجل وأمانتُه، لم يقدح ما يسميه الأستاذ تعصبًا في روايته، ولكن ينبغي التروي فيما يقوله برأيه، لا اتهامًا له بتعمد الكذب والحكم بالباطل، بل لاحتمال أن الحنق حال بينه وبين التثبت ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد المؤمن بن خلف أبي يعلي التميمي النسفي الحافظ (١٤٨):
روى الخطيب من طريقه عن صالح بن محمد بن جزرة الحافظ كلامًا في الحسن ابن زياد اللؤلؤي، فقال الكوثري: "عبد المؤمن ليس ممن يصدق فيه؛ لأنه كان ظاهريًا طويل اللسان على أهل القياس".
стр. 2100
فقال الشيخ المعلمي:
"قد سلف في القواعد أن المخالفة في المذهب لا تُرد بها الرواية، كالشهادة، وهذا ما لا أرى عالمًا يشك فيه.
ومن حَكَمَ له أهلُ العلم بالصدق والأمانة والثقة فقد اندفع عنه أن يقال: "لا يصدق في كذا"، اللهم إلا أن تقام الحجة الواضحة على أنه تعمد كذبًا صريحًا، فيزول عنه اسم الصدق والأمانة البتة.
والأستاذ يَمُرُّ بالجبال الرواسي، فينفخ، ويُخَيَّلُ لنفسه وللجهالِ أنه أزالها أو جعلها هباء.
والذي جَرَّأَهُ على ذلك كثرةُ الأتباع، وغربةُ العلم، وما لا أُحبُّ ذِكْرَهُ. والله المستعان". اهـ.
• وفي ترجمة: أبي الطيب محمد بن الحسين بن حميد بن الربيع (٢٠٢):
قال الشيخ المعلمي:
"زعم ابن عقدة أنه كان عند مُطَيَّن، فمَرَّ أبو الطيب، فقال مطين: هذا كذاب ابن كذاب. وفي بعض المواضع زيادة (ابن كذاب) أخرى، فحكى ابنُ عدي عن ابن عقدة هذا، وقواه بالنسبة إلى حسين بن حميد والد أبي الطيب، كما تقدم في ترجمته مع النظر فيه، فأما أبو أحمد الحاكم، فإنما قال في أبي الطيب: "كان ابن عقدة سيء الرأي فيه"، وهذا يُشعر بأنه لم يعتمد على رواية ابن عقدة عن مطين، وإلا لقال: "كان مطين سيء الرأي فيه".
وابنُ عقدة ليس بعمدة، كما تقدم في ترجمته.
وقد تَعَقَبَ الخطيبُ حكايتَهُ هذه في "التاريخ" (ج ٢ ص ٢٣٧) فقال: "في الجرح بما يحكيه أبو العباس بن سعيد [ابن عقدة] نظر، حدثني علي بن محمد بن نصر، قال:
стр. 2101
سمعت حمزة السهمي يقول: سألت أبا بكر ابن عبدان عن ابن عقدة إذا حكى حكايةً عن غيره من الشيوخ في جرحٍ، فهل يُقبل قولُه أم لا؟ قال: لا يقبل.
.. ثم روى الخطيبُ عن أبي يعلى الطوسي توثيقَ أبي الطيب، قال: "كان ثقةً، صاحبَ مذهبٍ حسنٍ، وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، وكان مِمن يُطلب للشهادة فيأبى". وقال ابن الجوزى في "المنتظم" (ج ٦ ص ٢٣٥): "كان ثقة يفهم، وقد روى ابنُ عقدة عن الحضرمي "مطين" أنه قال: هو كذاب - وهذا ليس صحيح".
وقال ابن حجر في "اللسان": "الظاهر أن جَرْحَ ابنِ عقدة لا يؤثر فيه لما بينهما من المباينة في الاعتقاد".
أقول: أما جرحُه من قِبِلِ نفسِه بلا حجة فَنَعَم، وأما روايته عن غيره، فلو كان ثقة لم تُرد بالمباينة في الاعتقاد، ولكنه في نفسه على يدي عدل، فالمباينة في الاعتقاد تزيده وَهنا على وَهَنٍ، والله الموفق". اهـ.
* * *
стр. 2102
المطلب الثالث
تلخيص منهج المعلمي في نقد روايات الجرح والتعديل في مسائل على هذا الترتيب
١ - ممن يُقبل الجرحُ والتعديلُ؟
٢ - البحث في ثبوت كُلٍّ من الجرح والتعديل عن القائلين بهما.
٣ - البحث في مقتضى كُلٍّ منهما عند القائل بهما، خشيةَ أن تكون هناك مصطلحات خاصة بالقائل.
٤ - البحث في مظنات دخول الخلل على أحدهما.
٥ - اختبار الواقع العملي لحال الراوي -كاستقامة مروياته- ومدى حظوته بقبول معاصريه من المحدثين وأهل العلم؛ لتوجيه بعض ما يَحتاج إلى توجيه مما قيل فيه من جرح.
* * *
стр. 2103
المسألة الأولى
ممن يُقبل الجرح والتعديل ؟
قال الشيخ المعلمي في مقدمة "الجرح والتعديل" (١):
"ليس نقدُ الرواة بالأمر الهَيِّنِ؛ فإنَّ الناقدَ لا بُدَّ أن يكونَ واسعَ الاطلاع على الأخبار المروية، عارفا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيرا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والمُوقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي:
متى وُلد؟ وبأيّ بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟
ومتى شَرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟
ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث.
ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويعرض عليها مرويات هذا الراوى ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
ويكون مع ذلك متيقظا، مرهفَ الفهم، دقيقَ الفطنة، مالكا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادرُ ظَنٍّ، حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه، فلا يجاوز ولا يقصر.
وهذه المرتبة بعيدةُ المرامِ، عزيزةُ المنالِ، لم يبلغْها إلا الأفذاذ.
стр. 2104
وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم مَنْ يتكلم في الرواة فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلتفتُ إليه.
قال الإمام علي ابن المدينى -وهو من أئمة هذا الشأن-: "أبو نعيم وعفان صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال؛ هؤلاء لا يَدَعُون أحدا إلا وقعوا فيه".
وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجدُ في كتب الفنِّ نقلَ شيء من كلامهما". اهـ.
* * *
стр. 2105
فروع:
الفرع الأول: هل يُقبل الجرح والتعديل من غير أهله ؟
• في ترجمة: رقبة بن مصقلة العبدي أبي عبد الله الكوفي من "التنكيل" (٩٣):
قال الكوثري: ليس من رجال الجرح والتعديل.
فقال الشيخ المعلمي:
"رقبة روى عن أنس فيما قيل، وعن أبي إسحاق، وعطاء، ونافع، وعبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني، وطلحة بن مصرف، وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم.
قال الإمام أحمد: شيخ ثقة من الثقات مأمون، وقال ابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة، واحتج به الشيخان في "الصحيحين" وغيرهما، ومِثْلُهُ لو جَرَحَ أو عَدَّل لقُبِلَ منه". اهـ.
قال أبو أنس:
ينبغي أن يكون هذا إذا لم يُخالِفْ ذلك الثقةُ المتفقُ عليه والمحتجُّ به مَنْ هو أَفْهَمُ منه مِن أهل الجرح والتعديل، فإذا لم يكن بتلك الصفة، أو خُولِفَ، كان في كلامه وقْفَةٌ، وسيأتي في النماذج الآتية الإشارةُ إلى ذلك.
• في ترجمة: محمد بن يونس الجمال منه (٢٤٠):
قال الكوثري ص ١٥٩: "قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ".