سمعت حمزة السهمي يقول: سألت أبا بكر ابن عبدان عن ابن عقدة إذا حكى حكايةً عن غيره من الشيوخ في جرحٍ، فهل يُقبل قولُه أم لا؟ قال: لا يقبل.
.. ثم روى الخطيبُ عن أبي يعلى الطوسي توثيقَ أبي الطيب، قال: "كان ثقةً، صاحبَ مذهبٍ حسنٍ، وأمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، وكان مِمن يُطلب للشهادة فيأبى". وقال ابن الجوزى في "المنتظم" (ج ٦ ص ٢٣٥): "كان ثقة يفهم، وقد روى ابنُ عقدة عن الحضرمي "مطين" أنه قال: هو كذاب - وهذا ليس صحيح".
وقال ابن حجر في "اللسان": "الظاهر أن جَرْحَ ابنِ عقدة لا يؤثر فيه لما بينهما من المباينة في الاعتقاد".
أقول: أما جرحُه من قِبِلِ نفسِه بلا حجة فَنَعَم، وأما روايته عن غيره، فلو كان ثقة لم تُرد بالمباينة في الاعتقاد، ولكنه في نفسه على يدي عدل، فالمباينة في الاعتقاد تزيده وَهنا على وَهَنٍ، والله الموفق". اهـ.
* * *
стр. 2102
المطلب الثالث
تلخيص منهج المعلمي في نقد روايات الجرح والتعديل في مسائل على هذا الترتيب
١ - ممن يُقبل الجرحُ والتعديلُ؟
٢ - البحث في ثبوت كُلٍّ من الجرح والتعديل عن القائلين بهما.
٣ - البحث في مقتضى كُلٍّ منهما عند القائل بهما، خشيةَ أن تكون هناك مصطلحات خاصة بالقائل.
٤ - البحث في مظنات دخول الخلل على أحدهما.
٥ - اختبار الواقع العملي لحال الراوي -كاستقامة مروياته- ومدى حظوته بقبول معاصريه من المحدثين وأهل العلم؛ لتوجيه بعض ما يَحتاج إلى توجيه مما قيل فيه من جرح.
* * *
стр. 2103
المسألة الأولى
ممن يُقبل الجرح والتعديل ؟
قال الشيخ المعلمي في مقدمة "الجرح والتعديل" (١):
"ليس نقدُ الرواة بالأمر الهَيِّنِ؛ فإنَّ الناقدَ لا بُدَّ أن يكونَ واسعَ الاطلاع على الأخبار المروية، عارفا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيرا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب، والمُوقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي:
متى وُلد؟ وبأيّ بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟
ومتى شَرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع؟ وكيف كتابه؟
ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم، وبلدانهم، ووفياتهم، وأوقات تحديثهم، وعادتهم في التحديث.
ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويعرض عليها مرويات هذا الراوى ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه.
ويكون مع ذلك متيقظا، مرهفَ الفهم، دقيقَ الفطنة، مالكا لنفسه، لا يستميله الهوى، ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادرُ ظَنٍّ، حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه، فلا يجاوز ولا يقصر.
وهذه المرتبة بعيدةُ المرامِ، عزيزةُ المنالِ، لم يبلغْها إلا الأفذاذ.
стр. 2104
وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم مَنْ يتكلم في الرواة فلا يُعَوَّلُ عليه، ولا يُلتفتُ إليه.
قال الإمام علي ابن المدينى -وهو من أئمة هذا الشأن-: "أبو نعيم وعفان صدوقان، لا أقبل كلامهما في الرجال؛ هؤلاء لا يَدَعُون أحدا إلا وقعوا فيه".
وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجدُ في كتب الفنِّ نقلَ شيء من كلامهما". اهـ.
* * *
стр. 2105
فروع:
الفرع الأول: هل يُقبل الجرح والتعديل من غير أهله ؟
• في ترجمة: رقبة بن مصقلة العبدي أبي عبد الله الكوفي من "التنكيل" (٩٣):
قال الكوثري: ليس من رجال الجرح والتعديل.
فقال الشيخ المعلمي:
"رقبة روى عن أنس فيما قيل، وعن أبي إسحاق، وعطاء، ونافع، وعبد العزيز بن صهيب، وثابت البناني، وطلحة بن مصرف، وغيرهم، وعنه جرير بن عبد الحميد، وأبو عوانة، وابن عيينة، وغيرهم.
قال الإمام أحمد: شيخ ثقة من الثقات مأمون، وقال ابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة، واحتج به الشيخان في "الصحيحين" وغيرهما، ومِثْلُهُ لو جَرَحَ أو عَدَّل لقُبِلَ منه". اهـ.
قال أبو أنس:
ينبغي أن يكون هذا إذا لم يُخالِفْ ذلك الثقةُ المتفقُ عليه والمحتجُّ به مَنْ هو أَفْهَمُ منه مِن أهل الجرح والتعديل، فإذا لم يكن بتلك الصفة، أو خُولِفَ، كان في كلامه وقْفَةٌ، وسيأتي في النماذج الآتية الإشارةُ إلى ذلك.
• في ترجمة: محمد بن يونس الجمال منه (٢٤٠):
قال الكوثري ص ١٥٩: "قال محمد بن الجهم: هو عندي متهم، قالوا: كان له ابن يدخل عليه الأحاديث، وقال ابن عدي: ممن يسرق حديث الناس ... ".
стр. 2106
فقال الشيخ المعلمي:
"محمد بن الجهم هو السمري، صدوق، وليس من رجال هذا الشأن، وقوله: "قالوا كان له ابن ... " لم يبين من القائل، وابن عدي إنما رماه بالسرقة لحديثٍ واحدٍ رواه عن ابن عيينة، فذكر ابن عدي أنه حديثُ حسين الجعفي عن ابن عيينة، يعني أنه معروف عندهم أنه تفرد به حسين الجعفي عن ابن عيينة، وحسين الجعفي ثقة ثبت، فالحديث ثابت عن ابن عيينة، وقد سمع الجمال من ابن عيينة، فالحكم على الجمال بأنه لم يسمعه وإنما سرقه ليس بالبيِّن، لكن لم أر من وثق الجمال، فهو ممن يستشهد به في الجملة. والله أعلم".
قال أبو أنس:
علقتُ على هذا الموضع من القسم الأول من "النكت" (٧٢١) وقد أوردته قريبا فراجعه.
• وفي "الفوائد" (ص ٢٤٣):
حديث: "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله".
رُوي من حديث ابن عمر وأبي سعيد وأبي أمامة وثوبان وأنس.
وزعم السيوطي أن الحديث بهذه الطرق حسن صحيح، واعترضه الشوكاني بأن الحديث عنده حسن لغيره، وأما صحيح فلا، فاعترض الشيخ المعلمي عليهما جميعًا، ووهَّن الحديث من جميع طرقه.
وتعرض الشيخ لطرق هذه الروايات بالنقد على الترتيب المذكور حتى بلغ رواية أنس فقال:
"وأما عن أنس، فتفرد به أبو بشر بكر بن الحكم المزلق، عن ثابت، عن أنس، رفعه: "إن لله عبادًا يَعرفون الناس بالتوسم".
стр. 2107
والمزلق قال فيه جماعة من الذين أخذوا عنه وليسوا من أهل الجرح والتعديل (١): "كان ثقة" يريدون أنه كان صالحًا خيرًا فاضلًا.
أما الأئمة، فقال أبو زرعة: "ليس بالقوي".
أقول: وهو مقلّ جدًّا من الحديث، فإذا كان مع إقلاله ليس بالقوي، ومع ذلك تفرد بهذا عن ثابت عن أنس (فلا ينبغي وهنه) (٢).
وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" أنه حسنٌ، وهذا بالنظر إلى حال المزلق في نفسه، فأما إذا نظرنا إلى تفرده مع إقلاله، ومع قول أبي زرعة: "ليس بقوى" (٣) فلا أراه يستقيم الحكم بحسن، وإن كان معناه صحيحًا والله أعلم. اهـ.
• في ترجمة: زكريا بن يحيى الساجي من "التنكيل" (٩٤):
قال الكوثري ص ١٨: " ... نضال الذهبي عنه من تجاهل العارف ... قال أبو بكر الرازي بعد أن ساق حديثا بطريقه: انفرد به الساجي ولم يكن مأمونًا ... ".
стр. 2108
فقال الشيخ المعلمي:
"أما ما حكاه الأستاذ عن الرازي، فليس الرازي ممن يُذكر في هذا الشأن حتى يتتبع الذهبي وغيره كلامه، فيسوغ أن يظن بالذهبي أنه وقف على كلمته وأعرض عنها لمخالفتها هواه، كما يتوهمه أو يوهمه الأستاذ! ". اهـ.
الفرع الثاني: هل يُقبل من الثقة في نفسه المتكلم في روايته -من جهة الغفلة وعدم الإتقان- ما لا تَعَلُّقَ له بالرواية؛ كرأيه في بعض الناس ونحو ذلك ؟
• في ترجمة: قيس بن الربيع الأسدي الكوفي أبي محمد من "التنكيل" (١٨٢):
في "تاريخ بغداد" ١٣/ ٤٠٥ " ... سئل قيس بن الربيع عن أبي حنيفة فقال: من أجهل الناس بما كان وأعلمه بما لم يكن" ومن وجه آخر: "أنا من أعلم الناس به، كان أعلم الناس بما لم يكن وأجهلهم بما كان".
قال الكوثري ص ١٢٦: "تركه غير واحد، وكان ابنه يأخذ أحاديثَ الناس فيدخلها في كتابه، فيرويها أبوه قيس بسلامة باطن".
فقال الشيخ المعلمي:
"وثقه جماعة، منهم سفيان الثوري وشعبة، وأثنوا عليه بالعلم والفضل، وتكلموا في روايته، وليس ما هنا من روايته حتى ننظر فيها". اهـ. (١).
الفرع الثالث: هل نَقْلُ كلامِ الجرح والتعديل عن الرجل يقتضيم أنه عند الناقل ممن يُقبل منه ذلك ؟
• في ترجمة: عبد الرحمن بن الحكم بن بشير بن سلمان منه (١٣٨):
قال الكوثري: ولم أر من وثقه.
стр. 2109
فقال الشيخ المعلمي:
"ذكر ابن أبي حاتم في جُمْلة مَنْ روى عن عبد الرحمن هذا: أبا زرعة، ومن عادة أبي زرعة أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٤١٦).
وذكر ابن أبي حاتم (١) عن إبراهيم بن موسى قال: ما رأيت أحدًا أفهم لمشيخة أبي إسحاق الهمداني من عبد الرحمن بن الحكم.
قال ابن أبي حاتم: سمعت محمد بن مسلم (بن وارة) يقول: كان عبد الرحمن بن الحكم أعلم الناس بشيوخ الكوفيين.
ورأيت ابن أبي حاتم ينقل أشياء من كلامه جرحًا وتعديلا (٢)، وهذا يقتضى أنه عنده ممن يُقبل منه ذلك. اهـ.
الفرع الرابع: هل يُقبل الجرح من مطعونٍ فيه إذا كان مشروحا مفسَّرًا ؟
• في ترجمة مهنأ بن يحيى من التنكيل رقم (٢٥٥):
قال فيه أبو الفتح الأزدي: "منكر الحديث".
فقال الشيخ المعلمي:
"الأزدي نفسه متكلم فيه حتى رُمي بالوضع، وقد رَدَّ ابنُ حجر في مواضع من "مقدمة الفتح" جَرْحَه، وبَيَّنَ أنه لا يُعتد به ...
وفي عبارة ابن الجوزي في "المتنظم" (٨/ ٣٦٨): "ذكر -يعني الخطيب- مهنأ بن يحيى، وكان من كبار أصحاب أحمد، وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى
стр. 2110
بعدُ (!) عن أبي الفتح الأزدي ... وهو يعلم أن الأزدي مطعون فيه عند الكُلِّ ... فلا يستحي الخطيب أن يقابلَ قولَ الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لا يتكلم عليه؟
أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ... وعليك في كلامك هذا مؤاخذات:
...................
الرابعة: أن الأزدي ذكر مُتَمَسَّكَةُ، فلا يسوغُ ردُّ قوله إلا ببيانِ سقوطِ حُجَّتِه.
أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء، عن سفيان الثوري، عن علي بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن جابر حديثًا في الجمعة، ولا يُعلم رواه أحدٌ غيره، عن زيد بن أبي الزرقاء، ولا عن غيره عن سفيان الثوري، فلا يُعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد ...
فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحَقَّقَ، لكان أَوْلَى به مما صنع.
وعلى كل حالٍ، فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان من خيار الناس في حديث أحمد بن حنبل وبشر الحافي، مستقيم الحديث".
ويكفيه مكانته عند أحمد، وثناء أصحابه عليه، والله أعلم". اهـ. كلام المعلمي.
قال أبو أنس:
قد أقام المعلمي لجرح الأزدي -على ما فيه- وزنًا؛ لمَّا فسَّرَهُ الأزدي وبَيَّن مستنده فيه، ولم يَقبل المعلمي دفعَ ابن الجوزي له من أجل ما في الأزدي من الطعن.
• وفي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم من التنكيل رقم (٢٤٤):
قال الكوثري: وثقه الخطيب، لكن في اللسان أنه ربما يخطيء. وقال البيهقي: غير قوي، وقال أبو الفتح الأزدي: حدَّث بأحاديث لا يتابع عليها.
стр. 2111
فقال الشيخ "المعلمي":
" ... أما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي، فليفي في نفسه بعمدة، حتى لقد اتهموه بوضع الحديث.
ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يُتابَعَ في كل ما حدَّث به، وإنما شرطه أن لا ينفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر.
والظاهر أن الأزدي إنما عني الحديث الذي ذكره البيهقي، وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يَقُلْ أحدُكم زرعته، ولكن ليقل حرثته. قال أبو هريرة: ألم تسمع على قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤].
وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير الواقعة، عن أحمد بن الوليد القرشي، عن مسلم. وفي "اللسان" أن البيهقي أخرجه في "شعب الإيمان" من وجهين [عنه]، وقال: إن مسلمًا غيرُ قويّ.
ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله: "ربما أخطأ" إلى هذا الحديث، على أن الصواب موقوف، وأخطأ مسلم في رفعه.
ومسلم مكثر في التفسير كما يُعلم من "تفسير ابن جرير"، فإن ترجح خطؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله، وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي. اهـ.
الفرع الخامس: عدم الركون لأقوال الجرح والتعديل من المتأخرين، والتي لا يُعلم لهم فيها سلف:
• في ترجمة: عباد بن كثير الثقفي البصري من "التنكيل" (١١٦):
قال الكوثري: كان الثوري يكذبه، ويحذر الناس من الرواية عنه، فكيف يتصور أن يروي الثوري عن مثله؟
стр. 2112
فقال الشيخ المعلمي:
"تحذير الثوري من الثقفي معروف، فأما تكذيبه له فإنما حكاه الحاكم وأبو نعيم الأصبهاني، ولا أدري من أين أخذاه، فإن صح، فإنما أراد الوهم والغلط، وقد أثنى على الثقفي بالصلاح جماعة، منهم: ابن المبارك، وأحمد، وابن معين، وأبو زرعة، والعجلي، ووصفوه مع ذلك بأنه ليس بشيء في الحديث، وأنه يحدث بما لم يسمع، لِبُلْهِهِ وغفلته، ... (١).
وعلى كل حال فلا مانع أن يحكي الثوري عن عباد ما يظهر له صحته، وفي ترجمة محمد بن السائب الكلبي من "الميزان": "يعلى بن عبيد قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اهـ.
الفرع السادس: ما هي حدود أهل العصر في الحكم على الرواة؟
قال الشيخ المعلمي في مبحث "التهمة بالكذب" من "التنكيل":
"الأستاذ -يعني الكوثري - يطعن في جماعة من أئمة السنة والموثقن من رواتها، فيرمي بعضهم بتعمد الكذب، وبعضهم بالتهمة بذلك، ويجمع لبعضهم الأمرين؛ يُكذب أحدهم في خبرٍ ويتهمه في آخر، ويجزم بأنهم متهمون في كل ما يتعلق بالغض من أبي حنيفة وأصحابه، ولو على بُعْدٍ بعيد كما يأتي في ترجمة أحمد بن إبراهيم، ويصرح في بعضهم بأنهم مقبولون فيما عدا ذلك، فهل يريد أنهم عدول مقبولون ثقات مأمونون مطلقًا.
ولا يُعتد عليهم بتكذيب الأستاذ، ولا اتهامه؛ لأنه خرق للإجماع في بعضهم ومخالف للصواب في آخرين، ولأن الأستاذ لم يتأهل للاجتهاد في الكلام في القدماء، ...
стр. 2113
وينبغي أن يُعلم أن التهمة تقال على وجهين:
الأول: قول المحدثين: "فلان متهم بالكذب".
وتحرير ذلك أن المجتهد في أحوال الرواة قد يثبت عنده -بدليلٍ يصح الاستنادُ إليه- أن الخبر لا أصل له، وأن الحمل فيه على هذا الراوي، ثم يحتاج بعد ذلك إلى النظر في الراوي: أتعمد الكذب أم غلط؟
فإذا تدبر وأنعم النظر، فقد يتجه له الحكم بأحد الأمرين جزمًا، وقد يميل ظنه إلى أحدهما، إلا أنه لا يبلغ أن يجزم به، فعلى هذا الثاني إذا مال ظنه إلى أن الراوي تعمد الكذب قال فيه: "متهم بالكذب" أو نحو ذلك مما يؤدي هذا المعنى.
ودرجة الاجتهاد المشار إليه لا يبلغه أحدٌ من أهل العصر فيما يتعلق بالرواة المتقدمين، اللهم إلا أن يَتهم بعض المتقدمين رجلًا في حديثٍ يزعم أنه تفرد به، فيجد له بعض أهل العصر متابعاتٍ صحيحة، وإلا حيث يختلف المتقدمون فيسعى في الترجيح.
فأما من وثقه إمام من المتقدمين أو أكثر، ولم يتهمه أحد من الأئمة، فيحاول بعض أهل العصر أن يكذبه أو يتهمه، فهذا مردود؛ لأنه إن تهيأ له إثباتُ بطلان الخبر، وأنه ثابت عن ذلك الراوي ثبوتًا لا ريب فيه، فلا يتهيأ له الجزم بأنه تفرد به، ولا أن شيخه لم يروه قط، ولا النظر الفني الذي يحق لصاحبه أن يجزم بتعمد الراوي للكذب أو يتهمه به.
بلى قد يتيسر بعض هذه الأمور فيمن كذبه المتقدمون، لكن مع الاستناد إلى كلامهم، كما يأتي في ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت وترجمة محمد بن سعيد البورقي، كان كان الأستاذ يخالف في ذلك فيصدق من كذبه الأئمة، وكذبه واضح، كما يكذب أو يتهم من صدقوه وصدقه ظاهر، شأن المحامين في المحاكم، معيار الحق عند أحدهم مصلحةُ مُوَكِّلِهِ! ". اهـ.
стр. 2114
• وفي ترجمة: أحمد بن خالد الكرماني من "التنكيل" (١٦):
قال الكوثري (ص ١٨٣): "الكرماني مجهول".
فقال الشيخ المعلمي:
"أنا أيضًا لم أظفر له بترجمة ولا خبر إلا في هذه الرواية، أو ذكره في شيوخ التمار، لكن مثل هذا لا يُسَوِّغُ لأمثالنا أن يقول: "مجهول". اهـ.
• وفي ترجمة: إسماعيل بن عيسى بن علي الهاشمي منه (٥٣):
قال الكوثري ص ٧٧: "إسماعيل بن عيسى من المجاهيل".
فقال الشيخ المعلمي:
"الصواب أن يقول: "لم أعرفه" فإن عدم معرفة مثل الأستاذ بالرجل لا يستلزم أن يكون مجهولًا". اهـ.
* * *
стр. 2115
المسألة الثانية
البحث في ثبوت كُلٍّ من الجرح والتعديل عن القائلين بهما
قال أبو أنس:
أقوال الجرح والتعديل لا يُعتد بها إلا بنقد إسنادها إلى قائلها، ولزوم ثبوتِ ذلك عنه، وأهمية النظر في الروايات المتفاوتة عن الإمام الواحد، وممارسة الفنّ المتعلق بقواعد الجمع والترجيح في ذلك.
ويشتمل ذلك على ثلاثة فروع:
الفرع الأول:
ما ذكره الشيخ المعلمي في النوع السادس من مغالطات الكوثري ومجازفاته في "طليعة التنكيل" (ص ٥٤):
قال ﵀: "من عواقره أنه يعمد إلى جرحٍ لم يثبت، فيحكيه بصيغة الجزم محتجًا به، فمن أمثلة ذلك:
١ - الحسن بن الربيع.
قال الكوثري ص ١٥١: "يقول فيه ابن معين: لو كان يتقي الله لم يكن يحدث بالمغازي، ما كان يحسن يقرؤها".
فقال المعلمي:
"هذا الكلام إنما رواه بكر بن سهل الدمياطي عن عبد الخالق بن منصور عن ابن معين، وبكر بن سهل لم يوثقه أحد، بل ضعفه النسائي، ورماه الذهبي في "الميزان" بالوضع".
стр. 2116
- وقال الشيخ المعلمي في ترجمة الحسن من "التنكيل" (٧٥):
"لم تصح هذه الكلمة عن ابن معين، ولذلك لم تُذكر في "التهذيب"، ولا ذُكر الحسن في "الميزان"، ولا ذَكره ابنُ حجر في "مقدمة الفتح" فيمن فيه كلامٌ من رجال البخاري، ومع ذلك فقد أجاب عنها الخطيب (١).
وفي "التهذيب": قال ابن شاهين في "الثقات": قال عثمان بن أبي شيبة: "الحسن ابن الربيع صدوق وليس بحجة"، وهذه الحكاية منقطعة؛ لأن ابن شاهين إنما ولد بعد وفاة عثمان بنحو ستين سنة، ولا نعلمه التزم الصحة فيما يحكيه في "ثقاته" عمن لم يدركه ...
والحسن قد وثقه الناس، قال أبو حاتم مع تشدده: "كان من أوثق أصحاب ابن إدريس"، وقال العجلي: "كوفي ثقة صالح متعبد"، وقال ابن خراش: "كوفي ثقة"، وروى عنه البخاري ومسلم في "الصحيحين" ... ". اهـ.
٢ - ثعلبة بن سهيل القاضي.
قال الكوثري ص ١١٠: "ضعيف".
فقال المعلمي:
" .. أظن الكوثري اعتمد على ما حكاه أبو الفتح محمد بن الحسن الأزدي عن ابن معين، أنه قال في ثعلبة: "ليس بشيء".
وهذه الحكاية منقطعة، كما قاله الذهبي في "الميزان"، لأن بين الأزدي وابن معين مفازة، ومع ذلك فالأزدي نفسه متهم! له ترجمة في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" ... فتدبر ما تقدم ثم انظر حال الكوثري، إذ يبني على حكاية الأزدي عن
стр. 2117
ابن معين أنه قال في ثعلبة: "ليس بشيء" ويعلم حال الأزدي، وأنه كان بعد ابن معين بمدة، ... ". اهـ.
٣ - عبد الله بن جعفر بن درستويه.
قال الكوثري (ص ٣٩): "كان يحدث عمن لم يدركه لأجل دريهمات يأخذها، فادفع إليه درهمًا يصطنع لك ما شئت من الأكاذيب".
فقال المعلمي:
ذكر الكوثري هذه التهمة في عدة مواضع كلها بالجزم، بل نبز هذا العالم الفاضل الذي لا ذنب له إلا أنه روى كتابًا مشهورًا وهو (تاريخ يعقوب بن سفيان)، وقد ثبت سماعه له، حتى إن الذي أنكر عليه رجع أخيرًا، فقصده فسمع منه، كما في ترجمته من (تاريخ بغداد).
نبزه الكوثري بلقب "الدراهمي"، مع أنه لا مستندَ للكوثري في ذلك، إلا ما حكاه الخطيب عن هبة الله الطبري أنه ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: "بلغني أنه قيل له: حَدِّثْ عن ابن عباس الدوري حديثًا ونحن نعطيك درهمًا، ففعل، ولم يكن سمع من عباس".
ولا يخفى على عالمٍ أن هذه الحكاية لا يصح الاستناد إليها؛ لجهالة المبلِّغِ للطبري ... ومع هذا فقد قال الخطيب: "هذه الحكاية باطلة ..... ".
وقال الشيخ المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (١١٩):
"أسطورة الدراهم والتحديث عمن لم يدركه، إنما أخذها الأستاذ من قول الخطيب: "سمعت هبة الدين الحسن الطبري (اللآلكائي) ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثًا ونحن نعطيك درهمًا ففعل، ولم يكن سمع من عباس".
стр. 2118
قال الخطيب: "وهذه الحكاية باطلة؛ لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفعَ قدرًا من أن يكذب لأجل العرض (١) الكثير، فكيف لأجل التافه الحقير، وقد حدثنا عنه ابن رزقويه بآمالي أملاها في جامع المدينة، وفيها عن عباس الدوري أحاديث عدة".
أقول: واللالكائي توفي سنة (٤١٨) وقد قال الخطيب في ترجمته: "عاجلته المنية، فلم يُنشر عنه كبير شيء".
فهذا يدل أن مولد اللالكائي كان بعد وفاة ابن درستويه بمدة؛ فإن وفاته كانت سنة (٣٤٧).
وَقَوْلُه: "بلغني ... " لا يُدرى من الذي بَلَّغَهُ، ومثل هذا لا يثبت به حكم ما ...
هذا ولم ينكروا على ابن درستويه حديثًا واحدًا مما حدث به عن الدوري فدل ذلك على أن تلك الأحاديث ثابتة عن الدوري حتمًا، وإنما زعم من لا يُدرى من هو أن ابن درستويه لم يسمع من الدوري، وقد علمت إمكان سماعه منه، فإن ثبت أن ابن درستويه ثقة -وسنثبته إن شاء الله تعالى- ثبت السماع". اهـ.
٤ - الأصمعي عبد الملك بن قريب.
قال الكوثري ص ٥٤: "كذبه أبو زيد الأنصاري".
فقال المعلمي:
"حاكي ذلك عن أبي زيد هو أحمد بن عبيد بن ناصح، وهو مطعون فيه، وفي (الميزان) في ترجمة الأصمعي "أحمد بن عبيد ليس بعمدة".
ونقل الكوثري نفسه هذا ص ٤٢ حين احتاج إلى رد رواية لأحمد بن عبيد. قال الكوثري: "فلم يكن بعمدة كما ذكره الذهبي في ترجمة عبد الملك الأصمعي من
стр. 2119
(الميزان) يجزم الأستاذ هنا بأنه ليس بعمدة، ثم يعتده فيقول في الأصمعي: كذبه أبو زيد الأنصاري. هكذا تكون الأمانة عند الكوثري! ".
٥ - جرير بن عبد الحميد.
قال الكوثري ص ١١٠: "تفرد برواية حديث الأخرس الموضوع".
فقال المعلمي:
"مستند الكوثري حكاية حكاها سليمان الشاذكوني، والشاذكوني هالك ... ". اهـ.
الفرع الثاني:
نماذج أخري من كلام الشيخ المعلمي على معنى هذه المسألة:
• في ترجمة: عبد الله بن الزبير أبي بكر الحميدي من "التنكيل" (١٢١):
قال الكوثري ص ٣٦: "الحميدي كذبه محمد بن عبد الله بن عبد الحكم - في كلامه في الناس. راجع (طبقات السبكي) ج ١ ص ٢٢٤ ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
"أما قصته مع ابن عبد الحكم، فهذه عبارة ابن السبكي التي استند إليها الأستاذ جازمًا بقوله: "كَذَّبَهُ ... في كلامه في الناس"!
قال ابن السبكي: "قال ابن خزيمة فيما رواه الحاكم عن الحافظ حسينك التميمي عنه: كان ابن عبد الحكم من أصحاب الشافعي، فوقعت بينه وبين البويطي وَحْشة في مرض الشافعي، فحدثني أبو جعفر السكري صديق الربيع، قال: لما مرض الشافعي جاء ابن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي، فقال البويطي: أنا أحق به منك، فجاء الحميدي وكان بمصر، فقال: قال الشافعي: ليس أحدٌ أحقَّ بمجلسي من البويطي، وليس أحدٌ من أصحابي أعلمَ منه.
فقال له ابن عبد الحكم: كذبت. فقال له الحميدي: كذبتَ أنت وأبوك وأمك. وغضب ابن عبد الحكم، فترك مذهب الشافعي. فحدثني ابن عبد الحكم قال: كان
стр. 2120
الحميدي معي في الدَّار نحوًا من سنة، وأعطاني كتاب ابن عيينة، ثم أَبوْا إلا أن يوقعوا بيننا ما وقع".
فأول ما يجب البحث عنه هنا هو النظر في أبي جعفر السكري حاكي القصة، أثقة هو أم لا؟
أما الأستاذ فلم يهمه هذا؛ إذ كان في القصة ما يوافق هواه، وأما أنا فقد فتشت عنه فلم أعرفه (١)، ورأيت القصة في (تاريخ بغداد) ج ١٤ ص ٣٠١ وفيها: "صديق للربيع"، وهذا يُشعر أنه ليس بالمعروف.
فعلى هذا لا تثبت القصة، وإن دلت الشواهد على أن لها أصلًا في الجملة فإن ذلك لا يُثبت من تفاصيلها ما لا شاهد له". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبي بكر بن أبي داود السجستاني منه (١٢٣):
قال الأستاذ ص ٦٨: "كذبه أبوه .. وإبراهيم ابن الأصبهاني .. وهو ناصبي .. ".
فقال الشيخ المعلمي:
"أما كلام أبيه، فقال ابن عدي -على ما في (الميزان) و (لسانه): "حدثنا علي بن عبد الله الداهري، سمعت أحمد بن محمد بن عمر بن كركرة، وفي (تذكرة الحفاظ): محمد بن أحمد بن عمرو بن كركرة" سمعت علي بن الحسن بن الجنيد، سمعت أبا داود يقول: ابني عبد الله كذاب .. ".
الداهري وابن كركرة لم أجد لهما ذكرًا في غير هذا الموضع ... وقد ارتاب الذهبي في الحكاية، فقال في (تذكرة الحفاظ) ج ٢ ص ٣٠٢ بعد ذكر الحكاية بسندها: "وأما
стр. 2121
قول أبيه فيه فالظاهر أنه إن صح عنه فقد عني أنه كذاب في كلامه لا في الحديث النبوي، وكأنه قال هذا وعبد الله شاب طري ثم كبر وساد".
وقال ابن عدي -مع حشره كل ما قيل في عبد الله- قال: كما في (الميزان): "ولولا ما شرطنا (يعني من ذكر كل من تكلم فيه وإن كان الكلام فيه غير قادح) لما ذكرته ... وهو معروف بالطلب، وعامة ما كتب مع أبيه، وهو مقبول عند أصحاب الحديث، وأما كلام أبيه فما أدري أيش تبين منه".
أقول: لم تثبت الكلمة.
...
وأما ابن الأصبهاني، فقال ابن عدي: "سمعت موسى بن القاسم الأشيب يقول: حدثني أبو بكر: سمعت إبراهيم الأصبهاني يقول: أبو بكر بن أبي داود كذاب".
أبو بكر شيخ الأشيب يحتمل أن يكون هو ابن أبي الدنيا؛ لأنه ممن يروي عن إبراهيم، وممن يروي عنه الأشيب، ويحتمل أن يكون غيره؛ لأن أصحاب هذه الكنية في ذاك العصر ببغداد كثيرون، ولم يشتهر ابن أبي الدنيا بهذه الكنية بحيث إذا ذُكرت وحدها في تلك الطبقة ظهر أنه المراد.
فعلى هذا لا يتبين ثبوت هذه الكلمة عن ابن الأصبهاني". اهـ.
...
وأما النصب، فقال ابن عدي على ما في (تذكرة الحفاظ): "نُسب في الابتداء إلى شيءٍ من النصب، ونفاه ابن الفرات من بغداد إلى واسط ثم رَدَّهُ علي بن عيسى فحدث، وأظهر فضائل علي، ثم تحنبل فصار شيخًا منهم، وهو مقبول عند أصحاب الحديث".
ولم يتحقق مَنْ الذي نسبه إلى النصب وما حجته في ذلك ... ". اهـ.
стр. 2122
• وفي ترجمة الحارث بن عمير البصري منه (٦٨):
قال الأستاذ ص ٣٦: " ... ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث ابن عمير كذاب".
فقال الشيخ المعلمي:
"أما ابن خزيمة فلا تثبت تلك الكلمة عنه بحكاية ابن الجوزي المعضلة، ولا نعلم ابن الجوزي التزم الصحة فيما يحكيه بغير سند ... ". اهـ.
• وفي ترجمة أحمد بن محمد بن الصلت منه (٣٤):
"قال الكوثري: "وحديث ابن جزء لم ينفرد ابن الصلت بروايته" وزاد في (التأنيب) ص ١٦٦: "بل أخرجه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) ج ١ ص ٤٥ بسند ليس فيه ابن الصلت".
أقول: في الموضع المذكور من كتاب (العلم):
"وأُخبِرنا أيضًا عن أبي يعقوب يوسف بن أحمد الصيدلاني المكي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى العقيلي وأبو علي عبد الله بن جعفر الرازي ومحمد بن سماعة عن أبي يوسف قال: سمعت أبا حنيفة: يقول: حججت مع أبي سنة ثلاث وتسعين ولي ست عشرة سنة .. " ذكر القصة.
فينظر في المُخْبِر لابن عبد البر مَنْ هو؟ وفي الصيدلاني؛ فإني لم أجد من وثقه". اهـ.
• وفيها أيضًا:
قال الكوثري فيما عَلَّقه على (مناقب أبي حنيفة) للذهبي ص ٧: "قال العقيلي في (الضعفاء): حدثنا أحمد بن محمد الهروي، قال: حدثنا محمد بن المغيرة البلخي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن سليمان الأصفهاني، قال: لما مات إبراهيم اجتمع خمسة من أهل الكوفة، فيهم: عمر بن قيس الماصر وأبو حنيفة فجمعوا
стр. 2123
أربعين ألف درهم، وجاءوا إلى الحكم بن عتيبة، فقالوا: إنا قد جمعنا أربعين ألف درهم، نأتيك بها، وتكون رئيسنا في الإرجاء، فأبى عليهما الحكم، فأتوا حماد بن أبي سليمان، فقالوا له، فأجابهم، وأخذ الأربعين ألف درهم"!
فقال الشيخ المعلمي:
"لا أناقش الأستاذ في تمويهه، وإنما أنظر في الحكاية، فالهروي والبلخي لم أجدهما، وإسماعيل لم يتضح لي من هو، وابن الأصبهاني متكلم فيه .. ". اهـ.
• وفي ترجمة: أحمد بن محمد بن يوسف بن دوست أبي عبد الله العلاف (٣٧):
.. قال الخطيب: سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء ويتربها لِيُظن أنها عتق.
فقال الشيخ المعلمي:
"قوله: "قيل ... " لا يُدرى من القائل .. ". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن عثمان بن أبي شيبة منه (٢١٩):
ذكر الخطيب عن حمزة السهمي أنه سأل الدارقطني عن محمد بن عثمان، فقال: "كان يقال: أخذ كتاب ابن أبي أنس وكُتب غير محُدث".
قال الشيخ المعلمي:
"ليس في هذا ما هو بَيِّنٌ في الجرح؛ لأنه لا يُدرى من القائل؟ ولا أن محمدا أخذ الكتب بغير حق، أو روى منها بغير حق ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبي بكر القطيعي منه (١٢):
"قال الخطيب في قضية اختلاطه من (التاريخ) ج ٤ ص ٧٣: "حُدِّثْتُ عن أبي الحسن ابن الفرات .... ".
стр. 2124
وذكرها الذهبي في (الميزان) عن ابن الصلاح قال: "اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئا مما يقرأ عليه، ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات".
والظاهر أن ابن الصلاح إنما أخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ولا ندري مَنْ حَدَّث الخطيبَ، ومع الجهالة به لا تثبتُ القصةُ .. ". اهـ.
• وفي ترجمة: أحمد بن عبد الله الأصبهاني منه (٢٢):
قال الكوثري ص ١٥١: .. روى علي بن حمشاذ -وأنت تعرف منزلته في العلم- أنه سمع أحمد بن عبد الله الأصبهاني يقول: ...
فقال الشيخ المعلمي:
"قوله: "روى علي بن حمشاذ" بصيغه الجزم والتحقيق، مع أنه إنما أخذ الحكاية من (تاريخ الخطيب)، وإنما قال الخطيب: "حُدِّثْتُ عن أبي نصر محمد بن أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي قال: سمعت علي بن حمشاذ يقول ... ".
فلم يذكر الخطيب مَنْ حَدَّثَهُ، فكيف يَجزم الأستاذ ويحقق؟ ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: إبراهيم بن يعقوب أبي إسحاق الجوزجاني منه (١٠):
قال الكوثري: " ... كان ناصبيًا خبيثًا حريزي المذهب أخرجت جارية له فروجة لتذبحها فلم تجد من يذبحها فقال: سبحان الله فروجة لا يوجد من يذبحها وعلي يذبح في ضحوة نيفا وعشرين ألف مسلم".
فقال الشيخ المعلمي:
" .. أما قصة الفروجة، فقال ابن حجر في "تهذيب التهذيب": "قال السلمي عن الدارقطني بعد أن ذكر توثيقه: لكن فيه انحراف عن علي، اجتمع على بابه أصحاب الحديث، فأخرجت جارية له فروجة ... ".
стр. 2125
فالسلمي هو محمد بن الحسن النيسابوري ترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ ص ١٤٠ تكلموا فيه حتى رموه بوضع الحديث، والدارقطني إنما ولد بعد وفاة الجوزجاني ببضع وأربعين سنة، وإنما سمع الحكاية على ما في معجم البلدان (جوزجانان) من عبد الله بن أحمد بن عدبس، ولابن عدبس ترجمة في (تاريخ بغداد) ج ٩ ص ٣٨٤ و (تهذيب تاريخ ابن عساكر) ج ٧ ص ٢٨٨ ليس فيها ما يبين حاله، فهو مجهول الحال، فلا تقوم بخبره حجة". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد الملك بن قريب الأصمعي (١٤٦):
قال الأستاذ في (الترحيب): "وأما الأصمعي، فقد وثقه غير واحد في الحديث، ... وقد قال ابن أخي الأصمعي عبد الرحمن بن عبد الله وقد سُئل عن عمه: هو جالس يكذب على العرب.
فقال الشيخ المعلمي:
"مَنْ عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يا أستاذ؟! وهل عرفه الناس إلا بكلمات يرويها عن الأصمعي؟ ومن جعله بحيث تعارض بما حُكي عنه نصوصَ أئمة الإسلام في توثيق الأصمعي". اهـ.
• وفي ترجمة: عمر بن الحسن أبي الحسين الشيباني القاضي المعروف بابن الأشناني (١٧٠):
قال الشيخ المعلمي:
"حكى الخطيب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سأل الدارقطني عن هذا الرجل فقال: "ضعيف"، وعن الخلال أنه قال: "ضعيف تكلموا فيه".
فأما السلمي فأراهم يحتملون حكاياته عن الدارقطني مع أنه على يدي عَدْلٍ، راجع ترجمته في (لسان الميزان) ج ٥ ص ١٤٠ ومع ذلك لم يفسِّر السببَ، وكذلك كلمة الخلال.
стр. 2126
وقال الخطيب: "بلغني عن الحاكم أبي عبد الله بن البيع النيسابوري قال: سمعت أبا الحسن الدارقطني يذكر ابن الأشناني، فقلت: سألتُ عنه أبا على الحافظ، فذكر أنه ثقة، فقال: بئس ما قال شيخنا أبو علي ...
ولم يذكر الخطيب مَنْ بَلَّغَهُ عن الحاكم.
وقال الذهبي في (الميزان): "يُروى عن الدارقطني أنه كذاب، ولم يصح هذا".
والظاهر أن الذهبي عني هذه الحكاية، وأنها لم تصح؛ للجهالة بمن بَلَّغَ الخطيبَ.
أما ابن حجر فقال في (اللسان): "قال الحاكم: قلت للدارقطني: سألت أبا علي الحافظ عنه؟ فذكر أنه ثقة. فقال: بئسما ما قال شيخنا أبو علي".
كذا جزم، مع أن من عادته أن لا يجزم بما لا يصح.
... والذي يتجه هو ما أشار إليه الذهبي أن الحكاية التي قال فيها الخطيب: "بلغني عن الحاكم ... " لا تثبت؛ لجهالة من بَلَّغَ الخطيبَ". اهـ.
الفرع الثالث:
مواضع تعقبتُها على الشيخ للمعلمي، وبَيَّنْتُ فيها عدم ثبوت أقوال الجرح والتعديل التي عَوَّل عليها - لافتقاده للمصادر غالبا:
• خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك الهمداني، أبو هاشم الدمشقي.
في "الفوائد" (٢٤١): "ضعيف جدًّا، اتهمه ابن معين بالكذب".
وله ترجمة في "التنكيل" رقم (٨٨):
"قال ابن معين: بالشام كتاب ينبغي أن يدفن، "كتاب الديات" لخالد بن يزيد بن أبي مالك، لم يرض أن يكذب على أبيه حتى كذب على الصحابة. قال أحمد بن أبى الحواري: سمعت هذا الكتاب من خالد ثم أعطيته للعطار فأعطى الناس فيه حوائج.
وقال أحمد: ليس بشيء. وقال النسائي: غير ثقة.
стр. 2127
وضعفه الدارقطني وأبو داود، وزاد: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: يروي أحاديث مناكير، وقال ابن حبان في المجروحين: هو من فقهاء الشام، كان صدوقًا في الرواية، ولكنه كان يخطىء كثيرًا، وفي حديثه مناكير، لا يعجبني الإحتجاج به إذا انفرد عن أبيه، وما أقربه ممن يشبه إلى التعديل، وهو ممن استخير الله فيه. اهـ.
لكن قال الشيخ المعلمي:
"ومع ذلك فقد وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي وبلديُّهُ أبو زرعة الدمشقي، وقال ابن عديّ: لم أر من أحاديث خالد هذا إلا كل ما يحتمل في الرواية أو يرويه ضعيف فيكون البلاء من الضعيف لا منه.
وكتاب الديات قد يكون ما فيه مما استنكره ابن معين مما أخذه خالد عن الضعفاء فأرسله والله أعلم. اهـ.
قال أبو أنس (١):
أما توثيق أحمد بن صالح المصري وأبي زرعة الدمشقي، فقد أسند ابن عساكر في تاريخه (٥ ق ٥٦٧ - الظاهرية) إلى أبي زرعة الدمشقي -من غير طريق أبي الميمون البجلي راوي التاريخ عن أبي زرعة- قال أبو زرعة في ذكر نفر ثقات: خالد بن أبي مالك، بلغني عن أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين أنه قال: "سألت أحمد بن صالح فقلت له: خالد بن يزيد بن أبي مالك، ثقة؟ فقال: نعم". اهـ.
ففي الاعتداد بهذا النقل نظرٌ من وجوه:
أولًا: ذِكْرُ أبي زرعة لخالد في نفر ثقاتٍ إنما بناه على ما حكاه عن أحمد بن صالح , وسيأتي ما فيه.
стр. 2128
ثانيًا: لم يُبَيِّن أبو زرعة مَنْ بَلَّغَهُ عن أحمد بن رشدين، وفي الاعتداد بهذا البلاغ مقابل ما استفاض عن الأئمة من تضعيف خالد نظرٌ كبير.
ثالثًا: أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين -سبقت ترجمته- ضعيف، بل نقل ابن عدي في "الكامل" قصة فيها تكذيب أحمد صالح المصري له، فلا يمكن التعويل على ما حكاه هنا -إن صَحَّ عنه- كما تقتضيه قواعد أهل الفن في قبول أقوال الجرح والتعديل.
وأما العجلي فحاله في التوثيق معلوم.
والظن بالشيخ المعلمي: أنه لو اطلع على ما سبق لما عَوَّل عليه وأنه إنما اعتمد على نقل المتأخرين توثيق أبي زرعة وأحمد بن صالح لخالد بن يزيد، دون إيراد إسناد هذا التوثيق عند ابن عساكر؛ لأن من منهج المعلمي اعتبار أسانيد الجرح والتعديل كما هو واضح مما سبق.
والمقصود أن ما ورد من توثيق أبي زرعة وأحمد بن صالح لخالد لا تقوم به الحجة من حيث النقل، ولا يصلح أن يكون خادشًا في اتفاق الأئمة على ضعف خالد وطرحه.
وأما ابن عدي فكلامه محمول على نحو كلام ابن حبان، وهو أنه صدوق في الأصل، وأن ما في روايته من الضعف فمما يحتمل، فلا يسقط أو يترك لأجله، وإن كان هو في نفسه ضعيف لا يحتج به، لا سيما وفي أسانيد بعض ما استُنكر عليه ضعفاءُ غيره، فرأى ابن عدي أنه بريء من ذلك، وأن البلاء فيه من غيره.
لكن إذا كان هذا هو اجتهاد ابن عدي ونحوه ابن حبان في حال خالد بن يزيد، فإن الأئمة المتقدمن هم أعلمُ، وأمكنُ، وأقربُ إلى خالد، وأَدْرَى بحقيقة حاله، والله تعالى الموفق.
стр. 2129
• عبد الله بن زياد بن سمعان:
قال الشيخ المعلمي في التنكيل (١/ ١٥١) - تعقيبا على قول الكوثري: أجمعوا على ترك حديثه، قال:
"فيه نظر؛ فقد أكثر عنه ابن وهب ووثقه على ما في "مختصر كتاب العلم لابن عبد البر" ص: ١٩٩، ومجموع كلامهم فيه يدل أنه صدوق في الأصل، فلا بأس بإيراده في المتابعات والشواهد. اهـ.
قال أبو أنس (١):
ابنُ سمعان كَذَّبَه: هشام بن عروة، ومالك بن أنس، وابن إسحاق، وإبراهيم بن سعد، وابن معين، وأحمد بن صالح المصري، وأبو داود السجستاني، وغيرهم.
وقال البخاري: "سكتوا عنه" -وهو لا يقولها إلا فيمن لا تحل الرواية عنه-، وقال أبو حاتم: "سبيله سبيل الترك"، وتركه جماعة.
وأما ابن وهب، ففي تاريخ أبي زرعة الدمشقي (ص ٣٩٧): حدثنا أحمد بن صالح قال: قلت لابن وهب: ما كان مالك يقول في ابن سمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بعض. اهـ.
ورواه -بهذا اللفظ- ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠ / ق ٤٦ - الظاهرية) ورواية التاريخ من طريق أبي محمد بن أبي نصر، واسمه عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم التميمي -وهو ثقة عدل عفيف كانت عنده أصول حسنة بخطوط الوراقين المعروفين، ترجمته في "تاريخ دمشق" (١٠ / ق ٤٦ - الظاهرية) - عن أبي الميمون البجلي الدمشقي واسمه: عبد الرحمن بن عبد الله بن راشد، صاحب أبي زرعة وراوي كتاب التاريخ عنه - عن أبي زرعة.
стр. 2130
وروى ابن عدي هذه الحكاية في ترجمة ابن سمعان من "الكامل" عن شيخه يوسف بن الحجاج -وهو يوسف بن أحمد بن عبد الرحيم بن الحجاج أبو يعقوب الاستراباذي، له ترجمة في "تاريخ جرجان" رقم (٩٩٩) ولم يذكر حمزة السهمي فيه جرحًا ولا تعديلا- قال: ثنا أبو زرعة الدمشقي، بمثل رواية أبي الميمون البجلي عن أبي زرعة.
وأورد الحكاية بمثل هذا اللفظ كُلٌّ من: المزي والذهبي وابن حجر، ولم يذكروا توثيق ابن وهب لابن سمعان صراحةً.
لكن قال ابن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" في باب: حكم قول العلماء بعضهم في بعض ص (٥١٠): أخبرنا خلف بن القاسم، قال: حدثنا أبو الميمون البجلي، قال حدثنا أبو زرعة الدمشقي، قال: حدثنا أحمد بن صالح قال: سألت عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن يزيد (كذا والصواب: زياد) ابن سمعان فقال: ثقة، فقلت: إن مالكًا يقول فيه: كذاب، فقال: لا يقبل قول بعضهم في بعض. اهـ.
ونقل مغلطاي في إكماله (٤ / ق ٢٧٠ ب) هذا التوثيق عن هذا الموضع، فالظاهر أنه لم يرد مصرحًا به إلا فيه، وهو محلُّ نظر، فأبو محمد بن أبي نصر بلديُّ أبي الميمون البجلي، وراوي كتاب التاريخ عنه، والذي اعتمده المصنفون في رواية التاريخ - لم يذكر هذا التوثيق، وكذا لم يذكره شيخُ ابن عدي عن أبي زرعة.
وخلف بن القاسم -شيخ ابن عبد البر- ثقة مكثر، وهو قرطبي سمع بدمشق من أبي الميمون، إلا أن بلديَّ الرجل أعرف به وأمكن في الرواية عنه في الغالب -كما هو معلوم، ودخول الخلل في رواية خَلَف بن القاسم- كالرواية بالمعنى أو الوهم وغير ذلك ممكن هنا؛ لأنه قد يُفهم من رَدِّ ابن وهب تكذيب مالك لابن سمعان ما يقتضي توثيق ابن وهب له، وليس بلازم، فقد يَرُدُّ التكذيب، ويُثبت ما دونه.
стр. 2131
وعلى كل حال، لو فرضنا ثبوت هذا التوثيق عن ابن وهب، فابن وهب كان من المكثرين، ولم يُعرف عنه التوقي في انتقاء مشايخه، وكان حسن الظن بابن سمعان، وكان يجالسه ويأخذ عنه، كما كان بعض الأئمة والثقات يجالسونه ويأخذون عنه، إلا أنه قد تبين لهم ما لم يتبين لابن وهب، فمنهم من صرح بكذبه، ومنهم من تركه.
قال عبد الله بن المبارك: أقمت عليه -يعني: ابن سمعان- كذا وكذا، وحملت عنه، فحدث يومًا عن مجاهد عن ابن عباس، فقلت: إنك كنت ذكرت هذا عن مجاهد، فقال: أو ليس مجاهد يحدث عن ابن عباس! فكرهت حديثه وتركته.
وقال أبو بكر بن أبي أويس: كنت أجالس عبد الله بن زياد بن سمعان، فكنا نرى أنه أخذ كتبًا غير سماع، فبينا هو يحدث إذ انتهى إلى حديثٍ لشهر بن حوشب، فقال: شهر بن جوست. فقلت: من هذا؟ فقال: رجل من أهل خراسان، اسمه من أسماء العجم. فقلت: لعلك تريد: شهر بن حوشب. فقلنا حينئذ: إنه يأخذ من الكتب. قال أبو معشر معقبًا: ابن سمعان إنما أخذ كتبه من الدواوين والصحف.
وكان عبد الله بن سمعان يحدث عن: عبد الله بن عبد الرحمن، فكان أحمد بن صالح المصري يقول إنه يغير أسماء الله، قال: وهذا كذب، ولما سأل ابنُ وهب ابنَ سمعان عن: عبد الله بن عبد الرحمن هذا، قال له ابن سمعان: لقيتُه في البحر.
وابن وهب لم يُعرف بتتبع أحوال الرواة ونقدهم كما عُرف غيره ممن كشف حقيقة ابن سمعان وطعن فيه، فهذه واقعة واحدة، دَلَّس فيها ابنُ سمعان تدليسًا فاحشًا، فحدَّث عمن لا وجود له، واستعار له هذا الاسم المخترع، فعدَّه أحمد بن صالح كذبًا، ومَشَّاه ابن وهب، مع مراوغة ابن سمعان له حين سأله عنه، فقال: لقيته في البحر، ومقتضى ذلك أنه لا سبيل لابن وهب ولا لغيره إلى معرفته أو الوصول إليه!
стр. 2132
والحاصل أن ابن سمعان إن لم يكن يضع الحديث وضعًا - كما ظنه أحمد بن صالح، فهو يكذب ويدَّعي سماع أقوام لم يسمع منهم بل لم درهم -كما قال غير واحد- ويأخذ صحفًا فيرويها من غير سماع، فليس هو بأهلٍ أن يُكتب عنه أصلًا، وعلى هذا قول النقاد من أهل العلم -كما سبق النقل عنهم آنفًا-، وقول ابن وهب في مثل هذا شذوذ لا يُلتفت إليه، والله تعالى أعلم (١).
* * *
стр. 2133
المسألة الثالثة
البحث في مقتضى كُلٍّ من الجرح والتعديل عند القائل بهما، خشيةَ أن تكون هناك مصطلحات خاصة بالقائل
• قال الشيخ المعلمي في الأمر التاسع من "كيف البحث عن أحوال الرواة":
"ليبحث عن رأي كُلِّ إمامٍ من أئمة الجرح والتعديل واصطلاحه، مستعينًا على ذلك بتتبع كلامه في الرواة, واختلاف الرواية عنه في بعضهم، مع مقارنة كلامه بكلام غيره.
فقد عرفنا في الأمر السابق رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثًا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد.
فإن شئتَ فاجعل هذا رأيًا لأولئك الأئمة؛ كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"، كأن يراد بها استقامة ما بلغ الموثِّق من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة.
وقد اختلف كلام ابن معين في جماعةٍ، يوثق أحدهم تارة ويضعفه أخرى، منهم: ... وجاء عنه توثيق جماعة، ضعفهم الأكثرون، منهم: ...
وهذا يُشعر بأن ابنَ معين كان ربما يطلق كلمة: "ثقة" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب.
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة" ومرة: "ثقة" أو: "لا بأس به" أو نحو ذلك (راجع تراجم: جعفر بن ميمون التميمي، وزكريا بن منظور، ونوح بن جابر).
стр. 2134
وربما يقول في الراوي: "ليس بثقة"، ويوثقه غيره (راجع تراجم: عاصم بن علي، وفليح بن سليمان، وابنه محمد بن فليح، ومحمد بن كثير العبدي).
وهذا قد يُشعر بأن ابن معين قد يطلق كلمة: "ليس بثقة" على معنى أن الراوي ليس بحيث يقال فيه "ثقة" على المعنى المشهور لكلمة "ثقة".
فأما استعمال كلمة "ثقة" على ما هو دون معناها المشهور، فيدل عليه مع ما تقدم أن جماعة يجمعون بينها وبين التضعيف.
قال أبو زرعة في: عمر بن عطاء بن وراز: "ثقة ليِّن"، وقال الكعبي -كذا وصوابه: العجلي- في: القاسم أبي عبد الرحمن الشامي: "ثقة يكتب حديثه وليس بالقوي". وقال ابن سعد في: جعفر بن سليمان الضبْعِي: "ثقة, وبه ضعف".
وقال ابن معين في: عبد الرحمن بن زياد بن أنْعُم: "ليس به بأس، وهو ضعيف"، وقد ذكروا أن ابن معين يطلق كلمة "ليس به بأس" بمعنى "ثقة".
وقال يعقوب بن شيبة في: ابن أنْعُم هذا: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق، رجل صالح"، وفي: الربيع بن صبيح: "صالح صدوق ثقة، ضعيف جدًّا".
وراجع تراجم: إسحاق بن يحيى بن طلحة، وإسرائيل بن يونس، وسفيان بن حسين، وعبد الله بن عمر بن حفص (١) بن عاصم، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وعبد السلام بن حرب، وعلي بن زيد بن جدعان، ومحمد بن مسلم بن تدرس، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن يمان.
وقال يعقوب بن سفيان في: أجلح: "ثقة، في حديثه لين"، وفي: محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى: "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لين الحديث عندهم".
стр. 2135
وأما كلمة "ليس بثقة" فقد روى بشر بن عمر عن مالك إطلاقها في جماعةٍ، منهم: صالح مولى التَّوْءمَة، وشعبة مولى ابن عباس، وفي ترجمة مالك من "تقدمة الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم عن يحيى القطان، أنه سأل مالكًا عن صالح هذا؟ فقال: "لم يكن من القراء" (١)، وسأله عن شعبة هذا فقال: "لم يكن من القراء".
فأما صالح، فأثنى عليه أحمد وابن معين، وذكر أنه اختلط بأخرة، وأن مالكًا إنما أدركه بعد الاختلاط.
وأما شعبة مولى ابن عباس، فقال أحمد: "ما أرى به بأسًا"، وكذا قال ابن معين، وقال البخاري: "يتكلم فيه مالك، ويحتمل منه".
قال ابن حجر: "قال أبو الحسن ابن القطان الفاسي: قوله "ويحتمل منه" يعني من شعبة، وليس هو ممن يترك حديثه، قال: ومالك لم يضعفه، وإنما شَحَّ عليه بلفظة ثقة - قلت: هذا التأويل غير شائع بل لفظة "ليس بثقة" في الاصطلاح توجب الضعف الشديد ..
وكلمة "ليس بثقة" حقيقتها اللغوية نفي أن يكون بحيث يقال له "ثقة"، ولا مانع من استعمالها بهذا المعنى، وقد ذكرها الخطيب في "الكفاية" في أمثلة الجرح غير المفسر.
واقتصار مالك في رواية يحيى القطان على قوله: "لم يكن من القراء" يشعر بأنه أراد هذا المعنى.
نعم إذا قيل: "ليس بثقة ولا مأمون" تَعَيَّنَ الجرحُ الشديد، وإن اقتصر على "ليس بثقة" فالمتبادرُ جرحٌ شديدٌ، ولكن إذا كان هناك ما يُشعر بأنها استعملت في المعنى الآخر حُملت عليه وهكذا كلمة "ثقة" معناها المعروف: التوثيق التام، فلا تُصرف عنه إلا بدليل، إما قرينة لفظية؛ كقول يعقوب: "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق"
стр. 2136
وبقية الأمثلة السابقة، وإما حالية منقولة، أو مستدل عليها بكلمة أخرى عن قائلها، كما مر في الأمر السابع عن "لسان الميزان" أو عن غيره، ولا سيما إذا كانوا هم الأكثر.
فتدبر ما تقدم، وقابِلْه بما قاله الكوثري في "الترحيب" (ص ١٥)، قال:
"وكم من راوٍ يُوثَّقْ ولا يُحتج به، كما في كلام يعقوب الفَسَوي، بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعد ثقة، كما قال ابن مهدي: أبو خلدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة".
وعلى الأستاذ مؤاخذات:
...
الثالثة: أن كلمة ابن مهدي تعطي بظاهرها أن كلمة "ثقة" إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان، ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يُحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير، فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلا ضابطًا تقوم الحجة بروايته، فلا يقال له: "ثقة"، بل يقال: "صدوق" ونحوها.
الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين:
الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط، وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير.
الثاني: أن "أبا خلدة" قد قال فيه يزيد بن زريع، والنسائي، وابن سعد، والعجلي، والدارقطني: "ثقة"، وقال ابن عبد البر: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ.
وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث، فقال: "حدثنا أبو خلدة"، فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مَرَّ.
стр. 2137
فيظهر لي أن السائل فَخَّمَ كلمةَ "ثقة"، ورفع يده, وشدَّها بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك، فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات، وذلك لا ينفي أن يُقال فيمن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف، وهذا بحمد الله تعالى ظاهر، وإن لم أر من نبَّه عليه.
وقريبٌ منه أن المروذي قال: "قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان" وقد وثق أحمد مئات من الرواة يُعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير.
الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة "ثقة" كما قدمتُ أنا أمْثِلتَهُ، لا يُسَوِّغُ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل". اهـ.
* * *
стр. 2138
المسألة الرابعة
البحث في مظنات دخول الخلل على الجرح أو التعديل
نماذج من هذا الخلل:
١ - اشتباه الأسماء ووقوع الخطأ فيمن قيل فيه ذاك القول:
قال المعلمي ﵀:
"إذا وجد ترجمةً بمثلِ ذاك الاسم، فليتثبت، حتى يتحققَ أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل؛ فإن الأسماء كثيرًا ما تشتبه، ويقع الغلط والمغالطة فيها (١) ...
(و) ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة؛ فإن الأسماء تتشابه، وقد يقول المحدث كلمة في راوٍ، فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك، وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه، ويخطىء بعض من بعده فيحملها على آخر ... ".
٢ - نقل أقوال الجرح والتعديل بتصرفٍ يُخِلُّ بالمعنى لا سيما عند النقل بواسطة:
وقال ﵀:
" (و) إذا رأى في الترجمة: "وثقه فلان" أو "ضعفه فلان" أو "كذبه فلان"، فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: "هو ثقة" أو "هو ضعيف" أو "هو كذاب" ...
(و) أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره، وربما يخل ذلك بالمعنى، فينبغي أن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافًا، بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها".
стр. 2139
المسألة الخامسة
اختبار الواقع العملي لحال الراوي، كاستقامة مروياته، ومدي حظوته بقبول معاصريه من المحدثين وأهل العلم؛ لتوجيه بعض ما يَحتاج إلى توجيه مما قيل فيه من جرح
• في ترجمة: إبراهيم بن سعيد الجوهري من "الطليعة" (ص ٤٥) و"التنكيل" (٥): قال الشيخ المعلمي:
"إبراهيم بن سعيد الجوهري، هو من شيوخ مسلم في (صحيحه) ومن كبار الحفاظ، قال فيه أحمد بن حنبل: "كثير الكتاب، كتب فأكثر" وقال الكوثري نفسه ص ١٥١: "كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم".
وكان من عادةِ المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ؛ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخٍ، قد سمع منه ما لم يسمعه مِنْ قَبل، فيتفق أن يشرعَ الشيخُ يحدثُ بجزءٍ، قد كان ذاك المكثر سمعه منه قيل ذلك، فلا يعتني باستماعه ثانيًا أو ثالثًا؛ لأنه يرى ذلك تحصيلَ حاصلٍ، فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعة من هذا القبيل.
فحكى عبد الرحمن بن خراش قال: سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم، وأبو نعيم يقرأ، وهو نائم - وكان الحجاج يقع فيه.
.. فعبارةُ حجاجٍ تحتمل ما قدمنا، ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديثَ، يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائما.
стр. 2140
وكلمة حجاج لا تقتضي إلا مرة واحدة، وأما قول ابن خراش: "وكان حجاج يقع فيه" فإن عَني تلك الكلمة، بان حالُها، وإن عناها وغيرَها، فالوقيعة في الإنسان معناها مطلقُ الذمِّ، كأن يكون قال مرة تلك الكلمة، وقال مرة: لم يكن بالذكي، وقال أخرى: مغرمٌ بالكتابة عن كُلِّ أحدٍ لِيُقالَ: مكثر، ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحا". اهـ.
• وفي ترجمة حاجب بن أحمد الطوسي من "التنكيل" (٦٧):
(قال مسعود بن علي السجزي: سألت الحاكم عنه فقال) (١): "لم يسمع حديثا قط , لكنه كان له عمٌّ قد سمع، فجاء البَلاذُري إليه فقال: هل كنت تحضر مع عمك في المجلس؟ قال: بلى، فانتخب له من كتب عمِّهِ تلك الأجزاء الخمسة.
وقال الحاكم في (تاريخه): بلغني أن شيخنا أبا محمد البلاذري كان يشهد له بِلُقِيّ هؤلاء، وكان يزعم أنه ابن مائة وثماني سنين، سمعت منه ولم يصل إلي ما سمعت منه ... ".
قال الشيخ المعلمي:
"فظهر بهذا أن قوله أولًا: "لم يسمع حديثا قط" إنما أراد به أنه لم يتصد للسماع بنفسه , وإنما كان عمُّه يُحضره معه مجالس السماع (٢)، والبَلاذُرى حافظٌ أثنى عليه الحاكم، انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (ج ٣ ص: ١٠١)، ولم يغمزوا حاجبًا في عدالته، ولا أنكروا عليه شيئًا من مروياته، ويؤخذ مما تقدم أنه إنما كان يروي تلك الأجزاء التي انتخبها له البلاذري من أصول عمِّهِ لم يتعدها، وأحاديثه في (سنن البيهقي) أحاديث معروفة تدل على صدقه وأمانته، وقد روى عنه ابن منده , والقاضي أحمد