← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وبقية الأمثلة السابقة، وإما حالية منقولة، أو مستدل عليها بكلمة أخرى عن قائلها، كما مر في الأمر السابع عن "لسان الميزان" أو عن غيره، ولا سيما إذا كانوا هم الأكثر. فتدبر ما تقدم، وقابِلْه بما قاله الكوثري في "الترحيب" (ص ١٥)، قال: "وكم من راوٍ يُوثَّقْ ولا يُحتج به، كما في كلام يعقوب الفَسَوي، بل كم ممن يوصف بأنه صدوق ولا يعد ثقة، كما قال ابن مهدي: أبو خلدة صدوق مأمون، الثقة سفيان وشعبة". وعلى الأستاذ مؤاخذات: ... الثالثة: أن كلمة ابن مهدي تعطي بظاهرها أن كلمة "ثقة" إنما تطلق على أعلى الدرجات كشعبة وسفيان، ومع العلم بأن ابن مهدي وجميع الأئمة يحتجون برواية عدد لا يُحصون ممن هم دون شعبة وسفيان بكثير، فكلمته تلك تعطي بظاهرها أن من كان دون شعبة وسفيان فإنه وإن كان عدلا ضابطًا تقوم الحجة بروايته، فلا يقال له: "ثقة"، بل يقال: "صدوق" ونحوها. الرابعة: أن كلمة ابن مهدي بظاهرها منتقدة من وجهين: الأول: أنه وكافة الأئمة قبله وبعده يطلقون كلمة "ثقة" على العدل الضابط، وإن كان دون شعبة وسفيان بكثير. الثاني: أن "أبا خلدة" قد قال فيه يزيد بن زريع، والنسائي، وابن سعد، والعجلي، والدارقطني: "ثقة"، وقال ابن عبد البر: "هو ثقة عند جميعهم، وكلام ابن مهدي لا معنى له في اختيار الألفاظ. وأصل القصة أن ابن مهدي كان يحدث، فقال: "حدثنا أبو خلدة"، فقال له رجل: "كان ثقة؟ " فأجاب ابن مهدي بما مَرَّ.

стр. 2137

فيظهر لي أن السائل فَخَّمَ كلمةَ "ثقة"، ورفع يده, وشدَّها بحيث فهم ابن مهدي أنه يريد أعلى الدرجات، فأجابه بحسب ذلك، فقوله: "الثقة شعبة وسفيان" أراد به الثقة الكامل الذي هو أعلى الدرجات، وذلك لا ينفي أن يُقال فيمن دون شعبة وسفيان: "ثقة" على المعنى المعروف، وهذا بحمد الله تعالى ظاهر، وإن لم أر من نبَّه عليه. وقريبٌ منه أن المروذي قال: "قلت لأحمد بن حنبل: عبد الوهاب بن عطاء ثقة؟ فقال: ما تقول؟ إنما الثقة يحيى القطان" وقد وثق أحمد مئات من الرواة يُعلم أنهم دون يحيى القطان بكثير. الخامسة: أن قيام الدليل على إطلاق بعضهم في بعض المواضع كلمة "ثقة" كما قدمتُ أنا أمْثِلتَهُ، لا يُسَوِّغُ أن تحمل على ذلك المعنى حيث لا دليل". اهـ. * * *

стр. 2138

المسألة الرابعة البحث في مظنات دخول الخلل على الجرح أو التعديل نماذج من هذا الخلل: ١ - اشتباه الأسماء ووقوع الخطأ فيمن قيل فيه ذاك القول: قال المعلمي ﵀: "إذا وجد ترجمةً بمثلِ ذاك الاسم، فليتثبت، حتى يتحققَ أن تلك الترجمة هي لذاك الرجل؛ فإن الأسماء كثيرًا ما تشتبه، ويقع الغلط والمغالطة فيها (١) ... (و) ليستثبت أن تلك الكلمة قيلت في صاحب الترجمة؛ فإن الأسماء تتشابه، وقد يقول المحدث كلمة في راوٍ، فيظنها السامع في آخر، ويحكيها كذلك، وقد يحكيها السامع فيمن قيلت فيه، ويخطىء بعض من بعده فيحملها على آخر ... ". ٢ - نقل أقوال الجرح والتعديل بتصرفٍ يُخِلُّ بالمعنى لا سيما عند النقل بواسطة: وقال ﵀: " (و) إذا رأى في الترجمة: "وثقه فلان" أو "ضعفه فلان" أو "كذبه فلان"، فليبحث عن عبارة فلان، فقد لا يكون قال: "هو ثقة" أو "هو ضعيف" أو "هو كذاب" ... (و) أصحاب الكتب كثيرًا ما يتصرفون في عبارات الأئمة بقصد الاختصار أو غيره، وربما يخل ذلك بالمعنى، فينبغي أن يراجع عدة كتب، فإذا وجد اختلافًا، بحث عن العبارة الأصلية ليبني عليها".

стр. 2139

المسألة الخامسة اختبار الواقع العملي لحال الراوي، كاستقامة مروياته، ومدي حظوته بقبول معاصريه من المحدثين وأهل العلم؛ لتوجيه بعض ما يَحتاج إلى توجيه مما قيل فيه من جرح • في ترجمة: إبراهيم بن سعيد الجوهري من "الطليعة" (ص ٤٥) و"التنكيل" (٥): قال الشيخ المعلمي: "إبراهيم بن سعيد الجوهري، هو من شيوخ مسلم في (صحيحه) ومن كبار الحفاظ، قال فيه أحمد بن حنبل: "كثير الكتاب، كتب فأكثر" وقال الكوثري نفسه ص ١٥١: "كان إبراهيم بن سعيد الجوهري يقول: كل حديث لم يكن عندي من مائة وجه فأنا فيه يتيم". وكان من عادةِ المكثرين أن يترددوا إلى كبار الشيوخ؛ ليسمعوا منهم، فربما جاء أحدهم إلى شيخٍ، قد سمع منه ما لم يسمعه مِنْ قَبل، فيتفق أن يشرعَ الشيخُ يحدثُ بجزءٍ، قد كان ذاك المكثر سمعه منه قيل ذلك، فلا يعتني باستماعه ثانيًا أو ثالثًا؛ لأنه يرى ذلك تحصيلَ حاصلٍ، فكأنه اتفق لإبراهيم هذا واقعة من هذا القبيل. فحكى عبد الرحمن بن خراش قال: سمعت حجاج بن الشاعر يقول: رأيت إبراهيم بن سعيد عند أبي نعيم، وأبو نعيم يقرأ، وهو نائم - وكان الحجاج يقع فيه. .. فعبارةُ حجاجٍ تحتمل ما قدمنا، ليس فيها ما يدل على أن إبراهيم صار بعد ذلك المجلس يروي عن أبي نعيم أحاديثَ، يزعم أنه تلقاها في ذاك الوقت الذي كان إبراهيم فيه نائما.

стр. 2140

وكلمة حجاج لا تقتضي إلا مرة واحدة، وأما قول ابن خراش: "وكان حجاج يقع فيه" فإن عَني تلك الكلمة، بان حالُها، وإن عناها وغيرَها، فالوقيعة في الإنسان معناها مطلقُ الذمِّ، كأن يكون قال مرة تلك الكلمة، وقال مرة: لم يكن بالذكي، وقال أخرى: مغرمٌ بالكتابة عن كُلِّ أحدٍ لِيُقالَ: مكثر، ونحو ذلك من الكلمات التي لا توجب جرحا". اهـ. • وفي ترجمة حاجب بن أحمد الطوسي من "التنكيل" (٦٧): (قال مسعود بن علي السجزي: سألت الحاكم عنه فقال) (١): "لم يسمع حديثا قط , لكنه كان له عمٌّ قد سمع، فجاء البَلاذُري إليه فقال: هل كنت تحضر مع عمك في المجلس؟ قال: بلى، فانتخب له من كتب عمِّهِ تلك الأجزاء الخمسة. وقال الحاكم في (تاريخه): بلغني أن شيخنا أبا محمد البلاذري كان يشهد له بِلُقِيّ هؤلاء، وكان يزعم أنه ابن مائة وثماني سنين، سمعت منه ولم يصل إلي ما سمعت منه ... ". قال الشيخ المعلمي: "فظهر بهذا أن قوله أولًا: "لم يسمع حديثا قط" إنما أراد به أنه لم يتصد للسماع بنفسه , وإنما كان عمُّه يُحضره معه مجالس السماع (٢)، والبَلاذُرى حافظٌ أثنى عليه الحاكم، انظر ترجمته في "تذكرة الحفاظ" (ج ٣ ص: ١٠١)، ولم يغمزوا حاجبًا في عدالته، ولا أنكروا عليه شيئًا من مروياته، ويؤخذ مما تقدم أنه إنما كان يروي تلك الأجزاء التي انتخبها له البلاذري من أصول عمِّهِ لم يتعدها، وأحاديثه في (سنن البيهقي) أحاديث معروفة تدل على صدقه وأمانته، وقد روى عنه ابن منده , والقاضي أحمد

стр. 2141

ابن الحسن الحرشي، وهما من الثقات الأثبات ... " (١). • وفي ترجمة: عبد الواحد بن علي بن برهان العكبري من "التنكيل" (١٤٩): قال ابن الجوزي في ترجمة أبي الحسن التميمي عبد العزيز بن الحارث: "العكبري لم يكن من أهل الحديث والعلم، إنما كان يعرف شيئًا من الحديث ... وكان معتزليًا يقول: إن الكفار لا يخلدون في النار ... فمن كان اعتقاده يخالف إجماع المسلمين فهو خارج عن الإسلام، فكيف يُقبل جرحه؟. وقال محمد بن عبد الملك الهمذاني: كان ابن برهان يميل إلى المرد ويقبلهم". وقال في ترجمة عبد الواحد من "المنتظم" (ج ٨ ص ٢٣٦): " ... وذكر محمد بن عبد الملك: كان ابن برهان يميل إلى المرد الصباح، ويُقَبِّلُهُم من غير ريبة. وقوله: من غير ريبة، أقبح من التقبيل، لأن النظر إليهم ممنوع منه إذا كان بشهوة، فهل يكون التقبيل بغير شهوة". وفي "لسان الميزان" (٤/ ٨٢): " ... وقد بالغ محمد بن عبد الملك الهمذاني في "تاريخه" فقال: كان يمشي مكشوف الرأس، وكان يميل إلى المردان من غير ريبة، ووقف مرة على مكتب عند خروجهم، فاستدعى واحدًا واحدًا فيقبله ويدعو له ويسبح الله، فرآه ابن الصباغ، فدَسَّ له واحدًا قبيح الوجه فأعرض عنه, وقال: يا أبا نصر، لو غيرك فعل بنا".

стр. 2142

وفي ترجمة عبد الواحد من "تاريخ بغداد" (١١/ ١٧): "كان يُذكر أنه سمع من أبي عبد الله ابن بطة وغيره، إلا أنه لم يرو شيئًا، وكان مضطلعًا بعلوم كثيرة، منها: النحو، واللغة، ومعرفة النسب، والحفظ لأيام العرب، وأخبار المتقدمين، وله إنس شديد بعلم الحديث". فقال الشيخ المعلمي: "فقد كان ابن برهان على بدعته من أهل العلم والزهد والمنزلة بين العلماء, ومحمد ابن عبد الملك الهمذاني لا أعرف ما حاله؟ وقد ذكر ابن حجر أنه بالَغَ. وقد تصرف ابن الجوزي في عبارة الهمذاني؛ ففي موضعٍ زاد فيها: "ويقبلهم"، وحذف: "من غير ريبة"، وفي موضعٍ زاد: "الصباح فيقبلهم"، وإنما أخذ الصباحة والتقبيل من قصة المكتب. وقد كان ببغداد في ذاك العصر عددٌ كثيرٌ من مشاهير العلماء، ما منهم إلا من يُخالفُ عبدَ الواحد في العقيدة والمذهب أو أحدهما. وكان عبدُ الواحد على غاية الصيانة؛ ذكروا أنه: "لما ورد الوزيرُ عميدُ الدين إلى بغداد، استحضره، فأعجبه كلامه، فعرض عليه مالًا، فلم يقبله، فأعطاه مصحفًا بخَطِّ ابنِ البواب وعكازةً حُملت إليه من الروم مليحة، فأخذهما، فقال له أبو علي ابن الوليد المتكلِّم: أنت تحفظ القرآن وبيدك عصا تتوكأ عليها، فلم تأخذ شيئًا فيه شبهة؟ فنهضَ ابنُ برهان في الحال إلى قاضي القضاة ابن الدامغاني، وقال له: لقد كدتُ أهلكُ، حتى نبهني أبو علي بن الوليد، وهو أصغر سنًا مني، وأريد أن تعيد هذه العكازة والمصحف على عميد الدين فما يصحباني، فأخذهما وأعادهما عليه". أفما كان في ذاك الجمِّ الغفيرِ من أهل العلم مَنْ يُنكرُ على ابن برهان ما نَسبه ابنُ الجوزي إليه؟!

стр. 2143

وما كان فيهم من يَعيبه بذلك على الأقل؟ مع مخالفتهم له كما سلف، فما بالنا لا نعرف عنهم كلمة واحدة في ذلك إلا تلك الشاذة من ذاك الهمذاني؟ وليس المقصودُ رَدَّ كلمةِ الهمذاني، وإنما المقصودُ تجريدُها عما فيها من المبالغة التي أشار إليها ابن حجر ... ". اهـ. • وفي ترجمة: أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك أبي بكر القطيعي منه (١٢): قال الكوثري: "مختلط فاحش الاختلاط .... ". فقال الشيخ المعلمي: "قضية الاختلاط ذكرها الخطيب في (التاريخ) ج ٤ ص ٧٣، قال: "حُدِّثْتُ عن أبي الحسن ابن الفرات .... ، وذكرها الذهبي في (الميزان) عن ابن الصلاح قال: "اختل في آخر عمره حتى كان لا يعرف شيئا مما يُقرأ عليه , ذكر هذا أبو الحسن ابن الفرات". والظاهر أن ابن الصلاح إنما اخذ ذلك مما ذكره الخطيب، ولا ندري مَن حدث الخطيب، ومع الجهالة به لا تثبت القصة، لكن ابن حجر شدها بأن الخطيب حكى في ترجمة أحمد بن أحمد السيبِي أنه قال: "قدمت بغداد وأبو بكر بن مالك حي .... فقال لنا ابن الفرضي: لا تذهبوا إلى ابن مالك، فإنه قد ضعف واختل ومنعت ابني السماع منه". وهذه الحكاية في (التاريخ) ج ٤ ص ٤، لكن ليس فيها ما في تلك المنقطعة مما يقتضي فحش الاختلاط. وقد قال الذهبي في (الميزان) بعد ذكر الحكاية الأولى: "فهذا القول غلو وإسراف". أقول: ويدل على أنه غلو وإسراف أن المشاهير من أئمة النقد في ذلك العصر كالدارقطني والحاكم والبرقاني لم يذكروا اختلاطًا ولا تغيرًا.

стр. 2144

وقد غمزه بعضهم بشيء آخر قال الخطيب: "كان بعض كتبه غرق، فاستحدث نسخها من كتابٍ لم يكن فيه سماعه، فغمزه الناس، إلا أنا لم نر أحدًا امتنع من الرواية عنه ولا ترك الاحتجاج به، وقد روى عنه من المتقدمين: الدارقطني وابن شاهين .... سمعت أبا بكر البرقاني سئل عن ابن مالك، فقال: كان شيخًا صالحًا .... ثم غرقت قطعة من كتبه بعد ذلك، فنسخها من كتابٍ ذكروا أنه لم يكن سماعه فيه، فغمزوه لأجل ذلك، وإلا فهو ثقة". قال الخطيب: "وحدثني البرقاني قال؛ كنت شديد التنقير عن حال ابن مالك، حتى ثبت عندي أنه صدوق لا يُشك في سماعه، وإنما كان فيه بُلْه، فلما غرقت "القطيعة" بالماء الأسود، غرق شيء من كتبه، فنسخ بدل ما غرق من كتابٍ لم يكن فيه سماعه". أقول؛ أجاب ابن الجوزي في (المنتظم) ج ٧ ص ٩٣ عن هذا بقوله: "مثل هذا لا يطعن به عليه؛ لأنه يجوز أن تكون الكتب قد قُرأت عليه، وعُورض بها أصلُه، وقد رَوى عنه الأئمة، كالدارقطني وابن شاهين والبرقاني وأبي نعيم والحاكم". أقول: وقال الحاكم "ثقة مأمون"، ... والذين ذكروا الاستنساخ لم يذكروا أنه رَوى مما استنسخه، ولو علموا ذلك لذكروه؛ لأنه أَبْيَنُ في التليين، وأبلغ في التحذير، وليس من لازم الاستنساخ أن يروي عما استنسخه، ولا أن يعزم على ذلك، وكأنهم إنما ذكروا ذلك في حياته لاحتمال أن يروي بعد ذلك عما استنسخه، وقد قال الخطيب في (الكفاية) ص ١٠٩: "ومذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره وإن لم يكن الذي سمعه موجبًا لرد الحديث ولا مسقطًا للعدالة، ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى رجاء إن كان الراوي حيًا أن يحمله على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتًا أن ينزله من ثقل عنه منزلته، فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز. ومنهم

стр. 2145

من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه الذي لا يوجب إسقاط العدالة بانفراده حتى ينظر هل من أخوات ونظائر ... ". فلما ذكروا في حياة القطيعي أنه تغير، وأنه استنسخ من كتاب ليس عليه سماعه، كان هذا على وجه الاحتياط، ثم لما لم يذكروا في حياته ولا بعد موته أنه حدَّث بعد تغير شديد، أو حدَّث مما استنسخه من كتابٍ ليس عليه سماعه، ولا استنكروا له روايةً واحدةً، وأجمعوا على الاحتجاج به كما تقدم، تبين بيانًا واضحًا أنه لم يكن منه ما يخدش في الاحتجاج به. هذا وكتب الإمام أحمد كـ "المسند" و"الزهد" كانت نُسَخُها مشهورة متداولة، قد رواها غير القطيعي، وإنما اعتنوا بالقطيعي واشتهرت رواية الكتب من طريقه لعلو السند، ويأتي لهذا مزيد في ترجمة الحسن بن علي بن المذهب، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات". اهـ. • وفي ترجمة: محمد بن العباس بن حيويه أبي عمر الخزاز من "التنكيل" (٢٠٨): قال الأزهري: "كان أبو عمر بن حيويه مكثرا، وكان فيه تسامح، لربما أراد أن يقرأ شيئا ولا يقرب أصله منه, فيقرؤه من كتاب أبي الحسن ابن الرزاز؛ لثقته بذلك الكتاب، وإن لم يكن فيه سماعه، وكان مع ذلك ثقة". فقال الشيخ المعلمي: ... في عبارة الأزهري: "لثقته بذلك الكتاب"، وابن حيويه يصفه الأزهري في العبارة نفسها بأنه: "ثقة"، ويصفه العتيقي بأنه: "كان ثقة صالحا دينا"، وبأنه: "كان ثقة متيقظا"، ويصفه البرقاني بأنه: "ثقة ثبت حجة". ... وإطلاق البرقاني مع إمامته وجلالته, والعتيقي مع ثقته وتيقظه ذاك الثناء البالغ على ابن حيويه, يدل على أنه لم يكن منه تساهل يخدش فيما أثنيا عليه به.

стр. 2146

والأزهري وإن ذكر التساهل، فقد عقبه بقوله: "وكان مع ذلك ثقة"، فهذا يقضي أنه إن ساغ أن يسمي ما وقع منه تساهلا، فهو تساهل عرفي، لا يخدش في الثقة والتيقظ والحجة ... ".اهـ. • وفي ترجمة: أحمد بن محمد بن يوسف بن محمد بن دوست العلاف أبي عبد الله البزاز من "تاريخ بغداد" (٤/ ١٢٥): "سمعت أبا القاسم الأزهري يقول: ابن دوست ضعيف؛ رأيت كتبه كلها طرية، وكان يُذكر أن أصوله العتق غرقت، فاستدرك نَسْخَها. سألتُ أبا بكر البرقاني عن ابن دوست، فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه, وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويتربها؛ ليظن أنها عتق" فقال الشيخ المعملي في ترجمة ابن دوست من "التنكيل" (٣٧): "التضعيفُ مفسَّرٌ بما بعده، واعلم أن المتقدمين كان يعتمدون على الحفظ، فكان النقاد يعتمدون في النقد عدالةَ الراوي واستقامةَ حديثه، فمن ظهرت عدالته، وكان حديثه مستقيمًا، وثقوه. ثم صاروا يعتمدون الكتابةَ عند السماع، فكان النقاد إذا استنكروا شيئًا من حديث الراوي، طالبوه بالأصل. ثم بالغوا في الاعتماد على الكتابة وتقييد السماع، فشدَّدَ النقادُ, فكان أكثرهم لا يسمعون من الشيخ حتى يشاهدوا أصله القديم، الموثوق به، المقيد سماعه فيه. فإذا لم يكن للشيخ أصلٌ، لم يعتمدوا عليه، وربما صرح بعضهم بتضعيفه، فإذا ادَّعَى السماعَ ممن يستبعدون سماعَهُ منه، كان الأمرُ أشدَّ. ولا ريب أن في هذا الحالة الثالثة احتياطًا بالغا، ولكن إذا عُرفت عدالةُ الرجل وضبطُه وصدقُه في كلامه، وادَّعى سماعا محتملا ممكنا، ولم يُبرز به أصلًا، واعتذر بعذرٍ محتملٍ قريبٍ، ولم يأت بما يُنكر، فبأي حجة يُرد خبره؟

стр. 2147

وأما قضية التتريب، فهي في عبارة للبرقاني، قال الخطيب: "سألت أبا بكر البرقاني عن ابن دوست؟ فقال: كان يسرد الحديث من حفظه، وتكلموا فيه، وقيل: إنه كان يكتب الأجزاء، ويتربها؛ لِيُظَنَّ أنها عتق". فقوله: "قيل ... " لا يُدرى من القائل؟ وعلى فرض صحة ذلك فهو تدليس خفيف، أراد به دفعَ تعنت بعض الطلبة، وكان إذا سُئل يبين الواقع كما في بقية عبارة الأزهري، وأما قول البرقاني: "تكلموا فيه"، وما في الترجمة أن الدارقطني تكلم فيه، فمحمول على ما صرحوا به مِمَّا مَرَّ، ومَرَّ ما فيه. وبعد، فقد وصفوا ابنَ دوست بالحفظ والمعرفة, قال الخطيب: "كان مكثرًا من الحديث، عارفًا به، حافظًا له، مكث مُدَّةً يُملي في جامع المنصور بعد وفاة أبي طاهر المخلص، ثم انقطع عن الخروج، ولزم بيته، كتب عنه الحسن بن محمد الخلال، وحمزة بن محمد بن طاهر الدقاق، وأبو القاسم الأزهري، وهبة الله بن الحسن الطبري، وعامة أصحابنا، وسمعت منه جزءًا واحدا. ولم يغمزوه في دينه بشيء، ولا استنكروا له حديثًا واحدًا، فلا أرى أمره إلا قويًا، والله أعلم". اهـ. • وفي ترجمة: الحجاج بن محمد الأعور من "التنكيل" (٧١): قال الشيخ المعلمي: "مدار الكلام فيه على الاختلاط والتلقن، وهاهنا مباحث: الأول: هل اختلط حجاج؟ وإن كان اختلط فهل حدث بعد اختلاطه؟ قال ابن سعد: "كان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد". وقال إبراهيم الحربي: أخبرني صديق لي قال: لما قدم حجاج الأعور آخر قدمة إلى بغداد، خَلَّطَ، فرأيت يحيى بن معين عنده، فرآه يحيى خَلَّطَ، فقال لابنه: لا تُدخل عليه أحدًا، قال:

стр. 2148

فلما كان بالعشي دخل الناس، فأعطوه كتاب شعبة، فقال: حدثنا شعبة عن عمرو ابن مرة، عن عيسى بن مريم، عن خيثمة! فقال يحيى لابنه: قد قلتُ لك". فكلمةُ ابنِ سعد ليست بصريحة في الاختلاط؛ لأن التغيير أعمُّ من الاختلاط، وحكاية إبراهيم الحربي صريحة في الاختلاط، لكن لا ندري من هو صديقه؟ وسكوت الحفاظ الأيقاظ، كابن معين وأحمد وأبي خيثمة -وكلهم بغداديون- عن نقل اختلاط حجاج، وبيان تاريخه، وبيان من سمع منه فيه، مع إطلاقهم توثيق حجاج، وتوثيق كثيرين ممن روى عن حجاج، يدل حتمًا على أحد أمرين: إما أن لا يكون حجاج اختلط, وإنما تغير تغيرًا يسيرًا لا يضر. وإما أن لا يكون سمع منه أحد في مدة اختلاطه. والثاني أقرب؛ فكأن يحيى بن معين ذهب إلى حجاج عقب قدومه، فأحَسَّ بتغيره, فقال لابنه: لا تدخل عليه أحدا، ثم عاد يحيى عشي ذاك اليوم في الوقت الذي جرت العادة بالدخول فيه على القادم للسماع منه خشية أن لا يعمل ابن حجاج بما أمره به، فوجد الأمر كذلك: أَذِنَ لهم الابن، فدخلوا، ويحيى معهم، فسكت أولًا، فلما أخذ حجاج الكتاب فخلط، قال يحيى للابن: ألم أقل لك؟ فكأنهم قطعوا المجلس وحجبوا حجاجًا حتى مات فلم يسمع منه أحد في الاختلاط. فلما وثق يحيى وبقية أهل العلم بذلك، لم يروا ضرورةً إلى أن يُشيعوا اختلاط حجاج وبيان تاريخه، بل كانوا يوثقونه ويوثقون كثيرًا من الذين سمعوا منه مطلقًا، لعلمهم أن ما بأيدي الناس من روايته كله كان في حال تمام ضبطه. وفي ترجمة حجاج من "مقدمة الفتح": "أجمعوا على توثيقه, وذكره أبو العرب الصقلي في "الضعفاء" بسبب أنه تغير في آخر عمره واختلط، لكن ما ضره الاختلاط؛ فإن إبراهيم الحربي حكى أن يحيى بن معين منع ابنه أن يدخل عليه بعد اختلاطه أحدًا". اهـ.

стр. 2149

• وقال الشيخ المعلمي في ترجمة: عبد الله بن سليمان بن الأشعث أبي بكر بن أبي داود السجستاني من "التنكيل" (١٢٣) بعد أن ذكر أشياء مما يُطعن بها عليه، بعضها لا يثبت في حقه، وبعضها لا يقدح فيه، وبعضها رجع وتاب عنه: "وبعد، فقد أطبق أهل العلم على السماع من ابن أبي داود، وتوثيقه، والاحتجاج به، فروى عنه الحاكم أبو أحمد والدارقطني وابن المظفر وابن شاهين وعبد الباقي بن قانع حافظ الحنفية وأبو بكر بن مجاهد المقري، وخلق لا يحصون. وتقدم قول أبي الفضل صالح بن أحمد التميمي الهمذاني الحافظ فيه: "إمام العراق وعلم العلم في الأمصار ... ". وتقدم أيضًا ثناء أبي الشيخ وأبي نعيم، وذكر السلمي أنه سأل الدارقطني عنه، فقال: "ثقة، إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث". وقال الخليلي: "حافظٌ، إمام وقته, عالمٌ, متفق عليه واحتج به من صنف الصحيح: أبو علي النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني. وكان يقال: أئمة ثلاثة في زمن واحد: ابن أبي داود وابن خزيمة وابن أبي حاتم". اهـ. • وفي ترجمة: أحمد بن سلمان النجاد منه (١٩): قال الشيخ المعلمي بعد توجيهه لقول الدارقطني: "حدَّث من كتاب غيره بما لم يكن في أصوله". "قال الخطيب: "كان صدوقًا عارفًا، صنف كتابا كبيرًا في السنن، وكان له بجامع المنصور حلقة قيل الجمعة للفتوى، وحلقة بعدها للإملاء" هكذا في "تذكرة الحفاظ" (ج ٣ ص ٨٠)، وقال الذهبي أول الترجمة: "النجاد الأمام الحافظ الفقيه شيخ العلماء ببغداد". وقد روى عنه الأئمة كالدارقطني وابن شاهين والحاكم -وأكثر عنه في المستدرك- وابن منده وابن مردوية وغيرهم، ولم يُنْكَرْ عليه حديثٌ واحدٌ.

стр. 2150

الثقةُ تثبتُ بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته، لم يُقبل فيه الجرح إلا ببينة واضحة، لا احتمال فيها، كما تقدم في القواعد. والله الموفق". اهـ. • وفي ترجمة: الوضاح بن عبد الله أبي عوانة اليشكري من "الطليعة" (ص ٧٠): قال الكوثري (ص ٩٢): " ... وما رواه في ست سنوات في آخر عمره، لا يعتد به لاختلاطه". فقال الشيخ المعلمي: "فتشت المظان، فلم أر أحدًا زعم أن أبا عوانة اختلط، وكأن الكوثري تشبث بما في (تاريخ بغداد) ١٣: ٤٦٥: " ... محمد بن غالب حدثنا أبو سلمة قال: قال لي أبو هشام المخزومي: من لم يكتب عن أبي عوانة قيل سنة سبعين ومائة فإنه لم يسمع منه" ثم عقب ذلك بذكر وفاة أبي عوانة سنة ١٧٥، أو سنة ١٧٦، وحمل الكوثري قوله "فلم يسمع منه" على المجاز، أي فلم يسمع منه سماعًا يعتد به، ثم تخرص أن ذلك لأجل اختلاطه. ويدفع هذا أن مثل أبي عوانة في إمامته وجلالته وكثرة حديثه وكثرة الآخذين عنه لو اختلط لاشتهر بذلك وانتشر، فكيف لو دام ذلك سنوات؟ وقد اعتنى الأئمة بجمع أسماء الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عوانة، واعتنى المؤلفون في الضعفاء بذكر الذين اختلطوا، فلم يذكروا أبا عوانة، ومن ذكره منهم لم يذكر أنه اختلط، وإنما ذكر أنه كان إذا حدث من حفظه يغلط، ومع ذلك فهذه الرواية لا وجود لها في (تهذيب التهذيب) مع حرصه على ذكر كل ما فيه مدح أو قدح، وظهر من ذلك أنها ليست في أصوله (١)، والذي يظهر أنهم حملوها على أن المقصود بها بيان

стр. 2151

تاريخ الوفاة (١) لأن الخطيب عقبها بما هو صريح في ذلك، فإما أن يكونوا أعرضوا عنها لشذوذها وإجمالها، وإما أن يكون وقع في نسخة التاريخ المطبوع سقط والأصل: قيل سنة (ست) وسبعين، فرأوا أن مع إجمالها محتملة للوجهين المصرح بهما، فإن كان ولا بد فقد يكون المراد بها معنى ما رُوي عن الإمام أحمد أن أبا عوانة كان في آخر عمره يقرأ من كتب الناس، يعني اعتمادًا على حفظه، مع قول أحمد: "إذا حدث أبو عوانة من كتابه فهو أثبت، وإذا حدث من غير كتابه ربما وهم"، فيكون أبو هشام بالغ في قوله "فلم يسمع منه". فأما الاختلاط فلا وجه له البتة". اهـ. * * *

стр. 2152

المطلب الرابع مسائل وفوائد مستخرجة ومستنبطة من سائر كلام المعلمي ١ - خطورة الكذب في روايات الجرح والتعديل: • قال الشيخ المعلمي في القاعدة الأولى من "التنكيل" (١/ ٣٤): "فأما الكذب في رواية ما يتعلق بالدين -ولو غير الحديث- فلا خفاء في سقوط صاحبه، فإن الكذب في رواية أثر عن صحابي قد يترتب عليه أن يَحتجَّ بذلك الأثر مَن يرى قولَ الصحابي حُجة، ويحتج هو وغيره به على أن مثل ذلك القول ليس خرقًا للإجماع، ويستند إليه في فهم الكتاب والسنة، ويرد به بعض أهل العلم حديثًا رواه ذاك الصحابي يخالفه ذلك القول. ويأتي نحو ذلك في الكذب في رواية قولٍ عن التابعي، أو عالمٍ ممن بعده, وأقل ما في ذلك أن يقلده العامي. وهكذا الكذب في رواية تعديل لبعض الرواة فإنه يترتب عليه قبولُ أخبار ذلك الرواي، وقد يكون فيها أحاديثُ كثيرة، فيترتب على هذا من الفساد أكثر مما يترتب على كذبٍ في حديثٍ واحدٍ عن النبي ﷺ . وكذلك الكذب في رواية الجرح، فقد يترتب عليها إسقاط أحاديث كثيرة صحيحة، وذلك أشدُّ من الكذب في حديثٍ واحد. وهكذا الإخبار عن الرجل بما يقتضي جرحه. وهكذا الكذب في الجرح والتعديل كقوله: "هو ثقة" "هو ضعيف".

стр. 2153

فالكذب في هذه الأبواب في معنى الكذب في الحديث النبوي أو قريب منه , وتترتب عليه مضارٌ شديدة ومفاسد عظيمة, فلا يُتوهم محلٌ للتسامح فيه على فرض أن بعضهم تسامح في بعض ما يقع [في] حديث الناس". اهـ. ٢ - هل استوعب المصنفون في الرجال أسماء الرواة ؟ • قال الشيخ المعلمي في ترجمة: عبد الله بن محمد بن جعفر القزويني (١٣٠): "كتب الرجال التي بين أيدينا لم تستوعب الرواة، نعم يظهر من كلام الذهبي في خطبة (الميزان) أنه استوعب المتكلم فيهم، وأن من لم يذكره فهو إما ثقة وإما مستور، ومعلوم أن ذلك بحسب ما وقف عليه ولم يغفل عنه، وقد استدرك عليه من بعده جماعة، ووقفت أنا في الكتب الأخرى على أفراد مضعَّفِين لم يُذكروا في (لسان الميزان). وحاول جماعة استيعاب الثقات، ... وكثيرًا ما يوجد في أسانيد كتب الحديث التي لم يعتن أهل العلم باستيعاب رواتها وكتب التاريخ وغيرها مما تذكر فيه الأخبار بأسانيدها: أسماء رواة لا نجدهم في الكتب التي بأيدينا، ومنها أسماء تشبه الموجودين في الكتب، ولكن تقوم القرائن على أن المذكور في السند رجل آخر". اهـ. • وقال في ترجمة: إسماعيل بن عرعرة (٥١): "قد يكون الرجل ثقة مقلا من الرواية، إنما يروي قليلًا من الحكايات، فلا يعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست". اهـ. • وقال في ترجمة الخطيب (١/ ١٥٠): "كثيرٌ من كتب الحديث فضلًا عن كتب الحكايات منها ما قد فُقد، ومنها ما ليس في متناول الأيدي". اهـ.

стр. 2154

٣ - الراوي المختلف فيه: قال الشيخ المعلمي في الجزء الثاني من "التنكيل" (ص ٣٢ - ٣٣): "إذا اختلفوا في راوٍ، فوثقه بعضهم، ولَيَّنَهُ بعضهم، ولم يأتِ في حقِّه تفصيلٌ، فالظاهرُ أنه وَسَطٌ، فيه لينٌ مطلقًا، وإذا فَصَّلُوا أو أكثرُهم الكلامَ في راوٍ، فثبَّتُوه في حالٍ وضعَّفُوه في أخرى، فالواجبُ أن لا يُؤخذ حكمُ ذاك الراوي إجمالًا إلا في حديثٍ لم يتبينْ من أي الضرْبَيْن هو، فأما إذا تبيَّن فالواجبُ معاملتُه بحسب حاله، فمن كان ثقةً ثبتا ثم اختلط، إذا نظرنا في حديثٍ من روايته، فإن تبيَّن أنه رواه قيل الاختلاط فهو غايةٌ في الصحة، أو بعده فضعيف". اهـ. ٤ - قضية اختلاف عبارات الإمام في الراوي: • قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٣٦٣): "ينبغي أن تعلم أن كلام المحدث في الراوي يكون على وجهين: الأول: أن يُسألَ عنه, فَيُجِيلُ فِكْرَهُ في: حالِهِ في نفسه، وروايته، ثم يستخلص من مجموع ذلك معنًى يحكمُ به. الثاني: أن يستقر في نفسه هذا المعنى، ثم يتكلم في ذاك الراوي في صَدَدِ النظر في حديثٍ خاصٍّ من روايته. فالأولُ، هو الحُكمُ المُطلقُ الذي لا يُخالفُه حُكمٌ آخر مثلُه إلا لتغير الاجتهاد. وأما الثاني، فإنه كثيرًا ما يَنْحَى به نحو حالِ الراوي في ذاك الحديث؛ فإذا كان المحدِّثُ يرى أن الحُكمَ المُطلقَ في الراوي أنه صدوقٌ كثيرُ الوهم، ثم تكلم فيه في صَدَدِ حديثٍ من روايته، ثم في صَدَدِ حديثٍ آخر، وهكذا، فإنه كثيرًا ما يتراءَى اختلافٌ ما بين كلماتِه.

стр. 2155

فَمِنْ هذا: أن الحجاج بن أرطاة عند الدارقطني "صدوق يخطيء"، فلا يُحتج بما ينفرد به، واختلفت كلماتُه فيه في (السنن): فذكره (ص ٣٥) في صَدَدِ حديثٍ وافقَ فيه جماعةً من الثقات، فعَدَّهُ الدارقطني في جملة "الحفاظ الثقات". وذكره (ص ٥٣١) في صَدَدِ حديثٍ أخطأَ فيه، وخالفَ مسعرًا وشريكًا، فقال الدارقطني: "حجاج ضعيف". وذكره في مواضع أخرى فأكثر ما يقول: "لا يحتج به". وعلى هذا ينزل كلامُه في ابن أبي ليلى؛ فإنه عنده "صدوق سيء الحفظ"، ففي ص ٤٦ ذكر حديثًا رواه إسحاق الأزرق، عن شريك، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا، في طهارة المني، وذكر أن وكيعًا رواه عن ابن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس من قوله. وقد رواه الشافعي، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار وابن جريج، كلاهما عن عطاء، عن ابن عباس من قوله. فالحديثُ صحيحٌ عن ابن عباس من قوله، وقد رواه وكيع، وهو من الثقات الأثبات، عن ابن أبي ليلى كذلك، ورواه شريك عن ابن أبي ليلى فرفعه، فحالُ ابن أبي ليلى في هذا الحديث جيدةٌ؛ لأنه في أثبت الروايتين عنه وافقَ الأثبات، وفي رواية الأزرق عن شريك عنه رفعه، وقد يحتمل أن يكون الخطأ من الأزرق أو من شريك فإن الأزرق ربما غلط، وشريكًا كثير الخطأ أيضًا، وقد رواه وكيع عن ابن أبي ليلى على الصواب؛ فلهذا اقتصر الدارقطني على قوله: "لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك، محمد بن عبد الرحمن هو ابن أبي ليلى ثقة في حفظه شيء". وفي ص ٨٩ ذكر حديثًا رواه الجَبَلان: سفيان وشعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى

стр. 2156

مرسلًا، وخالفهما محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى فرواه موصولًا، فحالُه في هذا الحديث رديئةٌ، فظهر أثر ذلك في كلمة الدارقطني، فقال: "ضعيف سيء الحفظ". وفي ص ٢٧٣ ذكر أحاديثَ في القارن يطوف طوافًا واحدًا ويسعى سعيًا واحدًا، وهناك روايات عن علي وابن مسعود أنهما قالا: طوافين وسعيين. ثم ذكر من طريق ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي أنه: "جمع بين الحج والعمرة , فطاف لهم طواف واحد (كذا)، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل". ولا يخفى ما في هذا من التخليط، فهذا هو الذي أغضب الدارقطني؛ فلذلك قال: "رديء الحفظ كثير الوهم". اهـ. • وقال الشيخ المعلمي في ترجمة: محمد بن فليح بن سليمان من "التنكيل" (٢٢٩): "روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح عن ابن معين: "فليح بن سليمان ليس بثقة ولا ابنه". فسئل أبو حاتم فقال: "ما به بأس، ليس بذاك القوى". وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح، قال مرة: "ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، هو دون الدراوردي" وقال مرة: "ضعيف، ما أقربه من أبي أويس" وقال مرة "أبو أويس مثل فليح، فيه ضعف" وقال في أبي أويس: "صالح، ولكن حديثه ليس بذاك الجائز"، وقال مرة: "صدوق وليس بحجة". فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأولى: "ليس بثقة"، إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له "ثقة" .. اهـ. • وقال في ترجمة: نعيم بن حماد منه (٢٥٨): "قال الحافظ أبو علي النيسابوري: سمعت النسائي يذكر فضلَ نعيم بن حماد وتقدمَه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه؟ فقال: قد كثر تفردهُ عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة، فصار في حَدِّ من لا يحتج به".

стр. 2157

وهذا يدل أن ما روي عن النسائي أنه قال مرة: "ليس بثقة" إنما أراد بها أنه ليس في أن يحتج به". اهـ. ٥ - عرض قول الإمام المشتبِه على أقوال سائر الأئمة: • قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٤١٥): "إذا اختلف النقل عن إمام، أو اشتبه، أو ارتيب، فَيُنظر في كلام غيره من الأئمة، وقُضي فيما رُوي عنه بما ثبت عنهم". اهـ. • وفي (١/ ٤٨٧): "إذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى المنقول عن غيره". اهـ. • وفي ترجمة: محمد بن كثير العبدي منه (٢٣٠): قال فيه ابن معين: لا تكتبوا عنه، لم يكن بالثقة. وقال الإمام أحمد: "ثقة، لقد مات على سُنَّة"، وقال أبو حاتم مع تشدده: "صدوق"، وأخرج له الشيخان في "الصحيحين" وبقية الستة، روى عنه أبو داود، وهو لا يروي إلا عن ثقة، كما تقدم في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وروى عنه أبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة, كما في "لسان الميزان" (ج ٢ ص ٤١٦)، وقال ابن حبان في "الثقات": "كان تقيا فاضلا". وهذا كله يدل أن ابن معين إنما أراد بقوله: "ليس بثقة" أنه ليس بالكامل في الثقة، فأما كلمة "لا تكتبوا عنه" فلم أجدها، نعم قال ابن الجنيد عن ابن معين: "كان في حديثه ألفاظ، كأنه ضعفه" قال: "ثم سألته عنه فقال: لم يكن لسائل أن يكتب عنه". وابن معين كغيره؛ إذا لم يفسر الجرح، وخالفه الأكثرون يرجح قولهم". اهـ.

стр. 2158

• وفي ترجمة: أحمد بن صالح أبي جعفر المصري المعروف بابن الطبري (٢٠): قال المعلمي: "وثقه الجمهور وعظموا شأنه، وقال النسائي: غير ثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بالكذب، وبيَّن رَمْي يحيى بقوله: حدثنا معاوية بن صالح سمعت يحيى بن معين يقول: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف. وأنكر عليه أحاديث زعم أنه تفرد بها أو خالف. ... أما رواية معاوية بن صالح عن ابن معين، فقد قال البخاري في أحمد بن صالح بن الطبري: ثقة صدوق، وما رأيت أحدًا يتكلم فيه بحجة، كان أحمد بن حنبل وعلي [بن المديني] وابن نمير وغيرهم يثبتون أحمد بن صالح، وكان يحيى [بن معين] يقول: سلوا أحمد فإنه أثبت. فإن كان هناك وهم في النقل، فالظاهر أنه في رواية معاوية؛ لأن البخاري أثبت منه، ولموافقة سائر الأئمة، وإن كان ليحيى قولان، فالذي رواه البخاري هو المعتمد لموافقة سائر الأئمة. اهـ. • وفي "التنكيل" (٢/ ١٥٥ - ١٥٦): محمد بن مسلم بن سوسن الطائفى. قال الشيخ المعلمي: "استشهد به صاحبا "الصحيح"، ووثقه ابن معين وأبو داود والعجلي ويعقوب بن سفيان وغيرهم. وقال ابن معين مَرّة: "ثقة لا بأس به، وابن عيينة أثبت منه، وكان إذا حدث من حفظه يخطىء، وإذا حدث من كتابه فليس به بأس، وابن عيينة أوثق منه في عمرو بن دينار، ومحمد بن مسلم أحب إلي من داود العطار في عمرو". وداود العطار هذا هو داود بن عبد الرحمن ثقة متفق عليه، وثقه ابن معين وغيره.

стр. 2159

وقال عبد الرزاق: "ما كان أعجب محمد بن مسلم إلى الثوري، وقال البخاري عن ابن مهدي: "كُتبه صحاح" (١). وقال ابن عدي: "لم أر له حديثا منكرًا". وضَعَّفَهُ أحمد (٢)، ولم يبين وجه ذلك، فهو محمول على أنه يخطىء فيما يحدث به من حفظه. فأما قول الميموني: "ضعفه أحمد على كل حال، من كتابٍ وغير كتاب فهذا ظن الميموني، سمع أحمد يطلق التضعيف، فحمل ذلك على ظاهره (٣)، وقد دل كلام غيره من الأئمة على التفصيل". اهـ. ٦ - اختلاف حكم الأئمة على الراوي نتيجة لاختلاف حاله من وقتٍ لآخر: • في "الفوائد المجموعة" (ص ٦١) روايةٌ للصقر بن عبد الرحمن -وهو ابن مالك بن مغول أبو بهز البجلي الكوفي نزيل واسط- عن ابن إدريس، عن المختار ابن فلفل، عن أنس، فقال الشيخ المعلمي: "الصقر ذكره ابن أبي حاتم في بابي (صقر) و (سقر) وذكر في أحدهما قولَ أبيه أنه "صدوق"، وفي الآخر أنه سألَ أباه: هل تكلموا فيه؟ فقال: لا، وعقَّبَهُ بقولِ الحافظ

стр. 2160

مطين: "إن الصقر أكذب من أبيه"، وذكر رواية الصقر، عن ابن إدريس، عن المختار ابن فلفل، عن أنس مرفوعًا في التبشير بالخلافة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان. وهذا الحديثُ قال فيه ابن المديني: "كذب موضوع". ومن الغريب أن حديث الخلافة هذا رواه عبد الأعلى بن أبي المساور، عن المختار ابن فلفل، ورواه الصقر عن ابن إدريس، عن المختار، وحديثنا: "باكروا بالصدقة" رواه عبد الأعلى أيضًا عن المختار، ورواه الصقر عن ابن إدريس، عن المختار، وعبد الأعلى كذاب. فالظاهر أن الصقر كان مغفلًا، فأُدخلت في كتابه عن ابن إدريس بعضُ بلايا عبد الأعلى، فرواها، وكان ذلك بعد أن اجتمع به أبو حاتم وسمع منه، وبسبب ذلك كذبه مطين وأبو بكر بن أبي شيبة وصالح بن محمد جزرة، وكُلُّ ذلك بعد اجتماع أبي حاتم به؛ بدليل أنه ذكر أنهم لم يتكلموا فيه كما مَرَّ" اهـ. • وفي "الفوائد المجموعة" (ص ٢٦٥): حديث: "لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك" له طرق واهية، ورواه الترمذي (٢٥٠٦) من طريق أمية بن القاسم عن حفص بن غياث وقال: حسن غريب. فقال الشيخ المعلمي في أمية -وذكر أن الصواب "القاسم بن أمية"-: "ذكر الرازيان أنه صدوق، وقال ابن حبان: يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة، ثم ساق له هذا الحديث، وقال: لا أصل له من كلام النبي ﷺ . قال ابن حجر: شهادةُ أبي زرعة وأبي حاتم أنه صدوقٌ أَوْلَى. أقول: بل الصوابُ تتبعُ أحاديثه، فإن وُجد الأمرُ كما قال ابنُ حبان ترجَّحَ قولُه، وبان أن هذا الرجل تغيَّرَتْ حالُه بعد أن لقيه الرازيان، وإلا فكونُه صدوقًا لا يدفعُ عنه الوهمَ، وقد تفرد بهذا". اهـ.

стр. 2161

• وفي "الفوائد" (ص ٤٥٦ - ٤٥٧): خبرٌ رواه أحمد بن علي بن الأفطح قال: ثنا يحيى بن زهدم بن الحارث الغفاري، عن أبيه، عن العرس بن عميرة. فقال المعلمي: "الأفطح يروي بهذا السند نسخةً موضوعةً. فأما أبو حاتم فلم يقف على هذه النسخة ولا شيء منها، بدليل أن ابنه ذكر زهدمًا (١) فلم يذكر له رواية عن العرس، وإنما قال: "روى عن أهبان بن صيفي، روى عنه ابنه يحيى بن زهدم .. سمعت أبي يقول ذلك". وذكر ابنه يحيى (٢) فقال: "كتب عنه أبي في سنة (٢١٦)، سألت أبي عنه، فقال: شيخ أرجو أن يكون صدوقا". وأما ابن عديّ فتردد بين الأفطح ويحيى، فقال في الأفطح (٣) بعد أن ذكر البلايا التي رواها عن يحيى: "لا أدري البلاء منه أو من شيخه"، وقال في يحيى: "أرجو أنه لا بأس به" يعني: وأن البلاء من الأفطح. وأما ابن حبان فحمل على يحيى (٤)، وقال في النسخة المذكورة: "البلية فيها من يحيى بن زهدم" (٥) وزاد الياسوفى وابن حجر، فأرادا أن يُشركا زهدمًا في التهمة (٦).

стр. 2162

ووقع في ترجمة يحيى من اللسان (١) تحريف، وزاد ابن حجر ترجمة لزهدم، وذكر كلام الياسوفي، ثم وهم فزعم أن الذهبي ذكره، وهناك أيضا تحريف. وعلى كل حال فثناء بعضهم على بعض رجال السند لا يفيد في تلك النسخة ولا في هذا الخبر. والذي يترجحُ صنيعُ ابن حبان، كأنَّ يحيى كانت عنده أحاديث عن أبيه عن أهبان ليست بمنكرة، فسمعها منه أبو حاتم، ثم أعجبه (٢) إقبالُ الناس عليه وسماعُهم منه، فرأى أن يزيد في بضاعته بأى طريقة كانت، فصنع نسخة العرس. اهـ. ٧ - طعن أهل البلد في بلديهم مع مدح الغرباء له ؟ في "التنكيل" (٢/ ١٣): المغيرة -يعني ابن سقلاب الحراني أبو بشر قاضي حران- ضعَّفَه ابنُ عدي، وذكر ابنُ أبي حاتم عن أبيه أنه صالح (٣)، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به. فقال الشيخ المعلمي: "الراوي الذى يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا، لا يزيلُه ثناءُ بعضِ الغرباء عليه إلا وهنًا؛ لأن ذلك يُشعرُ بأنه كان يتعمدُ التخليطَ، فَتَزَيَّنَ لبعض الغرباء، واستقبله بأحاديثَ مستقيمة، فَظَنَّ أن ذلك شانه مطلقًا، فأثنَى عليه، وعَرِفَ أهلُ بلده حقيقةَ حالِه. وهذه حالُ المغيرة هذا؛ فإنه جزريٌ، أَسْقَطَهُ مُحَدِّثُو الجزيرة، فقال أبو جعفر النفيلي: لم يكن مؤتمنًا. وقال علي بن ميمون الرقي: كان لا يَسْوِي بَعْرَةً.

стр. 2163

وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان، كأنهما لقياه في رحلتهما، فسمعا منه، فتزَيَّنَ لهما كما تقدم، فأَحْسَنَا به الظنَّ. وقد ضعفه مِمَّنْ جاء بعد ذلك: الدارقطني، وابنُ عدي؛ لأنهما اعتبرا أحاديثه ... ، وهو تالفٌ على كُلِّ حالٍ". اهـ. ٨ - تقديم رأي أهل عصر الراوي علي رأي من بعدهم: • في ترجمة: الحارث بن عمير البصري نزيل مكة (٦٨): قال الكوثري: مختلف فيه، والجرح مقدم، قال الذهبي "الميزان": وما أراه إلا بَيِّنَ الضعف، فإن ابنَ حبان قال في "الضعفاء": روى عن الأثْبات والموضوعات. وقال الحاكم: روى عن حميد وجعفر الصادق أحاديثَ موضوعة. وفي "تهذيب التهذيب": قال الأزدي: منكر الحديث. ونقل ابن الجوزي عن ابن خزيمة أنه قال: الحارث بن عمير كذاب. فقال الشيخ المعلمي: "الحارث بن عمير وثقه أهل عصره والكبار، قال أبو حاتم عن سليمان بن حرب: "كان حماد بن زيد يقدم الحارث بن عمير ويُثني عليه"، زاد غيره: "ونظر إليه مرة, فقال: هذا من ثقات أصحاب أيوب"، وروى عنه عبد الرحمن بن مهدي، وقد قال الأثرم عن أحمد: "إذا حدث عبد الرحمن عن رجل فهو حجة"، وقال ابن معين والعجلي وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي والدارقطني: "ثقة" زاد أبو زرعة: "رجل صالح" وفي "اللآلي المصنوعة" (ص ١١٨ - ١١٩) عن الحافظ ابن حجر في ذكر الحارث: "استشهد به البخاري في "صحيحه"، وروى عنه من الأئمة: عبد الرحمن بن مهدي وسفيان بن عيينة، واحتج به أصحاب السنن"، وفيها بعد ذلك: "قال الحافظ ابن حجر في أماليه: ... أثنى عليه حماد بن زيد ... وأخرج له البخاري تعليقًا ... ".

стр. 2164

ولم يتكلم فيه أحد من المتقدمين، والعدالة تثبت بأقل من هذا، ومن ثبتت عدالته لم يقبل فيه الجرح إلا بحجة وبينة واضحة كما سلف في القواعد. فلننظر في المتكلمن فيه وكلامهم ... ". اهـ. ٩ - الاستفادة من معرفة ما نُسب إليه بعضُ أئمة الجرح والتعديل من الميل إلى بعض البدع، والاستعانة بذلك في توجيه انفراد أحدهم بالحمل على من نُسب لضد تلك البدعة، ولم يحمل عليه أحد غيره: • في ترجمة: سليمان بن عبد الحميد البهراني من "التنكيل" (١٠٥): قال الكوثري: "مختلف فيه، يقول النسائي عنه: كذاب ليس بثقة". فقال الشيخ المعلمي: "قد أحسن الأستاذ بقوله: "مختلف فيه" فإن سليمان هذا وثقه مسلمة، وقال ابن أبي حاتم: "هو صديق أبي، كتب عنه، وسمعت منه بحمص، وهو صدوق" وروى عنه أبو داود، وهو لا يروي إلا عن ثقة عنده, كما مر في ترجمة أحمد بن سعد بن أبي مريم، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: "كان ممن يحفظ الحديث ويتنصب". والنسائي: نُسب إلى طرفٍ من التشيع، وهو ضد التنصب، فلعله سمع سليمان يحكي بعض الكلمات الباطلة التي كان يتناقلها أهل الشام في تلك البدعة التي كانت رائجة عندهم، وهي النصب". اهـ. • وفي ترجمة: علي بن مهران الرازي منه (١٦٨): قال الشيخ المعلمي: "قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "كان رديء المذهب غير ثقة"، وقد تقدمت ترجمة الجوزجاني، وتبين أنه يميل إلى النصب، ويطلق هذه الكلمة "رديء المذهب" ونحوها على من يراه متشيعًا، وإن كان تشيعه خفيفًا، وتحقق في ترجمته في القواعد

стр. 2165

أنه إذا جرح رجلًا، ولم يذكر حُجة, وخالفه من هو مثله أو فوقه، فوثق ذلك الرجل، فالعمل على التوثيق، وعلى هذا ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال ابن عدي: "لا أعلم فيه إلا خيرًا، ولا أرى فيه منكرًا، وقد كان راويةً لسلمة بن الفضل". اهـ. ١٠ - هل قول المحدث: "رواه جماعة ثقات" أو "شيوخي كلهم ثقات" أو "شيوخ فلان كلهم ثقات" يقتضي أن يكون كل من ذكره بحيث لو سُئل عنه وحده، يقول: ثقة ؟ • قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٧٣): "عامة المحدثين يكتبون عن كُلِّ أحدٍ، إلا أنَّ منهم أفرادًا كانوا يَتَّقُون أن يرووا إلا عن ثقة، ويكتبون عن الضعفاء للمعرفة، كما مَرَّ في ترجمة الإمام أحمد من نظره في كتب الواقدي". اهـ. • وقال (١/ ٣٦٢): "قول المحدِّث: "رواه جماعة ثقات حفاظ" ثم يَعُدُّهم، لا يقتضي أن يكون كُلُّ من ذكره بحيث لو سُئل عنه ذاك المحدث وحده لقال: "ثقة حافظ". هذا ابن حبان، قصد أن يجمع الثقات في كتابه، ثم قد يذكر فيهم من يُلَيِّنُهُ هو نفسه بالكتاب نفسه. وهذا الدارقطني نفسُه، ذكر في (السنن) ص ٣٥ حديثًا فيه مسح الرأس ثلاثًا، وهو موافق لقول أصحابه الشافعية، ثم قال: "خالفه جماعة من الحفاظ الثقات ... " فعَدَّهُم، وذكر فيهم شريكا القاضي، وأبا الأشهب جعفر بن الحارث، والحجاج بن أرطاة، وجعفر الأحمر، مع أنه قال ص ١٣٢: "شريك ليس بالقوي فيما يتفرد به" وجعفر بن الحارث لم أر له كلاما فيه، ولكن تكلم فيه غيره من الأئمة كابن معين والنسائي. وحجاج بن أرطاة قال الدارقطني نفسُه في مواضع من (السنن): "لا يحتج

стр. 2166

به" وفي بعض المواضع "ضعيف"، وجعفر الأحمر اختلفوا فيه، وقال الدارقطني كما في (التهذيب): "يعتبر به" وهذا تليينٌ كما لا يخفى. ونحو هذا قولُ المصنف: "شيوخي كلهم ثقات" أو "شيوخ فلان كلهم ثقات" فلا يلزم من هذا أن كل واحد منهم بحيث يستحق أن يقال له بمفرده على الإطلاق: "هو ثقة". وإنما إذا ذكروا الرجل في جملة من أطلقوا عليهم ثقات، فاللازم أنه ثقة في الجملة، أي له حظ من الثقة، وقد تقدم في القواعد أنهم ربما يتجوزون في كلمة "ثقة" فيطلقونها على من هو صالح في دينه, وإن كان ضعيف الحديث أو نحو ذلك، وهكذا قد يذكرون الرجل في جملة من أطلقوا أنهم ضعفاء، وإنما اللازم أن له حظا ما من الضعف، كما تجدهم يذكرون في كتب الضعفاء كثيرا من الثقات الذين تكلم فيهم أيسرَ كلام". اهـ. • مَنْ ذكرهم المعلمي فيمن قيل إنهم لا يروون إلا عن ثقة. - أحمد بن حنبل. انظر "التنكيل" (١/ ٨٨ - ٤٢٩ - ٤٣٠). - البخاري (١/ ٨٨ - ١٢٣). - أبو زرعة (١/ ٨٨ - ١٠٤ - ٣١٦). - أبو داود (١/ ١٠٩). - ابن مهدي (١/ ٢٢٠). - بقي بن مخلد (١/ ١٠٩). - بكير بن عبد الله بن الأشج (٢/ ١٢٣). ١١ - لا يضر العالم أو المحدث أن يكون في شيوخه مطعون فيه: • ذكره الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٠٣).

стр. 2167

١٢ - هل مجرد رواية الراوي عن إمام من الأئمة تفيده في تقوية حاله؟ والفرق بينها وبين مرافقته: • قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٣١٢): "الرواية عن مثل النسائي أو من هو خير منه لا تدل على إسلام الراوي، فكيف عدالته؟ فكيف أن يكون من الثقات الأثبات، فأما مرافقة مثل النسائي في العلم وطلبه، فدلالتها على حُسن حال المُرافق ظاهرة". اهـ. ١٣ - هل كون الرجل خادمًا أو وصيًا أو كاتبًا لأحد الأئمة المتثبتين يقتضي ثقته عنده ؟ • قال المعلمي في ترجمة: محمد بن أعين أبي الوزير من "الطليعة" (ص ٣٠): "في (تهذيب التهذيب) (٩ ص ٦٦): "محمد بن أعَين أبو الوزير المروزي خادم ابن المبارك، روى عنه، وعن ابن عيينة, وفضيل بن عياض وخلق، وعنه أحمد، وإسحاق ... ومحمد بن عبد الله بن قهزاذ وآخرون، قال أبو علي محمد بن علي بن حمزة المروزي: يقال (١) إن عبد الله أوصى إليه، وكان من ثقاته وخواصه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد ذكره ابن أبي حاتم (ج ٣ ق ٢ صفحة ٢٠٧) فقال: "وَصِيُّ ابن المبارك". ... ثقةُ ابن المبارك به واعتمادُه عليه توثيقٌ، وروايةُ الإمام أحمد عنه توثيقٌ لما عرف من توقي أحمد .. ". اهـ. فقال الكوثري: كون المرء خادما أو كاتبا أو وصيا أو معتمدا عنده في شيء ليس بمعنى توثيقه في الرواية عندهم.

стр. 2168

فقال الشيخ المعلمي في ترجمته من "التنكيل" (١٩٤): "ابن أعين قالوا: "أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته" وابن المبارك كان رجلا في الدين رجلا في الدنيا، فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته، وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدلٍ أمينٍ يقظٍ، لا يُخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيقٌ فِعليّ، قد يكون أبلغَ من التوثيق القولي. غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكونَ ابنُ أعين ممن ربما أخطأ في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا؛ لأن روايته في (تاريخ بغداد) إنما هي واقعة لابن المبارك، على أن ذاك الاحتمال يندفع برواية أحمد، وتوثيق ابن حبان، وأنه لم يتعرض أحد بغمز لابن أعين في روايته ... ". اهـ. ١٤ - هل كون الرجل صديقًا لإمامٍ -كأحمد- ينزلُ عليه: يقتضي ثقته ؟ قال الشيخ المعلمي في ترجمة: محمد بن روح العكبري (٢٠٤): "في "تاريخ بغداد" (ج ٥ ص ٢٧٧): "محمد بن روح العكبري ... " ثم روى من طريق: "عثمان بن إسماعيل بن بكر السكري ثنا محمد بن روح العكبري بعكبرا، وكان صديقا لأحمد بن حنبل، وكان أحمد بن حنبل إذا خرج إلى عكبرا ينزل عليه .. ولم يكن أحمد ليصادق رجلا وينزل عليه إلا وهو خير فاضل". اهـ. ١٥ - أصحاب الإمام الأعراف به والألزمُ له .. قولُهم أوْلى مِمَّن ليس كذلك: • قال الشيخ المعلمي في ترجمة الشافعي من "التنكيل" (١/ ٤١٤): "إنما حكى هذه الكلمة عن ابن معين محمد بن وضاح الأندلسي (١)، وابنُ وضاح قال فيه الحافظ أبو وليد ابن الفرضي الأندلسي، وهو بلديُّه، وموافق له في المذهب: "له خطأ كثير يُحفظ عنه، وأشياء كان يغلط فيها، وكان لا علم عنده بالفقه، ولا بالعربية".

стр. 2169

وكان الأمير عبد الله بن الناصر يُنكر عليه هذه الحكاية، ويذكر أنه رأى أصل ابن وضاح الذي كتبه بالشرق، وفيه: سألت يحيى بن معين عن الشافعي فقال: هو ثقة، كما حكاه ابن عبد البر في (كتاب العلم). ولم يَنقل أحدٌ غيره عن ابن معين أنه قال في الشافعي: "ليس بثقة" أو ما يؤدي معناها أو ما يقرب منها، ولابنِ معين أصحابٌ كثيرون أعرفُ به، وألزمُ له، وأحرصُ على النقل عنه من هذا المغربي، وكان في بغداد كثيرون يَسُرُّهُم أن يسمعوا طعنا في الشافعي، فيشيعوه". اهـ. ١٦ - الاستفادة من دراسة الأحوال التفصيلية للراوي في الحكم عليه، ومناقشة الشيخ المعلمي في بعض ذلك: • أكتفي هنا بهذين المثالين: الأول: ترجمة: عبد الرحمن بن أبي الزناد من "التنكيل" (٢/ ٣٢ - ٣٥): قال الشيخ المعلمي: لم يحتج به صاحبا (الصحيح) وإنما علَّق عنه البخاريُّ، وأخرج له مسلم في المقدمة، ووثقه جماعة، وضعفه بعضهم، وفَصَّل الأكثرون. ثم بَيَّن هذا التفصيل فقال: "قال موسى بن سلمة: "قدمت المدينة، فأتيت مالك بن أنس، فقلت له: إني قدمت إليك لأسمع العلم، وأسمع ممن تأمرني به. فقال: عليك بابن أبي الزناد". ومالك مشهور بالتحري، لا يرضى هذا الرضا إلا عن ثقةٍ لا شك فيه، ولذلك عَدَّ الذهبيُّ هذا توثيقا، بل قال في (الميزان): وثقه مالك، قال سعيد بن أبي مريم: قال لي خالي موسى بن سلمة: قلت لمالك: دلني على رجل ثقة، قال: عليك بعبد الرحمن ابن أبي الزناد.

стр. 2170

وقال صالح بن محمد: تكلم فيه مالك لروايته عن أبيه كتاب السبعة -يعني الفقهاء- وقال: أين كنا عن هذا؟ وإنما روى هذا بعد أن انتقل إلى العراق كما يأتي عن ابن المديني. وقال عبد الله بن علي بن المديني عن أبيه: ما حدث بالمدينة فهو صحيح، وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، ورأيت عبد الرحمن بن مهدي يخطُّ على أحاديثه، وكان يقول في حديثه عن مشيختهم: فلان وفلان وفلان، قال: ولَقَّنَهُ البغداديون عن فقهائهم (١). يعني الرواية عن أبيه عن المشيخة بالمدينة أو الفقهاء بها، وهذا هو الذي حكى صالح بن محمد أن مالكًا أنكره. تَبَيَّنَ أن ابنَ أبي الزناد إنما وقع منه ذلك بالعراق، وابنُ مهدي إنما كان عنده عن ابن أبي الزناد مما حَدَّث به بالعراق، كما يدل عليه كلامُ ابن المديني، ويأتي نحوه عن عمرو بن علي. وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، وفي حديثه ضعف، سمعت علي بن المديني يقول: حديثه بالمدينة مقارب، وما حدَّث به بالعراق فهو مضطرب. قال علي: وقد نظرت فيما روى عنه سليمان بن داود الهاشمي فرأيتها مقاربة (٢).

стр. 2171

وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، فما حدَّث بالمدينة أصح مما حدَّث ببغداد، كان عبد الرحمن يخط على حديثه. وقال الساجي: فيه ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد. وقال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد" هذا مع أنه قد روى عن هشام: مالكٌ والكبار. وفيما حكاه الساجي عن ابن معين: عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة. وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيف. وفيما حكاه الساجي عن أحمد: أحاديثه صحاح. وقال أبو طالب عن أحمد: يُرْوَى عنه، قال أبو طالب: قلت: يُحتمل؟ قال: نعم. وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث. وقال العجلي: ثقة. وقال الترمذي في "اللباس" من (جامعه) (١): ثقة حافظ. وصحح عدةً من أحاديثه. وأخرج له في "المسح على الخفين" (٢) حديثه عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما. ثم قال: "حديث المغيرة حديث حسن صحيح، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ... ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة: "على ظاهرهما" - غيره ... قال محمد -يعني البخاري- وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد".

стр. 2172

فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالًا: الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة، قال ابن معين إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة. الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة وهذا قريب من الأول، وظاهر الإطلاق أنه سواء في هاتين الحالين: ما حدث به المدينة وما حدث به بغداد، وهذا ممكن بأن يكون أتقن ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا، فلم يؤثر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثر فيه فيما لم يكن يُتقن حفظه، فاضطرب فيه، واشتبه عليه. الثالثة: حاله فيما رواه من غير الوجهين المذكورين بالمدينة، فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصح مما حدث به ببغداد، ونحو ذلك قول علي بن المديني على ما حكاه يعقوب، وصرح ابن المديني في حكاية ابنه أنه صحيح. قال أبو أنس: وفي رواية يعقوب بن شيبة عنه: "حديثه بالمدينة مقارب". أقول: السياق يفيد أن ما حدث به ابن أبي الزناد ببغداد، فقد لقنه البغداديون وأفسدوه, فصار ما يحدث به ليس من حديثه, أما ما حَدَّث به بالمدينة فهو صحيح: أي هو من حديثه لم يُلَقَّنْهُ، ويبقى النظر في حال ابن أبي الزناد في نفسه, لا أن ما حدث به في المدينة فهو حديث صحيح أي يحتج به. والأئمة لا يعتبرون بما يحدث به الرجل إلا إذا كان من حديثه, لم يُلَقَنْهُ أو يُدخل عليه أو يَدخل له إسناد في إسناد، أو نحوه، ولذلك يميزون أولًا بين ما هو من حديثه الذي سمعه, وبن ما ليس من حديثه، لأن ما ليس من حديثه ريح لا قيمة له، ثم ينظرون في حديثه بالسَّبرِ والاعتبار وعرضه على أحاديث الثقات.

стр. 2173

من ذلك ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٤٨) من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأنباري، قال حدثنا أبو الصلت الهروي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعليُّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه". قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح. قال الخطيب: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية، وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه. اهـ. ومقصود ابن معين فيما رواه القاسم عنه أن الحديث معروف من حديث أبي معاوية، لم ينفرد به أبو الصلت الهروي عنه، بل قد تابعه عليه محمد بن جعفر الفيدي، كما قال ابن معين في رواية الدوري (تاريخ بغداد: ١١/ ٥٠). أما الحديث في نفسه، فاستنكره الأئمة, منهم ابن معين نفسه، فقد قال في رواية عبد الخالق بن منصور عنه: ما هذا الحديث بشيء (تاريخ بغداد: ١١/ ٤٩). وللعلامة المعلمي بحث ممتع حول هذا الحديث في حاشية "الفوائد المجموعة" ص (٣٤٩ - ٣٥٣)، وهو منشور في تراجم البعض مثل: الأعمش، والفيدي وغيرهما، من القسم الأول من هذا الكتاب. وكذلك قولهم في الراوي: "كتابه صحيح" فهو يقتضي أن في حفظه شيئًا، ومع ذلك فليس معناه أن كل حديث في كتابه هو صحيح يحتج به، وإنما معناه أنه يُنظر في أحاديثه من خلال كتابه، وأما حفظه فلا يُعتمد عليه. مع الأخذ في الاعتبار أن الكتاب لا يُعفي صاحبه من أوجه الخلل المعروفة الناشئة عن سوء الأخذ، والوهم في السماع، وأثناء الكتابة، من التصحيف والتحريف، والأخطاء الواقعة أثناء التحويل من كتاب إلى كتاب، أو الاعتماد على الغير في إدراك ما فات سماعه أو كتابته - إلى غير ذلك من مداخل الخلل في الكتب.

стр. 2174

وهذا كله يرجع لحال الراوي في نفسه من الإتقان والتحري والضبط والاحتياط واليقظة وغير ذلك. قال الشيخ المعلمي: "ويوافقه ما روي عن مالك من توثيقه إذ كان بالمدينة، والإرشاد إلى السماع منه مُخَصِّصًا له من بين محدثي المدينة، ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قيل أن يُلَقِّنُوه ويُشَبِّهُوا عليه، أو بعد ذلك ولكن من أصل كتابه, وعلى ذلك تُحمل أحاديثُ الهاشمي عنه لثناء ابن المدينى عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه, فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصح مما حدث به بالمدينة من حفظه. الرابعة: بقية حديثه ببغداد، ففيه ضعف، إلا أن يُعلم في حديثٍ من ذلك أنه كان يتقن حفظه مثل إتقانه لما يرويه عن أبيه, عن الأعرج، عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحًا، وعلى هذا يدل صنيع الترمذي في انتقائه من حديثه, وتصحيحه لعدة أحاديث منه. وقد دَلَّ كلامُ الإمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب، فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجهٍ عنه على وتيرةٍ واحدةٍ دلَّ ذلك على أنه من صحيح حديثه. اهـ. قال أبو أنس: قد نقل عبد الله والميموني عن أحمد تضعيفه مطلقا، وكذلك نقل صالح عنه قوله: مضطرب الحديث. دون إشارة إلى قضية التلقين، فحمل هذا على ذاك فيه نظر. وقد ضعفه ابن معين في رواية غير واحد عنه. وزاد في رواية بعضهم: لا يحتج بحديثه. وكذا نقل عن النسائي. وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا. وهو المفرق بين روايته بالمدينة وبغداد.

стр. 2175

وقال الفلاس: كان يحيى -القطان- وعبد الرحمن -ابن مهدي- لا يحدثان عنه. وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وورقاء، والمغيرة بن عبد الرحمن، وشعيب بن أبي حمزة: من أحب إليك فيمن يروي عن أبي الزناد؟ قال: كلهم أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الزناد (الجرح والتعديل ٥ / ت ١٢٠٢). وقال البرذعي عن أبي زرعة: الدراوردي وابن أبي حازم أحب إلي من فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن أبي الزناد وأبي أويس. (أبو زرعة الرازي: ٤٢٤ - ٤٢٥) وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الرجال، ومن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (الجرح). ووصفه ابن حبان بسوء الحفظ وكثرة الخطأ، وقال: فلا يجوز الاحتجاج بخيره إذا انفرد (المجروحين ٢/ ٥٦) ولم يخرج له صاحبا الصحيح، إنما استشهد به البخاري، وروى له مسلم في مقدمة صحيحه. واعلم أن جمهور الأئمة على ضعف عبد الرحمن بن أبي الزناد: أحمد، وابن معين، ويحيى القطان، وابن مهدي. وقدم أبو زرعة عليه: الدراوردي، وقد قال هو في الدراوردي: سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشىء فيخطىء. (الجرح ٥ / ت ١٨٣٣) ولخَّص أبو حاتم حاله فقال: "يكتب حديثه ولا يحتج به". فهو صالح للاعتبار والاستشهاد، هذا فيما ثبت أنه من حديثه، أما ما لُقنه فلا عبرة به، وهذا مراد من فصَّل بين حال تحديثه في المدينة, وحاله في بغداد.
следующие страницы →