وقال عمرو بن علي: فيه ضعف، فما حدَّث بالمدينة أصح مما حدَّث ببغداد، كان عبد الرحمن يخط على حديثه.
وقال الساجي: فيه ضعف، وما حدث بالمدينة أصح مما حدث ببغداد.
وقال أبو داود عن ابن معين: أثبت الناس في هشام بن عروة: عبد الرحمن بن أبي الزناد" هذا مع أنه قد روى عن هشام: مالكٌ والكبار.
وفيما حكاه الساجي عن ابن معين: عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة حجة.
وقال معاوية بن صالح وغيره عن ابن معين: ضعيف.
وفيما حكاه الساجي عن أحمد: أحاديثه صحاح.
وقال أبو طالب عن أحمد: يُرْوَى عنه، قال أبو طالب: قلت: يُحتمل؟ قال: نعم.
وقال صالح بن أحمد عن أبيه: مضطرب الحديث.
وقال العجلي: ثقة.
وقال الترمذي في "اللباس" من (جامعه) (١): ثقة حافظ.
وصحح عدةً من أحاديثه. وأخرج له في "المسح على الخفين" (٢) حديثه عن أبيه، عن عروة بن الزبير، عن المغيرة: رأيت النبي ﷺ يمسح على الخفين على ظاهرهما. ثم قال: "حديث المغيرة حديث حسن صحيح، وهو حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد ... ولا نعلم أحدًا يذكر عن عروة عن المغيرة: "على ظاهرهما" - غيره ... قال محمد -يعني البخاري- وكان مالك يشير بعبد الرحمن بن أبي الزناد".
стр. 2172
فإذا تدبرنا ما تقدم تبين لنا أن لابن أبي الزناد أحوالًا:
الأولى: حاله فيما يرويه عن هشام بن عروة، قال ابن معين إنه أثبت الناس فيه، فهو في هذه الحال في الدرجة العليا من الثقة.
الثانية: حاله فيما يرويه عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة، ذكر الساجي عن ابن معين أنه حجة وهذا قريب من الأول، وظاهر الإطلاق أنه سواء في هاتين الحالين: ما حدث به المدينة وما حدث به بغداد، وهذا ممكن بأن يكون أتقن ما يرويه من هذين الوجهين حفظًا، فلم يؤثر فيه تلقين البغداديين، وإنما أثر فيه فيما لم يكن يُتقن حفظه، فاضطرب فيه، واشتبه عليه.
الثالثة: حاله فيما رواه من غير الوجهين المذكورين بالمدينة، فهو في قول عمرو بن علي والساجي أصح مما حدث به ببغداد، ونحو ذلك قول علي بن المديني على ما حكاه يعقوب، وصرح ابن المديني في حكاية ابنه أنه صحيح.
قال أبو أنس:
وفي رواية يعقوب بن شيبة عنه: "حديثه بالمدينة مقارب".
أقول: السياق يفيد أن ما حدث به ابن أبي الزناد ببغداد، فقد لقنه البغداديون وأفسدوه, فصار ما يحدث به ليس من حديثه, أما ما حَدَّث به بالمدينة فهو صحيح: أي هو من حديثه لم يُلَقَّنْهُ، ويبقى النظر في حال ابن أبي الزناد في نفسه, لا أن ما حدث به في المدينة فهو حديث صحيح أي يحتج به.
والأئمة لا يعتبرون بما يحدث به الرجل إلا إذا كان من حديثه, لم يُلَقَنْهُ أو يُدخل عليه أو يَدخل له إسناد في إسناد، أو نحوه، ولذلك يميزون أولًا بين ما هو من حديثه الذي سمعه, وبن ما ليس من حديثه، لأن ما ليس من حديثه ريح لا قيمة له، ثم ينظرون في حديثه بالسَّبرِ والاعتبار وعرضه على أحاديث الثقات.
стр. 2173
من ذلك ما رواه الخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٤٨) من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأنباري، قال حدثنا أبو الصلت الهروي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعليُّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه".
قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.
قال الخطيب: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية، وليس بباطل، إذ قد رواه غير واحد عنه. اهـ.
ومقصود ابن معين فيما رواه القاسم عنه أن الحديث معروف من حديث أبي معاوية، لم ينفرد به أبو الصلت الهروي عنه، بل قد تابعه عليه محمد بن جعفر الفيدي، كما قال ابن معين في رواية الدوري (تاريخ بغداد: ١١/ ٥٠).
أما الحديث في نفسه، فاستنكره الأئمة, منهم ابن معين نفسه، فقد قال في رواية عبد الخالق بن منصور عنه: ما هذا الحديث بشيء (تاريخ بغداد: ١١/ ٤٩).
وللعلامة المعلمي بحث ممتع حول هذا الحديث في حاشية "الفوائد المجموعة" ص (٣٤٩ - ٣٥٣)، وهو منشور في تراجم البعض مثل: الأعمش، والفيدي وغيرهما، من القسم الأول من هذا الكتاب.
وكذلك قولهم في الراوي: "كتابه صحيح" فهو يقتضي أن في حفظه شيئًا، ومع ذلك فليس معناه أن كل حديث في كتابه هو صحيح يحتج به، وإنما معناه أنه يُنظر في أحاديثه من خلال كتابه، وأما حفظه فلا يُعتمد عليه.
مع الأخذ في الاعتبار أن الكتاب لا يُعفي صاحبه من أوجه الخلل المعروفة الناشئة عن سوء الأخذ، والوهم في السماع، وأثناء الكتابة، من التصحيف والتحريف، والأخطاء الواقعة أثناء التحويل من كتاب إلى كتاب، أو الاعتماد على الغير في إدراك ما فات سماعه أو كتابته - إلى غير ذلك من مداخل الخلل في الكتب.
стр. 2174
وهذا كله يرجع لحال الراوي في نفسه من الإتقان والتحري والضبط والاحتياط واليقظة وغير ذلك.
قال الشيخ المعلمي:
"ويوافقه ما روي عن مالك من توثيقه إذ كان بالمدينة، والإرشاد إلى السماع منه مُخَصِّصًا له من بين محدثي المدينة، ويلتحق بذلك ما رواه بالعراق قيل أن يُلَقِّنُوه ويُشَبِّهُوا عليه، أو بعد ذلك ولكن من أصل كتابه, وعلى ذلك تُحمل أحاديثُ الهاشمي عنه لثناء ابن المدينى عليها، بل الأقرب أن سماع الهاشمي منه من أصل كتابه, فعلى هذا تكون أحاديثه عنه أصح مما حدث به بالمدينة من حفظه.
الرابعة: بقية حديثه ببغداد، ففيه ضعف، إلا أن يُعلم في حديثٍ من ذلك أنه كان يتقن حفظه مثل إتقانه لما يرويه عن أبيه, عن الأعرج، عن أبي هريرة، فإنه يكون صحيحًا، وعلى هذا يدل صنيع الترمذي في انتقائه من حديثه, وتصحيحه لعدة أحاديث منه.
وقد دَلَّ كلامُ الإمام أحمد أن التلقين إنما أوقعه في الاضطراب، فعلى هذا إذا جاء الحديث من غير وجهٍ عنه على وتيرةٍ واحدةٍ دلَّ ذلك على أنه من صحيح حديثه. اهـ.
قال أبو أنس:
قد نقل عبد الله والميموني عن أحمد تضعيفه مطلقا، وكذلك نقل صالح عنه قوله: مضطرب الحديث. دون إشارة إلى قضية التلقين، فحمل هذا على ذاك فيه نظر.
وقد ضعفه ابن معين في رواية غير واحد عنه.
وزاد في رواية بعضهم: لا يحتج بحديثه.
وكذا نقل عن النسائي.
وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفا. وهو المفرق بين روايته بالمدينة وبغداد.
стр. 2175
وقال الفلاس: كان يحيى -القطان- وعبد الرحمن -ابن مهدي- لا يحدثان عنه.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، وورقاء، والمغيرة بن عبد الرحمن، وشعيب بن أبي حمزة: من أحب إليك فيمن يروي عن أبي الزناد؟
قال: كلهم أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الزناد (الجرح والتعديل ٥ / ت ١٢٠٢).
وقال البرذعي عن أبي زرعة: الدراوردي وابن أبي حازم أحب إلي من فليح بن سليمان وعبد الرحمن بن أبي الزناد وأبي أويس. (أبو زرعة الرازي: ٤٢٤ - ٤٢٥)
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتج به، وهو أحب إلي من عبد الرحمن بن أبي الرجال، ومن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (الجرح).
ووصفه ابن حبان بسوء الحفظ وكثرة الخطأ، وقال: فلا يجوز الاحتجاج بخيره إذا انفرد (المجروحين ٢/ ٥٦)
ولم يخرج له صاحبا الصحيح، إنما استشهد به البخاري، وروى له مسلم في مقدمة صحيحه.
واعلم أن جمهور الأئمة على ضعف عبد الرحمن بن أبي الزناد: أحمد، وابن معين، ويحيى القطان، وابن مهدي.
وقدم أبو زرعة عليه: الدراوردي، وقد قال هو في الدراوردي: سيء الحفظ، فربما حدث من حفظه الشىء فيخطىء. (الجرح ٥ / ت ١٨٣٣)
ولخَّص أبو حاتم حاله فقال: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
فهو صالح للاعتبار والاستشهاد، هذا فيما ثبت أنه من حديثه، أما ما لُقنه فلا عبرة به، وهذا مراد من فصَّل بين حال تحديثه في المدينة, وحاله في بغداد.
стр. 2176
واعلم أن قبول ابن أبي الزناد لتلقين البغداديين، ليس عن اختلاط طرأ عليه، وإنما عن ضعف في نفسه من سوء حفظ وغفلة.
وأما توثيق الترمذي لابن أبي الزناد -فهو مع تساهله في التوثيق والتصحيح- مخالف لاتفاق الكلمة على ضعفه، وقد بناه على ما يأتي.
وأما دلالة مالك على السماع من ابن أبي الزناد، فقد تكلم فيه مالك أيضا، وأنكر عليه ما رواه عن أبيه، وقال: أين كنا عن هذا؟.
والظاهر أنه دل عليه قيل أنه ينكر عليه ذلك، أو لا تدل دلالته تلك على التوثيق المصطلح عليه، فابن أبي الزناد على ضعفه لم يتركه سوى ابن مهدي، وقال أحمد: يحتمل أن يروى عنه، فدلالة مالك على مجرد السماع منه لا تنهض في مدافعة تضعيف الأئمة له، والله تعالى أعلم.
النموذج الثاني:
ترجمة: علي بن عاصم بن صهيب الواسطي التيمي مولاهم.
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" رقم (١٦٢):
"الذي يظهر من مجموع كلامهم فيه أنه خلط في أول أمره ثم تحسنت حاله، وبقي كثرة الغلط والوهم، فما حدث به أخيرًا ولم يكن مظنة الغلط فهو جيد". اهـ.
قال أبو أنس:
أقول: لم أرَ من فصّل بين أولِ أمر علي وآخره, لكن في "تهذيب التهذيب" لابن حجر (٧/ ٣٤٨): "قال محمود بن غيلان: أسقطه أحمد وابن معين وأبو خيثمة. ثم قال لي عبد الله بن أحمد أن أباه أمره أن يدور على كل من نهاه عن الكتابة عن علي بن عاصم فيأمره أن يحدث عنه. اهـ.
стр. 2177
ولم يذكر الحافظ إسناد هذا النقل إلى محمود بن غيلان، ولم يُعرف أحمد بأنه أسقط عليًّا، بل الروايات عنه تدل على خلاف ذلك: ففي كتاب "العلل ومعرفة الرجال" للإمام أحمد، رواية ابنه عبد الله عنه، رقم (٧٠) طبع المكتب الإسلامي:
"حدثنا أبي قال: حدثنا وكيع -وذكر علي بن عاصم- فقال: خذوا من حديثه ما صح ودعوا ما غلط أو ما أخطأ فيه. قال أبو عبد الرحمن: كان أبي يحتج بهذا، وكان يقول: كان يغلط ويخطىء، وكان فيه لجاج، ولم يكن متهما بالكذب". اهـ.
وفي كتاب "أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية" ص (٣٩٤): "قال البرذعي: حدثنا محمد بن يحيى النيسابوري قال: قلت لأحمد بن حنبل في على بن عاصم -وذكرت له خطأه- فقال لي أحمد: كان حماد بن سلمة يخطىء -وأومأ أحمد بيده- خطأ كثيرًا، ولم ير بالرواية عنه بأسًا".
وفي كتاب "سؤالات أبي داود لإمام أحمد" رقم (٤٤٠): "سمعت أحمد قيل له: علي ابن عاصم؟ قال: أما أنا فأحدث عنه، وحدثَّنا عنه". وفي رقم (٤٤١): "يهم في الشيء".
فهذا هو المعروف عن أحمد في عاصم، وأما الذي كان يُسقطه، بل ويكذبه: إنما هو يحيى بن معين، ولم يحدث عنه أبو خيثمة، ولا أخرج عنه في تصنيفه، كما في كتاب "تاريخ بغداد" (١/ ٤٥٦).
١٧ - هل يَطِّرِدُ تطبيقُ كُلِّ وجهٍ من أَوْجِهِ الطَّعْن في الراوي على كُلِّ روايةٍ له، أم ينبغي أن تكون تلك الروايةُ من مَظَانَ ذلك الطعن؟ "ضرورة اعتبار مظان الخطأ والوهم ":
• في ترجمة: سفيان بن وكيع من "التنكيل" (١٠٠):
في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٧٩ عنه قال: جاء عمر بن حماد بن أبي حنيفة فجلس إلينا، فقال: سمعت أبي حمادًا يقول: بعث ابن أبي ليلى إلى أبى حنيفة فسأله عن القرآن فقال: ...
стр. 2178
قال الأستاذ (يعني الكوثري) صـ ٥٧ (من التأنيب): "كان وَرّاقُهُ كذابًا يُدخل في كتبه ما شاء من الأكاذيب، فيرويها هو، فنبهوه على ذلك وأشاروا عليه أن يغير وراقه فلم يفعل، فسقط عن مرتبة الاحتجاج عند النقاد".
فأجاب الشيخ المعلمي عَمَّا رُمِيَ به سفيانُ بما عليه فيه بعض المناقشات والتعقبات، تراها في ترجمة سفيان من القسم الأول من هذا الكتاب رقم (٣٠٩).
ثم قال ﵀:
"والحكاية التي ساقها الخطيب ليست من مظنة التلقين، ولا من مظنة الإدخال في الكتب، فإذا صَحَّ أن هذا الرجلَ صدوقٌ في نفسه، لم يكن في الطعن فيه بقصة الوراق فائدة هنا، وأكبرُ ما في الحكاية قولُ أبي حنيفة المقالة المذكورة، والأستاذُ يُثبتُ ذلك ويتبجح به. اهـ.
• وفي ترجمة: سلام بن أبي مطيع (١٠١):
في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٩٧ عن سعيد بن عامر الضبعي: حدثنا سلام أبي مطيع قال: كان أيوب قاعدًا في المسجد الحرام، فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه , ... (١).
قال الكوثري: قال ابن حبان: لا يجوز أن يُحتج بما ينفرد به.
وقال الحاكم: منسوب إلى الغفلة وسوء الحفظ.
فقال الشيخ المعلمي ﵀:
"هذا رجل من رجال (الصحيحين) ... (٢) وقال ابن عدي: لم أر أحدًا من المتقدمين نسبه إلى الضعف، وأكثر ما فيه أن روايته عن قتادة فيها أحاديث ليست بمحفوظة، وهو مع ذلك كله عندى لا بأس به.
стр. 2179
وروايته هنا ليست عن قتادة, وإنما هي قصةٌ جرت لأيوب شهدها سلام، وليس ذلك من مظنة الغلط". اهـ.
• وفي ترجمة: سلمة بن كلثوم (١٠٣):
في (تاريخ بغداد) ١٣/ ٣٩٧ من طريق أبي توبة: حدثنا سلمة بن كلثوم -وكان من العابدين، ولم يكن في أصحاب الأوزاعي أحيا منه، قال: قال الأوزاعي لما مات أبو حنيفة: ...
قال الكوثري ص ١٠٩: "يقول عنه الدارقطني: كثير الوهم".
فقال الشيخ المعلمي:
"عبارة الدارقطني على ما في (التهذيب): "يهم كثيرًا"، وليست حكايته هذه مظنة للوهم، وقد توبع عليها". اهـ.
• وفي ترجمة: محمد بن أعين من "التنكيل" (١٩٤):
قال الشيخ المعلمي:
"ابن أعين قالوا: "أوصى إليه ابن المبارك وكان من ثقاته" وابن المبارك كان رجلا في الدين رجلا في الدنيا، فلم يكن ليعتمد بثقته في حياته، وإيصائه بعد وفاته إلا إلى عدلٍ أمينٍ يقظٍ، لا يُخشى منه الخطأ في حفظ وصاياه وتنفيذها، فهذا توثيقٌ فِعْلِيّ، قد يكون أبلغَ من التوثيق القولي.
غاية الأمر أنه قد يقال: ليس من الممتنع أن يكونَ ابنُ أعين ممن ربما أخطأ في المواضع الملتبسة من الأسانيد، وهذا لا يضر هنا؛ لأن روايته في (تاريخ بغداد) إنما هي واقعة لابن المبارك، على أن ذاك الاحتمال يندفع برواية أحمد، وتوثيق ابن حبان، وأنه لم يتعرض أحدٌ بغمزٍ لابن أعين في روايته ... ". اهـ.
стр. 2180
• وفي ترجمة: محبوب بن موسى أبي صالح الفراء منه (١٨٤):
قال أبو داود: ثقة، لا يُلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب.
فقال الشيخ المعلمي:
"فقوله: "ثقة" يدفع عنه الكذب والمجازفة والتساهل الفادح، ويُعين أن المقصود أنه كان لا يُتقن حفظ الحكايات كما يحفظ الحديث، فكان إذا حكاها من حفظه يخطىء، فلا يُحتج من حكاياته إلا بما رواه من كتابٍ، أو تُوبع عليه, أو ليس بمظنة للخطأ ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: مؤمل بن إسماعيل (٢٥٣):
" ... فَحَدُّهُ أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه، وفيما ليس من مظان الخطأ". اهـ.
١٨ - الأحاديث التي تورد في ترجمة الرجل من كتب الضعفاء كأنها أشد ما انتقد على الرجل، وما عداها فالأمر فيه قريب:
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: نعيم بن حماد (٢٥٨):
"تقدم أن ابن عدي تتبع ما انتُقِدَ على نعيم، وذكر الذهبي في (الميزان) ثمانية أحاديث، وكأنها أشد ما انتُقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريبٌ". اهـ.
١٩ - مَنْ ضُعِّفَ في شيخٍ معيَّن:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٢٤):
"قد وثق الأئمةُ جماعةً من الرواة ومع ذلك ضعفوهم فيما يروونه عن شيوخٍ معينين، منهم: عبد الكريم الجزري فيما يرويه عن عطاء، ومنهم: عثمان بن غياث وعمرو بن أبي عمرو وداود بن الحصين فيما يروونه عن عكرمة, ومنهم: عمرو بن أبي سلمة فيما يرويه عن زهير بن محمد، ومنهم: هشيم فيما يرويه عن الزهري، ومنهم: ورقاء فيما يرويه عن منصور بن المعتمر، ومنهم: الوليد بن مسلم فيما يرويه عن مالك". اهـ.
стр. 2181
٢٠ - الساقط والكذاب لا تنفعه كثرة من ذكر من شيوخه؛ لأن من كان في مثل حاله فالناس كلهم شيوخه:
• في ترجمة: أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحماني (٣٤):
قال الكوثري: "وفي شيوخه كثرة".
فقال الشيخ المعلمي:
"سيأتي كلامُ الأئمة فيه، وبه تعرف أن من كان في مثل حاله فالناس كلهم شيوخه! ". اهـ.
قال أبو أنس:
يعني أنه يَدَّعِي سماعَ أقوامٍ ما سمعهم، بل ربما لم يلقهم، أو لم يدركهم، أو لم يُخلقوا أصلا.
٢١ - هل وصف الرجل بكونه قاصًا أو من القُصَّاص يقدحُ فيه ؟
• قال الشيخ المعلمي في: عثمان بن أبي عاتكة سليمان الأزدي أبي حفص الدمشقي القاصّ في حاشية "الفوائد" (ص ٤٤٩):
"عثمان على كل حال ضعيف، كان قاصًّا، يَذكر في قصصه الأحاديثَ، فَيَهِمُ ويغلطُ". اهـ.
٢٢ - هل مجرد ذكر الرجل في كتب الضعفاء يكفي في الحكم عليه بالضعف ؟
• قال الشيخ المعلمي في النوع السادس من "الطليعة" (ص ٥٧):
سليم بن عيسى القارىء.
قال الكوثري ص ٦٠: "كان ضعيفًا في الحديث ... وقد روى عن الثوري خبرًا منكرًا ساقه العقيلي".
стр. 2182
أقول: لا مستند للكوثري في قوله: "كان ضعيفًا في الحديث" إلا ذِكْرُ العقيلي ومن تبعه: سليم بن عيسى في كتب الضعفاء, مع رواية ذاك الحديث من طريق سليم بن عيسى.
فأما ذِكْرُ الراوي في بعض كتب الضعفاء فلا يضره، ما لم يكن فيما ذُكر به ما يوجبُ ضعفَهُ، وذلك أنهم كثيرًا ما يذكرون الرجل لكلامٍ فيه: لا يثبتُ أو لا يقدحُ أو نحو ذلك.
وأما ذاك الحديث ... فلا يثبت أن سليمًا رواه (١)، ومع هذا فسليم الذي ذكره العقيلي وروى عنه ذاك الحديث ليس هو بالقارىء صاحب حمزة الواقع في سند الخطيب، وإيضاح ذلك ... ". اهـ.
• وفي الجرح والتعديل (٢/ ٣٤٥):
" ١٣١١ - الأخنس روى عن ابن مسعود، روى عنه ابنه بكير بن الأخنس، سمعت أبى يقول ذلك.
حدثنا عبد الرحمن قال: سمعت أبى يُنكر على من أخرج اسمه في كتاب "الضعفاء" ويقول: لا أعلم رُوي عن الأخنس إلا ما روى أبو جناب يحيى بن أبى حية الكوفي، عن بكير بن الأخنس، عن أبيه، فإن كان أبو جناب لَيِّنَ الحديث، فما ذنبُ الأخنس والد بكير؟ وبكير ثقة عند أهل العلم، وليس في حديثٍ واحدٍ رواه ثقة (٢) عن أبيه ما يلزم أباه الوهنَ بلا حجة".
стр. 2183
فقال الشيخ المعلمي تعليقا:
"الذى ذكره في الضعفاء: البخاري، وقال -كما في "الضعفاء الصغير"-: (لم يصح حديثه) وفى هذا تنبيه على أن الحمل على غيره، وكذلك ذكر البخاري في "الضعفاء": هند بن أبى هالة، وهو صحابي، وقال: (يتكلمون في اسناده).
فهذا اصطلاحُ البخاري؛ يذكر في "الضعفاء" من ليس له إلا حديثٌ واحدٌ لا يصح، على معنى أن الرواية عنه ضعيفة، ولا مُشَاحَّةَ في الاصطلاح". اهـ.
٢٣ - الحمل على الراوي إنما يكون على الغالب ولا اعتداد بالقضية النادرة:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١١١):
"القضية النادرة لا يُعتدُّ بها في حمل غيرها عليها، وإنما الحمل على الغالب". اهـ.
• وفي ترجمة: الصقر بن عبد الرحمن بن مالك بن مِغول (١١١):
" ... قد بان بصنيع أبي حاتم الرازي وأبي حاتم ابن حبان أنه لم ينكر على الصقر إلا هذا الحديث، وأن بقية أحاديثه مستقيمة، فالحمل على السهو والغلط هو الأقرب، وكم مِن رجلٍ وثقوه، وقد وقع له ما يُشبه هذا (١) ". اهـ.
• وفي ترجمة: قطن بن إبراهيم (١٨٠):
قال المعلمي:
" ... فإذا كانت هذه حاله، ولم يُنقم عليه مع إكثاره إلا ذاك الحديث، فلعل الأولى أن يُحمل على العذر .. (٢) ". اهـ.
стр. 2184
• وفي ترجمة: هشام بن عروة بن الزبير بن العوام (٢٦١):
قال: "أما الوهم، فإذا كان يسيرًا يقع مثلُه لمالك وشعبة وكبار الثقات، فلا يستحق أن يُسمى خللًا في الضبط, ولا ينبغي أن يُسمى تغيرًا، غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات، ولم يذكروا في ترجمته شيئًا نُسب فيه إلى الوهم إلا ما وقع له مرة في حديث أم زرع، والحديث في (الصحيحين) وغيرهما عنه عن أبيه عن عائشة قالت: "جلس إحدى عشرة امرأة ... " فساقت القصة بطولها وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: "قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع".
وهذا السياق صحيح اتفاقًا، ولكن رواه هشام مرة أخرى فرفع القصة كلها، وقد توبع على ذلك كما في (الفتح) ولكن الأول أرجح، واستدل بعضهم على رفع القصة كلها بأن المرفوع اتفاقًا وهو قوله ﷺ : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" مبني على القصة، فلا بد أن يكون ﷺ بدأ فذكر القصة، ثم بَنى عليها تلك الكلمة، أو بدأ بتلك الكلمة فسألته عائشة فذكر القصة.
وأُجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب، وكان ﷺ قد سمعهم يحكونها، وعلم أن عائشة قد سمعتها فبنى عليها تلك الكلمة.
وعلى كُلِّ حالٍ فهذا وهمٌ يسيرٌ قد رجع عنه هشام". اهـ.
٢٤ - رفع الحرج عن الجارح إذا جرح بما يستوجب حدًّا في غير التجريح كالوصف بالزنا ونحوه:
• في ترجمة: صالح بن محمد التميمي الحافظ (١١٠):
قال المعلمي:
"نص جماعة من أهل العلم على أن قاصد الجرح إذا قال في المسئول عنه: "هو زان" لم يكن قذفًا محرمًا، وإنما هو شهادةٌ وجب عليه أداؤها". اهـ.
стр. 2185
٢٥ - رواية المحدث عن الشيخ على سبيل الاضطرار بعد أن امتنع من الرواية عنه:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ١٥٥):
"المحدث قد يمتنع من الرواية عن شيخٍ، ثم يضطر إلى بعض حديثه". اهـ.
٢٦ - مجرد وجود رواية الشيخ عن رجلٍ في الكتب لا ينفي ما ثبت عنه أنه تركه بأخرة ، ولا يتحتم على من بلغه الترك بأخرة أن لا يروي ما سمعه سابقًا:
• في ترجمة: محمد بن إبراهيم بن جناد المنقري (١٨٥):
قال المعلمي:
"إن صح عن ابن المبارك شيء من روايته عن أبي حنيفة، فهو مما رواه سابقا، فإنه لا يلزم من تركه الرواية عنه بأخرة أن يمحي ما رواه سابقا من الصدور والدفاتر، ولا يتحتم على من بلغه الترك بأخرة أن لا يروي ما سمعه سابقا". اهـ.
٢٧ - حرص المحدثين في القرن الثالث على التبكير بإسماع أبنائهم لا سيما من المعمرين رجاء علو الإسناد والشرف والمكانة عند أهل الحديث بخلاف عصر التابعين وقريبًا منهم لا سيما الكوفيين فلم يكونوا يُخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارًا حتى يستكملوا (٢٠) سنة:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٨٧):
"جرت عادة المحدثين في ذاك العصر (١) من التبكير بأبنائهم للسماع من المعمِّرين، على أمل أن يعيش الابنُ فيكون سنده عاليًا، فيكون له بذلك صيتٌ وشهرةٌ، ويرحل الناس إليه، وتلك مرتبة يحرص المحدث أن ينالها ابنه ...
ولم يكن عادة الناس في ذاك العصر (٢) بالتبكير بالسماع.
стр. 2186
وفي (الكفاية) ص ٥٤ "قَلَّ من كان يثبت (وفي نسخة: يكتب) الحديث على ما بلغنا في عصر التابعين وقريبًا منه إلا من جاوز حدَّ البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكراتهم وسؤالهم، وقيل: إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا بعد استكماله عشرين سنة".
ثم روى بعد ذلك حكايات، منها: "أنه قيل لموسى بن إسحاق: كيف لم تكتب عن أبي نعيم؟ قال: كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارًا حتى يستكملوا عشرين سنة". اهـ.
٢٨ - جرت عادة المحدثين من الحرص على الكتابة عن المعمّر ولو كان ضعيفًا رغبةً فى العلوّ:
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٧٣).
٢٩ - أهل الرأي: نشأتهم، وعلاقتهم بالرواية والرواة:
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٢):
"الأستاذ -يعني الكوثري- من أهل الرأي، ويظهر أنه من غلاة المقلدين في فروع الفقه، ومن مقلدي المتكلمين، ومن المُجارين لكتَّاب العَصْر إلى حَدٍّ ما، وكُلُّ واحدةٍ من هذه الأربع تقتضي قلةَ مبالاةٍ بالمرويات، ودربةً على التَّمَحُّل قي رَدِّها، وجُرْأَةً على مخالفتِها واتِّهام رُواتها.
أما أهل الرأي فهذه بدايتهم:
في (الصحيح) عن أبي هريرة قال: "إنكم تزعمون أن أبا هريرة يُكثر الحديث عن رَسُولِ الله ﷺ والله الموعدُ، إني كنت امرءًا مسكينًا أصحبُ رَسُولَ الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يَشغلهم القيام على أموالهم ... ".
стр. 2187
ومن تتبع السيرةَ والسنةَ، عَلم أن النبي ﷺ كان ربما يقضي بالقضية أو يحدث بالحديث أو يفتي في مسألة، وليس عنده من أصحابه إلا الواحد أو الاثنان، ثم كان معظمُ أصحابه لا يُحدثون بالحديث عنه ﵌ إلا عندما تدعو الحاجة ومنْ لازمِ ما تقدم، مع احتمال نسيان بعضهم، أو موته قيل أن يُخبر بالحديث: أن يكونَ كثيرٌ من السنن ينفرد بسماعها أو بحفظها أو بروايتها آحاد الصحابة.
ثم تفرق الصحابة في الأقطار، فمنهم من هو في باديته، ومنهم من صار إلى الشام والعراق ومصر واليمن، فكان عند أهل كل جهة أحاديثُ من السنة لم تكن عند غيرهم في أول الأمر -كما روي عن مالك-.
ثم اجتهد أصحاب الحديث في جمع السنة من كل وجه، وقد عُلم من الشريعة أنه ليس على العالِم الإحاطةُ بالعلم كله, وأن من شهد له أهل العلم بأنه عالم، فإنما عليه إذا احتاج إلى قضاءٍ أو فتوى أن ينظر في كتاب الله وفيما يعلمه من السنة، فإن لم يجد فيهما النص على تلك المسألة سأل من يسهل عليه ممن يرجو أن يكون عنده دليلٌ، فإن لم يجد، وعَرف أن لبعض الصحابة قولًا في تلك المسألة -لم يعلم له مخالفًا- أخذ به، وإن علم خلافًا رجح، فإن لم يجد قولَ صحابي ووجد قولَ تابعي ممن تقدمه -لم يعلم له مخالفًا فيه- أخذ به، وإن علم خلافًا رجح.
وكان الغالب في الترجيح أن يرجح العالمُ قولَ من كان ببلده من الصحابة أو التابعين؛ لمزيد معرفته بهم المقتضية لزيادة الوثوق، هذا مع ما لِلإِلْفِ والعادة من الأثر الخفي. فإن لم يجد شيئًا مما تقدم اجتهد رأيه، وقضى وأفتى بما يظهر له.
ثم إذا قضى أو أفتى مستندًا إلى شيءٍ مما تقدم، ثم وجد دليلًا أقوى مما استند إليه يخالف ما ذهب إليه سابقًا: أخذ مِنْ حينئذٍ بالأقوى.
على هذا جرى الخلفاء الراشدون وغيرهم، كما هو مبسوط في مواضعه، ومنها (إعلام الموقعين).
стр. 2188
وكان كثيرٌ من أهل العلم من الصحابة وغيرُهم يَتَّقُون النظرَ فيما لم يجدوا فيه نصًا، وكان منهم من يتوسَّعُ في ذلك، ثم نَشأ من أهل العلم -ولا سيما بالكوفة- من توسَّعَ في ذلك، وتوسَّع في النظر في القضايا التي لم تقعْ، وأخذوا يبحثون في ذلك، ويتناظرون، ويصرفون أوقاتهم في ذلك.
واتصل بهم جماعةٌ من طلبة العلم، تشاغلوا بذلك، ورأوه أشهى لأنفسهم وأيسر عليهم من تتبع الرواة في البلدان، والإمعان في جمع الأحاديث والآثار، ومعرفة أحوال الرواة وعاداتهم، والإمعان في ذلك ليعرف الصحيح من السقيم، والصواب من الخطأ، والراجح من المرجوح، ويعرف العام والخاص، والمطلق والمبين وغير ذلك.
فوقعوا فيما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إياكم والرأي؛ فإن أصحابَ الرأي أعداءُ السنن، أعيتْهم الأحاديثُ أن يَعُوها، وتفلتت منهم أن يحفظوها، فقالوا في الدين برأيهم" راجع (إعلام الموقعين) طبعة مطبعة النيل بمصر (١/ ٦٢) وراجع (كتاب العلم) لابن عبد البر.
فوقع فيما ذهبوا إليه وعملوا به وأفتوا: مسائلُ، ثبتت فيها السنةُ مخالفةً لما ذهبوا إليه، لم يكونوا اطلعوا عليها، فكان الحديثُ من تلك الأحاديث إذا بلغهم ارتابوا فيه؛ لمخالفته ما ذهب إليه أسلافُهم، واستمر عليه عملُهم، ورأوا أنه هو الذي يقتضيه النظر المعقول (القياس).
فمن تلك الأحاديث ما كان من الثبوت والصراحة، بحيث قهرهم، فلم يجدوا بُدًّا من الأخذ به، وكثيرٌ منها كانوا يردُّونها، ويتلمسون المعاذير، مع أن منها ما هو أثبتُ وأظهرُ وأقربُ إلى القياس من أحاديثَ قد أخذوا بها، لكن هذه التي أخذوا بها -مع ما فيها من الضعف ومخالفة القياس- وردت عليهم قيل أن يذهبوا إلى خلافها، فقبلوها اتباعًا، وتلك التي ردوها -مع قوة ثبوتها- إنما بلغتهم بعد أن استقر عندهم خلافها، واستمروا على العمل بذلك ومضى عليه أشياخهم.
стр. 2189
وربما أخذوا بشيء من النقل، ثم بلغهم من السنة ما يخالفه، فأعجزهم أن ينظروا كما ينظر أئمة الحديث لمعرفة الصحيح من السقيم والخطأ من الصواب والراجح من المرجوح، فقنعوا بالرأي، كما ترى أمثلةً لذلك في قسم الفقهيات، ولا سيما في مسألة: ما تُقطع فيه يدُ السارق، وهذا دَيدنُهم، وعليه يعتمدُ الطحاوي وغيرُه منهم.
ولهذا بينما تجد الحنفيةَ يتبجحون بأن مذهبَ أبي حنيفة وسائرِ فقهاءِ العراق تقديمُ الحديث الضعيف على القياس -وقد ذكر الأستاذ ذلك في "التأنيب" (ص ١٦١) - إذا بهم يردُّون كثيرًا من الأحاديث الصحيحة لمخالفتها آراء سلفِهم وآراءهم التي أخذوا بها، وقد كان الشافعي ينعى عليهم ذلك، ومن كلامه كما في (سنن البيهقي) ج ١ ص ١٤٨:
"والذي يزعم أن عليه الوضوء في القهقهة يزعم أن القياس أن لا ينتقض ولكنه يتبع الآثار، فلو كان يتبع منها الصحيح المعروف كان بذلك عندنا حميدًا، ولكنه يرد منها الصحيح الموصول المعروف ويقبل الضعيف المنقطع".
فالحنفية يعرفون شناعةَ ردِّ السنة بالرأي، ولكنهم يتلمسون المعاذير، فيحاولون استنباطَ أصولٍ يمكنهم إذا تشبثوا بها أن يعتذروا عن الأحاديث التي ردوها بعذرٍ سوى مخالفة القياس، وسوى الجمود على اتباع أشياخهم، ولكن تلك الأصول مع ضعفها لا تطرد لهم؛ لأن أشياخهم قد أخذوا بما يخالفها، ولهذا يكثر تناقضهم، وفي مناظرات الشافعي لهم كثير من بيان تناقضهم.
بل من تدبر ما كتبوه في أصول الفقه، بانَ له كثيرٌ من التناقض، كما ترى المتأخرُ منهم يخالفُ المتقدمَ، حتى إن الأستاذ الكوثري ذكر في "التأنيب" (ص ١٥٢ - ١٥٣) عدةَ أصولٍ لمحاربة السنن الثابتة, ومنها ما خالفَ فيه من تقدمه منهم، ولمَّا تعقبتُه في "الطليعة" (ص ١٠٢) في قوله: "عنعنة قتادة متكلم فيها" بأن ذلك
стр. 2190
الحديث في "صحيح البخاري" وفيه: "حدثنا قتادة حدثنا أنس ... " وفي "مسند أحمد" وفيه: "أن قتادة أن أنسًا أخبره ... " أجاب في "الترحيب" (ص ٤٩) بقوله: "مِنْ مذهب أبي حنيفة أيضًا كما يقول ابن رجب في "شرح علل الترمذي" ردُّ الزائد إلى الناقص في الحديث متنًا وسندًا، وهذا احتياطٌ بالغٌ في دين الله ... فهل عرفتَ الآن يا معلمي مذهبَ الإمام لتقلع عن نسج الأوهام".
هذا، والأستاذ يعلم:
أولًا: أن النسبة إلى أبي حنيفة لا يَكفي في إثباتها قولُ رجلٍ حنبلي بينه وبين أبي حنيفة عدةُ قرون!
ويعلم ثانيًا: ما في كتب مذهبه مما يخالف هذا.
ويعلم ثالثًا: أن قولَ الراوي: "قتادة عن أنس" وقوله مرة أخرى أو قول غيره: "قتادة حدثنا أنس" ومرة أخرى: "قتادة أن أنسًا أخبره" ليس من باب النقص والزيادة، وإنما هو من باب المحتمل والمعين أو المجمل والمبين.
ويعلم رابعًا: أن أصلَ الحنفية الاحتجاجُ بالمنقطع، فما لم يتبين انقطاعُه -بل هو متردد بين الاتصال والانقطاع- أَوْلَى، فإذا ثبت مع ذلك اتصالُه من وجهٍ آخر فآكدُ.
ويعلم خامسًا: أنه لا ينبغي له أن يدافع عن نفسه بإلقاء التُّهَمِ على إمامه.
فأما الاحتياط البالغ في دين الله الذي يُموه به الأستاذ: فالتحري البالغ الذي سبق ما فيه في الفصل الثالث، فلا نعيده.
والمقصود هنا أن أصحاب الرأي لهم عادةٌ ودربةٌ في دفعِ الروايات الصحيحة، ومحاولةِ القدح في بعض الرواة حتى لم يسلم منهم الصحابة ﵃، على أن الأستاذ لم يقتصر على كلام أسلافه وما يقرب منه، بل أَرْبَى عليهم جميعًا كما تراه في (الطليعة)، ويأتي بقيته في التراجم إن شاء الله تعالى.
стр. 2191
وأما غُلاةُ المُقَلِّدين فأمرهم ظاهر، وذلك أن المتبوعَ قد لا تبلغُه السُّنُّة، وقد يغفلُ عن الدليل أو الدلالة، وقد يسهو أو يخطىء أو يَزِلّ، فيقع في قولٍ تجيء الأحاديث بخلافِه، فيحتاج مقلدُوه إلى دفعها والتمحل في ردها، ولو اقتصر الأستاذ على نحو ما عُرف عنهم لَهان الخَطْبُ، ولكنه يَعُدُّ غُلُوَّهم تقصيرًا.! ". اهـ.
٣٠ - المتكلمون، وأثرهم في علوم السنة:
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٥) تكملةً للموضع السابق:
"أما المتكلمون فأوَّلُ مَنْ بلَغَنا أنه خاض في ذلك: عمرو بن عبيد، ذُكر له حديثٌ يخالف هواه، رواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ ، فقال عمرو: "لو سمعتُ الأعمشَ يقولُ هذا لكذَّبْتُه، ولو سمعتُه من زيد بن وهب لما صدَّقْتُه، ولو سمعتُ ابنَ مسعود يقوله لما قبلتُه، ولو سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول هذا لرددتُّه، ولو سمعتَ الله يقول هذا لقلتُ: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا".
وتعدَّى إلى القرآن، فقال في: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾: "لم يكونا في اللوح المحفوظ" كأنه يريدُ أن الله ﵎ لم يكن يعلمُ بما سيكونُ من أبي لهب ومن الوحيد.
ثم كان في القرن الثاني جماعةٌ ممن عُرف بسوء السيرة، والجهل بالسنة، ورِقَّةِ الدين؛ كثمامة بن أشرس والنظام والجاحظ، خاضوا في ذلك، كما أشار إليه ابن قتيبة وغيره, وجماعة آخرون كانوا يتعاطون الرأي والكلام، يردُّون الأخبار كلها، وآخرون يردُّون أخبارَ الآحاد، أي ما دون المتواتر، كَسَر الله تعالى شوكتهم بالشافعي، حتى إن شيوخه ومن في طبقتهم من الأكابر كيحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي انتفعوا بكتبه.
стр. 2192
قال الشافعي في (الأم) (ج ٧ ص ٢٥٠): "باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها" ثم ذكر مناظرته لهم. ثم قال بعدُ: "باب حكاية قول من رد خبر الخاصة" فذكر كلامه معهم، وبسط الكلام في ذلك في (الرسالة)، وفي كتاب (اختلاف الحديث).
ثم كانت المحنة وويلاتها، وكان دعاتُها لا يجرؤون على ردِّ الحديث، وسيأتي في ترجمة: علي بن عبد الله بن المديني بعضُ ما يتعلق بذلك، ثم جاء محمد بن شجاع بن الثلجي فلم يجرؤ على الرد، إنما لَفَّقَ ما حاول به إسقاط حماد بن سلمة، كما يأتي في ترجمة حماد إن شاء الله تعالى، وجمع كتابا تكلف فيه تأويل الأحاديث، وتبعه من الأشعرية ابن فورك في كتابه المطبوع.
ثم اشتهر بين المتكلمين أن النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لا تصلح حجة في صفات الله ونحوها من الاعتقادت, وصرحوا بذلك في كتب الكلام والعقائد كالمواقف وشرحها، والأمر أشد من ذلك كما يأتي في الاعتقاديات إن شاء الله تعالى.
وأستاذ يدين بالكلام ويتشدد، ومع هذا كله فغالب أصحاب الرأي وغلاة المقلدين وأكثر المتكلمين لم يُقْدِمُوا على اتهام الرواة الذين وثقهم أهل الحديث، وإنما يحملون على الخطأ والغلط والتأويل، وذلك معروف في كتب أصحاب الرأي والمقلدين، أما الأستاذ فبرز على هؤلاء جميعا! ". اهـ.
٣١ - محنة خلق القرآن وعلاقتها بعلم الرواية:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ١٨ - ٢١):
"ذكر الكوثري في (التأنيب) أسبابًا اقتضت المنافرة بين الحنفية ومخالفيهم، وأطنب في فتنة القول بخلق القرآن، ثم ذكر في "الترحيب" (ص ١٨ - ١٩) أنه يتحتم عليَّ أن أدرس ملابسات تلك الفتنة، يريد أن الدعاة إليها كانوا من أتباع أبي حنيفة؛ كبشر
стр. 2193
المريسى وابن أبي داود، ونسبوا تلك المقالة إلى أبي حنيفة، وساعدهم حفيده إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، واستحوذوا على الدولة، فَسَعَتْ في تنفيذ تلك المقالة بكل قُواها في جميع البلدان، فكان علماء السنة يُكَلَّفُون بأن يقولوا: إن القرآن مخلوق، فمن أجاب مُظهرًا الرضا والاعتقاد صار له منزلة وجاه في الدولة، وأُنعم عليه بالعطاء وولاية القضاء وغير ذلك، ومن أَبَى حُرم عطاءه وعُزل عن القضاء أو الولاية ومنع من نشر العلم، وكثير منهم سُجنوا ومنهم من جُلد، ومنهم من قُتل.
وأسرف الدعاةُ في ذلك حتى كان القُضاة لا يُجيزون شهادةَ شاهدٍ حتى يقول: إن القرآن مخلوق، فإن أَبَى ردوا شهادته، ومن أجاب مكرهًا ربما سجنوه وربما أطلقوه مسخوطًا عليه، وفي كتاب "قضاة مصر" طرفٌ من وصف تلك المحنة.
فيرى الأستاذ أن ذلك أوغرَ صدور أصحاب الحديث على أبي حنيفة، فكان فيهم من يذمه، ومنهم من يختلق الحكايات في ثلبه.
فأقول: ليس في ذلك ما يبرر صنيع الأستاذ.
أما أولًا: فلأن أصحاب الحديث منهم من صرح بأنه لم يثبت عنده نسبة تلك المقالة إلى أبي حنيفة، كما رواه الخطيب من طريق المروذي عن أحمد بن حنبل، ومنهم من وقعت له رواياتٌ تُنسب إلى أبي حنيفة بأن القرآن غير مخلوق، وتلك الروايات معروفة في "تاريخ بغداد" و"مناقب أبي حنيفة" وغيرها، فكيف يُظن بهم أن يحملوا على أبي حنيفة ذنبًا يرونه بريئًا منه، ويخرجوه من صَفِّهم، مع عدم استغنائهم عنه إلى صَفِّ مخالفهم؟.
وأما ثانيًا: فهل يريد الأستاذ أن يستنتج من ذلك أن أصحاب الحديث صاروا كلُّهم بين سفيهٍ فاجرٍ كذاب، وأحمق مغفل يستحل الكذب الذي هو في مذهبه من أكبر الكبائر وأقبح القبائح؟ فليت شعري عند من بقي العلم والدين؟ أعند الجهمية الذين يعزلون الله وكتبه ورسله عن الاعتداد في عظم الدين وهو الاعتقاديات، ويتبعون فيها الأهواء
стр. 2194
والأوهام؟! يقال لأحدهم: قال الله ... ، وقال رَسُولُ الله ﷺ ، فتلتوي عنقه ويتقبض وجهه تبرمًا وتكرهًا، ويقال له: قال ابن سينا ... ، فيستوي قاعدًا ويسمو رأسه وينبسط وجهه وتتسع عيناه وتصغي أذناه, كأنه يتلقى بُشرى عظيمة كان يتوقعها. فهل هذا هو الإيمان الذي لا يزيد ولا ينقص يا أستاذ!! ... ". اهـ.
• وفي ترجمة: إسماعيل بن إبراهيم بن معمر أبي الهذلي الهروي الكوفي (٤٧): قال الشيخ المعلمي:
"ما جاء عن الإمام أحمد أنه كان ينهى عن الكتابة عن الذين أجابوا في المحنة فليس ذلك على معنى جَرْح من أجاب مُكرها، بل أراد بذلك تثبيت أهل العلم والعامَّة، أما أهل العلم فخشية أن يبادروا بالإجابة قيل تحقق الإكراه، وأما العامَّة فخشية أن يتوهموا أن الذين أجابوا أجابوا عن انشراح صدر". اهـ.
• وفي ترجمة: الحسن بن علي بن محمد الحلواني (٧٧):
قال المعلمي:
"إنما لم يحمده أحمد؛ لأنه بلغه عنه أنه مع قوله: "القرآن كلام الله غير مخلوق ما نعرف غير هذا" امتنع من إطلاق الكفر على القائلين بخلق القرآن، فكان أحمد رأى أن امتناع العالم في ذاك العصر من إطلاق الكفر عليهم يكون ذريعةً لانتشار تلك البدعة التي جَدَّ أهلُها والدولةُ معهم في نشرها وحَمْل الناس عليها، ولعل الحلواني لم ينتبه لهذا، وعارض ذلك عنده ما يراه مفسدة أعظم". اهـ.
• وفي ترجمة: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس أبي محمد بن أبي حاتم الرازي (١٤٠): قال المعلمي:
"إن صح عن ابن أبي حاتم إطلاقُ أن قولَ: "لفظي بالقرآن مخلوق" كفرٌ مخرجٌ عن الملة، فمراده بذلك قولُ تلك الكلمة معنيًا بها أن القرآن مخلوق.
стр. 2195
وأهل العلم قد يحكمون على الأمر بأنه كفر، ولا يحكمون بأن كل من وقع منه خارج عن الملة؛ لأن شرط ذلك أن لا يكون له عذر مقبول، ويأتي مثل هذا في الزنا والربا وغيرهما.
وقد جاء في الحديث تعريفُ الغِيبة بأنها ذِكْرُك أخاك بما يكره، وقد يذكر المؤمن أخاه بما يكره غير شاعر بأنه يكرهه، بل ظانا أنه يحبه، فلا يلحقه الإثم، وإن صح أن يُسمى ما وقع منه غيبة، وصح أن يقال: الغيبة حرام يأثم صاحبها، وقد قال الله ﵎: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦].
المختار في معنى الآية أن التقدير: "من كفر بالله بعد إيمانه فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان"، فحذف هذا الجواب وهو قولنا "فعليهم غضب ... " لدلالة ما بعد ذلك عليه.
فدل الاستثناء على أن من أُكره فأظهر الكفر ؤقلبه مطمئن بالإيمان، فقد كفر من بعد إيمانه، وإن كان لا غضب عليه ولا عذاب.
ومع هذا فقد يكون أطلق في القرآن في مواضع كثيرة ترتب العقوبة على الكفر، فعلم بذلك جواز ذاك الإطلاق، وإن كان الحكم مختصًا بغير المكره؛ لأنه قد قام الدليل على إخراج المكره، فلا محذور في الإطلاق.
فكذلك هنا، لا حرج في إطلاق أن قول تلك الكلمة كفر مخرج عن الملة، وإن كان هذا الحكم مختصًا بمن ذكرنا". اهـ.
• وفي ترجمة: علي بن عبد الله بن المديني (١٦٣):
قال الشيخ المعلمي:
"أما مسايرته لابن أبي داود، فقد أجاب عنها مرارًا بأنه مُكره، وكان في أيام المحنة إذا خلا بمن يثق به من أهل السنة ذكر له ذلك، وأنه يرى أن الجهمية كفار، جاء ذلك من طرق.
стр. 2196
فإن قيل: لم يكن الدعاةُ يُكرهون أحدًا أن يكون معهم، وإنما كانوا يُكرهون على قولِ مثلِ مقالتهم، كما فعلوا بيحيى بن معين وغيره، فكيف أَكرهوا ابن المديني على مسايرتهم؟
قلت: كان الدعاة يرون أنه لا غنى لهم عن أن يكون بجانبهم من يعارضون به الإمام أحمد، ولم يكن هناك إلا ابن المديني أو يحيى بن معين، فأما ابن معين فإنه وإن كان أضعف صبرًا وأقل ثباتًا من أحمد بحيث أنه أجاب عند الإكراه إلى إجراء تلك المقالة على لسانه، فلم يكن من الضعف بحيث إذا هددوه وخوفوه على أن يسايرهم ليجيبهم إلى ذلك، ولعلهم قد حاولوا ذلك منه فأخفقوا، فما بقي إلا ابن المديني، وكان هو نفسه شهد على نفسه بالضعف قال: "قوي أحمد على السوط ولم أقو". وقال لابن عمار: "خفتُ أن أُقتل، وتَعلم ضعفي، أني لو ضُربت سوطًا واحدًا لمت" أو نحو هذا. وقال لأبي يوسف القلوسي لما عاتبه: "ما أهون عليك السيف". وقال لعلي بن الحسين: "بَلِّغْ قومَك عَنِّي أن الجهمية كفار، ولم أجد بُدًا من متابعتهم؛ لأني حُبست في بيتٍ مظلمٍ، وفي رجلي قيد، حتى خفت على نفسي". وذُكر عند يحيى بن معين فقال: "رجل خاف" ..... ". اهـ.
• وفي ترجمة: نعيم بن حماد (٢٥٨):
قال المعلمي:
"نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة، ما كفى الجهمية الحنفية أن اضطهدوه في حياته, إذ حاولوا إكراهه على أن يعترف بخلق القرآن، فأبى، فخلدوه في السجن مثقلًا بالحديد حتى مات، فَجُرَّ بحديده, فأُلقي في حفرة، ولم يكفن ولم يُصل عليه -صلت عليه الملائكة- حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب ... ". اهـ.
стр. 2197
٣٢ - قضية الخروج على بعض الأمراء، واختلاف العلماء في ذلك، وترتب الذم والمدح للرواة بناء عليه:
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٩٣ - ٩٤):
"كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروجَ على خلفاء بني العباس؛ لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالَهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو اسحق -يعني الفزاري- ينكر ذلك.
وكان أهلُ العلم مختلفين في ذلك، فمن كان يرى الخروج يراهُ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين، وتفريقٌ لكلمتهم، وتشتيتٌ لجماعتهم، وتمزيقٌ لوحدتهم، وشغل لهم بقتل بعضهم بعضًا، فتَهِنُ قوتُهم وتقوَى شوكةُ عدوِّهم وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها الكفار، ويقتلون من فيها من المسلمين، ويذلونهم، وقد يستحكم التنازع بين المسلمين فتكون نتيجته الفشل المخزي لهم جميعًا.
وقد جَرَّبَ المسلمون الخروجَ، فلم يروا منه إلا الشر، خرج الناس على عثمان، يرون أنهم إنما يريدون الحقَّ، ثم خرج أهل الجمل، يرى رؤساهم ومعظمهم أنهم إنما يطلبون الحقَّ، فكانت ثمرة ذلك بعد اللتيا والتي أن انقطعت خلافة النبوة، وتأسست دولة بني أمية , ثم اضطر الحسن بن علي إلى ما اضطر إليه، فكانت تلك المأساة, ثم خرج أهل المدينة، فكانت وقعة الحرة، ثم خرج القراء مع ابن الأشعث فماذا كان؟ ثم كانت قضية زيد بن علي، وعَرض عليه الروافضُ أن ينصروه على أن يتبرأ من أبي بكر وعمر، فأبى، فخذلوه, فكان ما كان، ثم خرجوا مع بني العباس، فنشأت دولتهم التي رأى أبو حنيفة الخروج عليها، واحتشد الروافض مع إبراهيم (١) الذي رأى أبو حنيفة الخروج معه، ولو كتب له النصر لاستولى الروافض على دولته، فيعود أبو حنيفة يفتي بوجوب الخروج عليهم!
стр. 2198
هذا، والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به جاز الخروج وإلا فلا.
وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان، وأولاهما بالصواب من اعتبر بالتاريخ، وكان كثيرَ المخالطة للناس والمباشرة للحروب والمعرفة بأحوال الثغور، وهكذا كان أبو إسحاق". اهـ.
• وذكر الشيخ المعلمي في "حاشية الأنساب" (٢/ ٧٤ - ٧٥): الحسن بن صالح ابن صالح بن حيّ الهمداني الثوري الكوفي، فقال:
"إمام من أئمة المسلمين، إنما أنكر عليه بعض معاصريه من الأئمة تحبيذه الخروج على خلفاء الجور؛ رأى المنكرون عليه أن الخروج في زمنهم لا يؤدي إلا إلى ما هو أعظم شرا، ويخشون أن يعمل بعض أهل الخير والصلاح برأي الحسن، فيخرجوا، فيشتد الشر على المسلمين جميعا، فشددوا النكير عليه ليكفوا الناس عن التسرع في العمل برأيه". اهـ.
* * *
стр. 2199
ملحق (١)
المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد يظهر فيها تميزه عن كثير من المتأخرين
يشتمل ذلك على (٢٢) حديث من أحاديث "الفوائد المجموعة" نقدها الشيخ المعلمي، وناقش فيها غير واحد من الحفاظ.
أكتفي في هذا المنتقى بسرد كلام الشوكاني متخلَّلا بتعليقات المعلمي بين حاجزين []، مع بعض الحواشي التكميلية زيادةً مني، ويُدْرَكُ المرادُ من هذا الملحق بتأمل وتدبر السياق، وبالله التوفيق.
الحديث الأول:
(ص ٥٥): "إذا دخل أحدكم بيته فلا يجلس حتى يركع".
قال الشوكاني:
قال الأزدي: لا أصل له. وقد أخرجه البيهقي من حديث أبي هريرة بلفظ: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعل له من ركعتيه في بيته خيرا" (١).
стр. 2200
[قال المعلمي: في سنده إبراهيم بن يزيد بن قديد، رواه سعد بن عبد الحميد عنه, عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعا.
ذكر البخاري إبراهيم هذا في التاريخ (١/ ١ / ٣٣٦) وذكر هذا الحديث، ثم قال البخاري: هذا لا أصل له، وفي ترجمة إبراهيم من الميزان (١) ذكر هذا الحديث، وأن ابن عدي قال: هذا منكر بهذا الإسناد عن الأوزاعي.
وفي اللسان (٢) أن العقيلي ذكر إبراهيم، وقال: في حديثه وهم وغلط. ثم ساق هذا الحديث.
وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" عن الأزدي، وأنه قال: إبراهيم ليس حديثه بشيء، روى عن الأوزاعي مناكير، فذكر منها .... فذكر هذا الحديث، ثم قال: لا أصل له.
تعقبه السيوطي في اللآلىء (٢/ ٢٤) بقوله: قلت: قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": إبراهيم هذا ذكره ابن حبان في الثقات انتهى ثم ذكر الشواهد، وكذا صنع شارح الإحياء (٣/ ٤٦٥) مع أن بقية عبارة اللسان: فقال يعني ابن حبان في الثقات (٣): يعتبر حديثه من غير رواية سعيد. كذا.
قلت: قد قال ابن عدي: لا يحضرني له غيره، وسعيد بن عبد الجبار الراوي عنه أخرج له ابن ماجه، وقد قال أبو أحمد: إنه يروي الكذب، فالآفة منه، كذا قال: سعيد بن عبد الجبار، وكذلك قال في حكاية عبارة "الميزان"، مع أن الذي في "الميزان" المطبوع: سعد بن عبد الحميد، والتغيير من ابن حجر نفسه؛ فإن الذي
стр. 2201
روى له ابن ماجه وحده وتكلم فيه أبو أحمد الحاكم هو: سعيد بن عبد الجبار الزبيدي، ترجمته في التهذيب (٤/ ٥٣) وفيها: قال أبو أحمد الحاكم: يرمى بالكذب.
فأما سعد بن عبد الحميد بن جعفر فروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه، وترجمته في التهذيب (٣/ ٤٧٧) وليس فيها عن أبي أحمد شيء، وإنما فيها عن ابن حبان: كان ممن يروي المناكير عن المشاهير، وممن فحش وهمه، حتى حسن التنكب عن الاحتجاج به.
وقال ابن أبي حاتم في ترجمة إبراهيم (١): كان يسكن الثغر، روى عن الأوزاعي، روى عنه سعد بن عبد الحميد بن جعفر.
والغالب على الظن أن ما وقع في اللسان وهم، وإنما روى عن هذا الرجل: سعد بن عبد الحميد بن جعفر، وعلى كل حال فقد بان أن ابن حبان إنما ذكر إبراهيم في الثقات؛ لأنه يرى الحمل في هذا الحديث على الراوي عنه] اهـ.
قال الشوكاني: وأخرج البزار في مسنده من حديث أبي هريرة: "إذا دخلت منزلك فصل ركعتين تمنعانك مدخل السوء، وإذا خرجت من مجلسك فصل ركعتين تمنعانك من مخرج السوء (٢).
قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون.
стр. 2202
[قال المعلمي: هو من طريق يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن صفوان ابن سليم، وقد أخرجه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه، وفيه: قال بكر: حسبته عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. كذا في شرح الإحياء، ووقع في اللآلىء: قال بكر: حسبته عن أبي هريرة.
فأما البزار فلا أدري وقع عنده هكذا أم وقع: صفوان بن سليم، عن أبي سلمة, عن أبي هريرة.
وفي شرح الإحياء عن ابن حجر: هو حديث حسن، ولولا شك بكر لكان على شرط الصحيح.
أقول: بكر لم يوثقه أحد، وليس له في البخاري إلا حديث واحد متابعة، وقد أخرجه البخاري من طريق أخرى.
كذا قال ابن حجر نفسه في مقدمة الفتح ص (٣٩١) وليس له عند مسلم إلا حديث واحد، وهو حديث أبي ذر: قلت يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: يا أبا ذر إنك ضعيف إلخ.
ثم أخرجه مسلم من وجه آخر، فروايته عن بكر في معنى المتابعة، وليس له عند مسلم غيره، كما يعلم من الجمع بين رجال الصحيحين.
ففي تحسين حديثه نظر، كيف وقد شك فيه، مع أن الراوي عنه يحيى بن أيوب هو الغافقي، راجع ترجمته في مقدمة الفتح].
قال الشوكاني: وأخرج سعيد بن منصور عن النبي ﷺ أنه قال: "صلاة الأوابين صلاة الأبرار، وصلاة الأبرار ركعتان إذا دخلت بيتك وركعتان إذا خرجت (١).
стр. 2203
[قال المعلمي: هو من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن عثمان بن أبي سودة أن النبي ﷺ قال ... ، والوليد مدلس! التسوية، وعثمان بن أبي سودة: تابعي، وثقه بعضهم، ولم يقنع ذلك ابن القطان فقال: (لا يعرف حاله) والخبر على هذا مرسل.
وفي اللآلىء أن عيسى بن يونس رواه "عن رجل، عن عثمان بن أبي سودة قال: كان يقال .... " فذكره.
ومما يريب في الخبر من أصله أن أمهات المؤمنين لم يذكرن شيئًا من ذلك من فعل النبي ﷺ ، والله أعلم]. اهـ. كلام المعلمي
الحديث الثاني:
(ص ٦٧): "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه".
قال الشوكاني:
رواه الخطيب عن ابن عباس مرفوعًا (١).
[قال المعلمي: "في سنده طلحة بن عمرو هالك"].
قال الشوكاني:
ورواه أيضًا من حديثه بلفظ: "اطلبوا الخير عند صباح الوجوه" (٢).
وفي إسناده: أحمد بن أبي سلمة المدائني، يحدث عن الثقات بالأباطيل.
[قال المعلمي: "وفي السند غيره من الضعفاء: عيسى بن خشنام، ومنصور بن عمار"].
стр. 2204
قال الشوكاني:
ورواه بإسناد آخر عنه: فيه مصعب بن سلام التميمي. ضعفه يحيى، وابن المديني، وأبو داود (١).
[قال المعلمي: "نسبوه إلى الصدق، إلا أنه كان لا يضبط الأسانيد، فكان يجعل حديث ذا لذا، وشيخه والراوي عنه لم أعرفهما"].
قال الشوكاني:
ورواه العقيلي من حديثه بإسناد فيه عصمة بن محمد الأنصاري: كذاب وضاع (٢).
وقد روى هذا الحديث: الترمذي.
[قال المعلمي: "كذا في الأصلين، وإنما قال في اللآلىء عند ذكر مصعب بن سلام "روى له الترمذي" يعني غير هذا الحديث"].
قال الشوكاني:
والطبراني من حديثه (٣).
[قال المعلمي: "أي من حديث ابن عباس، ولفظه: " ... عبد الله، عن العوام، عن مجاهد، عن ابن عباس، رواه رفعه إلخ" عبد الله هو ابن خراش بن حوشب كما
стр. 2205
في مجمع الزوائد (٨/ ١٩٥)، وقال: "وثقه ابن حبان، وقال: ربما أخطأ، وضعفه غيره"، أقول: بل هو هالك. راجع ترجمته"].
قال الشوكاني:
ورواه عبد بن حميد من حديث ابن عمر (١).
[قال المعلمي: "في سنده محمد بن عبد الرحمن بن المجبر تالف جدًّا"].
قال الشوكاني:
وكذا رواه ابن حبان من حديثه بإسناد فيه الكديمي: وضاع (٢). وكذا رواه الطبراني من حديثه (٣).
[قال المعلمي: "كذا وقع في الأصلين، والذي في اللآلىء، أخرجه السلفي في الطيوريات ... " وساق بعض سنده وفيه من لم أعرفه]
قال الشوكاني:
ورواه الطبراني أيضًا من حديث جابر بإسناد فيه محمد بن زكريا. وضاع (٤).
[قال المعلمي: "قد توبع، فالبلاء ممن فوقه، رواه عن سليمان بن كران، عن عمر ابن صهبان، وعمر متروك وإن أثنى عليه من لا يُعتد بثنائه، وسليمان فيه نظر"].
стр. 2206
قال الشوكاني:
ورواه الخطيب من حديث أنس بإسناد فيه محمد بن محمد الطرازي، وضاع (١).
[قال المعلمي: "رواه عن أبي سعيد العدوي، عن خراش، وهما وضاعان أيضًا، وزاد ابن الجوزي في هذا الموضع فرواه من طريق سليمان بن سلمة، وقال: "اتهمه ابن حبان بالوضع" وذكر السيوطي أن له طريقًا أخرى في تاريخ ابن عساكر، ولم يسق سندها، وذلك يدل على سقوطه"].
قال الشوكاني: ورواه العقيلي من حديث أبي هريرة. وفي إسناده: عبد الرحمن بن إبراهيم ليس بشيء، ومحمد بن أزهر البجلي يحدث عن الكذابين (٢).
وقد رواه الدارقطني من حديثه بإسناد فيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وضاع.
[قال المعلمي: "رواه الغفاري عن يزيد بن عبد الملك النوفلي، وقد رواه غير الغفاري عن يزيد فالحمل على يزيد، وهو هالك، ولا اعتداد بتوثيق ابن سعد إذا خالف، فإن مادته من الواقدي، كما قاله ابن حجر في تراجم: عبد الرحمن بن شريح، ومحارب بن دثار، ونافع بن عمر الجمحي من مقدمة الفتح، والواقدي لا يعتد به، وللنوفلي سند آخر رواه عنه ابن يحيى -وهو قريب منه- عن يزيد بن خصيفة, عن أبيه, عن جده مرفوعًا، ولا يُعرف والد يزيد بن خصيفة في الرواة ولا جده في الصحابة.
والخبر عند الطبراني في "الأوسط" (٣)، وفي "اللآلىء" أن الطبراني أخرجه في "الأوسط" (٤) من طريق عطاء، عن أبي هريرة.
стр. 2207
أقول: في سنده طلحة بن عمرو المذكور أول الكلام على هذا الحديث، وهو هالك، ثم ذكره عن أحمد بن منيع، عن عباد بن عباد بن هشام بن زياد، عن الحجاج ابن يزيد، عن أبيه مرفوعًا، وهشام هو أبو المقدام متروك ليس بشيء، ولا يُعرف الحجاج ولا أبوه"].
قال الشوكاني:
ورواه العقيلي عن عائشة بإسناد فيه متروك (١). ورواه عنها ابن عدي بإسناد فيه وضاع (٢)، ورواه أيضًا عنها البخاري في "التاريخ" بإسناد فيه عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي متروك (٣).
قال في اللآلىء: روى له الترمذي، وابن ماجه، وذكر له متابعين.
[قال المعلمي: "المتروك هو عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي، ذكر البخاري في "التاريخ" (١/ ١ / ٥١ و ١٥٧) الخبر من طريقه "عن امرأته جبرة، عن أبيها، عن عائشة" مرفوعًا، وذكره عن إسماعيل بن عياش، عن جبرة بنت محمد بن ثابت بن سباع، عن أبيها، عن عائشة, وذكر السيوطي أن البيهقي أخرجه في الشعب (٤) من هذا الوجه، ومن طريق خالد بن عبد الرحمن المخزومي عن جبرة, قال: ورواه عبد الله بن عبد العزيز عن جبرة، أقول: خالد وعبد الله تالفان، وخالد من شيوخ إسماعيل بن عياش، وإسماعيل يدلس كما في طبقات المدلسين (ص ١٢)، فأخشى أن يكون إنما سمعه من خالد عن جبرة فدلسه، وهو مع ذلك سيء الحفظ جدًّا في غير أحاديث الشاميين وجبرة غير شامية، وفي خبر المليكي: أن جبرة امرأته، وقد جاء أنها امرأة ابنه محمد.
стр. 2208
وفي آخر باب الخاء المعجمة من "لسان الميزان": "خيرة بنت محمد بن سباع، عن أبيها، عن عائشة ﵂ وعنها إسماعيل بن عياش، لا تعرف" وهي هذه، والصحيح في اسمها جبرة -بجيم وموحدة- وهي بنت محمد بن ثابت بن سباع كما سبق، وأبوها ذكره ابن حبان في الثقات، وذلك لا يكفي في معرفة حاله".
وذكر السيوطي أن الخبر روي عن علي بن أبي طالب، وعن أبي بكرة (١) ولم يسق سنديهما لسقوطهما فيما أرى، وذكر أن ابن أبي شيبة أخرجه عن نفر من التابعين مرسلًا (٢)، ولم يسق الأسانيد، ثم قال: "وهذا الحديث في معتقدي حسن صحيح" (٣).
كذا قال: وإنما أولع الناس بهذا الخبر لاحتياجهم إلى التوسل به إلى حاجاتهم، تكون لأحدهم الحاجة إلى رجل جميل الوجه في الجملة، فيروي هذا الخبر ويسأله حاجته، وفي ذلك عدة بواعث للمسئول على قضاء الحاجة، فمن ثَمَّ عُني به الكذابون، ونشط غيرهم لروايته عنهم، وفيما هنا روايتهم له عن ثمانية من
стр. 2209
الصحابة معروفين، وعن اثنين غير معروفين، وتعددت الطرق كما رأيت، والله المستعان"]. اهـ.
الحديث الثالث:
(ص ٩٨): "من وسّع على عياله يوم عاشوراء، وسّع الله عليه سائر سنته".
قال الشوكاني:
رواه الطبراني عن أنس مرفوعًا، وفي إسناده: الهيصم بن شداخ، مجهول (١).
ورواه العقيلي عن أبي هريرة , وقال: سليمان بن أبي عبد الله مجهول.
[قال المعلمي: "في السند إليه: محمد بن ذكوان، وهو الأزدي الطاحي، منكر الحديث، قاله البخاري وأبو حاتم، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة: حدثني محمد بن ذكوان، وكان كخير الرجال، ثم قال أبو داود: ولم يرو شعبة عن محمد بن ذكوان إلا هذا الحديث، وقد روى شعبة عن آخر يقال له: محمد بن ذكوان، فإن كان أراد صاحبنا فقول شعبة "كخير الرجال" ليس بتوثيق، وقد يكون الرجل صالحًا في نفسه، وليس بشيء في الرواية,
стр. 2210
واقتصار شعبة على حديثٍ يشعر بما ذكرت, وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: "محمد بن ذكوان الذي روى عنه شعبة ثقة" فإن كان أراد هذا فكأنه لم يخبره, بل بنى على الغالب أن شعبة لا يروي إلا عن ثقة، وقوي عنده ذلك بقول شعبة "كان كخير الرجال""].
والحديث غير محفوظ (١).
قال في اللآلىء: وقال الحافظ أبو الفضل العراقي في أماليه: قد ورد من حديث أبي هريرة من طرق، صحح بعضها أبو الفضل بن ناصر [وتعقبه ابن الجوزي في الموضوعات، وابن تيمية في فتوى له (٢)، فحكما بوضع الحديث من تلك الطريق. قال: والحق ما قالاه]
[قال المعلمي: "ما بين الحاجزين ليس في اللآلىء"]
قال الشوكاني:
وسليمان المذكور ذكره ابن حبان في "الثقات". والحديث حسن على رأيه، وقد رُوي من حديث أبي سعيد عند البيهقي في الشعب (٣).