← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

والثقة بالنسخة علمًا درجات: • أعلاها: أن تكون بخط المصنف، وقُرئت عليه، أو قرأها هو على الناس، أو كرر النظر فيها. • ودون تلك: أن تكون فرعا عن أصل المصنف، وقابله ثقة مع المصنف. • ودون هذا: أن تكون فرعا عن أصل المصنف، وقابله ثقة على أصل المصنف مع ثقة آخر غير المصنف. • ودونه: أن تكون فرعا قد قابله ثقتان على فرعٍ قابله ثقة مع المصنف. ثم هكذا، كلما بَعُدَ الفرع عن أصل المصنف ضعفت الثقة به بالنسبة إلى ما قبله؛ وذلك لما قضت به العادة من أن الفرع وإن قوبل على الأصل لا يخلو عن مخالفة للأصل في مواضع، ولذلك أسباب منها: ١ - التصحيف؛ فإن أكثر الحروف تتحد صورة الحرفين منها، وإنما يميز بينهما النقط، وذلك: الجيم والخاء مع الحاء، والدال مع الذال، والراء مع الزاي، والسين مع الشين، والصاد مع الضاد، والطاء مع الظاء، والعين مع الغين. وثلاثة من أحرف "بثينة" مع السين. ومنها ما يتحد الحرفان فأكثر في الصورة، وإنما التمييز بصورة النقط، وذلك: الجيم مع الخاء، والفاء مع القاف، وكل من أحرف "بثينة" إذا لم تنقط احتملت أكثر من ثلاثة آلاف وجه. فإن قيل أكثر تلك الوجوه لا معنى لها في اللغة، والسياق قد يُعين أحد المحتملات التي لها معنى.

стр. 2277

قلت: كثير من المحتملات لها معنى في هذا المثال وفي غيره، والسياق كثيرا ما يحتمل وجهين أو أكثر، والناظر إذا كان متحريا لا يأمن أن يكون في الوجوه المحتملة ما له معنى يناسب السياق، وإن جهله هو لعدم إحاطته باللغة، ولا سيما إذا كان السياق إنما يقتضي أن تلك الكلمة اسم شجرة أو عَلَم موضع أو عَلَم إنسان، فإن هذا السياق لا يُغني شيئا؛ لكثرة أسماء الشجر والأماكن والناس وكثرة الغريب منها. قال ابن قتيبة في كتاب "الشعر والشعراء" (ص ٩): "كل العِلْم محتاجٌ إلى السماع (يعني التلقي من أفواه العلماء الضابطين)، وأحوجه إلى ذلك علم الدين، ثم الشِّعر؛ لما فيه من الأسماء الغريبة واللغات المختلفة والكلام الوحشي، وأسماء الشجر والنبات والمواضع والمياه، فإنك لا تفصل في شعر الهذليين إذا أنت لم تعرفه بين "شَابَه" و"سايَة" وهما موضعان، ولا تثق بمعرفتك في حَزْم نبايع (١)؛ وعروان (٢) الكراث وشسَّيْ عبقر (٣) وأُسْد حَلْيَة وأُسْد تَرْج ودُفاق وتضارع؛ لأنه لا يلحق بالفطنة والذكاء كما يلحق مشتق الغريب ... ". ثم ذكر أمثلة مما يقع فيه الخطأ في بعض الألفاظ. وقال عبد الغني بن سعيد المصري في أول كتابه "المؤتلف والمختلف" (ص ٣): "أنبأنا أبو عمران موسى بن عيسى الحنيفي قال: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي يقول: أولى الأشياء بالضبط أسماء الناس؛ لأنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله شيء ولا بعده شيء يدل عليه".

стр. 2278

هذا، وكان القدماء كثيرا ما يتركون نقط ما حقه أن ينقط، كما هو مشاهد في كثير من النسخ القديمة، وإنما يدعونه إيثارا لسرعة الكتابة، واتكالا على أن أهل العلم يأخذون الكتب بالسماع من أفواه العلماء، فيحفظون الأسماء بضبطها، وقد يكون بعض العلماء كان يتعمد ترك النقط إلجاءً لطالبي العلم إلى السماع من أفواه العلماء، كي لا يتكلوا على الصحف، وما كان منقوطا من النسخ القديمة كثيرًا ما يشتبه فيه النقط قتشتبه النقطة بالنقطتين، والنقطتان بالثلاث، ويقع كثير من النقط بعيدًا عن الحرف الذي هو له فيظن أنه لحرف آخر عن يمين ذاك الحرف أو يساره أو فوقه في السطر الأعلى أو تحته في الأسفل. والناقل قد ينقط بعضى ما لم ينقط في الأصل برأيه فيخطىء، وقد يترك نقط ما هو منقوط فيكون ذلك سببيا لخطأ من بعده، وقد يجعل نقط حوف لغيره عن يمينه أو يساره أو فوقه أو تحته بناء عله ما تراءى له من الأصل لِبُعد النقط عن الحرف الذي هو له. السبب الثانى: أن كثيرًا من الأصول يشتبه فيها حرف بآخر وكلمة بأخرى، وإن كانت صور الحروف في أصل وضع الخط مختلفة؛ وذلك لتعليق الخط أو رداءته أو قرمطته، فيلتصق منه ما حقه الاقتراق ويفترق ما حقه الالتصاق، أو لأن لكاتب الأصل اصطلاحا لا يعرفه الناقل أو غير ذلك. ولبيان هذا أثبت هنا بعض الكلمات التي وقع فيها التحريف في نسخ تاريخ البخاري ونبهت عليها في التعليق عليه، التقطتها من التعاليق على القسم الأول من المجلد الأول من التاريخ المطبوع. أذكر أولًا صورة ما وقع في النسخ خطأ في سطر ثم أكتب في السطر الثاني تحت الكلمة ما هو الصواب فيها:

стр. 2279

[جدول]

стр. 2280

السبب الثالث: أن الخمسة الأحرف الأول من "بثينة" صورة كل منها كما تراه نبرة واحدة، فكثيرا ما تخفى النبرة، وكثيرا ما تترك، وكثيرا ما يُكتفى عنها بمدة بين الحرفين الذي قبلها والذي بعدها؛ فيشتبه: أسد وأسيد، وبسر، وبشير، وجبر وحبير، وحسن وحسين، وسعد وسعيد، وعبد الله وعبيد الله .... وغير ذلك. السبب الرابع: أن الناقل قد يرى بحاشية الأصل أو بين السطور عبارةً فيظنها لَحقا فيدرجها في المتن، أو يراها حاشيةً فيدعها، وقد يخطىء في ظنه يظنها لحقا وهي حاشية أو عكسه، وقد يصيب في ظنه أنها لَحق ولكن يخطىء في موضعها من المتن فيضعها في غير موضعها. السبب الخامس: أن النساخ كثيرًا ما يكررون بعض العبارات وكثيرا ما يسقطون، والغالب أن يكون ذلك عن زيغ النظر من كلمة إلى نظيرتها، ينظر الناسخ أو المملي عليه في الأصل فيأخذ عبارة ثم يصرف نظره عن الأصل فتكتب تلك العبارة في النقل ثم يكر ببصره على الأصل فيقع بصره على كلمة مثل الكلمة التي انتهى إليها في الكتابة فيظنها إياها فيأخذ ما بعدها. وأكثر ما يتفق مثل هذا إذا كانت كلمة في سطر، وبإزائها في السطر الذي يليه نظيرتها، وقد يحتاط بعض النساخ فلا يكتفي بكلمة بل ينظر جملة، ولكن كثيرًا ما يتفق في الأصول إعادة الجملة الواحدة مرارًا، تصفح إن أحببت أوراقا من القسم الأول من المجلد الثالث من كتاب ابن أبي حاتم المطبوع بدائرة المعارف، وتأمل المواضع التي نبه المصحح على سقوطها من أحد الأصلين يتضح لك ما تقدم، وعلى الأخص صفحات ٩، ١١، ١٣، ١٥، ١٦، ١٨، ٢٢، ٢٣، ٢٦. فأما التكرار فلم ينبه عليه المصحح، ولكن يمكنك قياسه على الإسقاط؛ لأن سببهما واحد.

стр. 2281

السبب السادس: التحريف السمعي، وذلك بما إذا كان الأصل بيد رجل يملي على الناسخ، والناسخ يكتب، فإن كثيرًا من الحروف تتقارب مخارجها بل تتحد في ألسنة بعض الناس، ولا سيما الأعاجم، كالهمزة مع العين ومع القاف، والباء مع الفاء، والتاء مع الدال والطاء، والثاء مع السين والصاد، والجيم مع القاف والكاف، والحاء مع الهاء، وغير ذلك، فقد يُملي المُملي "أطعنا" فيكتبها الناقل "أتانا" وقس على ذلك، وقد يتحد لفظ كلمة بكلمتين، وإنما التمييز بالفصل والوصل، فيملي المملي مثلًا "إن جاز" فيكتبها الناسخ "إنجاز" أو عكسه. وحروف المد تسقط في الوصل، فيتحد لفظ "سمعا القول" و"سمع القول" وكذا "ادعوا القوم" و"ادع القوم" وقس على ذلك. السبب السابع: أن الناسخ أو المُملي عليه قد يتصرف برأيه فيزيد أو ينقص أو يغير. وقع في "لسان الميزان" (٣/ ٦) في الكلام على سالم بن هلال: "ذكره ابن حبان في الثقات، وقال فيه الناجي: يروي عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه روى عنه يحيى بن سعيد القطان". والذي في الثقات (١): "سالم بن هلال الناجى، يروي عن أبي الصديق الناجي، روى عنه يحيى بن سعيد القطان". وأبو الصديق الناجى تابعي مشهور اسمه بكر بن عمرو. ووقع في "الميزان" في ترجمة محمد بن عمر الجعابي: "حدث عن أبي حنيفة وابن سماعة وأبي يوسف القاضي". وفي "لسان الميزان" (٥/ ٣٢٣): "حدث عن أبي حنيفة ﵁ ومحمد بن الحسن ويوسف القاضي".

стр. 2282

وفي "تذكرة الحفاظ" (٣/ ١٣٠): "سمع محمد بن الحسن بن سماعة ويوسف بن يعقوب القاضي و ..... وأبا خليفة الجمحي". السبب الثامن: التحريف الذهني. قد تستولي كلمة على فكر الإنسان وتشغله، فإذا حاول أن يملي غيرها أو يكتب سبقت هي إلى لسانه أو قلمه فينطق بها أو يكتبها وهو لا يشعر، وقد جرى لي مثل هذا مرارًا. فهذه الأسباب وغيرها توقع الناسخ في الغلط، فإن لم يقابل الفرع على الأصل بقيت الأغلاط في الفرع، وإن قوبل فالمقابلة تختلف باختلاف درجة المقابلين في العلم والمعرفة والتثبت والاحتياط، ومع ذلك كله فالغالب أنها تبقى أغلاط، وإذا أنت تدبرت الأسباب المتقدمة علمت أنها قد تتفق للمقابل كما تتفق للناسخ، والبرهان على ذلك أننا نجد النسخ القديمة التي قوبلت على أصول المصنفين أو على فروع قوبلت على تلك الأصول، ثم نجد فيها من الأغلاط ما نعلم أنه ليس من المصنف، وإذا أردت عين اليقين فاعمد إلى أصل قديم واستنسخ منه نسخة وكلف رجلين بمقابلتها على الأصل ثم قابلها أنت على الأصل مرة أخرى بالتدقيق التام وانظر النتيجة. هذا والنسخ القديمة بعد نسخها ومقابلتها لا بد أن تكون قد تناقلتها الأيدي وتعاورتها أنظار القارئين والمطالعين، وقد يكون بعضهم تصرف فيها بما يراه إصلاحا وتصحيحا، وقد يخطىء في ذلك، بل وربما يكون قد غيَّر فيها بعض الجهلة أو الخونة. أو لا ترى أنه ليس بين الإثبات والنفي إلا حرف النفي، وقد يسهل زيادته أو حكه ولا يظهر ذلك، بل ربما قلب المعنى زيادة ألف أو نبرة أو نقطة. وقد رأيت من تصرف الجهلة ما وقع في النسخة المحفوظة بخزانة كوبريلى في استانبول تحت رقم [] في الورقة وذلك في ترجمة الإمام أبي حنيفة: وذلك في موضعين،

стр. 2283

حاول جاهل أن يطمس ما في الأصل ويكتب محله ما يخالفه، فلم يتم له ذلك، بل بقي ما في الأصل لائحا، ولكن مثل هذا قليل، فقد رأينا عدة من الأصول قد اطلع عليها من ينكر بعض ما فيها، وغاية أمره أن يكتب عليه حاشية يظهر فيها إنكاره لما في الأصل، وهذا إذا تدبرت من آيات الله مصداقا لوعده سبحانه بحفظ الذكر، والذكر يتناول السنة إن لم يكن بلفظه فبمعناه، ويلزم من ذلك حفظه كل ما فيه حفظ للشريعة؛ كاللغة وغيرها ولله الحمد. وكأنه لاحتمال تصرف بعض الخونة أو الجهلة كان السلف يحتاطون في شأن الكتب، وفي ترجمة الأوزاعي من "تهذيب التهذيب (١) ": "وقال الوليد بن مسلم فيما رواه أبو عوانة في صحيحه: احترقت كتبه (يعني الأوزعي) زمن الرجفة، فأتى رجل بنسخها (يعني بنسخ نقلت من تلك الكتب) وقال له (يعني للأوزاعي): هو إصلاحك بيدك (يعني إن هذه النسخ نقلت من كتبك وقابلتها أنت وأصلحت فيها ما فيه مخالفة) فما عرض لشيء منها حتى مات". يعني إن الأوزاعي: لم يعتد بتلك النسخ ولا روى منها شيئًا، وإنما ذلك لأنها قد بقيت مدة تحت يد غيره ممن لعله لا يعرفه بالثقة، فلم يأمن أن يكون وقع فيها تغيير وإن لم يظهر. هذا حال النسخ الخطية، ثم يجيء دور الطبع، والعادة أنه ينتسخ من الأصل القلمي نسخة تكون مسودة للطبع، ثم تقابل على أصلها، ثم إن وجد أصل آخر قوبلت المسودة عليه، وقد تقابل على أكثر من أصلين، ثم ينظر فيها المصحح، ثم تدفع إلى مركبى الحروف فيركبون كل يوم ثماني صفحات مثلًا ويطبعون عليها التجارب (بروفة)، وترسل التجارب إلى رجلين يقابلانها على المسودة، ويصلحان

стр. 2284

فيها، ثم يكرانها إلى المركبين فيتتبعون ما أصلحه المصحح في التجارب فيصلحونه في ألواح الحروف، وبعد الإصلاح يطبعون على تلك الألواح تجارب أخرى ويرسلونها إلى المصحح مع التجارب الأولى، فيتتبع المصحح ما أصلحه في التجارب الأولى وينظر أأصلح في الثانية؟ فإن وجد من المواضع ما لم يصلح أصلحه وأعاد التجارب الثانية إلى المركبين فإن كان فيها إصلاح أصلحوه في ألواح الحروف ثم طبعوا عليها تجارب ثالثة وأرسلوها إلى المصحح. والعادة في مطبعتنا أن يعيد المصححون مقابلة هذه الثالثة على المسودة، فإن بقي ما يحتاج إلى الإصلاح أصلحوه ثم ردوا التجارب الثالثة إلى المركبين، فإن وجدوا فيها إصلاحا أصلحوه في ألواح الحروف ثم طبعوا على الألواح تجربة رابعة، ثم بعثوا بها مع التجارب الثالثة إلى المصحح فينظر في التجارب الثالثة يتتبع المواضع التي أُصلحت فيها وينظرها في الرابعة، فإن رأى تلك المواضع قد أصلحت كلها كتب على تلك الكراسة أنه قد تم تصحيحها فترسل إلى المدير فيحكم بالطبع الأخير. وأنت إذا تدبرت ما تقدم في حال النسخ الخطية علمت أن ناسخ المسودة من أحد الأصول لا بد أن يخطىء في مواضع كثيرة، ولا سيما إذا كان قليل العلم، أو كان الأصل المنقول عنه رديء الخط، وتعلم أيضًا أن مقابلة هذه المسودة على أصلها تختلف باختلاف حال المقابلين في العلم والمعرفة والأمانة والتثبت، وأن المقابلة على أصل آخر كذلك، ولا تدري ماذا عسى أن يصنع باختلاف النسخ. ثم يتجه النظر إلى المصحح فترحمه (١) لما يكون قد اجتمع من أغلاط النسخ وأغلاط ناسخ المسودة التي لعلها بقيت بعد المقابلة، ثم تشفق على الكتاب أن يكون

стр. 2285

المصحح ناقص المعرفة، ولا سيما إذا كان مع ذلك عريض الدعوى أو ضعيف الأمانة أو لم يُدفع له المعارضة الكافية، أو لم يُفسح له الوقت الكافي، ثم تلتفت إلى ما عسى أن يصنعه المركبون، كيف تكون مقابلة التجارب على المسودة. والحاصل أنه كما يُرجى أن يجيء المطبوع أصح وأَوْلى بالثقة من جميع الأصول الخطيف وأنه يُخشى أن يكون أردأ أو أكثر أغلاطا من أصلٍ واحدٍ منها. وقد جربت هذا، نظرت في بعض الكتب المطبوعة فهالني ما فيه من كثرة الأغلاط، ثم ظفرت بالأصل الخطي الذي طبع عنه ذاك الكتاب فإذا هو بريء من كثير مما في المطبوع من الأغلاط، إن لم أقل من أكثرها. فإذا أراد المتصدي لطبع الكتب القديمة السلامة من مثل هذا، والحصول على الغاية المنشودة من خدمة العلم وحسن السمعة ورواج المطبوعات فما عليه إلا أن يتبع النظام الآتي إن شاء الله تعالى. * * *

стр. 2286

الباب الأول: في الأعمال التي قبل التصحيح العلمي العمل الأول: انتخاب كتاب للطبع أغراض الناس في طبع الكتب القديمة مختلفة، فالتاجر يؤثر الربح، ومن كان من ذرية مؤلف أو قبيلته (وما إلى ذلك) همه أن يطبع كتب ذاك المؤلف، والمغرم بفن من الفنون يرجح كتب فنه. وقد تكون من ملك الرجل نسخة من كتاب فيدعو إلى طبعه لتشترى (منه) النسخة بثمن غال، ومن كان له غرض من هذه الأغراض يسعى في حمل غيره على مساعدته، فينبغي عند انتخاب الكتب للطبع الرجوع إلى هيئة علمية من كبار العلماء المتفننين. وحبذا لو أن الأزهر بمصر يقوم بهذه المهمة العظمى، وذلك بالإيعاز لجمع فهرس عام للكتب المهمة التي لم تطبع، وبيان موضعها من مكاتب العالم مع ما تيسر من وصف النسخ، ثم يُعرض على هيئة كبار العلماء لترتيبها على مراتب في الأهمية واستحقاق تقديم الطبع. ثم يُنشر الفهرس مرتبا ذاك الترتيب، ويقدم إلى الراغبين في طبع الكتب أن يجروا على حسب ذلك، ثم كل من أراد طبع كتاب كان عليه أن يراجع الهيئة لتقيّد اسمه عندها وتعرفه بما يلزم؛ مثل إبلاغه أن غيره قد التزم طبع الكتاب أو تنبيهه على اطلاع الهيئة على نسخة أو أكثر زيادة على ما في الفهرس، وغير ذلك. وبهذا يأمن الراغبون في الطبع من الخطأ في الانتخاب، ومن الغلط في ظن أن الكتاب لم يطبع، يعرفونه مواضع النسخ، وفي ذلك مصلحة للعلم وأهله ولأصحاب المطابع، ويمكن توسيع دائرة التعاون إلى حد بعيد.

стр. 2287

هذا وينبغي أنه يراعى في الانتخاب أمور: ١ - أن يكون الكتاب عظيم النفع كثير الفائدة يرجى لنشره أثر عظيم في إحياء العلم ونشره، ومن لازم ذلك أن لا يكون قد طبع ونشر كتاب يغني عنه. ٢ - أن يقدم الأهم فالأهم. ٣ - أن يكون في متناول ملتزم الطبع من نسخ الكتاب القلمية نسختان جيدتان على الأقل، اللهم إلا الكتب العزيزة التي لا توجد منها إلا نسخة واحدة في العالم. ٤ - أن يكون الملتزم مستعدا لبذل النفقات التي يقتضيها أداء الواجب في استحضار النسخ وتصحيحه كما ينبغي وغير ذلك، فإن من الناس من يتصدى لطبع بعض الكتب المهمة فيشرع في العمل ثم يقعد به ضيق ذات اليد أو النفس عن توفية ما يجب، فيطبع الكتاب على هيئة يضج منها الكتاب والعلم وأهله. العمل الثاني: انتخاب نسخة للنقل العادة أن تنتسخ من بعض الأصول القلمية نسخة تكون مسودةً للتصحيح فالطبع، فقد تنتسخ المسودة من نسخة رديئة فيؤدي ذلك إلى كثرة العمل وصعوبته فيما بعد ذلك من المقابلة على النسخ الأخرى والتصحيح، وقد يؤدي إلى ما هو أشد ضررا، فينبغي أن تكون النسخة التي تنتسخ منها المسودة: ١ - واضحة الخط. ٢ - سليمة من الخروم والبياضات ما أمكن. ٣ - جيدة الصحة. وإنما يوثق بهذا بأن يتصفحها عالم عارف بالفن خبيرا بأعمال الطباعة.

стр. 2288

العمل الثالث: انتخاب ناسخ للمسودة ينبغي أن يكون: ١ - واضح الخط. ٢ - موثوقا بأمانته. ٣ - مشاركا في العلم وعلى الأخص في فن الكتاب. ٤ - يسهل عليه قراءة الأصل الذي ينقل منه على الصحة. ٥ - إذا كان مستأجرا فينبغي أن يسمح له بالأجرة الكافية والوقت الكافي؛ فإن قلة الأجرة يحمل على التهاون، وضيق الوقت يحمل على الاستعجال وهو مظنة الإخلال. العمل الرابع: نسخ المسودة يلزم الناسخ أمور: ١ - أن يدع في الحواشي وبين السطور بياضا كافيًا يسع التخاريج والإلحاق وغيرها، وينبغي أن يراجع المصحح في مقدار ذلك. ٢ - أن تكون الكتابة واضحة مفصلة يؤمن فيها الاشتباه، فقد يشتبه حرف بآخر وعلامة بغيرها، والنقط بالعلامة والنقطة بالنقطتين، ويقع الاشتباه في موضع بعض الحروف والنقاط أو العلامات، فعليه أن يتوقى ذلك.

стр. 2289

٣ - ليكن همُّه النقل على الوجه، فلا يزيد شيئًا باجتهاده، ولا ينقصه ولا يغيره، حتى الشكل والنقط والعلامات؛ مثل كلمة التصويب (صح) والتضبيب، وهو علامة الشك (صـ)، وعلامة الإهمال، وعلامة تمام الجملة، وعلامة التقديم والتأخير، وعلامة النفي (لا - إلى) وعلامات اختلاف النسخ وغير ذلك. ٤ - لا يوضح مشتبها، بل إن تيسر له أن يصور كما في الأصل فليفعل، وإلا فليدع بياضا. ٥ - إذا وجد في الأصل كلمة أو عبارة مضروبا عليها فليثبتها، ولينبه في الحاشية على أنها مضروب عليها في الأصل، وكذلك إذا رأى حَكًّا أو مَحْوًا وتغييرا نبه عليه في الحاشية، وكذلك إذا ارتاب في كلمة أو جملة يَخشى أن تكون بخط غير خط الأصل فلينبه عليها أيضًا. ٦ - إذا وجد زيادةً بين السطور أو بالهامش فلا يدرجها في الأصل، بل يثبتها في مثل موضعها، وينبه بالحاشية على أنها كذلك في الأصل، اللهم إلا أن يثق بأنها لَحَقٌ صحيح؛ كأن تكون بخط كاتب الأصل بلا ريب وبعدها "صح أصل" أو نحوها، وعلامة موضع الإلحاق من الأصل واضحة. ٧ - ينبغي أن يكون نقله من الأصل مباشرة، فإن إملاء إنسان وكتابة آخر يُخشى منه الخطأ السمعي الذي تقدم بيانه في المقدمة في السبب السادس، ويُخشى منه غير ذلك كما يأتي في العمل الخامس. ٨ - مَرَّ في المقدمة في السبب الخامس ما يُخشى على الناظر في الأصل -سواءا كان الناسخ أو المملي- من الخطأ، فينبغي أن يكون للناظر علامة يُؤمن من تحولها عن موضعها بدون إرادته، وحبذا لو اتخذ مسطرة هكذا L يكون طولها بمقدار عرض ورقة الأصل، وتكون معها صفيحة بطولها تضم إليها بلولب في الطرف، فتدخل الصفيحة تحت الصفحة التي يراد نقلها، والمسطرة فوقها، فتكون

стр. 2290

المسطرة أسفل من السطر الذي ينتهي إليه، وطرفها المنتصب عقب الكلمة التي ينتهي إليها فيما يتحفظه الناسخ ليكتبه، وهكذا تحول بعد كل نظرة. ٩ - إن اشتبه على الناسخ الموضع الذي انتهى إليه من الأصل فلا ينبغي أن يكتفي بأن يرى في الأصل مثل الكلمة الأخيرة التي هي آخر ما كتبه، بل ولا الجملة، فإن مثل ذلك قد يقع في موضعين أو أكثر من الكلام، بل يستظهر بمقابلة سطر أو سطرين أو أكثر. ١٠ - إذا انتهى وقت الكتابة وأراد أن يطوي الأصل ثم يعود في الوقت الثاني للكتابة، فالأَوْلَى أن يدع المسطرة بحالها، ويحفظ الأصل في موضع يأمن فيه من تحول المسطرة عن موضعها، أو يعد سطور صفحة الأصل ويفيد في مذكرته السطر الذي انتهى إليه مع رقم الصفحة وتاريخ اليوم والوقت، فإن لم يكن الأصل برقم الصفحات وضع ورقة خاصة يكتب فيها ما ذُكر من عدد السطر والتاريخ ووضع الأصل في موضع يأمن فيه من ضياع تلك العلامة أو سقوطها أو تحويلها. ١١ - كثيرًا ما تسقط من النسخ أوراق، أو يقع في الأوراق تقديم وتأخير، أو تلتصق ورقة بأخرى، فينبغي للناسخ أن لا ينتقل من صفحة بلى أخرى حتى يثق بأنها هي التي تليها، فإن اتضح له عدم الاتصال بدأ فتصفح أوراق الكتاب، فإن تبين له بيانًا واضحًا أن في الأوراق تقديما وتأخيرا راجع المصحح أو رجلًا آخر من أهل العلم ويعمل بقوله، ويشرح ذلك في هامش النقل، وإن بأن له أن بعض الأوراق سقطت راجع ملتزم الطبع. فإن أمره بمواصلة الكتابة عمل بذلك وبيَّن في موضع السقط من هامش النقل أن هناك سقطا ببعضها وإن لم يتبين له شيء، وشك في الاتصال وعدمه راجع المصحح أو رجلًا آخر من أهل العلم، وأولى من هذا كله أن يبدأ المصحح أو رجل من أهل العلم

стр. 2291

بتصفح النسخة قبل النسخ، فإن وجدها متصلة الأوراق لا سقط فيها ولا تقديم وتأخير، فذاك، وإلا أرشد الناسخ إلى ما يلزم. ولا يكتفي لمعرفة الاتصال بمطابقة الترك، وهو تكملة وتكتب على طرف آخر الورقة لأول الورقة التي تليها فإنه يتفق قدر الترك في ورقة مع أول ورقة أخرى غير التي حقها أن تليها، وربما سقط بعض الأوراق، أو يقع تقديم وتأخير، فيجيء مالك النسخة التي يريد بيعها فيكتب على طرف آخر الورقة مثل الكلمة في أول الورقة التي تليها في تلك النسخة إما جهلًا وإما غشا، وكذلك لا يكتفي بتسلسل الأرقام، فإنه قد يقع الغلط فيها والاشتباه، وقد تكون كتابتها حديثة بعد وقوع السقط أو التقديم والتأخير إما جهلًا وإما غشا، بل الدليل القوي اتصال الكلام وتسلسل العبارة، وأقوى من ذلك مراجعة نسخة أخرى. ١٢ - ينبغي للناسخ أن يبين في النقل مبادىء الصفحات [] (١) ومن تبعهم يلتزمون بيان ذلك في المطبوع وإن تعددت النسخ وهو جيد. العمل الخامس: مقابلة المسودة على الأصل والمقصود منه تتميم العمل الرابع، ومع ذلك فليس بالأمر الهين فينبغي: ١ - أن يكون كل من المقابلين من أهل العلم والأمانة والتيقظ. ٢ - أن يكون الذي بيده الأصل عارفًا بالخطوط القديمة واصطلاحاتها لا سيما خط الأصل. ٣ - أن يكونا ممارسين متيقظين لأسباب الغلط، وقد مرت في المقدمة (ص ٤).

стр. 2292

٤ - ليرفع القارىء صوته ويرتل القراءة، ويُحسن الآخر الإصغاء، ولا يشتغل واحد منهما بشيء غير المقابلة. ٥ - ليكن بيد كل منهما عُودا ونحوه يقتص به المقروء كلمة كلمة، بل الأحؤط استعمال كل منهما المسطرة المار وصفها في العمل الرابع (ص ٢٠)، فإن وقفا احتاطا لموضع الوقف بنحو ما مر في العمل الرابع (ص ٢١). ٦ - ليستفهم السامع صاحبه إذا خفي عليه شيء ويستعيده إذا اشتبه عليه الموضع الذي انتهى إليه، ولا ينبغي لهما ولا لأحدهما استثقال ذلك، فإن كان أحدهما متكاسلًا أو متشاغلا فأهمل الاحتياط أو أكثر من الاستفهام والاستعادة حتى عظمت المشقة على صاحبه وجب وقف العمل، وليحذرا كل الحذر من التساهل، وإن كان الغالب في النقل الصحة فإن من عقوبة المتساهل أن يوافق تساهله مواضع الغلط. ٧ - ليحذر كل منهما من أن ينطق بغير ما في الكتاب، فإن دعته حاجة احتاط كل الاحتياط بحيث يستيقن أنه لا يمكن أن يشتبه الأمر على صاحبه. ٨ - ينبغي أن يحتاط الذي بيده النقل في الإصلاح والإلحاق وإخراج الزائد، فيتحرى البيان الواضح في ذلك بحيث يؤمن الاشتباه فيما بعد. ٩ - ليستحضر الذي يكون بيده الأصل ما تقدم في العمل الرابع في فرع ٣ و ٤ و ٥ و ٦ ص ١٩. تقدم أن على الناسخ أن لا يزيد ولا ينقص ولا يغير حتى الشكل والعلامات، ولا يحاول إيضاح مشتبه، وكثيرا ما يخالف الناسخ في ذلك ولا تنكشف مخالفته للمقابلين إذا لم يتيقظا ويدققا، وكذلك بقية ما تقدم. وكما أن زلل الناسخ قد لا تكشفه المقابلة إذا لم يبالغ في الاحتياط فيها فكذلك زلل المقابلة بالتساهل لا ينكشف للمصحح إلا أن يعود فيقابل مرة أخرى، فيجب لإتقان العمل أن يحتاط في كل عمل من الأعمال.

стр. 2293

١٠ - إذا رأى الذي بيده النقل اشتباها ما في كلمة أو حرف أو نقط أو شكل أو علامة فعليه أن يوضحه إيضاحا بينا بحيث يؤمن من اشتباهه بعد ذلك، وكذلك يتحرى الإيضاح البين في كل ما يلحقه أو يصلحه. ١١ - السماح للمقابلين بالتغيير الإصلاحي؛ كنقط ما لم ينقط في الأصل وحقه النقط يخشى منه أن يخطئا فيه، ومنعهما من ذلك يؤدي إلى صعوبة. المقابلة أو التقصير فيها، وذلك أن الناسخ قد يكون تصرف تصرفا لا يظهر للمقابلين بقراءة أحدهما؛ كأن زاد أو نقص نقطا أو شكلا في موضع صالح لذلك إذ فصل ما هو موصول في الأصل أو عكسه ونحو ذلك. راجع أسباب الغلط في المقدمة. فالأَوْلى السماح لهما بما يتبين لهما صوابه بعد أن يكونا من العلم والمعرفة والتحري والممارسة بحيث يندر خطؤهما، وليحتاطا مع ذلك جهدهما، ثم يكون الأصل أمام المصحح العلمي وقت التصحيح، وليكثر من مراجعته حتى كأنه يقابل عليه مرة أخرى. تنبيه: قد يُكتفى من المقابلة بأن يقابل رجل واحد مع نفسه، وهذا وإن كان أحوط من بعض الجهات، فإنه مظنة التساهل والتسامح المؤدي إلى إخلال شديد؛ لأن ما فيه من كثرة التعب يهوِّن على النفس التسامح، نعم إذا وقعت المقابلة بين رجلين ثم قابل رجل مع نفسه لمزيد التثبت فحسن. وإذا ابتدأ رجل فقابل مع نفسه أو كانت المقابلة بين اثنتين ولكن على وجه لا يوثق به كأن كان أحدهما أو كلاهما ممن لا يوثق بعلمه أو بتحريه واحتياطه وجب إعادتها على الوجه الموثوق به.

стр. 2294

العمل السادس: مقابلة المسودة أصل آخر فأكثر المقصود من هذا العمل تقييد اختلافات النسخ في المسودة لتكون المسودة جامعة لما في تلك النسخ، ثم يتصرف فيها المصحح بما يقتضيه التصحيح كما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى، فيأتي هنا عامة ما تقدم في العمل السابق. ولابد أن يكون المقابلان من أهل العلم والمعرفة والممارسة ولا سيما لفن الكتاب، وأن يستحضروا أسباب الغلط التي مرت في المقدمة، ويحرص كل منهما على فهم عبارة الكتاب كما يجب، فإن ذلك منبهة على الغلط، وبالتنبيه للغلط يستعان على تبيين اختلاف النسخ الاختلاف الذي لا يظهر بالنطق، إما لتماثل الصورتين في النطق مثل "منوال" و"من وال" و"ادع الله" و"ادعوا الله"، وإما لاشتباهما لتقارب مخارج الحروف، وإما لإسراع القارىء في القراءة أو تسامح الناظر في تحقيق الاستماع وتحقيق النظر. وبالجملة فالمدار على جودة المعرفة وطول الممارسة وصدق التثبت والحرص على الوفاء بالمقصود، فإذا اختل شيء من ذلك في المقابلين أو أحدهما لم يوثق بالمقابلة، وإذا توفرت الشروط فالأَوْلى السماح لهما باطراح الاختلافات التي يتضح لهما جدًّا أنه لا فائدة في التنبيه عليها؛ إذ لو كُلفا إثباتها زادت المشقة وأبطأ العمل وكثر السواد في المسودة فيعسر الطبع عليها، وليحتاطا في ذلك جهدهما. * * *

стр. 2295

الباب الثاني: تصحيح الكتاب يطلق التصحيح على عملين: الأول: تصحيح الكتاب التصحيح العلمي بنفي ما في الأصل أو الأصول من الخطأ وترتيب مسودة صحيحة. الثاني: تصحيح الطبع بنفي ما يقع في تركيب حروف الطبع من الخطأ المخالف لما في المسودة، وتطبيق المطبوع على المسودة المصححة، وقد يخلط هذان العملان بأن لا تكون هناك مسودة مصححة بل يحاول القائمان بتصحيح الطبع أن يقوما بالتصحيح العلمي حال تصحيح الطبع، وهذا تهويش لا يصلح لوجوه، منها: أن التصحيح العلمي يستدعي التثبت والمراجعة، فمقدار العمل غير معين، فقد لا يمكن المصحح أن يصحح في اليوم إلا صفحة واحدة، ومثل هذا لا يتأتى وقت الطبع؛ لأنه لابد وقت الطبع من تقدير العمل بثماني صفحات في اليوم أو أكثر؛ لئلا يبقى عمال المطبعة بغير عمل. ومنها: أنه كثيرا ما يمر المصحح بالخطأ ولا يتنبه له أو لا يهتدي لصوابه ثم يرد عليه في الكتابه نفسه أو فيما يراجعه بعد ذلك ما يرشده إلى الصواب، فالمصحح في المسودة إذا وقع لي مثل هذا عاد فأصلح ما تركه، ولا يمكن هذا في التصحيح وقت الطبع لأن الكراسة التي تقدم فيها الخطأ تكون قد طبعت وفرغ منها. ومنها: أنه يكثر لأجل التصحيح التغيير والإصلاح وتعليق الحواشي، وهذا إذا تجدد وقت الطبع شق على مركبي الحروف واستدعى وقتا زائدا، فلا يمكن مع الوفاء به توفية المقدار المقرر للطبع، وربما يشتغل المصحح بالتصحيح ويشتغل

стр. 2296

الطابعون بالطبع، فكلما فرغ من كراسة سلمها إليهم للطبع، وهذا أقرب من الذي قبله، ولكنه ليس بجيد؛ لأن فيه تضييق الوقت على المصحح إذ يلزمه أن يصحح كل يوم المقدار الذي يكفي للطبع في اليوم الثاني مثلًا، وهذا لا يتأتى له مع الوفاء بحق التصحيح إذ قد لا يمكنه أن يتقن في اليوم إلا تصحيح صفحة واحدة. فالصواب أن لا يشرع في طبع الكتاب حتى يتم تصحيحه أو على الأقل تصحيح قطعة كبيرة منه يغلب على الظن أن الطابعين لا يفرغون من طبعها حتى يفرغ المصحح من بقية الكتاب أو قطعة أخرى كبيرة منه على الأقل. هذا وقد اصطلح المصريون أخيرا على تسمية التصحيح العلمي "تحقيقا" تمييزًا له عن التصحيح الطباعي، وإلا وضح التمييز بالصفة كما ترى، وهذا الباب معقود للتصحيح العلمي كما علمت وفيه مباحث. المبحث الأول: في الحاجة إليه: هاهنا آراء، الأول: يرى بعض الناس أن الكتب القديمة التي لم تطبع إذا وجدت منها نسخة قديمة جيدة في الجملة كفى في إحياء الكتاب ونشره أن يطبق المطبوع على تلك النسخة؛ لأن المهم إنما هو تدارك ذاك الكتاب، فإذا طبق المطبوع على تلك النسخة ثم طبع منه ألف نسخة فكأنه قد حصل من أمثال تلك النسخة ألف نسخة، وكل من وقع له نسخة من المطبوع كأنه وقعت له تلك النسخة القلمية نفسها. وقد طبع المستشرقون أنساب السمعاني بالزنكوغراف ونشروه، فانتفع الناس به وراجت نسخه على غلاء ثمنها مع ما فيه من الأغلاط الكثيرة. وفي هذا الصنيع تقليل للعمل وتوفير للنفقات؛ وذلك مما يرغب ملتزمي الطبع في طبعها، فيسهل اقتناؤها على الراغبن مع الوفاء بالأمانة كما ينبغي، فإن كان هناك في الأصل أغلاط فكل عالم تقع له نسخة من المطبوع يصحح لنفسه.

стр. 2297

أقول: أما إذا كان الطبع بالزنكوغراف كما طبع أنساب السمعاني فإن الأمر كما وصف؛ لأن في هذا الصنيع مفسدة؛ وهي أن الباعث على طبع الكتب القديمة أحد أمرين، إما طلب الربح وهو الغالب، وإما الرغبة في نشر ذاك الكتاب خدمة للعلم، أو إظهارا لفضل مؤلفه أو غير ذلك. فإذا طبع الكتاب مرة ضعفت الرغبة في طبعة مرة أخرى. أما طالب الربح فإنه لا يرجو ربحا في الطبع مرة أخرى؛ لأنه يرى أن أكثر الراغبين في اقتناء الكتاب قد استغنوا بالطبعة الأولى. وأما الراغب في نشر الكتاب فإنه يرى أنه قد انتشر بالطبعة الأولى. فطبع الكتاب من شأنه أن يحرم أهل العلم بقية نسخه الصحيحة إلى أمد طويل على الأقل كما هو الشأن في أنساب السمعاني، فإن نسخه القلمية موجودة في مكاتب العالم ولم تتجه الرغبات إلى طبعه بعد تلك الطبعة إلى الآن مع حاجة كثير من أهل العلم إلى ذلك لما يجدونه في تلك الطبعة من النقص والخلل. نعم إذا كانت النسخة القلمية المطبوع عنها بغاية الجودة والصحة فالطبع عنها بالزنكوغراف وافٍ بالمقصود، بل هو أولي من الطبع عنها وعن غيرها بالحروف؛ لأن الطبع بالحروف لا تخلو من تصرف النساخ والمصححين والمركبين فلا يوثق كل الوثوق بمطابقته للأصل القلمي الموثوق به كما يوثق بمطابقة المطبوع بالزنكوغراف. أما إذا كان الطبع بالحروف على هذا الرأي ففيه مع المفسدة المذكورة مفسدة أكبر؛ وهي أنه لا يمكن فيه تطبيق المطبوع على الأصل القلمي لوجوهٍ، منها: أن من الحروف ما تتحد صورها وإنما يميز بينها النقط كما مر تفصيله في المقدمة، والأصول القلمية كثيرًا ما يهمل فيها النقط، ولا يمكن تطبيق ذلك في الطبع بالحروف كما إذا وقعت في الأصل كلمة "مفيد" بلا نقط، واحتملت أن يكون "مفيد" أو "مفند" أو "مفتد" أو "مقيد" أو "مقيد" أو غير ذلك، فكيف تطبع؟

стр. 2298

ومنها: أنه قد يقع الاشتباه في النسخة في موضع النقط فيحتمل أن يكون على هذا الحرف أو الذي يليه في السطر الأسفل، وهذا لا يتأتى تصويره في الطبع بالحروف. ومنها أنه قد تشتبه النقطتان بالفتحة أو الكسرة وتشتبه كل من (ب ت ث ن ي) في الابتداء بالميم، وأحدها يليه ميم في الابتداء بالعين والغين، وأحدها في الأثناء، وكذا العين والغين بالفاء والقاف، تشتبه الزاي بالنون، والدال بالراء والزاي، وتشتبه الفاء والقاف مفردتين أو في الأخير بالنون، إلى غير ذلك مما يكثر جدًّا، فلا يتأتى التطبيق في الطبع بالحروف. فإن قيل يترك في المطبوع في مواضع الاشتباه بياض، أو يطبع كما اتفق وينبه في الحاشية على الواقع ويشرح فيه بالعبارة الصورة التي وقعت في الأصل حتى كأنها مشاهدة، فيدفعه أنه قد يكثر في النسخة الاشتباه فتكثر هذه الحواشي وتزيد نفقات الطبع، على أن بعض الكلمات المشتبهة تحتاج في شرح صورتها بالعبارة إلى أسطر، وقد يقع الاشتباه على وجه لا يمكن بيانه بالعبارة، وإن قيل أما هذه المواضع فيبحث فيها عن الصواب وتثبت في المطبوع على الصواب، فقد رجعتم إلى التصحيح العلمي. والغالب أن ملتزم الطبع الذي عزم على طبع الكتاب بمجرد التطبيق على الأصل إنما يكل العمل إلى من تقل أجرته، والغالب أنه لا يكون أهلًا للتصحيح العلمي فيخبط خبط عشواء. فإن كان أهلًا للتصحيح فلماذا لا يكلف التصحيح الكامل فتتم الفائدة وتحسن سمعة المطبعة ويوفي بحق العلم. ومن المفاسد أن من عادة المطبوعات التصحيح في الجملة، فالعالم إذا رأى المطبوع ظن أنه مصحح فاعتمد عليه، ولا كذلك في النسخ، على أنه أنما اقتصر فيه على التطبيق على النسخة.

стр. 2299

قلت: كفى بهذا حَطًّا لقيمة المطبوع وتزهيدا للناس فيه، ولهذا لا تجد مطبوعًا إلا ويدعي طابعه أنه اعتنى بتصحيحه وبالغ، رغما عن أن كثيرا منها مشحون بالأغلاط، وهذه الطبعة الأولى من تفسير ابن جرير بمطبعة الميمنية بمصر، فتثبت في طرة كل من أجزائها الثلاثين بعد ذكر أن الكتاب طبع عن نسختين: (وقد بذلنا الطاقة في تصحيحها ومراجعة ما يحتاج إلى المراجعة من مظانه الموثوق بترجيحها مع عناية جمع من أفاضل علماء مصر بالتصحيح تذكر أسماؤهم في آخر الكتاب). ولم أر في آخر الكتاب اسم أحد من العلماء إلا مصححه محمد الزهري الغمراوي. فكأن هذا الرجل هو القائل "قد بذلنا ... " وهو نفسه الجمع من علماء مصر، وما زعمه من مراجعة المظان لا يكاد يظهر له أثر في الكتاب على طوله، وكذلك المقابلة على نسختين، فإن المطبوع مشحون بالأغلاط، وكثير منها جدًّا يبعد أن يتفق عليه أصلان، وكثير منها جدًّا يمكن تصحيحه بأدنى مراجعة للمظان والله المستعان. بل إن في المطبوعات الحديثة بمصر ما يقارب هذا. ومن المفاسد أن يكثر في الأصول القلمية الأغلاط الواضحة، فإن قيل: يطبع كذلك، كان ذلك مما يرغب الناس عن المطبوع وشيء سمعة المطبعة جدًّا، وإن قيل: أما هذا فيصحح، فقد رجعتم إلى التصحيح، ثم إن كان الموكول إليه ذلك أهلًا للتصحيح فلماذا لا يكلف التصحيح الكامل، وإن لم يكن أهلًا كان في ذلك مفسدة أعظم؛ فإن القاصر يحسب كثيرًا من الصواب خطأ واضحا كما يعرفه من ابتلي بالتصحيح من أهل العلم مع هذا الضرب، فالإذن للقاصر بتصحيح ما يراه خطأ واضحًا نتيجته أن يضاف في المطبوع أغلاط كثيرة إلى أكثر أغلاط الأصل القلمي مع إيهام أنها فيه.

стр. 2300

الرأي الثاني: يظهر من تصفح كثير من الكتب المطبوعة أن طابعيها يرون قريبًا من الرأي الأول، إلا أنهم لا يقدمون على طبع كتاب حتى تحصل لهم نسختان فأكثر، فتجعل واحدة أصلًا، وينبه في الحواشي على مخالفات الأخرى. وهذا الرأي في معنى الأول، إلا أنه يخف فساده إذا كانت النسختان أو النسخ كلها واضحة الخط جيدة الصحة، وجعلت الأجود أصلًا، لكن الجودة الموثوق بها في النسخ القلمية عزيزة، ومع ذلك فعند الاختلاف قد يتفق أن يثبت الخطأ في المتن والصواب في الحاشية وهو خلاف ما ينبغي، وقد يسأم المصحح من كثرة الاختلاف فيغفل كثيرًا منه، وملتزم الطبع قد يحض على تقليل الحواشي لتخف النفقات، والغالب أن يوكل إلى المصحح أن يقتصر على إثبات الاختلافات المهمة، فإن لم يكن أهلًا للتصحيح العلمي خبط خبط عشواء فكثيرا ما يثبت في المطبوع الأغلاط الفاحشة ويكون الصواب في بعض النسخ القلمية ولكنه أغفله لتوهمه أنه هو الخطأ. الرأي الثالث: كالذي قبله، إلا أنه يزيد بمراجعة كثير من المظان من الكتب الأخرى، وينبه على الاختلافات، والحال في هذا كالذي قبله. الرأي الرابع: يظهر من تصفح كثير من المطبوعات أنه اعتمد فيها التصحيح العلمي إلا أن مصححيها أغفلوا التنبيه على ما خالفوا فيه الأصل أو بعض الأصول واقتصروا على إثبات ما رأوه الصواب، وفي هذا خلل من جهات:

стр. 2301

الأولى: أننا نقطع أن مصححي تلك الكتب لم يكن عندهم دليل على صحة جميع ما أثبتوه في المطبوع، بل لا بد أن يكونوا أثبتوا كثيرًا لأنه كذلك في الأصل أو الأصلين فأكثر ولم يقم عندهم دليل على خطأه، فعلى هذا لا يتميز للناظر في المطبوع ما كان ثابتًا في الأصول مما كان الثابت فيها خلافه، ولكن المصحح قضى عليه بأنه خطأ، وإذا لم يتميز ذا من ذاك ضعفت الثقة بالمطبوع، فإنها إذا اختلفت الكتب القلمية في كلمة مثلًا ولم نظفر بدليل كان الراجح ما في الأكثر، والنسخة القلمية أرجح عند العالم من مطبوعة هذا الطبع؛ لأن من شأن النساخ اتباع الأصول، ومن شأن المصححين التصرف، وإذا لم يشتهر المصحح بسعة العلم والضبط والتثبت لم يوثق برأيه. ويزيد الاعتماد على ما طبع هذا الطبع ضعفا أن العالم يجد فيه غير قليل من الأغلاط، وبعضها مما يبعد توارد النسخ عليه، بل لقد يظهر في بعضها أنه لم يكن في أصل قلمي قديم، وهذا يدل على أن المصحح ليس بالصفة التي تسوغ أن يعتمد عليه. الجهة الثانية: أنه يمتنع عادة أن لا تختلف النسخ، وإذا اختلفت فيمتنع عادة أن يتبين الصواب للمصحح في جميع المواضع بيانًا واضحًا يسوغ له أن يهمل معه التنبيه على الخلاف، بل لا بد أن يتردد في مواضع ويترجح لديه أحد الوجهين أو الأوجه في بعض المواضع رجحانا ضعيفًا، وفي هذين يجب التنبيه على الخلاف، فإذا لم يوجد بهامش المطبوع عن أصلين فأكثر شيء من التنبيه على اختلاف النسخ، أو وجد قليلًا جدًّا ظهر أن مصححيه أهملوا هذا الواجب.

стр. 2302

الجهة الثالثة: أن في طبع الكتاب ونشره إتلافا لأكثر نسخة القلمية؛ لأن الناس يستغنون بالمطبوع، فتنزل قيمة النسخ القلمية جدًّا، فيضعف الاعتناء بحفظها، فيسرع إليها التلف، ويتلف معها كثير من الفوائد التي أهملت في المطبوع، فمن الحق على من يتعاطى طبع كتاب أن يحرص على جميع نسخه الجيدة واستيفاء ما فيها مما يحتمل أن يكون له فائدة، من ذلك أكثر الاختلافات بينها. * * *

стр. 2303

الرأي المختار تصحيح الكتاب معناه جعله صحيحا، ولصحة المطبوع ثلاثة اعتبارات: الأول: مطابقته لما في الأصل القلمي فأكثر. الثاني: مطابقة ما فيه لما عند المؤلف. الثالث: مطابقة ما فيه للواقع في نفس الأمر. مثال ذلك: اسم "عرابي" بن معاوية، صححوا أنه بعين وراء، وأن البخاري ذكره بغين معجمة وراء، فإذا وقع في أصل قلمي من تاريخ البخاري مثلًا بعين مهملة وزاي، فإن أُثبت في المطبوع كذلك ساغ أن يقال أنه صحيح بالنظر إلى مطابقته للأصل القلمي، لكنه خطأ بالنظر إلى ما عند المؤلف، وبالنظر إلى ما في نفس الأمر، وإن أُثبت بعين مهملة وراء كان صحيحًا بالنظر إلى ما في نفس الأمر، لكنه مخالف لما في الأصل، ولما عند المؤلف، وإن أُثبت بغين معجمة وراء صح أن يقال أنه صحيح بالنظر لما عند المؤلف، لكنه مخالف لما في الأصل وخطأ في نفس الأمر. وإذا ثبت في المطبوع على أحد الأوجه الثلاثة ولم ينبه على خلاف ذلك كان الظاهر أنه كذلك في الأصل القلمي وكذلك هو عند المؤلف وكذلك هو في نفس الأمر، فيكون ذلك خطأ وكذبا من وجهين. فالتصحيح العلمي حقه مراعاة الأوجه الثلاثة بأن يثبت الاسم في الأصل على أحد الأوجه وينبه في الحاشية على الوجهين الأخيرين، والصواب في هذا المثال أن يثبت الاسم في المطبوع بالغين المعجمة والراء؛ لأن الكتاب كتاب البخاري، والمقصود فيه نقل كلامه بأمانته، وأهل العلم ينقلون عن الكتاب، فيقول أحدهم: قال البخاري في التاريخ " ... " فيسوق العبارة كما يجدها في المطبوع.

стр. 2304

ثم لينبه في الحاشية على الوجهين الأخيرين؛ كأن يقول: "هكذا يقوله البخاري بدليل " ... " ووقع في الأصل "عرابي" وقال فلان " ... " فيذكر ما صححه أهل العلم من أنه "عرابي" بالعين المهملة والراء. فإذا لم يعرف ما عند المؤلف فالظاهر أنه موافق لما في نفس الأمر، وإذا لم يعرف ما في نفس الأمر فالظاهر أن ما في الأصل القلمي موافق لهما، لكن ليس للمصحح أن يستغني بهذا الظاهر عن البحث والتنقيب، فإن اختلفت الأصول رجح بالكثرة والجودة والقياس، وينبه على الوجه الآخر في الحاشية، مع بيان وجه الترجيح إن لم يكن ظاهرًا. وقريب من اختلاف الأصول أن تقع الكلمة في أصل الكتاب على وجه وفي كتاب آخر فأكثر على خلافه، لكن الأَوْلى في هذا أن يثبت في متن المطبوع ما في أصل الكتاب، وينبه على ما خالفه في الحاشية، اللهم إلا أن يترجح عنده رجحانا بينا أن ما في الأصل من خطأ النساخ، فحينئذ يثبت في متن المطبوع ما تبين له أنه الصواب، وينبه في الحاشية على ما وقع في الأصل مع بيان وجه ضعفه إن لم يكن ظاهرًا. وحيث وقع في الأصل على وجه وفي كتاب آخر فأكثر على خلافه وترجح عند المصحح ما في الأصل فإنه يتبع ما في الأصل ولا يلزمه التنبيه على ما في الكتب الأخرى، فينبغي في مثل هذا أن ينبه على ما في الكتب الأخرى مع بيان الدليل على صحة ما في الأصل. فأما اختلاف الأصول فلا بد من التنبيه عليه على كل حال، اللهم إلا أن يكون منها أصل رديء كثير الأغلاط فيشق التنبيه عليها تفصيلًا، فيكفيه التنبيه الإجمالي في مقدمة الطبع بأن يذكر ذاك الأصل الرديء وكثرة أغلاطه وأنه لم يلتزم التنبيه عليها تفصيلا.

стр. 2305

وكذلك لا يلزمه ال تنبيه على الاختلافات الصورية؛ كالاختلاف في الرسم مثل إبراهيم بألف وبدونها، وإهمال النقط ونحو ذلك، والمَرَدُّ إلى اجتهاده، فما رأى أن للتنبيه عليه فائدة نبه عليه وما لا فلا. تنبيه: إذا حكى المؤلف عن غيره كلامًا فلا بد من رعاية ما عند المحكي عنه وإن خالف ما عند المؤلف؛ لأن الظاهر أن المؤلف حكى كلام ذاك الرجل بأمانته، فإذا حكى ابن أبي حاتم مثلًا في كتابه عن البخاري كلامًا يتعلق بعرابي بن معاوية، فالظاهر أن اسم عرابي يكون في ذاك الكلام بالغين المعجمة، فإن وقع في أصل كتاب ابن أبي حاتم بالمهملة وجب إثباته في متن المطبوع بالمعجمة والتنبيه في الحاشية على ما وقع في الأصل، وعلى الحامل على مخالفته، لكن إذا احتمل احتمالًا قويًا أن يكون ابن أبي حاتم جهل ما عند البخاري أو تصرف في عبارته فغير بعض ما فيها، ففي هذا يثبت في متن المطبوع كما في الأصل وينبه في الحاشية على ما عند البخاري. فصل الوفاء بما تقدم ليس بالأمر السهل، فينبغي أن نشرح الأمور الضامنة للوفاء به: ١ - ينبغي أن يكون المصحح متمكنا من العربية والأدب وعلم رسم الخط، متمكنا من فن الكتاب، مشاركا في سائر الفنون، واسع الاطلاع على كتب الفن، عارفًا بمظان ما يتعلق به من الكتب الأخرى؛ كأن يعرف أن من مظان ضبط الأسماء والأنساب "الغريبة": لسان العرب، والقاموس، وشرحه، وأن من مظان تراجم التابعين: الإصابة، فإنَّها تقسم كل باب إلى أربعة أقسام: الأول: الصحابة الثابتة صحبتهم، والثلاثة الأخرى غالبها في التابعين.

стр. 2306

٢ - ينبغي أن يكون العمل في المسودة قد جرى على ما تقدم في الباب الأول؛ لتكون اختلافات النسخ ماثلة أمام المصحح، ثم لا يغنيه ذلك عن حضور الأصول أمامة ليراجعها عند الحاجة. ٣ - ينبغي أن يحضر عنده ما أمكن إحضاره من كتب الفن، وما يقرب منها، فإذا كان الكتاب في فن الرجال احتيج إلى حضور كتب الحديث والتفسير المسند؛ كتفسير ابن جرير، والسير، والتواريخ ولا سيما المرتبة على التراجم، والأغاني، ولسان العرب، وشرح القاموس، ومعاجم الشعراء، والأدباء، والنحاة، والقضاء، والأمراء، الأشراف، والبخلاء، وغيرهم. ومن كتب الأدب؛ ككتب الجاحظ، وكامل المبرد، ومعارف ابن قتيبة، وعيون الأخبار، وأمالي القالي. وبالجملة ينبغي أن تكون بحضرته مكتبة واسعة في جميع الفنون، ويكون عارفًا بمواضع الكتب منها ويرتبها في القرب منه على حسب ما يعرف من مقدار الحاجة إليها، فيكون أقربها إليه ما تكثر الحاجة إليه، ثم ما يلي ذلك على درجاته. * * *

стр. 2307

ثانيًا: رسالة المعلمي في أصول التصحيح قال: الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد .. فإني منذ بضع سنين مشتغل بتصحيح الكتب العلمية في مطبعة "دائرة المعارف العثمانية" وتبين لي بعد الممارسة قيمة التصحيح العلمية والعملية، وما ينبغي للمصحح أن يتحقق به أولًا ثم ما يلزمه أن يعمل به ثانيًا. ورأيت غالب الناس في غفلة عن ذلك أو بعضه، فمن لم يشتغل بقراءة الكتب العلمية ومقابلتها وتصحيحها، يبخس التصحيح قيمته ويظنه أمرًا هينا لا أهمية له ولا صعوبة فيه. ولما كان أكثر المتولين أمور المطابع من هذا القبيل عظمت المصيبة بذلك، ولهم طرق: الطريقة الأولى: من يكتفي بالتصحيح المطبعي؛ أعني جعل المطبوع موافقًا للنسخة القلمية، فتارة تكون نسخة واحدة، وخطأ هذا بغاية الوضوح عند من كان عنده معرفة علمية واطلاع على النسخ القلمية، فإنَّها لا تكاد تخلو نسخة قلمية عن خطأ وتصحيف وتحريف، وأقل ذلك أن يشتبه على القارىء فيقرأ غلطا، وقد رأينا من هذا كثيرا، نرى بعض النساخ يغلط في النسخ كثيرا مع أن الأصل صحيح، ولكنه أخطأ في القراءة؛ إما لكون خط الأصل سقيما أو معلقًا (١) أو غير منقوط، وهذا كثير في الكتب

стр. 2308

العتيقة، أو تشتبه بعض حروفه ببعض، وهذا كثير جدًّا، هذا فضلًا عما يكون في الأصل نفسه من الخطأ، فإنك لا تكاد تجد كتابًا قلميا واحدًا مبرءا عن الغلط. ويقع في أوربا أن يطبعوا الكتاب بطريق التصوير، كما فعلوا بكتاب الأنساب للسمعاني، وفي هذا ترك الأغلاط التي في الأصل على ما هي وزيادة أنه عند العكس كثيرًا ما تخفى النقاط وبعض الحروف الصغيرة. وتارة تكون عدة نسخ قلمية ويكلف المصحح أن يجعل إحداها أُمًّا ويثبت مخالفات النسخ الأخرى على الهامش، وفي هذا من النقائص. ١ - أنه كثيرًا ما تجتمع عدة نسخ على الخطأ. ٢ - بعض النسخ قد تكون مخالفتها خطأ قطعيا، فإثباتها تسويد للورق وتكثير للعمل، يؤدي إلى ارتفاع قيمة الكتاب المالية، فيضر ذلك من يريد اقتناءه وبالمطبعة أيضا؛ لأن كثيرًا من الراغبين في اقتناء الكتب يصدهم غلاؤها عن اشترائها، وربما عارضتها مطبعة أخرى، فطبعت الكتاب بنفقة أقل قناعة عن ... فأقبل الناس على هذا وتركوا تلك. ٣ - إن حيلتهم العمل إلى إسقاط لقيمة النسخة المطبوعة وللمطبعة؛ لأن العارف بدل أن يفهم من إثبات الأغلاط الواضحة أمانة المطبعة ومصححها وشدة تحريهم يفهم أنه ليس فيهم أحد من أهل العلم يعلم أن ذلك غلط واضح. ٤ - أن كثيرًا من المطالعين لا يميزون بين الصواب والخطأ، ففي الطبع على الطريقة المذكورة حرمان هؤلاء من بعض الفائدة، وإيقاع بعضهم في الغلط، وتكليفهم المشقة إذا أرادوا أن يستشهدوا بشيء من الكتاب. وبعض المصححين ينبه على الخطأ بأنه خطأ، وهذا وإن اندفع به بعض النقائص المذكورة فقد زاد نقصًا آخر وهو أن التنبيه على الغلط يلزمه أن يبين المصحح مستنده في التغليط فيعظم حجم الكتاب وقد بينا ما فيه.

стр. 2309

فأما إذا كان المصحح غير ماهر فالأمر أشد، فإنه قد يصحح الغلط ويخطيء الصواب، وهذا ينقض قيمة المطبوع العلمية والمالية؛ لأن الناظر فيه يرى أن الكتاب لم يصححه عارف ماهر. وأيضًا ففي ذلك إيقاع لغير العارفين في الغلط، ومع ما تقدم فإننا نقطع أنه لم يطبع كتاب قط على هذه الطريقة مع استيفاء جميع الاختلافات، فإن من نسخ الكتب التي طبعت على هذه الطريقة ما لا نقط فيه البتة أو نقطه قليل، فلو وفي المصحح بهذه الطريقة لكانت الحواشي ثابتة مع كل كلمة منقوطة يمكن تصحيفها. ومن هنا نعلم أن المصحح فزع إلى الطريقة الرابعة ولكن لم يعتمدها مطلقًا بل خلط وخبط، وفي هذا مفسدة عظيمة؛ فإن ولي أمر المطبعة إنما يأمر المصحح بالتزام الطريقة الثانية لأنه لا يرى الاعتماد على معرفته فيحمله ذلك على إحالة التصحيح إلى غير عارف ثقة بأنه لا حاجة للمعرفة وإذ كان الطبع مقيدًا بالنسخ وفي هذا ما فيه. الطريقة الثانية (*): وهي الرائجة في بعض المطابع في مصر وغيرها؛ أن يقاول صاحب المطبعة بعض أهل العلم والمعرفة على تصحيح الكتاب الذي يريد طبعه، ويدفع إليه النقل الذي يراد الطبع عليه، وذلك غالبًا بعد مقابلته بالأصل، فيصحح هذا العالم بمعرفته ونظره وبمراجعة المظان من الكتب العلمية، ويكتب تصحيحاته على النقل، ثم يأخذه صاحب المطبعة، ويكتفي به في التصحيح الحقيقي. ويكتفي عند الطبع بمن يصحح تصحيحا مطبعيا أعني الذي يطبق المطبوع على ذلك النقل. ففي هذه الطريقة ثلاث أيد تناوب التصحيح.

стр. 2310

الأولى: التصحيح بالمقابلة على الأصل. الثانية: التصحيح الحقيقي. الثالثة: التصحيح المطبعي. وفيها نقائص: الأولى: أن التصحيح بالمقابلة كثيرًا ما يُوكل إلى غير أهله، فإن التصحيح بالمقابلة ينبغي أن لا يعتمد فيه إلا على عالم ممارس للتصحيح، أما كونه عالمًا فلأمور: الأول: أن النسخ القلمية كثيرًا ما تكون غير منقوطة ويكون خطبها رديا أو مغلقا وتشتبه فيه بعض الحروف ببعض، فالمقابل إذا لم يكن عنده أهلية تامة فإنه يقلد الناسخ ويتبعه. الثاني: أن النسخ القلمية كثيرًا ما يكون فيها الضرب والتضبيب، وغير الماهر قد لا يفهم ذلك. الثالث: أن النسخ القلمية كثيرًا ما يكون فيها الإلحاق والحواشي، وغير الماهر ربما وضع الإلحاق في غير موضعه، وربما اشتبه عليه الإلحاق بالحواشي فيجعل الحواشي إلحاقا وعكسه، وهذا موجود بكثرة. الرابع: أن الناسخ إذا كان عارفًا فكثيرا ما يتصرف بمعرفته، فيحرف ويصحف ويبدل ويغير كما وقع في نسخ كتاب "الاعتصام" للشاطبي، ونبه عليه مصحه السيد محمد رشيد رضا. فإذا كان المقابل غير أهل قلد الناسخ. الخامس: أن غير المتأهل لا يكون عنده غالبًا ما يحمله على شدة التحري. السادس: أن النساخة كثيرًا ما يكون بالإملاء؛ يمسك شخص الأصل ويملي على الناسخ، فينسخ هذا بحسب ما يسمع، وكثيرا ما تتشابه الكلمات لفظًا وتختلف

стр. 2311

خطأ؛ مثل علا وعلى، وحاذر وحازر، عند من ينطق بالذال زايا، ونحوه حامد وهامد، وثائر وسائر، وقال وغال، وترتيب واريب وغريب، وأشباه ذلك كثيرة. والمقابلة تكون بين اثنين أيضًا، فإذا لم يكن المقابل أهلًا لم يتنبه لتصحيح الأغلاط الناشئة عما ذكر إلى غير ذلك. وأما كونه ممارسا للتصحيح فلأن غير الممارس لا يكون عنده صبر الممارس وتأنية وتثبته ومعرفته بمظان الغلط، وسيأتي إيضاح هذا إن شاء الله تعالى في شروط المصحح. النقيصة الثانية: أن المصحح الأوسط وإن كان بغاية العلم والمعرفة قد لا يتبين له الغلط أو يتبين له ويرى أن ما وقع في النقل محتمل من حيث المعنى فيدعه، وينبه عليه في الحاشية، وفي ذلك تكثير حجم الكتاب. وإن أهل العلم لا يعتمدون على التصحيح في الحاشية اعتمادهم على ما هو ثابت في الأصل. وأهم من ذلك أن أهل العلم يرون أن الأصل المنقول منه غير صحيح ولا معتمد، والشاهد على هذا كتاب "الاعتصام" للشاطبي، فإن العلامة السيد محمد رشيد رضا صححه معتمدًا على نقل كان ينسخ من النسخة التي في المكتبة الخديوية، وكان يجد أغلاطا في النقل كثيرة، فمنها ما أصلحه، ومنها ما نبه عليه، ومنها ما تركه وكان يظن أن الخلل في الأصل، ثم تبين له بعدُ أن الأصل صحيح في الجملة، وأن معظم الخلل إنما هو في النقل إذ كان الناسخ يغير برأيه. وثانيًا: أن هذا المصحح الأوسط لا يكون عنده في الغالب مكتبة جامعة تتوفر فيها الكتب التي ينبغي للمصحح مراجعتها.

стр. 2312

وثالثًا: أنه يكون غالبًا ممن لم يمارس التصحيح، وسيأتي في شرائط المصحح أن الممارسة من أهمها. ورابعًا: أنه في الغالب لا يكون له معاون مثله أو قريبًا منه في المعرفة، وسيأتي في شرائط المصحح أن اجتماع مصححين ذوي أهلية له أهمية عظيمة. وخامسًا: أنه يكون في الأكثر غير منتصب لتصحيح الكتب ولا متخذ لذلك حرفة، ولا شك أن المتخذ لذلك حرفة أحرص على الإتقان من غيره. وسادسًا: الغالب أن ذوي المطابع لا يعطون هذا المصحح الأوسط الأجرة التي ترضيه، بل يساومونه، فيأخذ منهم ما سمحوا به، وبقدر ما نقصوه تضعف همته عن احتمال المشقات في إتقان العمل كما في سائر الصنائع. النقيصة الثالثة: أن صاحب المطبعة يكتفي في هذه الطريقة بأن يكل التصحيح المطبعي إلى من ليس عنده أهلية تامة ولا ممارسة كافية؛ لأنه يرى أنه ليس على هؤلاء إلا التصحيح المطبعي، أعني تطبيق المطبوع على النقل الذي صححه المصحح. ولكن هذا التصحيح معناه المقابلة بأن يمسك شخص النقل المصحح وآخر الأوراق المطبوعة فيقرأ ممسك الأوراق غالبًا، وربما يقع في الأوراق المطبوعة أغلاط تشتبه مع الأصل لفظًا فلا يتنبه لها ممسك الأصل، وربما لا يكون عند هذين من الممارسة للتصحيح ما يحملهما على التثبت والتأني والمقابلة كلمة بكلمة. وأيضًا فقد يعرض عند الطبع تبدل وتغير مثل: كلمة ابن بين علمين يكون في النقل في السطر الأول فتسقط الألف، ثم تكون في الطبع أول سطر، فيدعها هذان بلا ألف أيضًا مع أن الصواب إثبات الألف حينئذ.

стр. 2313

وقد يقع في الكتاب مثلًا (وكان عبد الله من أهل الغفلة) فيقع "عبد الله" في النقل المصحح في سطر ويقع في المطبوع "عبد" في سطر وكلمة الجلالة في آخر، ومثل هذا مكروه، ولهذا نظائر. الطريقة الرابعة (*): أن ينشيء ولي أمر المطبعة على نفقتها محلا للتصحيح، ويرتب فيه مكتبة، ثم عندما يريد طبع كتاب، يقاول بعض أهل العلم على تصحيحه في مكتبة المطبعة، وهذه كالتي قبلها تقريبًا. الطريقة الخامسة: أن ينشيء صاحب المطبعة مكتبة، ويرتب فيها مصححين يتقاضون مرتبات شهرية ويتولون التصحيح بأقسامه الثلاثة: المقابلة والتصحيح الحقيقي والمطبعي. وتكون المقابلة على نسخ قلمية عديدة إن وجدت أو واحدة فقط، وهذه أصوب الطرق وأولاها بالسلامة من النقائص على شرط أن يكون المصححون ذوي أهلية وخبرة اهـ. * * *

стр. 2314

ثالثًا: رسالة في علامات الترقيم ضمن مجاميع المعلمي -رحمه الله تعالى- عثر ماجد الزيادي على أوراق لخَّص فيها المعلمي علامات الترقيم من كتاب "الإملاء والترقيم" لأحمد زكي والمطالع النصرية. فقال: " .. الترقيم هو وضع رموز مخصوصة في أثناء الكتابة لِتُعَيِّنَ مواضع الفصل والوصل، وللتنبيه على للواضع التي يتبغي فيها النبرات الصوتية حال القراءة. وقد دلت المشاهد وعزَّزها الاختبار عله أن السامع والقارىء يكونان على الدوام في أشد الاحتياج إلي نبرات خاصة في الصوت أو رموز مرقومة في الكتابة ليسهل بها الفهم والإدراك عند سماع الكلام ملفوظا أو قراءته مكتوبا. ١ - النقطة: في نهاية الجملة المستقلة عما بعدها معنًى وإعرابا، وكذا عند انتهاء الكلام: المعروف فروض. والأيام دول. ٢ - الشولة: (أ) بين الجملتين المرتبطتين معنًى وإعرابا. خير الكلام ما قل ودل، ولم يَطُل فيُمل. (ب) بين الشرط والجزاء والقسم والجواب إذا كانت جملتا الشرط والقسم. (ج) بين المفردات المعطوفة إذا أفادت تقسيما أو تنويعا مقصودين للكاتب. مثل: أيدي، ولساني، والضمير المحجبا. الحيل، والليل، والبيداء تعرفني.

стр. 2315

والضرب، والطعن، والقرطاس، والقلم. عجبا لمن طلب أمرًا بالغلبة، وهو يقدر عليه بالحجة. ...... (د) بين المفردات المعطوفة إذا تعلق به ما يطيل الفصل بينها. الحازم يحذر عدوه على كل حال: يحذر المواثبة إن قرب، والغارة إن بعد، والكمين إن انكشف، والاستطراد إن ولى. ٣ - الشولة المنقوطة (؛): بين الجملتين المرتبطتين معنًى لا إعرابا. إذا رأيتم الخير فخذوا به؛ وإذا رأيتم الشر فدعوه. ٤ - الشولة المثناة: بعد السجعات إذا كان الكلام مسجعا. ٥ - النقطتان (:): (أ) قبل الكلام المنقول. ثم أقول: لا يعنيني. (ب) قبل التفصيل بعد الإجمال. علامة المنافق: إذا حدث كذب، وإذا ... الخ. ٦ - لفظ الحذف (...) مكان المحذوف، وأقلها ثلاث. ٧ - علامة الاستفهام (؟) عقب جملة الاستفهام، سواء كانت أداته ظاهرة أم محذوفة.
следующие страницы →