وقد قال فيه أبو زرعة: "شيخ واهٍ"، ووثّقهُ بعضهم (١). اهـ.
[٧٤٦] معاوية بن ميسرة بن شريح الكندي القاضي الكوفي:
"الفوائد" (ص ٣٦٤): "لم يوثق توثيقًا مُعْتبرًا" (٢).
[٧٤٧] معاوية بن هشام القصّار أبو الحسن الكوفي:
ذكر الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٢٩ - ٢٣٠) جملةً من أوهام ابن الجوزي التي وقف عليها فقال: .. ومنها: أنه ذكر معاوية بن هشام فقال: "وقيل هو معاوية ابن أبي العباس روى ما ليس من سماعه فتركوه".
كذا قال، ومعاوية بن هشام من الثقات لم يرو ما ليس من سماعه ولم يتركه أحد.
وإنما روى مروان بن معاوية الفزاري عن معاوية بن أبي العباس أحاديث عن شيوخ الثوري، وهي معروفة من حديث الثوري، فقال ابن نمير -وأخذه عنه أبو زرعة وغيره-: إن معاوية بن أبي العباس رجل متروك، كان جارًا للثوري، فلما مات الثوري أخذ معاوية كتبه فرواها عن شيوخه فسمعوا منمع ثم فطنوا لصنيعه فافتضح وتركوه، وبقى مروان يروي عنه (٣).
стр. 597
ورأى بعض الحفاظ أن معاوية بن هشام روى تلك الأحاديث عن الثوري، فسمعها منه مروان ثم دلّس مروان اسمه وأسقط الثوري من السند، فدلّس مروان [تدليس] تسوية بعد تدليسه الاسم (١).
وهذا القول على وهنه كما بينته في تعليقي على: "الموضح" لا يفيد أن معاوية بن هشام روى ما لم يسمع، ولا أنهم تركوه, ولكن ابن الجوزي جمع بين القولين، فإن: القائل إن ابن أبي العباس روى ما لم يسمع وتركوه بنى على أنه غير معاوية بن هشام، والقائل: إنه هو لم يقل إنه روى مما لم يسمع ولا أنهم تركوه. اهـ.
وقال الشيخ في ذاك التعليق، وموضعه آخر المنقول عن الدارقطني آنفًا في التعليق السابق رقم (١)، قال: "حاصل هذا القيل الذي تظناه أبو طالب ورآه الدارقطني أوْلى
стр. 598
من قول ابن نمير الذي ارتضاه أبو زرعة وغيره: هو أن مروان سمع تلك الأحاديث من معاوية بن هشام عن الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ومنصور وغيرهما، فرواها مروان مدلِّسًا لاسم شيخه ومدلِّسًا التسوية بإسقاطه الثوري، وروايتها عن معاوية عن حبيب ومنصور وغيرهما. وأن ابن نمير لم يفطن لذلك فقال ما قال تظنيًا، ورضي ذلك أبو زرعة وغيره كابن عقدة ولم يفطنوا للواقع".
ويرِدُ على هذا أمور:
منها: أن مروان وإن عرف بتغيير أسماء بعض شيوخه، فلم يُعْرفْ بتدليس التسوية ولم يوصف به.
ومنها: أن ابن نمير ثبت متقن فاضل؛ إليه المنتهى في معرفة شيوخ الكوفيين، حتى كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يقولان فيهم ما يقوله، والثوري كوفي، وجاره -إن كان- كوفي، ومعاوية بن هشام كوفي، وقد صحب ابن نمير جماعة من أصحاب الثوري، وروى عنهم، وكان معاوية بن هشام معه في البلد، وعرف مروان وروى عنه، وقد جزم بأن معاوية بن أبي العباس كان جارًا للثوري، وجرى له كيت وكيت.
ومنها: أن الحديث عن معاوية بن هشام منتشر مشتهر، فلو كان مروان إنما روى تلك الأحاديث عنه لظفر الحفاظ بعدد منها، قد رواه غير مروان عن معاوية بن هشام على الوجه كما رواه مروان عن معاوية بن أبي العباس مُسوًّى.
فأين ابن نمير ومعرفته بحديث الكوفة؟ أو أين أبو زرعة وسعة حفظه؟ وأين ابن عقدة وما وصفه به الخطيب في أوائل "الموضح" من العلم البالغ بأهل الكوفة مع تبحر حفظه؟ وكذلك أين أبو طالب والدارقطني وعبد الغني والخطيب؟.
فالظاهر أنهم لو وجدوا شيئًا من ذلك لشدُّوا به ذاك القيل.
وفي هذا وما دونه ما يكفي لتوهين تظني أبي طالب، وإن قوّاهُ الدارقطني والله الموفق. اهـ.
стр. 599
[٧٤٨] معاوية بن يحيى الشامي أبو مطيع الأطرابلسي الدمشقي:
"الفوائد" (ص ٢٢٤): "ذهب الأكثر بلى أنه أحسن حالًا من الصدفي ووثقه بعضهم، وعكس الدارقطني وذكر أن منايره أكثر من مناكير الصدفي".
[٧٤٩] معاوية بن يحيى الصدفي أبو روح الدمشقي سكن الرقة:
"الفوائد" (ص ٢٢٤): "هالك كان يشتري الصحف فيحدث بما فيها غير مبالٍ أسمع أم لم يسمع".
وفي (ص ١٢٠): "تالف".
[٧٥٠] معبد بن جمعة أبو شافع الروياني الشاعر:
في "الميزان" و"اللسان": "كذبه أبو زرعة الكشي".
فقال المعلمي في "التنكيل" رقم (٢٤٨): "أبو زرعة الكشي هو محمد بن يوسف الجنيدي. قال حمزة السهمي في "تاريخ جرجان" في ترجمة معبد (١): "حدثنا عنه جماعة، سمعت أبا زرعة محمد بن يوسف الجنيدي يقول: كان أبو شافع اسمه واسم أبيه واسم جدّه غير ما ذكر، هو غيّر أسماءهم وكان ثقة في الحديث إلا أنه كان يشرب المسكر".
فكأن بعضهم استروح إلى قوله: "هو غيّر أسماءهم" فعدّها تكذيبًا، وتبعه غيره بدون تحقيق.
وتغير الاسم ليس بكذب، وقد غير النبي ﷺ أسماء جماعة، وغيّر في بعضهم اسمه واسم أبيه، اللهم إلا أن يدعي الرجل أن اسمه لم يزل كذلك، وهذا يدفعه قول الكشي: "وكان ثقة في الحديث".
فأما شرب المسكر فقد تأول جماعة في ماعدا الخمر المتفق عليها فيشربون القدر الذي لا يسكرهم، ولم يعد أهل العلم ذلك قادحًا في العدالة، وإن ذمّ أكثرهم ذلك.
стр. 600
فهذا هو الذي وقع من أبي شافع بدليل قول الكشي: "وكان ثقة في الحديث". والله المستعان. اهـ.
[٧٥١] معبد بن عبد الله بن هشام بن زهرة بن عثمان التيمي والد زهرة بن معبد:
"الفوائد" (ص ٢٣): "لم يرو عنه إلا ابنه: زهرة، ولم يوثقه أحد، إلا أن ابن حبان ذكره في الثقات على عادته".
[٧٥٢] معمر بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن:
"الفوائد" (ص ٤٦٨): "رجح الإمام أحمد: عبد الرزاق عن معمر على غيره عن معمر، وعلّل ذلك بأن معمرًا كان يتعاهد كتبه باليمن حيث سمع منه عبد الزراق، فأما في البصرة فحدثهم من حفظه". اهـ.
ولمعمر ذكر في ترجمة سعيد بن أبي عروبة، فراجعه.
[٧٥٣] المغيرة بن سقلاب الحراني أبو بشر قاضي حران:
"التنكيل" (٢/ ١٥): "قال ابن التركماني: ضعفه ابن عدي. وذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه صالح (١)، وعن أبي زرعة: جزري لا بأس به".
قال المعلمي: "الراوي الذي يطعن فيه محدثو بلده طعنًا شديدًا لا يزيده ثناء بعض الغرباء عليه إلا وهنًا؛ لأن ذلك يُشْعر بأنه كان يتعمد التخليط, فتزين لبعض الغرباء واستقبله بأحاديث مستقيمة فظن أن ذلك شأنه مطلقًا فأثنى عليه، وعرف أهل بلده حقيقة حاله.
وهذه حال المغيرة هذا، فإنه جزري أسقطه محدثو الجزيرة. فقال أبو جعفر النفيلي: "لم يكن مؤتمنًا".
стр. 601
وقال علي بن ميمون الرقي: "كان لا يسوي بعرة".
وأبو حاتم وأبو زرعة رازيان كأنهما لقياه في رحلتهما فسمعا منه فتزيّن لهما كما تقدم فأحسنا به الظن.
وقد ضعّفهُ ممن جاء بعد ذلك: الدارقطني وابنُ عدي لأنهما اعتبرا أحاديثه .. وهو تالف على كل حال". اهـ.
[٧٥٤] المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حِزام - بمهملة وزاي- الحِزامي، المدني، لقبه: "قصيّ ":
"التنكيل" (٢/ ١٦٩) قال ابن التركماني: "مغيرة قال فيه ابن معين: ليس بشيء".
قال المعلمي: "هذا حكاه عباس عن ابن معين. وقد قال الآجري: "قلت لأبي داود: "إن عباسًا حكى عن ابن معين أنه ضعّف مغيرة بن عبد الرحمن: "الحزامي" ووثق مغيرة بن عبد الرحمن: "المخزومي". فقال: غلط عباس" (١).
والحزامي احتج به الشيخان وبقية الستة، وقال أبو زرعة: "هو أحب إلي من ابن أبي الزناد وشعيب". يعني في حديث أبي الزناد كما في "التهذيب". اهـ.
وقال الشيخ في القاعدة السادسة من قسم القواعد من "التنكيل" (١/ ٦٤):
في الرواة:
١ - المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.
٢ - والمغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام الحزامي.
٣ - والمغيرة بن عبد الرحمن بن عوف الأسدي.
حكى عباس الدوري عن يحيى بن معين توثيق الأول، وتضعيف الثالث (٢).
стр. 602
فحكى ابن أبي حاتم عن الدوري عن ابن معين توثيق الثاني (١)، ووهمّه المزي.
ووثّق أبو داود الثالث (٢)، وضعف الأول، فذُكرت له حكاية الدوري عن ابن معين فقال: غلط عباس (٣).
والحزامي احتج به الشيخان وبقية الستة، وقال أبو زرعة: "هو أحبُّ إليّ من ابن أبي الزناد وشعيب" يعني في حديث أبي الزناد كما في "التهذيب". اهـ.
стр. 603
[٧٥٥] المفضل بن غسان بن المفضل أبو عبد الرحمن الغلابي:
ترجمته في "التنكيل" رقم (٢٤٩) وليس فيها مما يتعلق به شيءٌ، وإنما فيها ذِكْرُ: "الجوزجاني" و"أبي حنيفة" وإشارة إلى أثر: "المخالفة في المذهب" في الاعتداد بأقوال المختلفين بعضهم في بعض، وكذا الحكم المجمل "للجرح الغير المفسر".
وترى ذلك في مواضعه من هذا الكتاب, والله الموفق.
[٧٥٦] منصور بن أبي مزاحم: بشير التركي أبو نصر البغدادي الكاتب:
"التنكيل" (٢٥٠): "ذكروا أنه كان كاتبًا في الديوان، ثم ترك ذلك وتجرد للحديث، وهو عندهم ثقف قال أبو زرعة عن ابن معين: "تركي ثبت" وقال أبو حاتم: "صدوق" وذكر أنه سأل ابن معين عنه فأثنى عليه وقال: "كتبت عنه".
وقال الدارقطني: "ثقة, وأخرج له مسلم في "صحيحه" وأبو داود والنسائي وخطأه أحمد في حديث، ولا يضره ذلك". اهـ.
[٧٥٧] منصور بن عمار الواعظ ابن السري خراساني وبقال بصري والد سليم:
في "الفوائد" (ص ٤١٩) حديث: "سيكون في أمتي رجل يقال له: وهب، يهب الله له الحكمة، ورجل يقال له غيلان، هو أضر على أمتي من إبليس".
قال المعلمي: "في اللآلىء" أن الطبراني أخرجه من طريقين عن ابن لهيعة:
الأولى: من طريق مجاشع بن عمرو، وهو وضاع.
والثانية: عن الحسن بن العباس الخراساني -وهو ثقة ترجمته في "تاريخ بغداد" (٧/ ٣٩٧) - عن سليم بن منصور، عن أبيه، عن ابن لهيعة، وزاد ابن الجوزي: "وسليم ذاهب الحديث".
أقول: أبوه أذهبُ منه على فضله.
стр. 604
وأحسب بعض الدّجّالين كتب صحيفة فيها عدة أخبار منها هذا الخبر، فقرأها -أو بعضها- على ابن لهيعة، وسكت ابن لهيعة على عادته بأخرة كما مرّ في التعليق (ص ٢١٥) فتلقفها من كان حاضرًا من الضعفاء كمنصور وغيره فانتسخوها وراحوا يروونها عن ابن لهيعة". اهـ.
[٧٥٨] موسى بن إسماعيل المِنْقري مولاهم أبو سلمة التبوذكي البصري:
"التنكيل" رقم (٢٥١): "مجمع على ثقته والاحتجاج به".
[ز ١٧] موسى بن جبير الأنصاري المدني الحذاء مولى بني سلمة:
"حاشية الفوائد المجموعة" (ص ٤٩٢): "ذكره ابن حجر في "التقريب" وقال: "مستور"، وذكره ابن حبان في "ثقاته" لكنه قال: "يخطىء ويخالف"، وذِكْرُ ابن حبان للرجل في "ثقاته" وإخراجه له في "صحيحه" لا يخرجه عن جهالة الحال، فأما إذا زاد ابن حبان فغمزه بنحو قوله هنا: "يخطىء ويخالف" فقد خرج عن أن يكون مجهول الحال إلى دائرة الضعف". اهـ.
[٧٥٩] موسى بن سيار الأسواري عن أنس:
"الفوائد" (ص ١٦٩): "مترجم في "اللسان" (٦/ ١٢٠ و ١٣٦ رقم ٤١٥، ٤٧٠)، ويظهر من ترجمته أنه لم يدرك أنسًا وأنه كان قدريًا زائغًا وذكر من قوله: "أن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا أعرابًا جفاةً، فجئنا نحن أبناء فارس فلخصنا هذا الدين". اهـ.
[٧٦٠] موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي الأسدي أبو محمد المدني صاحب المغازي:
"مقام إبراهيم" (ص ١٨٦): "ثقة أدرك بعض الصحابة، لكن ذكروا أنه تتبع المغازي بعد كبر سنه، فربما يسمع ممن هو دونه". وتراجع ترجمته في القسم الثاني من هذا الكتاب.
стр. 605
[٧٦١] موسى بن المساور أبو الهيثم الضبي:
"التنكيل" (٢٥٢) قال الكوثري: "من رجال "الحلية" مجهول الحال ولم أر من وثقه".
قال المعلمي: "قال أبو الشيخ في "طبقات الأصبهانيين": روى عن سفيان بن عيينة وعبيد الله بن معاذ ووكيع والناس، وكان خيرًا فاضلًا، ترك ما ورثه من أبيه لإخوته ولم يأخذ منه شيئًا لأن أباه كان يتولى للسلطان .. ". ونحو ذلك في "تاريخ أصبهان" لأبي نعيم.
وبهذا يثبت أن الرجل عدل صدوق، ويبقى النظر في ضبطه، وسكوت هذين الحافظين وغيرهما من حفاظ أصبهان وغيرهم عن الكلام في روايته يدل أنه لم يكن به بأس". اهـ.
[٧٦٢] موسى بن وردان القرشي العامري مولاهم أبو عمر المصري مدني الأصل:
"الفوائد" (ص ٢٦٠): "صدوق يخطىء وكان قاصًا".
[٧٦٣] مُؤمّل بن إسماعيل البصري أبو عبد الرحمن نزيل مكة:
"التنكيل" (٢٥٣) قال الكوثري: "يقول فيه البخاري: منكر الحديث. ويقول أبو زرعة: في حديثه خطأ كثير".
قال المعلمي: "وثقه إسحاق بن راهويه ويحيى بن معين، ووثقه أيضًا ابن سعد والدارقطني، ووصفاه بكثرة الخطأ، ولخّص محمد بن نصر المروزي حاله فقال: "إذا انفرد بحديث وجب أن يتوقف فيه ويتثبت؛ لأنه كان سيء الحفظ كثير الغلط".
فحدُّه أن لا يحتج به إلا فيما توبع فيه, وفيما ليس من مظانّ الخطأ". اهـ.
стр. 606
[٧٦٤] مُؤمّل بن إِهاب الرّبعِيّ العجلي أبو عبد الرحمن الكوفي نزيل الرملة أصله من كرمان:
"التنكيل" (٢٥٤).
وقد قال ابن الجنيد: سئل يحيى بن معين وأنا أسمع عن مؤمل بن إهاب فكأنه ضعفه.
قال الشيخ المعلمي: " .. وفي ترجمة الحسن بن موسى الأشيب من: "مقدمة الفتح" مثل هذه الكلمة: "كأنه ضعيف" فدفعها الحافظ ابن حجر بقوله: "هذا ظن لا تقوم به حجة".
هذا وتردُّدُ ابن الجنيد يحتمل وجهين أظهرهما: أن يكون جرى من ابن معين عندما سئل عن مؤمل ما يشعر بأنه لم يعجبه مؤمل، ولا ندري ما الذي جرى منه وما قدر دلالته؟
على أنهم مما يقولون: "ضعفه فلان" مع أن الواقع من فلان تليين يسير، كما تقدمت الإشارة إليه في القاعدة السادسة من قسم القواعد، فما بالك بقوله: "فكأنه ضعفه"؟
وإنما ينقل أهل العلم أمثال هذه الكلمة لاحتمال أن يوجد تضعيف صريح فيكون مما يعتضد به، فأما هنا فلا يوجد إلا التوثيق.
نعم الثقات يتفاوتون في درجات التثبت، ويظهر أن مؤملًا لم يكن في أعالي الدرجات، ففي الرواة من هو أثبت منه، وإنما يظهر أمر ذلك عند التخالف والتعارض عند الأولين.
стр. 607
وإذا اشتبه الأمر في المنقول عن إمام، وجب الرجوع إلى المنقول عن غيره، وقد ذكرت في "الطليعة" توثيق الأئمة المؤمل (١)، وبذلك يرجح رجحانًا ظاهرًا أن ابن معين لم يضعفه (٢)، والله المستعان. اهـ.
[٧٦٥] مهنأ بن يحيى أبو عبد الله شامي الأصل، من كبار أصحاب الإمام أحمد ابن حنبل:
"التنكيل" رقم (٢٥٥) قال الكوثري: "قال أبو الفتح الأزدي .. منكر الحديث، وتابعه الخطيب".
فقال الشيخ المعلمي: "الأزدي نفسه متكلم فيه، حتى رُمي بالوضع، وقد ردّ ابن حجر في مواضع من: "مقدمة الفتح" جرْحهُ وبيّن أنه لا يُعتد به.
وقول الكوثري: "وتابعه الخطيب" باطل، فقد روى ابن الآبنوسي عن الخطيب: "كل من ذكرت فيه أقاويل الناس من جرح أو تعديل فالتعويل على ما أخّرْتُ". كما في "تذكرة الحفاظ" (ج ٣ ص ٣١٥).
وهاهنا بدأ الخطيب في ترجمة مهنأ بحكاية قول الأزدي، ثم أتبعها برواية السلمي عن الدارقطني: "ثقة نبيل"، ثم ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه، فعلم بذلك أن التعويل عنده على التوثيق.
وبهذا يعلم ما في عبارة ابن الجوزي في "المنتظم" (ج ٨ ص ٣٦٨) في تجنياته على الخطيب: "ذكر مهنأ بن يحيى وكان من كبار أصحاب أحمد وذكر عن الدارقطني أنه قال: مهنأ ثقة نبيل، وحكى بعد (!) ذلك عن أبي الفتح الأزدي .. وهو يعلم أن
стр. 608
الأزدي مطعون فيه عند الكُلّ .. فلا يستحي الخطيب أن يقابل قول الدارقطني في مهنأ بقول هذا ثم لايتكلم عليه؟ ".
أقول: عفا الله عنك يا أبا الفرج، ما أرى الباعث لك على التجني على الخطيب إلا ما قدمته في ترجمته (١).
وعليك في كلامك هذا مؤاخذات.
الأولى: أن الموجود في "تاريخ الخطيب" تعقيب كلمة الأزدي بحكاية السلمي عن الدراقطني كما مرّ.
الثانية: أن هذا مع ذكر مكانة مهنأ عند أحمد وثناء أصحابه عليه في قوة الردّ على كلمة الأزدي كما مرّ.
الثالثة: أنك إذْ ذكرت ما قيل في الأزدي كان ينبغي أن تذكر ما قيل في السلمي حاكي التوثيق عن الدارقطني، وقد ذكرت ترجمته في "المنتظم" (ج ٨ ص ٦) وفيها قول محمد بن يوسف القطان: "كان أبو عبد الرحمن غير ثقة، ولم يكن سمع من الأصم إلا شيئًا يسيرًا، فلما مات الحاكم أبو عبد الله ابن البيِّع حدث عن الأصم بـ "تاريخ يحيى بن معين" وبأشياء كثيرة سواها، وكان يضع للصوفية الأحاديث". ولم تتعقبْ هذا ولا ذكرت ما يخالفه (٢).
الرابعة: أن الأزدي ذكر متمسكه, فلا يسوغ ردّ قوله إلا ببيان سقوط حجته.
أما متمسك الأزدي فهو أن مهنأ روى عن زيد بن أبي الزرقاء عن سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن جابر حديثًا في الجمعة.
стр. 609
ولا يعلم رواه أحد غيره عن زيد بن أبي الزرقاء ولا عن غيره عن سفيان الثوري.
فلا يعرف عن الثوري إلا بهذا الإسناد.
وإنما يعرف من رواية عبد الله بن محمد العدوي التميمي، رواه عن علي بن زيد، والعدوي طعنوا فيه، وقال وكيع: "يضع الحديث" وحكى ابن عبد البر عن جماعة أهل العلم بالحديث أنهم يقولون: إن هذا الحديث من وضعه, كذا في ترجمة العدوي من "التهذيب".
وفي ترجمة مهنأ من "اللسان" عن ابن عبد البر: "لهذا الحديث طرق ليس فيها ما يقوم به حجة، إلا أن مجموعها يدل على بطلان قول من حمل على العدوي أو على مهنأ بن يحيى".
فلو كان ابن الجوزي نظر في هذا الحديث وحقق لكان أصلى به مما صنع.
وعلى كل حالٍ فغاية ما في الباب أن يكون مهنأ أخطأ في سند هذا الحديث، فكان ماذا؟!
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "كان من خيار الناس في حديث أحمد ابن حنبل وبشر الحافي، مستقيم الحديث".
ويكفيه مكانته عند أحمد وثناء أصحابه عليه، والله أعلم. اهـ.
[٧٦٦] ميسرة بن حبيب النهدي أبو حازم الكوفي:
"الفوائد" (ص ٣٧٩): "موثق" (١).
стр. 610
[٧٦٧] ميمون أبو عبد الله البصري الكندي مولى عبد الرحمن بن سمرة:
"الفوائد" (ص ٣٦٤): "كان يحيى القطان لا يحدث عنه, وسئل عنه, فحمض وجهه، وقال: "زعم شعبة أنه كان فسلًا". وقال الإمام أحمد: "عنده مناكير" (١). وقال النسائي والحاكم أبو أحمد: "ليس بالقوي". وقال ابن حبان في "الثقاقيات" (٢): "كان يحيى القطان سيء الرأي فيه". ولم يتعقب ابن حبان هذا بشيء, وقد عرف من صنيعه أنه قد يذكر الرجل في "الثقات" ويضعفه أو يتردد فيه، فهذا من ذاك (٣).
وقال الحافظ ابن حجر في التقريب: "ضعيف" وهي المرتبة الثامنة عنده، مع أن الخامسة عنده مرتبة: "صدوق سيء الحفظ" ونحوها، فيظهر من هذا ومن صنيعه في مواضع أن من يقول فيه: "ضعيف" عنده أنه لم يثبت كونه لا يتعمد الكذب، ومع هذا تسمح فقال في "القول المسدد": "وثقه غير واحد". وفي الفتح لما ذكر خبره: "رجاله ثقات". اهـ.
* * *
стр. 611
حرف النون
[٧٦٨] ناصح بن عبد الله المحلمي أبو عبد الله الكوفي الحائك صاحب سماك ابن حرب:
"الفوائد" (ص ٣٦٤): "شيعي، منكر الحديث، ذاهب الحديث، متروك الحديث، روى عن سماك عن جابر بن سمرة أشياء لا تعرف". اهـ.
[٧٦٩] نجيح بن عبد الرحمن السندي أبو معشر المدني مولى بني هاشم:
"الفوائد" (ص ١٠٨): "ضعيف جدًّا ولا سيما في بعض شيوخه (١) ومنهم ابن المنكدر، ومع ذلك اختلط قبل موته بمدة".
وفي (ص ٢٧٩): "كان أول أمره ضعيفًا، ثم اختلط اختلاطًا شديدًا، وجاء بأحاديث منكرة ولا سيما في روايته عن سعيد المقبري مع أن سعيدًا نفسه اختلط أيضًا".
[٧٧٠] نزار بن حيان الأسدي مولى بني هاشم:
"التنكيل" (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، روى القاسم بن حبيب عن نزار بن حيان عن عكرمة حديثًا في ذمّ القدرية والمرجئة، استنكره غير واحد من أهل العلم، فبحث الشيخ المعلمي فيمن تلصق به تبعة هذا الحديث، فقال: "نزار بن حيان لم يوثقه أحد، وذكره ابن حبان في "الضعفاء" (٢) وقال: "يأتي عن عكرمة بما ليس من حديثه
стр. 612
حتى يسبق إلى القلب أنه المتعمد لذلك" .. فكأن ابن حبان يشير إليه -يعني هذا الحديث (١).
والقاسم قد روى عن عكرمة، فلو أراد الكذب لروى ذاك الحديث عن عكرمة رأسًا وربح العلو وشهادة نزار له. وقد تابع القاسم على رواية هذا الحديث عن نزار: ابنه عليُّ بن نزار، وقال ابن معين في علي بن نزار: "ليس حديثه بشيء" لعله أراد هذا الحديث (٢).
وعلي بن نزار قد روى عن عكرمة، فلو أراد الكذب لروى هذا الحديث عن عكرمة رأسًا وربح العلو والشهادة لأبيه، وقال ابن عديّ في ترجمة عليّ في هذا الحديث: "أنكروه على علي وعلى والده". ويؤخذ من "الميزان" أن بعضهم رواه عن فضيل عن نزار وابنه (٣) عن عكرمة ولكن أشار الذهبي إلى أن المحفوظ: "عن ابن فضيل عن القاسم بن حبيب وعلي بن نزار" يعني كلاهما عن نزار عن عكرمة كما في "سنن الترمذي" (٤).
стр. 613
فالذي يتجه اتجاهًا واضحًا أن الحمل في هذا الحديث على نزار له غُنْمُه وعليه غُرْمُه." (١).
[٧٧١] نصر بن عاصم الأنطاكي:
"الفوائد" (ص ٥٠٣): "ليّن الحديث" (٢).
[٧٧٢] نصر بن مزاحم العطار المنقري الكوفي أبو الفضل، سكن بغداد:
قال: ثنا عبد الله بن مسلم الملائى عن أبيه عن جده عن علي بحديث الأمر بسد أبواب المسجد إلا باب علي.
"الفوائد" (ص ٣٦٥): "رافضي غال متروك. قال أبو خيثمة: "كان كذابًا" وشيخه وأبوه وجدّه لم أجدهم". اهـ.
[٧٧٣] النضر بن إسماعيل بن حازم البجلي أبو المغيرة الكوفي القاصّ إمام مسجد الكوفة:
"الفوائد" (ص ٢٢٠): "ضعيف".
стр. 614
[٧٧٤] النضر بن سلمة شاذان أبو محمد المروزي سكن مكة:
"الفوائد" (ص ٢٢٠): "وضاع".
[٧٧٥] النضر بن شفي عن النبي ﷺ -:
"الفوائد" (ص ٤٧٠): "حدّه أن يكون من أتباع التابعين وهو مجهول جدًّا (١) والخبر معضل" (٢).
[٧٧٦] النضر بن طاهر أبو الحجاج القيسي البصري:
"الفوائد" (٥٠٣): "ممن يكذب".
[٧٧٧] نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي أبو عبد الله المروزي الفارض الأعور نزيل مصر:
"الفوائد" (ص ٢٠٩): "كثير الغلط".
وفي (ص ٤٦٧): بنحوه.
وفي (ص ٤٠٥): "فيه كلام يوجب التوقف عما ينفرد به، .. وقد ذكر ابن أبي حاتم هذا الخبر (٣) في "العلل" (٢/ ٣٧٣) وذكر عن أبيه أن نعيمًا لم يتابع على وصله، وغيرُه يرويه عن مروان "بن جناح" (٤) مرسلًا لا يذكر الصحابي، ومراسيل الشاميين في هذا الباب ساقطة البتة".
وفي (ص ٤٤٨): "قال ابن الجوزي: قال ابن عديّ: "يضع" وهذا وهم قبيح من ابن الجوزي، إنما حكى ابن عديّ عن الدولابي عن بعضهم، ولا يُدرى من هو.
стр. 615
وردّه ابن عديّ، وحمل على الدولابي، راجع ترجمة نعيم في "تهذيب التهذيب" و"مقدمة الفتح". اهـ.
وترجم له الشيخ في "التنكيل" رقم (٢٥٨) ترجمة مطوّلة، نقل فيها قول الكوثري في نعيم: "معروف باختلاق مثالب ضد أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح فيه واسع الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة بل القائلين باللحم والدم. وقال الأستاذ (ص ١٠٧): "له ثلاثة عشر كتابًا في الرد على من يسميهم: الجهمية، ودعا إليها العجلي فأعرض عنها .. ولا شك أنه كان وضاع مثالب كما يقول أبو الفتح الأزدي وأبو بشر الدولابي وغيرهما، وكم أتعب نعيم أهل النقد بمناكيره، ويوجد من روى عنه من الأجلة رغبة في علو السند، ولا يرفع ذلك من شأنه إن لم يضع من شأن الراوي، ومن حاول الدفاع عنه يتسع عليه الخرق".
فقال الشيخ المعلمي جوابًا على هذه الافتراءات:
"نعيم من أخيار الأمة وأعلام الأئمة وشهداء السنة، ما كفى الجهمية الحنفية أن اضطهدوه في حياته إذ حاولوا إكراهه على أن يعزف بخلق القرآن فأبى فخلدوه في السجن مثقلا بالحديد حتى مات، فجُرّ بحديده فأُلقى في حفرة ولم يكفن ولم يصل عليه -صلت عليه الملائكة- حتى تتبعوه بعد موته بالتضليل والتكذيب، على أنه لم يجرؤ منهم على تكذيبه أحد قبل الأستاذ، إلا أن أحدهم وهو الدولابي ركب لذلك مطية الكذب فقال: "وقال غيره .. " (١).
أما عقيدته فعقيدة أئمة السنة المخلدة في كتاب الله سبحانه، وأما الذين كان يسميهم: "الجهمية" فكان أئمة المسلمين في زمانه وقبله وبعده يسمونهم هذا الاسم، وأما إعراض العجلي عن كتبه فلم يعرض عنها مخالفة لنعيم ولا رغبة عن الأخذ عنه وهو ممن وثق نعيمًا كما يأتي، وإنما كان العجلي مستغرقًا في الحديث فلم يحب أن
стр. 616
يتشاغل بالنظر في أقوال المبتدعة والرد عليها؛ إشفاقًا على نفسه من أن يعلق به بعض أوضارها.
وأما كلام أئمة الجرح والتعديل فيه فهو بين موثقٍ له مطلقا، ومُثنٍ عليه ملينٍ [لما] ينفرد به مما هو مظنة الخطأ، بحجة أنه كان لكثرة ما سمع من الحديث ربما يشبه عليه فيخطىء. وقد روى عنه البخاري في "صحيحه" (١) وروى له بقية
стр. 617
الستة (١) بواسطة إلا النسائي، لا رغبة في علو السند كما يزعم الأستاذ؛ فقد أدركوا كثيرًا من أقرانه وممن هو أكبر منه، ولكن علمًا بصدقه وأمانته، وأن ما نسب إلى الوهم فيه ليس بكثير في كثرة ما روى.
فأما الدولابي فهو محمد بن أحمد بن حماد له ترجمة في "الميزان" و"اللسان" قال ابن يونس: "من أهل الصنعة حسن التصنيف وكان يضعف". وقال الدارقطني: "تكلموا فيه (لما) تبين من أمره (الأخير) " (٢). وذكر ابن عدي قول الدولابي في معبد الجهني الذي روى أبو حنيفة عن منصور بن زاذان عن الحسن عنه, أنه معبد ابن هوذة الذي ذكره البخاري في "تاريخه".
قال ابن عدي: "هذا الذي قاله غير صحيح، وذلك أن معبد بن هوذة أنصاري فكيف يكون جهنيًا؟ ومعبد الجهني معروف ليس بصحابي، وما حمل الدولابي على ذلك إلا ميله لمذهبه".
وقال ابن عدي أيضًا: "ابن حماد متهم فيما قاله في نعيم بن حماد؛ لصلابته في أهل الرأي".
وفي ترجمة نعيم من: "مقدمة الفتح" بعد الإشارة إلى حكاية الدولابي: "وتعقب ذلك ابن عدي بأن الدولابي كان متعصبًا عليه لأنه كان شديدًا على أهل الرأي. وهذا هو الصواب" وقال في "التهذيب" "حاشى الدولابي أن يُتّهم، وإنما الشأن في شيخه الذي نقل ذلك عنه فإنه مجهول متهم".
стр. 618
أقول: لا أرى الدولابي يبرأ من عهدة ذاك النقل المريب فإن ابن عدي قال (١) كما في "التهذيب": "قال لنا ابن حماد -يعني الدولابي- نعيم يروي عن ابن المبارك قال النسائي: ضعيف، وقال غيره: كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات في ثلب أبي حنيفة كلها كذب. قال ابن عدي: وابن حماد متهم .. ". فلا يحتمل أن يكون الدولابي سمع تلك الكلمة ممن يعتد بقوله وإلا لصرح به وصرخ به صراخًا. فإن كان سمعها ممن لا يعتد به فلم يكن له أن يحكيها على هذا الوجه، بل كان عليه أن يُعرض عنها لعدم الاعتداد بقائلها، أو على الأقل أن يصرح باسمه. وإن كان لم يسمعها من أحد وإنما اختلق ذلك فأمره أسوأ، وإن كان كنى بقوله: "غيره" عن نفسه كأنه أراد: "وقلت أنا" فالأمر في هذا أخف، وقد عُرف تعصب الدولابي على نعيم، فلا يقبل قوله فيه بلا حجة مع شذوذه عن أئمة الحديث الذين لا يكاد هو يذكر معهم.
وأما أبو الفتح محمد بن الحسين الأزدي فهو نفسه على يدي عدل! وترجمته في "تاريخ بغداد" و"الميزان" و"اللسان" تُبين ذلك، مع أنه إنما نقل كلام الدولابي وإن لم يصرح باسمه، والدليل على ذلك توافق العبارتين، أما عبارة الدولابي فقد مرت، وأما عبارة الأزدي فقال: "قالوا كان يضع الحديث في تقوية السنة وحكايات مزورة في ثلب أبي حنيفة كلها كذب".
أما كلام الأئمة فقال الإمام أحمد: "لقد كان من الثقات". وقال العجلي: "ثقة" وقال أبو حاتم مع تشدده: "صدوق" (٢) وروى عنه البخاري في "صحيحه" (٣) كما مر، وأخرج له بقية الستة (٤) إلا النسائي.
стр. 619
وصح عن ابن معين من أوجه أنه قال: "ثقة"، وروى عنه، وجاء عنه أنه مع ثنائه عليه لينه في الرواية، وأتم ذلك رواية علي بن حسين بن حبان، وفيها عن ابن معين: "نعيم بن حماد صدوق، ثقة، رجل "صالح" (١)، أنا أعرف الناس به كان رفيقي بالبصرة. إلا أنه كان يتوهم الشىء فيخطىء فيه، وأما هو فكان من أهل الصدق".
وقال الحافظ أبو علي النيسابوري: "سمعت النسائي يذكر فضل نعيم بن حماد وتقدمه في العلم والمعرفة والسنن، ثم قيل له في قبول حديثه؟ فقال: قد كثر تفرده عن الأئمة المعروفين بأحاديث كثيرة فصار في حد من لا يحتج به" (٢).
وهذا يدل أن ما روى عن النسائي أنه قال مرة: "ليس بثقة" (٣) إنما أراد بها أنه ليس في حد أن يحتج به، وهب أن النسائي شدد فكلام الأكثر أرجح ولاسيما ابن معين، لكمال معرفته ولكونه رافق نعيمًا وجالسه وسمع منه وخبره حتى قال كما تقدم: "أنا أعرف الناس به".
وقد أورد له ابن عدي أحاديث انتقدت عليه ثم قال: "وعامة ما أنكر عليه هو الذي ذكرته وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا".
وقال ابن حجر في "التهذيب": "أما نعيم فقد ثبتت عدالته وصدقه ولكن في حديثه أوهام معروفة وقد قال فيه الدارقطني (٤): إمام في السنة كثير الوهم. وقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه. وقد مضى أن ابن عدي تتبع ما وهم فيه، فهذا فصل القول فيه".
وإنما أوقع نعيمًا فيما وقع فيه من الأوهام أنه سمع فأكثر جدًّا من الثقات ومن الضعفاء، قال أحمد بن ثابت أبو يحيى: "سمعت أحمد ويحيى بن معين يقولان: نعيم
стр. 620
معروف بالطلب، ثم ذمه [يحيى] (١) بأنه يروي عن غير الثقات. وفي "الميزان" عن ابن معين: "نعيم بن حماد .. كتب عن روح بن عبادة خمسين ألف حديث". هذا ما سمعه من رجل واحد ليس هو بأشهر شيوخه فما ظنك بمجموع ما عنده على كثرة شيوخه؟ وقال صالح بن محمد: "كان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها" (٢) فلكثرة حديث نعيم عن الثقات وعن الضعفاء واعتماده على حفظه كان ربما اشتبه عليه ما سمعه من بعض الضعفاء بما سمع من بعض الثقات، فيظن أنه سمع الأول بسند الثاني فيرويه كذلك، ولو لم يخطىء وروى كما سمع لتبين أنه إن كان هناك نكارة فالحمل فيها على من فوقه.
وقد تقدم أن ابن عدي تتبع ما انتقد على نعيم (٣)، وذكر الذهبي في "الميزان" ثمانية أحاديث وكأنها أشد ما انتقد على نعيم، وما عداها فالأمر فيه قريب، ولا بأس أن أسوقها هنا وأنظر فيها على مقدار فهْمي. وأسأل الله التوفيق.
الحديث الأول: أخرجه الحاكم في "المستدرك" (ج ٤ ص ٤٣٠): " .. نعيم بن حماد ثنا عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فرقة قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين".
стр. 621
أقول: هذا الحديث أشد ما أنكر على نعيم، أنكره ابن معين (١) ووثق نعيمًا وقال: "شُبِّه له" وقال دحيم: "هذا حديث صفوان بن عمرو، حديث معاوية" (٢) يعني أن إسناده مقلوب ولهذا الحديث شواهد مرفوعة وموقوفة في "المستدرك" (ج ١ ص ١٢٨) و"سنن الدارمي" (ج ١ ص ٦٥) وغيرهما (٣). وقد تابع نعيمًا على روايته عن عيسى ابن يونس جماعة منهم ثلاثة أقوياء (٤): سويد بن سعيد الحدثاني، وعبد الله بن جعفر
стр. 622
. . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 623
الرقي، والحكم بن المبارك.
وسويد من رجال مسلم إلا أنه كان في آخر عمره يقبل التلقين (١) لكن في ترجمته ما يدل أنه كان إذا نبه على خطأه رجع، وقد روجع في هذا الحديث فثبت على أنه سمع من عيسى بن يونس (٢).
стр. 624
والرقي موثق إلا أنه نُسب إلى الاختلاط بأخرة، لكن ذكر ابن حبان أن اختلاطه لم يكن فاحشًا، وراوي هذا الحديث عنه ثقة (١)، وهو الذي أخبر بأنه اختلط، فقد يقال: لو علم أنه اختلط اختلاطًا شديدًا وكان إنما سمع منه هذا الحديث عند اختلاطه، لكان الظاهر أن لا يرويه عنه إلا مقرونًا ببيان أنه إنما سمعه منه بعد الاختلاط (٢).
والخواستي وثقه ابن حبان وابن مندة وابن السمعاني (٣)، وقال ابن عدي في ترجمة سويد: "يقال إنه لا بأس به" لكنه عدّه عند ذكر هذا الحديث في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن بن وهب فيمن سرق هذا الحديث من نعيم. وذكر الذهبي في "الميزان" متابعة هؤلاء الثلاثة لنعيم ثم قال: "قلت هؤلاء الأربعة لا يجوز في العادة أن يتفقوا على باطل، فإن كان خطأ، فمن عيسى بن يونس" (٤) والله أعلم.
стр. 625
الحديث الثاني: قال ابن جرير في تفسير سورة: "سبأ": "حدثني زكريا بن أبان المصري قال: ثنا نعيم قال: ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن أبي زكريا، عن رجاء بن حيوة، عن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أخذت السموات منه رجفة -أو قال: رعدة- شديدة خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدًّا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبرائيل على الملائكة, كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله".
سئل عنه دحيم فقال: لا أصل له (١).
أقول: المتن غير منكر، وله شواهد، ففي "صحيح البخاري" (٢) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا قفضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: [قال] (٣) الحق وهو العلي الكبير." هكذا في تفسير سورة "سبأ".
وأخرجه البخاري أيضًا في "التوحيد" (٤) وذكر معه: "قال مسروق عن ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات شيئًا فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق". وذكر ابن حجر في
стр. 626
"الفتح" (١) طرق حديث ابن مسعود وأنه جاء من عدة أوجه مرفوعًا (٢) وفي بعض طرقه: " .. فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، فإذا جاءهم جبريل فزع عن قلوبهم، قال ويقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ قال: فيقول الحق، قال: فينادون الحق الحق" وراجع تفسير سورة: "سبأ" من: "تفسير ابن جرير"، وراجع: "الفتح" في تفسير سورة: "سبأ" وفي "التوحيد".
فالنكارة في السند فقط (٣)، وقد يقال: نعيم مكثر جدًّا، وكان يتتبع هذا الضرب من الأحاديث، والوليد مكثر جدًّا تفرد بأحاديث كثيرة فيحتمل هذا الحديث لنعيم،
стр. 627
فإن كان هناك خطأ فقد مرّ وجهه (١)، والله أعلم.
الحديث الثالث: في "تاريخ بغداد" (ج ١٣ ص ٣١١) من طريق محمد بن إسماعيل الترمذي: "حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا ابن وهب، حدثنا عمرو بن الحارث، عن سعيد ابن أبي هلال، عن مروان بن عثمان، عن عمارة بن عامر، عن أم الطفيل امرأة أُبي، أنها سمعت النبي ﷺ يذكر أنه رأى ربه تعالى في المنام في أحسن صورة شابًا موفرًا رجلاه في خف عليه نعلان من ذهب على وجهه فراش من ذهب".
أقول: في "اللآلىء المصنوعة" (ج ١ ص ١٦) (٢) بعد ذكر حديث نعيم هذا: "ولم ينفرد بهذا الحديث فقد رواه جماعة عن ابن وهب، قال الطبراني (٣): حدثنا روح بن الفرج حدثنا يحيى بن بكير ح وحدثنا أحمد بن رشدين حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي وأحمد بن صالح قالوا: حدثنا عبد الله بن وهب -فذكره بسنده ومتنه سواء" ثم ذكر حديث حماد بن سلمة بسنده (٤) إلى ابن عباس مرفوعًا: "رأيت ربي في صورة شاب له وفرة" وتصحيح أبي زرعة له (٥)، وعدة متابعات وشواهد له. والطبراني
стр. 628
وروح بن الفرج ويحيى بن بكير من الثقات، وفي يحيى كلام يسير لا يضره, وهو من رجال: "الصحيحين". ويحيى بن سليمان وأحمد بن صالح ثقتان لكن الراوي عنهما أحمد بن رشدين فيه كلام وقد وثقه مسلمة (١).
وفي "تاريخ بغداد" (٢) من طريق محمد بن أحمد بن الحداد الفقيه أنه سمع النسائي يقول: "ومن مروان بن عثمان حتى يصدق على الله سبحانه؟! " وهذا يشعر بأن النسائي عرف ثبوت الحديث عن ابن وهب بسنده فلم يحمل على نعيم ولا يحيى بن بكير وإنما ترقى إلى مروان بن عثمان، ومروان ضعفه أبو حاتم، وقال ابن حبان في
стр. 629
ترجمة عمارة بن عامر: "حديثًا منكرًا، لم يسمع عمارة من أم الطفيل" فأعله بالانقطاع. وعلى كل حال فقد ظهرت براءة نعيم من عهدة هذا الحديث (١).
الحديث الرابع: قال الترمذي في أواخر "كتاب الفتن" من "جامعه" (٢) "حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني حدثنا نعيم بن حماد حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به هلك، ثم يأتي زمان من عمل منكم بِعُشْر ما أُمر به نجا. قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث نعيم بن حماد عن سفيان بن عيينة، قال: وفي الباب عن أبي ذر وأبي سعيد".
أقول: حديث أبي ذر في "مسند أحمد" (ج ٥ ص ١٥٥) و"التاريخ الكبير" للبخاري (ج ١ قسم ٢ ص ٣٧١) (٣).
فكأنه وقع لنعيم حديث أبي ذر أو أبي سعيد بسند، وحديث آخر عن سفيان بن عيينة بسند فاشتبه عليه الحديثان، فظن أنه سمع ذاك المتن بهذا السند. والله أعلم (٤).
стр. 630
الحديث الخامس والسادس: في "الميزان" (١): "ومنها حديثه عن ابن المبارك وعبدة عن عبيد الله عن نافع عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يكبر في العيدين سبعًا في الأولى، وخمسًا في الثانية، والمحفوظ أنه موقوف" (٢).
وفيه: "نعيم عن الدّراورْدِي عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: لا تقل أهريق الماء ولكن قل: أبول. والصواب أنه موقوف" (٣).
أقول: إن ثبت رجحان الوقف فيهما فالأمر هيِّنٌ، ومثل هذا الخطأ لم يكد يسلم منه أحد كما ترى في كتب العلل. وقد اغتفر أكثر من ذلك لمن لا يساوي نعيمًا في كثرة الحديث ولا ينصفه.
الحديث السابع والثامن: في "الميزان": "بقية عن ثور عن خالد بن معدان عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا: المتعبد بلا فقه كالحمار في الطاحونة.
وبه قال: تغطية الرأس بالنهار فقه، وبالليل ريبة.
لم يروهما عن بقية سواه".
أقول: بقية بن الوليد بحر لا ساحل له، كان يأخذ عن كل من دبّ ودرج، ويدلس، فالتفرد عنه ليس بالمنكر ولا سيما لمثل نعيم.
стр. 631
فهذه هي الأحاديث التي ذكرت في "الميزان" في ترجمة نعيم، وقضية ذلك أنها أشد ما انتقد عليه.
ومن تدبر ذلك وعلم كثرة حديث نعيم وشيوخه، وأنه كان يحدث من حفظه، وكان قد طالع كتب العلل، جزم بأن نعيمًا مظلوم، وأن حقه أن يحتج به ولو انفرد (١)، إلا أنه يجب التوقف عما ينكر مما ينفرد به، فإن غيره من الثقات المتفق عليهم قد تفردوا وغلطوا، هذا الوليد بن مسلم يقول أبو داود: "روى عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها أربعة عن نافع"، ولذلك نظائر.
فاما الاحتجاج به فيما توبع عليه فواضح جدًّا، وكذلك ما يرويه من كلام مشايخه أنفسهم، إلا أنه قد يحتمل أن يروي بعض ذلك بالمعنى فيتفق أن يقع فيما رواه لفظ أبلغ مما سمعه وكلمة أشد، فإذا كان للفظ الذي حكاه متابعة أو شاهد اندفع هذا الاحتمال، والله أعلم. اهـ.
[٧٧٨] نفيع بن الحارث أبو داود الأعمى الكوفي القاص:
"الفوائد" (ص ٨٥): "هالك".
وفي (ص ٢٣٦): "هالك البتة".
[٧٧٩] نوح بن ذكوان البصري:
"الفوائد" (ص ١٨٢): "تالف، له صحيفة يرويها عن الحسن عن أنس، عامتها لا أصل لها".
стр. 632
حرف الهاء
[٧٨٠] هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني ابن أبي وكيع الكوفي:
"الفوائد" (ص ٢٠٩): "فيه مقال" (١).
[٧٨١] هارون بن موسى بن أبي علقمة الفروي أبو موسى المدني:
"الفوائد" (ص ٥٠٣): "شيخ لا يقبل منه ما يتفرد به ولا سيما مثل هذا" (٢).
[٧٨٢] هارون بن نجيد عن جابر بن مالك عن أثوب بن عتبة:
"الفوائد" (ص ١٧٢): "كلهم مجهولون".
[٧٨٣] هارون بن يحيى بن هارون بن عبد الرحمن بن حاطب الحاطبي:
"الفوائد" (ص ٦٣): "أحاديثه منكرات لا يتابع عليها".
[٧٨٤] هانىء بن المتوكل أبو هاشم الإسكندراني:
"حاشية الأنساب" (١/ ٢٤٧). قال ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٩٧): "كان يُدْخلُ عليه لما كبر فيجيب .. ".
فقال الشيخ المعلمي: "يعني يقبل ما يدخله عليه الفجار من الحديث، وليس من حديثه، فيحدث به على أنه من حديثه".
стр. 633
[٧٨٥] هانىء بن هانىء الهمداني الكوفي:
"التنكيل" (٢/ ٧٨): "لم يرو عنه إلا أبو إسحاق وحده قال ابن المديني: "مجهول". وقال النسائي: "ليس به بأس". ومن عادة النسائي توثيق بعض المجاهيل، كما شرحته في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد" (١).
[٧٨٦] هُزيْل بن شرحبيل الأوْدي الكوفي الأعمى:
"التنكيل" (٢/ ٣٢٨): "أحد ثقات التابعين".
[٧٨٧] هشام بن زياد بن أبي يزيد القرشي أبو المقدام وهو هشام بن أبي هشام. ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني:
"الفوائد" (ص ٣٠٢) قال الترمذي: "يُضعّفُ".
فقال المعلمي: "تالف".
[٧٨٨] هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري:
"التنكيل" (٢/ ٩٨) في الصحيحين من رواية شعبة عنه عن جدّه أنس: "أن يهوديًا رضخ رأس جارية بين حجرين فرضخ النبي ﷺ رأسه بين حجرين".
فأجاب الشيخ المعلمي على الكوثري في غمزه هذه الرواية بالعنعنة بين هشام وأنس، فقال: "هشام غير مدلّس، وسماعه من جدّه أنس ثابت, ومع ذلك فالراوي عنه شعبة، ومن عادته التحفظ من رواية ما يخشى فيه التدليس، وحديثه هذا في "الصحيحين"، ومن عادتهما التحرز عمّا يخشى فيه التدليس.
فسماع هشام لهذا الحديث من جدّه أنس بن مالك ثابت على كل حالٍ". اهـ.
стр. 634
[٧٨٩] هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني:
قال المعلمي في "التنكيل" رقم (٢٦١):
"في "تهذيب التهذيب": قال أبو الحسن ابن القطان: "تغير قبل موته ولم نر له في ذلك سلفًا".
وقال الذهبي في "الميزان": "هشام بن عروة أحد الأعلام، حجة إمام، لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا .. وتغيى الرجل تغيرًا قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشباب، فنسي بعض حفظه أو وهم. ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل ذلك يقع لمالك ولشعبة ولوكيع ولكبار الثقات، فدعْ عنك الخبط، وذرْ خلط الأئمة الثقات بالضعفاء والمختلطن، فهو شيخ الإسلام، ولكن أحسن الله عزاءنا فيك يا ابن القطان! ".
أقول: أما النسيان فلا يلزم منه خلل في الضبط؛ لأن غايته أنه كان أولًا يحفظ أحاديث فحدث بها ثم نسيها فلم يحدث بها.
وأما الوهم، فإذا كان يسيرًا يقع مثله لمالك وشعبة وكبار الثقات فلا يستحق أن يسمى خللًا في الضبط، ولا ينبغي أن يسمى تغيرًا، غاية الأمر أنه رجع عن الكمال الفائق المعروف لمالك وشعبة وكبار الثقات. ولم يذكروا في ترجمته شيئًا نُسب فيه إلى الوهم إلا ما وقع له مرّة في حديث أم زرع، والحديث في "الصحيحين" وغيرهما عنه عن أبيه عن عائشة قالت: "جلس إحدى عشرة امرأة .. " فساقت القصة بطولها. وفيها ذكر أم زرع، وفي آخره: "قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : كنت لك كأبي زرع لأم زرع".
وهذا السياق صحيح اتفاقًا ولكن رواه هشام مرّة أخرى فرفع القصة كلها، وقد توبع على ذلك كما في الفتح ولكن الأول أرجح.
стр. 635
واستدل بعضهم على رفع القصة كلها بأن المرفوع اتفافًا وهو قوله ﷺ : "كنت لك كأبي زرع لأم زرع" مبني على القصة، فلابد أن يكون ﷺ بدأ فذكر القصة ثم بنى عليها تلك الكلمة، أو بدأ بتلك الكلمة فسألته عائشة فذكر القصة.
وأجيب باحتمال أن تكون القصة كانت مما يحكيه العرب، وكان ﷺ قد سمعهم يحكونها، وعلم أن عائشة قد سمعتها فبنى عليها تلك الكلمة.
وعلى كل حال فهذا وهم يسير قد رجع عنه هشام.
بقي ما قيل: إن هشامًا كان يدلس.
قال يعقوب بن سفيان: ثقة ثبت، لم ينكر عليه شيء إلا بعد ما صار إلى العراق، فإنه انبسط في الرواية عن أبيه فأنكر ذلك عليه أهل بلده، والذي نرى أن هشامًا تسهّل لأهل العراق، أنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمعه منه، فكأن تسهله أنه أرسل عن أبيه [مِمّا] كان يسمعه من غير أبيه عن أبيه".
وجاء عن ابن خراش ما يفهم منه هذا المعنى وقد تفهم منه زيادة لا دليل عليها فلا تقبل من ابن خراش. وعدّه ابن حجر في الطبقة الأولى من المدلسين، وهي طبقة من لم يوصف بذلك إلا نادرًا.
والتحقيق: أنه لم يدلس قط، ولكن كان ربما يحدث بالحديث عن فلان عن أبيه فيسمع الناس منه ذلك ويعرفونه ثم ربما ذكر الحديث بلفظ: "قال أبي" أو نحوه إتكالًا على أنه قد سبق منه بيان أنه إنما سمعه من فلان عن أبيه، فيغتنم بعض الناس حكايته الثانية فيروي ذاك الحديث عنه عن أبيه لما فيه من صورة العلو، مع الاتكال على أن الناس قد سمعوا روايته الأولى وحفظوها.
وفي مقدمة: "صحيح مسلم" ما يصرح بأن هشامًا غير مدلس، وفيه أن غير المدلس قد يرسل، وذكر لذلك أمثلة، منها حديث رواه جماعة عن هشام: "أخبرني أخي عثمان ابن عروة عن عروة". ورواه آخرون عن هشام عن أبيه ومع هذا فإنما اتفق لهشام مثل