٢٠ - الشيخان لم يحتجَّا من رواية زيد بن أسلم عن ابن عمر، إلا بما ثبت سماعه منه، أو تابعه عليه غيره (ص ٣٣٣).
٢١ - سالم بن عجلان الأفطس قد وثقه الأئمة وصدَّقوه وسُبرت أحاديثه فوجدت نقية -كما قال أبو حاتم- ولم يُنْكر علية شيء منها، وقد احتج به البخاري في موضع (٥٦٨٠، ٥٦٨١)، وأخرج له في موضع آخر (٢٦٨٤) متابعةً.
ومثل هذا لا يضره الإرجاء ولا ما ذُكر من ممالأته على قتل إبراهيم الإمام بحبسه عنده -إن صح هذا الاتهام- فالعبرة بقبول الأئمة له واحتجاجهم به، فهم أقرب إلى سالم، وأَدْرَى بحقيقة الحال (ص ٣٣٥).
٢٢ - سلمة بن الفضل الأبرش على ضَعْفه ووَهَنِه، فقد ثَبَّتُوه في ابن إسحاق، قال الحسين بن الحسن الرازي عن يحيى بن معين: ثقة كتبنا عنه، كان كَيِّسًا، مغازيه أتمُّ، ليس في الكتب أتم من كتابه.
وقال علي بن الحسن الهسنجاني عن ابن معين: سمعت جريرًا يقول: ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن الفضل "الجرح" (٤ / ت ٧٣٩).
أقول: لكن هذا في المغازي خاصَّة -كما في رواية الحسن، وأمَّا حديث "الفوائد": "إن لله ديكا عنقه منطوية تحت العرش .. " فلا علاقة له بالمغازي (ص ٣٤٩).
٢٣ - الكذاب إذا روى عمن لا يعرف، فهو كالعَدَم (ص ٣٥٠).
٢٤ - مَنْ أكثر عَنْ شيخٍ حتى كاد أن يستوعب ما عنده من الحديث، فإنه ليس بحاجة إلى التدليس عنه، فإن ما عنده عنه يكفيه ويُغنيه عن مثل هذا، وإنما ربما دلَّس عمن فاته أكثرُ حديثه، فاحتاج إلى الرواية عنه بواسطة، ثم يُسقط تلك
стр. 667
الواسطة، ويدلس عن ذاك الشيخ؛ تكثرًا من الرواية عنه مباشرة، ولأسباب أخرى معروفة.
لكن لا يخفى أن هذا أمرٌ أَغْلَبِيٌّ، والرجل إذا كان مدلِّسًا، وأكثر عن فلانٍ من الناس، ولم يقل: أنا لا أُدَلِّسُ عنه، فإنه لا يمتنع أيضًا أن يسمع عنه حديثًا بواسطة، فيدلسه؛ استحياءً أن يحدث عنه بواسطة مع ما عرف عنه من اختصاصه به وإكثاره عنه، ولأسباب أخرى لا تقضي العادة بامتناعها.
فهذا المدلِّس وإن كان الأصل في روايته عن شيخه ذاك أنه سمع منه، فهو كمثل سائر القضايا الحديثية أنها أَغْلَبِيَّةٌ، فإذا قيل: فلان ثقة ضابط متقن، لم يخدش في هذا القولِ خطؤه في أحاديث قليلة بالنسبة إلى كثرة ما روى. وإذا قيل: فلان أثبت من فلان في شيخ معيَّن، لم يُطعن في ذلك بانعكاس القضية في بعض الأحوال إذا قامت القرائن على ذلك، وهذا أمر مستفيض ودلائله منتشرة في صنيع الأئمة (ص ٣٥٨).
٢٥ - الناقد إذا استنكر خبرًا، أو وجده مباينًا لما صح واستقر بخلاف معناه، نظر في إسناده مستحضرًا الأحوال التفصيلية لرواته، ويَنْفُذُ في تعليله من خلال مواطن الخلل فيه، معتمدًا على القرائن المعتبرة في كل حالة (ص ٣٥٩).
٢٦ - ربما أعلَّ الناقدُ الخبر بعلَّةٍ يندر وقوع مثلها، إذا ساعدت القرائن على ذلك، والنادرُ قد يُحتاج إليه.
ففيما نقلته آنفًا عن البخاري في "تاريخه الأوسط" مثال عمليّ على ذلك، فإنه لما استنكر الخبر، وقال: قد أدرك أصحاب النبي ﷺ معاوية أميرًا في زمان عمر، وبعد ذلك سنين، فلم يقم إليه أحدٌ فيقتله، واستدل بهذا على وَهَن الأخبار الواردة في ذلك، وأن ليس لها أصول، فنظر في رواية الأعمش عن سالم؛ والأعمش مدلِّس ولم يصرح بالسماع، والخبر في التشيع، فلعلَّه سمع
стр. 668
الخبر من أحدِ المغفلين ممن ينتسبون إلى التشيع، ممن يُلَقَّنُ أو يُدْخَلُ عليه، فدلَّسَه عنه، هذا مع الأخذ في الاعتبار أن رواية الأعمش عن سالم -وهو ابن أبي الجعد- محتج بها في الصحيحين، ومخرجة في سائر الكتب الستة، ولم أر من نصَّ على أن الأعمش يدلس عن سالم؛ كما نصوا على تدليسه عن غير واحدٍ من شيوخه، لكن لم يجد البخاري -وهو الخبير الحصيف- بُدًّا من هذه العلّة لقيام القرائن عليها، ولو لم يعلّ البخاري بها إلا هذا الخبر لما قيل له: هذا أمر نادر لا يُعَوَّل عليه؛ لأن احتمال التدليس قائم، لا يُدْفع بندرته (ص ٣٥٩).
٢٧ - كل مدلس لم يصرح بالسماع، فاحتمال تدليسه قائم، ويشتد هذا الاحتمال ويضعف بحسب القرائن المحتفة به وبمن روى عنه (ص ٣٥٩).
٢٨ - قول الذهبي في ترجمة الأعمش من "الميزان" (٢/ ٢٢٤). "هو مدلس، وربما دلس عن ضعيف، ولا يدري به، فمتى قال: "حدثنا" فلا كلام، ومتى قال: "عن" تطرّق إليه احتمال التدليس، إلا في شيوخٍ له أكثر عنهم: كإبراهيم، وأبي وائل، وأبي صالح السمان؛ فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال". اهـ.
لا يدفع ذلك احتمال تدليس الأعمش عن هؤلاء الذين سماهم من شيوخه، وإن كان احتمالا قليلًا، لكن لا يمتنع التعلق به إذا انقدح في ذهن الناقد وبصره التعليل به؛ للقرائن المحتفة بالخبر.
ومما يؤيد ما يتعلق برواية الأعمش عن مثل هؤلاء الثلاثة الذين أكثر عنهم، ما رواه ابن أبي حاتم في "تقدمة الجرح والتعديل" (ص ١٦٧) من طريق أبي داود الطيالسي، قال: "نا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم: أن عليًّا كان يجعل للأخوة من الأم - يعني في المشتركة. فقلت للأعمش: سمعته من إبراهيم؟ فقال برأسه، أي: نعم". اهـ.
стр. 669
فلم يمنع إكثار الأعمش عن إبراهيم أن يسأل شعبة عن سماعه منه؛ احتمالًا لوقوع التدليس.
وفي "التقدمة" أيضًا (ص ٧٢): "قال علي بن المديني: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: قال سفيان -يعني الثوري-: إن الأعمش لم يسمع حديث إبراهيم عن النبي ﷺ في الضحك في الصلاة". اهـ. فقد دلسه عن إبراهيم. وانظر لزامًا: "جامع التحصيل" (ص ١٨٩ - ١٩٠).
وفيها أيضًا (ص ٧١): "قال زائدة: كنا نأتي الأعمش فيحدثنا فيكثر، ونأتي سفيان الثوري فنذكر تلك الأحاديث له، فيقول: ليس هذا من حديث الأعمش، فنقول: هو حدثنا به الساعة، فيقول: اذهبوا فقولوا له إن شئتم، فنأتي الأعمش فنخبره بذلك، فيقول: صدق سفيان، ليس هذا من حديثنا". اهـ.
فعلَّق العلَّامة المعلمي في حاشية "التقدمة" (ص ٧٠) بقوله: "كان الأعمش ﵀ كثير الحديث، كثير التدليس، سمع كثيرا من الكبار، [أقول: كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح] ثم كان يسمع من بعض الأصاغر أحاديث عن أولئك الكبار، فيدلسها عن أولئك الكبار، فحديثه الذي هو حديثه هو ما سمعه من الكبار، فمعنى قول سفيان "ليس هذا من حديثها" أنه ليس من حديثه عمن سَمَّاهُ، وإنما سمعه من بعض من دونه فدلسه". اهـ. (ص ٣٥٩).
٢٩ - اعلم أن صيغ الأداء في الأسانيد مما اعتنى به الأئمة فكانوا يضعونها تحت النظر والنقد، ولابد أن يصح الطريق لقائل الصيغة أولًا حتى تثبت عنه، ثم لابد أن تتوفر فيه هو شروط قبول الرواية المعتبرة حتى يقبل منه تصريحه بالسماع من شيخه، خشية أن يكون قد وهم في ذلك، وهذا من دقائق هذا العلم، ومما يُرجع فيه أولًا وأخيرًا لأئمة النقد.
стр. 670
ولهذا أمثلة معروفة لأهل الفن، من ذلك: أن أصحاب الزهري قد اتفقوا على رواية حديث عنه عن سعيد بن المسيب، لم يصرح الزهري بسماعه فيه من ابن المسيب. وخالفهم أسامة بن زيد الليثي -وهو ضعيف- فرواه عن الزهري قال: سمعت سعيد بن المسيب. حكى عمرو بن علي الفلاس أن يحيى القطان قد ترك أسامة بسبب ذلك. انظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٢١٠). (ص ٣٦٧).
٣٠ - من المعلوم أن ما مِنْ "ثقة" إلا وربما أخطأ، أو خالف، أو أغرب، فالنَصُّ على ذلك إنما يفيد عند إرادة الترجيح بين من قيل فيه ذلك، ومن لم يُقَلْ فيه (ص ٣٧٣).
٣١ - لم يصف شريك بن عبد الله القاضي بالتدليس أحد من الأئمة المتقدمين، وفي القلب شيء من الاعتماد على مجرد وصف مَنْ بعدهم له بذلك -مع تبرئه منه- إلا بِبَيِّنَةٍ (ص ٣٧٧).
٣٢ - الراوي الوسط أو من فيه مقال، بل والثقة أحيانا، لا يكون حاله في كل حديثه سواء، بل يتردد بين الصواب والخطأ بحسب درجته من الضبط، ومردُّ ذلك إلى النقاد من أهل هذا الفن، وأمَّا أهل العصور المتأخرة فمولعون بإطلاق التقويمات المعروفة, والحكم على أحاديث الرجل بناءً على ما التصق به من التقويم، فالثقة حديثه صحيح أبدًا، والصدوق حديثه حسن يحتج به, وهكذا، دون النظر في الأحوال التفصيلية للرواة, ولا للقرائن المُحْتَفَّة بالخبر (ص ٣٨٩).
٣٣ - عبد الله بن زياد بن سمعان كَذَّبَهُ: هشام بن عروة، ومالك بن أنس، وابن إسحاق، وإبراهيم بن سعد، وابن معين، وأحمد بن صالح المصري، وأبو داود السجستاني، وغيرهم.
وقال البخاري: "سَكتوا عنه" - وهو لا يقولها إلا فيمن لا تحل الرواية عنه، وقال أبو حاتم: "سبيله سبيل الترك"، وتركه جماعة.
стр. 671
وأما توثيق ابن وهب له ففيه بحث، وعلى كل حال، لو فرضنا ثبوت هذا التوثيق عن ابن وهب، فابن وهب كان من المكثرين، ولم يُعرف عنه التوقي في انتقاء مشايخه، وكان حسن الظن بابن سمعان، وكان يجالسه ويأخذ عنه، كما كان بعض الأئمة والثقات يجالسونه ويأخذون عنه، إلا أنه قد تبين لهم ما لم يتبين لابن وهب، فمنهم من صرح بكذبه ومنهم من تركه.
وابن وهب لم يُعرف بتتبع أحوال الرواة ونقدهم كما عُرف غيره ممن كشف حقيقة ابن سمعان وطعن فيه، فهذه واقعة واحدة، دَلَّس فيها ابنُ سَمعان تدليسًا فاحشًا، فحدث عمن لا وجود له، واستعار له هذا الاسم المخترع، فعدَّه أحمد بن صالح كذبًا، ومَشَّاه ابن وهب، مع مراوغة ابن سمعان له حين سأله عنه فقال: لقيته في البحر، ومقتضى ذلك أنه لا سبيل لابن وهب ولا لغيره إلى معرفته أو الوصول إليه!
والحاصل أن ابن سمعان إن لم يكن يضع الحديث وضعًا -كما ظنه أحمد بن صالح، فهو يكذب ويدَّعي سماع أقوام لم يسمع منهم بل لم يرهم- كما قال غير واحد- ويأخذ صحفًا فيرويها من غير سماع، فليس هو بأهل أن يكتب عنه أصلًا، وعلى هذا قول النقاد من أهل العلم -كما سبق النقل عنهم في صدَرْ هذا التعليق- وقول ابن وهب في مثل هذا شذوذ لا يلتفت إليه، والله تعالى أعلم (ص ٤٠٧ - ٤٠٩).
٣٤ - المقصود أن رواية هؤلاء العبادلة عن ابن لهيعة أحسن وأصح من رواية غيرهم عند المفاضلة والترجيح، لا أَنَّهُ يُحْكم على حديثه من روايتهم عنه بالصحة؛ لأن ابن لهيعة في نفسه غير حجة، وإنما يعتبر بما صحَّ أنه حدَّث به من كتابه، وهذا هو مراد الشيخ المعلمي بقوله السابق: "فهو صالح في الجملة".
وقد ختم أبو زرعة كلامه السابق بقوله: وليس ممن يحتج بحديثه.
وختم الفلاس بقوله: وهو ضعيف الحديث.
стр. 672
ويوضح ذلك ويؤكده ما ذكره ابن أبي حاتم في "الجرح" أيضًا: سألت أبي وأبا زرعة عن ابن لهيعة .. فقالا: ابن لهيعة أمره مضطرب، يكتب حديثه على الاعتبار. قلت لأبي: إذا كان من يروي عن ابن لهيعة مثل ابن المبارك وعبد الله ابن وهب يحتج به؟ قال: لا". اهـ. (ص ٤١٨ - ٤١٩).
٣٥ - ما حدث به ابن أبي الزناد ببغداد، فقد لقنه البغداديون وأفسدوه فصار ما يحدث به ليس من حديثه، أما ما حَدَّث به بالمدينة فهو صحيح: أي هو من حديثه لم يُلَقَّنْهُ، ويبقى النظر في حال ابن أبي الزناد في نفسه، لَا أَنَّ ما حدث به في المدينة فهو حديث صجيح أي يحتج به (ص ٤٣٩).
٣٦ - الأئمة لا يعتبرون بما يحدث به الرجل إلا إذا كان من حديثه، لم يُلَقَّنْهُ أو يُدخلْ عليه أو يَدْخلْ له إسناد في إسناد، أو نحوه، ولذلك يميزون أولًا بين ما هو من حديثه الذي سمعه, وبين ما ليس من حديثه، لأنَّ ما ليس من حديثه ريح لا قيمة له، ثم ينظرون في حديثه بالسَّبْرِ والاعتبار وعرضه على أحاديث الثقات. من ذلك ما رواه الخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ٤٨) من طريق القاسم بن عبد الرحمن الأنباري، قال: حدثنا أبو الصلت الهروي، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها، فمن أراد العلم فليأت بابه".
قال القاسم: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث، فقال: هو صحيح.
قال الخطيب: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية, وليس بباطل، إِذْ قد رواه غير واحد عنه. اهـ.
ومقصود ابن معين فيما رواه القاسم عنه أن الحديث معروف من حديث أبي معاوية، لم ينفرد به أبو الصلت الهروي عنه، بل قد تابعه عليه محمد بن جعفر الفيدي، كما قاله ابن معين في رواية الدوري "تاريخ بغداد" (١١/ ٥٠).
стр. 673
أما الحديث في نفسه فاستنكره الأئمة، ومنهم ابن معين نفسه، فقد قال في رواية عبد الخالق بن منصور عنه: ما هذا الحديث بشيء "تاريخ بغداد" (١١/ ٤٩) وللعلَّامة المعلمي بحث ممتع حول هذا الحديث في "حاشية الفوائد المجموعة" (ص ٣٤٩ - ٣٥٣)، وهو منشور هنا في تراجم البعض مثل: الأعمش، والفيدي وغيرهما (ص ٤٣٩).
٣٧ - قولهم في الراوي: "كتابه صحيح" مشعر بأن قي حفظه شيئًا، ومع ذلك فليس معناه أن كل حديث في كتابه هو صحيح يحتج به, وإنما معناه أنه يُنظر في أحاديثه من خلال كتابه، وأما حفظه فلا يُعتمد عليه.
مع الأخذ في الاعتبار أن الكتاب لا يُعْفِي صاحبه من أوجه الخلل المعروفة الناشئة عن سوء الأخذ، والوهم في السماع، وأثناء الكتابة، من التصحيف والتحريف، والأخطاء الواقعة أثناء التحويل من كتاب إلى كتاب، أو الاعتماد على الغير في إدراك ما فات سماعه أو كتابته - إلى غير ذلك من مداخل الخلل في الكتب.
وهذا كله يرجع لحالِ الراوي في نفسه من الإتقان والتحري والضبط والاحتياط واليقظة وغير ذلك (ص ٤٣٩).
٣٨ - عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث أبو الحسن التميمي الحنبلي له اشتغال بالفقه والأصول, ولم يوثق، وثبت من طريق حفاظ ثقات أثبات مأمونين أنه وضح حديثين في مسند أحمد، وكتبوا محضرًا بذلك شرحوا فيه حاله، ولم يدفع عنه سوى ابن الجوزي, وفيه تحامل شديد على الخطيب، والرجل حنبلي، فالاحتمالات التي ذكرها ابن الجوزي إنما هي محاولة للتخلص من جرح هذا الرجل الحنبلي، ورَمْي الخطيب بالتعصب ضد الحنابلة, وعلى ذلك فلم يثبت ما يُدفع به هذا الجرحُ، فيتعيّن قبوله، والله تعالى أعلم (ص ٤٥٣).
стр. 674
٣٩ - قولهم: "تكلموا فيه" ظاهره الجرح بلا شك، لكن إذا ثبت توثيق من قيل فيه هذا توثيقًا معتبرًا تطمئن النفس إليه، فيقال حينئذٍ: التوثيق مقدم، والجرح غير مفسَّر، فلعله تُكُلِّمَ فيه بكلام لا يضرُّ. أما إذا لم يوثق توثيقًا يعتد به، صار الجرحُ وإن كان غيرَ مفسَّرٍ، محلًا للاعتبار والقبول - والله. تعالى أعلم (ص ٤٨٣).
٤٠ - قد أطلق المتقدمون أن عليّا أرسل عن ابن عباس ولم يسمع منه، وممن قال ذلك: ابن معين، ودحيم، وأبو حاتم الرازي، وابن حبان، وأبو أحمد الحاكم، ونقل الخليلي في "الإرشاد" (١/ ٣٩٤) إجماع الحفاظ على ذلك.
ولم يذكر أحدٌ ممن أسلفنا ذكره ولا غيرهم أن عليًّا إنما حمل تفسير ابن عباس عن مجاهد أو سعيد بن جبير ... راجع (ص ٤٨٥ - ٤٨٦).
٤١ - لم أَرَ من ذكر ثابتًا البناني بِتَغَيُّرٍ، إلا ما حكاه مغلطاي في "إكماله" (٢ / ق ٣٨) ومثله في "تهذيب ابن حجر" (٢/ ٣) قالا في "سؤالات أبي جعفر محمد بن الحسين البغدادي لأحمد بن حنبل": سئل أبو عبد الله عن ثابت وحميد أيهما أثبت أنس؟ فقال: قال يحيى القطان: ثابت اختلط وحميد أثبت في أنس منه". اهـ.
وأبو جعفر هذا لعله المترجم في "تاريخ بغداد" (٢/ ٢٢٢)، و"طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى (١/ ١٩٠) , و"الأنساب" لابن السمعاني (٢/ ١٣١) في نسبة البرجلاني فقد ذكر الخطيب أنه روى عن أحمد لكن لم يذكر أحد منهم تلك السؤالات، وعلى كل حالٍ فإني لم أجد من يقرب أن يكون هو المذكور في نقل مغلطاي إلا هذا، فإن كان هو فقد قال الخطيب: بلغني عن إبراهيم بن إسحاق الحربي أنه سئل عن محمد بن الحسين البرجلاني فقال: ما علمت إلا خيرًا. وإن كان غيره فلم أعرفه، وعلى كل حالٍ ففي ثبوت تغير ثابت بهذا النقل عندي وَقْفَةٌ، والله تعالى أعلم (ص ٤٩٣).
стр. 675
٤٢ - قد ذكر ابنُ عدي لمحمد بن يونس الجمال حديثين سوى هذا، رواهما الجمَّال بإسنادين وصفهما ابن عدي بأنهما غير محفوظن، أوَّلهُما الذي رواه عنه محمد ابن الجهم السمري، وقال عقبه: ممن يسرق حديث الناس ...
ثم قال ابن عدي: ولمحمد بن يونس أحاديث أخر من طراز ما ذكرت، وهو ممن يسرق حديث الناس.
وابن عديّ من نقاد هذا الفن، وعبارته: "له أحاديث أخر من طراز ما ذكرت" تعني أن الجمال يروي أحاديث سوى ما ذَكر ابن عدي بأسانيد غير محفوظة، فمن أين له بها؟ إما أنه يسرقها ويفتعلها، وإما أنها تُدخل عليه، أو غير ذلك.
فلما روى عن ابن عيينة ما علم ابن عدي أنه إنما ينفرد به حسين الجعفي، انقدح في ذهن ابن عدي -مع اتهام السمري له وهو من الآخذين عنه- أنه قد سرق هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي يروجها بأسانيد غير محفوظة.
ولا يُعرف مخالفٌ لابن عدي فيما رمي به الجمَّال، فمع نَصْبِ ابن عديّ الشواهد على ما قال، فلا محيصَ من إعمال قوله، وعدم الاعتبار بما رواه الجمَّال رأسًا، والله تعالى أعلم (ص ٥٧٨).
٤٣ - قد أطلق غير واحد من الأئمة عدم سماع مخرمة بن بكير من أبيه، وأنه إنما يروي من كتاب أبيه، منهم: أحمد، وابن معين، وابن المديني، وابن حبان.
وهو ظاهر صنيع البخاري؛ فقد ذكر في ترجمته من "التاريخ الكبير" (٨/ ١٦) قولَ أحمد: "سمعت حماد بن خالد الخياط قال: أخرج مخرمةُ بن بكير كتبًا، فقال: هذه كتب أبي لم أسمع منها شيئًا"
ولم يخرج البخاري لمخرمة في الصحيح شيئًا.
стр. 676
وتَرَدَّد أبو حاتم فلم يجزم فيه بشيء، فقال (٨/ ٣٦٤): "إن كان سمعها من أبيه فكل حديثه عن أبيه، إلا حديثًا يحدث به عن عامر بن عبد الله بن الزبير".
وقد جاء عن مخرمة التصريح بأنه لم يسمع من أبيه شيئًا:
فقد روى غير واحد عن سعيد بن أبي مريم عن خاله موسى بن سلمة قال: أتيت مخرمة ابن بكير بكتاب أعرضه عليه فقال لي: ما سمعت من أبي شيئًا، وهذه كتبه.
وفي رواية: ما أدركت أبي إلا وأنا غلام (الجرح والكامل وغيرهما).
وأما ما جاء مما يدل على سماعه، والجواب عنه:
أولًا: فقد روى الدولابي عن أحمد بن يعقوب: حدثنا علي بن المديني، قال: سمعت معن ابن عيسى يقول: مخرمة سمع من أبيه، وعرض عليه ربيعة أشياء من رأى سليمان بن يسار.
قال علي بن المديني: ولا أظن مخرمة سمع من أبيه كتاب سليمان، لعلَّه سمع الشيء اليسير، ولم أجد أحدًا بالمدينة يخبرني عن مخرمة بن بكير أنه كان يقول في شيء من حديثه: سمعت أبي.
ثانيًا: ما حكاه ابن أبي أويس -وهو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، ابن أخت مالك بن أنس الإمام- وقد اختلفت ألفاظ الناقلين عنه:
أ- ففي "الجرح" (٨/ ٣٦٤): قال أبو حاتم: قال ابن أبي أويس: وجدت في ظهر كتاب مالك: سألت مخرمة عما يحدث به عن أبيه سمعها من أبيه؟ فحلف لي وقال: ورب هذه البنية -يعني المسجد- سمعت [وفي نسخة: سمعته] من أبي.
стр. 677
ب- وفي "المعرفة والتاريخ" للفسوي (١/ ٦٦٣): قال إبراهيم بن المنذر: حدثني ابن أبي أويس قال: قرأت في كتاب مالك بن أنس بخط مالك قال: وصلت الصفوف حتى قمت إلى جنب مخرمة بن بكير في الروضة، فقلت له: إن الناس يقولون إنك لم تسمع هذه الأحاديث التي تروي عن أبيك من أبيك؟ فقال: ورب هذا المنبر والقبر لقد سمعتها من أبي. ثلاثًا.
ج- وقال أبو زرعة الدمشقي في "تاريخه" (١/ ٤٤٢): حدثني أحمد بن صالح: قال: حدثني ابن أبي أويس قال: رأيت في كتاب مالك بخطه: قلت لمخرمة في حديث: سمعته من أبيك؟ فحلف لَسَمِعَهُ من أبيه.
ثالثًا: قال أبو داود: لم يسمع من أبيه إلا حديثًا واحدًا، وهو حديث الوتر (ذكره المزي في "تهذيب الكمال" (٢٧/ ٣٢٦).
أقول: أما الأمر الأول فقد أجاب عنه ابن المديني، واستبعد هذا السماع، واستظهر بأنه لم يبلغه تصريح مخرمة بالسماع من أبيه في شيء من حديثه.
وأما الأمر الثاني فالظاهر أن الأئمة لم يُعوِّلوا على حكاية ابن أبي أويس؛ لحاله في نفسه مما فيه من الضعف، ووصفه بالغفلة، ولأن له عن مالك غرائب، ولمخالفة حكايته لما جاء عن مخرمة من طرق صحيحة أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، ولأن حكايته إنما هي وجادة، وقد اختلف النقل عنه، ففي النص (أ): وجدت في ظهر كتاب مالك. ولم يقل بخطه.
وفي (ب): قرأت في كتاب مالك بخطه.
وفيهما ما ظاهره أن السؤال كان عن أحاديثه كلها عن أبيه.
وفي (ج): السؤال عن حديث بعيَنْه.
стр. 678
وهذا الاختلاف مما يُضْعف الاعتماد على مثل هذه الحكاية؛ لأن لظهر الكتاب شأنًا سوى الكتاب نفسه وهل السؤال عن سماع حديث واحد، أم عن سماع مخرمة من أبيه جملة؟ فالفرق كبير.
وقد ساق أبو حاتم تلك الحكاية، ثم قال: إن كان سمعها من أبيه .. " فلم يرها حجة في إثبات السماع، والله تعالى أعلم.
وقد علَّق الشيخ المعلمي على هذه الحكاية في "حاشية الجرح" (٨/ ٣٦٤) بقوله: "وِجَادَة، فإذا احتيج إليها لم تُغْنِ، وإن أغنت لم يُحْتَجْ إليها".
وأما الأمر الثالث فهو يدل على سماع حديث واحد، والثابت عن مخرمة أنه أدرك أباه وهو غلام، لم يسمع منه شيئًا، وعلى ذلك جمهور النقاد من المحدثين، فاستثناء شيء من هذا الإطلاق يحتاج إلى برهان وحجة، فربما كان مستند أبي داود مجيء هذا الحديث الواحد مصرحًا فيه بسماع مخرمة من أبيه، فيُنظر: هل هذا التصريح بالسماع محفوظًا أم لا؟ فكبم من صيغٍ للاتصال في الأسانيد لم يَعْبَأ بها النقاد؛ لاستقرار العلم بالانقطاع، وقد اعتنى ابن المديني بهذا الأمر، فلم يجد أحدًا ينقل سماع مخرمة من أبيه - كما مَرَّ نقلُه.
أما الإمام مسلم فقد احتج به في موضعين، واستشهد به في عدة مواضع.
أما الاحتجاج: ففي كتاب "الحج" (ص ٨٥٦، ٩٨٢).
وأما الشواهد: ففي "الطهارة" (ص ٢٤٧)، وفي "الصلاة" (ص ٣٢٨، ٣٨٦، ٥٨٤)، وفي "الحج" (ص ٩٦٩)، وفي "الحدود" (ص ١٣١٢).
وقد قال ابن القيسراني في "الجمع بين رجال الصحيحين" (٢/ ٥١٠): "وأُنكر على مسلم إخراجه هذه الترجمة" اهـ.
стр. 679
وقال العلائي في "جامع التحصيل" (ص ٢٧٥): "أخرج له مسلم عن أبيه عدَّة أحاديث، وكأنه رأى الوجادة سببًا للاتصال، وقد انتقد ذلك عليه". اهـ. (ص ٥٧٩ - ٥٨١).
٤٤ - قد يسمع الإنسانُ الشيءَ بلفظٍ، فيقع في نفسه -مما يوافق هواه- معنى غير الذي سمع، فإذا أراد أن يرويه سبق المعنى الذي وقع في نفسه دون الذي سمع، وهذا أحد الأسباب المؤدية إلى دخول الوهم في الرواية (ص ٦٢٣).
٤٥ - معنى عبارة: "حديث ليس له أصل" عند أهل الفن أن الحديث لا يصح بحال، وليس له إسناد قائم، ومفهومها أن كل اسناد جاء له إنما هو خطأ.
وأحيانًا يطلقون هذه العبارة "ليس له أصل" ويُعنون: مِنْ حديث فلان، وقد يكون الحديث محفوظًا من حديث غيره، ويعرف هذا بالتتبع (ص ٦٢٤).
٤٦ - نعيم بن حماد يكثر من التحديث من حفظه فيخطىء، وينفرد عن المشاهير بأسانيد ومتون لا يتابع عليها، وقد رُوي أنه حدث يومًا -بحضرة ابن معين- بأحاديث عن ابن المبارك عن ابن عون فقال يحيي: ليس هذا عن ابن المبارك فغضب نعيم، فقال يحيى: والله ما سمعتَ أنت هذا من ابن المبارك قطُّ، ولا سمعها ابن المبارك من ابن عون قطُّ، فغضب نعيم، فدخل البيت فأخرج صحائف، فلم يجد لما حدث به عن ابن المبارك عن ابن عون أصلًا في كتبه، ثم قال: أين الذين يزعمون أن يحيي ين معين ليس أمير المؤمنين في الحديث، نعم يا أبا زكريا غلطتُ، وكانت صحائف، فغلطتُ، فجعلتُ أكتب من حديث ابن المبارك عن ابن عون، وإنما روى هذه الأحاديث عن ابن عون غير ابن المبارك اهـ. "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٤٧١)، وقد ذكرها المزي منقطعة فقال: (روى الحافظ أبو نصر اليونارتي بإسناده عن الدوري عن ابن معين).
стр. 680
وقد حَدَّث نعيم عن ابن المبارك عن معمر عن الزهري بحديث، فقال صالح جزرة الحافظ: ليس لهذا الحديث أصل، ولا يعرف من حديث ابن المبارك، ولا أدري من أين جاء به نعيم، وكان نعيم يحدث من حفظه وعنده مناكير كثيرة لا يتابع عليها. "تاريخ بغداد" (١٣/ ٣١٢).
وقد سبق وصف الأئمة لنعيم بالصدق، وهو نقيض الكذب، وقد اعتذر عنه غير واحد من المعتمدين بأنه كان يُشَبَّهُ له، فيخطىء، من غير أن يتعمد، لكن كثر منه التفرد بأشياء لا أصل لها، لسوء حفظه، ودخول أحاديث الثقات في أحاديث الضعفاء، فصار يأتي عن الثقات بالمنكرات، فالحكم عليه بكثرة الخطأ، لن يجرَّ إلى رميه بنقيض الصدق إن شاء الله تعالى، والله تعالى الموفق. (ص ٦٢٧).
٤٧ - هشام بن عمار لم يذكره أحد بتدليس أصلًا، فضلًا عن تدليس التسوية، والذي استظهره الحافظ ابن حجر لا يساعده عليه كلام أهل العلم في هذا الخبر، بل كل من تكلم في هذا الخبر -خبر مقتل عثمان- إنما حمل على ابن سميع في تدليسه عن ابن أبي ذئب، وإليك البيان:
١ - قال ابن عدي في ترجمة ابن سميع من "الكامل" (٦/ ٢٢٥٠): "ولابن سميع أحاديث حسان عن عبيد الله -يعني: ابن عمر، وعن روح بن القاسم وجماعة من الثقات، وهو حسن الحديث، والذي أُنكر عليه حديث مقتل عثمان أنه لم يسمعه من ابن أبي ذئب". اهـ.
٢ - وقال الحاكم أبو أحمد: "مستقيم الحديث، إلا أنه روى عن ابن أبي ذئب حديثًا منكرًا، وهو حديث مقتل عثمان، ويقال: كان في كتابه: عن إسماعيل ابن يحيي التيمي عن ابن أبي ذئب، فأسقطه، وإسماعيل ذاهب الحديث". اهـ. "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٧).
стр. 681
٣ - وقال ابن حبان في "الثقات" (٩/ ٤٣): "هو مستقيم الحديث إذا بَيَّنَ السماع في خبره، فأما خبره الذي روى عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب في مقتل عثمان فلم يسمعه من ابن أبي ذئب، سمعه من إسماعيل بن يحيي بن عبيد الله عن ابن أبي ذئب، فَدَلَّسَ عنه، وإسماعيل ضعيف واهٍ". اهـ.
٤ - وقال أبو حفص بن شاهين: "محمد بن عيسى بن سميع شيخٌ من أهل الشام ثقة، وإسماعيل بن يحيي بن عبيد الله الذي أسقطه ضعيف". اهـ "تهذيب الكمال" (٢٦/ ٢٥٧).
أقول: فلم ينفرد ابن حبان بالجزم بتدليس ابن سميع لهذا الخبر، بل صرح بذلك -كما رأيت- ابن عدي وأبو أحمد الحاكم وابن شاهين، وقد ذكر البخاري في تاريخيه المطبوعين ما قيل من عدم سماع ابن سميع لهذا الخبر من ابن أبي ذئب، وذلك في ترجمة ابن سميع، وفي هذا إشارة من البخاري ﵀ إلى أن التبعة فيه عليه، ولم يذكر أحدٌ هشامًا بشيء في هذا الخبر.
ومما يؤيد هذا المعنى أن هشامًا قد تُوبع في روايته عن ابن سميع عن ابن أبي ذئب، روى ذلك ابن عدى في "الكامل" فقال: حدثنا أبو العلاء الكوفي ومحمد ابن العباس قالا: ثنا هشام ابن عمار، وثنا الفضل بن عبد الله بن مخلد ثنا هارون بن محمد بن بكار بن بلال قالا: ثنا محمد بن عيسى بن سميع أبو سفيان القرشي، عن ابن أبي ذئب عن الزهري .. الحديث
فقد تابع هشامًا على ذكر العنعنة بين ابن سميع وابن أبي ذئب: هارون بن محمد هذا، وهو صدوق لا بأس به.
стр. 682
وممن جزم بهذا أيضًا: الذهبي، فقال في ترجمة ابن سميع من "ميزان الاعتدال": "قد أُنْكِرَ عليه حديث مقتل عثمان، وهو في كتابه عن إسماعيل بن يحيي بن عبيد الله -أحد الضعفاء- عن ابن أبي ذئب، فرواه على سبيل التدليس عن ابن أبي ذئب، وأسقط إسماعيل". اهـ.
بل ساق الذهبي في ترجمة ابن سميع من "تاريخ الإسلام" رواية صالح جزرة عن هشام بن عمار قال: جهدت به أن يقول: ثنا ابن أبي ذئب، فأبى إلا أن يقول: عن ابن أبي ذئب.
وهذا صريح من إيراد الذهبي للحكاية أنه فَهِمَ أن قائل: "جهدت به الجهد" إنما هو هشام بن عمار, لا صالح جزرة.
وفَهْمُ الحافظ ابن حجر خلاف ذلك -وعليه بَنَى المعلمي- ليس عليه مستند ولا له سلف من أقوال أهل العلم. وإيرادُه في تهذيبه قول أبي داود في ابن سميع "لا بأس به" عقب سؤال عيسى بنه شاذان لهشام بن عمار -واستأنس بذلك المعلمي وبنى عليه استشعاره يتبرئة أبي داود لابن سميع- مخالفٌ لسياق أصل تهذيبه وهو "تهذيب الكمال" للمزي، ولسياق أصل النقل وهو سؤالات الآجري لأبي داود، وهاك البيان:
- قال الآجري "سؤالاته" المطبوع (٢ / رقم ١٥٩٢): سألت أبا داود عن محمد ابن عيسى بن سميع، فقال.: ليس به بأس، إلا أنه كان يتهم بالقدر.
- قال أبو داود: سمعت هشام بن عمار نا محمد بن عيسى الثقة المأمون.
- قال أبو داود: قال لي عيسى بن شاذان: قلت لهشام بن عمار: حديث ابن أبي ذئب قال لكم فيه ابن سمع: نا ابن أبي ذئب. قال: أيش سؤالك عن هذا؟. اهـ.
وبمثل هذا السياق في "تهذيب الكمال" المطبوع (٢٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦).
стр. 683
فبان بهذا أن قول أبي داود في ابن سميع: "ليس به بأس" ليس تعقيبًا على حكاية سؤال عيسى بن شاذان لهشام بن عمار -حتى يقال إن أبا داود يقول: ليس بابن سميع بأس يعني في هذا الخبر، أي أن التدليس فيه ليس منه، فيتعين الحمل على هشام أنه دلس التسوية- كما ذهب إليه المعلمي.
يتبيَّنُ مما سبق أن المعنى الأول الذي ذكره المعلمي في حكاية صالح جزرة عن هشام بن عمار -ووصَفَهُ المعلمي بأنه هو المتبادر .. إلى آخر كلامه- هو المعنى المتعيَّن الذي لا يصح غيره.
وبهذا يبرأ هشام بن عمار مما نُسب إليه من تدليس التسوية، بل والتدليس عامّة، وعلى ذلك فما ذكره الشيخ المعلمي ﵀ من علاقة ما ذُكر عن هشام من التلقين وما ذهب إليه هو من وصفه هنا بتدليس التسوية, خطأ، وقد عرفتَ وَجْه ذلك، والله الموفق وهو الهادي إلى سواء السبيل (ص ٦٣٩ - ٦٤١).
* * *
стр. 684
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي وَأَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيْثِ
المُسَمَّاة
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد
إِعدَاد
أَبِي أَنَس إِبْرَاهِيَم بنْ سَعِيْد الصبَيْحي
الْقسم الثاني
«مناهج بعض أئمة النقد والمصنِّفين»
دَارُ طَيْبَة
стр. 685
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 686
مَوْسُوعَةُ المُعَلِّمِي اليَمَانِي
النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد (٢)
стр. 687
(ح) دَار طيبَة للنشر والتوزيع، ١٤٣١ هـ
فهرسة مكتبة الْملك فَهد الوطنية أثْنَاء النشر
الصبيحي، إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم
موسوعة المعلمي الْيَمَانِيّ وأثره فِي علم الحَدِيث الْمُسَمَّاة (النكت الْجِيَاد المنتخبة من كَلَام شيخ النقاد)./ إِبْرَاهِيم سعيد إِبْرَاهِيم الصبيحي - الرياض، ١٤٣١ هـ
٤ مج.
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٢)
١ - عُلُوم الحَدِيث.
٢ - الحَدِيث - الْجرْح وَالتَّعْدِيل.
٣ - الحَدِيث - علل.
أ - العنوان
ديوى ٢٣٠ - ١٩/ ١٤٣١
رقم الْإِيدَاع: ١٩/ ١٤٣١
ردمك: ٠ - ٩٣ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (مَجْمُوعَة)
٧ - ٩٤ - ٨٠٠٣ - ٦٠٣ - ٩٧٨ (ج ٢)
جَمِيعُ الحُقُوق مَحفُوظَةٌ
الطَّبعَةُ الأولى
١٤٣١ هـ - ٢٠١٠ م
دَار طيبَة للنشر والتوزيع
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - الرياض - السويدي
ش. السويدي الْعَام - غرب النفق - ص. ب ٧٦١٢
الرَّمْز البريدي ١١٤٧٢ - هَاتِف ٤٢٥٣٧٣٧ (٦ خطوط) - فاكس ٤٢٥٨٢٧٧
стр. 688
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
إن الحمدَ للَّه، نحمدُه ونستعينُه ونستغفره، ونَعوذُ باللَّه من شُرُور أنفسِنا ومِن سَيِّئاتِ أعمالنا، من يَهْده اللَّهُ فلا مُضِلَّ لَهُ ومن يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريك لَهُ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد:
فإنَّ اللَّه تعالى قَدِ امْتَنَّ على هذه الأُمّة بأَنْ جَعلها خيرَ الأُمَمِ، وجعلَ رسولَها ﷺ خاتمَ الأنبياءِ والمرسلينَ، وجعلها يومَ القيامةِ شَاهدةً على النَّاس.
وقد حَبَاها اللَّهُ ﵎ ما يجعلُها أَهْلا لتلك المنَّةِ العظيمة: كتابًا خالدًا، مُهيمنًا على الذي بين يديه ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] و: سُنَّةً مُبَيِّنَةً لِمَا في هذا الكتابِ على مَرِّ العُصور والأزْمَان.
стр. 689
وشاءت حِكمةُ اللَّهِ أَلَّا يُخَلِّفَ رسولُ اللَّه ﷺ وراءَهُ شيئًا من حُطام الدنيا، وإنما خَلَّفَ ميراثًا وافرًا من العلمِ النافعِ، وَرِثَهُ عنه أصحابُه وحَمَلَةُ لِوَائِهِ.
وقد اشْتَهرَ من هؤلاءِ الصَّحْبِ نَفَرٌ، قيَّضَهُم اللَّهُ تعالى لِحفْظِ النَّصِيبِ الأَوْفَر من هذا الميراث، فاعتَنَوْا به, وبلَّغُوه مَنْ بَعْدهم، وأخذه عَنْ كُل منهم تلاميذُ أَكْفَاء، فكانوا مشاعلَ لهذا العلم، وعَنْ هؤلاءِ أخذهُ نحوُهم، وهَلُمَّ جَرَّا.
وهكذا في كُل عصر يبرزُ رجالٌ؛ يَحْفَظُ اللَّه بهم تلك السُّنَّةَ التي هي مُبَيِّنَةٌ لذلك الكتابِ المعجزِ الخاتمِ الذي تكَفَّلَ -سبحانه- بحفظِهِ.
وكما اخْتَارَ اللَّهُ لِدِينه أَعْلامًا يَحْملُون لِوَاءَهُ، ويحفظون سُنَنَ النبي الأمين، فقد اختارَ رجالا، صَنَعهم على عَيْنِهِ، ورَزَقهم مِنَ المعرفةِ، وهيَّأَ لهم من الأَحْوال، ما جعلهم نُقَّادًا صَيَارِفَةً، اجتهدوا في حفظ ذلك الميراث, فنَفَوْا عنه كُلَّ تحريفٍ، وأماطَوْا عنه كُلَّ انْتِحَالٍ، بَيّنوا خطأَ المخطىء -مَهْما كان- وميَّزُوا بين عُدُول النَّقَلَةِ وأَهْل الحِفْظِ منهم، وبين سَاقِطيهم وأهْلِ الغفلة وسُوء الحِفْظِ.
جعلهم اللَّه حُرَّاسَ الشَّريعة، المأمونين عليها من كُلِّ دَخِيل، فقطَعُوا في حِفْظِها المَفَاوِزَ، وجَازُوا في سبيلها القِفارَ والبحار، تَشَفَّقَتْ في طلبها أَقْدامُهم وأَشْداقُهم، ورَبَطُوا على بطونهم -من الجوع- الأَحْجَار.
طلبوا الدرجاتِ الرفيعة, والأقدارَ الشريفة، فلما صحَّتْ نِيَّتهُمْ وصَدَقَتْ عَزِيمتُهمْ، وَوَضَحتْ أهدافُهم، ودَأَبُوا وما مَلُّوا، واستقاموا وما تَلَفَّتُوا -مع النَّباهة واليقظة- بَلَغَ اللَّه بهم من المنزلةِ غايةً؛ ليس وراءها مُطَّلَع لِنَاظِرٍ، ولا زيادةٌ لمُسْتَزِيدٍ، ولا فوقها مُرْتقًى لِهِمَّةٍ، ولا مُتَجَاوَزٌ لأمَلٍ، وبلغتْ بهم نعمةُ اللَّهِ في ذلك حيثُ لا تُبْلَغُ الآمَالُ والأمَانيُّ والهِمَمُ، وذلك فَضْلُ اللَّه يؤتيه من يشاء.
стр. 690
وبعد:
فهذه هي الحلْقة الثانية في سِلْسِلَة ذَهَبِيّ العَصْر الشيخ العلَّامة: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، ومنهجه في النَّقْد، والتي سَمَّيْتُها بـ:"النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد".
وهذه الحلْقة تشتمل على كلام الشيخ المعلمي على مناهج بعض أئمة النَّقْد والمصنِّفين في كتبهم.
وكانت الحلْقة الأصلى مشتملةً على تراجم الرجال الذين تكلم عليهم الشيخ المعلمي جرحًا وتعديلا، وقد بلغوا هناك (٨٤١) ترجمة، واستدركتُ عليهم عشرين ترجمة, أوردتهم في مواضعهم هناك في الطبعة الثانية من القسم الأول.
وقد كنت ذكرتُ في القسم الأول من الكتاب أني قسمته أربعة أقسام، ثالثها: في بيان منهج الشيخ المعلمي في نقد الأخبار من خلال انتقاء أحاديث قد تكلم عليها تصحيحا وتضعيفا، لكني قد اقتصرت من هذا الانتقاء على ما أوردته في ملحقٍ من آخر القسم الرابع -وهو الثالث حسب التقسيم الحالي-، فتمَّ الكتابُ في ثلاثة أقسام فقط، أضفت إلى الثالث منها مُلْحَقَيْن:
الملحق الأول: وهو: المنتقى من أخبار تناولها المعلمي بالنقد، يظهر فيها تميزه عن كثير من المتأخرين والمعاصرين، يُدْرَكُ ذلك بالتأمُّل والتدبُّر.
الملحق الثاني: كلام المعلمي في الفن الخاص بالتعامل مع المخطوطات، والطريق الأمثل لتصحيح الكتب وضبطها.
وقد قدَّمْتُ للحلْقة الأُولى بالأسباب التي دَعَتْني إلى تصنيف هذه السلسلة, وذكرتُ هناك أن المعلمي: كان من بقايا هذا العلم، ونادرةً من نوادر النَّقْد في هذه الأزمان، وأن اللَّه قَد ادَخَّره لكَبْتِ أصحاب الأهواء وأَتْباعهم، ودَفَعَ به في نَحْر مَنْ
стр. 691
أَراد السُّنَة وأهلَها وأئمتَها بِسُوءٍ, وأنَّ الشيخَ: قد كَشَفَ عن انْحِرافِ مَنِ انْحَرَفَ عن أهل السنة عقيدة ومنهجًا، وعن أئمة الحديث تصحيحًا وتعليلا، بأُطْرُوحَاتٍ عِلْمِيَّةٍ مُتَّزِنَةٍ، بناها على الاستقراء والبحث الدءوب.
وأَن الله تعالى قد كشف به ما تَفَشَّى من داء التساهل الذي أصاب أنظارَ كثير من المتأخرين والمعاصرين في الحكم على الرواة والأخبار، فنراهم قد توسَّعُوا في الاعتماد على ظواهر الأسانيدِ دُونَ التفتيشِ عن عِلَلِها ومَظِنَّاتِ الخلل فيها، بل ونَلْحَظُ قُصورًا في الرجوع إلى كُتب المتقدمين المعنيّة ببيان ما أصاب الأخبارَ من تفردات الرواة وأوهامهم ... إلى آخر ما تراه في تلك المقدمة.
ثم صَنَعْتُ هناك تمهيدًا في تعظيم قدر أئمة النقد، جعلته كرسالة إلى كل مَنْ يُطالِعُ هذا الكتاب أو غيره من كتب الفَنِّ المعنيَّة بعلم الحديث والأثر، وإلى كل من يَرُومُ سُلُوكَ سَبيلِ أهل النَّقْد، أو ينظر في كلامهم، ولِتَكُونَ إبرازًا لِمَا اخْتَصَّ اللَّه تعالى به مُتَقَدِّمِي هذه الأمة في هذا الصَّدَد من المنهج السديد الذي لا يَسَعُ مَنْ جاء بعدهم -إذا أراد أن يَسْلُكَ هذا السبيلَ- إلا أن يقْفُوَ أثرَهم، ويلتمِسَ خُطاهم.
وقد صنفتُ هذا الكتابَ لمقاصد، أهمها:
١ - تذكيرُ أُولي الِهمم بِعِظَمِ قَدْر أئمة النقد.
٢ - التقريبُ لما كانوا يتمتَّعُون به مِنْ ملكاتٍ وغرائزَ حديثيةٍ متميزةٍ.
٣ - شَحْذُ هِمَمِ الطالبين لمعالي الأمور ببيان منهج المتقدمين في النَّقْد، ودقائقهم في تَأْصِيل وإِرْسَاءِ قواعد هذا الفن.
٤ - محاولة فَهْم طرائقهم في التعامل مع النصوص قبولا وردًّا.
ومن أجل هذا المقصد الرابع صَنَّفْتُ هذا القسم الثاني، وهو الخاص بمنهج بعض أئمة النقد، وأضفتُ إليه فوائدَ تتعلق ببعض مصنفي الكتب من المتأخرين.
стр. 692
واعلم أن الحديثَ عن مناهج الأئمة في الجرح والتعديل والتصحيح والتعليل، يَخْتَصُّ بالحُذَّاقِ من أَهْل الصَّنْعَةِ، وهو مَبْنيٌّ على أُسُسٍ عَامَّةٍ يَتَّفِقُ عليها معظمُهُم، لكن ربما اختلفوا أحيانًا في تطبيق بعض الجزئيات, وهو اختلافٌ في الاجتهاد لا يقدحُ في استقرار القواعد العامَّة عندهم.
ومن الأدلّة على ما ذكرتُ، أنَّ النَّاظِرَ في كُتب العلل والأخرى المَعْنِيَّة بالتخريج، ليرَى توافقَ الأئمة في الأَعَمِّ الأغْلَبِ في الحكْمِ على الحديث الواحد، وفي كثير من الأحيان يكون إعلالُهم للحديث من زاويةٍ واحدةٍ, ولسببٍ واحدٍ، على غير اتفاقٍ بينهم، ولا سؤال بعضِهم لبعضٍ، وربما كانت هناك عدة زوايا هي مظنَّات للخلل، ولكنهم يَعرفون كيف تُورد الإبل.
وهذا من أَقْوَى الأدِلَّة على أنَّ هذا العلمَ حَقٌّ، وأن أَدِلَّتَهُ مَبْنِيَّةٌ على أساسٍ متينٍ، وأن اللَّه تعالى قد هيّأ أسبابَهُ لأئمته الذين اختارهم.
وقد ذكرتُ شيئًا من ذلك التوافق بين الأئمة في "التمهيد" المشار إليه سابقًا في تعظيم قدر أئمة النقد (ص ١٢٦ - ١٢٧) من القسم الأول من هذا الكتاب.
أما غَيْرُ أهلِ الاختصاص، والآخذين من أهله بقُشُورِ هذا العلم، والمُشَمِّرِينَ لِكُلِّ علمٍ دُونَهُ، فإنما يَرَوْنَ تلك المناهجَ، وهذه القواعدَ والأُسُسَ، تارةً: تكهنًا، وتارة: تخمينًا، وتارةً: احتمالاتٍ وتارةً: تناقضاتٍ وتارةً: ألغازًا!.
ويُعرفُ تَصَوُّرُ هؤلاء عن هذا العلم وأهلِه إما تصريحًا، وإما تلميحًا، وإما بِعُزُوفِهِم عن مَوَارِدِهِ ومظانِّه، فتجدُ كلامَ نُقَّادِ هذا الفَنِّ، تارةً مهجورًا، وتارةً: منقولا، لكن مفرَّغًا من مدلوله إلى مدلولاتٍ أخرى مخترعة، وتارةً: منقولا، لكن مُنْتَقَضًا بكلام غيرهم من غير أهل الاختصاص، أو من متساهلي أهله، وتارةً: منقولا، لكن دون أيّ اعتبار لمعناه ومُؤَدَّاه.
وقد وَضَعْتُ في إِجْلاء هذه المعاني رسالةً سَمَّيْتُها: "القواعد المُهِمَّة في إِحْياء مناهج الأئمة" وهي قَيْدُ الجمع.
стр. 693
خطة العمل في هذا القسم:
لقد تتبعتُ من كلام الشيخ المعلمي: جُمَلًا وعباراتٍ تتعلق بالأئمة المذكورين، ثم صنفتُ تلك النصوص في: أبحاثٍ، وأقسامٍ، ومطالبَ، مع الأخْذِ في الاعتبارِ أنَّ الشيخَ لم يكنْ بصددِ عَملِ تراجمَ، أو شرحٍ لمناهجِ هؤلاءِ, بل جاء ذلك: إما ضمن مناقشةٍ لخصمٍ، أو ردٍّ على مخالفٍ، أو تأييدٍ لرأيٍ، فيأتي كلامُه في ذلك حسبما يقتضيه المقامُ، لكنها جاءت نُكَتا نَفِيسةً, وأبحاثا طريفةً، وإن لم يكن قاصدا بذلك الإحاطة بما يتصل بها، أو التقصي لمسائلها.
ولقد جعلتُ كلامَه: هو أصلُ البناء، وربما أضفتُ من عندي: مقدماتٍ، أو زياداتٍ، أو تفسيراتٍ، أو تأييداتٍ، أو اعتراضاتٍ، أو تعليقاتٍ، أو نحو ذلك، مما يزيد في فائدة الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.
لكنْ هذا -مع ذلك- لم يَسْمَحْ باستيفاءِ القَولِ فيما يتعلقُ بكلِّ مذكورٍ من الأئمة؛ مراعاةً للحالِ والمقامِ، وأُحبلُ القارىء إلى سلسلتي: "التَعريفُ بمناهجِ أئمةِ أهل الأثر"، وهي قَيْدُ الجَمْعِ.
وتتلخص خطة العمل في النقاط التالية:
أولًا: استخرجتُ الفوائدَ، والأبحاثَ، والنِّكَاتِ المُتَعَلِّقَةَ بمناهج أئمة النَّقْدِ وغيرهم من المصنِّفِين في كُتُبهم، والتي جَرَى ذِكْرُها في تراجم "التنكيل" وبين ثَنَايا "الأنوار الكاشفة" وفي تحقيقات "الفوائد المجموعة" وغيرها من أعمال الشيخ المعلمي.
ثانيًا: تشتمل هذه المُسْتَخْرَجَاتُ على أمورٍ، لِكُلِّ إِمامٍ أو مُصَنِّفٍ حَظٌّ مِنْ بَعْضها:
فمنها: ما يتعلَّقُ بمذهب الإمام في قضايا التصحيح والتعليل، أو الجرح والتعديل بصفة عامَّة.
стр. 694
ومنها: ما يتعلقُ بطريقته في كتبه، كشرطه فيها، أو ترتيبه لها.
ومنها: ما يتعلقُ باصطلاحه في بعض الألفاظ المستعملة في هذا الفنّ.
ومنها: ما يتعلقُ بمكانة الإمام في باب النَّقْد، ومناقشةِ ما يمسُّ وَصْفَهُ بالتَّشَدُّدِ أو التَّسَاهُلِ في ذلك.
ومنها: ما يتعلقُ بمسائلَ عقائدية تختصُّ به.
ومنها: التنبيه على بعض انحرافاتٍ في الفهم أو في التصور لبعضهم.
ثالثًا: بالنسبة لترتيب إيراد الأئمة والمصنِّفين، فقد كان الأحْرَى أن يكونَ بِحَسب وَفَيَاتِهم: الأقدم فالأحدث، لكني رأيتُ أن تكون الأَوْلَوِيَّةُ في الترتيب بِحَسبِ الأهميةِ وطُولِ الأبحاثِ والنكاتِ المتعلقة بالإمام؛ لأن هذا هو المقصود لذاته هنا، بغض النظر عن قِدَم الإمام وفَضْلِهِ.
فَأَبْدَأُ غالبا:
١ - بِمَنْ لهُ تعلقٌ بالمنهج والمصطلح، وهؤلاء قد رتبتهم على حسب أهميةِ المباحثِ وطولِها. ثُمَّ:
٢ - مَنْ ذُكِرُوا بجرحٍ أو تعديلٍ مِمَّنْ بعدهم. ثُمَّ:
٣ - بالمتأخرين مِمَّنْ له تصنيفٌ في فنٍّ من الفُنون. ثُمّ:
٤ - بأهل الأهواء والمجاهيل منهم.
والمذكورون في هذا الكتاب سبعةٌ وستونَ مُتَرجَمًا، حسبما وقع اختياري أثناءَ مطالعةِ كتبِ الشيخِ المعلمي، وربما سَيَلْفِتُ نظرَ القارىء خُلُوُّ هذه القائمةِ من: الكوثري، وأبي رية, الذَيْنِ تَبَنَّى المعلمي الردَّ عليهما في كتابيه: "التنكيل", و"الأنوار الكاشفة"، وأبانَ عن زيغِهما فيما أظهراهُ مِنْ تَعَصُّبِ الأولِ ومتابعتِه لهواهُ،
стр. 695
ضاربًا بكلِّ ثوابتِ هذا العلم وقواعدِه عرضَ الحائط، مُتَعاميًا عمَّا يخالفُ مشربَهُ المبتَدعَ، لاويًا عُنُقَ النصوصِ، ودافعًا بالصَّدْرِ والتَّلْبِيسِ والتَّحْرِيفِ تحقيقاتِ النُّقَّادِ من أهلِ ذلك العلم، هذا مع الاعترافِ له بالتَّمَكُّنِ من الوصول إلى الحَقِّ لو أرادهُ, والمُوَفَّقُ من وَفَّقَهُ اللَّهُ.
ومِنْ جهلِ الثاني وضلالِهِ، ومتابعتِهِ مَنْ هُمْ على شاكلتِه مِنَ المستشرقينَ، ومَنْ نَحا نَحوهم مِنَ الكُتَّابِ والمُفَكِّرِينَ، الرَّامِينَ إلى الطَّعْنِ في السنة النبوية، السَّالِكِين في سبيلِ ذلك تمييعَ قضايا هذا العلم والتشكيكَ فيها.
وجوابُ الشيخِ المعلمي عن جميعِ ذلك وغيرِهِ منتشرٌ في الكتابيْنِ، وحالُهما في هذا العلم أوضحُ من إفرادهما بالذِّكْرِ، فلْيُطْلب من هنالك.
رابعًا: بالنسبة لِخِطَّةِ عَرْضِ الأُطْرُوحَاتِ الخاصَّة بكل إمامٍ أو مُصَنِّفٍ، فقد اختلفتْ طريقةُ تناولي لذلك في هذا القسم عن سابقه، ففى القسم الأول كان الأصلُ في صُلْبِ الكتابِ أن يكونَ مِنْ كلام الشيخ المعلمي، وما كان مِنْ إضافةٍ أو تعليقٍ مِنّي ففي حواشي الكتاب، أما فى هذا القسم، فربما اقتضى المقامُ:
١ - أن أُقَدِّمَ بين يَدِيِّ كلام الشيخ المعلمي بِمُقَدِّمَةٍ تُعِينُ على الإِلْمام بأطرافِ الموضوع مَحَلّ الطَّرْح.
٢ - أو تخليلُ كلامِ الشيخ بشيء من التوضيح.
٣ - أو تدعيمُهُ بِنْقلٍ أو بَيَانٍ.
٤ - أو تذييلهُ بما يُكَمِّلُ فوائدَهُ ويُتَمِّمُ نَفْعَهُ.
٥ - أو تعقيبُهُ برأي مُبَايِنٍ.
فرأيت أن يكون جميعُ ذلك في صُلْب الكتاب، وقد مَيَّزْتُهُ بقولي: "قال أبو أنس".
стр. 696
خامسا: أكتفي بتناول ما أشار إليه أو ناقشه الشيخ المعلمي فيما يتعلق بالإمام أو المصنِّف، ويحتاج من يُترجمُ أو يَدْرسُ منهجَ الواحدِ منهم أن يُوسعَ مجالَ البحث والنَّظرِ، بحيث يشملُ جوانب أُخْرى، ولكنَّ المقامَ هنا يرتبط بما له علاقة بكلام الشيخ المعلمي، أما تلك الجوانب فلها مقامات أُخَر، وباللَّه التوفيق.
سادسا: قد كنتُ شَرَعْتُ في عَملِ ترجمةٍ لِكُلِّ إمام أو مصنِّفٍ ذُكِرَ في هذا الكتاب، تكونُ بَيْنَ يديّ ما يُطْرح بشأنه لكني لا أَميلُ لعمل التراجم التقليدية التي تُطَوِّلُ الكتاب، ولا يجهلُ المُعْتَنُون بهذا الأمرِ أكثرَ ما يَرِدُ فيها، ولو رَامُوا معرفةَ بعض ذلك لَسَهُلَ عليهم، كما أنني أرى أن أَوْلى التراجم ما يمسّ القضايا الحديثية دون مجرد سرد جوانب السيرة الذاتية للأشخاص، اللهم إلا إن كان في بعض هذه الجوانب التصاقٌ بما ذكرنا، ولذا فقد عَدَلْتُ عما كنت شرعتُ فيه إلا حينما يقتضي المقام، واللَّه الموفق.
* * *
стр. 697
خاتمة:
اعْلَمْ أنه لم يُصَرِّحْ أكثرُ أئمةِ الحديث -لا سيما المتقدمين منهم- بشروطهم في كتبهم، ولم يَحُدُّوا لما يُخرجونه من الحديث أو لمن يخرجون له من الرواة حَدًّا لا يَنْفَكُّون عنه.
فلم يُدَوِّنِ الأكثرُ شروطَهم ولا مناهجَهم في مصنفاتِهم، وإنما سارتْ كتبُهم في أهل الفهم والنظر، فوقفوا على مقاصدِ أصحابها، استنادًا إلى قواعدَ قدِ استقرتْ، وطرائقَ قد مُهِّدَتْ، على اختلافٍ بينهم في أمورٍ جزئيةٍ، لا يستحيلُ في العادة وقوعُها، ولا يمنعُ الاجتهادُ من حدوثِها، وصارَ لكلِّ إمامٍ منهم: "بصمةٌ" يُعرفُ بها.
فلما تَقادَمَ العَهْدُ، وطالتِ الأسانيدُ على مَنْ بعدهم: وَعَرَ الطريقُ، وطاشَتْ مَعالِمُه، وازداد الخَطْبُ، وصار الفهم عزيزًا، فاحتار الناظرون في مقاصدِ القوم واضطربتْ آراؤهم، وصارت كثيرٌ من البديهيات عند الأوائل معضلاتٍ ومبهماتٍ عند مَنْ بعدهم، وذلك بسبب قِصَرِ أنظارِهِم، وسَطْحِيَّهِ أفكارِهِم، وزادوا الطِّينَ بلة؛ فقلَّد التالي منهم المتقدمَ، ولم يُدَقِّقْ ولم يُمَحِّصْ، كما قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" (ص ٤٨٩):
"كثير من المحدثين وغيرهم يستروحون بنقل كلام من يتقدمهم مقلِّدِين له، ويكون الأول ما أتقن ولا حرّر، بل يتبعونه تحسينًا للظن به". اهـ.
فإذا تَقَرَّرَ ما سبق، فاعلم أنه لا سبيلَ للوقوف على مقاصدِ القوم وطرائِقِهِم إلا سبيلٌ واحدٌ، ألا وهو: دراسةُ منهجِ هؤلاء من خلال ما سَطَّروا، أو سُطِّر عنهم، والسعي إلى الوقوف على التصور الصحيح لهذا الميدان الواسع الذي كانت تدور في جنباته حلقاتُ الرواية, ومحاولةُ فهمِ مسالك الرواة في تحمُّلِهم وأدائهم، وإدراكُ دلالاتِ التوثيقِ والضبطِ والاحتياطِ, وأوجهِ الخلل وأسبابِ العلل في المرويات.
стр. 698
وهذا -وغيره- لا يأتي إلا بالممارسةِ الطويلة، وحُسنِ الفهمِ والنظرِ، وتحصيلِ أسبابِ المَلَكَةِ، وعدمِ استعجالِ النتائج، مع سلامة النية والقصد.
وبعد:
فهذه أماراتٌ على دربٍ -يوصِّلُ إلى المراد إن شاء اللَّه- ظننتُ أنه مهجورٌ، إلا مِنْ أوزاعٍ سائرين على وَجَلٍ، لا قائدَ لهم يدلُّهم، ولا مُعينَ لهم يحتمون به, وإلى اللَّه المشتكى، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وهذا أوان الشروع في المقصود، واللَّه حسبي، وهو نعم الوكيل.
وكتبه
أبو أنس إبراهيم بن سعيد الصبيحي
الدوحة - قطر
في السابع عشر من رجب الخير لعام ١٤٣٠ هـ
الموافق للعاشر من يوليو لعام ٢٠٠٩ م
جوال: ٩٧٤٥٧٨٨١٣٧ +
بريد إلكتروني: ebsaeed_sobihe@yahoo.com
стр. 699
البخاري
(ت ٢٥٦ هـ)
стр. 700
تنقسم النكت المتعلقة بالبخاري -رحمه الله تعالى- إلى أربعة مباحث:
المبحث الأول: منهجه في "الجامع الصحيح". وفيه مطلبان:
المطلب الأول: فيما يتعلق بالأسانيد. وفيه خمسة أمور:
الأمر الأول: منهج البخاري في انتقاء رجال "صحيحه"، وكيفية إخراجه لهم. وفيه:
مقصد: تطبيقات العلامة المعلمي على منهج البخاري وشرطه في رجال صحيحه.
الأمر الثاني: انتقاء البخاري من أحاديث شيوخه المتكلم فيهم.
الأمر الثالث: الرواة المتكلم فيهم داخل الصحيحين.
الأمر الرابع: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الصحيح يقتضي ضعفه أو لينه عندهما؟
الأمر الخامس: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عندهما؟
المطلب الثاني: فيما يتعلق بالمتون. وفيه ستة أمور أيضًا.
الأمر الأول: من منهج البخاري في ترتيب أحاديث الباب.
الأمر الثاني: من منهج البخاري في إخراج الحديث في باب دون باب. وفيه: تحقيق المؤلف لهذا الأمر بسرد نماذج توضحه.
الأمر الثالث: الأحاديث المنتقدة على الصحيحين.
стр. 701
الأمر الرابع: ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم.
الأمر الخامس: رواية البخاري من حفظه.
الأمر السادس: فيما ذُكر أن البخاري مات قبل أن يبيض كتابه.
المبحث الثانى: منهجه في غير "الجامع الصحيح".
المبحث الثالث: البخاري وكتابه "التاريخ الكبير". وفيه مطلبان.
المطلب الأول: طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير" ومنهجه في تصنيفه.
المطلب الثاني: إشارة البخاري أحيانا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته.
المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح.
* * *
стр. 702
المبحث الأول: منهج البخاري في "الجامع الصحيح "
اعلم أن مسلمًا يشترك مع البخاري في كثير من أفراد هذا المبحث، وسأعطف مسلمًا على البخاري في كُلِّ موضع يشتركان فيه، وإن كان الكلام وضِعَ أصالةً للبخاري، وذلك إيثارًا لعدم التكرار عندما تَرِدُ ترجمةُ مسلم ﵀، فلتكن على ذُكْرٍ من ذلك، وسأُحيل على هذا الموضع من ترجمة البخاري إذا أتيتُ على مواضع الاشتراك بينه وبين مسلم في ترجمته.
* * *
стр. 703
المطلب الأول: فيما يتعلق بالأسانيد
وفيه أربعة أمور:
الأمر الأول
منهج البخاري في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لحديثهم، أو: شرطه في رجال "صحيحه "
ويشتمل الكلام هنا على توطئة ، ومقصد.
توطئة
في ذكر ما قاله بعض أهل العلم في ذلك إجمالًا.
أولاً: قول ابن طاهر في شروط الأئمة الستة:
قال: (ص ١٣): "إن الأئمة الخمسة: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، لم يُنقلْ عن واحدٍ منهم أنه قال: شرطتُّ في كتابي أن أخرج على كذا، لكن لما سُبِرَتْ كُتُبهم عُلِم بذلك كُلُّ واحدٍ منهم، فشرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديثَ المتفقَ على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ, وإن لم يكن له إلا راوٍ وصَحَّ الطريقُ إليه كَفَى ... ".
стр. 704
تعليق بعض الحفاظ على قول ابن طاهر:
أ- على قوله: "المتفق على ثقة نقلته".
• قال العراقي: "ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضَعَّف جماعةً أَخرج لهم الشيخان أو أحدهما (١)، وأُجيب بأنهما أخرجا من أُجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعد وجود الكتابين". اهـ.
• فقال ابن حجر: "تضعيفُ النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِه عن معاصرٍ فالجواب ذلك، وإن نَقَلَهُ عن متقدِّمٍ فلا، ويمكن أن يُجابَ بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يُخْرِجَانِ عنه لمُرَجِّع يقوم مقامه". اهـ.
• قال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٤٦):
"ما ادعاه من الاتفاق على ثقة نقلتهما قد لا يخدش فيه وجودُ حكاية التضعيف في بعضهم ممن قبلهما؛ لتجويز أنهما لم يرياه قادحًا، فَنَزَّلا كلام الجمهور والمعتمد عندهما منزلة الإجماع". اهـ.
ب- التعليق على قوله: "من غير اختلاف بين الثقات الأثبات".
قال السخاوي: "قوله: من غير اختلاف بين الثقات، ليس على إطلاقه؛ فإنه ليس كُلُّ خلافٍ مُؤثرًا، وإنما المؤثر مخالفة الثقة لمن هو أحفظ منه أو أكثر عددًا من الثقات كما سيأتي في الشاذ". اهـ.
стр. 705
ثانيًا: قول الحازمي في شروط الأئمة الخمسة:
قال: (ص ٤٨ - ٥٠): "مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبرَ حالَ الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا بابٌ فيه غموضٌ، وطريقُهُ معرفةُ طبقاتِ الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم.
ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم مثلا أن أصحاب الزهري على خمس طبقاتٍ متفاوتة، ولكل طبقةٍ منها مزية على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى فهي في غاية الصحة وهو غاية قصد البخاري، نحو: مالك، وابن عيينة، وعبيد اللَّه ابن عمر، ويونس وعقيل ونحوهم.
والثانية: شاركتِ الأُولى في العدالة، غير أن الأُولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة (١) للزهري، حتى كان منهم من يلازمه في السفر ويلازمه في الحضر، والثانية لم تلزم الزهري إلا مدة يسيرة, ولم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأصلى، وهم فرط مسلم، كالليث بن سعد، والأوزاعي، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن مسافر، ونحوهم.