الأمر الرابع: ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم.
الأمر الخامس: رواية البخاري من حفظه.
الأمر السادس: فيما ذُكر أن البخاري مات قبل أن يبيض كتابه.
المبحث الثانى: منهجه في غير "الجامع الصحيح".
المبحث الثالث: البخاري وكتابه "التاريخ الكبير". وفيه مطلبان.
المطلب الأول: طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير" ومنهجه في تصنيفه.
المطلب الثاني: إشارة البخاري أحيانا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته.
المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح.
* * *
стр. 702
المبحث الأول: منهج البخاري في "الجامع الصحيح "
اعلم أن مسلمًا يشترك مع البخاري في كثير من أفراد هذا المبحث، وسأعطف مسلمًا على البخاري في كُلِّ موضع يشتركان فيه، وإن كان الكلام وضِعَ أصالةً للبخاري، وذلك إيثارًا لعدم التكرار عندما تَرِدُ ترجمةُ مسلم ﵀، فلتكن على ذُكْرٍ من ذلك، وسأُحيل على هذا الموضع من ترجمة البخاري إذا أتيتُ على مواضع الاشتراك بينه وبين مسلم في ترجمته.
* * *
стр. 703
المطلب الأول: فيما يتعلق بالأسانيد
وفيه أربعة أمور:
الأمر الأول
منهج البخاري في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لحديثهم، أو: شرطه في رجال "صحيحه "
ويشتمل الكلام هنا على توطئة ، ومقصد.
توطئة
في ذكر ما قاله بعض أهل العلم في ذلك إجمالًا.
أولاً: قول ابن طاهر في شروط الأئمة الستة:
قال: (ص ١٣): "إن الأئمة الخمسة: البخاري، ومسلمًا، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، لم يُنقلْ عن واحدٍ منهم أنه قال: شرطتُّ في كتابي أن أخرج على كذا، لكن لما سُبِرَتْ كُتُبهم عُلِم بذلك كُلُّ واحدٍ منهم، فشرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديثَ المتفقَ على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلا غير مقطوع، فإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسنٌ, وإن لم يكن له إلا راوٍ وصَحَّ الطريقُ إليه كَفَى ... ".
стр. 704
تعليق بعض الحفاظ على قول ابن طاهر:
أ- على قوله: "المتفق على ثقة نقلته".
• قال العراقي: "ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضَعَّف جماعةً أَخرج لهم الشيخان أو أحدهما (١)، وأُجيب بأنهما أخرجا من أُجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعد وجود الكتابين". اهـ.
• فقال ابن حجر: "تضعيفُ النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِه عن معاصرٍ فالجواب ذلك، وإن نَقَلَهُ عن متقدِّمٍ فلا، ويمكن أن يُجابَ بأن ما قاله ابن طاهر هو الأصل الذي بنيا عليه أمرهما، وقد يُخْرِجَانِ عنه لمُرَجِّع يقوم مقامه". اهـ.
• قال السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٤٦):
"ما ادعاه من الاتفاق على ثقة نقلتهما قد لا يخدش فيه وجودُ حكاية التضعيف في بعضهم ممن قبلهما؛ لتجويز أنهما لم يرياه قادحًا، فَنَزَّلا كلام الجمهور والمعتمد عندهما منزلة الإجماع". اهـ.
ب- التعليق على قوله: "من غير اختلاف بين الثقات الأثبات".
قال السخاوي: "قوله: من غير اختلاف بين الثقات، ليس على إطلاقه؛ فإنه ليس كُلُّ خلافٍ مُؤثرًا، وإنما المؤثر مخالفة الثقة لمن هو أحفظ منه أو أكثر عددًا من الثقات كما سيأتي في الشاذ". اهـ.
стр. 705
ثانيًا: قول الحازمي في شروط الأئمة الخمسة:
قال: (ص ٤٨ - ٥٠): "مذهب من يخرج الصحيح أن يعتبرَ حالَ الراوي العدل في مشايخه وفيمن روى عنهم وهم ثقات أيضًا، وحديثه عن بعضهم صحيح ثابت يلزمه إخراجه، وعن بعضهم مدخول لا يصلح إخراجه إلا في الشواهد والمتابعات، وهذا بابٌ فيه غموضٌ، وطريقُهُ معرفةُ طبقاتِ الرواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم.
ولنوضح ذلك بمثال: وهو أن تعلم مثلا أن أصحاب الزهري على خمس طبقاتٍ متفاوتة، ولكل طبقةٍ منها مزية على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة الأولى فهي في غاية الصحة وهو غاية قصد البخاري، نحو: مالك، وابن عيينة، وعبيد اللَّه ابن عمر، ويونس وعقيل ونحوهم.
والثانية: شاركتِ الأُولى في العدالة، غير أن الأُولى جمعت بين الحفظ والإتقان وبين طول الملازمة (١) للزهري، حتى كان منهم من يلازمه في السفر ويلازمه في الحضر، والثانية لم تلزم الزهري إلا مدة يسيرة, ولم تمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون الطبقة الأصلى، وهم فرط مسلم، كالليث بن سعد، والأوزاعي، والنعمان بن راشد، وعبد الرحمن بن مسافر، ونحوهم.
стр. 706
والثالثة: جماعة لزموا الزهري كالطبقة الأولى، غير أنهم لم يَسْلموا من غوائل الجرح، فَهُمْ بين الرد والقبول، وهم شرط أبي داود والنسائي، نحو جعفر بن برقان، وسفيان بن حسين السلمي، وزمعة بن صالح المكي، وعبد اللَّه بن عمر العمري، ونحوهم.
والرابعة: قوم شاركوا أهل الثالثة في الجرح والتعديل، وتفردوا بقلة ممارستهم لحديث الزهري؛ لأنهم لم يلازموه كثيرًا، وهم شرط الترمذي ... ومن هذه الطبقة: معاوية بن يحيى الصدفي، وإسحاق بن يحيى الكلبي، والمثنى بن الصباح، وإبراهيم ابن يزيد المكي، وإسحاق بن عبد اللَّه بن أبي فروة ونحوهم.
والخامسة: نفر من الضعفاء والمجهولين، لا يجوز لمن يخرج الحديث على الأبواب أن يخرج لهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد عند أبي داود فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا؛ كبحر بن كنيز السقاء، والحكم بن عبد اللَّه الأيلي، وعبد القدوس بن حبيب، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغيرهم.
وقد يخرج البخاري أحيانًا عن أعيان الطبقة الثانية، ومسلم عن أعلام الطبقة الثالثة، وأبو داود عن مشاهير الرابعة؛ وذلك لأسباب اقتضته. اهـ.
ثالثًا: قول ابن تيمية:
سُئل ﵀: ما شرط البخاري ومسلم فإنهم فرقوا بينهما؟
فأجاب:
"أما شرط البخاري ومسلم، فلهذا رجالٌ يروي عنهم يختص بهم، ولهذا رجالٌ يروي عنهم يختص بهم، وهما مشتركان في رجال آخرين، وهؤلاء الذين اتفقا عليهم: عليهم مدار الحديث المتفق عليه وقد يروي أحدهم عن رجلٍ في المتابعات والشواهد دون الأصل، وقد يروي عنه ما عُرف من طريق غيره، ولا يروي ما انفرد
стр. 707
به, وقد يترك من حديث الثقة ما عَلم أنه أخطأ فيه، فيظن من لا خبرة له أن كل ما رواه ذلك الشخص يَحتجُّ به أصحاب "الصحيح"، وليس الأمر كذلك؛ فإن معرفة علل الحديث علم شريف يعرفه أئمة الفن كيحيى بن سعيد القطان، وعليّ بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري صاحب "الصحيح"، والدارقطني وغيرهم، وهذه علوم يعرفها أصحابها. اهـ. مجموع الفتاوى (١٨: ٤٢)
رابعًا: قول العراقي:
قال: في صدد الكلام عن "الصحيحين": "هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه, وذلك أنهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حاله مع من روى عنه في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه في بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا من بلد من أخذ عنه، وهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك". اهـ. "تدريب" (١/ ١٢٨).
قال أبو أنس:
هذا مُجْمَلُ أَشْهَرِ ما قيل في هذا الصَّدَد، ولكثيرٍ منه حاجةٌ إلى تحرير، وسأحاول -بعونه تعالى وتوفيقه- أن أُلَخِّصَ أَهَمَّ النقاط العملية التي يُمكن استخراجُها بممارسة "الصحيحن" -لاسيما البخاري هنا- وذلك عقب تطبيقات المعلمي الآتية.
* * *
стр. 708
مقصد تطبيقات العلامة المعلمي على منهج البخاري وشرطه في رجال "صحيحه "
١ - ذكر الشوكاني في "الفوائد المجموعة" (ص ٢٩٨) حديثَ: "من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه آمنه اللَّه على داره، ودار جاره، ودويراتٍ حوله".
ثم قال: ... وقد رواه الدارقطني (١) عن أبي أمامة مرفوعًا بدون قوله: "ومن قرأها حين يأخذ مضجعه ... " إلخ. وقد أدخله ابن الجوزي في الموضوعات (٢) وتعقبه ابن حجر في تخريج أحاديث "المشكاة" وقال: "غفل ابن الجوزي فأورد هذا الحديث في الموضوعات وهو من أسمج ما وقع له". قال في "اللآلىء": "وقد أخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه، وابن السني في عمل اليوم والليلة، وصححه الضياء في المختارة. اهـ. كلام الشوكاني.
وأورد السيوطي في "اللآلىء" قولَ الدارقطني عقب الحديث: تفرد به محمد بن حِمْيَر وليس بالقوي، ثم تعقبه بقوله: "كلا، بل قويٌّ ثقةٌ من رجال البخاري، والحديث صحيحٌ على شرطه ... "، وقال الحافظ شرف الدين الدمياطي في جزءٍ جمعه في تقوية هذا الحديث: "محمد بن حِمْيَر القضاعي السليحي الحمصي، احتج به البخاري في "صحيحه"، وكذلك محمد بن زياد الألهاني الحمصي احتج به البخاري أيضًا".
стр. 709
فعلَّق الشيخ المعلمي على ذلك كله بقوله:
"مدار الحديث على محمد بن حِمْيَر، رواه عن محمد بن زياد الأَلْهاني، عن أبي أمامة، وابنُ حِمْيَر موثَّق (١)، غمزه أبو حاتم (٢)، ويعقوب بن سفيان (٣)، وأخرج له البخاري في "الصحيح" حديثين قد ثبتا من طريق غيره, وهما من روايته عن غير الأَلْهاني (٤)، فَزَعْمُ أن هدا الحديث على شرط البخاري غَفْلَةٌ".
стр. 710
٢ - وفي "الفوائد" أيضًا (ص: ٥٦): "أخرج البزار في "مسنده" من حديث أبي هريرة: "إذا دخلت منزلك فَصَلّ ركعتين تمنعانك مدخل السوء، وإذا خرجت من مجلسك فَصَلِّ ركعتين تمنعانك من مخرج السوء". قال في "مجمع الزوائد": رجاله موثقون".
فقال الشيخ المعلمي:
"هو من طريق يحيى بن أيوب، عن بكر بن عمرو، عن صفوان بن سليم. وقد أخرجه البيهقي في "الشعب" من هذا الوجه (١)، وفيه: قال بكر: حسبته عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. كذا في "شرح الإحياء". وفي "شرح الإحياء" عن ابن حجر: هو حديث حسن، ولولا شك بكر لكان على شرط "الصحيح".
أقول: بكر لم يوثقه أحد، وليس له في البخاري إلا حديث واحد متابعة، وقد أخرجه البخاري من طريق أخرى. كذا قال ابن حجر نفسه في مقدمة "الفتح" (ص ٣٩١)، وليس له عند مسلم إلا حديث واحد، وهو حديث أبي ذر: "قلت: يا رسول اللَّه ألا تستعملني؟ قال: يا أبا ذر، إنك ضعيف ... "، ثم أخرجه مسلم من
стр. 711
وجه آخر، فروايته عن بكر في معنى المتابعة، وليس له عند مسلم غيره، كما يعلم من الجمع بين رجال "الصحيحين"، ففي تحسين حديثه نظر، كيف وقد شك فيه؟! مع أن الراوي عنه: يحيى بن أيوب هو الغافقي، راجع ترجمته في مقدمة "الفتح" (١).
٣ - وفي "الفوائد" (ص ٨٥): حديث: "من أنظر معسرا كان له مثله كل يوم صدقة".
قال الشوكاني: "إسناده ضعيف، وهو في "سنن" ابن ماجه (٢) وأخرجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطهما".
فقال العلامة المعلمي: "هو في "المستدرك" (٢/ ٢٩) من طريق سليمان بن بريدة، عن أبيه وليس هو على شرط البخاري؛ لأن البخاري لم يخرج لسليمان، وذكر أنه لم يذكر سماعا من أبيه، ولفظ الحديث في "المستدرك" آخر، وهو مع ذلك مخالف للفظه عند أحمد في "المسند" (٥/ ٣٦٠)، وأحسب بعض الخطأ من النساخ". اهـ.
قال أبو أنس:
أُلَخِّصُ هنا ما وعدتُّ به من أهم النقاط المتعلقة بمنهج البخاري -ونحوه مسلم- في انتقاء رجال "صحيحيهما"، وكيفية إخراجهما لحديثهم في ضوء ما سبق من تحقيق الشيخ المعلمي، فأقول:
أولا: مجرد إخراج الشيخين للرجل في "الصحيح" لا يكفي في استحقاقه التوثيق المطلق، بل لابد من النظر في كلام سائر أهل النقد في تفصيل حاله من حيث الضبط وغيره من الأحوال التفصيلية التي يُستفاد منها في معرفة حاله في كل حديثٍ يأتي من طريقه.
стр. 712
وهذا خلافٌ لمن اغتر بقول القائل: "من أُخرج له في الصحيح فقد جاز القنطرة" فلا يَعتبرُ بما ورد فيه من الجرح وأوجه الضعف من قِبَل غير صاحب "الصحيح"، بل ربما من صاحب "الصحيح" نفسه.
والبخاري ومسلم رحمهما اللَّه تعالى لم يشترطا أن يخرجا لمن لم يتكلم فيه أحدٌ من أهل النقد المتقدمين عنهما أو المعاصرين لهما، بل ربما خرَّجا لمن وصفاه هما بالوهم ونحوه، ويكون إخراجُهما لهذا وأمثالِه ممن وصفهم غيرهما من الأئمة بذلك، إنما هو على سبيل انتقاء ما قامت القرائن عندهما على صحة ما رَوَياه لهؤلاء في الكتابين، وربما لم تنهض تلك القرائن عند غيرهما من النقاد للحكم على حديثٍ ما بالصحة، فينشأ من هنا الاختلاف في الحكم على بعض ما خرجه صاحبا "الصحيح".
ثانيا: مجرد إخراج الشيخين للرجل في بعض المواضع من "الصحيح" لا يعني بالضرورة أنهما يرياه أَهْلا لأن يُخرَّجَ له في كل موضع، فلا يقال لإسنادٍ أخرج البخاري أو مسلم لجميع رواته: هذا مما أخرجا أو أحدُهما لرجال إسناده, فينبغي أن يُصَحَّحَ هذا الإسنادُ قياسا على ذلك!.
ثالثا: هناك فرقٌ بين من يخرجا له احتجاجا، ومن يخرجا له متابعةً أو استشهادا، فليس من احتجابه فأخرجا له في صَدْر الباب -لا سيما مسلما-، أو ما يدور الحديث عليه، كمن أخرجا له مستشهَدا به، مؤخَّرا عن صدر الباب , أو ثبت الحديث عندهما من غير طريقه.
رابعا: قد يخرجا للرجل عن شيخٍ، ومن طريق شيخٍ معين عنه؛ لِمَا يريانه من استقامة حديث كل من هؤلاء عن الآخرة لمزيد اختصاصٍ به، أو حفظٍ لحديثه، أو غير ذلك من القرائن، وعليه فليس بلازمٍ ولا سائغٍ أن يقال لإسنادٍ ورد فيه هذا الرجل -لكن ليس بذاك النَّسق المشار إليه: هذا على شرطهما.
стр. 713
خامسا: لا يستوي من خرجا له فَأَكْثَرَا، ومن خرجا له حديثا أو حديثين؛ فالإكثار مظنة القوة والاحتجاج، والإقلال بخلافه غالبا.
هذا إجمالٌ وتلخيصٌ يُعرف بشيء من الاستقراء والتتبع، ولتفصيل هذه الأمور وشرح ذلك بأمثلة توضح المقصود منها موضعٌ آخر، كما أشرت آنفًا، ويأتى مزيد بيان في الأمور التالية، واللَّه تعالى الموفق.
* * *
стр. 714
الأمر الثاني: انتقاء البخاري من أحاديث شيوخه المتكلم فيهم
في ترجمة: أحمد بن عبد اللَّه أبي عبد الرحمن الفرياناني من "التنكيل" رقم (٢٣) - وستأتي هنا في المبحث الثاني عند ذكر منهج البخاري في رجال غير "الصحيح".
قال العلامة المعلمي:
"في باب: الإمام ينهض بالركعتين من "جامع الترمذي": قال محمد بن إسماعيل البخاري: (ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه شيئًا؛ لأنه لا يُدرى صحيح حديثه من سقيمه, وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا ...) (١).
فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من سقيمه لا تحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين:
إما أن يكون الراوي ثقة ثبتًا فَيُعرف صحيح حديثه بتحديثه.
وإما أن يكون صدوقًا يغلط ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى؛ كأن يكون له أصولٌ جيدة، وكأن يكون غلطه خاصًّا بجهةٍ؛ كيحيى بن عبد اللَّه ابن بكير، روى عنه البخاري (٢) وقال في "التاريخ الصغير": "ما روى يحيى [ابن عبد اللَّه] بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه"، ونحو ذلك". اهـ.
стр. 715
قال أبو أنس:
نقله ابن حجر في "تهذيبه" (١١/ ٢٣٨)، ومقدمة "الفتح" (ص ٤٧٥) وقال في المقدمة: "فهذا يدلك على أنه ينتقي حديث شيوخه، ولهذا ما أخرج عنه عن مالك سوى خمسة أحاديث مشهورة متابعة (١)، ومعظم ما أخرج عنه عن الليث (٢) ... ". اهـ.
* * *
стр. 716
الأمر الثالث: الرواة المتكلم فيه داخل "الصحيحين "
(١)
شرح العلامة المعلمي أسباب ما أوقع الحاكمَ أبا عبد اللَّه في كتابه "المستدرك" من الخلل والتساهل في التصحيح، وفي وصف الأحاديث بأنها على شرط الشيخين أو أحدهما، وذلك في ترجمة الحاكم من "التنكيل" رقم (٢١٥).
فكان مما ذكر المعلمي قولَ الحاكم في خطبة "المستدرك":
"سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيدَ يحتج محمد ابن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما اللَّه لم يدعيا ذلك لأنفسهما".
فقال: معلقًا:
"لم يُصب في هذا؛ فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة، وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما، وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة".
ثم ذكر المعلمي أن الحاكم توسع معنى قوله: "بأسانيد يحتج ... بمثلها" (١) فبنى على أن في رجال "الصحيحين"، من فيه كلام، فأخرج عن جماعة يعلم أن فيهم كلامًا.
стр. 717
قال:
ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة:
أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضره في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة.
الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك.
ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاصٌّ بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يسمع منه من غير كتابه، أو بما سُمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنةً وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس.
فيُخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح". اهـ.
(٢)
وقال العلَّامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٥٩):
"إذا تدبرنا حال أولئك الثمانين -يعني الذين تُكلم فيهم من رجال البخاري- واستقرأنا ما أخرجه البخاري لهم، اتضح أن الأمر هيِّنٌ، وقد ساق الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" تراجم هؤلاء، وما قيل فيهم من مَدْحٍ وقَدْحٍ، وما أخرجه لهم البخاري، فذكر في أولهم ممن اسمه أحمد: تسعة نفر، اختلف فيهم، وغالبهم من شيوخ البخاري الذين لقيهم واختبرهم.
فثلاثةٌ منهم: اتضح أنهم ثقات، وأن قَدْحَ منْ قَدَحَ فيهم ساقطٌ كما تراه جليًّا في مقدمة "الفتح".
стр. 718
وثلاثةٌ فيهم كلام، وإنما أخرج لكل واحد منهم حديثًا واحدًا متابعةً؛ يروي البخاري الحديثَ عن ثقة أو أكثر، ويرويه مع ذلك عن ذاك المتكلم فيه.
واثنان: رَوى عن كلٍّ منهما أحاديثَ يسيرة متابعة أيضًا.
التاسع: أحمد بن عاصم البلخي، ليس له في "الصحيح" نفسه شيء, ولكن المستملي -أحد رواة "الصحيح" عن الفِرَبْرِي عن البخاري- أدرج في باب رفع الأمانة من الرقاق قوله: قال الفربري: قال أبو جعفر: حَدَّثْتُ أبا عبد اللَّه [البخاري] فقال: سمعت أبا [جعفر] أحمد بن عاصم يقول: سمعت أبا عبيد يقول: قال الأصمعي وأبو عمرو وغيرهما: جذر قلوب الرجال، الجذر الأصل من كل شيء، والوكت أثر الشيء.
هذا هو التحقيق، وإن وقع في "التهذيب"، ومقدمة "الفتح" ما يوهم خلافه، وراجع "الفتح" (١١/ ٢٨٦).
وإِذْ قد عرفتَ حالَ التسعة الأولين، فقِسْ عليهم الباقي، وإن شئت فراجع وابحث، يتضح لك أن البخاري عن اللوم بمنجاة. اهـ.
وقال بعده بقليل:
"رجال البخاري يناهزون ألفي رجل، وإنما وقع الاختلاف في ثمانين منهم، وقد عرفتَ سابقًا حال الثمانين". اهـ.
(٣)
وقال الشيخ في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٨٢):
"لو فرض أن البخاري احتج في "الصحيح" بمن لم يوثقه غيره، فاحتجاجه به في "الصحيح" توثيق وزيادة". اهـ.
* * *
стр. 719
الأمر الرابع: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في "الصحيح" يقتضي ضعْفَهُ أو لِينَهُ عندهما ؟
قد طعن الكوثري في جماعةٍ من الرواة والمحدثين مُحْتَجًّا بأن البخاري -وربما أصحاب الكتب الستة- لم يخرجوا لهم، فشَرَحَ المعلمي بعضَ أسباب ذلك بما لا يقتضي الطعن.
من ذلك:
(١)
قول العلامة المعلمي في ترجمة إبراهيم بن شماس الغازي من "التنكيل" رقم (٦):
أما عدم إخراج البخاري عنه في "صحيحه" فكأنه إنما لقيه مرة؛ فإن إبراهيم كان دائبًا في الجهاد، فلم يسمع منه البخاري ما يحتاج إلى إخراجه في "الصحيح".
وقد أدرك البخاري من هو أكبر من إبراهيم وأعلى إسنادًا، وكم من ثقةٍ ثبتٍ لم يتَّفِقْ أن يخرج عنه البخاري في "صحيحه" وأخرج عمن هو دونه بكثير.
فأما بقية الستة؛ فأبو داود ولد سنة ٢٠٢، فقد أدرك إبراهيم؛ فإن إبراهيم استشهد سنة ٢٢٠، ولكن لعله لم يَلْقَهُ وإنما روى في مسائل مالك عن رجل عنه, على ما يظهر من "التهذيب"، وقد سمع أبو داود جماعةً ممن هو أكبر وأعلى إسنادًا من إبراهيم.
ومسلم ولد سنة ٢٠٤، والباقون بعد ذلك.
стр. 720
وجامعو الكتب الستة يتحرون علوّ الإسناد والاختصار، ولا ينزلون إلا لحاجةٍ، والروايةُ عن إبراهيم قليلةٌ؛ لاشتغاله بالجهاد، ولأنه لم يُعَمَّرْ حتى يُحتاج إليه، وقد رَوى عنه من هو أجَلُّ من أصحاب الكتب الستة كما مرّ (١).
(٢)
وقوله في ترجمة: محمد بن علي بن الحسن بن شقيق رقم (٢٢١):
"من شأنهما -يعني الشيخين- في "الصحيح" أن يتطلبا العلوّ ما وجدوا إليه سبيلًا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفقَ لهما حديثٌ صحيحٌ تشتد الحاجة إلى ذكره في "الصحيح" ولا يقع لهما إلا بنزول، فلم يتفق لهما ذلك هنا، وهذا الرجل سِنُّهُ قريبٌ من سِنِّهِما، فروايتهما عنه نزولٌ.
وهناك وجوهٌ أُخَر لعدم إخراجهما للرجل في "الصحيح"، راجع ترجمة إبراهيم ابن شماس.
ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما، فلم يَعُدُّوا عدمَ إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته، ولا عدم إخراجهما للرجل دليلا على لِينِه (٢).
ومحمد هذا وثقه النسائي، والنسائي ممن قد يفوق الشيخين في التشدد كما نبهوا عليه في ترجته، ووثقه غيره أيضًا.
وروى عنه أبو حاتم وقال: "صدوق" وأبو زرعة، ومن عادته أن لا يروي إلا عن ثقة كما في "لسان الميزان" (٢/ ٤١٦)، وبقي بن مخلد، وهو لا يروي إلا عن ثقة كما مرّ في ترجمة أحمد بن سعد، وابنُ خزيمة, وهو لا يروي في "صحيحه" إلا عن ثقةٍ، واللَّه الموفق". اهـ ..
стр. 721
(٣)
وقوله في ترجمة رجاء بن السندي رقم (٩٢):
"توفي رجاء سنة (٢٣١) فلم يدركه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وأدركوا مِنْ أقرانه ومَنْ هو أكبر منه مَنْ هو مثله أو أعلى إسنادًا منه، فلم يحتاجوا إلى الرواية عن رجلٍ عنه؛ لإيثارهم العلوّ.
وأدركه أبو داود في الجملة؛ لأنه مات وسنّ أبي داود نحو تسع عشرة سنة، ولكنه في بلد غير بلده، فالظاهر أنه لم يلقه.
فأما مسلم فإنه كان له حين مات رجاء نحو لست عشرة سنة، وهو بلديُّه، ويمكن أن يكون سمع منه وهو صغير، فلم ير مسلم ذلك سماعًا لائقًا بأن يعتمده في "الصحيح"، ويمكن أن يكون مسلم تشاغل أول عمره بالسماع ممن هو أسنُّ من رجاء وأعلى إسنادًا، فَفَاتَهُ رجاء.
وأما البخاري فقد ذكر الكمال أنه روى عنه لكن قال المزي: لم أجد له ذكرًا في "الصحيح" (١). فقد لا يكون البخاري لقيه (٢)، وقد يكون لقيه مرة فلم يسمع منه إلا شيئًا عن شيوخه الذين أدرك البخاري أقرانهم فلم يَحْتَجْ إلى النزول بالرواية عن رجاء.
стр. 722
فتحصَّلَ مِنْ هذا أنهم إنا لم يخرجوا عنه إيثارًا للعلوّ من غير طريقه على النزول من طريقه (١). وراجع ترجمة إبراهيم بن شماس.
وقد رَوى عنه الإمام أحمد، وهو لا يروي إلا عن ثقةٍ، كما يأتي في ترجمة محمد بن أعين، وروى عنه أيضًا إبراهيم بن موسى وأبو حاتم وقال: "صدوق". وقال الحاكم: "ركن من أركان الحديث".
(٤)
وقوله في ترجمة: محمد بن معاوية الزيادي رقم (٢٣٤):
"قد قدَّمْنا مِرارًا أن كونَهم -يعني الأئمة الستة- لم يخرجوا للرجل، ليس بدليل على وَهَنِه عندهم، ولاسيما مَنْ كان سنُّهُ قريبًا من سِنِّهم وكان مقلا كهذا الرجل، فإنهم كغيرهم من أهل الحديث إنا يُعنون بعلوّ الإسناد، ولا ينزلون إلا لضرورة.
وقد روى النسائي عن هذا الرجل في "عمل اليوم والليلة" وقال في مشيخته: "أرجو أن يكون صدوقًا، كتبت عنه شيئًا يسيرًا" وإنما قال: "أرجو ... "؛ لأنه إنما سمع منه شيئًا يسيرًا ولم يتفرغ لاختباره؛ لاشتغاله بالسعي وراء مَنْ هُم أعلى منه إسنادًا ممن هم في طبقة شيوخ هذا الرجل ... ".
(٥)
وقوله في ترجمة: إسماعيل بن عرعرة رقم (٥١):
"قد يكون الرجلُ ثقةً مقلا من الرواية، إنا يروي قليلا من الحكايات، فلا يعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست".
стр. 723
(٦) - (٧)
انظر ترجمتي: أحمد بن الحسن الترمذي رقم (١٤)، وترجمة عامر بن إسماعيل البغدادي رقم (١١٥) من "التنكيل".
قاله أبو أنس:
قد لخَصَّ الشيخُ المعلمي القولَ في هذا المبحث بقوله آنفًا:
"لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما -يعني الشيخين- فلم يَعُدُّوا عدمَ إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته, ولا عدم إخراجهما للرجل دليلا على لِينِه".اهـ.
فأقول:
هذا الكلام فيه تفصيلٌ لابدَّ منه، وذلك أن الملاحظ في النماذج التي سبق جواب الشيخ المعلمي عن عدم إخراج الشيخين لأصحابها، إنما هو لأسباب لا تتعلق بلِينِ الراوي ونحوه, إنما هو لعدم الاحتياج لما عند الراوي، لاسيما إذا كانت روايتهما عنه بنزول، مع الاستغناء عما عنده حينئذ بطرق أخرى عالية، وهذا واضحٌ وسائغٌ جدًّا في طبقة أصحاب الكتب الستة -لاسيما الشيخين- أو طبقة شيوخهم، وهو جل النماذج السابقة.
أما الطبقات المتقدمة, فالراوي إذا كان معروفًا، وروى أحاديثَ لا توصف بالندرة، ومنها ما هو في أبواب يُحتاج إليها، وظهر الاحتياج لما عنده حينئذ لضيق مخارجه أو قلة طرقه، أو وضوح متنه في بابه، أو نحو ذلك من مُهمات الإسناد أو المتن، فعدمُ إخراج صاحبي "الصحيح" لمثل هذا -مع ما وصفنا- يُعد إعراضا عنه وعما عنده من الحديث.
стр. 724
نعم، هذا لا يلزمُ منه توهينُ الراوي -إلا أن يصرحا بضعفه، أو يتفق الأئمة على ذلك- ولكن يدل ذلك على أنهما لم يرياه صالحا للاحتجاج، ولا ما عنده ناهضا للاستشهاد.
وقد دَأَبَ غيرُ واحد من المحققين على غمز الراوي -لا سيما المختلف فيه- بعدم إخراج صاحبي "الصحيح" له، تدعيما لمن ضعفه على من أَجمل فيه القولَ.
من هؤلاء: البيهقي، فقد ذكر ذلك في جماعة من الرواة في كتابه "السنن الكبرى".
قاله في: عبد خير (١/ ٢٩٢)، وداود بن عبد اللَّه الأودي (١/ ١٩٠)، وقيس بن عباية (٢/ ٥٢)، والأجلح بن عبد اللَّه (١٠/ ٢٦٧) (١).
قال في كُلٍّ من هؤلاء: لم يحتج به صاحبا "الصحيح".
وخليد بن جعفر (٦/ ٧١) قال فيه: لم يحتج به محمد بن إسماعيل البخاري في كتاب "الصحيح"، وأخرج مسلم بن الحجاج حديثه الذي يرويه مع المستمر بن الريان عن أبي نضرة عن أبي سعيد في المسك وغيره. اهـ.
ولخليد هذا في صحيح مسلم ثلاثة أحاديث: أحدها هذا الذي أشار إليه البيهقي، وهو برقم (٢٢٥٢) مقرون بالمستمر بن الريان. والثاني برقم (١٧٣٨) وقد أعقبه أيضًا بمتابعة المستمر بن الريان عن أبي نضرة. والثالث برقم (٢٣٤١) من رواية شعبة عنه عن أبي إياس عن أنس أنه سئل عن شيب النبي ﷺ ، فقال: ما شانه اللَّه ببيضاء. أخرجه في آخر باب شيب النبي ﷺ ، وقد قدَّم عليه حديث أنس من طرق أخرى أصح من هذه، وفيها قول أنس أن النبي ﷺ كان به شعرات قليلة بيضاء.
وسيأتي مزيدُ بيانٍ لإخراج صاحبي "الصحيح" للرجل في الشواهد ونحوها دون الأصول، وذلك في الأمر التالي، واللَّه الموفق.
стр. 725
الأمر الخامس: هل عدم إخراج الشيخين للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عندهما ؟
سبق في المطلب الثالث عند شرح العلامة المعلمي لأسباب الخلل والتساهل الواقعَيْن في "مستدرك" الحاكم، أن الحاكم توسَّع في الإخراج عن جماعة من الرواة المتكلم فيهم مقارنةً ومشابهةً بمن أُخرج لهم في "الصحيحن" ممن تُكلم فيهم كذلك.
وبيَّن الشيخُ المواضعَ التي إنما يخرج فيها صاحبا "الصحيح" لمن فيه كلام، فذكر ثلاثة مواضع:
الثاني منها:
أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يُحتج به مقرونًا، أو حيث تابعه غيره، ونحو ذلك. اهـ.
وكذلك سبق في المثالين الأول والثاني من تطبيقاته على منهج البخاري وشرطه في رجال "صحيحه" أنه نصَّ على انتفاء وصف الرجل بأنه على شرط "الصحيح" بإطلاق، محتجًّا بأن البخاري -ومسلمًا- إنما أخرجا له متابعة، أو أن الحديث ثبت عندهما من طريق غيره، وذلك عند الكلام على كُلٍّ من: محمد بن حِمْيَر الحمصي - وراجع تعليقي هناك وقولِ الحافظ ابن حجر: إنه إنما أُخرج له في "الصحيح" في المتابعات لا في الأصول، وكذا عند الكلام على بكر بن عمرو المصري.
وذكر الشيخ في حاشيته على "الفوائد المجموعة" (ص ٣٥١) أن الطبقة الثانية من طبقات المدلسين - على تقسيم ابن حجر، وهي طبقة من احتمل الأئمة تدليسه
стр. 726
وأخرجوا له في "الصحيح"- لا تُقبل عنعنتهم مطلقًا كمن ليس بمدلس البتة، وإنما المعنى أن الشيخين انتقيا في المتابعات ونحوها من معنعناتهم ما غلب على ظنهما أنه سماع، أو أن الساقط منه ثقة، أو كان ثابتًا من طريق أخرى، ونحو ذلك، كشأنهما فيمن أخرجا له ممن فيه ضعف. اهـ.
قال أبو أنس:
قد استفاض هذا المعنى في كلام العلامة المعلمي، وقد سبقه إليه غير واحد من المحققين، وقد اعتمد الحافظ ابن حجر في جوابه عن كثير من الرواة المتكلم فيهم داخل "الصحيح" على أنهم ما احتج بهم البخاري في الأصول، وإنما أخرج لهم في المتابعات والشواهد، وذلك في الفصل التاسع من مقدمة "الفتح" (ص ٤٠٣) بل وكتب عنوانه: "الفصل التاسع: في سياق أسماء من طُعن فيه من رجال هذا الكتاب مرتبًا على حروف المعجم، والجواب عن الاعتراضات موضعًا موضعًا، وتمييز من أَخرج له منهم في الأصول أو في المتابعات والاستشهادات مفصلا لجميع ذلك".
لكن قد مال الشيخ المعلمي في دفاعه عن حماد بن سلمة من "التنكيل" رقم (٨٥) إلى خلاف ما قرره في غير موضع من منهج البخاري في تفريقه بين من يخرج له في الأصول محتجًّا به، ومن يخرج له على غير ذلك.
فقال هناك: "استشهد به البخاري في مواضع من "الصحيح" (١)، فأما عدم
стр. 727
إخراجه له في الأصول فلا يوجب أن يكون عنده غيرَ أهلٍ لذلك، ولذلك نظائر؛ هذا سليمان بن المغيرة الذي تقدم أنه من أثبت الناس في ثابت، وأنه أثبت فيه من حماد بن زيد، وقد ثَبَّتَه الأئمة جدًّا، قال أحمد: "ثبت ثبت"، وقال ابن معين: "ثقة ثقة" والثناء عليه كثير، ولم يغمزه أحد، ومع ذلك ذكروا أن البخاري لم يحتج به ولم يخرج له إلا حديثًا واحدًا مقرونًا بغيره ... " (١).
قال أبو أنس:
هذا قياسٌ مع الفارق؛ فأين مَنْ ثَبَّتَهُ الأئمة ووثقوه لإطلاق، ولم يغمزه أحد منهم بشيء، بمن ذكروه بسوء الحفظ وكثرة الخطأ، ولم يثبتوه إلا في روايته عن ثابت وحميد، ومع ذلك فقد خطئوه في عدة مواضع من روايته عنهما كما يُعلم بالنظر في كتب العلل.
والمقصود أن عدم إخراج البخاري لسليمان بن المغيرة في الأصول أو عدم احتجاجه به لا يمكن أن يكون لسبب يتعلق بعدالة سليمان أو ضبطه؛ للإجماع على ثقته وإتقانه، وإنما هو لأسباب خارجة عن ذلك؛ كأن يكون استغنى برواية غيره فيما احتاج إلى إيراده من الأحاديث لأغراضٍ ربما تتعلق بالإسناد أو المتن.
أما حماد بن سلمة، فالدلائلُ على خِفَّةِ ضبطه، والأوهامِ التي استفاضَ عن النقادِ وقوعُه فيها، جديرٌ ذلك بأن يكون هو سبب إعراضِ البخاري عن الاحتجاج به.
فالدفاع عن حماد بحمل صنيع البخاري معه على أنه لم يقصد الإعراض عن الاحتجاج به -استدلالا بصنيعه مع سليمان بن المغيرة- فيه نظر كبير، واللَّه تعالى أعلم.
* * *
стр. 728
المطلب الثاني: فيما يتعلق بالمتون
وفيه ستة أمور:
الأمر الأول
من منهح البخاري في ترتيب أحاديث الباب
ذكر الشيخ المعلمي في المسألة الرابعة عشرة من الجزء الثاني من "التنكيل" -وهي مسألة: "تُقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا"- حديثَ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وذكر اختلاف الرواة فيه عن هشام سندًا ومتنًا (١).
قال: وأما المتن فعلى ثلاثة أوجه:
الأول (٢): ما رواه البخاري، عن عثمان بن أبي شيبة, عن عبدة، عن هشام عن أبيه، عن عائشة: "أن يد السارق لم تُقطع على عهد النبي ﷺ إلا في مِجَنِّ حَجَفَةٍ أو تُرس".
ثم روى البخاري، عن عثمان أيضًا، عن حميد: "ثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة" مثله.
стр. 729
الثاني (١): ما رواه البخاري، عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "لم تكن تُقطع يدُ السارق في أدنى من حجفة أو ترس، كل واحد منهما ذو ثمن" (٢).
الثالث (٣): رواه البخاري: حدثني يوسف بن موسى، ثنا أبو أسامة, قال: هشام ابن عروة أخبرنا، عن أبيه، عن عائشة، قالت: "لم تُقطع يدُ سارقٍ على عهد النبي ﷺ في أدنى من ثمن المجن: ترسٍ أو حجفةٍ, وكان كل منهما ذا ثمن".
فالأول: مداره على عثمان بن أبي شيبة، عن عبدة، وعن حميد، وقد خولف عن كل منهما.
فرواه مسلم في "صحيحه" عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير، عن حميد بسنده: "لم تُقطع يدُ سارقٍ في عهد النبي ﷺ في أقل من ثمن المجن حجفة أو ترس وكلاهما ذو ثمن". وهذا على الوجه الثالث كما ترى.
ورواه البيهقي في "السنن" (٨/ ٢٥٦) من طريق هارون بن إسحاق، عن عبدة بسنده: "لم تكن يدٌ تُقطع على عهد رسول اللَّه ﷺ في أدنى من ثمن مجن حجفة أو ترس".
وهذا على الوجه الثاني كما ترى.
وبهذا بانَ ضعفُ الوجهِ الأول، بل ظاهره باطل؛ لأنه يعطي أن القطع لم يقع على عهد النبي ﷺ إلا مرة واحدة في ذاك المجن، وقد ثبت قطع سارق رداء صفوان الذي كانت قيمته ثلاثين درهمًا، وثبت قطع يد المخزومية التي كانت تستعير الحلي ثم تجحدهُ.
стр. 730
وأما الوجه الثاني فقد اختلف على عبدة كما رأيت، وكذلك اختلف على ابن المبارك، رواه النسائي عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: "لم تقطع يد سارق في أدنى من حجفة أو ترس، وكل واحد منهما ذو ثمن".
وهذا على الوجه الثالث كما ترى، فبانَ رجحانُ الوجه الثالث؛ لأنه رواه عن هشام: أبو أسامة ولم يختلف عليه فيه، ورواه ابن نمير، عن حميد، عن هشام، وابنُ نمير أثبتُ من عثمان بن أبي شيبة، ورواه سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام. وقد رجح الشيخان والنسائي الوجهَ الثالث.
أما البخاري فساقها على هذا الترتيب، ثم عَقَّبَ بحديث ابن عمر (١)، فأشار -واللَّه أعلم- بالترتيب إلى ترتيبها في القوة، فالثاني أقوى من الأول، والثالث أرجح منهما.
أو قُلْ: أشار إلى أن الثاني يُفَسِّرُ الأولَ من وجهٍ، والثالث (٢) يفسرهما جميعًا.
وأشار بالتعقيب بحديث ابن عمر إلى أن هذا الحديثَ وحديثَ ابن عمر عن واقعة واحدة؛ فعائشة حفظتْ أَنَّ أقلَّ ما قطع فيه النبي ﷺ هو ذاك المجن ولم تذكر قيمته، وابن عمر حفظ قيمته، ولم يذكر أنه أقل ما قطع النبي ﷺ فيه.
وأما مسلم (٣) فصدَّرَ بحديثه عن محمد بن عبد اللَّه بن نمير وساقه بتمامه، وهو على الوجه الثالث كما مرَّ، ثم قال:
стр. 731
حدثنا عثمان بن أبي شيبة أخبرنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن ح وثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان ح.
وثنا أبو كريب ثنا أبو أسامة كلهم عن هشام بهذا الإسناد نحو حديث ابن نمير عن حميد بن عبد الرحمن، وفي حديث عبد الرحيم وأبي أسامة: (وهو يومئذ ذو ثمن). اهـ.
فحمل سائر الروايات على حديث ابن نمير، وهو على الوجه الثالث كا مَرَّ، ولم يَعْتَدَّ بمخالفة بعضها له في الأوجه المذكورة، مع اعتداده بالاختلاف في قول ابن نمير: "وكلاهما ذو ثمن" وقولِ عبد الرحيم وأبي أسامة: "وهو يومئذ ذو ثمن"، ثم عَقَّبَ ذلك مسلم بحديث ابن عمر.
وأما النسائي (١) فإنه مع تصدِّيه لجميع الروايات في ذكر المجن، لم يَسُقْ من طرق حديث هشام المذكور إلا رواية سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن هشام، وهي على الوجه الثالث. اهـ.
قال أبو أنس:
تحقيق العلامة المعلمي لترتيب البخاري أحاديث هذا الباب تحقيقٌ بديعٌ، والأمر بحاجة إلى بحثٍ مستقل؛ للنظر: هل هذا المنهج يَطّردُ في نظائره من "الجامع الصحيح"، أم أن لكل موضع تحقيقًا خاصًّا بحسب القرائن المحتفة به؟ وانظر ما يأتي من تعليقي عقب الأمر الثاني.
* * *
стр. 732
الأمر الثاني
من منهج البخاري في إخراج الحديث في باب دون باب
(١)
روى البخاري في "صحيحه"، كتاب الرقاق، باب التواضع، حديث رقم (٦٥٠٢) عن محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إن اللَّه قال: من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبّ إليَّ مما افترضته عليه ... ".
ذكر الشيخ المعلمي هذا الحديثَ في "الأنوار الكاشفة" (ص ١٩٣)، فقال:
هذا الخبر نظر فيه الذهبي في ترجمة خالد بن مخلد من "الميزان" (١) وابن حجر في "الفتح"؛ لأنه لم يُرو عن أبي هريرة إلا بهذا السند الواحد: محمد بن عثمان بن كرامة، حدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، حدثني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة.
ومثل هذا التفرد يريب في صحة الحديث، مع أن خالدًا له مناكير، وشريكًا فيه مقال.
стр. 733
وقد جاء الحديثُ بأسانيدَ فيها ضعف من حديث علي، ومعاذ، وحذيفة، وعائشة، وابن عباس، وأنس، فقد يكون وقع خطأٌ لخالد أو شريك؛ سمع المتن من بعض تلك الأوجه الأخرى المروية عن علي أو غيره ممن سلف ذكره، وسمع حديثًا آخر بهذا السند، ثم التبسا عليه, فغلط فروى هذا المتن بسند الحديث الآخر ... وإلا فهو من جملة الأحاديث التي تحتاج ككثير من آيات القرآن إلى تفسير، وقد فَسَّرَهُ أهلُ العلم بما تجده في "الفتح"، وفي "الأسماء والصفات" (ص ٣٤٥ - ٣٤٨).
وقد أومأ البخاري إلى حالِهِ فلم يخرجه إلا في باب "التواضع" من كتاب "الرقاق". اهـ.
(٢)
في المسألة الحادية عشرة من الجزء الثاني من "التنكيل" وهي: "للراجل سهم من الغنيمة وللفارس ثلاثة؛ سهم له وسهمان لفرسه".
ذكر الشيخ المعلمي مَنْ وقع عليه من الرواة لهذا الحديث عن عبيد اللَّه بن عمر ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، حتى بلغ الثامن: زائدة بن قدامة عند البخاري في "صحيحه" في غزوة خيبر (١)، رواه البخاري، عن الحسن بن إسحاق، عن محمد بن (سابق، عن) (٢) زائدة (٣) ... "قسم رسول اللَّه ﷺ يوم خيبر للفرس: سهمين، وللراجل: سهمًا. فسَّرَهُ نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم".
стр. 734
وهذا التفسير يدل أن الصواب في المتن "للرجل" لكن وقع في نسخ "الصحيح" كما رأيت.
وزائدة متقن، لكن شيخ البخاري ليس بالمشهور، ومحمد بن سابق، قال ابن حجر في ترجمته من الفصل التاسع من مقدمة "الفتح":
وثقه العجلي، وقوَّاهُ أحمد بن حنبل، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة, وليس ممن يوصف بالضبط, وقال النسائي: لا بأس بمع وقال ابن أبي خيثمة, عن ابن معين: ضعيف.
قلت: ليس له في البخاري سوى حديث واحد في "الوصايا" ... وقد تابعه عليه عبيد اللَّه بن موسى. اهـ.
كذا قال، وفاتَهُ هذا الحديثُ، وعُذْرُ البخاري أنه رأى أنَّ الوهْمَ في هذا الحديث يسيرٌ يجبرهُ التفسيرُ.
ومع ذلك فلم يذكرْهُ في باب: "سهمان الخيل" وإنما ذكره في: "غزوة خيبر". اهـ.
قال أبو أنس:
تحقيق الشيخ المعلمي لقضية "الترتيب" -هنا وفي ترجمة مسلم كما سيأتي- و"إخراج الحديث في باب دون باب" يقتضي أمرا مهمًّا، نَدَر من يتعرض له، ألا وهو:
أن صاحبي "الصحيح" قد يخرجان في كتابيهما بعض الأحاديث التي ليست في الدرجة العليا من الصحة، ولا يخرجانها بقصد تصحيح متونها أو بعض ألفاظٍ فيها، بل لِيُنَبِّها على وهم يقع فيها من بعض الرواة, وهذا التنبيه يأخذ أشكالا متعددة, يعرفها الممارسُ، ويغفل عنها من لم يوفق لها، فينتقد تلك الأحرف على صاحبي "الصحيح"، وما أُتِي إلا من عدم التفاته لاصطلاحهما في ذلك، كما سيشير إليه الشيخ المعلمي في الأمر التالي.
стр. 735
وهذا فهم دقيقٌ، تَدْعَمُه الممارسَةُ المَرِنَةُ للصحيحين، وهو سبيلٌ لم يُطْرَقْ بالقَدْر الكافي من المحققين.
وهذه الأحرف المشار إليها، والتي يعرفها الحذاق من أهل الاختصاص، لا تُعكر على أصل وضع "الصحيح" كما يتوهمه أكثر المعترضين، بل هي كالفوائد والنِّكات الإسنادية والمَتْنِيَّة، لم ير الشيخان إخلاءَ الكتابين منها، وهي دليلُ البراعة والتمكن، خلافا لمن لم يقبل ذلك، فعاد عليهما بالانتقاد والتناقض أحيانا.
ويبقى أن لكلٍّ من صاحبي "الصحيح" طريقته في سَوْق وعرض تلك الفوائد، يحتاج كل منهما إلى أن يُفرد بالبحث، للاقتراب من التصور المقبول لذلك.
وأنا أسوق في هذا القسم بعضَ النماذج التي تُلاحظُ بممارسة الصحيحين، أَعرضها على الباحثين للنظر في مدلولاتها، عسى أن تصلح نواةً لهذا المبحث، ودَرءا لما يكون أحيانا سببًا في توجيه نَقْدٍ أو رَمْي بنقصٍ لأحدهما.
أما البخاري فهناك ثلاثة نماذج نستعرضها للتأمل فيها، وأما مسلم فنؤخره إلى ترجمته:
النموذج الأول:
في باب: الأكفاء في الدِّين، من كتاب النكاح:
قال البخاري (٥٠٨٩): حدثنا عبيد بن إسماعيل، حدثنا أبو أسامة, عن هشام، عن أبيه, عن عائشة قالت: دخل رسول اللَّه ﷺ على ضباعة بنت الزبير فقال لها: لعلك أردت الحج. قالت: واللَّه لا أجدني إلا وجعة. فقال لها: حجي واشترطي، قولي: اللهم محلي حيث حبستني، وكانت تحت المقداد بن الأسود. اهـ.
стр. 736
فأقول:
هذا الحديث يشتمل على قصة ضباعة بنت الزبير، وهي أصح وأشهر ما يُستدل به على قضية الاشتراط في الحج، وحديثها معروفٌ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، لكن اختلف على هشام فيه وصلا وإرسالا.
وقد أخرجه مسلم (١٢٠٧) وصَدَّرَ به الباب من طريق أبي أسامة موصولا كما أخرجه البخاري، ثم خرجه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.
وأعقبه برواية عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ثم خرجه من طرق عن ابن عباس، وأرسله ابن عيينة عن هشام، فلم يذكر عائشة في الإسناد، ولذا فقد تردد الشافعي فيه فقال: لو ثبت حديث عروة لم أَعْدُهُ إلى غيره.
وفي الحديث بحثٌ ليس هذا محله, انظر "الفتح" (٤/ ١٢).
والمقصود هنا أن مقتضى صنيع البخاري في "صحيحه" أنه لا يرى الاشتراط في الحج، ففي باب: الإحضار في الحج من كتاب المحصر (٤/ ١١ - فتح) لم يخرج البخاري سوى حديث ابن عمر، وابن عمر معروف أنه كان ينكر الاشتراط، ويقول: "أليس حسبكم سنة رسول اللَّه ﷺ ، إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ...
قال ابن حجر: أشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس.
أما حديث عائشة، فالقدر المقصود منه هو قوله: وكانت -يعني ضباعة- تحت المقداد بن الأسود - كما في "الفتح" (٩/ ٣٨) فهو المراد للتبويب المذكور، فقد كانت ضباعة فوق المقداد في النسب، ولم يمنع ذلك من زواجه منها.
стр. 737
وصار ما ذكر في هذا الحديث من الاشتراط لا يراه البخاري حجة؛ لما سبق من الخلاف الواقع في إسناده، ولو كان يراه حجة لخرجه في باب الإحصار في الحج على سبيل اختلاف النصوص أو نحو ذلك، وهو أليقُ مكانٍ به.
لكنه نبَّه بإخراجه في كتاب النكاح إلى أنه -على الأقل- متوقف عن الحكم بمقتضاه فيما يتعلق بالاشتراط، وخرج في باب الإحصار من حديث ابن عمر ما يدل على خلاف مقتضاه، مكتفيًا بذلك، وهذا واضح بحمد اللَّه.
فالبحث هنا إنما هو في تصرف البخاري في أبوابه , وما يخرج فيها من الأحاديث؛ لتوافق رأيه وما ذهب إليه من الأحكام، لا مجرد إخراج الحديث بين دفتي "الصحيح"، بغض النظر عن ملابسات ومناسبات الأبواب؛ لأن من المعروف أن فقه البخاري في تراجم أبوابه.
والمتخصص إذا عزا حديثا للصحيحين؛ فحري به أن يذكر الباب الذي خرج فيه الحديث؛ ليلتفت الناظر إلى ما قد يدعوه إلى مطالعة الكتاب بنفسه.
ومثاله هنا: مَن أراد الاستدلال على قضية الاشتراط في الحج مثلا، فليس من الإنصاف مع البخاري و"صحيحه"، بل لا يُستبعد وصفُ ذلك بالقُصور المبعد عن حقيقة الحال أن يُعزى حديثُ أبي أسامة هذا إلى البخاري بإطلاق، دون التنبيه على كيفية إخراجه له، فأما إذا عزاه على النحو المذكور، ثم خالفَ البخاريَّ في نقده للحديث، فهذا أمر آخر، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل.
النموذج الثاني:
في باب: الرطب والتمر من كتاب الأطعمة (٩/ ٤٧٧ - فتح).
أخرج البخاري (٥٤٤٣) حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري
стр. 738
إلى الجذاذ ... ، فجاءني اليهودي عند الجذاذ، ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل، فيأبى، فأخبر بذلك النبي ﷺ ... فقمتُ، فجئتُ بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي ﷺ ، فأكل ...
فأقول:
في هذا الحديث قضيتان، قد استشكلهما بعضُ المحققين:
أولهما: أن فيه أن قصة دعاء النبي ﷺ في النخل بالبركة كانت فيما كان على جابر من الدَّيْن، وإنما المحفوظ المعروف أنها كانت فيما كان على والد جابر.
هكذا أخرجه البخاري في غير موضع موصولا ومعلقا في مواضعه المعهودة, منها (٢٣٩٥)(٢٦٠١)(٢٧٨١)(٣٥٨٠)(٤٠٥٣).
القضية الثانية: أن في هذا الحديث "السَّلف إلى الجذاذ" وهذا لا يقول به البخاري ولا يجيزه هو، هكذا قال الإسماعيلي، كما نقله عنه ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٤٧٩)، وهذا واضح جدًّا؛ فقد اعتمد البخاري في كتاب السَّلَم من "صحيحه" (٤/ ٥٠٠): "السَّلَم إلى أجل معلوم" لم يذكر غيره، وهو الموضع اللائق بكل ما يتعلق بـ: "السَّلَم" شريطة أن تكون النصوص يراها البخاري حُجة في بابها، بغض النظر عن رجحان بعضها على بعض لأسباب خارجة عن صحتها في نفسها.
فإذا أبعد البخاري حديث إبراهيم هذا عن كتاب السَّلَم، مع اشتماله على ما هو صريح في بابه، ووضعه في كتاب آخر لأجل ما فيه من أكل "الرطب"، فإن ذلك يدل للمتأمل أن البخاري لا يرى أن عبارة: "كان يسلفني في تمري إلى الجذاذ" محفوظة، وهذه إشارةٌ بديعةٌ، لا تصدر إلا من مثل البخاري في براعته، فإذا أراد أحدهم أن يستدل لمن يقول بالسلم إلى الجذاذ بتصحيح البخاري هذا الحديث، محتجا بأنه مخرج في "الصحيح"، لكان هذا محل نظر كبير وتعجب طويل.
стр. 739
نعم، يمكن أن يُختلف مع البخاري، أو يخالِف في ذلك مَنْ يرى من المحققين صحةَ الحديث بلفظه وسياقه هذا، متجشما تأويله وتوجيهه.
فبينما ذهب الإسماعيلي -ومثله ابن التين- إلى شذوذ هذه الرواية لما فيها من جعل الدَّيْن لجابر وليس لوالده، دفع ذلك ابنُ حجر بتعدد القصة، وأنه لا مانع من وقوعها لدَيْن جابر ودَيْن أبيه.
وكذلك قول الإسماعيلي: السَّلَف إلى الجذاذ مما لا يجيزه البخاري وغيره، فقد ذهب ابن حجر إلى أنه وقع في الاقتصار على الجذاذ اختصار، وأن الوقت كان في أصل العقد معيَّنًا.
نتجاوز هنا القضية الأولى لقبولها الأخذ والرد والاحتمال، أما القضية الثانية فقد اتفق ابن حجر مع الإسماعيلي على أن لفظ "السَّلم إلى الجذاذ" لا يصح، ولا يُراد مدلولُه، وأوَّلَهُ ابن حجر بأنه لفظٌ "مختصر" عن أصل كلام العقد، ولا يخفى على الحافظ ابن حجر أن "الاختصار" -لو كان هو الواقع هنا- هو أحد مداخل الخلل وأسباب التعليل التي يُعِلُّ بها النقادُ أحيانا بعضَ المتون، وهو منتشر في كلامهم، فثبت الاتفاق بين المُنْكِر والمؤَوِّل على أن هذا اللفظ غير موافق لواقع الحال، فهو خطأ.
وهذا هو المراد لمن تأمل هذا الموضع: أن البخاري خرج هذا الحديث في كتاب الأطعمة، وهو لا يرى أن جميعَ لفظه محفوظ، بل أراد أن يضرب بسهم واحد غرضين:
الأول: الاستفادة من اشتماله على أكل الرطب وحده, وقد بوَّب قبله على أكل القثاء بالرطب.
الثاني: الإشارة إلى ما وقع في رواية إبراهيم بن أبي ربيعة هذا من الأوهام في متنه.
стр. 740
وإبراهيم هذا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وليس هو بالمحل الذي يُقبل منه تفرده بهذين المعنيين المذكورين، فإنه لم يوثق توثيقا يعتد به، وهو مقل من الحديث، واللَّه تعالى الموفق للصواب.
النموذج الثالث:
في باب: المسح على الخفين (١/ ٣٦٥ فتح):
أخرج البخاري أولا حديث سعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة في المسح على الخفين، ثم أخرج (٢٠٤) حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين.
قال البخاري: وتابعه حرب بن شداد وأبان عن يحيى، ثم أخرجه (٢٠٥) من طريق ابن المبارك، أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه.
قال: وتابعه معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو، قال: رأيت النبي ﷺ ... اهـ. فلم يذكر جعفرا في الإسناد.
فأقول:
المتأمل يلاحظ أن البخاري لم يبوب على المسح على العمامة، وإنما أورد رواية الأوزاعي تحت باب المسح على الخفين، فهل ذكر العمامة في هذا الحديث محفوظ عنده؟
إن كانت الإجابة: نعم؛ لأنه خرجها، وذكر متابعة معمر للأوزاعي عن يحيى، فقد يقال: لِمَ لَمْ يبوب عليها بابا مستقلا: "المسح على العمامة"، وهو الذي يترجم بأدق من هذا بكثير، وأبواب المسح على العمامة مما اعتنى بذكرها الأئمة، فكان حري به أن يخرجها في بابها إذًا؟