← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

فأقول: هذا الحديث يشتمل على قصة ضباعة بنت الزبير، وهي أصح وأشهر ما يُستدل به على قضية الاشتراط في الحج، وحديثها معروفٌ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، لكن اختلف على هشام فيه وصلا وإرسالا. وقد أخرجه مسلم (١٢٠٧) وصَدَّرَ به الباب من طريق أبي أسامة موصولا كما أخرجه البخاري، ثم خرجه من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به. وأعقبه برواية عبد الرزاق، عن معمر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، ثم خرجه من طرق عن ابن عباس، وأرسله ابن عيينة عن هشام، فلم يذكر عائشة في الإسناد، ولذا فقد تردد الشافعي فيه فقال: لو ثبت حديث عروة لم أَعْدُهُ إلى غيره. وفي الحديث بحثٌ ليس هذا محله, انظر "الفتح" (٤/ ١٢). والمقصود هنا أن مقتضى صنيع البخاري في "صحيحه" أنه لا يرى الاشتراط في الحج، ففي باب: الإحضار في الحج من كتاب المحصر (٤/ ١١ - فتح) لم يخرج البخاري سوى حديث ابن عمر، وابن عمر معروف أنه كان ينكر الاشتراط، ويقول: "أليس حسبكم سنة رسول اللَّه ﷺ ، إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا ... قال ابن حجر: أشار ابن عمر بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عباس. أما حديث عائشة، فالقدر المقصود منه هو قوله: وكانت -يعني ضباعة- تحت المقداد بن الأسود - كما في "الفتح" (٩/ ٣٨) فهو المراد للتبويب المذكور، فقد كانت ضباعة فوق المقداد في النسب، ولم يمنع ذلك من زواجه منها.

стр. 737

وصار ما ذكر في هذا الحديث من الاشتراط لا يراه البخاري حجة؛ لما سبق من الخلاف الواقع في إسناده، ولو كان يراه حجة لخرجه في باب الإحصار في الحج على سبيل اختلاف النصوص أو نحو ذلك، وهو أليقُ مكانٍ به. لكنه نبَّه بإخراجه في كتاب النكاح إلى أنه -على الأقل- متوقف عن الحكم بمقتضاه فيما يتعلق بالاشتراط، وخرج في باب الإحصار من حديث ابن عمر ما يدل على خلاف مقتضاه، مكتفيًا بذلك، وهذا واضح بحمد اللَّه. فالبحث هنا إنما هو في تصرف البخاري في أبوابه , وما يخرج فيها من الأحاديث؛ لتوافق رأيه وما ذهب إليه من الأحكام، لا مجرد إخراج الحديث بين دفتي "الصحيح"، بغض النظر عن ملابسات ومناسبات الأبواب؛ لأن من المعروف أن فقه البخاري في تراجم أبوابه. والمتخصص إذا عزا حديثا للصحيحين؛ فحري به أن يذكر الباب الذي خرج فيه الحديث؛ ليلتفت الناظر إلى ما قد يدعوه إلى مطالعة الكتاب بنفسه. ومثاله هنا: مَن أراد الاستدلال على قضية الاشتراط في الحج مثلا، فليس من الإنصاف مع البخاري و"صحيحه"، بل لا يُستبعد وصفُ ذلك بالقُصور المبعد عن حقيقة الحال أن يُعزى حديثُ أبي أسامة هذا إلى البخاري بإطلاق، دون التنبيه على كيفية إخراجه له، فأما إذا عزاه على النحو المذكور، ثم خالفَ البخاريَّ في نقده للحديث، فهذا أمر آخر، واللَّه الهادي إلى سواء السبيل. النموذج الثاني: في باب: الرطب والتمر من كتاب الأطعمة (٩/ ٤٧٧ - فتح). أخرج البخاري (٥٤٤٣) حديث إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي ربيعة، عن جابر بن عبد اللَّه قال: كان بالمدينة يهودي، وكان يسلفني في تمري

стр. 738

إلى الجذاذ ... ، فجاءني اليهودي عند الجذاذ، ولم أجد منها شيئا، فجعلت أستنظره إلى قابل، فيأبى، فأخبر بذلك النبي ﷺ ... فقمتُ، فجئتُ بقليل رطب، فوضعته بين يدي النبي ﷺ ، فأكل ... فأقول: في هذا الحديث قضيتان، قد استشكلهما بعضُ المحققين: أولهما: أن فيه أن قصة دعاء النبي ﷺ في النخل بالبركة كانت فيما كان على جابر من الدَّيْن، وإنما المحفوظ المعروف أنها كانت فيما كان على والد جابر. هكذا أخرجه البخاري في غير موضع موصولا ومعلقا في مواضعه المعهودة, منها (٢٣٩٥) (٢٦٠١) (٢٧٨١) (٣٥٨٠) (٤٠٥٣). القضية الثانية: أن في هذا الحديث "السَّلف إلى الجذاذ" وهذا لا يقول به البخاري ولا يجيزه هو، هكذا قال الإسماعيلي، كما نقله عنه ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٤٧٩)، وهذا واضح جدًّا؛ فقد اعتمد البخاري في كتاب السَّلَم من "صحيحه" (٤/ ٥٠٠): "السَّلَم إلى أجل معلوم" لم يذكر غيره، وهو الموضع اللائق بكل ما يتعلق بـ: "السَّلَم" شريطة أن تكون النصوص يراها البخاري حُجة في بابها، بغض النظر عن رجحان بعضها على بعض لأسباب خارجة عن صحتها في نفسها. فإذا أبعد البخاري حديث إبراهيم هذا عن كتاب السَّلَم، مع اشتماله على ما هو صريح في بابه، ووضعه في كتاب آخر لأجل ما فيه من أكل "الرطب"، فإن ذلك يدل للمتأمل أن البخاري لا يرى أن عبارة: "كان يسلفني في تمري إلى الجذاذ" محفوظة، وهذه إشارةٌ بديعةٌ، لا تصدر إلا من مثل البخاري في براعته، فإذا أراد أحدهم أن يستدل لمن يقول بالسلم إلى الجذاذ بتصحيح البخاري هذا الحديث، محتجا بأنه مخرج في "الصحيح"، لكان هذا محل نظر كبير وتعجب طويل.

стр. 739

نعم، يمكن أن يُختلف مع البخاري، أو يخالِف في ذلك مَنْ يرى من المحققين صحةَ الحديث بلفظه وسياقه هذا، متجشما تأويله وتوجيهه. فبينما ذهب الإسماعيلي -ومثله ابن التين- إلى شذوذ هذه الرواية لما فيها من جعل الدَّيْن لجابر وليس لوالده، دفع ذلك ابنُ حجر بتعدد القصة، وأنه لا مانع من وقوعها لدَيْن جابر ودَيْن أبيه. وكذلك قول الإسماعيلي: السَّلَف إلى الجذاذ مما لا يجيزه البخاري وغيره، فقد ذهب ابن حجر إلى أنه وقع في الاقتصار على الجذاذ اختصار، وأن الوقت كان في أصل العقد معيَّنًا. نتجاوز هنا القضية الأولى لقبولها الأخذ والرد والاحتمال، أما القضية الثانية فقد اتفق ابن حجر مع الإسماعيلي على أن لفظ "السَّلم إلى الجذاذ" لا يصح، ولا يُراد مدلولُه، وأوَّلَهُ ابن حجر بأنه لفظٌ "مختصر" عن أصل كلام العقد، ولا يخفى على الحافظ ابن حجر أن "الاختصار" -لو كان هو الواقع هنا- هو أحد مداخل الخلل وأسباب التعليل التي يُعِلُّ بها النقادُ أحيانا بعضَ المتون، وهو منتشر في كلامهم، فثبت الاتفاق بين المُنْكِر والمؤَوِّل على أن هذا اللفظ غير موافق لواقع الحال، فهو خطأ. وهذا هو المراد لمن تأمل هذا الموضع: أن البخاري خرج هذا الحديث في كتاب الأطعمة، وهو لا يرى أن جميعَ لفظه محفوظ، بل أراد أن يضرب بسهم واحد غرضين: الأول: الاستفادة من اشتماله على أكل الرطب وحده, وقد بوَّب قبله على أكل القثاء بالرطب. الثاني: الإشارة إلى ما وقع في رواية إبراهيم بن أبي ربيعة هذا من الأوهام في متنه.

стр. 740

وإبراهيم هذا ليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد، وليس هو بالمحل الذي يُقبل منه تفرده بهذين المعنيين المذكورين، فإنه لم يوثق توثيقا يعتد به، وهو مقل من الحديث، واللَّه تعالى الموفق للصواب. النموذج الثالث: في باب: المسح على الخفين (١/ ٣٦٥ فتح): أخرج البخاري أولا حديث سعد بن أبي وقاص والمغيرة بن شعبة في المسح على الخفين، ثم أخرج (٢٠٤) حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، أن أباه أخبره، أنه رأى النبي ﷺ يمسح على الخفين. قال البخاري: وتابعه حرب بن شداد وأبان عن يحيى، ثم أخرجه (٢٠٥) من طريق ابن المبارك، أخبرنا الأوزاعي، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن جعفر بن عمرو، عن أبيه، قال: رأيت النبي ﷺ يمسح على عمامته وخفيه. قال: وتابعه معمر، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن عمرو، قال: رأيت النبي ﷺ ... اهـ. فلم يذكر جعفرا في الإسناد. فأقول: المتأمل يلاحظ أن البخاري لم يبوب على المسح على العمامة، وإنما أورد رواية الأوزاعي تحت باب المسح على الخفين، فهل ذكر العمامة في هذا الحديث محفوظ عنده؟ إن كانت الإجابة: نعم؛ لأنه خرجها، وذكر متابعة معمر للأوزاعي عن يحيى، فقد يقال: لِمَ لَمْ يبوب عليها بابا مستقلا: "المسح على العمامة"، وهو الذي يترجم بأدق من هذا بكثير، وأبواب المسح على العمامة مما اعتنى بذكرها الأئمة، فكان حري به أن يخرجها في بابها إذًا؟

стр. 741

وقد اتفق -فيما ذكره البخاري- شيبان، وحرب بن شداد، وأبان بن يزيد العطار على رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير بلفظ المسح على الخفين فقط. ورواه الأوزاعي عن يحيى، فزاد فيه المسح على العمامة. ورواه معمر عن يحيى فأسقط من الإسناد جعفرا، كما ساقه البخاري، ولكنه عبر عن رواية معمر بالمتابعة, ومع ذلك فقد بين أنه خالفه في الإسناد، فهل يعني بالمتابعة: موافقته في المتن؟ هذا هو الظاهر، وإلا فيكون المقصود: متابعته في أصل الحديث، مع مخالفته في اللفظ والإسناد، وهو بعيد. قال ابن حجر: ذكر أبو ذر في روايته لفظ المتن، وهو قوله: "يمسح على عمامته" زاد الكشميهني: "وخفيه" وسقط ذكر المتن من سائر الروايات في "الصحيح". ورواية معمر قد أخرجها عبد الرزاق في "مصنفه" عن معمر بدون ذكر العمامة، ولكن أخرجها ابن منده في كتاب الطهارة له من طريق معمر بإثباتها. اهـ. أقول: ظاهر صنيع البخاري أنه عني أن معمرا تابع الأوزاعي في ذكر العمامة، وإلا لم يكن لمتابعته أي معنى، ولا يكون لإرداف رواية الأوزاعي برواية معمر أي مزية, وإلا فيكون معمر حينئذ قد وافق الثلاثة الأول: شيبان، وحرب، وأبان، في لفظه، وخالف الجميع -ومعهم الأوزاعي- في إسناده بإسقاط جعفر. فدل هذا السياق أن البخاري قصد متابعة معمر للأوزاعي على ذكر العمامة. يؤيد ذلك رواية أبي ذر والكشميهني وفيها ذكر العمامة من رواية معمر، وكذلك رواية ابن منده، وإن لم يذكر الحافظ راويها عن معمر؛ ليقارن بعبد الرزاق في روايته عنه. ومع رجحان إرادة البخاري متابعة معمر للأوزاعي في ذكر المسح على العمامة، فهل ذلك كافٍ في كونها محفوظة عنده؟

стр. 742

استقراء "الصحيح" يقتضي أن الإجابة لو كانت: نعم، لأفرد لها البخاري بابا خاصا بها، وخرج فيه حديث الأوزاعي ومتابعة معمر، لكن تصرف البخاري يشير إلى توقفه -على الأقل- في صحة هذه الزيادة. هذا بغض النظر عن صحة "المسح على العمامة" سواء في حديث عمرو بن أمية، أو غيره، وقد خرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة، لكن المراد هنا هو التأمل في رأي البخاري في ذلك، ومقتضى إخراج رواية الأوزاعي فيها. وقد نقل ابن بطال في شرح "صحيح البخاري" (١/ ٣٠٦) عن أبي محمد الأصيلي قوله: ذكر العمامة في هذا الحديث من خطأ الأوزاعي؛ لأن شيبان روى الحديث عن يحيى بن أبي كثير ولم يذكر العمامة، وتابعه حرب بن شداد، وأبان العطار، فهؤلاء ثلاثة من رواة يحيى بن أبي كثير خالفوا الأوزاعي، فوجب تغليب الجماعة على الواحد، وأما متابعة معمر للأوزاعي فهي مرسلة، وليس فيها ذكر العمامة. روى عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عمرو بن أمية قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يمسح على خفيه. هكذا وقع في مصنف عبد الرزاق، ولم يذكر العمامة، وأبو سلمة لم يسمع من عمرو، وإنما سمع من ابنه جعفر، فلا حجة فيهما. وذكر ابن أبي خيثمة عن ابن معين أن حديث عمرو بن أمية في المسح على العمامة مرسل. اهـ. نقل ابن حجر في "الفتح" (١/ ٣٦٩) كلام الأصيلي عن كتاب ابن بطال، دون حكاية ابن أبي خيثمة عن ابن معين، ثم أجاب عن الإرسال بأن سماع أبي سلمة من عمرو ممكن ... وعن تفرد الأوزاعي برواية معمر عند ابن منده، ثم قال: "وعلى

стр. 743

تقدير تفرد الأوزاعي بذكرها لا يستلزم ذلك تخطئته؛ لأنها تكون زيادة من ثقة حافظ غير منافية لرواية رفقته فتقبل، ولا تكون شاذة، ولا معنى لرد الروايات الصحيحة بهذه التعليلات الواهية. اهـ. أقول: نعم، التفرد لا يستلزم الخطأ، ولكنها هنا زيادة حكم أو حكاية فِعل في حديثٍ لا يتعدى بضع كلمات ممن لم يُقدَّم على أحد ممن خالفهم -وهم جماعة- فكيف يُقدم عليهم جميعا؟! فإذا انضاف إلى ذلك أن رواية الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قد تكلم فيها بعض الأئمة؛ ففي "شرح علل الترمذي" لابن رجب (ص ٤٨٦): ذكر أحمد في رواية غير واحد من أصحابه أن الأوزاعي كان لا يُقيم حديث يحيى ابن أبي كثير، ولم يكن عنده في كتاب، إنما كان يحدث به من حفظه, ويهم فيه, ويروي عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة, عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب. اهـ. فالتفرد بمثل هذه الزيادة، مع هذه القرائن، يُريب في صحتها، وهذا هو مقتضى عدم اعتماد البخاري لها، فلم يبوب عليها. والحكم بالخطأ أو الشذوذ في الحديث يكفي فيه غلبة الظن إذا انقدح في ذهن الناقد ذلك، كما هو معلوم. وبعد، فهذه النماذج -إضافة إلى ما ذكره الشيخ المعلمي- إنما هي أُطروحات ربما تَفتح بابَ النظر في "صحيح البخاري" على أساس محاولة فهم تصرفات البخاري في أبوابه وما يحتج فيها من الأحاديث، وما هو على شرطه في الباب الذي يخرج فيه الحديث، وما يخرج في غير بابه. ولعل هذا يدفع عن البخاري -ومسلم- بعض الانتقاد الذي أُخذ عليهما في إخراج بعض الأحاديث، إذا لوحظ تصرفهما في إخراجها.

стр. 744

ولا يخفى أن مثل هذا النظر لا يتهيأ لغير أهل الصنعة الذين قد وُضع هذا "الصحيح" من أجل نظرهم وبحثهم -رزقنا اللَّه فَهْمَهُم- والأمر يحتاج إلى تحصيل الملكات الخاصة بهذا الشأن، مع شيء من التأمل المجرد، والنية الخالصة - وهبنا اللَّه إياها. واللَّه تعالى من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل. * * *

стр. 745

الأمر الثالث الأحاديث المنتقدة على "الصحيحين " لخَّص العلامة المعلمي حال تلك الأحاديث، فقال في "الأنوار الكاشفة" (ص ٩): "في كل منهما -يعني "الصحيحين"- أحاديثُ يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ أو ينتقدها بعض الناس، ومرجع ذلك إما إلى اختلاف النظر، وإما إلى اصطلاح لهما يغفل عنه المنتقد (١)، وإما إلى الخطأ الذي لا ينجو منه بشر". اهـ. وقال في (ص ٢٥٨): "قد ساقها الحافظ ابن حجر -يعني الأحاديث المنتقدة على البخاري- في مقدمة "الفتح" (٢)، وبين حالها، ومن تدبر ذلك علم أن الأمر فيها هيِّنٌ، ليس فيه ما يحطُّ من قدر البخاري و"صحيحه"". اهـ. * * *

стр. 746

الأمر الرابع ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم ذكر الشيخ المعلمي في "عمارة القبور" ص (١٥٤) أن: "ما علقه البخاري بصيغة الجزم، قد قالوا إنه محمول على أنه صَحَّ لديه في الجملة، أي: إما على شرطه، وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره، من يتساهل في التصحيح. ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند". وأكده في ص (١٥٧) بقوله: "ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، لا يغني ذلك عن النظر في سنده". وقد أعل المعلمي في هذين الموضعين أثرين علقهما البخاري بصيغة الجزم. * ففيه (ص ١٥٣ - ١٥٦): "البخاري في "صحيحه" تعليقا: "لما مات الحسن بن علي ضربت امرأته القبة على قبره سَنَة، ثم رُفعت، فسمعت صائحا يقول: ألا هل وجدوا ما فقدوا، فأجابه آخر: بل يئسوا فانقلبوا". قال المعلمي: علقه البخاري بصيغة الجزم، وقد قالوا: إن ما كان كذلك فهو محمول على أنه صح لديه في الجملة، أي: إما على شرطه وإما على شرط غيره على الأقل، وفي هذا إجمال؛ فإن من الأئمة الذين يصدق عليهم أنهم غيره، من يتساهل في التصحيح.

стр. 747

ومع هذا فقد يصحح أحدهم لمن يكذبه غيره، فلابد من النظر في رجال السند. وقد راجعنا "فتح الباري" فذكر فيه ما لفظه: (٣/ ١٦١). "أي: الخيمة، فقد جاء في موضع آخر بلفظ الفسطاط، كما رويناه في الجزء السادس عشر من حديث الحسين بن إسماعيل بن عبد الله المحاملي رواية الأصبهاني عنه". وفي كتاب ابن أبي الدنيا في "القبور" من طريق المغيرة بن مقسم قال: "لما مات الحسن بن الحسن ضربت امرأته على قبره فسطاطًا، فأقامت عليه سنة، فذكر بنحوه". ولا ندري ما حال السندين إلا أن المغيرة بن مقسم كان أعمى ومدلسا. وقد ذكر البخاري هذه القصة في (باب: ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور). قال في "الفتح": "ومناسبة هذا الأثر لحديث الباب أن المقيم في الفسطاط لا يخلو عن الصلاة هناك، فيلزم اتخاذ المسجد عند القبر، وقد يكون القبر في جهة القبلة فتزداد الكراهة. وقال ابن المنير: إنما ضربت الخيمة هناك للاستمتاع بالميت بالقرب منه؛ تعليلا للنفس، وتخييلا باستصحاب المألفوف من الأُنس، ومكابرة للحس .. فجاءتهم الموعظة على لسان الهاتفين بتقبيح ما صنعوا .. الخ". أقول: تعقبه بعضهم بأن الظاهر أنها إنما ضربت الخيمة للاجتماع لقراءة القرآن، وهذا مع كونه ممنوعًا -أيضًا- مردود بقول الهاتفين: "هل وجدوا ما فقدوا، بل يئسوا فانقلبوا". فالقصة فيها زِراية على زوجة الحسن، وهي كما في الفتخ، فاطمة بنت الحسين بن علي، بل وعلى أهل البيت الموجودين حينئذ كلهم. فالذي عندي أن هذه القصة لا تصح؛ فإن أهل البيت أعلم بالله وأكمل عقولا، وأثبت قلوبًا، من أن يقع لهم مثل هذه القصة. وفي الحديث: "لعن زوارات القبور"، أي: المكثرات لزيارتها، وضرب الخيمة على القبر، والإقامة فيها سَنَة، أبلغ من إكثار الزيارة وأهل البيت أَولى من ينزه عن ذلك.

стр. 748

هذا مع علمنا أن مثل هذا لا تقوم به حجة، بل القصة بنفسها في ذكر كلام الهاتفين تدل على قبح ذلك الصنع، ولكن رأينا حقا علينا الذب عن أهل البيت. اهـ. * وفيه أيضًا (ص ١٥٧): البخاري في "صحيحه" تعليقًا -أيضًا- في (باب: الجريد على القبر): وقال خارجه بن زيد: رأيتني ونحن شبان في زمن عثمان ﵁ وإن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يُجاوزه. قال في "الفتح": "وقد وصله المصنف في "التاريخ الصغير"، من طريق ابن إسحاق". أقول: قال في "التاريخ الصغير" ص (٢٣) طبعة إله آباد: "وحدثنا عمرو بن محمد، حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري، قال: سمعت خارجة بن زيد بن ثابت: رأيتني ونحن غلمان شبان زمن عثمان، وأن أشدنا وثبة الذي يثب قبر عثمان بن مظعون حتى يجاوزه". وقد مر قريبًا الكلام على ما يعلقه البخاري بصيغة الجزم، وأنه لا يغني ذلك عن النظر في سنده، وقد عُلم هاهنا سنده. فأقول: شيخ ابن إسحاق لم أر له ترجمة وابن إسحاق كما تقدم في حديث فضالة أنه قال الذهبي: "ما انفرد به ففيه نكارة؛ فإن في حفظه شيئًا". ولا نعلم أحدًا تابعه في هذا الأثر، ولا ثَم قرينة تدل على حفظه، ينجبر بها تفرده، ففي الأثر نكارة. بل على القول بأنه يُفهم منه رفع القبر فوق الشبر شذوذ، إذ المعروف المشهور أن القبور لم تكن ترفع في ذلك العصر.

стр. 749

بل نفس قبر عثمان بن مظعون ورد "أن النبي ﷺ وضع حجرًا، وقال: أعلم به قبر أخي". وأسلفنا أن ذلك يدل أنه لم يرفع عن وجه الأرض. ومع ذلك فيبعد جدا أن يخرج الشبان من أولاد الصحابة يتواثبون على قبر رجل من أفاضل السابقين، بحيث أنه لا يجاوز القبر إلا أشدهم وثبة، وغالبهم تقع وثبته على القبر، مع أن بجواره من قبور أبناء رسول الله ﷺ قبر إبراهيم وغيره. نعم، قد كان بعض الصحابة والتابعن، ومنهم خارجة لا يرون بأسًا بالجلوس على القبور، ولكن أين الجلوس من التوثب، وقد كان أبناء الصحابة بغاية التمسك بالآداب الشرعية، ولا سيما مثل خارجة بن زيد. اهـ. * * *

стр. 750

الأمر الخامس رواية البخاري من حفظه حكى الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٨٥) ما وقع في حديث "الصلاة في بني قريظة" عند البخاري بلفظ: "لا يصلين أحدكم العصر إلا ... " وعند غيره: "لا يصلين أحدكم الظهر إلا ... " مع اتحاد المخرج، فقال ﵀: في "الفتح": إن الذي عند أهل المغازي: "العصر" وكذلك جاء من حديث عائشة، ومن حديث كعب بن مالك، ورواه جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، فقال أبو حفص السلمي، عن جويرية: "العصر"، وقال أبو غسان، عن جويرية: "الظهر". ورواه عبد اللَّه بن محمد بن أسماء عن جويرية، فقال البخاري عنه: "العصر"، وقال مسلم وغيره عنه: "الظهر". فذكر ابنُ حجر احتمالين: حاصل الأول: أن جويرية قال مرة "العصر" كما رواه عنه أبو حفص السلمي، ومرة "الظهر" كما رواه عنه أبو غسان، وكتبه عبد اللَّه بن محمد بن أسماء، عن جويرية على الوجهين، فسمعه البخاري من عبد اللَّه على أحدهما، ومسلم وغيره على الآخر. وكأن البخاري راجع عبد اللَّه في ذلك، ففتش عبد الله أصولَه، فوجد الوجه الذي فيه "العصر" فأخذ به البخاري لعلمه أنه الصواب. الاحتمال الثاني: أن يكون البخاري إنما سمعه من عبد اللَّه بلفظ: "الظهر" ولم يكتبه البخاري إلا بعد مدة من حفظه فقال: "العصر" أخطأ لفظ شيخه وأصاب الواقع.

стр. 751

أما ما ذُكر أن البخاري كان يحفظ ثم يكتب من حفظه، فإن صح ذلك، فهذا "صحيحه" فيه آلاف الأحاديث، وقلَّ حديث منها إلا وقد رواه جماعةٌ غيره عن شيخه وعن شيخ شيخه، وقد تتبع ذلك المستخرجون عليه وشرَّاحُه، فإذا لم يقع له خطأ إلا هذا الموضع -على فرض أنه أخطأ- كان هذا من أدفع الحجج لتشكيك أبي رية. اهـ. * * *

стр. 752

الأمر السادس فيما ذكر أن البخاري مات قبل أن يبيض كتابه نقل العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٥٧)، عن أبي رية قولَه: يظهر أن البخاري مات قبل أن يتم تبييض كتابه، فقد ذكر ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" أن أبا إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِرَبْرِيّ، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يُثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قال أبو الوليد الباجي: ومما يدل على صحة هذا القول أن رواية أبي إسحاق المستملي ورواية ... (١) مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتسخوا من أصلٍ واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرفٍ (٢) أو رقعةٍ مضافة أنه من موضع ما أضافه (٣) إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث. اهـ. فعلَّق العلامة المعلمي بقوله: أقول: قول أبي رية: قبل أن يبيض، يوهم احتمال أن يكون في النسخة ما لم يكن البخاري مطمئنًّا إليه على عادة المصنفين؛ يستعجل أحدهم في التسويد على أن يعود فينقح، وهذا باطل هنا.

стр. 753

فإن البخاري حدَّث بتلك النسخة وسمع الناس منه منها، وأخذوا لأنفسهم نسخًا في حياته، فثبت بذلك أنه مطمئن إلى جميع ما أثبته فيها، لكن ترك مواضع بياضًا، رجاء أن يضيفها فيما بعد، فلم يتفق ذلك. وهي ثلاثة أنواع: الأول: أن يثبت الترجمة وحديثًا أو أكثر، ثم يترك بياضًا لحديث كان يفكر في زيادته، وأخَّر ذلك لسببٍ ما، ككونه كان يحب إثباته كما هو في أصله ولم يتيسر له الظفر به حينئذ. الثاني: أن يكون في ذهنه حديثٌ يرى إفراده بترجمة فيثبت الترجمة ويؤخر إثبات الحديث لنحو ما مرَّ. الثالث: أن يثبت الحديث ويترك قبله بياضًا للترجمة؛ لأنه يُعنى جدًّا بالتراجم ويضمنها اختياره، وينبه فيها على معنًى خفي في الحديث، أو حمله على معنى خاص، أو نحو ذلك، فإذا كان مترددًا ترك بياضًا ليتمه حين يستقر رأيه. وليس في شيء من ذلك ما يوهم احتمال خلل فيما أثبته. فأما التقديم والتأخير فالاستقراء يبين أنه لم يقع إلا في الأبواب والتراجم؛ يتقدم أحدُ البابين في نسخةٍ ويتأخر في أخرى، وتقع الترجمة قبل هذا الحديث في نسخة وتتأخر عنه في أخرى، فيلتحق بالترجمة السابقة، ولم يقع من ذلك ما يمسُّ سياقَ الأحاديث بضرر. وفي مقدمة "الفتح" بعد العبارة السابقة: "قلت: وهذه قاعدة حسنة يُفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا" اهـ. * * *

стр. 754

المبحث الثاني: منهج البخاري في غير "الصحيحين " يشتمل الكلام في هذا المبحث على منهج البخاري في رجال غير "الصحيح". أولًا: شيوخه: (١) ترجم الشيخ المعلمي في "التنكيل" لأحمد بن عبد اللَّه بن حكيم أبي عبد الرحمن الفرياناني المروزي، رقم (٢٣)، وقد قال هو في تعليقه على "الفوائد المجموعة" (ص ٧١): "تالف"، ثم قال (ص ٣٥٤): "البخاري لا يمتنع في غير "الصحيح" عن الرواية عن الضعفاء؛ فقد روى عن أبي نعيم النخعي وهو كذاب، وعن الفرياناني وهو كذاب أيضًا". كذا جزم المعلمي بكذبه مع أنه مال في "التنكيل" إلى أنه لم يجد ما تحصل به نسبته إلى ذلك، وأنه -مع ضعفه في الرواية- كان صدوقًا في الأصل. وللفرياناني ترجمة في قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (٥٣)، فراجعها. والذي يُعنينا هنا هو بحث الشيخ المعلمي في "التنكيل" في مقتضى رواية البخاري عن الرجل. قال ﵀: "قال الذهبي في "الميزان": وقد رأيت البخاري يروي عن الفرياناني في كتاب "الضعفاء". أقول: في باب الإمام ينهض بالركعتين من "جامع الترمذي": قال محمد بن إسماعيل البخاري: ابن أبي ليلى هو صدوق، ولا أروي عنه شيئًا؛ لأنه لا يدرى صحيح حديثه من سقيمه وكُلُّ من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا.

стр. 755

والبخاري لم يدرك ابن أبي ليلى، فقوله: "لا أروي عنه" أي بواسطة. وقوله: "وكل من كان مثل هذا فلا أروي عنه شيئًا". يتناول الرواية بواسطة وبلا واسطة، وإذا لم يرو عمن كان كذلك بواسطة، فلأن لا يروي عنه بلا واسطة أولى؛ لأن المعروف عن أكثر المتحفظين أنهم إنما يتقون الرواية عن الضعفاء بلا واسطة، وكثيرًا ما يروون عن متقدمي الضعفاء بواسطة. وهذه الحكاية تقتضي أن يكون البخاري لم يَرو عن أحدٍ إلا وهو يَرى أنه يمكنه تمييز صحيح حديثه من سقيمه، وهذا يقتضي أن يكون الراوي على الأقل صدوقًا في الأصل؛ فإن الكذاب لا يمكن أن يُعرف صحيح حديثه. فإن قيل: قد يُعرف بموافقته الثقات. قلت: قد لا يكون سمع، وإنما سرق من بعض أولئك الثقات. ولو اعتدَّ البخاري بموافقة الثقات لروى عن ابن أبي ليلى، ولم يقل فيه تلك الكلمة؛ فإن ابن أبي ليلى عند البخاري وغيره صدوق، وقد وافق الثقات في كثير من أحاديثه، ولكنه عند البخاري: كثير الغلط، بحيث لا يؤمن غلطه حتى فيما وافق عليه الثقات. وقريب منه من عُرف بقبول التلقين؛ فإنه قد يلقَّنُ من أحاديثِ شيوخه ما حدثوا به، ولكنه لم يسمعه منهم. وهكذا: مَنْ يحدث على التوهم، فإنه قد يسمع من أقرانه عن شيوخه، ثم يتوهم أنه سمعها من شيوخه، فيرويها عنهم. فمقصود البخاري من معرفة صحيح حديث الراوي من [سقيمه] (١) لا يحصل بمجرد موافقة الثقات، وإنما يحصل بأحد أمرين:

стр. 756

- إما أن يكون الراوي ثقةً ثبتًا، فيُعرف صحيح حديثه بتحديثه. - وإما أن يكون صدوقًا يغلط، ولكن يمكن معرفة ما لم يغلط فيه بطريق أخرى؛ كأن يكون له أصول جيِّدة؛ وكأن يكون غلطه خاصًا بجهةٍ؛ كيحيى بن عبد اللَّه بن بكير روى عنه البخاري، وقال في "التاريخ الصغير": "ما روى يحيى بن عبد اللَّه بن بكير عن أهل الحجاز في التاريخ فإني أتقيه" (١)، ونحو ذلك. فإن قيل: قضية الحكاية المذكورة أن يكون البخاري التزم أن لا يروي إلا ما هو عنده صحيح؛ فإنه إن كان يروي ما لا يرى صحته، فأيُّ فائدة في تركه الرواية عمن لا يدري صحيح حديثه من سقيمه؟! لكن كيف تصح هذه القضية مع أن في كتب البخاري غير "الصحيح" أحاديث غير صحيحة، وكثير منها يَحكم هو نفسه بعدم صحتها؟! قلت: أما ما نبَّه على عدم صحته فالخطب فيه سهل؛ وذلك بأن يُحمل كونه لا يروي ما لا يصح على الرواية بقصد التحديث أو الاحتجاج، فلا يشمل ذلك ما يذكره ليبين عدم صحته ويبقى النظر فيما عدا ذلك. وقد يقال: إنه إذا رأى أن الراوي لا يعرف صحيح حديثه من سقيمه تركه البتة؛ ليعرف الناس ضعفه مطلقًا، وإذا رأى أنه يمكن معرفة صحيح حديثه من سقيمه في باب دون باب ترك الرواية عنه في الباب الذي لا يعرف فيه كما في: يحيى بن بكير. وأما غير ذلك فإنه يروي ما عرف صحته وما قاربه أو أشبهه مبينًا الواقع بالقول والحال. والله أعلم.

стр. 757

(٢) وترجم المعلمي في "التنكيل" أيضًا لضرار بن صرد رقم (١١٢)، وقد روى عنه البخاري في غير "الصحيح" قال: أما ضرار فروى عنه أبو زرعة أيضًا، وقال البخاري والنسائي: "متروك الحديث". لكن البخاري روى عنه، وهُو لا يروي إلا عن ثقة كما صرح به الشيخ تقي الدين بن تيمية، ومَرَّ النظر في ذلك في ترجمة أحمد بن عبد الله أبي عبد الرحمن الفرياناني. والظاهر: التوسلى وهو أن البخاري لا يروي إلا عمن هو صدوق في الأصل يتميز صحيح حديثه من سقيمه كما صرح به في رواية الترمذي عنه. فقوله في ضرار: "متروك الحديث" محمول على أنه كثير الخطأ والوهم، ولا ينافي ذلك أن يكون صدوقًا في الأصل يمكن لمثل البخاري تمييز بعض حديثه. اهـ. وانظر ترجمة ضرار من القسم الأول؛ فإنها أتم مما هنا، واكتفيت هنا بموضع الحاجة منها، والله الموفق. (٣) وترجم الشيخ لإسماعيل بن عرعرة بن البرند رقم (٥١)، وقد روى عنه البخاري في "التاريخ الصغير" قال: سمعت إسماعيل بن عرعرة يقول: قال أبو حنيفة ... فقال الكوثري: "بين إسماعيل وبين أبي حنيفة انقطاع، وإسماعيل هذا مجهول الصفة، لم يذكره أحد من أصحاب التواريخ التي اطلعنا عليها، حتى البخاري ... نعم له ذكر في كتاب "السنة" لعبد اللَّه بن أحمد في (ص ٢٧، ١٥٤) بما يدل أنه بصري، معاصر لعباس بن عبد العظيم العنبري، وليس في هذا أدنى غَناء بعد أن عُلم أنه لم يرو أحد من أصحاب الأصول الستة عن ابن عرعرة هذا".

стр. 758

فقال الشيخ المعلمي في "إكمال ابن ماكولا": (برند) أن لعرعرة (١) بن البرند البصري ابنًا اسمه: إسماعيل. وعرعرة ولد سنة (١١٠)، ومات سنة (١٩٣)، فلا مانع أن يكون له ابنٌ أدرك أبا حنيفة ثم عاش حتمًا حتى أدركه البخاري. وقد مَرَّ في ترجمة أحمد بن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن أن البخاري لا يروي إلا عن صدوقٍ يتميز صحيح حديثه من سقيمه وقد يكون الرجل ثقةً مقلا من الرواية إنما يروي قليلا من الحكايات فلا يَعتني به أهل التواريخ، ولا يُحتاج إليه في الأمهات الست". اهـ. (٤) وترجم لعبد اللَّه بن أُبَيٍّ الخوارزمي القاضي رقم (١١٧)، وفيها نحو ما سبق في ترجمة إسماعيل بن عرعرة، فانظرها في مكانها من التراجم من هذا الكتاب. (٥) ومثله في ترجمة إبراهيم بن شماس رقم (٦). ثانيًا: غير شيوخه: قال الشيخ المعلمي في ترجمة القاسم بن محمد بن حميد المعمري من "التنكيل" رقم (١٨٠): "وأخرج البخاري قصة ذبح "الجعد بن إبراهيم" من طريقه في كتاب "خلق أفعال العباد"، ورواية البخاري من طريقه تقويه كما مرّ في ترجمة أحمد بن عبد اللَّه أبو عبد الرحمن". اهـ.

стр. 759

المبحث الثالث: البخاري وكتابه "التاريخ الكبير " فيه مطلبان: المطلب الأول: طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير"، ومنهجه في تصنيفه، والجواب المجمل عن الأوهام التي أوردها الرازيان ومن بعدهما الخطيب عليه فيه. المطلب الثاني: إشارة البخاري أحيانًا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته من "التاريخ". * * *

стр. 760

المطلب الأول طريقة البخاري في إخراج كتابه "التاريخ الكبير" ومنهجه في تصنيفه والجواب المجمل على ما أُخذ عليه فيه أشار إلى ذلك الشيخ المعلمي في مقدمة كتاب "موضح أوهام الجمع والتفريق"، فقال (ص ١٠): "من اللطائف أن تاريخ البخاري مُثَلَّثٌ من ثلاث جهات: الأولى: في مقدمة "فتح الباري" عنه: "لو نشر بعض أستاذي هؤلاء لم يفهموا كيف صنفت التاريخ"، ثم قال: "صنفته ثلاث مرات". ومعنى هذا أنه بدأ فقيد التراجم بغير ترتيب، ثم كَرَّ عليها فرتبها على الحروف، ثم عاد فرتب تراجم كل حرف على الأسماء: باب: إبراهيم، باب: إسماعيل ... إلخ. هذا هو الذي التزمه، ويزيد في الأسماء التي تكثر مثل: محمد وإبراهيم، فيرتب تراجم كل اسم على ترتيب الحروف الأوائل لأسماء الآباء ونحوها. الجهة الثانية: في مقدمة "الفتح" أيضًا عنه: "صنفت جميع كتبي ثلاث مرات". يعني والله أعلم أنه يصنف الكتاب ويخرجه للناس، ثم يأخذ يزيد في نسخته ويصلح، ثم يخرجه مرة ثانية، ثم يعود يزيد ويصلح، حتى يخرجه الثالثة، وهذا ثابت للتاريخ كما يأتي. الجهة الثالثة: أن له ثلاثة تواريخ: الكبير، والصغير، والأوسط.

стр. 761

ومعرفة الجهتين الأوليين نافعة: أما الثانية، فإن ما تقدم من كلام أبي زرعة وصالح بن محمد الحافظ، وما جمعه ابن أبي حاتم من المآخذ على البخاري كان بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري أولا، وبهذا يتضح السبب فيما ذكره الخطيب معترضا على ابن أبي حاتم، قال: "وحكى عنه -أي عن البخاري- في ذلك الكتاب أشياء [على الغلط] هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه". فكلام ابن أبي حاتم كان بحسب النسخة التي أخرجها أولا، وكلام الخطيب بالنظر إلى النسخة التي أخرجها البخاري ثانيا، وهي رواية أبي أحمد محمد بن سليمان ابن فارس الدلال النيسابوري المتوفى سنة ٣١٢ ... (١). في رواية ابن فارس هذه مواضع على الخطأ، وهي في رواية محمد بن سهل بن كردي عن البخاري على الصواب، انظر "الموضح"، الأوهام: ٧، ٩، ١٣ من أوهام البخاري مع تعليقي. فظهر أن رواية ابن فارس مما أخرجه البخاري ثانيا؛ ورواية ابن سهل مما أخرجه ثالثا". وأستطردُ هنا في النقل عن الشيخ المعلمي بما له تعلق بهذه الجهة فأقول:

стр. 762

قال المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب "بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه" لابن أبي حاتم الرازي: "موضوع الكتاب على التحديد بيانُ ما وقع من خطأ أو شبهه في النسخة التي وقف عليها الرازيان من "تاريخ البخاري"، والشواهد تقضي أن أبا زرعة استقرأ تلك النسخة من أولها إلى آخرها، ونبه على ما رآه خطأ أو شبهه مع بيان الصواب عنده، وترك بياضا في مواضع، ثم تلاه أبو حاتم، فوافقه تارة وخالفه أخرى، واستدرك مواضع. وإذ كان البخاري والرازيان من أكابرِ أئمةِ الحديث والرواية وأوسعِهم حفظًا، وأثقبِهم فهمًا، وأسدّهم نظرًا، فمن فائدة هذا الكتاب أنَّ كُلَّ ما في التاريخ مما لم يعترضْهُ الرازيان فهو على ظاهره من الصحة بإجماعهم، ومثلُه -بَلْ أَوْلىَ- ما ذكرا أنه الصواب وحكيا عن التاريخ خلافَه والموجود في نسخ التاريخ ما صَوَّباه. ومن فائدته بالنظر إلى المواضع التي هي في نسخ التاريخ على ما حكياه وذكرا أنه خطأ: معرفةُ الخلاف؛ ليجتهد الناظرُ في معرفة الصواب، وكثيرٌ من ذلك لم ينبه عليه في الجرح والتعديل ولا غيره فيما علمتُ. النظر في تعقبات الرازييْن: وجدتُ المواضعَ المتعقَّبَةَ على أضربٍ: الأول: ما هو في التاريخ على ما صوَّبَهُ الرازيان، لا على ما حكياه عنه وخَطَّآهُ، وهذا كثيرٌ جدًّا، لعله أكثر من النصف، وقد ذكرتُ في مقدمة "الموضح" أن البخاري أخرج التاريخ ثلاث مرات، وفي كل مرة يزيد وينقص ويصلح، واستظهرتُ أن النسخة التي وقعت للرازييْن كانت مما أخرجه البخاري لأول مرة، وهذا صحيح، ولكني بعد الاطلاع على هذا الكتاب علمت أنه لا يكفي لتعليل ما

стр. 763

وقع فيه من هذا الضرب لكثرته، ولأن كثيرًا منه يبعد جدًّا أن يقع من البخاري بعضه فضلًا عن كثيرٍ منه، وتبين لي أن معظم التبعة في هذا الضرب على تلك النسخة التي وقعت للرازيين، وعلى هذا فوق ما تقدم شاهدان: الأول: أن الخطيب ذكر في "الموضح" (ج ١ ص ٧) هذا الكتاب ثم قال: "وقد حكى عنه في ذلك الكتاب أشياء هي مدونة في تاريخه على الصواب بخلاف الحكاية عنه" وقد وقف الخطيب على عدة نسخ من التاريخ مختلفة الأسانيد إلى البخاري. والثاني: أن أبا حاتم -وهو زميل أبي زرعة، ولابد أن يكون قد اطلع على تلك النسخة، وعرف حالها- يقول في مواضعَ كثيرة من هذا الكتاب: "وإنما هو غلط من الكاتب"، أو نحو هذا، راجع رقم ١٠، ٣١، ٤٢، ٦٦، ٨٩، ٢١٠، ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣٩، ٤٠٤، ٤٦٠، ٤٧٢، ٦٠٩، يعني أن الخطأ فيها ليس من البخاري ولا ممن فوقه، وإنما هو من كاتب تلك النسخة التي حكى عنها أبو زرعة، وثَمَّ مواضع أكثر مما ذكره الحملُ فيها على الكاتب أوضحُ. قد يُعترض هذا بما في أولِ هذا الكتاب عن أبي زرعة: "حَمل إليَّ الفضلُ بنُ العباس المعروف بالصائغ كتابَ "التاريخِ"، ذكر أنه كتبه من كتاب محمد بن إسماعيل البخاري، فوجدت فيه ... " والفضل بن العباس الصائغ حافظٌ كبيرٌ يبعد أن يخطىءَ في النقل ذاك الخطأ الكثير، وقد ذكر أنه كتب من كتاب البخاري، والظاهر أنه يريد به نسخة البخاري التي تحت يده والأوْجُهُ التي تُحملُ التبعةُ على تلك النسخة توجب أحدَ أمرين: الأول: أن يكون الفضل بن العباس حين نَقل النسخة لما يستحكم علمه، وقد تكون نسخة البخاري حين نقل منها لا تزال مسودة، فنقل ولم يسمع ولا عرض ولا قابل.

стр. 764

الثاني: أن تكون كلمة "كتاب محمد بن إسماعيل" في عبارة أبي زرعة لا تعني نسخة البخاري التي تحت يده، وإنما تعني مُؤَلَّفَهُ الذي هو التاريخ، وتكون النسخةُ التي نقل منها الصائغُ نسخةً لبعضِ الطلبة غير محررة، وإنما نُقلت عن نسخةٍ أخرى، مع جهل الكاتب، ولم يسمع ولا عرض ولا قابل. الضرب الثاني: ما اختلفت فيه نسخ التاريخ، ففي بعضها كما حكاه أبو زرعة وخَطَّأَهُ، وفي بعضها كما ذكر أنه الصواب، والأمر في هذا محتمل، وموافقة بعض النسخ للنسخة التي وقف عليها أبو زرعة لا تكفي لتصحيح النسبة إلى البخاري، ولاسيما ما يكثر فيه تصحيف النساخ؛ كاسم: "سعر" يتوارد النساخ على كتابته: "سعد". الثالث: ما وقع في الموضع الذي أحال عليه أبو زرعة كما حكاه، وفي موضع آخر من التاريخ على ما صَوَّبَهُ، وهذا قريب من الذي قبله، لكن إذا حكى البخاري كلًّا من القولين من وجهٍ غير وجه الآخر، فالخلاف من فوق. وقد يذكر البخاري مثل هذا ويرجح تصريحًا أو إيماء، وقد يسكت عن الترجيح، ولا يعد هذا خطأ، والبخاري معروف بشدة التثبت. الرابع: ما هو في التاريخ على ما حكاه أبو زرعة وخَطَّأَهُ، ولا يوجد فيه كما صوبه، والأمر في هذا أيضًا محتمل، ولاسيما في المواضع التي تنفرد نسخة واحدة من التاريخ، وفي المواضع التي يغلب فيها تصحيف النساخ، وما صحت نسبته إلى البخاري من هذا، فالغالب أنه كذلك سمعه، فإن كان خطأ فالخطأ ممن قبله، وما كان منه يكون أمره هينًا، كالنسبة إلى الجد، فإن أبا زرعة يعدها في جملة الخطأ، وقد دفع ذلك أبو حاتم في بعض المواضع - راجع رقم ٣٦، ٩٢، وقد يكون الصواب مع البخاري وأخطأ أبو زرعة في تخطئته، وقد قضى أبو حاتم بذلك في مواضع، منها ما هو مصرح به في هذا الكتاب، ومنها ما يعلم من الجرح والتعديل - راجع رقم (١١، ٣٢، ٣٣، ٤٤، ٤٩).

стр. 765

وبالجملة، فقد استقرأتُ خمسين موضعًا من أول الكتاب، فوجدته يتجه نسبة الخطأ إلى أبي زرعة في هذه المواضع الخمسة، ولا يتجه نسبة الخطأ على البخاري نفسه إلا في موضع واحد، هو رقم ٢٥، ذكر رجلا ممن أدركه، سماه محمدا، وقال الرازيان وغيرهما: اسمه أحمد. حكم الخطأ هنا: من الناس من عرف طرفا من علم الرواية ولم يحققه، فسمع أن كثرة خطأ الراوي تخدش في ثقته، فإذا رأى هنا نسبة الخطأ إلى البخاري أو أبي زرعة، تَوَّهَمَ أن هذا الخطأ من جنس ذاك، ومن الناس من يعرف الحقيقة ولكنه يتجاهلها لهوًى له، والحقيقة هي أن غالب الخطأ الذي تتجه نسبته إلى البخاري نفسه أو إلى أبي زرعة إنما هو من الخطأ الاجتهادي الذي يوقع فيه اشتباهُ الحال وخفاء الدليل، وما قد يكون في ذلك مما يسوغ أن يعد خطأ في الرواية، فهو أمر هين لا يسلم من مثله أحد من الأئمة، وعلى كل حالٍ فليس هو بالخطأ الخادش في الثقة". اهـ. ثم أستكمل نقل كلام الشيخ المعلمي في مقدمة "الموضح"، إذ يقول: "وأما الجهة الأصلى فيتعلق بها اصطلاحات للبخاري: الأول: أنه حيث يرتب الأسماء الكثيرة بحسب أوائل أسماء الآباء يتوسع، فيعد كل لفظ يقع بعد: "فلان بن" بمنزلة اسم الأب، ويزيد على ذلك فيمن لم يذكر أبوه، فيعد اللفظ الواقع بعد الاسم كاسم الأب، فمن ذلك: "عيسى الزرقي"، ذكره فيمن اسمه: عيسى، وأول اسم أبيه: زاي، وهكذا: "مسلم (١) الخياط" فيمن اسمه: "مسلم" وأول اسم أبيه: خاء.

стр. 766

الثاني: أنه إذا عرف اسم الرجل على وجهين، يقتضي الترتيب وضعه بحسب أحدهما في موضع، وبحسب الآخر في آخر ترجمة في الموضعين. فمن ذلك شيخه: محمد بن إسحاق الكرماني، يعرف أيضًا بـ: محمد بن أبي يعقوب، ذكره في موضعين من المحمدين، فقال في المجلد الأول رقم ٦٦: "محمد بن إسحاق هو ابن أبي يعقوب الكرماني مات سنة ٢٢٤ " وقال في رقم ٨٥٨: "محمد بن أبي يعقوب أبو عبد اللَّه الكرماني ... ". ومن ذلك: عبد اللَّه بن أبي صالح ذكوان، يقال لعبد اللَّه: "عباد"، فذكره البخاري في باب: "عبد اللَّه" وفي باب: "عباد". وكلامه في الموضعين وفي ترجمة صالح بن أبي صالح ذكوان صريح في أنه لم يلتبس عليه. ... فهذا هو اصطلاحه ... وصنيعُ البخاري على كُلِّ حالٍ ليس بوهم، ولكن الخطيب يَعُدُّ هذه أوهاما، انظر "الموضح": الوهم ٢، ٤٢، ٥٥ من أوهام البخاري، ولم يكتفِ بذلك، بل فضل هذه المواضع بمزيد من التشنيع، وتشنيعُه عائدٌ عليه كما لا يخفى (١).

стр. 767

الاصطلاح الثالث: (وقد نبهت عليه في تعليقاتي على التاريخ ٢/ ١ / ٢٦٩ رقم ١٠٠١) وهو: أن البخاري إذا وجد من وُصِفَ بوصفين، وكان محتملا أن يكون واحدا وأن يكون اثنين، فإنه يَعقدُ ترجمتين، فإن لم يمنعه مقتضى الترتيب الذي التزمه من قَرْنهما قَرَنَهُما؛ كي يسهل فيما بَعْدُ جعلُهما ترجمة واحدة إذا تبين له، أو الإشارة القريبة البينة إذا قوي ذلك ولم يتحقق، كأن يزيد في الثانية: "أُراه الأول". ولما جرت عادتُه بهذا، صار القَرْنُ في مواضع الاحتمال كالإشارة إليه والتنبيه عليه. أما إذا لم يسمح مقتضى الترتيب بالقرن فإنه يضع كلا من الترجمتين في موضعهما، ويشير إشارة أخرى، وقد يكتفي بظهور الحال، انظر "الموضح": ٦، ١٢، ١٤، ١٥، ٣٨، ٥٥ من أوهام البخاري. وكثير من المواضع التي لم يقض فيها دليل الخطيب على أحد الاحتمالين غير كافٍ للجزم بحسب تحري البخاري وتثبته، وما كان كافيا للجزم، فلا يليق أن يسمى توقف البخاري وهما. هذا وللبخاري: ولوعٌ بالاجتزاء بالتلويح عن التصريح، كما جرى عليه في مواضع من "جامعه الصحيح"؛ حرصا منه على رياضة الطالب، واجتذابا له إلى التنبه والتيقظ والتفهم.

стр. 768

قدمت هذا الفصل هنا لأحيل عليه في التعليقات كما ستراه، وترى بقية الأجوبة عن أكثر القضايا التي سماها الخطيب أوهاما. ومما يجب التنبه له أن المزي وابن حجر وغيرهما قد يقلدون الخطيب، ويذكرون أن البخاري وهم، ولا يبينون شيئا مما بينته ولا يذكرون ما استدل به الخطيب. فمن الواجب على كل من يريد التحقيق في علوم الحديث تحصيلُ هذا الكتاب؛ ليتبينَ له الحالُ في تلك المواضع وغيرها، مع الوقوف على الأدلة، وما لها وما عليها، ويَعرف ما يتعلق بهذا الفن الخاص؛ ليُحَصِّلَ فوائدَهُ التي تقدمت الإشارةُ إليها، مع فوائدَ أخرى جزيلة لهذا الكتاب، واللَّه الموفق". اهـ. وفي حاشية "الموضح" (١/ ٢٦) قال الشيخ المعلمي: "نُسخةُ الخطيب كما بَيَّنَهُ في صَدْرِ هذه الأوهام ترجع إلى رواية ابن فارس، وهي متقدمة عن نسخة ابن سهل، فنسخة ابن سهل هي المعتمدة عند الاختلاف، واللَّه الموفق". اهـ. يشير الشيخ المعلمي إلى قول الخطيب عند ذكر أول وَهَمٍ: "فمن أوهام البخاري في الجمع والتفريق أنه قال في تاريخه الكبير الذي يرويه عنه أبو أحمد محمد بن سليمان بن فارس الدلال النيسابوري ... ". لكن يقول الشيخ المعلمي في تلك الحاشية (١/ ٣٣): " ... وهذا مما يدل على أن رواية ابن سهل هي المتأخرة، وقد كانت عند الخطيب نسخة منها، سينقل عنها فيما يأتي، فلا أدري لماذا لم يلتزم مراجعتها في جميع المواضع". يشير الشيخ المعلمي إلى ما ذكره الخطيب في الوهم الثامن عشر والوهم السابع والثلاثين من "الموضح".

стр. 769

المطلب الثاني إشارة البخاري أحيانًا إلى حال الرجل بإخراج شيء من حديثه في ترجمته من "التاريخ " (١) في "الفوائد" (ص ١٧٩): حديثٌ في فضل التمر البرني، له طرق واهية، منها ما في إسناده عقبة بن عبد اللَّه الأصم الرفاعي البصري، قال ابن حبان: عقبة بن عبد اللَّه الأصم ينفرد بالمناكير عن المشاهير. قال السيوطي: "روى له الترمذي، وقد أخرجه البخاري في "التاريخ"، والبيهقي في "الشعب"، وصحَّحه المقدسي. وأخرجه من حديث أبي سعيد: أبو نعيم في الطب، والحاكم في "المستدرك" فالحكم بوضعه مجازفة". فقال الشيخ المعلمي: "بل المجازفة في هذا الكلام؛ فإن ألفاظ الخبر مختلفة، ومنها ما ينادي على نفسه بالوضع، وإخراج البخاري في "التاريخ" لا يفيد الخبر شيئا، بل يضره؛ فإن من شأن البخاري أن لا يخرج الخبر في "التاريخ" إلا ليدل على وَهَن راويه. وتصحيح المقدسي لرواية عقبة الأصم مع ضعفه، وتدليسه، وتفرده، وإنكار المتن مردود عليه. أما حديث أبي سعيد ففي سنده من لا يُعرف، ولم يصححه الحاكم، وإنما قال: "أخرجناه شاهدًا". اهـ.

стр. 770

في "الفوائد" (ص ٣٥٠) حديث أسماء بنت عميس: "كان رسول الله ﷺ يُوحَى إليه ورأسُه في حِجْرِ عَلِيٍّ، فلم يُصَلِّ العصر حتى غربت الشمس ... " وهو حديث ردّ الشمس لعلي ليدرك صلاة العصر. فَوَهَّنَهُ الشيخ المعلمي وحكى استنكار أكثر أهل العلم له، وبيَّن وجوه هذا الاستنكار. ذكر مِنْ طُرقه: ما رواه فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن (١)، عن فاطمة بنت الحسين، عن أسماء بنت عميس. وقيل: عن فضيل عن إبراهيم عن فاطمة بنت علي عن أسماء. وقال الشيخ المعلمي في التعليق على هذا الإسناد: "إبراهيم لا يكاد يُعرف بالرواية، إنما يذكر عنه هذا الخبر، وخبرٌ آخر رواه عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ مرفوعًا: "يظهر في آخر الزمان قومٌ يُسَمَّوْن الرافضة، يرفضون الإسلام" أُخرج في "زوائد مسند" أحمد، الحديث (٨٠٨)، وذكره البخاري في "التاريخ" في ترجمة إبراهيم (٢)، وفي ذلك إشارة إلى أن الحمل فيه عليه، وذكره الذهبي في "الضعفاء" (٣). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" كأنه بنى على أن هذين الخبرين لا يثبتان عنه فبقي عنده على أصل العدالة بحسب قاعدته". اهـ.

стр. 771

المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح أولاً: قوله: "فيه نظر"، "سكتوا عنه"، "منكر الحديث ": قال الشيخ المعلمي في ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني (٤٢): "ذكروا أن البخاري يقول: "فيه نظر"، أو"سكتوا عنه" فيمن هو عنده ضعيف جدًّا، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص ١٦١): "وكثيرًا ما يعبر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها" ولم يقل البخاري في الحنيني: "فيه نظر" إنما قال: "في حديثه نظر" وبينهما فرق؛ فقوله: "فيه نظر" تقتضي الطعن في صدقه، وقوله: "في حديثه نظر" تشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلةٍ أو سوءِ حفظٍ ... والمقصود هنا أن الحنيني كان صالحا في نفسه، وقد سقنا شواهد ذلك، فأما حديثه فكلمة البخاري تقتضي أنه مطرح لا يصلح حتى للاعتبار ... ". اهـ. المعلمى. قال أبو أنس: أزيد هنا فأقول: • قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٣٩): "وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا. قلت: صدق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه؛ فإنه أكثر ما يقول: "منكر الحديث"، "سكتوا عنه"، "فيه نظر" ونحو هذا، وقَلَّ أن يقول: "فلان كذاب"، أو "كان يضع الحديث"،

стр. 772

حتى إنه قال: إذا قلت: "فلان في حديثه نظر" فهو مُتَّهَمٌ واهٍ (١)، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني اللَّه أني اغتبت أحدا، وهذا هو واللَّه غاية الورع". اهـ. • وقال في ترجمة: عبد اللَّه بن داود الواسطي التمار من "الميزان" (٤٢٩٦): "وقد قال البخاري: فيه نظر، ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبا". اهـ. • وفي ترجمة: إبراهيم بن يزيد الخوزي من "الكامل" لابن عدي (١/ ٢٢٦): "سمعت محمد بن أحمد بن حماد -يعني الدولابي- يقول: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري: إبراهيم بن يزيد أبو إسماعيل الخوزي المكي، سكتوا عنه يروي عن عمرو بن دينار. قال ابن حماد: يعني سكتوا عنه: تركوه". اهـ. • وقال المزي في ترجمة: عبد الكريم بن أبي المخارق من "تهذيب الكمال" (١٨/ ٢٦٥): "قال الحافظ أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بَيَّنَ مسلمٌ جَرْحَهُ في صَدْر كتابه، وأما البخاري فلم يُنَبِّهْ من أمره على شيء، فدل أنه عنده على الاحتمال؛ لأنه قد قال في "التاريخ": كل من لم أُبَيِّنْ فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال، وإذا قلت: "فيه نظر" فلا يحتمل". اهـ. وقد أهمل ابن حجر هذا النقل في "تهذيب التهذيب" (٦/ ٣٧٩)، ونقله العراقي في "البيان والتوضيح" (ص ١٤٤). لكن في "تهذيب التهذيب" (٦/ ٢٩٠) نقل ابن حجر في ترجمة: عبد الرحمن بن هانىء أبي نعيم النخعي، قولَ البخاري فيه: "فيه نظر، وهو في الأصل صدوق"، فتعرض الشيخ المعلمي لهذه العبارة في "التنكيل" (١/ ٢٨٨) بقوله: "وكلمة: "فيه

стр. 773

نظر" معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، لكن تعقيبه هنا بقوله: "وهو في الأصل صدوق" يخفف من وطأتها". اهـ. قال أبو أنس: تُنظر ترجمة أبي نعيم هذا في قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (٤٥٠)، والأكثر على ضعفه، لكن روى عنه البخاري في "التاريخ" كما قال المزي. ثانيا: قوله: "لم يصح حديثه"، "في إسناده نظر"، "يتكلمون في إسناده ": • في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٢/ ٣٤٥) ترجمة الأخنس، روى عن ابن مسعود، روى عنه ابنه بكير بن الأخنس. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي ينكر على من أخرج اسمه في كتاب "الضعفاء" ويقول: لا أعلم روى عن الأخنس إلا ما روى أبو جناب يحيى بن أبي حية الكوفي، عن بكير بن الأخنس، عن أبيه. فإن كان أبو جناب لين الحديث، فما ذنب الأخنس والد بكير؟ وبكير ثقة عند أهل العلم! فعلق الشيخ المعلمي على هذه الترجمة في حاشية الجرح بقوله: "الذي ذكره في "الضعفاء": البخاري قال -كما في "الضعفاء الصغير": (لم يصح حديثه)، وفي هذا تنبيه على أن الحمل على غيره، وكذلك ذكر البخاري في "الضعفاء": هند بن أبي هالة، وهو صحابي، وقال: (يتكلمون في إسناده)، فهذا اصطلاح البخاري يذكر في "الضعفاء" من ليس له إلا حديث واحد لا يصح على معنى أن الرواية عنه ضعيفة، ولا مشاحة في الاصطلاح". هذا آخر ما وقع اختياره مما يتعلق بالبخاري في هذا الموضع من ترجمته، وفيه أمور أخرى تأتي في ثنايا القسم الآتي من هذا الكتاب، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 774

مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ)

стр. 775

تنقسم النكت المتعلقة بمسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" إلى سبعة مطالب: المطلب الاول: منهجه في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لأحاديثهم، أو شرطه في رجال "صحيحه". المطلب الثاني: الرواة المتكلم فيهم داخل "صحيحه". المطلب الثالث: هل مجرد عدم إخراج مسلم للرجل في "الصحيح" يقتضي ضعفه أو لينه عنده؟ المطلب الرابع: هل عدم إخراج مسلم للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عنده؟ المطلب الخامس: الأحاديث المنتقدة داخل "الصحيح". المطلب السادس: منهج مسلم في عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين. المطلب السابع: منهج مسلم في ترتيب أحاديث الباب. * * * أما الخمسة الأُول فتراجع نظائرها في ترجمة الإمام البخاري السابقة، فهما يشركان في أصل تلك المباحث، وقد ألممنا بشيء منها، ويأتي شيءآخر أثناء عرض المطلب الآتي. وأما المطلب السادس فقد عرضتُه بشيء من التوسع في المبحث الخاص بشرط الاتصال من القسم الثالث من هذا الكتاب، أوردتُّ كلام العلامة المعلمي في هذا الصدد، وأتبعتُه ببعض الملاحظات والتعقبات على ذلك، ثم زدتُّ فصلا في ذِكر
следующие страницы →