← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

المبحث الرابع: اصطلاح البخاري في بعض عبارات الجرح أولاً: قوله: "فيه نظر"، "سكتوا عنه"، "منكر الحديث ": قال الشيخ المعلمي في ترجمة: إسحاق بن إبراهيم الحنيني (٤٢): "ذكروا أن البخاري يقول: "فيه نظر"، أو"سكتوا عنه" فيمن هو عنده ضعيف جدًّا، قال السخاوي في "فتح المغيث" (ص ١٦١): "وكثيرًا ما يعبر البخاري بهاتين ... فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها" ولم يقل البخاري في الحنيني: "فيه نظر" إنما قال: "في حديثه نظر" وبينهما فرق؛ فقوله: "فيه نظر" تقتضي الطعن في صدقه، وقوله: "في حديثه نظر" تشعر بأنه صالح في نفسه، وإنما الخلل في حديثه لغفلةٍ أو سوءِ حفظٍ ... والمقصود هنا أن الحنيني كان صالحا في نفسه، وقد سقنا شواهد ذلك، فأما حديثه فكلمة البخاري تقتضي أنه مطرح لا يصلح حتى للاعتبار ... ". اهـ. المعلمى. قال أبو أنس: أزيد هنا فأقول: • قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٣٩): "وقال بكر بن منير: سمعت أبا عبد الله البخاري يقول: أرجو أن ألقى الله ولا يحاسبني أني اغتبت أحدا. قلت: صدق ﵀، ومن نظر في كلامه في الجرح والتعديل علم ورعه في الكلام في الناس، وإنصافه فيمن يضعفه؛ فإنه أكثر ما يقول: "منكر الحديث"، "سكتوا عنه"، "فيه نظر" ونحو هذا، وقَلَّ أن يقول: "فلان كذاب"، أو "كان يضع الحديث"،

стр. 772

حتى إنه قال: إذا قلت: "فلان في حديثه نظر" فهو مُتَّهَمٌ واهٍ (١)، وهذا معنى قوله: لا يحاسبني اللَّه أني اغتبت أحدا، وهذا هو واللَّه غاية الورع". اهـ. • وقال في ترجمة: عبد اللَّه بن داود الواسطي التمار من "الميزان" (٤٢٩٦): "وقد قال البخاري: فيه نظر، ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالبا". اهـ. • وفي ترجمة: إبراهيم بن يزيد الخوزي من "الكامل" لابن عدي (١/ ٢٢٦): "سمعت محمد بن أحمد بن حماد -يعني الدولابي- يقول: قال محمد بن إسماعيل -يعني البخاري: إبراهيم بن يزيد أبو إسماعيل الخوزي المكي، سكتوا عنه يروي عن عمرو بن دينار. قال ابن حماد: يعني سكتوا عنه: تركوه". اهـ. • وقال المزي في ترجمة: عبد الكريم بن أبي المخارق من "تهذيب الكمال" (١٨/ ٢٦٥): "قال الحافظ أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن سعيد بن يربوع الإشبيلي: بَيَّنَ مسلمٌ جَرْحَهُ في صَدْر كتابه، وأما البخاري فلم يُنَبِّهْ من أمره على شيء، فدل أنه عنده على الاحتمال؛ لأنه قد قال في "التاريخ": كل من لم أُبَيِّنْ فيه جُرْحَةً فهو على الاحتمال، وإذا قلت: "فيه نظر" فلا يحتمل". اهـ. وقد أهمل ابن حجر هذا النقل في "تهذيب التهذيب" (٦/ ٣٧٩)، ونقله العراقي في "البيان والتوضيح" (ص ١٤٤). لكن في "تهذيب التهذيب" (٦/ ٢٩٠) نقل ابن حجر في ترجمة: عبد الرحمن بن هانىء أبي نعيم النخعي، قولَ البخاري فيه: "فيه نظر، وهو في الأصل صدوق"، فتعرض الشيخ المعلمي لهذه العبارة في "التنكيل" (١/ ٢٨٨) بقوله: "وكلمة: "فيه

стр. 773

نظر" معدودة من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، لكن تعقيبه هنا بقوله: "وهو في الأصل صدوق" يخفف من وطأتها". اهـ. قال أبو أنس: تُنظر ترجمة أبي نعيم هذا في قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (٤٥٠)، والأكثر على ضعفه، لكن روى عنه البخاري في "التاريخ" كما قال المزي. ثانيا: قوله: "لم يصح حديثه"، "في إسناده نظر"، "يتكلمون في إسناده ": • في "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم (٢/ ٣٤٥) ترجمة الأخنس، روى عن ابن مسعود، روى عنه ابنه بكير بن الأخنس. قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي ينكر على من أخرج اسمه في كتاب "الضعفاء" ويقول: لا أعلم روى عن الأخنس إلا ما روى أبو جناب يحيى بن أبي حية الكوفي، عن بكير بن الأخنس، عن أبيه. فإن كان أبو جناب لين الحديث، فما ذنب الأخنس والد بكير؟ وبكير ثقة عند أهل العلم! فعلق الشيخ المعلمي على هذه الترجمة في حاشية الجرح بقوله: "الذي ذكره في "الضعفاء": البخاري قال -كما في "الضعفاء الصغير": (لم يصح حديثه)، وفي هذا تنبيه على أن الحمل على غيره، وكذلك ذكر البخاري في "الضعفاء": هند بن أبي هالة، وهو صحابي، وقال: (يتكلمون في إسناده)، فهذا اصطلاح البخاري يذكر في "الضعفاء" من ليس له إلا حديث واحد لا يصح على معنى أن الرواية عنه ضعيفة، ولا مشاحة في الاصطلاح". هذا آخر ما وقع اختياره مما يتعلق بالبخاري في هذا الموضع من ترجمته، وفيه أمور أخرى تأتي في ثنايا القسم الآتي من هذا الكتاب، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 774

مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ)

стр. 775

تنقسم النكت المتعلقة بمسلم رحمه الله تعالى في "صحيحه" إلى سبعة مطالب: المطلب الاول: منهجه في انتقاء رجال "صحيحه" وكيفية إخراجه لأحاديثهم، أو شرطه في رجال "صحيحه". المطلب الثاني: الرواة المتكلم فيهم داخل "صحيحه". المطلب الثالث: هل مجرد عدم إخراج مسلم للرجل في "الصحيح" يقتضي ضعفه أو لينه عنده؟ المطلب الرابع: هل عدم إخراج مسلم للرجل في الأصول يقتضي أنه لا يحتج به عنده؟ المطلب الخامس: الأحاديث المنتقدة داخل "الصحيح". المطلب السادس: منهج مسلم في عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين. المطلب السابع: منهج مسلم في ترتيب أحاديث الباب. * * * أما الخمسة الأُول فتراجع نظائرها في ترجمة الإمام البخاري السابقة، فهما يشركان في أصل تلك المباحث، وقد ألممنا بشيء منها، ويأتي شيءآخر أثناء عرض المطلب الآتي. وأما المطلب السادس فقد عرضتُه بشيء من التوسع في المبحث الخاص بشرط الاتصال من القسم الثالث من هذا الكتاب، أوردتُّ كلام العلامة المعلمي في هذا الصدد، وأتبعتُه ببعض الملاحظات والتعقبات على ذلك، ثم زدتُّ فصلا في ذِكر

стр. 776

مُجمل النِّكات التي ظهرت لي في هذه القضية، وذلك من خلال جواب وضعته على كتاب "إجماع المحدثين على عدم اشتراط العلم بالسماع في الحديث المعنعن بين المتعاصرين" للدكتور/ حاتم العوني. أما هنا فأتناول المطلب الأخير، وهو المتعلق بمنهج مسلم في ترتيب أحاديث الباب. وبالله تعالى التوفيق، ومنه أستمد العون. * * *

стр. 777

المطلب السابع منهج مسلم في ترتيب روايات الحديث في الباب الواحد • تناول الشيخ المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٨ - ٢٩) قصة تأبير النخل، فقال: "أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث طلحة قال: "مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل. فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه؛ يجعلون الذَّكَرَ في الأنثى فيلقح. فقال رسول اللَّه ﷺ : ما أظن يغني ذلك شيئًا. قال: فأخبروا بذلك فتركوه. فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللَّه شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على اللَّه ". ثم أخرجه عن رافع بن خديج وفيه: "فقال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا، فتركوه فنقضت ... فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. قال عكرمة: أو نحو هذا". ثم أخرجه عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس ... وفيه: "فقال: لو لم تفعلوا لصلح". وقال في آخره: "أنتم أعلم بأمر دنياكم". عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوَّتها: يقدم الأصح فالأصح. قوله ﷺ في حديث طلحة: "ما أظن يغني ذلك شيئًا إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صدق قطعًا، وخطأ الظن ليس كذبًا وفي معناه قوله في حديث رافع: "لعلكم ... " وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد؛ لأن حمادًا كان يخطىء.

стр. 778

وقوله في حديث طلحة: "فإني لن أكذب على اللَّه" فيه دليل على امتناع أن يكذب على الله خطأ؛ لأن السياق في احتمال الخطأ، وامتناعه عمدًا معلوم من باب أولى، بل كان معلومًا عندهم قطعًا". اهـ. • وقال الشيخ في "التنكيل" (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨) في باب تنزيه الأنبياء عن الكذب: "فأما الخطأ فلا ريب أن الأنبياء قد يخطىء ظنهم في أمور الدنيا، وأنهم يحتاجون إلى الإخبار (١) بحسب ظنهم إذا احتاجوا إلى ذلك فإنما يخبر أحدهم بأنه يظن وذلك -كما تقدم- صدق حتى على فرض خطأ الظن. فمن ذلك ما جاء في قصة تأبير النخل؛ نشأ النبي ﷺ بمكة وليست بأرض نخل، ورأى عامة الأشجار تثمر ويصلح ثمرها بغير تلقيح، فلا غرو ظنَّ أن الشجر كلها كذلك، فلما ورد المدينة مرَّ على قوم يؤبرون نخلا فسأل فأخبروه فقال: "ما أظن يغني ذلك شيئًا"، وفي رواية: "لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا". فتركوه فلم يصلح فبلغه ﵌ فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإني إنما ظننت ظنًّا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن اللَّه شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على اللَّه". وفي رواية: لا إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. أو كما قال". أخرج مسلم الرواية الأولى من حديث طلحة بن عبيد الله، والثانية من حديث رافع بن خديج، ثم أخرج من طريق حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة وعن ثابت، عن أنس: القصة مختصرة وفيها: أن النبي ﵌ قال: "لو لم تفعلوا لصلح". وحماد على فضله كان يخطىء فالصواب ما في الروايتين الأوليين.

стр. 779

وقوله ﵌: "ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به؛ فإني لن أكذب على الله"، و"إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به" واضح الدلالة على عصمته ﷺ من الكذب خطًا فيما يخبر به عن الله وفي أمر الدين. اهـ. قال أبو أنس: قضية ترتيب مسلم روايات الحديث بحسب القوة قد تعرض لها مسلم في مقدمة "صحيحه"، نورد نصه في ذلك، ثم نعرج على كلام أهل العلم حيال كلامه هناك، ثم نذكر طرفا مما وقفنا عليه من الفوائد المتعلقة بهذه القضية. قال الإمام مسلم: في مقدمة "صحيحه" (ص ٤): " ... ثم إنا -إن شاء الله- مبتدئون في تخريج ما سألتَ وتأليفِه على شريطةٍ سوف أذكرها لك، وهو أنا نعمد إلى جملةِ ما أُسند من الأخبار عن رسول الله ﷺ ، فنقسمها على ثلاثة أقسام، وثلاث طبقات من الناس، على غير تكرار، إلا أن يأتي موضعٌ لا يُستغنى فيه عن ترداد حديثٍ فيه زيادةُ معنًى، أو إسنادٌ يقع إلى جنب إسناد، لِعلةٍ تكون هناك؛ لأن المعنى الزائد في الحديث المحتاج إليه يقوم مقام حديثٍ تام، فلابد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة، أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره إذا أمكن، ولكن تفصيله ربما عَسُر من جملته، فإعادته بهيئته إذا ضاق ذلك أسلمُ، فأما ما وجدنا بدا من إعادته بجملته من غير حاجة منا إليه فلا نتولى فعله إن شاء الله. فأما القسمُ الأول فإنا نتوخى أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى من أن يكون ناقلوها أهلَ استقامةٍ في الحديث وإتقانٍ لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ فاحش، كما قد عُثر فيه على كثير من المحدثين، وبان ذلك في حديثهم.

стр. 780

فإذا نحن تقصَّينا أخبار هذا الصنف من الناس أتبعناها أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان كالصنف المقدم قبلهم، على أنهم -وإن كانوا فيما وصفنا دونهم- فإن اسم الستر والصدق وتعاطي العلم يشملهم، كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم من حُمَّال الآثار، ونُقَّال الأخبار -فهم وإن كانوا بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين- فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة؛ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة، وخصلة سنية. ألا ترى أنك إذا وازنتَ هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم: عطاء، ويزيد، وليثا بـ: منصور بن المعتمر، وسليمان الأعمش، وإسماعيل بن أبي خالد في إتقان الحديث والاستقامة فيه، وجدتَّهم مباينين لهم لا يدانونهم، لا شك عند أهل العلم بالحديث في ذلك للذي استفاض عندهم من صحة حفظ منصور، والأعمش، وإسماعيل، وإتقانهم لحديثهم، وأنهم لم يَعرفوا مثل ذلك من عطاء، ويزيد، وليث. وفي مثل مَجْرى هؤلاء إذا وازنتَ بين الأقران، كابن عون وأيوب السختياني مع عوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني، وهما صاحبا الحسن وابن سيرين، كما أن ابن عون وأيوب صاحباهما، إلا أن البَوْن بينهما وبين هذين بعيدٌ في كمال الفضل وصحة النقل، وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم، ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم. وإنما مَثَّلْنا هؤلاء في التسمية ليكون تمثيلُهم سمةً يصدر عن فهمها من غَبِيَ عليه طريقُ أهل العلم في ترتيب أهله فيه فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كل ذى حق فيه حقه وينزل منزلته.

стр. 781

وقد ذُكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم" مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه نؤلف ما سألتَ من الأخبار عن رسول الله ﷺ . فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم، كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار. وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضًا عن حديثهم. وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفتْ روايتُه روايتهم، أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجورَ الحديث، غيرَ مقبولِه ولا مستعملِه. فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح ابن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعُمر بن صُهبان، ومَن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث، فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به؛ لأن حُكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه قُبلت زيادته.

стр. 782

فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنن لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروى عنهما، أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في "الصحيح" مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم. قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعللة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى". انتهى كلام الإمام مسلم. قال أبو أنس: قد فهم الحاكم من قول مسلم في مقدمته ما يلي: "أنه يفرد لكل طبقة كتابا، ويأتي باحاديثها خاصة مفردة، وأن المنية اخترمته قبل إخراج القسم الثاني، وأنه إنما ذكر القسم الأول". ووافقه تلميذه الحافظ البيهقي (١). وناقشه القاضي عياض: فقال: "هذا الذي تأوله أبو عبد الله الحاكم على مُسْلم من اخترام المنية قبل استيفاء غرضه مما قَبِلَهُ الشيوخ، وتابعه عليه الناسُ في أنه لم يُكْمِلْ غرضه إلا من الطبقة الأولى، ولا أدخل في تأليفه سواها".

стр. 783

وأنا أقول: إن هذا غير مُسَلَّم لمن حقَّق نظره، ولم يتقيد بتقليد ما سمعه، فإنك إذا نظرتَ تقسيمَ مُسْلم في كتابه الحديثَ كما قال على ثلاث طبقات من الناس، فذكر أن القسمَ الأولَ حديثُ الحفاظ، ثم قال بأنه إذا تقصَّى هذا أَتْبَعَهُ بأحاديث من لم يوصف بالحذق والإتقان مع كونهم من أهل الستر والصدق وتعاطي العلم، وذكر أنهم لاحقون بالطبقة الأولى، وسمَّى أسماء من كل طبقة من الطبقتن المذكورتين، ثم أشار إلى ترك حديث من أجمع أو اتفق الأكثر على تهمته، وبقي من اتهمهم بعضُهم وصححه بعضهم فلم يذكره هنا. ووجدته: قد ذكر في أبواب كتابه وتصنيفِ أحاديثه حديثَ الطبقتين الأوليين التي ذكر في أبوابه، وجاء بأسانيد الطبقة الثانية التي سماها وحديثها، كما جاء بالأولى، على طريق الإِتْباع لأحاديث الأولى والاستشهاد بها، أو حيث لم يجد في الكتاب للأولى شيئا، وذكر أقواما تكلم قوم فيهم وزكَّاهم آخرون، وخرج حديثهم ممن ضعف أو اتهم ببدعة، وكذلك فعل البخاري. فعندى أنه قد أَتى بطبقاته الثلاث في كتابه على ما ذَكر ورتَّب في كتابه وبيَّنَهُ في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص عليه (١)، فتأوَّل الحاكمُ أنه إنما أراد أن يُفرد لكل طبقة كتابا، ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة، وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه وبأن من غرضه أن يجمع ذلك في الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى ثم يأتي بالثانية على طريقة الاستشهاد والإتباع، حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة، ويحتمل أن يكون أراد الطبقات الثلاث من الناس الحفاظ، ثم الذين يلونهم، والثالثة هي التي طرحها (٢) والله أعلم بمراده.

стр. 784

وكذلك أيضًا عِلَل الحديث التي ذكر ووعد أنه يأتي بها: قد جاء بها في مواضعها من الأبواب؛ من اختلافهم في الأسانيد، والإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على استيفائه غرضه في تأليفه وإدخاله في كتابه كما وعد به. وقد فاوضتُ في تأويلي هذا ورأيي فيه مَن يفهم هذا الباب، فما وجدت منصفا إلا صوَّبه وبأن له ما ذكرتُ، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّل الكتابَ وطالع مجموعَ الأبواب، والله الموفق للصواب. ولا يعترض على هذا ما نقلتُ عن ابن سفيان من أن مسلما خرج بثلاث كتب، فإنك إذا تأملت ما ذكر ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله تجده كذلك إن شاء الله". اهـ. ثم قال -شارحا لقول مسلم: "وسنزيد إن شاء الله شرحا وإيضاحا ... "-: "قيل: هذا الكلام الذي وعد به ليس منه شيء في الكتاب، وأنه مما اخترمته المنية قبل جمعه، إذ ما أدخله في كتابه من "الصحيح" المتفق عليه ليس يحتاج إلى شيء من الكلام عليه؛ لعلو رتبته، وقلة غلط رواته؛ وحفظهم وإتقانهم، وقد قدمنا الكلام عليه، وأنه قد ذكره في أبواب". اهـ. كلام القاضي. وقد نقل النووي في شرح "صحيح" مسلم عن القاضي قوله في بعض أحاديث "الصحيح": "هذا الإسناد من الأحاديث المعللة في كتاب مسلم التي يبين مسلم علتها كما في خطبته، وذكر الاختلاف فيه" (٤/ ٢٦). وفي موضع آخر عنه: "هذا وشبهه من العلل التي وعد مسلم في خطبة كتابه أنه يذكرها في موضعها، فظن ظانون أنه يأتي بها مفردة، وأنه تُوفي قبل ذِكرها، والصواب أنه ذكرها في تضاعيف كتابه كما أوضحناه في أول هذا الشرح" (١١/ ٨١).

стр. 785

قال أبو أنس: قد تبع الحاكمَ في قوله: تلميذُهُ البيهقي، وتبع القاضي جماعةٌ من المحققين؛ كابن الصلاح والنووي. وفي المسألة نقل كثير، نطويه هنا، ويحتاج البتُّ فيها إلى استقراء صحيح مسلم، مع دراسة أسانيده ومتونه، ومحاولة فهم طريقته في سرد الأحاديث، مع استحضار الأحوال التفصيلية للرواة، وعرض أحاديثه على نظر النقاد؛ ليتبينَ الحالُ. ولابد حينئذ من استخراج النماذج التي تقضي لأحد الرأْيَيْن، بحيادٍ تام وموضوعية، بعيدا عن التعصب لقولٍ دون الآخر، وقد أثارت هذه القضية جدلا في هذا العصر. وهذه مناسبةٌ حسنةٌ لعرض بعض ما وقفتُ عليه حيال ذلك، أسأل الله تعالى التوفيق والسداد. ونُذَكِّرُ بأن محور الخلاف في هذه القضية قديما وحديثا يكمن في سؤالين: ١ - هل خرج مسلم هذه الأقسام من الحديث وتلك الطبقات من الرواة (١) في كتابه "الصحيح" الذي بين أيدينا، أم ليس فيه إلا القسم الأول والطبقة الأولى؟ ٢ - هل يحتوي كتاب "الصحيح" لمسلم على أخبار مُعلَّة ذكرها مسلم على سبيل الشرح والإيضاح منه، كما قال هو، أم أنه أيضا لم يُقدَّر له ذلك في هذا الكتاب، واخترمته المنية كما قال الحاكم؟ وكما هو معلوم، فإنه لا يلزم من وجود الأخبار المعلَّة أن يكون في أسانيدها أحدٌ من أهل الطبقة الثانية.

стр. 786

ويمكن تقسيم النماذج الآتية بحسب قوة وضوحها إلى أنواع: الأول: ما وقفتُ لمسلمٍ فيه على كلام خارج "الصحيح"، وهو أعلاها. الثاني: ما نبَّهَ مسلم عقب إيراده على ما وقع فيه من الوهم أو المخالفة. الثالث: ما يورد فيه مسلمٌ الحديثَ أولا بالسياق المحفوظ، ثم يشير إلى وروده من طريقٍ أخرى يسوق إسنادها أو يقول: بمثل إسناد السابق، لكنه يُعرض عن متنها. الرابع: ما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى. الخامس: ما شرح مسلم فيه ما وقع أحيانا من الإدراج في بعض الأحاديث، دون النص على وقوع ذلك. * * *

стр. 787

النوع الأول ما وقفتُ فيه لمسلمٍ فيه على كلام خارج "الصحيح"، وهو أعلاها نموذج (١) في باب: مواقيت الحج والعمرة (ص ٨٣٨): أخرج مسلم ثلاثة أحاديث: الأول: حديث طاوس عن ابن عباس (١١٨١/ ١١، ١٢): وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم ... أخرجه من طريق حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، ووهيب عن عبد الله بن طاوس -كلاهما: مفرقين- عن ابن عباس بذلك. الثاني: حديث ابن عمر (١١٨٢/ ١٣ - ١٥) من طريق مالك عن نافع، والزهري عن سالم، وعبد الله بن دينار، ثلاثتهم -مفرقين- عن ابن عمر مرفوعا، بالثلاثة مواقيت الأولى في حديث ابن عباس، ويقول في الرابعة: بلغني، وفي رواية: وذُكر لي ولم أسمع، وفي أخرى: وزعموا أن رسول الله ﷺ ولم أسمع ذلك منه، وفي آخرها: وأخْبِرتُ أنه قال: ويهل أهل اليمن من يلملم. الثالث: حديث روح بن عبادة ومحمد بن بكر البرساني -فرقهما- عن ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يُسْأَلُ عن المُهَلّ؟ فقال: سمعت. في رواية روح: ثم انتهى فقال: أُرَاه، يعني النبي ﷺ . وفي رواية محمد بن بكر: أحسبه رفع إلى النبي ﷺ . واتفقا، فقال: مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومُهَلُّ أهل العراق من ذات عرق، ومُهَلُّ أهل نجد من قرن، ومُهَلُّ أهل اليمن من يلملم. اهـ.

стр. 788

أقول: في الحديث الثالث زيادةٌ ليست في واحدٍ من الحديثين الأولين، ألا وهي: ميقات أهل العراق، وفي كلا الطريقين عن ابن جريج عن أبي الزبير شكٌ في رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ ، والشَّك عِلَّةٌ تقدح في الحديث. ومقتضى صنيع مسلم في تأخيره لهذه الرواية أنه لا يرى الرفع فيها محفوظا، وذلك أن الثابت في توقيت ذات عرق لأهل العراق إنما صنعه عمر ﵁، ولم يكن على عهد النبي ﷺ أهل مشرق، كما قاله طاوس، من رواية ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه. قال الشافعي: "لا أحسبه إلا كما قال طاوس". "مسند" الشافعي (١/ ١١٥). وأخرج البخاري (١٥٣١) من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: لما فُتح هذان المِصْران أَتَوْا عُمر، فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حَدَّ لأهل نجد قرنا، وهو جَوْزٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شقَّ علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم. فحدَّ لهم ذات عرق. اهـ. والمراد بالمصران: الكوفة والبصرة. وقد أعلَّ مسلم كُلَّ ما جاء أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق. ففي كتاب "التمييز" له ص (٢١٢) قال: "ذِكْر حديث منقول على الخطأ في الإسناد والمتن. حدثنا إسحاق، أنا عبد الرزاق، قال: سمعت مالكا يقول: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل العراق قرنا. فقلت: من حدثك هذا يا أبا عبد الله؟ قال: أخبرنيه نافع، عن ابن عمر ... قال عبد الرزاق: وأخبرني بعض أهل المدينة أن مالكا بأخرة محاه من كتابه. قال مسلم: ذِكْر الروايات التي فيها بيان خطأ هذه الرواية عن عبد الرزاق.

стр. 789

ثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله ﷺ قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن، قال عبد الله: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ويهل أهل اليمن من يلملم. ثم سَرَدَ مسلمٌ طرق هذا الحديث عن ابن عمر، وابن عباس، وجابر، وعطاء مرسلا، وذكر ألفاظَ كُلِّ رجلٍ منهم بعد أن بين أن رواية عبد الرزاق عن مالك خطأ غير محفوظ، هكذا حكى راوي الكتاب عن مسلم. ثم قال مسلم: فأما الأحاديث التي ذكرناها من قَبْلُ أن النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق ذات عرق، فليس منها واحد يثبت (١). وذلك أن ابن جريج قال في حديث أبي الزبير عن جابر (٢). فأما رواية المعافى بن عمران عن أفلح، عن القاسم، عن عائشة، فليس بمستفيض عن المعافى، إنما روى هشام بن بهرام، وهو شيخ من الشيوخ، ولا يُقَرّ الحديث بمثله إذا تفرد (٣).

стр. 790

وأما حديث يزيد بن أبي زياد، عن محمد بن علي، عن ابن عباس: فيزيد هو ممن اتقى حديثه الناس، والاحتجاج بخبره إذا تفرد؛ للذي اعتبروا عليه من سوء الحفظ والمتون في رواياته التي يرويها. ومحمد بن علي لا يُعلم له سماع من ابن عباس، ولا أنه لقيه، أو رآه. وأما رواية جعفر، عن ميمون بن مهران، عن ابن عمر، فلم يُحْكِمْ حِفْظَهُ؛ لأن فيه: لأهل الطائف قرنا. وفي رواية سالم ونافع وابن دينار: ولأهل نجد قرنا، وميَّزوا في رواياتهم لأهل اليمن أن ابن عمر لم يسمع ذلك من النبي ﷺ . وفي رواية ميمون: جعل لأهل المشرق ذات عرق. وسالم ونافع وابن دينار؛ كل واحد منهم أول بالصحيح عن ابن عمر من ميمون الذي لم يسمعه من ابن عمر. اهـ. قال أبو أنس: قد أعلَّ مسلمٌ كُلَّ الرواياتِ المشتملة على رفع توقيت ذات عرق لأهل العراق، وقد أخرج منها حديثا واحدا، اكتفى في إعلاله بوقوع الشك في رفعه من طريقين عن ابن جريج. قال النووي في شرح "صحيح مسلم" (٨/ ٨١): "ذكر مسلم في الباب ثلاثة أحاديث، حديث ابن عباس أكملها؛ لأنه صرح فيه بنقله المواقيت الأربعة من رسول الله ﷺ ، فلهذا ذكره مسلم في أول الباب، ثم حديث ابن عمر؛ لأنه لم يحفظ ميقات أهل اليمن، بل بلغه بلاغا، ثم حديث جابر؛ لأن أبا الزبير قال: "أحسب جابرا رفعه"، وهذا لا يقتضي ثبوته مرفوعا". اهـ. * * *

стр. 791

نموذج (٢) في باب: من باع نخلا عليها ثمر (ص ١١٧٢): أورد مسلم حديث ابن عمر من طريقين عنه. بدأ برواية نافع (١٥٤٣) (٧٧ - ٧٩) عن ابن عمر-من رواية مالك، وعبيد الله والليث، وأيوب، عن نافع- أن رسول الله ﷺ قال: "من باع نخلا قد أُبِّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع" هذا لفظ مالك. ثم ثَنَّى برواية سالم (١٥٤٣) (٨٠) عن ابن عمر -من رواية الليث، وابن عيينة ويونس-مفرَّقين -: جميعا عن الزهري، عن سالم- مرفوعا، بنحو حديث نافع، وزاد: ومن ابتاع عبدا فمالُه للذي باعه، إلا أن يشرط المبتاع. قد اتفق نافع وسالم على رواية قصة النخل عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، فرفعاها جميعا عن ابن عمر، واختلفا في قصة العبد؛ فرفعها سالم، ووقفها نافع، عن ابن عمر، عن عمر. هذا هو المحفوظ عنهما. لكن قد اكتفى مسلم بتصدير القَدْر المرفوع من حديث نافع، وهو أصح ما ورد في هذا الباب، ولم يختلف فيه. وأخَّر حديثَ سالم، على الرغم من اشتماله على زيادة، ولو كان قاصدا تصحيح قصتي النخل والعبد جميعا مرفوعتين لقدَّم روايةَ سالم؛ لأن اللفظَ التامَّ أَوْلَى. ومما يؤيد ذلك ويقويه أن مسلما قد سُئل عن اختلاف سالم ونافع في قصة العبد، فقال: القول ما قال نافع، وإن كان سالم أحفظ منه. أسنده البيهقي في "سننه الكبرى" (٥/ ٣٢٤)، وانظر "فتح الباري" (٤/ ٤٠٢) ومقدمته (ص ٣٦١) و"تهذيب السنن" لابن القيم (٥/ ٧٩).

стр. 792

وهذا قاض لهذا التوجيه بالصحة، والله تعالى الموفق. وهذا من الأحاديث التي اختلف فيها سالم ونافع عن ابن عمر، لكن قدَّم الحفاظ رواية نافع على الرغم من جلالة سالم وحفظه. وقد كانت رواية نافع -من رواية هؤلاء الكبار عنه- كافيةٌ في الباب، إلا أن مسلما أراد تدعيمَ روايته برواية سالم، لكن في قصة النخل، مشيرا في نفس الوقت إلى تقديم رواية نافع، كما سبق بيانه. وقد وافق مسلما على تقديم رواية نافع: النسائي في سننه، وجماعة من الحفاظ، كما قاله ابن القيم في "تهذيب السنن" (٥/ ٨٠). أما البخاري، ومِن قَبله الإمام أحمد، وجماعة من الحفاظ، كما قال ابن القيم، فقد قالوا: هُما جميعا صحيحان عن النبي ﷺ يعني أن في حديث سالم زيادةً على حديث نافع، وهي مقبولة. أخرج البخاري (٢٣٧٩) حديث سالم بالقصتين، ثم قال: وعن مالك عن نافع عن ابن عمر عن عمر في العبد، وقد أخرج حديث نافع بقصة النخل في (٢٢٠٤) (٢٧١٦). ونقل الترمذي عن البخاري في الجامع (١٢٤٤) ترجيحَ قول سالم، ونقل عنه في العلل تصحيح الروايتين. * * *

стр. 793

نموذج (٣) في أول كتاب القسامة (ص ١٢٩١): ذكر مسلم (١٦٦٩/ ١) حديث سهل بن أبي حثمة -ورافع بن خديج في بعض الطرق- قال: خرج عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد، حتى إذا كانا بخيبر، تفرقا في بعض ما هنالك، ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا، فدفنه، ثم أقبل إلى رسول الله ﷺ هو وحويصة بن مسعود وعبد الرحمن بن سهل ... فقال لهم رسول الله ﷺ : أتحلفون خمسين يمينا فتستحقون صاحبكم -أو قاتلكم-؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يمينا؟، قالوا: وكيف نقبل أيمان قوم كفار؟ فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ أعطى عَقْلَه. اهـ. وفي روايةٍ: فَوَداهُ مِنْ عنده. وفي أخرى: فعقله رسول الله ﷺ مِنْ عنده. أخرجه مسلم (١٦٦٩/ ١ - ٤) بنحو هذه الألفاظ من طريق جماعة من الحفاظ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشَيْر بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة به. ثم أخرجه (١٦٦٩/ ٥) من طريق عبد الله من نمير: حدثنا سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الأنصاري، عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر، فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلا. قال مسلم: وساق الحديث، وقال فيه: فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه مائة من إبل الصدقة. اهـ. أقول: يلاحظ أن مسلمًا اكتفى بقوله: وساق الحديث -يعني سعيد بن عبيد- ولم يذكر لفظه، وذلك لأنه قد شرح ما وقع فيه من الوهم لسعيد بن عبيد في كتابه "التمييز".

стр. 794

ففيه (ص ١٩١): "مِنَ الحديث الذي نُقل على الوهم في متنه ولم يُحفظ". ثم ساق حديث سعيد بتمامه من نفس طريق "الصحيح". وفيه بعد قوله: فوجدوا أحدهم قتيلًا: "فقلنا للذين وجدناه عندهم: قتلتم صاحبنا. قالوا: ما قتلنا ولا علمنا. قال: تجيئون بالبيّنة على الذين تدعون عليهم؟ قالوا: ما لنا ببينة. قال: فيحلفون لكم. قالوا: لا نقبل أيمان يهود. فكره رسول الله ... ". ثم أشار إلى أنه قد رواه أبو نعيم أيضًا عن سعيد. ورواية أبي نعيم قد أخرجها البخاري في "الصحيح" (٦٨٩٨) وكذا النسائي وأبو داود. ثم قال مسلم: "هذا خبرٌ لم يحفظه سعيد بن عُبيد على صحته، ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله ﷺ على جهته. وذلك أن في الخبر حُكم النبي ﷺ بالقسامة: أن يحلف المدَّعُون خمسين يمينا ويستحقون قاتلهم، فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي ﷺ : تبرئكم يهود بخمسين يمينا، فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي ﷺ عَقْلَهُ. اهـ. ثم لخص مسلم طرق هذا الحديث عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بُشير بن يسار، بمثل ما ساقه في "الصحيح". وزاد طرقا أخرى، ثم قال: قد ذكرنا جملةً من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله ﷺ ، وكلها مذكور فيها سؤال النبي ﷺ إياهم قسامة خمسين يمينا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي ﷺ سألهم البَيِّنة، إلا ما ذكر سعيد من عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر، فلم يذكره.

стр. 795

وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة. وغير مُشْكَلٍ على من عقل التمييز من الحفاظ من نَقَلَةِ الأخبار ومن ليس كمثلهم: أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد، وأرفع منه شأنا في طريق العلم وأسبابه. فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعا في الرواية عن بُشير بن يسار، لكان الأمر واضحا في أن أَوْلاهما بالحفظ: يحيى بن سعيد، ودافعٌ لما خالفه. اهـ. ثم ذكر مسلم -استطرادا- وجوها أخرى للخلاف في متن هذا الحديث، فقال: "غير أن الرواة قد اختلفوا في موضعين من هذا الخبر سوى الموضع الذي خالف فيه سعيد، وهو أن بعضهم ذكر في روايته أن النبي ﷺ بدأ المدَّعِين بالقسامة، وتلك رواية بُشير بن يسار ومن وافقه عليه، وهو أصح الروايتين. وقال الآخرون: بل بدأ بالمدَّعَى عليهم. والموضع الآخر: أن النبي ﷺ وَداهُ مِنْ عنده، وهو ما قال بُشير في خبره، ومن تابعه. وقال فريق آخر: بل أغرم النبي ﷺ يهودا الدية، وحديث بُشير -يعني: ابن يسار- في القسامة، أقوى الأحاديث فيها وأصحها. اهـ. قال أبو أنس: بهذا البيان البديع، والشرح الماتع، يتضح أن مسلما قد وفَّى بما وعد به في مقدمة "صحيحه"، وألزم نفسه به: أنه يبدأ بالأحاديث ذات الطرق والمتون الأسلم من العيوب وهي أقوى وأصح ما ورد عنده في الأبواب التي يعقدها في "صحيحه". وما يُؤخِّرُه ليس بهذه الصفة، وربما يشتمل مع ذلك على عِلَّةٍ أو وهمٍ لبعض الرواة، تتباين وسائلُ شرحه لها، وتنبيهه عليها بحسب كل موضع وما يليق به.

стр. 796

ولو عُثِر على كتاب "التمييز" كاملا، لأبان عن أكثر ما أودعه مسلم في تضاعيف كتابه "الصحيح" من الصناعة الحديثية التي يرتاب فيها أو يهابها كثير من الباحثين. وَرَأْيُ مسلمٍ في رواية سعيد بن عبيد واضحٌ من منطوق كلامه في "التمييز" أنه يراها وهما من سعيد، ومن مفهوم صنيعه في "الصحيح". وشرح ذلك -على فرض أننا لم نقف على كلامه في "التمييز"- أنه قد ساق حُكم القسامة من خلال ما اشتهر من طريق جماعة من الحفاظ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن بشير بن يسار في ذلك، وهو البدء باستحلاف خمسين من المدَّعِين، فلما أَبَوْا عرض عليهم استحلاف مثلهم من المدَّعى عليهم. ثم لما ذكر حديث سعيد بن عبيد، ولم يسق لفظه تاما كما فعل مع حديث يحيى، ولم يقل: مثله أو نحوه، ليدل على أنه لم يسق لفظه اختصارا، أثار ذلك هِمَّةَ الباحث لينظر في لفظ حديث سعيد من طريق مسلم، فلما وُجد في لفظه البدءُ بسؤال البينة، وعدم ذكر الخمسين في المستحلَفِين، عَلم أن مسلما لو كان يرى أن لفظ سعيد محفوظا، لما ساغ له طيُّه في معرض بيان حكمٍ عن رسول الله ﷺ ، بخلاف ما لو كان لفظ سعيد موافقا للفظ يحيى. فلما تحقق الباحث من هذه المعطيات، ترجح عنده أن مسلما قصد الإعراض عن سياق لفظ سعيد لما يراه من وهمه فيه. وقد كان يمكن لمسلم أن يسوق لفظ سعيد بتمامه، وينبه على وهمه صراحة، لكنه قد نصب أماراتٍ تُرشد الباحث إلى مراده من ذلك، تعلم بالاستقراء والتتبع والنظر. وإنما شَرْحُ تلك العلل وبيان أوهام الرواة موضعه كتابٌ كالتمييز له، فهذا هو مقام التفصيل، أما "الصحيح" فإنه إذا احتاج إلى شيء منه لمزيد فائدة، فإنما يسلك في ذلك طرائق عدة، ولكل مقام مقال.

стр. 797

وشاء الله أن يُسَطِّرَ مسلم رأيه في كثير من الأحاديث التي احتاج إلى إيراد بعضها في "الصحيح" ليجلي طريقته التي أشار إليها في مقدمة "صحيحه"، لئلا تبقى خافيةً على من ينظر في كتابه "الصحيح"، إلا أنه قد فُقد كثر ذلك، فَوَعَرَ الطريق، واحتاج الأمر إلى مزيد بحث مع كثير من التوفيق والاحتياط. * * * استطراد: أما البخاري فقد ذكروا أنه لا يذهب إلى القول بالقسامة؛ لأنها مما خالفت فيه بقيةَ الحقوق من حيث أن القاعدة: "البينة على من ادَّعَى، واليمن على من أنكر". وقد أقام البخاري الشواهد والقرائن الدالة على مذهبه هذا، ففي باب القسامة من "صحيحه" (١٢/ ٢٣٩ فتح) قال: وقال الأشعث بن قيس: قال النبي ﷺ : "شاهداك أو يمينه". وقال ابن أبي مليكة: لم يُقِدْ بها معاوية. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة -وكان أمَّره على البصرة- في قتيلٍ وُجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يُقضي فيه إلى يوم القيامة. ثم أخرج حديث سعيد بن عبيد عن بشير بن يسار الذي فيه: تأتون ببينة على من قتله، قالوا: ما لنا بينة. قال: فيحلفون. ثم أخرج قصة سؤال عمر بن عبد العزيز للناس عن القسامة فقالوا: نقول القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء، وسؤاله لأبي قلابة، وإنكار أبي قلابة لها. واحتجاجه فيما احتج بما ذكره -مرسلا- من قصة تشبه قصة عبد الله بن سهل ومحيصة -أو لعلها هي- وفيها أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوه؟ فقالوا: ما

стр. 798

يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم ينتفلون. قال: أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم؟ قالوا: ما كنا لنحلف. فوداه من عنده. والنَّفْل هو الحلف. فلم يخرج البخاري في باب القسامة إلا ما يؤيد عدم القول بمقتضى القسامة الواردة في حديث يحيى بن سعيد عن بُشير بن يسار. وقد أخرج مع ذلك حديث يحيى بن سعيد ومالك عن أبي ليلى في أبواب أُخر بعيدة عن باب القسامة. أخرج الأول في باب: الصلح مع المشركين (٢٧٠٢) من كتاب الصلح؛ لقول سهل بن أبي حثمة: "انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد إلى خيبر، وهي يومئذ صلح ... " والمراد مصالحة أهلها اليهود مع المسلمن. ثم أخرجه في باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره ... من كتاب: الجزية والموادعة (٣١٧٣) لنفس السبب. ثم أخرجه في باب: إكرام الكبير، ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال من كتاب: الأدب (٦١٤٢) لقوله في الحديث: فبدأ عبد الرحمن -وكان أصغر القوم- فقال النبي ﷺ : كَبِّرِ الكُبْرَ. قال يحيى: ليلي الكلام الأكبر. وأخرج الثاني -حديث مالك عن أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل- في باب: كتاب الحاكم إلى عُمَّاله، والقاضي إلى أمنائه من كتاب: الأحكام (٧١٩٢) لقوله: "فكتب رسول الله ﷺ إليهم -أي إلى أهل خيبر- به". فقد أخرج الرواية المشتملة على القسامة في أربعة مواضع من "الصحيح" مُبْعدا لها عن بابها (١).

стр. 799

وهذا مما تَنَوَّعَ فيه تصرفُ الشيخين في التعبير عن رأيهما في هذا الحديث. وحديث سعيد بن عبيد قد أعله الإمام أحمد، ففي كتاب "التمهيد" لابن عبد البر (٢٣/ ٢٠٩): " ... وحكى الأثرم عن أحمد بن حنبل أنه ضعف حيث سعيد بن عبيد هذا عن بشير بن يسار. وقال: الصحيح ما رواه عنه يحيى بن سعيد، وإليه أذهب". اهـ. وقال ابن رجب الحنبلي في "جامع العلوم والحكم" (ص ٣١٣): " ... ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائي؛ فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين، وقد ذُكر للإمام أحمد مخالفةُ سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، فنفض، وقال: ذاك ليس بشيء ... وتواطؤ الأخبار بخلافه يقضي عليه بالغلط" اهـ. وقال ابن القيم في "تهذيب السنن" (٦/ ٣٢١): "الصواب رواية الجماعة الذين هم أئمة أثبات أنه بدأ بأيمان المدَّعِين، فلما لم يحلفوا ثَنَّى بأيمان اليهود، وهذا هو المحفوظ في هذه القصة، وما سواه وهم، وبالله التوفيق. وقد نحا البيهقي إلى الجمع بين الروايتين في ذلك، فقال في رواية سعيد بن عبيد: "كأنه أراد بالبينة: أيمان المدعين، مع اللَّوْث (١)، كما فسره يحيى بن سعيد وطالبهم بالبينة كما في هذه الرواية فلما لم يكن عندهم بينة عرض عليهم الأيمان كما في رواية يحيى بن سعيد، فلما لم يحلفوا ردها على اليهود، كما في الروايتين جميعا (٢) ". اهـ.

стр. 800

وبنحو هذا قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٤٤). وفي حديث القسامة يقول القاضي عياض - كما نقله عنه الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٤٥): "هذا الحديث أصل من أصول الشرع، وقاعدة من قواعد الأحكام، وركن من أركان مصالح العباد، وبه أخذ كافة الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين، وإن اختلفوا في صورة الأخذ به. وروي التوقف عن الأخذ به عن طائفة، فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكما، وهذا مذهب: الحكم بن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية، وإليه ينحو البخاري، وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه. اهـ. وبعد، فالذي يعنينا هنا أصالةً فهو: كيف عَبَّر مسلمٌ عن رأيه في هذا الحديث داخل "الصحيح"، وقد اتضح ذلك، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 801

النوع الثاني ما نبَّهَ مسلم عقب إيراده على ما وقع فيه من الوهم أو المخالفة نموذج (١) في باب: المستحاضة وغسلها وصلاتها من "الصحيح" ص (٢٦٢) ذكر مسلم (٣٣٣/ ٦٢) حديثَ هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، في سؤال فاطمة بنت أبي حبيش للنبي ﷺ في استحاضتها وصلاتها، وقول النبي ﷺ لها: "إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي". أخرجه من طريق وكيع عن هشام. ثم ذكر من حديث عبد العزيز بن محمد، وأبي معاوية -جمعهما- وجرير، وعبد الله من نمير، وحماد بن زيد -فرقهم-: كلهم عن هشام. قال مسلم: بمثل حديث وكيع وإسناده. ثم قال: وفي حديث حماد بن زيد زيادةُ حرفٍ تركنا ذكره. اهـ. أقول: فقد أشار مسلم إلى اتفاق وكيع، والدراوردي، وأبي معاوية الضرير، وجرير بن عبد الحميد، وعبد الله بن نمير، جميعا عن هشام في لفظ هذا الحديث. لكن في حديث حماد وحده عن هشام زيادةُ حرف، ترك مسلم ذكره لينبه على خطئه، وهذا الحرف هو الأمر بالوضوء وهو قوله: "اغسلي عنك الدم وتوضئي".

стр. 802

والمحفوظ أن هذا الحرف إنما هو من قول عروة، كذلك خرجه البخاري في كتاب الوضوء من طريق أبي معاوية، عن هشام، فذكر الحديث، وقال في آخره: قال: وقال أبي: "ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت". اهـ. فأدرجه حماد بن زيد في الحديث، راجع لذلك "السنن الكبرى" للبيهقي (١/ ١١٦) و"فتح الباري" لابن رجب (٢/ ٦٩ - ٧٣)، وغيرها. والمقصود أن مسلما عبر عن إعلاله لهذه الزيادة بتركه لذكرها أصلا، وتنبيهه على هذا الترك؛ ليعلم الناظر في هذا الموضع رأيه في ذلك. ولم يكن سائغا له أن يشير إلى رواية حماد بن زيد دون التنبيه على ما فيها من الزيادة، لكن كان من السائغ أن يذكر هذه الزيادة بلفظها، كأن يقول: وفي حديث حماد بن زيد زيادة: وتوضئي، ثم يحكم عليها بالخطأ. لكنه آثر طريقة الإشارة في هذا الموضع، دون التنصيص. * * *

стр. 803

نموذج (٢) ذكر مسلم في "صحيحه" (١٦٢/ ٢٥٩) حديث حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، في قصة الإسراء بطولها، ومختصرة (١٦٢/ ٢٦١). ثم أورد (٢٦٢) من حديث ابن وهب، عن سليمان بن بلال، قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدثنا عن ليلة أسري برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام. قال مسلم: وساق الحديث بقصته نحو حديث ثابت البناني، وقدَّم فيه شيئا وأخَّر، وزاد ونقص. اهـ. أقول: قد عبَّر مسلمٌ عما يراه من أوهام شريك في هذا الحديث بتلك العبارة: "قدَّم وأخَّر"، و"زاد ونقص". ولو كان ذلك السياق بهذا التقديم والتأخير، والزيادة والنقصان محفوظا عند مسلم في حديث أنس؛ لما تردد في إيراده هنا؛ لأنه قد جمع في هذا الموضع ما رآه صحيحا في قصة الإسراء. وقد كان يمكن أن يُعرض مسلم عن ذكر حديث شريك أصلا، لكنه أراد التنبيه على أوهامه وتفرداته فيه، لِمَا وعد من شرح وإيضاح الأخبار المعلَّة في أماكنها. وقد عَدَّ ابنُ القيم ومِن بعده ابنُ حجر أكثر من عشرة أشياء خالف فيها شريكٌ غيرَه من المشهورين في سياق هذا الحديث. انظر "الفتح" (١٣/ ٤٩٤). وقد نقل ابن حجر (١٣/ ٤٨٨) استنكارَ جماعة من الحفاظ والمحققين لأوهام شريك في هذا الحديث؛ منهم: الخطابي، وابن حزم، وعبد الحق الإشبيلي، والقاضي

стр. 804

عياض، والنووي. قال ابن حجر ص (٤٩٣): "وقد سبق إلى التنبيه على ما في رواية شريك من المخالفة: مسلمٌ في "صحيحه"، فإنه قال بعد أن ساق سنده وبعض المتن، ثم قال: "فقدَّم وأخَّر، وزاد ونقص". استطراد: أما البخاري فقد خرج حديث الإسراء في أول كتاب الصلاة، باب: كيف فرضت الصلوات في الإسراء (٣٤٩) من طريق يونس، عن الزهري، عن أنس، عن أبي ذر به، مرفوعا بطوله، ثم أخرجه مختصرا من حديث يونس أيضا في كتاب الحج باب: ما جاء في زمزم (١٦٣٦). ثم أخرجه كذلك مطولا في كتاب أحاديث الأنبياء باب ذكر إدريس ﵇ (٣٣٤٢). وأخرجه في كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة رقم (٣٢٠٧) من طريق قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة مرفوعا مطولا. وكذلك في (٣٣٩٣) (٣٤٣٠) مختصرا و (٣٨٨٧) في كتاب مناقب الأنصار، باب: المعراج مطولا، ولعل هذا هو أليق موضع به؛ لأن البخاري قد بوب باسمه، ولذا فقد ادَّخَر الحافظ ابن حجر شرحه مفصلا فيه. ثم ختم البخاري مواضع هذا الحديث من "الصحيح" بإخراجه في آخر الكتاب، باب ما جاء في قوله : ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ من كتاب التوحيد، رقم (٧٥١٧) من طريق سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس بن مالك بتمامه. والحافظ ابن رجب كلما تناول شيئا من رواية شريك أثناء شرحه لأول موضع في كتاب الصلاة، يقول: الذي خرجه البخاري في آخر كتابه "الصحيح"، فقد جاء ذلك في أربعة مواضع من كلامه (٢/ ٣١١، ٣١٤، ٣١٦، ٣١٩)، وهو مشعر بما

стр. 805

يتبادر إلى ذهن الممارس لصحيح البخاري، بأن تأخير رواية شريك إلى آخر الكتاب، يُلمح إلى حاله عنده في الجملة، بأنه لا يعتمد عليه في تفاصيل سياقه للحديث، والمعتمد عنده قد قدَّمه قبل ذلك مطولا ومختصرا. ولا يبعد أن يريد تنبيه الناظر إلى ما خالف فيه شريك غيره من الحفاظ. فبينما نبه مسلم على ذلك إجمالا، فقد نبه البخاري عليه تفصيلا، وطريقةُ مسلم أسلمُ وأوضحُ وأقطعُ للاختلاف في مقصوده، ولذا لم يَسلم البخاري من انتقاد مَنْ استنكر ألفاظا وعباراتٍ في حديث شريك؛ كالخطابي، وهو معذور في ذلك، لكن ما طرحناه من طريقة البخاري في إخراج أحاديث الإسراء أليقُ بالبخاري وإمامته وبراعته، وذلك أَوْلَى من إلصاق العيب على كتابه واختياره، والله تعالى الموفق. نموذج (٣) انظر الحديث رقم (١١٦٢) من الصحيح. * * *

стр. 806

النوع الثالث ما يورد فى فيه مسلمٌ الحديثَ أولا بالسياق المحفوظ، ثم يشير إلى وروده من طريقٍ أخرى يسوق إسنادها أو يقول: بمثل إسناد السابق، لكنه يُعرض عن متنها نموذج (١) في باب التيمم من "الصحيح ". ذكر مسلم حديث شعبة (٣٦٨/ ١١٢) أخرجه من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء ... وفيه قول عمار عن النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بها وجهك وكفيك". فقال عمر: اتق الله يا عمار. قال: إن شئت لم أحدث به. قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه مثل حديث ذر. قال (١): وحدثني سلمة، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم. فقال عمر: نوليك ما توليت. أقول: فقد ساق مسلم لفظ حديث شعبة عن الحكم، ثم أشار إلى أن لشعبة فيه إسنادا آخر عن سلمة بن كهيل بمثل إسناد الحكم بن عتيبة، لكن مسلما لم يذكر لفظ سلمة، بل اكتفى منه بقول عمر لعمار: نوليك ما توليت.

стр. 807

فذكر مسلم اتحاد إسناد شعبة عن الحكم وسلمة. لكن بالنظر في لفظ حديث سلمة، وُجد أنه كان يشك فيه: هل ذكر في الحديث مسح الكفين أو المرفقين. وكان أحيانا يحدث سلمة به ويقول: إلى الذراعين. فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر، فقال سلمة: لا أدري أذكر الذراعين أم لا؟ خرج ذلك أبو داود (٣٢٤، ٣٢٥) والنسائي (٣١٢، ٣١٩). وقد حكى ابن رجب نحو هذا عن سلمة في شرحه لـ"صحيح" البخاري، ثم قال (٢/ ٢٤٤): "ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة" وسكت عن اللفظ؛ فإنه مختلف". اهـ. ولم يخرج البخاري حديث شعبة إلا من روايته عن الحكم، فإنها متفقة، ذكره من طريق ستة عن شعبة بهذا، ولم يخرج طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة التي خرجها مسلم، قال ابن رجب: "لم يخرجها لأمرين: أحدهما: أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل، فخالفا شعبة في إسناده، على اختلاف عليهما فيه. والثاني: أن سلمة شك ... ". أقول: أما مسلم، فقد جمع بين الحسنيين، أخرج اللفظ المتفق المحفوظ من رواية شعبة عن الحكم، من الوجه المشتمل أيضا على رواية شعبة عن سلمة بمثل إسناد الحكم، وأشار إلى اختلاف لفظه فلم يَسُقْهُ، وإنما أشار إلى اتحاد الإسناديين فقط.

стр. 808

نموذج (٢) راجع النموذج الآتي المتعلق بصلاة الكسوف في النوع الرابع . أقول: يحتاج هذا النوع إلى عمل استقراء لكتاب "الصحيح"؛ فمسلم يكثر من إحالة الأحاديث بعضها على بعض بعبارات مثل: بنحوه، بمثله، بإسناده ... فينظر مدى اتفاق اللفظن والسياقين، وهل توجد فروق مؤثرة يمكن أن يكون مسلم أعرض عن ذكرها لما يراه من وهمٍ أو علةٍ؟ * * *

стр. 809

النوع الرابع ما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى . نموذج (١) الأحاديث الواردة في صفة صلاة الكسوف . قد اختُلف في عدد الركعات -أي الركوعات- في صلاة الكسوف، بعد الاتفاق على أنها ركعتان، وفي كل ركعة سجدتان. فقيل: في كل ركعة ركوعان، وقيل ثلاث، وقيل أربع. فعلى الأول يكون عدد الركوعات في الصلاة: أربع، وعلى الثاني: ست، وعلى الثالث: ثمان ركوعات. انقسم أهل العلم حيالَ ذلك إلى قسمين: قسمٍ صحَّحوا جميعَ ما ورد في ذلك، وذهبوا إلى تعدد صلاته ﷺ للكسوف، فصلى في كل مرة عددا من الركوعات في الركعة بحسب طول فزة الكسوف، فإنه كان يصلي حتى تنجلي الشمس، فحكى كل صحابي ما حضره من ذلك، فصار الجميعُ سنةً يشرع الأخذ بأيٍّ منها. من هؤلاء: إسحاق بن راهوية والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، وقوَّاه النووي في شرح مسلم. وقسمٍ لم يصححوا إلا صفة واحدة منها، وهي الأولى، وذهبوا إلى خطأ ما عداها، واستندوا في ذلك إلى قوة وشهرة طرقها، وأنه قد ثبت في غير ما طريق منها ومن بعض الصفات الأخرى أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ قد قال في تلك المناسبة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ... ".

стр. 810

وكثير من سائر الطرق قد ثبت فيها قوله هذا دون ذكر موت إبراهيم، وهو المراد من جوابه هذا عما قد يتبادر إلى أذهان البعض أن هذا الكسوف إنما حصل لموت إبراهيم، فالتصريح بأن ذلك كان في ذلك اليوم، أو الإشارة إليه بهذا القول المذكور - يدل على أن هذه الصلاة إنما صلاها ﷺ مرة واحدة بصفة واحدة فوجب المصير إلى الترجيح بين الصفات الواردة فتعين ترجيح الصفة الأولى لما ذكرنا قَبلُ من قوة طرقها وشهرة رجالها. من هؤلاء: الشافعي، والبخاري، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن حجر. أقول: أما البخاري فلم يخرج سوى الأحاديث المشتملة على الصفة الأولى، وأعرض عن سائرها، فأخرج حديث عائشة من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة عنها به (١٠٦٦)، وأخرج حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (١٠٥١) وحديث ابن عباس من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه به (١٠٥٢). ونقل الترمذي في العلل الكبير (ترتيبه ١/ ٢٩٩) عن البخاري قوله: "أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات". اهـ. أما مسلم فقد تجشَّم إخراجَ أحاديث الصفات الثلاث. وبتأمّل سياق مسلم لتلك الأحاديث يلاحظ ما يلي: • أخرجَ مسلمٌ صلاةَ الكسوف لتسعة من الصحابة، بدأ بأربعةٍ منها؛ تشتمل على عدد الركوعات في كل ركعة، هؤلاء الأربعة هم الثلاثة الذين أخرج لهم البخاري كما سلف، وهم: عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، يضاف إليهم: جابر بن عبد الله ﵁.
следующие страницы →