النوع الثالث
ما يورد فى فيه مسلمٌ الحديثَ أولا بالسياق المحفوظ، ثم يشير إلى وروده من طريقٍ أخرى يسوق إسنادها أو يقول: بمثل إسناد السابق، لكنه يُعرض عن متنها
نموذج (١)
في باب التيمم من "الصحيح ".
ذكر مسلم حديث شعبة (٣٦٨/ ١١٢) أخرجه من طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة قال: حدثني الحكم، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، أن رجلا أتى عمر، فقال: إني أجنبت فلم أجد ماء ...
وفيه قول عمار عن النبي ﷺ : "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بها وجهك وكفيك". فقال عمر: اتق الله يا عمار. قال: إن شئت لم أحدث به.
قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه مثل حديث ذر. قال (١): وحدثني سلمة، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم. فقال عمر: نوليك ما توليت.
أقول:
فقد ساق مسلم لفظ حديث شعبة عن الحكم، ثم أشار إلى أن لشعبة فيه إسنادا آخر عن سلمة بن كهيل بمثل إسناد الحكم بن عتيبة، لكن مسلما لم يذكر لفظ سلمة، بل اكتفى منه بقول عمر لعمار: نوليك ما توليت.
стр. 807
فذكر مسلم اتحاد إسناد شعبة عن الحكم وسلمة.
لكن بالنظر في لفظ حديث سلمة، وُجد أنه كان يشك فيه: هل ذكر في الحديث مسح الكفين أو المرفقين. وكان أحيانا يحدث سلمة به ويقول: إلى الذراعين. فأنكر ذلك عليه منصور بن المعتمر، فقال سلمة: لا أدري أذكر الذراعين أم لا؟
خرج ذلك أبو داود (٣٢٤، ٣٢٥) والنسائي (٣١٢، ٣١٩).
وقد حكى ابن رجب نحو هذا عن سلمة في شرحه لـ"صحيح" البخاري، ثم قال (٢/ ٢٤٤): "ولهذا المعنى أشار مسلم إلى اتحاد الإسناد من رواية الحكم وسلمة" وسكت عن اللفظ؛ فإنه مختلف". اهـ.
ولم يخرج البخاري حديث شعبة إلا من روايته عن الحكم، فإنها متفقة، ذكره من طريق ستة عن شعبة بهذا، ولم يخرج طريق يحيى بن سعيد القطان، عن شعبة التي خرجها مسلم، قال ابن رجب: "لم يخرجها لأمرين:
أحدهما: أن سفيان الثوري والأعمش روياه عن سلمة بن كهيل، فخالفا شعبة في إسناده، على اختلاف عليهما فيه.
والثاني: أن سلمة شك ... ".
أقول:
أما مسلم، فقد جمع بين الحسنيين، أخرج اللفظ المتفق المحفوظ من رواية شعبة عن الحكم، من الوجه المشتمل أيضا على رواية شعبة عن سلمة بمثل إسناد الحكم، وأشار إلى اختلاف لفظه فلم يَسُقْهُ، وإنما أشار إلى اتحاد الإسناديين فقط.
стр. 808
نموذج (٢)
راجع النموذج الآتي المتعلق بصلاة الكسوف في النوع الرابع .
أقول:
يحتاج هذا النوع إلى عمل استقراء لكتاب "الصحيح"؛ فمسلم يكثر من إحالة الأحاديث بعضها على بعض بعبارات مثل: بنحوه، بمثله، بإسناده ... فينظر مدى اتفاق اللفظن والسياقين، وهل توجد فروق مؤثرة يمكن أن يكون مسلم أعرض عن ذكرها لما يراه من وهمٍ أو علةٍ؟
* * *
стр. 809
النوع الرابع
ما تدل طريقة عرضه لأحاديث الباب، ولقرائن تحتف بذلك على إرادته ترجيح أحاديث على أخرى .
نموذج (١)
الأحاديث الواردة في صفة صلاة الكسوف .
قد اختُلف في عدد الركعات -أي الركوعات- في صلاة الكسوف، بعد الاتفاق على أنها ركعتان، وفي كل ركعة سجدتان.
فقيل: في كل ركعة ركوعان، وقيل ثلاث، وقيل أربع. فعلى الأول يكون عدد الركوعات في الصلاة: أربع، وعلى الثاني: ست، وعلى الثالث: ثمان ركوعات.
انقسم أهل العلم حيالَ ذلك إلى قسمين: قسمٍ صحَّحوا جميعَ ما ورد في ذلك، وذهبوا إلى تعدد صلاته ﷺ للكسوف، فصلى في كل مرة عددا من الركوعات في الركعة بحسب طول فزة الكسوف، فإنه كان يصلي حتى تنجلي الشمس، فحكى كل صحابي ما حضره من ذلك، فصار الجميعُ سنةً يشرع الأخذ بأيٍّ منها.
من هؤلاء: إسحاق بن راهوية والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، وابن المنذر، والخطابي، وقوَّاه النووي في شرح مسلم.
وقسمٍ لم يصححوا إلا صفة واحدة منها، وهي الأولى، وذهبوا إلى خطأ ما عداها، واستندوا في ذلك إلى قوة وشهرة طرقها، وأنه قد ثبت في غير ما طريق منها ومن بعض الصفات الأخرى أن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ ، وأن النبي ﷺ قد قال في تلك المناسبة: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ... ".
стр. 810
وكثير من سائر الطرق قد ثبت فيها قوله هذا دون ذكر موت إبراهيم، وهو المراد من جوابه هذا عما قد يتبادر إلى أذهان البعض أن هذا الكسوف إنما حصل لموت إبراهيم، فالتصريح بأن ذلك كان في ذلك اليوم، أو الإشارة إليه بهذا القول المذكور - يدل على أن هذه الصلاة إنما صلاها ﷺ مرة واحدة بصفة واحدة فوجب المصير إلى الترجيح بين الصفات الواردة فتعين ترجيح الصفة الأولى لما ذكرنا قَبلُ من قوة طرقها وشهرة رجالها.
من هؤلاء: الشافعي، والبخاري، والبيهقي، وابن عبد البر، وابن تيمية، وابن حجر.
أقول:
أما البخاري فلم يخرج سوى الأحاديث المشتملة على الصفة الأولى، وأعرض عن سائرها، فأخرج حديث عائشة من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة عنها به (١٠٦٦)، وأخرج حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (١٠٥١) وحديث ابن عباس من طريق مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عنه به (١٠٥٢).
ونقل الترمذي في العلل الكبير (ترتيبه ١/ ٢٩٩) عن البخاري قوله: "أصح الروايات عندي في صلاة الكسوف أربع ركعات في أربع سجدات". اهـ.
أما مسلم فقد تجشَّم إخراجَ أحاديث الصفات الثلاث. وبتأمّل سياق مسلم لتلك الأحاديث يلاحظ ما يلي:
• أخرجَ مسلمٌ صلاةَ الكسوف لتسعة من الصحابة، بدأ بأربعةٍ منها؛ تشتمل على عدد الركوعات في كل ركعة، هؤلاء الأربعة هم الثلاثة الذين أخرج لهم البخاري كما سلف، وهم: عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، يضاف إليهم: جابر بن عبد الله ﵁.
стр. 811
أما حديث عبد الله بن عمرو، فلم يختلف الرواة فيه أنه على الصفة الأولى: أربع ركعات في أربع سجدات.
وأما الثلاثة الآخرون فقد وقع اختلافٌ للرواة في حكاية ذلك العدد في أحاديثهم، اكتفى البخاري بإيراد مَن رواه على تلك الصفة المذكورة؛ من حديث عائشة وابن عباس كما سبق، وأعرض عمن رواه على خلاف ذلك.
• أما مسلم فقد ساق هذا الخلاف على نمط واحد: يبدأ في أحاديث كل صحابي من الثلاثة المذكورين: عائشة، وابن عباس، وجابر، بمن رواه على الصفة الأولى، ثم يتبعها بمن رواه على خلاف ذلك، مع عدم خلو الأسانيد المؤخرة من علة أو مقال -وإن لم ينص هو على شيء منها صراحة- كما سيأتي.
وطريقته في عرض أحاديث تلك الصلاة ينسجم تماما مع ما صرح به في مقدمة "صحيحه" أنه يبدأ بالأحاديث التي هي أسلم من العيوب، فالأحاديث التي قدَّمها -وقد اتفق معه البخاري على إخراجها، واكتفى بها- أصحُّ أسانيدَ، وأشهرُ طرقا مما أخَّره عن ذلك.
وقد حافظ مسلم على تقديم رواية الصفة الأصلى من صلاة الكسوف على غيرها، وهذا مؤدَّاه -حسب تصريحه- أن تلك الصفة عنده أقوى من غيرها.
بل إن مسلما قد أَلْمح إلى تلك التقوية بشيء آخر -سوى ما سبق- فعلى الرغم من اشتمال أكثر تلك الأحاديث الأربعة على قول النبي ﷺ في مناسبة تلك الصلاة: "إن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته" وفي سياق واحد منها التصريح بأن ذلك كان يوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ (٩٠٤/ ١٠) فقد أعقب مسلم تلك الأحاديث الأربعة في صفة صلاة الكسوف بأحاديث خمسة من الصحابة، هم: أبو مسعود الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وعبد الرحمن بن سمرة، وعبد الله بن عمر، والمغيرة بن شعبة ليس فيها جميعا -سوى حديث عبد الرحمن بن سمرة- إلا مقالة النبي ﷺ المذكورة، وفي بعض طرق حديث أبي مسعود: يوم مات إبراهيم،
стр. 812
فقال الناس: انكسفت لموت إبراهيم، وكذلك هو في حديث المغيرة بن شعبة - وهو آخرها، وليس في شيء منها عدد الركوعات.
فلا تظهر فائدةُ إيراد تلك الأحاديث بعد عرض أحاديث صفة الصلاة، واشتمال أكثرها على ما اشتملت عليه تلك الأحاديث إلا أن يريد مسلمٌ التنبيه على أن صلاة النبي ﷺ صلاة الكسوف كان يوم مات إبراهيم، فهى مرة واحدة لم تتكرر منه ﷺ ، وهذا دال على أنه يَلزم ترجيح صفة واحدة لتلك الصلاة، فتعيَّن أن تكون هي ما قدَّمه في كل رواية على ما سبق بيانه.
أقول:
هذا على سبيل الإجمال، أما على سبيل التفصيل لما ساقه مسلم من طرق هذا الباب، وما في أحاديث الصفات المخالفة للصفة الأولى من المقال، فهاك البيان:
• بدأ مسلم بحديث عائشة (٩٠١) وقد رواه عنها مشتملا على عدد الركوعات: عروة بن الزبير، والزهري، وعبيد بن عمير.
فبدأ برواية عروة من طريق مالك وعبد الله بن نمير وأبي معاوية -فرقهم- عن هشام بن عروة، عن عروة به.
ثم برواية الزهري من طريق يونس بن يزيد الأيلي عنه، ومن طريق الوليد بن مسلم قال: قال الأوزاعي وغيره: سمعمت ابن شهاب يخبر عن عروة به. ومن طريق الوليد بن مسلم: أخبرنا عبد الرحمن بن نمر أنه سمع ابن شهاب به.
ثم ذكر للزهري إسنادا آخر من طريق عبد الرحمن بن نمر أيضًا، مختصر، ومن طريق محمد بن الوليد الزبيدي عنه بمثل حديث عروة عن عائشة.
جميع ذلك من حديث عروة والزهري عن عائشة، اتفقت الرواية فيها على الصفة الأولى: أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات.
ثم ختمها برواية عبيد بن عمير عنها، أوردها من طريقين عن عبيد:
стр. 813
الأول: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا محمد بن بكر أخبرنا ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: سمعت عبيد بن عمير يقول: حدثني من أصدق -حسبته يريد عائشة- أن الشمس انكسفت على عهد رسول الله ﷺ ... وفيه: ثلاث ركعات وأربع سجدات.
الثاني: من طريق معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن عائشة بمثله مختصرا.
أما رواية ابن جريج عن عطاء ففيها شك فيمن سمع منه عبيد بن عمير هذا الحديث.
وأما حديث معاذ عن أبيه، فلم يشك فيه قتادة، لكن قد خولف معاذ في إسناده، فرواه وكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطان عن هشام الدستوائي، فأوقفاه على عائشة، ذكره النسائي عقب حديث معاذ في "السنن الكبرى"، وكذلك أوقفه أبو داود الطيالسي عن هشام.
ومعاذ قد تُكلم في حفظه، لكن قد رواه ابن خزيمة (١٣٨٢) عن محمد بن بشار عن معاذ وابن أبي عدي كلاهما عن هشام به مرفوعا، فقد تابع ابن أبي عدي معاذا.
لكن يُخشى من جمعهما أن تُحمل روايةُ أحدهما على الآخر، وكذلك رواه حماد بن سلمة عن قتادة به مرفوعا، أخرجه الطحاوي في "شرح المعاني" (١/ ٣٢٨).
وحماد قد قال مسلم في "التمييز" (ص ٢١٨): يخطىء في حديث قتادة كثيرا.
وقد قال ابن عبد البر في "التمهيد" (٣/ ٣٠٧): "سماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح".
• ثم ثَنَّى مسلم بحديث جابر، أورده من طريقين، بدأ بطريق إسماعيل بن علية وعبد الملك بن الصباح -فرقهما- عن هشام الدستوائي، عن أبي الزبير، عن جابر به، بالصفة الأولى. ولم يختلف على أبي الزبير في رفع هذا الحديث.
стр. 814
ثم أتبعه مسلم بطريق عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر مرفوعا، وفيه: يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فقال الناس: إنما انكسفت لموت إبراهيم. فقام النبي ﷺ فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات ... وهي الصفة الثانية.
فقد خالف عبدُ الملك كُلَّ من رواه عن عطاء في إسناده، فجعله عن جابر بدلا من عبيد بن عمير عن عائشة.
وفي متنه؛ إذ أن المعروف في حديث جابر: أربع ركوعات في أربع سجدات أشار إلى ذلك النسائي عقب حديث يحيى بن سعيد عن هشام في "السنن".
وفي كتاب "العلل ومعرفة الرجال" لأحمد (٥١٢٣): قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول في حديث عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر: انكسفت الشمس: خالفه ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، قال: أخبرني من أصدق -فظننته يريد عائشة-، قال أبي: رواه قتادة، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة، قال أبي: أقضي بابن جريج على عبد الملك في حديث عطاء. اهـ.
• أما حديث ابن عباس -وهو ثالثها- فقد أورده من طريقين أيضا، بدأ برواية حفص بن ميسرة ومالك بن أنس -فرقهما- عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس مرفوعا بالصفة الأولى، وهي أربع ركوعات في أربع سجدات، ثم أتبعه برواية إسماعيل بن علية ويحيى بن سعيد القطان -فرقهما- عن سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن ابن عباس مرفوعا بالصفة الثالثة، وهي: ثمان ركعات في أربع سجدات، وزاد مسلم بعد حديث إسماعيل بن علية: وعن عليٍّ مثل ذلك.
• أما حديث حبيب بن أبي ثابت، فقد قال ابن حبان في "الصحيح" (٧/ ٩٨): "خبر حبيب عن طاوس ليس بصحيح؛ لأن حبيبا لم يسمع من طاوس هذا الخبر".
وقال البيهقي في "سننه الكبرى" (٣/ ٣٢٧): "حبيب بن أبي ثابت وإن كان من الثقات فقد كان يدلس، ولم أجده ذكر سماعه في هذا الحديث عن طاوس ... وقد
стр. 815
روى سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس من فعله أنه صلاها ست ركعات في أربع سجدات، فخالفه في الرفع والعدد جميعا". اهـ.
• وأما حديث عليٍّ المشار إليه فهو من رواية حنش بن ربيعة، عن علي، وقد اختلف في وقفه ورفعه، كما في "السنن الكبرى" للبيهقي (٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠) وقد أعلَّه ابن حبان أيضا في "صحيحه" (٧/ ٩٨) بحنش راويه عن علي.
وبعد، فقد وضح المراد من عرض مسلم أحاديث ذلك الباب على النحو الذي لم يَخْتَلَّ في موضع واحد.
يبقى أنه ذكر حديث عائشة من رواية عمرة عنها، وحديث أسماء بنت أبي بكر.
أما حديث عمرة فهو بعد حديث عبيد بن عمير، لكن اقتصرت فيه على ركوعين في ركعة واحدة قالت: ثم رفع وقد تجلت الشمس. فلم تذكر ركعتين، هكذا ساقه من طريق سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد عنها به، ثم ذكره من طريق عبد الوهاب، وابن أبي عمر عن سفيان كلاهما عن يحيى، ولم يسق لفظه، وإنما قال: بمثل معنى حديث سليمان بن بلال، لكن رواه الحميدي عن سفيان عن يحيى عنها بالصفة الأولى.
وأما حديث أسماء بنت أبي بكر فهو بعد حديث جابر، وذكرت فيه طول القيام جدًّا، ولم تذكر فيه عددا.
قال البيهقي في "سننه الكبرى" (٣/ ٣٢٦) تعقيبا على حديثي عبد الملك عن عطاء، وأبي الزبير، عن جابر: "من نظر في هاتين القصتين علم أنها قصة واحدة، وأن الصلاة التي أخبر عنها إنما فعلها يوم توفي إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، وقد اتفقت رواية عروة ابن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن -يعني من رواية الحميدي السابقة- عن عائشة، ورواية عطاء بن يسار وكثير بن عباس عن ابن عباس، ورواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ إنما صلاها ركعتين، في كل ركعة ركوعين.
стр. 816
وفي حكاية أكثرهم قوله ﷺ يومئذ: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته" دلالةٌ على أنه إنما صلاها يوم توفي ابنه، فخطب وقال هذه المقالة ردا لقولهم: إنما كسفت لموته.
وفي اتفاق هؤلاء العدد مع فضل حفظهم دلالةٌ على أنه لم يزد في كل ركعة على ركوعين، كما ذهب إليه الشافعي ومحمد بن إسماعيل البخاري رحمها الله تعالى". اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (٢/ ٥٣٢) فيما زاد على الصفة الأولى:
"لا يخلو إسنادٌ منها عن علة، وقد أوضح ذلك البيهقي وابن عبد البر، ونقل صاحب الهدي -يعني ابن القيم في زاد المعاد (١) - عن الشافعي، وأحمد، والبخاري أنهم كانوا يعدون الزيادة على الركوعين في كل ركعة غلطا من بعض الرواة، فإن أكثر طرق الحديث يمكن رد بعضها إلى بعض، ويجمعها أن ذلك كان يوم مات إبراهيم، وإذا اتحدت القصة تعين الأخذ بالراجح ... " ثم ذكر الأقوال الأخرى في المسألة.
أقول:
لا محيصَ من فَهْمِ طريقة مسلم في عرض تلك الروايات تقديما وتأخيرا بناءً على طريقته التي صرح هو نفسه بها -ولم يذكرها عنه أحدٌ نظرا أو استقراءً- أنه يبدأ بالأخبار التي هي أسلم من العيوب، مع قرينةِ إخراجه عقب ذلك لطرق الحديث التي تشتمل فقط على قول النبي ﷺ : إن الشمس والقمر ... وفي بعضها التصريح بأن ذلك يوم مات إبراهيم كما سبق، على ما سلف شرحه ونقله عن البيهقي وغيره، مع اشتمال بعض ما قدمه من الأحاديث على هذه المعاني.
стр. 817
فالقول بأن مسلما إنما عرض هذه الأخبار على هذا النحو في ضوء ما وعد به من زيادة البيان والإيضاح للأخبار المعلَّة: أمرٌ يتفق مع منهجه الذي صرح به، ومع إمامته في هذا الشأن، فيتفق مع جهابذة هذا الفن، وهذا أَولى وأَحْرى بالقول من مثل قول ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١/ ٢٥٦):
"لا يبلغ تصحيح مسلم مبلغ تصحيح البخاري ... وكان من عادة البخاري إذا روى حديثا اختلف في إسناده أو في بعض ألفاظه أن يذكر الاختلاف في ذلك لئلا يغتر بذكره له بأنه إنما ذكره مقرونا بالاختلاف فيه.
ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحا على قول من نازعه.
بخلاف مسلم بن الحجاج، فإنه نُوزع في عدة أحاديث مما خرجها، وكان الصواب فيها مع من نازعه، كما روى في حديث الكسوف أن النبي ﷺ صلى بثلاث ركوعات وبأربع ركعات كما روي أنه صلى ركعتين.
والصواب أنه لم يُصل إلا بركوعين، وأنه لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات إبراهيم. وقد بيَّن ذلك الشافعي، وهو قول البخاري وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه.
والأحاديث التي فيها الثلاث والأربع فيها أنه صلاها يوم مات إبراهيم، ومعلوم أنه لم يمت في يومي كسوف، ولا كان له إبراهيمان". اهـ.
فأقول:
إذا تحقق ما ذكرناه آنفا من تأمُّل طريقة مسلم في إخراج أحاديث هذا الباب، ظهرت موافقته لمن ذكرهم ابن تيمية، ولا يُعَدُّ هذا حينئذٍ مما نُوزع مسلم في تصحيحه، والله تعالى الهادي إلى الصواب.
стр. 818
نموذج (٢)
الأحاديث المتعلقة بصلاة العشاء: وقتها وتأخيرها .
أخرج مسلم (٦٣٨ - ٦٤٤):
• أولا: (٦٣٨/ ٢١٨) من حديث ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة من الليالي بصلاة العشاء وهي التي تُدْعَى العتمة ...
• ثم خرج (٦٤٢/ ٢٢٥) بعد أحاديث: روايةً لعبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أيُّ حينٍ أحبُّ إليك أن أصلي العشاء التي يقولها الناس العتمة ... ؟ قال: سمعت ابن عباس يقول: أعتم نبي الله ﷺ ذات ليلةٍ العشاءَ ...
• ثم خرج بعده (٦٤٣/ ٢٢٦) حديث أبي الأحوص، عن سماك، عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يؤخر صلاة العشاء الآخرة.
• ثم أعقبه (٦٤٣/ ٢٢٧) برواية أبي عوانة، عن سماك، عن جابر بلفظ: كان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا.
• ثم ختم (٦٤٤/ ٢٢٨) برواية ابن عيينة، عن ابن أبي لبيد، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم، ألا إنها العشاء، وهم يُعتمون بالإبل".
وفي لفظ بعده: " ... فإنها في كتاب الله العشاء، وإنها تُعتم بحلاب الإبل".
قال ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري (٤/ ٣٦٤):
"كذا رواه ابن أبي لبيد عن أبي سلمة، وابن أبي لبيد كان يُتهم بالقدر، وقال العقيلي: كان يخالف في بعض حديثه.
стр. 819
وتابعه عليه ابن أبي ليلى عن أبي سلمة، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ.
ورواه عبد الرحمن بن حرملة، عن أبي سلمة، عن النبي ﷺ مرسلا (١).
وقيل: عن ابن حرملة عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة مرفوعا. وخرجه ابن ماجه (٢) وليس بمحفوظ.
وفيه أيضًا: عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ ، وفي إسناده جهاله (٣). اهـ.
قلت:
عبد الله بن أبي لبيد قد أخرج له البخاري حديثا واحدا مقرونا، وأخرج له مسلم سوى هذا الحديث حديثن آخرين، هي كل ما له في الكتب الستة.
والحاصل أنه لا يخلو ما جاء في كراهة هذه التسمية عن النبي ﷺ مِن المقال، لكن قد روي عن طائفة من السلف كراهة ذلك، منهم ابن عمر، وابنه سالم، وابن سيرين.
فأما البخاري فعنده: باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا (٢/ ٥٣ - فتح).
стр. 820
علَّق فيه بعضَ الأخبار التي وردت التسمية فيها بالعشاء وبالعتمة، قد خرج عامَّتها في مواضع أخر من كتابه.
قال: والاختيار أن يقول: العشاء لقوله تعالى: (ومن بعد صلاة العشاء).
ثم خرج في الباب حديثا واحدا، هو حديث يونس، عن الزهري، قال سالم: أخبرني عبد الله قال: صلى لنا رسول الله ﷺ ليلةً صلاة العشاء - وهي التي يدعو الناس العتمة ...
قال ابن رجب في شرحه (٤/ ٣٦٩): "في هذا الحديث أن صلاة العشاء يدعوها الناس: العتمة، وكذا في حديث عائشة وأبي برزة، وهذا كله يدل على اشتهار اسمها بين الناس بالعتمة، وهو الذي نهى عنه النبي ﷺ ". اهـ.
قلت:
هكذا جزم هنا بنهي النبي ﷺ عن ذلك، مع أنه قد مال إلى تعليل ما ورد في ذلك، كما سلف.
قال: وكان ابن عمر وغيره يكرهون أن يغلب عليها اسم العتمة حتى لا تسمى بالعشاء إلا نادرا، وأما إذا غلب عليها اسم العشاء، ثم سميت أحيانا بالعتمة بحيث لا يزول بذلك غلبة اسم العشاء عليها، فهذا غير منهي عنه، وإن كان تسميتها بالعشاء، كما سماها الله بذلك في كتابه أفضل. وقد ذكر البخاري في الباب السابق لهذا باب: من كره أن يقال للمغرب العشاء، فخرج فيه حديث عبد الله بن مغفل المزني أن النبي ﷺ قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب، قال: الأعراب تقول: هي العشاء.
فذكر ابن رجب في توجيهه مثلما قال في هذا الحديث.
стр. 821
أقول:
المراد أن مسلما قد صدر هذا الباب بما يدل على أن تسمية العشاء بالعتمة من الأمور التي اشتهرت ونطق بها غير واحد من الصحابة، وأنها مما تعارف عليها الناس حينئذ، فأورد ذلك من طرق مشهورة، لا مغمز فيها.
ثم أخَّر ما فيه نهي عن ذلك، فلقائلٍ أن يقول: المعول عنده على ما قدمه في هذا الباب، أما المؤخر فإما أنه ينبه على أنه لا ينهض لمعارضة ما قدم، وإما أنه لا يراه -لو صح- معارضا، بل هو نهي عن "تغليب" لفظ العتمة على لفظ العشاء فقط، لا أنه نهي مطلق عن تسمية تلك الصلاة بالعتمة، بدليل ما قدمه من الأخبار. والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 822
نموذج (٣)
أحاديث "سترة المصلي ":
أخرج مسلم (ص ٣٥٨) حديث ابن عباس في ذلك.
• بدأ بطريق مالك، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: أقبلتُ راكبا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى، فمررت بين يدي الصف ...
• ثم ثَنَّى بطريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب به بلفظ: ... ورسول الله قائم يصلي بمنى في حجة الوداع ...
• ثم طريق ابن عيينة عن الزهري بهذا الإسناد قال: والنبي ﷺ يصلي بعرفة.
• ثم ختم روايات حديث ابن عباس بطريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري بهذا الإسناد. قال: ولم يذكر فيه منى ولا عرفة، وقال: في حجة الوداع أو يوم الفتح.
أقول:
واضح من سياق مسلم لرواية ابن عيينة ومعمر، واكتفائه فيهما بذكر زمن هذه الحادثة، مع ذكر الشك الوارد في حديث عبد الرزاق عن معمر، واتفاق ابن عيينة مع مالك ويونس، أنه أراد أن ينبه على وهم المخالفة الواردة في شك عبد الرزاق -أو معمر- في وقتها.
وربما لم يتكلف شرح هذا الوهم؛ لوضوح أن ابن عباس يوم الفتح لم يكن قد ناهز الاحتلام.
стр. 823
قال ابن رجب في شرحه لصحيح البخاري (٤/ ٦) بعد إيراد تلك الروايات عند مسلم: "اقتصر -يعني مسلما- من حديث ابن عيينة ومعمر على هذا. وذِكْرُ يوم الفتح لا وجه له؛ فإن ابن عباس لم يكن قد ناهز يومئذ الاحتلام، ولا كان النبي ﷺ يصلي يومئذ بمنى ولا عرفة". اهـ.
وقد اكتفى البخاري برواية مالك -من طرق عنه- عن ابن شهاب، وعلَّق رواية يونس. وجميعها على الجادة والصواب كما خرجها مسلم، إلا أن مسلما تجشَّم إخراج رواية عبد الرزاق عن معمر؛ للتنبيه على ما ذكرنا، والله تعالى ولي التوفيق.
* * *
стр. 824
النوع الخامس:
ما شرح مسلم فيه ما وقع أحيانا من الإدراج في بعض الأحاديث، دون النص على وقوع ذلك .
نموذج (١)
باب: الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على الجن من "الصحيح ".
أخرج مسلم (٤٥٠/ ١٥٠) عن محمد بن المثنى، عن عبد الأعلى، عن داود -وهو ابن أبي هند- عن عامر -وهو الشعبي- قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت: هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا كنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، ففقدناه ... قال: فقلنا: يا رسول الله فقدناك، فطلبناك، فلم نجدك .... فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن. قال: فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.
وسألوه الزاد، فقال: لكم كل عظم ذُكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وكُلُّ بَعْرَةٍ علفٌ لدوابكم.
فقال رسول الله ﷺ : فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم. اهـ.
ثم قال مسلم:
وحدثنيه علي بن حجر السعدي، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن داود، بهذا الإسناد إلى قوله: وآثار نيرانهم.
стр. 825
قال الشعبي: وسألوه الزاد، وكانوا من جن الجزيرة، إلى آخر الحديث من قول الشعبي مفصلا من حديث عبد الله.
ثم قال: وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس، عن داود، عن الشعبي، عن علقمة، عن عبد الله، عن النبي ﷺ إلى قوله: وآثار نيرانهم.
ولم يذكر ما بعده. اهـ.
أقول:
فقد بيَّن مسلم ما في حديث عبد الأعلى عن داود من إدراج قول الشعبي في الحديث؛ بإيراده رواية ابن علية عن داود. وأيده بما في رواية عبد الله بن إدريس من الاكتفاء بالقَدْر المرفوع فقط.
لكن قد يقال هنا: كان مقتضى منهج مسلم -لو كان مراده إعلال رواية عبد الأعلى عن داود بالإدراج- أن يقدم رواية إسماعيل بن إبراهيم ابن علية التي فصلت قول الشعبي على أساس أنها الأصح والأسلم من العيوب، ثم يتبعها برواية من أدرج قول الشعبي في الحديث.
وهو قولٌ متين، جدير بالتحقيق، أُرجىء النظر فيه لما بعد النموذج الآتي.
* * *
стр. 826
نموذج (٢)
باب: تحريم الكذب وبيان المباح منه:
أخرج مسلم فيه حديثا واحدا رقم (٢٦٠٥/ ١٠١) قال: حدثني حرملة بن يحى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب أخبرني حميد بن عبد الرحمن ابن عوف، أن أُمَّهُ أَمَّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط -وكانت من المهاجرات الأول، اللاتي بايعن النبي ﷺ أخبرته أنها سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: "ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، ويقول خيرا وينمي خيرا".
قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص في شيء مما يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها.
ثم قال: حدثنا عمرو الناقد حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد حدثنا أبي، عن صالح حدثنا محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، بهذا الإسناد، مثله. غير أن في حديث صالح: وقالت: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث - بمثل ما جعله يونس من قول ابن شهاب.
ثم قال مسلم: وحدثناه عمرو الناقد حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أخبرنا معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد، إلى قوله: "ونَمى خيرا" ولم يذكر ما بعده. اهـ.
أقول:
• فقد بدأ مسلم برواية يونس، وفيها فصل قول الزهري عن الحديث، ولم ينسب الزهري عدم الترخيص لأحد بعينه.
• ثم أتبعه برواية صالح بن كيسان بمثل إسناد يونس، إلا أنه أدرج قول الزهري في الحديث، وجعله من قول أم كلثوم، ناسبةً عدم الترخيص للنبي ﷺ .
стр. 827
• ثم أيَّد مسلم قضية الإدراج برواية معمر عن الزهري، فلم يجاوز معمر القول المرفوع. فلعل الزهري كان يحدث به أحيانا هكذا، فسمعه منه معمر، وتارة يضيف من عنده مسألة الترخيص المذكورة، ففصلها يونس، وأدرجها صالح، أو أن معمرا سمعه كما سمعه الآخرون، لكنه اقتصر على القدر المرفوع.
وسياق مسلم لهذه الروايات عن الزهري يوافق طريقته المعهودة في تقديم الأصح والأسلم من ذلك.
ويلاحظ أن هذا الباب ليس فيه إلا هذا الحديث الواحد، فتعيَّن على مسلم أن يسوقه على هذا النسق.
• أما في النموذج السابق، فقد صدَّر مسلم الباب بحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطن وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب ... فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة، وهو بنخل، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له ...
وهذا قد أخرجه البخاري (٤٩٢١) لكن ليس فيه عنده: "ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن وما رآهم".
ففي هذا الحديث تصريح ابن عباس بأن النبي ﷺ لم يقرأ على الجن، ولكنهم استمعوا إلى قراءته دون أن يشعر بهم، حتى أنزل الله تعالى عليه قرآنا يخبره خبرهم.
стр. 828
وهو الذي يشتمل على جهره ﷺ في صلاة الفجر بالقراءة، وهو المقصود بهذا الباب، وقد استفيد من قوله: فلما سمعوا القرآن استمعوا له.
ثم أتبعه مسلم بحديث علقمة عن ابن مسعود، وقد وقع فيه الاختلاف المذكور في قول الشعبي.
وكذلك فليس فيه إلا مطلق قراءته ﷺ القرآن عليهم، دون ذكر لصلاة الصبح، فإيراد هذا الحديث هنا هو على سبيل الاستطراد، وليس مقصودا لهذا الباب؛ لخلوه من محل الشاهد.
وكذلك فإن فيه قول النبي ﷺ : "أتاني داعي الجن فذهبت معه، فقرأت عليهم القرآن". وهو مخالف لحديث ابن عباس.
وجمع البيهقي بأن ما حكاه ابن عباس إنما هو أول ما سمعت الجن قراءة رسول الله ﷺ وعلمت حاله، وفي ذلك الوقت لم يقرأ عليهم ولم يرهم، ثم بعد ذلك أتاه داعي الجن فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله ، كما رواه عبد الله بن مسعود.
وكذلك ذهب الحافظ في "الفتح" إلى تعدد القصة، وليس هذا محل تحقيق هذه القضية، لكن المراد هنا هو تأمُّل طريقة عرض مسلم للخلاف في هذا الحديث.
وواضح من الروايات التي ساقها مسلم أن الخلاف في هذا الحديث هو على داود بن أبي هند، وهو بصري، ساقه مسلم من طريق ثلاثة عنه؛ هم عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، وإسماعيل بن علية كذلك، وعبد الله بن إدريس الكوفي، وجميعا ثقات أثبات.
ولو قدَّم مسلمٌ روايةَ ابن علية وابن إدريس وأخَّر رواية عبد الأعلى، لكان مقتضاه تخطئته لعبد الأعلى فيه.
стр. 829
لكنه قدم رواية عبد الأعلى التي وقع فيها الإدراج، مع إرادته التنبيه على الوهم الواقع فيها، فتحصل من ذلك أن مسلما كأنه يرى أن الاختلاف في هذا الحديث ليس من الرواة عن داود، بل من داود نفسه، اضطرب فيه، فكان يحدث به تارة مدرجا، وتارة مفصلا، وروى كل واحد ما سمعه منه.
وداود قال الأثرم عن أحمد: كان كثير الاضطراب والخلاف.
يؤكد ذلك أن محمد بن أبي عدي البصري قد رواه عن داود إلى قوله: وآثار نيرانهم. ثم قال: قال داود: ولا أدري في حديث علقمة أو في حديث عامر أنهم سألوا رسول الله ﷺ تلك الليلة الزاد.
أسنده البيهقي في "سننه الكبرى" (١/ ١٠٩) إلى ابن أبي عدي.
فوضح أن داود كان أحيانا يصرح بِشَكِّهِ في هذا القَدْر، عمَّن هو؟
إذًا، فقد كان يحدث به على ثلاث صور: الجزم بالتفصيل، والجزم بالإدراج، والشك فيه.
يبين ذلك أيضا أنه قد رواه:
يزيد بن زريع عند البزار في "مسنده" (٥/ ٣٥).
ويحيى بن أبي زائدة عند ابن خزيمة (٨٢) وابن حبان (١٤٣٢).
ووهيب بن خالد عند أبي داود الطيالسي (١/ ٣٧) -وجمعه مع يزيد-.
ثلاثتهم: عن داود بالإدراج، فوافقوا عبد الأعلى في روايته.
ورواه النسائي من طريق يحيى بن أبي زائدة (٦/ ٤٩٩) وكذلك الطحاوي في شرح المعاني (١/ ٩٦) مثلما حدث به ابن إدريس، لم يذكر القدر المدرج أصلا.
стр. 830
ورواه البخاري في التاريخ الكبير (٢/ ٢٠١) من طريق وهيب، لكن إلى قوله: وآثار نيرانهم، كرواية ابن إدريس.
وهذا كله يدل على ما سبق، فإذا كان الاختلاف من داود، صح اختلاف الرواة عنه، بل والاختلاف على أفراد منهم، تبعا لسماع كل واحد منهم للحديث من داود في مجالس متعددة. والله تعالى أعلم.
وبعد:
فهذا آخر ما أردت عرضه فيما يتعلق بهذه القضية، آثرت فيه الاختصار، والاقتصار على أوضح النماذج التي وقفت عليها حال المطالعة، ومذاكرة بعض النابهين في هذا الشأن. وبين يدي نماذج أخرى، أرجأتها لموضع آخر.
فما كان فيه من صواب فمن الله تعالى التوفيق، وإن كانت الأخرى فأسأله سبحانه العفو والهداية.
* * *
стр. 831
أبو حاتم الرازي
(ت ٢٧٧ هـ)
стр. 832
يتعلق بأبى حاتم هاهنا أمر واحد، وهو ما اشتهر عنه لدى كثير من المتأخرين مِن وَصْفهِ بالتشدد أو التعنت في باب الجرح، وقد جاء وصفُهُ بذلك في كلام الشيخ المعلمي، أُورِدُهُ أولًا، ثم أنظرُ في ذلك إجمالًا.
١ - قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٣٥٠):
"معروف -يعني أبا حاتم- بالتشدد، قد لا تقِلُّ كلمةُ (صدوق) منه عن كلمة (ثقة) من غيره؛ فإنك لا تكاد تجده أطلق كلمة (صدوق) في رجل إلا وتجد غيره قد وثقه هذا هو الغالب". اهـ.
٢ - وبنحوه في (١/ ٣٢٥).
٣ - وقال في ترجمة: نعيم بن حماد من "التنكيل" (١/ ٤٩٥):
"وقال أبو حاتم مع تشدده: صدوق".
٤ - ومثله في ترجمة: محمد بن كثير العبدي منه (١/ ٤٦٧).
٥ - وقال في ترجمة محمد بن بشار بندار (١/ ٤٣٠):
"ثقة جليل، وثقه أبو حاتم مع تشدده".
стр. 833
قال أبو أنس:
نظرت هنا إجمالا في وصف أبي حاتم بالتشدد في باب الجرح:
فأقول:
"قسَّم الذهبيُّ المتكلمين في الجرح والتعديل إلى ثلاثة أقسام:
قِسْمٍ منهم: متعنت في الجرح متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، قال: فهذا إذا وَثَّقَ شخصًا، فَعَضَّ قوله بنواجذك، وتَمَسَّكْ بتوثيقه، وإذا ضَعَّفَ رجلا، فانظر: هل وافقه غيرُه على تضعيفه، فإن وافقه، ولم يوثِّقْ ذاك الرجل أحدٌ من الحُذَّاقِ، فهو ضعيف، وإن وَثَّقَهُ آخر، فهذا هو الذي قالوا: لا يُقبل فيه الجرحُ إلا مفسَّرا؛ يعني لا يكفي فيه قولُ ابنِ معين مثلا: هو ضعيف -ولم يوضح سببَ ضعفه- ثم يجيءُ البخاري وغيره يوثقه، ومثل هذا يُختلفُ في تصحيح حديثه وتضعيفه.
وقسمٍ منهم يتسمَّح، كالترمذي والحاكم.
وقسمٍ معتدل، كأحمد بن حنبل والدارقطني وابن عدي". اهـ.
ولم يُسَمِّ الذهبيُّ من القسم الأول أحدًا هنا، لكنه ذكر بعد ذلك طبقات من تكلموا في الجرح والتعديل، فبلغ: عبد الرحمن بن يوسف بن خراش البغدادي فقال: "له مصنَّف في الجرح والتعديل، قويُّ النَّفَس كأبي حاتم".
وقد نعت الذهبي جماعةً بذلك في كتابه "الميزان".
فمن هؤلاء:
١ - يحيى بن سعيد القطان:
وصفه الذهبي بـ "متعنت جدًّا في الرجال" في ترجمة: سفيان بن عيينة رقم (٣٣٢٧)، وقال في ترجمة: سيف بن سليمان المكي رقم (٣٦٣٦): "حدث يحيى القطان مع تعنته عن سيف".
стр. 834
٢ - ابن حبان البستي:
وصفه الذهبي بـ "الحشاف -أو الخساف- المتهور" في ترجمة: محمد بن الفضل السدوسي عارم رقم (٨٠٥٧)، وقال في ترجمة: سويد بن عمرو الكلبي رقم (٣٦٢٤): "أسرف واجترأ"، وفي ترجمة: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي رقم (٥٥٣٢): "يُقَعْقِعُ كعادته".
٣ - ابن القطان الفاسي:
ترجم له الذهبي وقال: "تعنَّتَ في أحوال الرجال، فما أَنْصَفَ، بحيث إنه أخذ يُلَيِّنُ هشامَ بن عروة، ونحوه".
٤ - وقد حملَ الذهبي جدًّا على العقيلي بسبب ترجمته لـ: علي بن المديني، في كتابه "الضعفاء"، فقال عند ذكر ابن المديني رقم (٥٨٧٤):
"ذكره العقيلي في كتاب "الضعفاء"، فبئس ما صنع ... أفما لك عقلٌ يا عقيليُّ، أتدري فيمن تتكلم، وإنما تبعناك في ذكر هذا النمط لنذب عنهم، ولنزيف ما قيل فيهم، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات، بل وأوثق من ثقاتٍ كثيرين لم توردهم في كتابك، فهذا مما لا يرتاب فيه محدث، وأنا أشتهي أن تعرفني من هو الثقة الثبت الذي ما غلط ولا انفرد بما لا يتابع عليه، بل الثقة الحافظ إذا انفرد بأحاديث كان أرفع له وأكمل لرتبته وأدل على اعتنائه بعلم الأثر وضبطه دون أقرانه لأشياء ما عرفوها، اللهم إلا أن يتبين غلطه ووهمه في الشيء فيعرف ذلك ... ". اهـ.
ولم أر الذهبي يصف أبا حاتم بالتشدد إلا في موضعين -على كثرة ما نقل عنه في كتبه:
стр. 835
الأول: في ترجمة عاصم بن علي الواسطي شيخ البخاري من "الميزان" (٤٠٥٨) قال الذهبي: "هو كما قال فيه المتعنت أبو حاتم: صدوق" اهـ. يقوي بذلك تعديلَه على مَنْ ليَّنَهُ.
الثاني: في ترجمة طالوت بن عباد من "السير" (١١/ ٢٦) قال: "حَسْبُكَ بقول المتعنّت في النقد أبي حاتم فيه اهـ. يعني قوله: صدوق. يردُّ بذلك على ابن الجوزي في قوله: "ضعَّفه علماء النقل".
ويلاحظ في هذين المثالين أن وصف الذهبي لأبي حاتم بالمتعنت، ليس ردًّا لقوله بسبب العنت، وإنما هو من باب: إذا وَثَّقَ المتعنِّتُ أحدًا فعض عليه بالنواجذ، وهو يوافق كلمة الشيخ المعلمي التي نقلناها آنفا أن كلمة "صدوق" من أبي حاتم قد لا تقل عن كلمة "ثقة" من غيره.
ولم أر الذهبي ردّ قولا لأبي حاتم من أجل تعنته.
بل إن الذهبي اعتمد على أبي حاتم في ذكر المجاهيل من الرواة بقوله فيهم: "مجهول"، حتى إنه يقول هذا في تراجم "الميزان"، ولا يذكر قائله، وهو قول أبي حاتم في "الجرح"، كما صرح بذلك الذهبي في ترجمة: أبان بن حاتم الأملوكي من "الميزان" رقم (٤) فقال:
"اعلم أن كل من أقول فيه "مجهول" ولا أسنده إلى قائلٍ، فإن ذلك هو قول أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثير جدًّا، فاعلمه، فإن عزوته إلى قائله، كابن المديني وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهرٌ، وإن قلت: "فيه جهالة" أو: "نكرة" أو: "يجهل" أو: "لا يعرف"، وأمثال ذلك، ولم أعزه إلى قائلٍ فهو مِنْ قِبَلي". اهـ.
لكن قال الذهبي في ترجمة أبي زرعة من "السير" (١٣/ ٨١):
стр. 836
"يعجبني كثيرا كلام أبي زرعة في الجرح والتعديل، يَبِينُ عليه الورعُ والمَخْبَرَةُ، بخلاف رفيقه أبي حاتم، فإنه جَرَّاح". اهـ.
إلا أنه لا يدل على التشدد، بل على أنه أجرأ على جرح من يراه مستحقا لذلك من الرواة، والله أعلم
أما الحافظ ابن حجر، فقد قال في ترجمة: محمد بن أبي عدي البصري من مقدمة "الفتح" (ص ٤٦٣): "من شيوخ أحمد، قال عمرو بن علي: أحسن عبد الرحمن بن مهدي الثناء عليه، وقال أبو حاتم والنسائي وابن سعد: ثقة، وفي "الميزان" أن أبا حاتم قال: لا يحتج به، فينظر في ذلك، وأبو حاتم عنده عَنَت، وقد احتج به الجماعة". اهـ.
قلت: مع النظر الذي أشار إليه ابن حجر، وثبوت توثيق أبي حاتم له، لا يتجه وصفه بالعنت هنا.
ولو ثبتت هذه العبارة عن أبي حاتم، لدَلَّتْ على درجة التوثيق التي عناها؛ لأن الثقة درجات، كما هو معلوم.
وقال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح":
"كل طبقة من نقاد الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشد منه، ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد منه، ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري وأبو حاتم أشد من البخاري". اهـ.
أقول:
بالنسبة للرابعة، فربما بناها ابن حجر على: تجهيلِ أبي حاتم لجماعةٍ مِمَّنْ أخرج لهم البخاري في "صحيحه"، أو طعنِهِ فيهم، أو إعلالِه لبعض ما أخرجه البخاري
стр. 837
فيه، وهذا لا يلزمُ، وإلا لاطَّرَدَ، فيقال مثلُهُ في جماعةٍ من الحفاظ، انتقدوا على البخاري إخراجَهُ لبعض الأحرف، أو تكلموا في بعض رجال "صحيحه"، ولا شك أن هذا غير مُسَلَّم، فهذا ابن طاهر لما قال: "شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المجمع على ثقة رجاله إلى الصحابي المشهور"، قال العراقي: "ليس ما قاله بجيد؛ لأن النسائي ضعف رجالا أخرج لهم الشيخان أو أحدهما، وأجيب بأنهما أخرجا من أجمع على ثقته إلى حين تصنيفهما، ولا يقدح في ذلك تضعيف النسائي بعد وجود الكتابين، فأجاب الحافظ ابن حجر بقوله: "تضعيف النسائي إن كان باجتهاده أو نَقْلِهِ عن معاصرٍ، فالجواب ذلك، وإن نقله عن متقدم، فلا ... ".
قلت: لاحِظْ أنه لما ضَعَّفَ النسائيُّ جماعةً من رجال الشيخين، بل وتجنب إخراجَ أحاديثهم، قيل: إنَّ له في الرجال شرطًا أشد من شرطهما، ولم يقل أحد أنه أشد تعنتا منهما، وذلك لأنها قضية تختلف فيها الأنظار، ولا شك أن أكثر ما خالف فيه النسائي -أو وافق أيضا- إنما مرجعه إلى الاجتهاد والنظر- ونَقْلُهُ في الأبواب كلامًا لغيره قليلٌ.
فكذلك الحالُ بالنسبة لأبي حاتم أو غيره من النقاد، يُجَهِّلُ أحدُهم مَنْ يَعرفُهُ غيرُه، أو يُضَعِّفُ مَنْ يُوثقُهُ غيرُه، والعكسُ بالعكسِ، ولا غضاضةَ في ذلك، ولا إشكالَ البَتَّةَ لِمَنْ تدبر كتب القوم واختلافهم فيها.
وقواعدُ النظرِ في اختلافهم، والترجيحِ بين أقوالهم: منشورةٌ في كتب الفن قديما، لا يعوز الطالبَ إلا تحصيلُ أسبابها، وليس من تلك القواعد أن تُطرحَ أقوالُ أَحدهم -لمجرد مخالفة غيره له من النقاد- بدعوى أنه متعنت، والأمرُ دائرٌ حولَ القرائن، وتابعٌ لاختلافِ الأحوال، والحججُ والدلائلُ والشواهدُ قاضيةٌ على كُلِّ دعوى.
стр. 838
ومن تلك الدلائل والحجج على ما ذكرتُ، أن من وُصف في كلام متأخري الحفاظ والمحققين بالعنت أو التشدد، سواء بإطلاق أو بالمقارنة بغيره، تجده في مواضع -ليست بالقليلة- يُجْمِلُ القولَ ويُسَهِّلُه فيمن يضعفه غيره، فإذا ثبت هذا وتكرر، دل على ما سبق من اعتماد ذلك على الاجتهاد والنظر، لا أنها صفةٌ لازمة لكل إمام لا ينفك عنها، بحيث يُرد جرحُه إذا لم يوافقه عليه غيره.
وفيما يخص أبا حاتم هنا، فهذه بعض المواضع التي تدل على ما أسلفتُه من عدم اطِّراد ما قيل بشأن تعنته في باب الجرح، أذكرها -على سبيل الاختصار- كنماذج على ما سبق:
١ - أيوب بن سويد الرملي:
كلام الأئمة فيه شديد، فقد ضعفه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء يسرق الأحاديث ... وقال في رواية معاوية بن صالح عنه: كان يدعي أحاديث الناس.
وقال البخاري: يتكلمون فيه.
وهي كلمة شديدة كما مَرَّ، وقريب منها قول النسائي: ليس بثقة.
وذكره ابن حبان في "الثقات" لكنه قال: كان رديء الحفظ يخطىء، يُتقى حديثه من رواية ابنه محمد بن أيوب عنه ...
قلت: قد أورد له ابن عدي في ترجمته من "الكامل" مناكير من غير رواية ابنه عنه.
أما أبو حاتم فقد نقل عن ابن معين نحو ما سبق عنه، ولما سأله ابنه عنه قال: "هو لين الحديث". "الجرح" (٢/ ٢٥٠)
стр. 839
وقد فسَّر ابن أبي حاتم هذه العبارة عند بيانه درجات رواة الآثار في الجرح (٢/ ٣٧) فقال في الدرجة الخامسة - من أصل ثمانية: "إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث، فهو ممن يكتب حديثه، وينظر فيه اعتبارا".
ثم ذكر بعده: "ليس بقوي" وهو دون ذلك، ثم ذكر: "ضعيف الحديث" ثم: "متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب".
فإذا قارنت قول أبي حاتم في أيوب بقول ابن معين والبخاري ظهر أبو حاتم كأنه سَهَّلَ والآخران شدَّدا، لاسيما البخاري الذي سبقت مقارنته بأبي حاتم في كلام ابن حجر.
٢ - ثابت بن أبي صفية أبو حمزة الثمالي:
نقل ابن أبي حاتم عن أحمد وابن معين قولهما فيه: "ليس بشيء" وزاد أحمد: "ضعيف الحديث".
ولما سأل أبا حاتم عنه قال: "لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به" ومثله قول أبي زرعة: كوفي لين.
فقول أبي حاتم -ومثله أبو زرعة- تضعيفٌ هَيِّنٌ، وهو أعلى من قول أحمد وابن معين بدرجتين كما سبق بيانه.
٣ - حسين بن علي بن الأسود العجلي الكوفي:
قال أحمد: لا أعرفه. وقال ابن عدي: يسرق الأحاديث، وذكر له شيئا من ذلك، ثم قال: له غير هذا مما سرقه من الثقات، وأحاديثه لا يتابع عليها. اهـ.
وقال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ.
ووهَّاه الأزدي.
стр. 840
أما أبو حاتم فقد سمع منه، وسئل عنه فقال: صدوق.
نعم، قد يقال هنا إن أبا حاتم أَخْبَرُ به؛ لأنه سمع منه، لكن قد يقال أيضًا: لعله طرأ عليه بعد أن لقيه أبو حاتم ما أوقعه فيما أخذه عليه ابن عدي.
وعلى كلا الاحتمالين، فالأمر دائر على النظر في حيثيات كل من الجرح والتعديل، وفي: أيهما أبعد عن الخلل وأقرب لحال الراوي، وهذا هو العمدة في هذا الفن، لا مجرد النظر في مراتب المجرحين والمعدلين في هذا الباب لإنزال قوله بحسب مرتبته في ذلك.
٤ - سماك بن حرب الكوفي:
وصفه أحمد بأنه مضطرب الحديث، وقدَّمه مع ذلك على عبد الملك بن عمير، ووثقه ابن معين، وذكر أن مما عيب عليه أنه أسند أحاديث لم يسندها غيره.
وضعفه الثوري وشعبة، وذكر الأخير أنه كان يُلقَّن، وكذلك قال النسائي، وذكر أنه إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة.
وذكر ابن المديني أن روايته عن عكرمة مضطربة.
وقد احتج مسلم به في روايته عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وجماعة كما قاله الذهبي في "الميزان".
أما أبو حاتم فقد سئل عنه فأطلق القول بأنه: صدوق ثقة (٤/ ٢٨٠).
٥ - ضرار بن صرد أبو نعيم الطحان الكوفي:
نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين تكذيبه. وقال البخاري والنسائى: متروك الحديث. وقال النسائي مرة: ليس بثقة. وضعفه أكثر الحفاظ المتأخرين.
وقد روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة والبخارى في "خلق أفعال العباد" حديثين (١٦١، ٥٤٤)
стр. 841
وقال أبو حاتم: صاحب قرآن وفرائض، صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثا عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي ﷺ في فضيلة لبعض الصحابة ينكرها أهل المعرفة بالحديث. اهـ.
فقارن العبارات التي استعملها أبو حاتم في مقابل عبارة ابن معين والبخاري والنسائي، فهل يقال: هم شددوا؟ أم يقال: هو سَهَّل؟
الحق أنه لا هذا ولا ذاك، وإنما هو بحسب نظر كل منهم، وما أدَّاه إليه اجتهادُه في حال ضرار.
وعلى الناقد أن ينظر في أسباب حُكم كل منهم إذا وسعه ذلك وكان أهلا له.
من ذلك أن الحديث الذي ذكره أبو حاتم وأنكره أهل المعرفة بالحديث، قد أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٢٢) بلفظ: "أن النبي ﷺ قال لعلي: أنت تُبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي" وقال: صحيح على شرط الشيخين!! فرده الذهبي في "التلخيص" بقوله:
"بل هو فيما أعتقده من وضع ضرار، قال ابن معين كذاب".
فهذان طرفان، فقال الشيخ المعلمي في ترجمة ضرار من "التنكيل" (١١٢):
"لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضرار وبالحديث وعلل، فكأنَّ ضرارا لُقِّنَ أو أُدْخل عليه الحديث أو وَهِم".
ثم قال في حال ضرار:
"الذى يظهر أن ضرارا صدوق في الأصل، لكنه ليس بعمدة، فلا يحتج بما رواه عنه من لم يعرف بالإتقان، ويبقى النظر فيما رواه عنه مثل أبي زرعة أو أبي حاتم أو البخاري، والله أعلم". اهـ.
стр. 842
٦ - عبد الرحمن بن النعمان بن معبد:
نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين قوله فيه: ضعيف. ثم سأل أباه عنه فقال: صدوق (٥/ ٢٩٤).
ذكره الذهبي في "الميزان" (٤٩٩١) ثم قال: "وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري، فقلب اسمه أولا، فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث، فقال: عن أبيه عن جده، فَضَعْفُهُ راجح". اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (٦/ ٢٨٧) عن ابن المديني قوله فيه: مجهول.
والحديث الذي أشار إليه الذهبي قد رواه أبو داود في "سننه" (٢٣٧٧). وقال عقبه: قال لي يحيى بن معين: هو منكر.
٧ - أبو جعفر الرازي واسمه عيسى، واخلتف في اسم أبيه:
وثقه غير واحد من الأئمة، ومع ذلك لَيَّنُوه، وذكروه بالخطأ والتخليط وسوء الحفظ.
وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرا.
أما أبو حاتم فقد أطلق فيه أنه: ثقة صدوق صالح الحديث.
٨ - مجاهد بن وردان:
قال ابن معين: لا أعرفه. ذكره أبو حاتم، فلما سئل عنه قال: ثقة، روى عنه شعبة (٨/ ٣٢٠)
٩ - محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي:
قال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين عن ابن أبي نعيم فقال: ليس بشيء. وقال الآجري: سئل أبو داود عن ابن أبي نعيم فقال: سمعت ابن معين يقول: أكذب
стр. 843
الناس، عفر من الأعفار. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات. وقال أحمد بن سنان القطان: ثقة صدوق.
وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال أبو حاتم: صدوق (٨/ ٨٣ - ٨٤).
١٠ - الوليد بن الوليد بن زيد العنسي الدمشقي:
قال أبو حاتم: صدوق، ما بحديثه بأس، حديثه صحيح.
لكن قال الدارقطني وغيره: متروك. وروى له نصر المقدسي في "أربعينه" حديثا منكرا، وقال: تركوه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن الأوزاعي مسائل مستقيمة، ثم أعاده في "المجروحين" وقال: روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوب، وأورد له عن الأوزاعي خبرا قال فيه: لا أصل له من كلام النبي ﷺ .
وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٤٥١): "متروك، وإنما قال: "صدوق" من لم يخبر حاله". اهـ.
فرجع الأمر إلى اختلاف النظر والاجتهاد، فليس من وُصف بالعنت في باب الجرح يصير توثيقُه حُجة حيثما وجد، بل لكل ترجمة نظر خاص بها.
١١ - يمان بن عدي الحضرمي الحمصي:
قال أحمد: ضعيف، رفع حديث التفليس.
وقال البخارى: في حديثه نظر.
وقال الدارقطنى: ضعيف.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم.
أما أبو حاتم فقال: شيخ صدوق.
стр. 844
١٢ - يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب:
قال البخارى: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: شيخ، وهو من ولد صهيب ليس به بأس.
١٣ - يونس بن أبي يعفور العبدي الكوفي:
ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، ووثقه الدارقطني، وأخرج له مسلم موضعا واحدا (١٨٥٢) شاهدا.
وقال أبو حاتم: صدوق.
قال أبو أنس:
هذه نماذج على تعديل أبي حاتم لمن ضعفه أو وهَّاه غيره، وكذلك على تعديله لمن لم يعرفه مثل ابن معين، وسبق تعليقي على بعض هذه النماذج بما يدل مجموع ذلك على المواد منها.
ويلاحظ من بعض تلك النماذج أن أبا حاتم بينما يَنقل هو تضعيف غيره للراوي، أو ينقل ابنه التضعيف أو التجهيل، فإنه مع ذلك يوثقه أو يقول: صدوق، ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن صاحب النَّفَس المتشدد في الجرح، لا تسمح له نفسه غالبا بتوثيق من ضعفه غيره أو جهَّله، لاسيما وهو الذي يحكي ذلك أو يُحكى له، فقد كان مقتضى الطَّبْع أن يستروح لكلام غيره في ذلك.
فدل صنيع أبي حاتم في هذه المواضع أن اختلاف الاجتهاد هو الذي دفعه لهذا التوثيق.
стр. 845
فالأمر إذًا دائر مع:
الدلائل والشواهد والقرائن التي تدعم أو تخالف أو تُفَسِّر أو تُقَيِّد كلام إمام الجرح والتعديل.
مع عرض كلام بعضهم على بعض، واستصحاب بعض الانطباعات التي أُخذت عن أيٍّ منهم في غالب تصرفاته في الأحوال المشابهة من الرواة، على سبيل حمل الغامض أو المجمل من ذلك على الواضح المبين.
والأصل في جميع ذلك أن يدل كلام أئمة الجرح والتعديل في مجمله على معنى متقارب، مع تقارب ألفاظهم وعباراتهم في ذلك، فإن عبارات الجرح والتعديل متجاذبة، يمكن حمل بعضها على بعض، للتقريب بينها.
وما لم يمكن التقريب بينه من عباراتهم حُمل على تباين الاجتهاد، وللنظر في كلامهم حينئذ قواعد تُعرف بالممارسة لكتبهم، ترى شيئا منها في أقسام هذا الكتاب، مما قرره الشيخ المعلمي في مصنفاته، ومما فتح الله به من بعض التحريرات والأطروحات التي أضعها بين يدي الباحثن، عسى أن تكون موفَّقَةً وناهضةً لتدقيق أهل الاختصاص، عاملين فيها بالنقد؛ تمحيصا وتدعيما وتصويبا وتعقيبا، والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وأعود لأبي حاتم، فأقول:
لقد طال عجبي وأنا أطالع كتاب "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" لأبي الحسنات اللكنوي الهندي الحنفي -وما أكثر ما في هذا الكتاب من العجائب، وقد شرعتُ في تحريرِ الجوابِ عن كثيرٍ من المسائل التي خالفَ فيها مؤلفُه وجهَ الصواب، وقد دأبَ مؤلفُه على تمييعِ كثيرٍ من القضايا الاصطلاحية، وتفريغِ العديدِ من ألفاظِ الجرحِ من مضمونها، وملأ كتابَه بكثيرٍ من الإطلاقات والتعميمات في غير محلها- إذ عقد فيه ما أسماه: "إيقاظ ١٤ " وقال فيه (ص ١٠٧):