وقال أبو حاتم: صاحب قرآن وفرائض، صدوق، يكتب حديثه ولا يحتج به، روى حديثا عن معتمر عن أبيه عن الحسن عن أنس عن النبي ﷺ في فضيلة لبعض الصحابة ينكرها أهل المعرفة بالحديث. اهـ.
فقارن العبارات التي استعملها أبو حاتم في مقابل عبارة ابن معين والبخاري والنسائي، فهل يقال: هم شددوا؟ أم يقال: هو سَهَّل؟
الحق أنه لا هذا ولا ذاك، وإنما هو بحسب نظر كل منهم، وما أدَّاه إليه اجتهادُه في حال ضرار.
وعلى الناقد أن ينظر في أسباب حُكم كل منهم إذا وسعه ذلك وكان أهلا له.
من ذلك أن الحديث الذي ذكره أبو حاتم وأنكره أهل المعرفة بالحديث، قد أخرجه الحاكم في "المستدرك" (٣/ ١٢٢) بلفظ: "أن النبي ﷺ قال لعلي: أنت تُبين لأمتي ما اختلفوا فيه بعدي" وقال: صحيح على شرط الشيخين!! فرده الذهبي في "التلخيص" بقوله:
"بل هو فيما أعتقده من وضع ضرار، قال ابن معين كذاب".
فهذان طرفان، فقال الشيخ المعلمي في ترجمة ضرار من "التنكيل" (١١٢):
"لا ذا ولا ذاك، والصواب ما أشار إليه أبو حاتم، فإنه أعرف بضرار وبالحديث وعلل، فكأنَّ ضرارا لُقِّنَ أو أُدْخل عليه الحديث أو وَهِم".
ثم قال في حال ضرار:
"الذى يظهر أن ضرارا صدوق في الأصل، لكنه ليس بعمدة، فلا يحتج بما رواه عنه من لم يعرف بالإتقان، ويبقى النظر فيما رواه عنه مثل أبي زرعة أو أبي حاتم أو البخاري، والله أعلم". اهـ.
стр. 842
٦ - عبد الرحمن بن النعمان بن معبد:
نقل ابن أبي حاتم عن ابن معين قوله فيه: ضعيف. ثم سأل أباه عنه فقال: صدوق (٥/ ٢٩٤).
ذكره الذهبي في "الميزان" (٤٩٩١) ثم قال: "وقد روى عن سعد بن إسحاق العجري، فقلب اسمه أولا، فقال: إسحاق بن سعد بن كعب، ثم غلط في الحديث، فقال: عن أبيه عن جده، فَضَعْفُهُ راجح". اهـ.
ونقل الحافظ ابن حجر في "التهذيب" (٦/ ٢٨٧) عن ابن المديني قوله فيه: مجهول.
والحديث الذي أشار إليه الذهبي قد رواه أبو داود في "سننه" (٢٣٧٧). وقال عقبه: قال لي يحيى بن معين: هو منكر.
٧ - أبو جعفر الرازي واسمه عيسى، واخلتف في اسم أبيه:
وثقه غير واحد من الأئمة، ومع ذلك لَيَّنُوه، وذكروه بالخطأ والتخليط وسوء الحفظ.
وقال أبو زرعة: شيخ يهم كثيرا.
أما أبو حاتم فقد أطلق فيه أنه: ثقة صدوق صالح الحديث.
٨ - مجاهد بن وردان:
قال ابن معين: لا أعرفه. ذكره أبو حاتم، فلما سئل عنه قال: ثقة، روى عنه شعبة (٨/ ٣٢٠)
٩ - محمد بن موسى بن أبي نعيم الواسطي:
قال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين عن ابن أبي نعيم فقال: ليس بشيء. وقال الآجري: سئل أبو داود عن ابن أبي نعيم فقال: سمعت ابن معين يقول: أكذب
стр. 843
الناس، عفر من الأعفار. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات. وقال أحمد بن سنان القطان: ثقة صدوق.
وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم، وقال أبو حاتم: صدوق (٨/ ٨٣ - ٨٤).
١٠ - الوليد بن الوليد بن زيد العنسي الدمشقي:
قال أبو حاتم: صدوق، ما بحديثه بأس، حديثه صحيح.
لكن قال الدارقطني وغيره: متروك. وروى له نصر المقدسي في "أربعينه" حديثا منكرا، وقال: تركوه.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يروي عن الأوزاعي مسائل مستقيمة، ثم أعاده في "المجروحين" وقال: روى عن ابن ثوبان نسخة أكثرها مقلوب، وأورد له عن الأوزاعي خبرا قال فيه: لا أصل له من كلام النبي ﷺ .
وقال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٤٥١): "متروك، وإنما قال: "صدوق" من لم يخبر حاله". اهـ.
فرجع الأمر إلى اختلاف النظر والاجتهاد، فليس من وُصف بالعنت في باب الجرح يصير توثيقُه حُجة حيثما وجد، بل لكل ترجمة نظر خاص بها.
١١ - يمان بن عدي الحضرمي الحمصي:
قال أحمد: ضعيف، رفع حديث التفليس.
وقال البخارى: في حديثه نظر.
وقال الدارقطنى: ضعيف.
وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالقوى عندهم.
أما أبو حاتم فقال: شيخ صدوق.
стр. 844
١٢ - يوسف بن محمد بن يزيد بن صيفي بن صهيب:
قال البخارى: فيه نظر.
وقال أبو حاتم: شيخ، وهو من ولد صهيب ليس به بأس.
١٣ - يونس بن أبي يعفور العبدي الكوفي:
ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، ووثقه الدارقطني، وأخرج له مسلم موضعا واحدا (١٨٥٢) شاهدا.
وقال أبو حاتم: صدوق.
قال أبو أنس:
هذه نماذج على تعديل أبي حاتم لمن ضعفه أو وهَّاه غيره، وكذلك على تعديله لمن لم يعرفه مثل ابن معين، وسبق تعليقي على بعض هذه النماذج بما يدل مجموع ذلك على المواد منها.
ويلاحظ من بعض تلك النماذج أن أبا حاتم بينما يَنقل هو تضعيف غيره للراوي، أو ينقل ابنه التضعيف أو التجهيل، فإنه مع ذلك يوثقه أو يقول: صدوق، ونحو ذلك.
ومن المعلوم أن صاحب النَّفَس المتشدد في الجرح، لا تسمح له نفسه غالبا بتوثيق من ضعفه غيره أو جهَّله، لاسيما وهو الذي يحكي ذلك أو يُحكى له، فقد كان مقتضى الطَّبْع أن يستروح لكلام غيره في ذلك.
فدل صنيع أبي حاتم في هذه المواضع أن اختلاف الاجتهاد هو الذي دفعه لهذا التوثيق.
стр. 845
فالأمر إذًا دائر مع:
الدلائل والشواهد والقرائن التي تدعم أو تخالف أو تُفَسِّر أو تُقَيِّد كلام إمام الجرح والتعديل.
مع عرض كلام بعضهم على بعض، واستصحاب بعض الانطباعات التي أُخذت عن أيٍّ منهم في غالب تصرفاته في الأحوال المشابهة من الرواة، على سبيل حمل الغامض أو المجمل من ذلك على الواضح المبين.
والأصل في جميع ذلك أن يدل كلام أئمة الجرح والتعديل في مجمله على معنى متقارب، مع تقارب ألفاظهم وعباراتهم في ذلك، فإن عبارات الجرح والتعديل متجاذبة، يمكن حمل بعضها على بعض، للتقريب بينها.
وما لم يمكن التقريب بينه من عباراتهم حُمل على تباين الاجتهاد، وللنظر في كلامهم حينئذ قواعد تُعرف بالممارسة لكتبهم، ترى شيئا منها في أقسام هذا الكتاب، مما قرره الشيخ المعلمي في مصنفاته، ومما فتح الله به من بعض التحريرات والأطروحات التي أضعها بين يدي الباحثن، عسى أن تكون موفَّقَةً وناهضةً لتدقيق أهل الاختصاص، عاملين فيها بالنقد؛ تمحيصا وتدعيما وتصويبا وتعقيبا، والله من وراء القصد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وأعود لأبي حاتم، فأقول:
لقد طال عجبي وأنا أطالع كتاب "الرفع والتكميل في الجرح والتعديل" لأبي الحسنات اللكنوي الهندي الحنفي -وما أكثر ما في هذا الكتاب من العجائب، وقد شرعتُ في تحريرِ الجوابِ عن كثيرٍ من المسائل التي خالفَ فيها مؤلفُه وجهَ الصواب، وقد دأبَ مؤلفُه على تمييعِ كثيرٍ من القضايا الاصطلاحية، وتفريغِ العديدِ من ألفاظِ الجرحِ من مضمونها، وملأ كتابَه بكثيرٍ من الإطلاقات والتعميمات في غير محلها- إذ عقد فيه ما أسماه: "إيقاظ ١٤ " وقال فيه (ص ١٠٧):
стр. 846
لا تغترر بقول أبي حاتم في كثير من الرواة -على ما يجده من يطالع "الميزان" وغيره- إنه (مجهول)، ما لم يوافقه غيره من النقاد؛ فإن الأمان من جرحه بهذا مرتفع عندهم، فكثيرا ما ردوه عليه بانه جَهَّلَ مَن هو معروف عندهم.
فقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري":
• الحكم بن عبد الله البصري، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: (مجهول).
قلت: ليس بمجهول من روى عنه أربع ثقات، ووثقه الذهلي.
• وقال أيضًا: عباس القنطري، قال ابن أبي حاتم عن أبيه: (مجهول).
قلت: إن أراد العين، فقد روى عنه البخاري، وموسى بن هلال، والحسن بن علي المعمري. وإن أراد الحال، فقد وثقه عبد الله بن أحمد، قال: سألت أبي، فذكره بخير.
وقال السيوطي في "تدريب الراوي": جَهَّل جماعةٌ من الحفاظ قوما من الرواة لعدم علمهم بهم، وهم قوم معروفون بالعدالة عند غيرهم، وأنا أسرد ما في "الصحيحين" من ذلك:
١ - أحمد بن عاصم البلخي، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه ابن حبان، وقال: روى عنه أهل بلده.
٢ - إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي، جَهَّلَهُ ابن القطان وعرفه غيره فوثقه ابن حبان.
٣ - أسامة بن حفص المديني، جَهَّلَهُ أبو القاسم اللالكائي، وقال الذهبي: ليس بمجهول، روى عنه أربعة.
٤ - أسباط أبو اليسع، جَهَّلَهُ أبو حاتم، وعرفه البخاري.
٥ - بيان بن عمرو، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه ابن المديني وابن حبان وابن عدي وعبيد الله بن واصل.
стр. 847
٦ - الحسين بن الحسن بن يسار، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه أحمد وغيره.
٧ - الحكم بن عبد الله البصري، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه الذهلي، وروى عنه أربع ثقات.
٨ - عباس القنطري، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه أحمد وابنه.
٩ - محمد بن الحكم المروزي، جَهَّلَهُ أبو حاتم، ووثقه ابن حبان". اهـ. نقل اللكنوي.
قال أبو أنس:
ما أشدَّ خطورة هذا الفصل -ككثير من فصول ذاك الكتاب- ومُؤَدَّاهُ كما رَمَى إليه مؤلفُه هو: طَرْحُ قولِ أبي حاتم في الرواة: "مجهول" إذا لم يوافقه على ذلك أحدٌ من النقاد.
وما استدل مؤلفُه بنقله عن ابن حجر والسيوطي فيما يخصُّ أبا حاتم، فَأَوْهَى من بيت العنكبوت.
وهذا إجمالٌ لنكاتٍ تُفيد في الجوابِ عمَّا ذَكره، ثم أُعَرِّجُ على ما نقله تفصيلًا. والله تعالى الموفق.
أولا: الجهالة عند أبي حاتم وكثر المتقدمين في أدقِّ معانيها هي عدم الوقوف على ما يفيد في معرفة ما يمكنُ الاعتمادُ عليه في قبول حديث الراوي، وليس عند الحُذَّاق منهم فرقٌ في ذلك بين مَن روى عنه واحد، أو روى عنه جماعة، فربما وثقوا مِنَ الصنف الأول، وجَهَّلُوا مِن الثاني.
وعدم الوقوف هذا ربما انبنى على:
عزةِ حديث الراوي، أو عزةِ مَنْ روى عنه أو عدمِ سلامةِ الطرق إليه، أو نحو ذلك مما يُعرف بالتتبع والاستقراء.
стр. 848
والأمر في ذلك أوسعُ مما حدَّه المتأخرون في شأن الجهالة، فقسموها إلى الصنفين السابقن، وسموا الأول: "مجهول العين"، والثاني: "مجهول الحال"، وجعلوا الأول: مردودا مطلقا، والثاني: صالحا للاستشهاد والمتابعة.
ثانيا: فَرَّعَ البعضُ على هذا التقسيم أمورا، من ذلك -وهو لصيقٌ بما نحن بصدده- قولُ اللكنوي في كتابه المذكور "الرفع والتكميل" في "الإيقاظ ١٣ ":
"فرقٌ بين قولِ أكثر المحدثين في حق الراوي: (إنه مجهول)، وبين قول أبي حاتم: (إنه مجهول)، فإنهم يريدون به غالبا: جهالةَ العين، بأن لا يروي عنه إلا واحد، وأبو حاتم يريد به جهالةَ الوصف، فافهمْه واحفظْه؛ لئلا تحكم على كل من وجدتَّ في "الميزان" إطلاقَ المجهول عليه أنه مجهول العين". اهـ.
أقول:
فهذا تلبيسٌ ظاهرٌ، لأنه يُلزِمُ أبا حاتم بهذا التقسيم المذكور، ثم يُقْصِرُ قولَه: "مجهول" على أنه أراد به جهالةَ الوصف أو الحال، لا العين.
واللكنوي هو الذي نقل بعد ذلك عن تقي الدين السبكي في "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" قوله:
"أما قول أبي حاتم الرازي في موسى بن هلال: إنه "مجهول"، فلا يضره؛ فإنه إما أن يريد به جهالة العين أو جهالة الوصف ... ".
وعن "فتح المغيث" للسخاوي قوله:
"على أن قول أبي حاتم في الرجل: إنه "مجهول"، لا يريد به أنه لم يرو عنه سوى واحد؛ بدليل أنه قال في: "داود بن يزيد الثقفي" إنه مجهول، مع أنه قد روى عنه جماعة، ولذا قال الذهبي عقبه: هذا القول يوضح لك أن الرجل قد يكون مجهولا عند أبي حاتم، ولو روى عنه جماعة ثقات. يعني إنه مجهول الحال انتهى.
стр. 849
ومعنى كلام هؤلاء واضح جدًّا أن أبا حاتم لا يتقيد في تجهيله للرواة برواية الواحد أو الجماعة، وهو ما قررناه آنفًا، فكيف يقال مع ذلك: " ... وأبو حاتم يريد به جهالة الوصف، فافهمه واحفظه ... "!
أما تفصيل الجواب عما نقله اللكنوي فأقول:
أبو حاتم من أهل الاصطلاح الذين تُؤخذ عنهم القواعد، بل هو من المقدَّمين منهم، الذين أثّرَوْا عِلْمَ النقد بوافرٍ من التحقيقات والتعليلات، وعليه مدار كثير من المنقول في نقد الرواة والأخبار؛ فلا يقال له في رجل قال فيه "مجهول": "ليس بمجهول من روى عنه أربع ثقات، ووثقه الذهلي".
بل يقال كما سبق:
لا يشترط في الوصف بالجهالة عدمُ رواية أكثر من واحد عن الراوي، كما قاله الذهبي؛ استدلالًا بصنيع أبي حاتم.
أو قُلْ: هو اصطلاح أبي حاتم على أَقَلِّ تقدير.
أما الذُّهلي فكان فيه تسمُّح؛ ترتفع الجهالةُ عنده برواية اثنين عن الراوي، فلعله أثبت له العدالة هنا بناءً على هذا، ولا يُقارَن الذهلي بأبي حاتم في هذا الباب.
وأبو حاتم إمامٌ، فلا يُبْطَلُ نَقْدُهُ بنَقْدِ إمامٍ آخر، ولكن يُجمع بينهما بقواعد الجمع المعروفة، فربما اطَّلع الواحد منهم على ما لم يطلع عليه الآخر، أو يكونا اطَّلعَا، لكنِ اعْتَدَّ أحدُهما بما وقف عليه فوثَّق أو صحَّح، ولم يعتد الآخر به فجهَّل أو توقَّف، ولكُلِّ مقامٍ نقدٌ خاصٌ.
وقد يكون من اعتدَّ: قد اغترَّ بما لا ينهضُ، فخالفه الصوابُ.
هذا ربما تدل عليه القرائن، وهو خلاف الأصل المتعارف عليه: أن من علم حُجة على من لم يعلم.
стр. 850
وأما ما سرده السيوطي، فمما يُؤخذُ عليه:
اعتمادهُ توثيق ابن حبان للطبقات المتقدمة، لاسيما في مقابل تجهيل أبي حاتم، وراجع ترجمة ابن حبان في هذا القسم.
وقابل ما أورده من النماذج بما أوردته سابقا، تعلم أن القضية ليست بمطردة، وأن الأمر دائرٌ على الاجتهاد واختلاف النظر في كل موضع.
هذا آخر ما أردتُّ التنبيه عليه فيما يتعلق بأبي حاتم هنا، وإن كان تناولُ منهجه يحتاج إلى دراسة مستقلة، لكن كما نبهت في مقدمة هذا القسم أنني إذا تناولت تحرير شيء فإني أتقيدُ بما يأتي ذكره في كلام الشيخ المعلمي.
* * *
стр. 851
ابن معين
(ت ٢٣٣ هـ)
стр. 852
يتعلق به هاهنا ثمانية أمور:
الأول: اختلافُ قوله في الراوي.
الثاني: تكذيبه أحيانًا بمعنى كثرة الخطأ ونحوه.
الثالث: قوله: "ليس بثقة" قد يريد بها نفي الدرجة العليا من التوثيق.
الرابع: تشدده أحيانا فيما يتفرد به الراوي.
الخامس: معنى قوله: "ليس بشيء".
السادس: توثيقُه لبعض المجاهيل.
السابع: توثيقه لمن ضعفه غيره.
الثامن: تَجَمُّلُ بعضِ الرواة الضعفاء له، واستقباله بأحاديث مستقيمة، فَيُحْسِنُ القولَ فيهم.
* * *
стр. 853
الأمر الأول
اختلاف قوله في الراوي
• قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٦٩):
"قد اختلف كلام ابن معين في جماعة، يوثق أحدهم تارة ويضعفه أخرى، منهم: إسماعيل بن زكريا الخُلقاني، وأشعث بن سوار، والجراح بن مليح الرؤاسي، وحرب (١) بن أبي العالية، والحسن بن يحيى الخشني، والزبير بن سعيد، وزهير بن محمد التميمي، وزيد بن حبان الرقي، وسَلْم العلوي، وعافية القاضي، وعبد الله بن (٢) الحسن أبو حريز، وعبد الله بن عقيل أبو عقيل، وعبد الله بن عمر بن حفص العمري، وعبد الله بن واقد أبو قتادة الحراني، وعبد الواحد بن غياث، وعبيد الله بن عبد الرحمن بن موهب، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهم ...
وقد يقول ابن معين في الراوي مرة: "ليس بثقة"، ومرة: "ثقة"، أو: "لا بأس به"، أو نحو ذلك (راجع تراجم جعفر بن ميمون التميمي وزكريا بن منظور ونوح بن جابر) ". اهـ.
* * *
стр. 854
الأمر الثاني
تكذيبه أحيانًا بمعنى كثرة الخطأ ونحوه
• في ترجمة: ضرار بن صرد من "التنكيل" رقم (١٢٢):
قال الأستاذ -يعني الكوثري- (ص ٦٠): "ضرار بن صرد هو أبو نعيم الطحان الذي يقول عنه ابن معين: كذاب ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
"قال علي بن الحسن الهسنجاني عن ابن معين: بالكوفة كذابان؛ أبو نعيم النخعي وأبو نعيم ضرار بن صرد، وظاهر هذا تعمد الكذب"، لكن قال الأستاذ (ص ١٦٣): "الإخبار بخلاف الواقع هو الكذب، والكذب بهذا المعنى يشمل الغالط والواهم، فمن غلط أو وهم في شيء يمكن عده كاذبًا على هذا الرأي ... فلا يعتد بقول من يقول: فلان يكذب، ما لم يفسر وجه كذبه ... "
أقول: وقد قال ابن معين لشجاع بن الوليد أبي بدر السكوني: يا كذاب. وقد قال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: شجاع بن الوليد ثقة، ووثقه غيره، ولكنه يهم ويغلط.
فلننظر كلام غير ابن معين في أبي نعيم النخعي واسمه عبد الرحمن بن هانىء، ثم في أبي نعيم ضرار بن صرد" (١).
قال أبو أنس:
هذا -كما هو واضح- خلاف الأصل في استعمال تلك العبارة، وإنما ساغ صَرْفُهَا عن أصل وضعها واستعمالها لِمَا ثبت عن ابن معين من سائر العبارات، فوجب الجمعُ، وحَمْلُ بعضها على بعض، فالجمع كما هو معلوم أوْلى من التضاد أو الطَّرْح.
стр. 855
الأمر الثالث
قوله "ليس بثقة" قد يريد به نفي الدرجة العليا من التوثيق
• قال الشيخ المعلمي في ترجمة: محمد بن فليح بن سليمان من "التنكيل" رقم (٢٩):
"روى أبو حاتم عن معاوية بن صالح، عن ابن معين: فليح بن سليمان ليس بثقة، ولا ابنه فسئل أبو حاتم فقال: ما به بأس، ليس بالقوي.
وقد اختلفت كلمات ابن معين في فليح؛ قال مرة: ليس بالقوي ولا يحتج بحديثه، وهو دون الدراوردي، وقال مرة: ضعيف ما أقربَهُ من أبي أويس، وقال مرة: أبو أويس مثل فليح فيه ضعف وقال في أبي أويس: صالح ولكن حديثه ليس بذاك الجائز. وقال مرة: صدوق وليس بحجة.
فهذا كله يدل أن قوله في الرواية الأصلى: ليس بثقة إنما أراد أنه ليس بحيث يقال له ثقة". اهـ.
قال أبو أنس:
يقال هاهنا مثل ما قيل في الأمر السابق.
* * *
стр. 856
الأمر الرابع
تشدده أحيانًا فيما يتفرد به الراوي
• قال المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٤٠):
"قد كان يحيى بن معين ينتقد على الرواة ما يراهم تفردوا به، وربما شَدَّد".
• وقال في "التنكيل" أيضًا (١/ ٦٨):
"ربما يجرح أحدهم الراوي لحديثٍ واحدٍ استنكره وقد يكون له عذر.
وَرَدَ ابنُ معين مصرَ، فدخل على عبد الله بن الحكم فسمعه يقول: حدثني فلان وفلان وفلان. وعَدَّ جماعةً روى عنهم قصة، فقال ابنُ معين: حدَّثك بعضُ هؤلاء بجميعه وبعضهم ببعضه؟ فقال: لا، حدثني جميعُهم بجميعه، فراجعه فأصَرَّ، فقام يحيى وقال للناس: يكذب.
ويظهر لي أن عبد الله إنما أراد أنَّ كُلا منهم حدَّثه ببعض القصة، فجمع ألفاظهم، وهي قصة في شأن عمر بن عبد العزيز ليست بحديث، فظن يحيى أن مراده أن كلا منهم حدَّثه بالقصة بتمامها على وجهها، فكذَّبه في ذلك، وقد أساء الساجي إذ اقتصر في ترجمة عبد الله على قوله: كذبه ابن معين.
وبلغ ابنَ معين أن أحمد بن الأزهر النيسابوري يحدِّث عن عبد الرزاق بحديثٍ استنكره يحيى فقال: مَنْ هذا الكذاب النيسابوري الذي يحدث عن عبد الرزاق بهذا الحديث؟ وكان أحمد بن الأزهر حاضرًا فقام فقال: هو ذا أنا، فتبسم يحيى وقال: أما إنك لست بكذاب ... ". اهـ.
* * *
стр. 857
الأمر الخامس
معنى قول ابن معين: ليس بشيء
• قال الشيخ المعلمي في طليعة "التنكيل" (ص ٥٤ - ٥٥):
"ابن معين مما يطلق: ليس بشيء، لا يريد بها الجرحَ وإنما يريد أن الرجلَ قليلُ الحديث". وقد ذكر الكوثري ذلك (ص ١٢٩)، ويأتي تحقيق ذلك في ترجمة ثعلبة من "التنكيل".
وحاصله أن ابنَ معين قد يقول: "ليس بشيء" على معنى قلة الحديث، فلا تكون جرحًا، وقد يقولها على وجه الجرح كما يقولها غيره فتكون جرحًا، فإذا وجدنا الراوي الذي قال فيه ابنُ معين: "ليس بشيء" قليل الحديث وقد وُثِّقَ، وجبَ حملُ كلمة ابن معين على معنى قلة الحديث لا الجرح، وإلا فالظاهر أنها جرح، فلما نظرنا في حال ثعلبة وجدناه قليل الحديث، ووجدنا ابن معين نفسه قد ثبت عنه أنه قال في ثعلبة: لا بأس به، وقال مرة: ثقة، كما في "التهذيب".
وممن قال ابن معين فيه: ليس بشيء: أبو العطوف الجراح بن المنهال، فنظرنا في حاله، فإذا له أحاديث غير قليلة، ولم يوثقه أحد بل جرحوه، قال ابن المديني: لا يكتب حديثه، وقال البخاري ومسلم: منكر الحديث، وقال النسائي والدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم والدولابي الحنفي: متروك الحديث ذاهب لا يكتب حديثه، وقال النسائي في "التمييز": ليس بثقة ولا يكتب حديثه وذكره البرقي فيمن اتُّهِم بالكذب، وقال ابن حبان: كان يكذب في الحديث ويشرب الخمر ... والكلام فيه أكثر من هذا، فعرفنا أن قول ابن معين فيه: "ليس بشيء" أراد بها الجرح كما هو المعروف عند غيره في معناها.
стр. 858
• وقال المعلمي في ترجمة أبي العطوف جراح بن المنهال من "التنكيل" (١/ ٢١٥):
"أما قول ابن معين: ليس بشيء، فلا ريب أنه قد يقولها في الراوي بمعنى قلة ما رواه جدًّا، يعني أنه لم يُسند من الحديث ما يُشتغل به كما مرت الإشارة إليه ... ، فأما أنه كثيرًا ما يقول هذا فيمن قلَّ حديثه فهذه مبالغة الأستاذ - يعني الكوثري".
وحاصله أن الظاهر المتبادر من هذه الكلمة: الجرحُ، فلا يُعدل عنه إلا بحجة فلما كان ابن معين قد وثق ثعلبة -وهو ابن سهل القاضي- ولم يقدح فيه غيره، وثعلبة قليل الحديث جدًّا، تبين أن مراد ابن معين بتلك الكلمة - لو ثبتت: قلة الحديث.
وأبو العطوف لم يوثقه ابن معين ولا غيره، بل أوسعوه جرحًا، وحديثه غير قليل، فقد ذكر له الأستاذ خمسة، وفي "لسان الميزان" ثلاثة أخرى، لو لم يكن له غيرها لما كانت من القِلَّة بحيث يصح أن يقال: إنها ليست بشيء. ولولا أنهم تركوه ولم يكتبوا حديثه لوجدنا له غير ما ذكر ... فمن الواضح أن قول ابن معين في أبي العطوف: "ليس بشيء" إنما محملها الجرح الشديد. اهـ.
* * *
стр. 859
الأمر السادس
توثيقه لبعض المجاهيل
• قال الشيخ المعلمي "التنكيل" (١/ ٦٦ - ٦٧):
"ينبغي أن يُبحث عن معرفة الجارح أو المعدل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه، ومنهم من يجاوز ذلك.
فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يَعرف ما روى وعمَّن روى ومَن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكره وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا، والعجلي قريبٌ منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد وابن معين والنسائي وآخرون غيرهم يوثقون مَنْ كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا روايةَ أحدِهم مستقيمة، بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد، وإن لم يرو عنه إلا واحد ولم يبلغهم عنه إلا حديثٌ واحد.
فمِمَّن وثقه ابن معين من هذا الضرب:
الأسقع بن الأسلع (١).
стр. 860
والحكم بن عبد الله البلوي (١).
ووهب بن جابر الخيواني (٢) وآخرون ...
وقد روى العوام بن حوشب عن الأسود بن مسعود، عن حنظلة بن خويلد عن عبد الله بن عمرو بن العاص حديثًا، ولا يُعرف الأسود وحنظلة إلا في تلك الرواية، فوثقهما ابن معين.
وروى همَّام، عن قتادة، عن قُدامة بن وبرة، عن سمرة بن جندب حديثًا، ولا يُعرف قُدامة إلا في هذه الرواية، فوثقه ابن معين، مع أن الحديثَ غريبٌ، وله علل أخرى، راجع "سنن" البيهقي (٣/ ٢٤٨) ".
• وقال: (١/ ٦٨ - ٦٩):
"قد عرفنا رأي بعض من يوثق المجاهيل من القدماء إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيمًا، ولو كان حديثا واحدًا لم يروه عن ذاك المجهول إلا واحد.
فإن شئتَ فاجعل هذا رأيًا لأولئك الأئمة كابن معين، وإن شئت فاجعله اصطلاحًا في كلمة "ثقة"؛ كأن يراد بها استقامة ما بلَغَ الموثِّقَ من حديث الراوي، لا الحكم للراوي نفسه بأنه في نفسه بتلك المنزلة". اهـ.
* * *
стр. 861
الأمر السابع
توثيقه لمن ضعفه غيره
• قال الشيخ في "التنكيل" (١/ ٦٩):
"وجاء عن ابن معين توثيقُ جماعةٍ ضعفهم الأكثرون، منهم: تمام بن نجيح، ودراج بن سمعان، والربيع بن حبيب الملاح، وعباد بن كثير الرملي، ومسلم بن خالد الزنجي (١)، ومسلمة بن علقمة، وموسى بن يعقوب الزمعي، ومؤمل بن إسماعيل، ويحيى بن عبد الحميد الحمَّاني.
وهذا يُشعر بأن ابن معين كان ربما يطلق كلمة "ثقة" لا يريد بها أكثر من أن الراوي لا يتعمد الكذب". اهـ.
قال أبو أنس:
هذا يتمشى مع ما قررناه سلفًا، أن الغالب في مجموع كلام الأئمة في الرجل أن يكون قريبًا بعضه من بعض، يُردُّ المجمل منه إلى المبيَّن، والمُطْلَقُ إلى المُقَيَّد، والمُبْهَمُ إلى المُفَسَّر، إلا إذا دَلَّت القرائنُ على تباين واضح في الاجتهاد فيُلجأ حينئذٍ إلى الترجيح بينها حسب القواعد المقررة لذلك.
* * *
стр. 862
الأمر الثامن
تجمُّل بعض الرواة الضعفاء لابن معين واستقباله بأحاديث مستقيمة فيُحسن القولَ فيهم
• قال الشيخ المعلمي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٣٠):
"عادةُ ابنِ معين في الرواة الذين أدركهم أنه إذا أعجبته هيئةُ الشيخ يسمعُ منه جملةً من أحاديثه، فإذا رأى أحاديثه مستقيمةً ظنَّ أن ذلك شأنَه، فوثَّقَهُ، وقد كانوا يَتَّقُونَهَ ويخافونه.
فقد يكون أحدُهم مِمنْ يُخَلِّطُ عمدًا، ولكنه استقبل ابن معين بأحاديث مستقيمة ولَمَّا بَعُدَ عنه خَلَّطَ.
فإذا وجدنا مِمَّنْ أدركه ابنُ معين من الرواة مَن وثقه ابنُ معين وكَذَّبه الأكثرون أو طعنوا فيه طعنًا شديدًا، فالظاهر أنه مِنْ هذا الضَّرْب، فإنما يزيدُه توثيقُ ابن معين وَهَنًا؛ لدلالته على أنه كان يتعمد". اهـ.
• وقال: في "التنكيل" (١/ ٦٧ - ٦٨):
"كان ابن معين إذا لقي في رحلته شيخًا فسمع منه مجلسًا، أو ورد بغداد شيخٌ فسمع منه مجلسًا، فرأى تلك الأحاديث مستقيمة ثم سُئل عن الشيخِ وثَّقَهُ، وقد يتفقُ أن يكون الشيخُ دجالا، استقبل ابنَ معين بأحاديث صحيحة، ويكون قد خلَّط قبل ذلك أو يخلِّط بعد ذلك.
ذكر ابنُ الجنيد أنه سأل ابنَ معين عن محمد بن كثير القرشي الكوفي فقال: "ما كان به بأس" فحَكَى له عنه أحاديثَ تُستنكر، فقال ابن معين: "فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب، وإلا فإني رأيت حديث الشيخ مستقيمًا".
стр. 863
وقال ابن معين في محمد بن القاسم الأسدي: "ثقة وقد كتبت عنه" وقد كذبه أحمد وقال: "أحاديثه موضوعة"، وقال أبو داود: "غير ثقة ولا مأمون، أحاديثه موضوعة". اهـ.
• وعلق الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٤٠٠) على حديثٍ بقوله:
"في سنده محمد بن كثير الكوفي: هالك؛ تَصَنَّعَ لابن معين بأحاديث مستقيمة، فظنَّ ابنُ معين أن ذلك شأنه فأثنى عليه، ثم ذُكر له بعض مناكيره، فقال: فإن كان هذا الشيخ روى هذا فهو كذاب"، وقال أحمد: حرقنا حديثه، وقال ابن المديني: كتبنا عنه عجائب وخططت على حديث". اهـ.
• وقال: في "الفوائد" أيضًا (ص ٢٩٣):
"أبو الصلت -وهو عبد السلام بن صالح الهروي- فيما يظهر لي كان داهيةً؛ من جهةٍ: خدم علي الرضا بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وتظاهر بالتشيع، ورواية الأخبار التي تدخل في التشيع.
ومن جهةٍ: كان وجيهًا عند بني العباس.
ومن جهةٍ: تقرَّبَ إلى أهل السنة بردِّه على الجهمية.
واستطاع أن يتجمَّلَ لابن معين حتى أحسن الظن به، ووثقه ... " (١).
* * *
стр. 864
قال أبو أنس:
من تأمَّل تلك الأمور الخاصَّة بابن معين، عَلم ما قررناه سابقًا أن لكل إمام نظرًا يختلف من حالٍ إلى حال، ومن راوٍ إلى آخر، وأن الحَقَّ يُعرفُ بمجموع كلام الإمام.
ولو استحق الإمامُ وصفًا ما برأي كرره في مواضع، وخالف فيه غيره من الأئمة، لاستحق كُلُّ إمامٍ أوصافا متناقضة فمن نظر إلى الأمر السادس والسابع، رمى ابن معين بالتساهل، ومن نظر إلى الأمر الرابع، رماه بالتشدد، وإلى الأمر الثاني والثالث، رماه بالمجازفة والتعدِّي في استعمال ألفاظ الجرح فيمن لا يستحق.
ومن نظر في الأمر الثامن ربما ظن عدم الخبرة أو نحو ذلك، وفي الأمر الأول ظن اضطراب ابن معين في أقواله.
وجميعُ هذا لا يصحُّ وصفُ ابن معين -ولا غيره من الأئمة- به، ولا يكادُ يسلمُ كلامُ أحدٍ من الأئمة في الرواة من بعض هذه الأمور، كما سبق في ترجمة أبي حاتم، فبينما جَهَّلَ جماعة من الرواة قد عرفهم أو وثقهم غيره فقد عرف ووثق جماعةً قد جهلهم أو ضعفهم غيره.
وهذا أمر منتشر مستفيض في كتب التراجم، لا يلزم من شيء منه إلصاق الأوصاف بالأئمة، وتعطيل أقوال بعضهم في الرواة بحجة كونه يتشدد أو يُسَهِّلُ.
اللهم إلا أن يُصرِّحَ الإمامُ بمنهجٍ له في توثيق الرواة، يُعلم من مذاهب النقاد وقوع الخلل في ذاك المنهج، كتوثيقات ابن حبان مثلًا، كما سيأتي.
والله تعالى الهادي إلى الصواب.
* * *
стр. 865
الإمام أحمد بن حنبل
(ت ٢٤١ هـ)
стр. 866
يتعلق به هاهنا ثلاثة أمور:
الأول: كيف يُشير إلى تعليل الروايات في "مسنده" أحيانا؟
الثاني: منهجُه في ترتيب الروايات من حيث القوة.
الثالث: موضوع "المسند"، وهل يُخرج فيه مراسيل؟
* * *
стр. 867
الأمر الأول
كيف يشير إلى تعليل الروايات في "مسنده" أحيانا ؟
ذكر الشوكاني في "الفوائد" (ص ١٤٩) حديث: "الربا سبعون بابًا، أصغرها كالذي ينكح أمه".
وذكر من خرَّجه إلى أن قال:
وأخرجه أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن حنظلة قال: قال رسول الله ﷺ : "درهم ربا يأكله الرجل -وهو يعلم- أشدُّ من ستةٍ وثلاثين زنية".
قال: وفي إسناده حسين بن محمد بن بهرام. قال أبو حاتم: رأيته ولم أسمع منه ... وأخرجه أحمد من قول كعب موقوفًا. قال الدارقطني: وهذا أصح من المرفوع. اهـ.
قال: ولم يُصِبْ ابن الجوزي لإدخال هذا الحديث في الموضوعات؛ فحسين المذكور قد احتج به أهل "الصحيح"، وقد وثقه جماعة.
فعلَّق العلامة المعلمي هنا بقوله:
"لكنهم حكموا عليه -يعني حسينًا- بالغلط في هذا، أشار إلى ذلك الإمام أحمد؛ إذ روى الخبر عن حسين، ثم عقبه بالرواية التي جعلته من قول كعب، وكذلك أعلَّهُ أبو حاتم، راجع كتاب العلل لابن أبي حاتم (١/ ٣٨٧)، وكذلك الدارقطني كما
مَرَّ ... ". اهـ.
* * *
стр. 868
الأمر الثاني
منهجه في ترتيب الروايات في "المسند" من حيث القوة
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ١١٨):
"ولِقُوَّةِ هذه الرواية -يعني رواية ابن المبارك عن يونس بن يزيد- ذكرها الإمام أحمد عقب رواية ابن عيينة -يعني: عن الزهري- كأنه يشير إلى أن رواية يونس هذه هي الصواب".
وانظر: ترجمة يونس من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (٨٣١).
* * *
стр. 869
الأمر الثالث
موضوع "المسند" وهل يخرج فيه مراسيل ؟
ذكر العلامة المعلمي طرقَ حديث: "للفرس سهمان وللرجل سهم" في المسألة رقم (١١) من القسم الثالث من "التنكيل" إلى أن قال (٢/ ٧٥):
"وعند الدارقطني (ص ٤٧١) عن إسماعيل بن عياش، عن هشام بن عروة روايتان: إحداهما: عن أبيه عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم بدر أربعة أسهم ... ".
والأخرى: عن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن الزبير ... بمعناه، وإسماعيل يخلط فيما يرويه عن غير الشاميين.
وفي "مسند" أحمد (١/ ١٦٦): "ثنا عتاب، ثنا عبد الله، ثنا فليح بن محمد، عن المنذر بن الزبير، عن أبيه: "أن النبي ﷺ أعطى الزبير سهمًا وأمه سهمًا وفرسه سهمين".
ذكره أحمد في مسند الزبير وليس من عادة أحمد في "المسند" إخراج المراسيل.
وعتاب هو ابن زياد المروزي، وثقه أبو حاتم وغيره، ولم يغمزه أحد، وعبد الله هو ابن المبارك.
وقد تصحفت على بعضهم كلمة "بن "بين محمد والمنذر، فجرى البخاري في تاريخه ومن تبعه على ذلك كما في ترجمة فليح في "تعجيل المنفعة"، ولم يذكر البخاري مَنْ رواه كذلك، عن ابن المبارك، فالصواب إن شاء الله رواية أحمد ... أما فليح فغير مشهور، لكن رواية ابن المبارك عنه تقويه. اهـ.
стр. 870
قال أبو أنس:
قول الشيخ المعلمي: "وليس من عادة أحمد في "المسند" إخراج "المراسيل" مع ما بعده، يعني أن الصواب ما وقع في "المسند": "فليح بن محمد (عن) المنذر بن الزبير عن أبيه" لأن هذا ظاهره الاتصال بين المنذر وأبيه الزبير.
أما ما وقع في "التاريخ الكبير" للبخاري (١/ ٢٤٣): "محمد بن المنذر بن الزبير ابن العوام القرشي الأسدي، روى ابن المبارك عن فليح بن محمد عن أبيه عنه، مرسل، عداده في أهل المدينة". اهـ.
فهو يدل على أن الإسناد وقع لدى البخاري هكذا: فليح بن محمد (بن) المنذر بن الزبير عن أبيه عن الزبير ومحمد عن الزبير مرسل، ولم يذكر البخاري من رواه هكذا عن ابن المبارك حتى يقارنه بـ "عتاب" الذي وثقه أبو حاتم وغيره. وقوَّى المعلمي صحة ما في "المسند" بأن الإمام أحمد ليس من عادته إخراج المراسيل.
* * *
стр. 871
الإمام مالك بن أنس
(ت ١٧٩ هـ)
стр. 872
قضية تركه للعمل بما لم يعمل به أهل المدينة .
قال العلامة المعلمي في "الأنوار الكاشفة" (ص ٢٣):
"كان مالك: يدين باتباع الأحاديث الصحيحة، إلا أنه ربما توقف عن الأخذ بحديث، ويقول: ليس عليه العمل عندنا؛ يرى أن ذلك يدل على أن الحديث منسوخ أو نحو ذلك.
والإنصاف أنه لم تتحَرَّرْ لمالك قاعدةٌ في ذلك؛ فوقعت له أشياء مختلفة. راجع الأم للشافعي (٧/ ١٧٧ - ٢٤٩).
وقد اشتهر عن مالك قوله: "كل أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يعني النبي ﷺ . وقوله للمنصور إذ عرض عليه أن يَحملَ الناسَ على الموطأ: "إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار فعند أهل كل مصر عِلم". اهـ.
ثم أجاب الشيخ المعلمي عن قول مالك: "أحب الأحاديث إليَّ ما اجتمع الناس عليه". فقال: "لا ريب أن المُجمع عليه أعلى من غيره، مع قيام الحجة بغيره إذا ثبت عند مالك وغيره". اهـ.
* * *
стр. 873
عبد الله بن المبارك
(ت ١٨١ هـ)
стр. 874
يتعلق به هاهنا ثلاثة أمور:
الأول: أن من عادته تتبع أصول شيوخه:
قاله الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ١١٧) وقدم بذلك روايةً لابن المبارك، عن يونس، عن الزهري على رواية ابن وهب، عن يونس، قال: "هذا أثبت؛ لأن ابن المبارك أثبت من ابن وهب. وكان يقول: كتاب يونس صحيح، وكان من عادة ابن المبارك تتبع أصول شيوخه، فالظاهر أنه أخذ هذا عن يونس من أصل كتابه ... " اهـ.
الثاني: هل روايته عن الرجل تقويه ؟
قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (٢/ ٧٥):
"أما فليح -يعني: ابن محمد- فغير مشهور، لكن رواية ابن المبارك عنه تقويه".
لكن هذا يعارضه ما يأتي.
الثالث: هل هو ممن لا يشدد في الرواية عن الرجال ؟
قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٢١٣):
" ... وروى ابن المبارك، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي مَرَّة، ثم تركه، فسئل أن يحدث عنه فقال: تأمرني أن أعود في ذنب قد تبت منه ... مع أن ابن المبارك ليس ممن يُشَدِّدُ؛ فقد روى عن الكلبي ... (١) ". اهـ.
стр. 875
قال أبو أنس:
فإذا كان لا يُشدد، فظاهره أنه لا يقتصر في روايته عن مشايخه على الثقات، فروايته عن غير مشهور إذًا لا تقويه.
إلا أنَّ وصفَه بأنَّه ليس مِمَّنْ يشُدِّدُ؛ بناءً على ما ذُكر من روايته عن الكلبي، قد نظرتُ في ذلك فوجدت ما يلي:
كان ابن المبارك يتوسع الرواية عمن يلقى من المشايخ، حتى يكتب عمن هو أصغر منه، لِعَلَّةٍ ذكرها:
ففي كتاب "الجامع" للخطيب (٢/ ٢١٩): "أخبرني القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري، أنا المعافى بن زكريا الجريري، نا أبي، نا الفضل بن محمد بن عقيل، قال: سمعت أبا حاتم الرازي يقول: كان عبد الله بن المبارك يكتب عمن دونه؛ مثل: رشدين بن سعد وغيره. فقيل له: يا أبا عبد الرحمن، كم تكتب؟ قال: فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع إلي". اهـ.
فقد كان يسمعُ ويكتبُ عمَّن يَلْقَى؛ بغيةَ الانتفاع بالمعاني والفوائد والمواعظ، ككثير من الأئمة الذين يتساهلون في مثل ذلك، فإذا جاءت الأحكام والحجة في دين الله شددوا وانتقوا.
يدل على ذلك ما جاء في "السير" (٨/ ٣٩٧):
"قال العباس بن مصعب في "تاريخه" عن إبراهيم بن إسحاق البناني، عن ابن المبارك، قال: حملتُ العلمَ عن أربعةِ آلافِ شيخٍ، فرويتُ عن ألف شيخٍ، ثم قال العباس: فتتبعتهم حتى وقع لي ثمانمائة شيخ له". اهـ.
فلم يرو إلا عن رُبع مَن سَمع وكَتب عنه.
стр. 876
وفي تصونه وانتقائه للمشايخ:
قال المسيب بن واضح كما في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٢٧٧):
"سمعت ابن المبارك، وسئل: عَمَّنْ نأخذ؟ قال: من طلب العلم لله، وكان في إسناده أشدَّ، قد تلقى الرجل ثقة وهو يحدث عن غير ثقة، وتلقى الرجل غير ثقة وهو يحدث عن ثقة، ولكن ينبغي أن يكون ثقة عن ثقة". اهـ.
وفي امتناعه عن إتيان الشيخ لخبرٍ بلغه عنه أنه حدث به:
ما في ترجمة: عبيد الله بن عبد الله أبي المنيب العتكي الهروي من "التاريخ الكبير" (٥/ ٣٨٨): " ... عنده مناكير، قال أبو قدامة: أراد ابن المبارك أن يأتيه، فأُخبر أنه روى عن عكرمة: "لا يجتمع الخراج والعشر"، فلم يأته".
وفي احتياطه حتى في صيغ الأداء:
نقل في "التذكرة" أيضا أن نعيم بن حماد قال: "ما رأيت ابن المبارك يقول قط: "حدثنا"، كأنه يرى "أخبرنا" واسع". اهـ.
هذا، ولم ينفرد ابن المبارك بالرواية عن الكلبي -فيما ذكروا- بل شاركه جماعة من الحفاظ في ذلك، منهم: شعبة، والثوري، وابن عيينة، ومعمر، وحماد بن سلمة وغيرهم.
وقد ذكر ابن عدي في "الكامل" أن شعبة والثوري إنما حدثا عنه بالشيء اليسير غير المسند، وأما غيرهما -ولم يذكر ابن المبارك- فقد رضوه في التفسير.
وأما في الحديث، فخاصة إذا روى عن أبي صالح، عن ابن عباس، ففيه مناكير ... اهـ. وذلك أن الكلبي نفسَه قد اعترف بأن هذه النسخة كذب.
стр. 877
أما الثوري، ففي "الجرح والتعديل" (٧/ ٢٧٠):
"نا أحمد بن سليمان الرهاوي -فيما كتب إلي- قال: سمعت زيد بن حباب يقول: سمعت سفيان الثوري يقول: عجبا لمن يروي عن الكلبي.
نا عبد الرحمن قال: فذكرته لأبي وقلت له: إن الثوري يروي عن الكلبي؟ قال: كان لا يقصد الرواية عنه، ويحكي حكايةً تعجبا، فيعلقه من حضره، ويجعلونه روايةً عنه.
... وكيع، قال: كان سفيان لا يعجبه هؤلاء الذين يفسرون السورة التي من أولها إلى آخرها، مثل الكلبي". اهـ.
وفي "الكامل": " ... إبراهيم بن عبد الله بن المنذر، ثنا يعلى بن عبيد، قال: قال الثوري: اتقوا الكلبي، فقيل: فإنك تروي عنه؟ قال: أنا أعرف صدقه من كذبه". اهـ.
فالظاهر أن هذا هو حالُ سائرِ مَنْ ذكروا روايتَه عنه من الكبار، فقد سمعوا منه أشياء لم يتحققوا كذبه فيها، فذكروها على وجه سوى أوجه الرواية المعروفة.
يدل على ذلك دلالةً بينةً خلوُّ الكتب الأصول، كالسنن والمسانيد والتفسير من رواية هؤلاء عنه، فهذا قاطع في أن الكلبي لم يَرو -أو لم يَسمع هؤلاء منه- ما يُحتاج إليه. والله تعالى أعلم.
والمقصود هنا أن مجرد ذكر الكلبي فيمن روى عنهم ابن المبارك، مع ما سبق من تثبت ابن المبارك واحتياطه وتصونه في هذا الباب، لا يكفي في دعوى أنه لم يكن يشدد. والله الموفق.
* * *
стр. 878
الإمام النسائي
(ت ٣٠٣ هـ)
стр. 879
فيه مبحثان، وتطبيقٌ يتعلق بتشيعه:
المبحث الأول: منهجه في الجرح والتعديل.
ويشتمل على مطلبين:
الأول: شرط النسائي في الرجال مقارنةً بشرط الشيخين.
الثاني: توسعه في توثيق المجاهيل.
المبحث الثاني: منهجه في إيراد اختلاف الروايات في سننه.
* * *
стр. 880
المبحث الأول: منهجه في الجرح والتعديل
المطلب الأول
شرط النسائي في الرجال مقارنةً بشرط الشيخين
قال الكوثري في محمد بن علي بن الحسن بن شقيق:
"يكفي في إثبات أنه ليس بالقوي إعراض الشيخين عن إخراج حديثه في "الصحيح" مع روايتهما عنه خارج "الصحيح". اهـ.
فأجاب العلامة المعلمي بقوله في ترجمة محمد من "التنكيل" رقم (٢٢١):
"ليس هذا بشيء، فمن شأنهما في "الصحيح" أن يتطلبا العلوّ ما وَجَدَا إليه سبيلا، ولا يرضيان بالنزول إلا أن يتفق لهما حديثٌ صحيحٌ تشتد الحاجة إلى ذكره في "الصحيح" ولا يقع لهما بنزول، فلم يتفق لهما ذلك هنا.
وهذا الرجل سِنُّهُ قريب من سِنِّهِما، فروايتُهُما عنه نُزول.
وهناك وجوهٌ أُخر لعدم إخراجهما للرجل في "الصحيح"، راجع ترجمة إبراهيم ابن شماس، ولهذا لم يلتفت المحققون إلى عدم إخراجهما، فلم يَعُدُّوا عدم إخراجهما الحديث دليلا على عدم صحته ولا عدم إخراجهما للرجل دليلا على لِينِه (١).