← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

قال أبو أنس: واضح من سياق ابن أبي حاتم للترجمة أن أباه لم يعرف عنه سوى أنه وقع له هكذا في بعض الأسانيد. والله تعالى أعلم. (٣) وفي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم من "التنكيل" رقم (٢٤٤): "وثقه الخطيب لكن في "اللسان" أنه ربما يخطىء. وقال البيهقي: غير قوي، وقال أبو الفتح الأزدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها". قال الشيخ المعلمي: "ذكره ابن حبان في "الثقات": مسلم بن أبي مسلم الجرمي، سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين. وقدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه. فأما أبو الفتح محمد بن الحسن الأزدي، فليس في نفسه بعمدة حتى لقد اتهموه بوضع الحديث. ومع ذلك فليس من شرط الثقة أن يُتابَعَ في كل ما حدَّث به، وإنما شرطه أن لا ينفرد بالمناكير عن المشاهير فيكثر. والظاهر أن الأزدي إنما عنى الحديث الذي ذكره البيهقي، وهو ما رواه مسلم هذا عن مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا يقل أحدكم زرعته، ولكن ليقل حرثته". قال أبو هريرة: ألم تسمع إلى قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٤].

стр. 912

وهذا الحديث أخرجه ابن جرير في تفسير الواقعة عن أحمد بن الوليد القرشي عن مسلم. وفي "اللسان" أن البيهقي أخرجه في "شعب الإيمان" من وجهين [عنه] وقال: إن مسلمًا غيرُ قويّ. ولعل ابن حبان إنما أشار بقوله: "ربما أخطأ" إلى هذا الحديث، على أن الصواب موقوف، وأخطأ مسلم في رفعه. ومسلم مكثر في التفسير كما يُعلم من "تفسير ابن جرير" فإن ترجح خطؤه في هذا الحديث الواحد لم يضره ذلك إن شاء الله. وابن حبان والخطيب أعرف بالفن ودقائقه من البيهقي". اهـ. * * *

стр. 913

الأمر الثاني منهج ابن حبان في شرائط إيراده للرواة في كتاب "الثقات " • قال الشيخ المعلمي: في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" (١/ ٤٣٦): "بَيَّن ابنُ حبان اصطلاحه وهو أنه يذكر في "الثقات" كُلَّ مَنْ روى عنه ثقة ولم يرو منكرًا، وأن المسلمين على العدالة حتى يثبت الجرح، وقد ذهب غيره من الأكابر إلى قريبٍ من هذا كما قدمته في "قسم القواعد" في القاعدة السادسة. نعم، إنه ربما يظهر أنه يذكر الرجل ولم يعلم ما روى، ولا عمَّن روى، ولا من روى عنه. وعذره في هذا أنه بنى على رأيه أن المسلمن على العدالة، واستأنس بصنيع بعض من تقدمه من الأئمة (١) مِنْ ذكر ذلك الرجل بدون إشارة إلى ضعفٍ فيه ... ومع ذلك يُبين ابن حبان بعدم ذكر شيخ الرجل ولا راوٍ عنه أنه لم يعرفه". اهـ. • وقال في الأمر الثامن من القاعدة السادسة من قسم القواعد من "التنكيل" (١/ ٦٦): "ينبغي أن يُبحث عن معرفة الجارح أو المعدِّل بمن جرحه أو عدله، فإن أئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام فيمن طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم فيمن لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسًا واحدًا، أو حديثًا واحدًا، وفيمن عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفيمن كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا بلغه شيء من حديثه ومنهم من يجاوز ذلك.

стр. 914

فابن حبان قد يذكر في "الثقات" من يجد البخاري سمَّاه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى، وعمَّن روى، ومن روى عنه ... والعجلي قريب منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد. وابن معين والنسائي وآخرون غيرهما يوثقون من كان من التابعين أو أتباعهم إذا وجدوا روايةَ أحدهم مستقيمة؛ بأن يكون له فيما يروي متابع أو شاهد (١)، وإن لم يَرْوِ (٢) عنه إلا واحد، ولم يبلغهم عنه إلا حديث واحد ... وقد صرح ابن حبان بأن المسلمين على الصلاح والعدالة حتى يتبين منهم ما يوجب القدح، نَصَّ على ذلك في "الثقات"، وذكره ابن حجر في "لسان الميزان" (١/ ١٤) واستغربه، ولو تدبَّر لوجد كثيرًا من الأئمة يبنون عليه، فإذا تتبع أحدهم أحاديثَ الراوي فوجدها مستقيمة تدل على صدق وضبط ولم يبلغه ما يوجب طعنًا في دينه وثَّقَهُ، وربما تجاوز بعضهم هذا كما سلف". اهـ. قال أبو أنس: قد أفصح ابن حبان عن شرطه في كتاب "الثقات"، فقال في مقدمة الكتاب: "كل من أذكره في هذا الكتاب فهو صدوق يجوز الاحتجاج بخبره إذا تعرَّى عن خصالٍ خمسٍ، فإذا وُجد خبرٌ منكرٌ عن شيخٍ من هؤلاء الشيوخ الذين ذكرتُ أسماءهم فيه كان ذلك الخبر لا ينفك عن إحدى خصالٍ خمسٍ: إما: أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرته في هذا الكتاب شيخ ضعيف سوى أصحاب رسول الله ﷺ فإن الله نَزَّه أقدارهم عن إلزاق الضعف بهم.

стр. 915

أو: دونه شيخ واهٍ لا يجوز الاحتجاج بخبره. أو: الخبر يكون مرسلًا لا يلزمنا به الحجة. أو: يكون منقطعًا لا تقوم بمثله الحجة. أو: يكون في الإسناد شيخ مدلس لم يبين سماع خبره عمن سمع منه ... فإذا وُجد الخبرُ متعرّيًا عن هذه الخصال الخمس، فإنه لا يجوز التنكب عن الاحتجاج به؛ لأن العدل من لم يُعرف منه الجرح ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده؛ إذ لم يُكَلَّف الناسُ من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم". اهـ. ويقول ابن حبان في موضع آخر: "الناس في أقوالهم على الصلاح والعدالة حتى يتبين ما يوجب القدح هذا حكم المشاهير من الرواة، فأما المجاهيل الذين لم يَرو عنهم إلا الضعفاءُ، فهم متروكون على الأحوال كلها". اهـ. وقال الحافظ ابن حجر كما في كتاب "فتح المغيث" للسخاوي (١/ ٣٧) عنه: "إذا لم يكن في الراوي جرح ولا تعديل، وكان كلٌ من شيخه والراوي عنه ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده -أي ابن حبان- ثقة، وفي كتاب "الثقات" له كثير ممن هذه حاله". اهـ. قال أبو أنس: الناظر في كلام ابن حبان السابق، تتبين له ملامحُ منهجه في التصحيح والتوثيق. • أما في التصحيح فإنه اختزل شرطين من الشرائط المعروفة عند أهل النقد في الحكم على الحديث بالصحة، هما: الأول: انتفاء الشذوذ.

стр. 916

الثاني: انتفاء العلة (١). وستأتي إشارة الشيخ المعلمي إلى عدم تَقَيُّد ابن حبان بشرائط المنكر عند أهل العلم، والتي بيَّنها الإمام مسلم في مقدمة "صحيحه". • وأما في التوثيق ففيه ملاحظتان: الأولى: أنه لم يشترط في العدالة ما يرفع جهالة حال الرجل، بل اكتفى برفع جهالة عينه برواية ثقة عنه، وربما كان ذاك الراوي عنه ممن أجرى عليه ابن حبان تلك الشرائط فلا يمتنع أن يكون مجهول الحال أيضًا (٢)، وهكذا. وقد علَّق الحافظ ابن حجر على مذهب ابن حبان هذا بقوله في مقدمة كتاب "لسان الميزان" (١/ ٩٣): "وهذا الذي ذهب إليه ابن حبان -من أن الرجل إذا انتفت جهالة عينه كان على العدالة إلى أن يتبين جرحه- مذهب عجيب، والجمهور على خلافه، وهذا هو مسلك ابن حبان في كتاب "الثقات" الذي ألَّفَهُ؛ فإنه يذكر خَلْقًا ممن يَنُصُّ عليهم أبو حاتم وغيره على أنهم مجهولون، وكأنَّ عند ابن حبان أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وهو مذهب شيخه ابن خزيمة، ولكن جهالة حاله باقية عند غيره". اهـ. الثانية: أنه لم يشترط في العدالة أيضا ما يثبت به ضبط الراوي (٣).

стр. 917

وبعد، فقد أبانَ ابنُ حبان عن منهجه، وأفصح عن طريقته، وتبين من صريح كلامه، وأكَّده الحافظ ابن حجر، أن في كتاب "الثقات" جملةً وافرةً مِمَّن ذكرهم ابن حبان على البراءة الأصلية في تعديل المسلمين، خلافًا لجمهور أهل العلم الذين اعتبروا هذا الضرب من الرواة في حَيِّز الجهالة. وقد سبقت بعض النكات المتعلقة بحدود "الجهالة" في ترجمة أبي حاتم الرازي من هذا الكتاب. والمقصود هنا أن ابن حبان قد وضع شروطًا لتوثيق الرواة تَقْصُرُ عن الشروط المعتبرة عند أئمة الحديث. أقول: مع ما سبق من صريح كلام ابن حبان فقد أفاد بعض الباحثين أن ابن حبان لا ينبغي أن يُنسبَ له توثيقُ أحدٍ ممن ذكرهم في "الثقات" إلا إذا ضمَّن ترجمته تعديلا صريحا؛ كان يصفه بالثقة أو التثبت أو الإتقان أو اليقظة، ونحو ذلك، أما غير هذا فإنه لم يقصد توثيقه، إنما أراد فهرسة ما وقف عليه من رواة الأسانيد، وهذا بلا شك أَعَذْرُ لابن حبان، وأرفعُ للإشكال؛ وهو أمرٌ مرغوبٌ فيه، إلا أنه لا يُساعد عليه صريحُ كلامِ ابن حبان. وعلى كل حالٍ، فالمحصلة بالنسبة إلينا واحدة، وقد سبقت مراتب الاعتماد على ابن حبان في توثيق الرواة، والله تعالى الموفق. وقد أجاد الشيخ العلامة المعلمي في تعليقاته النفيسة على كتاب "الفوائد المجموعة" للشوكاني، إذ وضع الأمور في نصابها، وأعطى كتاب "الثقات" حَقَّهُ وأنزله منزلته.

стр. 918

(١) ففي "الفوائد" (ص ٢٩٤) حديث: "من قرض بيت شعر بعد العشاء الآخرة لم تقبل له صلاة تلك الليلة". قال الشوكاني: قيل هو موضوع، وقد تفرد به عاصم بن مخلد، وهو مجهول. وقال في "اللآلىء": هو في "مسند" أحمد من هذه الطريق. قال ابن حجر في "القول المسدد": ليس في شيء مما ذكره أبو الفرج ابن الجوزي ما يقتضي الوضع. وعاصم ليس مجهولا، بل ذكره ابن حبان في "الثقات" ... فعلَّق الشيخ المعلمي بقوله: "قاعدة ابن حبان أن يذكر في "ثقاته" المجهول إذا لم يعلم في روايته ما يستنكره، وهذا معروف مشهور، فَذِكْرُهُ الرجل في "ثقاته" لا يمنع كونه مجهولا". اهـ. (٢) وقال الشيخ في تعليقه على "الفوائد" (ص ٤٩٢): "موسى هذا -يعني: ابن جبير- ذكره ابن حجر في "التقريب" وقال: مستور. وذكره ابن حبان في "ثقاته"، لكنه قال: يخطىء ويخالف. وذِكْرُ ابن حبان للرجل في "ثقاته" وإخراجُه له في "صحيحه" لا يخرجه عن جهالة الحال، فأما إذا زاد ابن حبان فغمزه بنحو قوله هنا: يخطىء ويخالف، فقد خرج عن أن يكون مجهول الحال إلى دائرة الضعف". اهـ.

стр. 919

(٣) وقال في تعليقه على "الفوائد" (ص ٧٠): "محمد بن ثابت بن سباع ذكره ابن حبان في "الثقات" وذلك لا يكفي في معرفة حاله". (٤) وقال في تعليقه على "الفوائد" (ص ٢٤٠) في أبي المبارك الذي روى عنه يزيد بن سنان الرهاوي: "مجهول، وذِكْرُ ابن حبان له في "الثقات" لا يُخرجه عن ذلك". (٥) وقال فيه (ص ٢٩٩): "عمر بن إبراهيم بن محمد بن الأسود، له ترجمة في "الميزان" و"اللسان" وهو مجهول، ذكره ابن حبان في "الثقات" على عادته في ذكر المجاهيل ... ". قال أبو أنس: هذا من حيث بيان الخلل الواقع في منهج ابن حبان في باب توثيق الرواة. ولكن هل وَفَّى ابنُ حبان بتلك الشروط التي وضعها للتوثيق؟ قد عقد السيوطي في "تدريب الراوي" (١/ ١٠٨) مقارنةً بين ابن حبان والحاكم في شرائط التوثيق والتصحيح، ثم قال: "فالحاصل أن ابنَ حبان وَفَّى بالتزام شروطه، ولم يُوَفِّ الحاكم". اهـ.

стр. 920

أقول: أما الحاكم فسيأتي الكلام عنه في موضعه، وأما ابن حبان، فَزَعْمُ أنه وَفَّى بالتزام شروطه -على ما فيها- زَعْمٌ ينقصه التدقيق والتحرير، ويتبين ذلك مما يلي: (١) في "الفوائد" (ص ٤١٤ - ٤١٥) حديث: "دعوني من السودان، إنما الأسود لبطنه وفرجه". ... وقد رواه العقيلي، عن أم أيمن مرفوعًا، وفي إسناده خالد بن محمد بن خالد ابن الزبير. قال أبو حاتم: هو مجهول. وقال في "اللسان": ذكره ابن حبان في "الثقات". فعلَّق الشيخ المعلمي بقوله: "هذا لا ينفي الجهالة، فإنه من قاعدة ابن حبان أن يذكر المجهولين في "ثقاته" بشرطٍ قرَّرَه، ومع ذلك لا يفي به؛ فإن من شرطه أن لا يروي الرجلُ منكرًا، وهذا قد روى هذا المنكر، بل قال البخاري: منكر الحديث". اهـ. (٢) وفي "الفوائد" (ص ٤٧٤) حديث: "مِنْ سعادة المرء خِفَّةُ لحيته". رواه الخطيب عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده: المغيرة بن سويد وهو مجهول. ورواه ابن عدي ... قال السيوطي في "اللآلىء": المغيرة ذكره ابن حبان في "الثقات".

стр. 921

فقال الشيخ المعلمي: "قاعدة ابن حبان ذِكْرُ المجهولين في "ثقاته" بشروطٍ ذكرها، ومع ذلك يخل بالوفاء بها". اهـ. (٣) وفي "الفوائد" (ص ٢٧٣): بشر بن عبيد ... كذَّبه الأزدي، وقال في "اللسان": ذكره ابن حبان في "الثقات". فقال الشيخ المعلمي: "لا ينفعه ذلك، فقد قال ابن عدي: منكر الحديث عن الأئمة، بَيِّن الضعف جدًّا". اهـ. وقال الشيخ في "الفوائد" (ص ٦١) معلقًا على ترجمة بشر هذا: "بشر هالك ... وابن حبان معروف بالتسامح في كتابه "الثقات". (٤) وفي "الفوائد" (ص ٣٤٣) قولُ عليٍّ: "أنا عبد الله وأخو رسول الله، أنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كاذب، صليت قبل الناس بسبع سنين". رواه النسائي في "الخصائص"، وفي إسناده: عباد بن عبد الله الأسدي، وهو المتهم بوضعه. وقال ابن المديني: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات". فقال الشيخ المعلمي: "لا يفيد ذلك شيئًا مع كلام كبار الأئمة فيه وظُهور سُقوطِه". اهـ.

стр. 922

قال أبو أنس: •• ومن أمثلة من ذكرهم ابن حبان في "الثقات" وهم من الهَلْكى والمتروكين: (١) عمرو بن مالك الراسبي. وقال: يخطىء ويغرب. وانظر: "تهذيب الكمال" (٢٢/ ٢٥٧)، و"ميزان الاعتدال" (٦٤٣٥). (٢) إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني الدمشقي. وقد أخرج له في "صحيحه"، وهو كذاب، وانظر: "الميزان" (٢٤٤). (٣) عبد الله بن خراش. وقال: ربما أخطأ، وقد كُذِّب. انظر: "تهذيب الكمال" (١٤/ ٤٥٣). (٤) الحسن بن عبد الأول. وهو كذاب. انظر: "الميزان" (٢٠١٦)، و"اللسان" (٢٧٧٥). •• ومن أمثلة ما خالف فيه ابن حبان شرطه فيمن يورده في كتابه أن يكون الراوي عنه وشيخه ثقات: (١) خالد بن زيد الجهني: ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤/ ١٩٧) بروايته عن أبيه وعنه: عبد الله بن محمد ابن عقيل، وعبد الله مجروح عند ابن حبان نفسه، كما في "المجروحين" (٢/ ٣). (٢) محمد بن عقبة بن أبي مالك القرشي: ذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٣٥٩) وذكر أنه روى عنه زكريا بن منظور، وهو عنه منكر الحديث جدًّا كما في "المجروحين" (١/ ٣١٤)، ومحمد بن رفاعة وهو ابن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" على قاعدته، وقال الأزدي: منكر الحديث.

стр. 923

الأمر الثالث في ذكر بعض عادات ابن حبان في إيراد الرواة في كتاب "الثقات " أولًا: يذكر الرجل في "الثقات" بناء على أنه يروي المناكير التى رويت من طريقه أنَّ الحمل فيها على غيره: (١) في "الفوائد" (ص ٣٥٠) حديث أسماء بنت عميس: "كان رسول الله ﷺ يُوحَى إليه ورأسُه في حِجْرِ عَلِيٍّ، فلم يُصَلِّ العصر حتى غربت الشمس ... " وهو حديث ردّ الشمس لعلي ليدرك صلاة العصر. فَوَهَّنَهُ الشيخ المعلمي وحكى استنكار أكثر أهل العلم له، وبيَّن وجوه هذا الاستنكار. وذكر مِنْ طُرقه: ما رواه فضيل بن مرزوق، عن إبراهيم بن الحسن (١)، عن فاطمة بنت الحسن، عن أسماء بنت عميس. وقيل: عن فضيل عن إبراهيم عن فاطمة بنت علي عن أسماء. وقال الشيخ المعلمي في التعليق على هذا الإسناد: "إبراهيم لا يكاد يُعرف بالرواية، إنما يُذكر عنه هذا الخبر، وخبرٌ آخر رواه عن أبيه، عن جدِّه، عن عليٍّ مرفوغا: "يظهر في آخر الزمان قومٌ يُسَمَّوْن الرافضة، يرفضون الإسلام" أُخرج في "زوائد مسند أحمد"، الحديث (٨٠٨)، وذكره البخاري

стр. 924

في "التاريخ" في ترجمة إبراهيم (١)، وفي ذلك إشارة إلى أن الحمل فيه عليه، وذكره الذهبي في "الضعفاء" (٢). وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" كأنه بنى على أن هذين الخبرين لا يثبتان عنه فبقي عنده على أصل العدالة بحسب قاعدته". اهـ. (٢) في "الفوائد" (ص ٥٥ - ٥٦) حديث أبي هريرة: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين، وإذا دخل بيته فلا يجلس حتى يركع ركعتين، فإن الله جاعلٌ له من ركعتيه في بيته خيرًا". قال الشيخ المعلمي في تعليقه: "في سنده: إبراهيم بن يزيد بن قديد، رواه سعد بن عبد الحميد عنه، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا. ذكر البخاري إبراهيم هذا في "التاريخ" (١/ ١ / ٣٣٦) وذكر هذا الحديث، ثم قال: هذا لا أصل له. وفي ترجمة إبراهيم من "الميزان" (٣) ذكر هذا الحديث، وأن ابن عدي (٤)، قال: هذا منكر بهذا الإسناد عن الأوزاعي.

стр. 925

وفي "اللسان" أن العقيلي (١) ذكر إبراهيم وقال: في حديثه وهم وغلط. ثم ساق هذا الحديث. وذكر ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" (٢) عن الأزدي، وأنه قال في إبراهيم: ليس حديثه بشيء، روى عن الأوزاعي مناكير، منها ... فذكر هذا الحديث ثم قال: لا أصل له. تعقَّبَهُ السيوطي في "اللآلىء" (٢/ ٢٤) بقوله؛ قلت: قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان" (٣): إبراهيم هذا ذكره ابن حبان في "الثقات" (٤). اهـ. ثم ذكر الشواهد، وكذا صنع "شارح الإحياء" (٣/ ٤٦٥) مع أن بقية عبارة "اللسان": فقال -يعني: ابن حبان: يعتبر حديثه من غير رواية سعد (٥) ... (و) سعد بن عبد الحميد بن جعفر ... ترجمته في "التهذيب" (٣/ ٤٧٧)، وفيها عن ابن حبان: كان ممن يروي المنكير عن المشاهير، وممن فحش وهمه حتى حسن التنكب عن الاحتجاج به. وعلى كل حال فقد بان أن ابن حبان إنما ذكر إبراهيم في "الثقات"؛ لأنه يرى الحمل في هذا الحديث على الراوي عنه. اهـ.

стр. 926

ثانيًا: إذا تردد ابن حبان في توثيق راوٍ ذكره في "الثقات" وغَمَزَهُ: (١) ترجم الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٤٨٤) لـ: محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان الأموي أبي عبد الله المدني الملقب بـ: الديباج، فقال: "فيه نظر، قال البخاري: عنده عجائب. وقال العقيلي: لا يكاد يتابع على حديثه. وقال النسائي في موضع: ثقة. ثم كأنه رجع، فقال في موضع آخر: ليس بالقوي، ولم يخرج له هو ولا أحد من الستة غير ابن ماجه. وقال ابن حبان في "الثقات": في حديثه عن أبي الزناد بعض المناكير. ومن شأن ابن حبان إذا تردد في راوٍ أنه يذكره في "الثقات" ولكنه يغمزه ... " اهـ (٢) وترجم في "الفوائد" أيضًا (ص ٣٦٤) لـ: ميمون أبي عبد الله الكندي البصري مولى عبد الرحمن بن سمرة، فقال: "كان يحيى القطان لا يحدث عنه، وسُئل عنه فحمض وجهه، وقال: زعم شعبة أنه كان فسلا. وقال الإمام أحمد: عنده مناكير (١). وقال النسائي والحاكم أبو أحمد: ليس بالقوي. وقال ابن حبان في "الثقات" (٢): كان يحيى القطان سيءَ الرأي فيه.

стр. 927

ولم يتعقب ابنُ حبان هذا بشيء، وقد عُرف من صنيعه أنه قد يذكر الرجل في "الثقات" ويضعفه أو يتردد فيه، فهذا من ذاك". اهـ. ثالثًا: عادة ابن حبان فيمن لم يجد عنه إلا راوٍ واحدٍ: قال الشيخ المعلمي في مقدمة تحقيقه لكتاب "الجرح والتعديل" (ص: يو). "قد يذكر المؤلف -يعني: ابنَ أبي حاتم- الرجلَ ولا يستحضر عمَّن رَوى، ولا مَنْ رَوى عنه، أو يستحضر أحدهما دون الآخر، فيدع لما لا يستحضره بياضًا: روى عن ... روى عنه .... ويكثر ذلك في الأسماء التي ذكرها البخاري ولم ينص. وعادة ابن حبان في "الثقات" أن لا يدع بياضًا، ولكن يقول: "يروي المراسيل - روى عنه أهل بلده" كأنه اطلع على ذلك، أو بنى على أن البخاري إنما لم يذكر عمن يروي الرجل لأنه لم يرو عن رجل معين وإنما أرسل، وأن الغالب أنه إذا كان الرجل ممن يُروى عنه، فلابد أن يروي عنه بعض أهل بلده. وطريقة المؤلف -يعني ابنَ أبي حاتم- أحوط كما لا يخفى". اهـ. * * *

стр. 928

الأمر الرابع في درجات توثيق ابن حبان نَعَى الشيخ المعلمي على الكوثري إكثاره من ردّ توثيق ابن حبان -يعني حينما يكون هواه في الردِّ- وحقَّق القولَ في درجات توثيقه، فقال في ترجمة ابن حبان من "التنكيل" رقم (٢٠٠): "التحقيق أن توثيقه على درجات: الأولى: أن يصرح به كأن يقول: "كان متقنًا" أو"مستقيم الحديث" أو نحو ذلك. الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم (١). الثالثة: أن يكون من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يُعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة. الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه قد عرف ذاك الرجل معرفة جيدة. الخامسة: ما دون ذلك. فالأولى: لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم. والثانية: قريب منها. والثالثة: مقبولة. والرابعة: صالحة. والخامسة: لا يُؤْمَنُ فيها الخلل. والله أعلم. اهـ.

стр. 929

قال أبو أنس: يُعْلَمُ مما سبق ومما يأتي إن شاء الله تعالى أنَّ هذه الأحكامَ أَغْلَبيَّةٌ، وكُلُّ حالةٍ تتجاذبها القرائن المحتفة بها، ولعل أحكام الشيخ المعلمي على توثيقات ابن حبان فيما ذكرناه آنفًا وسيأتي، أكثر واقعية من الناحية العملية التطبيقية بعيدًا عن الناحية النظرية التقسيمية. وعلى كل حال فإن للشيخ المعلمي تطبيقات على ما يراه مقبولا من توثيقات ابن حبان، وكلها في كتاب "التنكيل"، وهاك بيانها: (١) في ترجمة: محمد بن معاوية الزيادي وهو البصري الذي يلقب: عصيدة من "التنكيل" رقم (٢٣٤): " ... وقال ابن حبان في "الثقات": "كان صاحب حديث". فدل هذا أنه قد عرفه حق معرفته، وقدمنا في ترجمة ابن حبان أن مثل هذا من توثيقه توثيقٌ مقبولٌ، بل قد يكون أثبتَ من توثيق كثير من الأئمة؛ لأن ابن حبان كثيرًا ما يتعنت في الذين يعرفهم". اهـ. فذاك من الدرجهَ الأولى من درجات التوثيق الآنفة. (٢) وفي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم وهو الجرمي رقم (٢٤٤): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون، ومخلد بن الحسين، ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين وقد قدمنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اهـ. فذاك من الدرجة الثالثة أو الرابعة.

стр. 930

(٣) وفي ترجمة: عبد الله بن عمر بن الرماح وهو النيسابوري قاضي نيسابور، رقم (١٢٦): "قال ابن حبان في "الثقات" (١): عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور، روى عن مالك ووكيع وأهل العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري، وعبد الله بن محمد الأزدي، مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو محمد، وكان مرجئًا، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته". اهـ. فذاك كسابقه. (٤) وفي ترجمة: الحسن بن إدريس الهروي رقم (٨١): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: (كان ركنًا من أركان الحديث في بلده) وأخرج له في "صحيحه". وقد عرفه حق المعرفة، وتوثيق ابن حبان لمن عرفه حق المعرفة من أثبت التوثيق كما يأتي في ترجمة ابن حبان، وقد وافقه غيره على توثيق الحسين". اهـ. وذاك من الدرجة الأولى. (٥) وفي ترجمة: عبد الله بن محمود السعدي المروزي، من طليعة "التنكيل" (ص ٥٩) قال الشيخ المعلمي في الحاشية:

стр. 931

"هو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في "ثقاته" مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم". اهـ. وذاك من الدرجة الثانية. (٦) وفي ترجمة: إسماعيل بن حمدويه وهو البيكندي من طليعة "التنكيل" (ص ٦٠)؛ قال الكوثري: مجهول. فقال الشيخ المعلمي: "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يروي عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه مُحَمَّد بن المنذر شكّر، كان مقيمًا بالرملة زمانًا وكتب عنه شكّر. فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول، كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان". اهـ. فذاك من الدرجة الثالثة أو الرَّابعة. * * *

стр. 932

الأمر الخامس فيما ذُكر من تعنت ابن حبان في باب الجرح في مقابل ما وُصف به من التساهل في باب التوثيق قال أبو أنس: سبقت الإشارة في الأمر الأول إلى نسبة ابن حبان إلى أمرين ظاهرهما التعارض، أَلا وهما: التساهل في التوثيق، والتعنت في الجرح. وقد مَرَّ في الأمر الثاني تقرير الشيخ المعلمي لتساهل ابن حبان في قاعدته في توثيق المجاهيل، مع ما زدناه من البيان والنقل عن أهل العلم. لكن مما يلفت النظر أنه يوجد في كلام بعض النقاد وصفُ ابن حبان بالتعنت في باب الجرح بما ظاهره عكس ما مَرَّ في تلك القاعدة. (١) ففي ترجمة: مُحَمَّد بن الفضل السدوسي ولقبه عارم من "الميزان" (٣/ ١٢١) بعد ذكر توثيقه وتقديمه: "قال الدارقطني: تغير بأخرة، وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر، وهو ثقة. قال الذهبي: فهذا قول حافظ العصر الذي لم يأت بعد النسائي مثله فأين هذا القولُ من قولِ ابن حبان الخسَّاف المتهور في عارم فقال: اختلط في آخر عمره وتغيَّر حتَّى كان لا يدري ما يحدَّثُ به، فوقع في حديثه المناكير الكثيرة؛ فيجب التنكب عن حديثه فيما رواه المتأخرون؛ فإذا لم يُعلم هذا من هذا تُرك الكُلُّ، ولا يحتج بشيء منها. قلت: ولم يَقْدِر ابنُ حبان أن يسوق له حديثًا منكرًا، فأين ما زعم؟ ". اهـ.

стр. 933

(٢) وفي ترجمة: سعيد بن عبد الرحمن الجمحي من "الميزان" أيضًا (١ / ت ٣٢٢٧). "وثقه ابن معين وغيره. وقال ابن عدي: له غرائب حسان، وأرجو أنها مستقيمة؛ وإنما يهم فيرفع موقوفًا ويوصل مرسلًا، لا عن تعمد. وأما ابن حبان، فإنه خسَّاف قصَّاب، فقال: روى عن الثَّقات أشياء موضوعة". اهـ. (٣) وفي ترجمة: عثمان بن عبد الرحمن الطرائفي منه (٣/ ٤٤٢): "يحدث عن قوم ضعاف ... وهو لا بأس به في نفسه. وأما ابن حبان فإنه يُقَعْقِعُ كعادته، فقال فيه: يروي عن قوم ضعاف أشياء يدلسها عن الثقات، حتَّى إذا سمعها المستمع لم يَشُكَّ في وضعها، فلما كثر ذلك في أخباره أُلزقت به تلك الموضوعات، وحمل الناس عليه في الجرح، فلا يجوز عندي الاحتجاج بروايته كلها بحال ... (و) لم يرو ابن حبان في ترجمته شيئًا، ولو كان له عنده شيء موضوع لأسرع بإحضاره، وما علمت أن أحدًا قال في عثمان بن عبد الرحمن هذا: إنه يدلس عن الهَلْكى، إنما قالوا: يأتي عنهم بمناكير، والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتامَّ المعرفة تامِّ الورع". اهـ. (٤) وفي ترجمة: أفلح بن سعيد المدني منه (١ / ت ١٠٢٣): "وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحل الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال. فقال الذهبي: ابن حبان ربما قَصَبَ الثقة حتى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه". اهـ.

стр. 934

(٥) وفي ترجمة: سالم بن عجلان الأفطس من "هدي الساري" للحافظ ابن حجر: "قال أبو حاتم: صدوق نقي الحديث وكان مرجئًا، وقال الجوزجاني: كان يخاصم في الإرجاء، داعيةً، وهو في الحديث متماسك، وأفرط ابن حبان فقال: كان مرجئًا يقلب الأخبار وينفرد بالمعضلات عن الثقات ... قلت: ... وأما ما وصفه به من قلب الأخبار وغير ذلك فمردود بتوثيق الأئمة له، ولم يستطع ابن حبان أن يورد له حديثًا واحدًا". اهـ. قال أبو أنس: ومن مجازفات ابن حبان في جرحه للرواة: (١) قوله في بهز بن حكيم بن معاوية: "يخطىء كثيرًا، فأما أحمد وإسحاق فيحتجان به، وتركه جماعة من أئمتنا، ولولا حديث" إنا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربنا" لأدخلناه في "الثقات" وهو ممن أستخير الله فيه". قال الذهبي في ترجمة بهز من "تاريخ الإسلام" في الطبقة الخامسة عشرة: "على أبي حاتم البستي في قوله مؤاخذات: إحداها: قوله: "كان يخطىء كثيرًا"، وإنما يُعرف خطأ الرجل بمخالفة رفاقه له، وهذا فانفرد بالنسخة المنفردة المذكورة وما شاركه فيها [أحد] ولا له في عامتها رفيق، فمن أين لك أنه أخطأ؟ الثانية: قوله: "تركه جماعة" فما علمت أحدًا تركه أبدًا، بل قد يتركون الاحتجاج بخبره، فهلا أفصحت بالحق؟ الثالثة: قوله: ولولا حديث: "إنا آخذوها" فهو حديث انفرد به بهز أصلا ورأسًا، وقال به بعض المجتهدين". اهـ.

стр. 935

(٢) قوله في عبد الله بن إنسان الطائفي في "الثقات": "كان يخطىء". فقال الذهبي في ترجمة عبد الله من "الميزان" (٣ / ت ٤٢١٥): "هذا لا يستقيم أن يقوله الحافظ إلا فيمن روى عدَّة أحاديث، فأما عبد الله هذا فهذا الحديث (١) أول ما عنده وآخره، فإن كان قد أخطأ فحديثه مردود على قاعدة ابن حبان". اهـ. ويجيب الشيخ المعلمي عن تنديد الكوثري على ابن حبان بوصف الذهبي له بمثل تلك الأوصاف، بقوله في ترجمة ابن حبان من "التنكيل": "إنما ذلك في مواضع غير كثيرة، يرى ما يستنكره للراوي فيبالغ في الحطِّ عليه وهذا أمر هيّن؛ لأنه إن كان فيمن قد جرحه غيره فكما يقول العامة: "لا يضر المقتول طعنة" (٢) وإن كان فيمن وثقه يخرج لم يُلتفت إلى تشنيعه، وإنما ينظر في تفسيره وما يحتج به". اهـ. لكن يعلق الشيخ في الأمر التاسع من القاعدة السادسة من "التنكيل" على قول ابن حبان في شعبة مولى ابن عباس: "روى عن ابن عباس ما لا أصل له حتى كأنه ابن عباس آخر" بقوله: "ابن حبان كثيرًا ما يُهَوِّلُ مثل هذا التهويل في غير محلِّه كما يأتي في ترجمته". ويُفَصِّلُ الشيخ هذه القضية في الأمر الثامن من تلك القاعدة، فيقول: "ابن حبان قد يذكر في "الثقات" مَنْ يجد البخاري سماه في "تاريخه" من القدماء، وإن لم يعرف ما روى وعمن روى ومن روى عنه. ولكن ابن حبان يشدد وربما تعنت فيمن وجد في روايته ما استنكره وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا ... ".

стр. 936

قال أبو أنس: في هذا فَصْلُ الخِطاب إن شاء الله تعالى، فابنُ حبان بينما يذكر في ثقاته من لم يعرفهم أصلا، إذا هو يبالغ في الحطِّ على الراوي الثقة بالحديث الواحد أو الحديثين مما يستنكره عليه. إذًا، فلا يعتد بتوثيق ابن حبان إلا لمن عرفهم وخبرهم وسبر أحاديثهم، ولا يُعتد بجرحه لمن وثَّقه غيرُه ما لم يُفَسِّرْ وجهَ جرحِه فيُنظر فيه، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 937

الأمر السادس في تفسير بعض الألفاظ التي يطلقها ابن حبان في كتاب "الثقات " أولاً: قوله: ربما أخطأ، وربما خالف، ونحوهما: قال أبو أنس: يطلق ابن حبان هذا في كبارٍ، ولا تعني الضعف عنده، وقد أفصح عن منهجه في ذلك. • فقال في ترجمة: عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي في "الثقات" (٧/ ٩٧): "ربما أخطأ، كان عبد الملك من خيار أهل الكوفة وحفاظهم، والغالب على من يحفظ ويحدث من حفظه أن يَهِمَ في روايته، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا ترك حديث الزهري وابن جريج والثوري وشعبة؛ لأنهم أهل حفظ وإتقان، وكانوا يحدثون من حفظهم ولم يكونوا معصومين حتَّى لا يَهِمُوا في الروايات. والأَوْلى في مثل هذا قبولُ ما يَروي الثبت من الروايات، وتركُ ما صح أنه وَهِمَ فيها، ما لم يفحش ذلك حتَّى يغلب على صوابه، فإن كان كذلك استحق الترك حينئذ". اهـ. • وقال في ترجمة: سعيد بن سفيان الجَحْدري من"الثقات" أيضًا (٨/ ٢٦٥): "كان ممن يخطىء، حمل عليه عليّ بن المديني، وليس من سَلك مَسْلك الأثبات، ثم لم يتعرَّ من الوهم والخطأ، استحق الحمل عليه حتَّى يُعدل به عن مسلك الأثبات إلى غيرهم". اهـ.

стр. 938

وقد قرَّر الشيخ المعلمي هذا المنهج. • فقال في ترجمة: مسلم بن أبي مسلم وهو الجرمي رقم (٢٤٤) من "التنكيل": "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن الحسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعن ومائتين. وقد قدَّمْنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اهـ. • وقال في ترجمة يوسف بن أسباط من "التنكيل" أيضًا رقم (٢٦٨): "قال ابن معين: ثقة. وقال ابن حبان في "الثقات": كان من عباد أهل الشام، وقرائهم، سكن أنطاكية وكان لا يأكل إلا الحلال، فإن لم يجده استف التراب، وكان من خيار أهل زمانه، مستقيم الحديث، ربما أخطأ، مات سنة ١٩٥. فعبارة ابن حبان تعطي أن خطأه كان يسيرًا لا يمنع من الاحتجاج بخبره حيث لم يتبين خطؤه، ويشهد لذلك إطلاق ابن معين أنه ثقة ... ". اهـ. ثانيًا: قوله: يغرب: قال الشيخ المعلمي في ترجمة: علي بن صدقة من "التنكيل" رقم (١٦١): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: "يغرب". وابن حبان قد يقول مثل هذا لمن يستغرب له حديثًا واحدًا أو زيادة في حديث". اهـ. لكن قال الشيخ في تعليقه على "الفوائد" (ص ٣٤٧): "السندي بن عبدويه مجهول الحال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ثم نقض ذلك بقوله: يغرب". هـ.

стр. 939

ثالثًا: قوله: يخطىء ويخالف: علَّق الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٤٩٢) على حديث من طريق موسى بن جبير فقال:"موسى هذا ذكره ابن حجر في التقريب وقال: "مستور" وذكره ابن حبان في "ثقاته"، لكنه قال: "يخطىء ويخالف" وذِكْرُ ابن حبان للرجل في "ثقاته" وإخراجه له في "صحيحه" لا يُخرجه عن جهالة الحال، فأما إذا زاد ابن حبان فغمزه بنحو قوله هنا: "يخطىء ويخالف" فقد خرج عن أن يكون مجهول الحال إلى دائرة الضعف". اهـ. * * *

стр. 940

الأمر السابع في شرائط ابن حبان في تصحيح الأخبار قال أبو أنس: اشتهر كتابُ ابنِ حبان "التقاسيم والأنواع" المعروف بـ "صحيح ابن حبان" بذكره في كتب "مصطلح الحديث" عند الكلام على مظانِّ الحديث الصحيح الزائد على ما في "الصحيحين"، لكن مع ذِكْرهم له بالتساهل في التصحيح، وأنه قريب من الحاكم في ذلك. وقد أسلفتُ في الفصل الثاني أن ابن حبان قد أفصح عن شرائطه في التوثيق والتصحيح، إذ يقول في مقدمة "الثقات": "كُلُّ شيخٍ ذكرتُه في هذا فهو صدوق يجوز الاحتجاج بروايته إذا تعرَّى عن خمسِ خصالٍ: فإذا وُجد خبرٌ منكرٌ عن شيخٍ من هؤلاء الشيوخ الذين ذكرتُ أسماءهم فيه كان ذلك الخبر لا ينفكُّ عن إحدى خصالٍ خمسٍ: إما: أن يكون فوق الشيخ الذي ذكرته في هذا الكتاب شيخٌ ضعيفٌ سوى أصحاب رسول الله ﷺ فإن الله نَزَّه أقدارهم عن إلزاق الضعف بهم. أو: دونه شيخ واهٍ لا يجوز الاحتجاج بخبره. أو: الخبر يكون مرسلًا لا يلزمنا به الحجة. أو: يكون منقطعًا لا تقوم بمثله الحجة. أو: يكون في الإسناد شيخ مدلس لم يبيَّن سماع خبره عمن سمع منه ...

стр. 941

فإذا وُجد الخبرُ متعرِّيًا عن هذه الخصال الخمس، فإنه لا يجوز التنكب عن الاحتجاج به؛ لأن العدلَ من لم يُعْرَفْ منه الجرحُ ضد التعديل، فمن لم يُعلم بجرح فهو عدل إذا لم يتبين ضده؛ إذْ لم يكلف النَّاسُ من الناس معرفة ما غاب عنهم، وإنما كُلفوا الحكم بالظاهر من الأشياء غير المغيب عنهم". اهـ. وقد نظر الحافظ ابن حجر في كتابه "النكت على ابن الصلاح" (١/ ٢٩٠ - ٢٩١) في تلك الشروط، واعترض على قول ابن الصلاح عند قوله على الزيادة في "الصحيح" على ما في "الصحيحين" في مقدمته (١): "ويكفي مجرد كونها في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه كابن خزيمة ... ". فقال ابن حجر: "مقتضى هذا أن يؤخذ ما يوجد في كتاب ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما ممن اشترط الصحيح -بالتسليم ... وفي ذلك نظر، فلم يلتزم ابن خزيمة وابن حبان في كتابيهما أن يخرجا الصحيح الذي اجتمعت فيه الشروط التي ذكرها المؤلف- يعني ابن الصلاح (٢) ... وقد صرح ابن حبان بشرطه، وحاصله: أن يكون راوي الحديث عدلا مشهورًا بالطلب (٣)، غير مدلس، سمع ممن فوقه إلى أن ينتهي، فإن كان يروي من حفظه، فليكن عالمًا بما يحيل المعاني. فلم يشترط على الاتصال والعدالة ما اشترطه المؤلف في "الصحيح" من وجود: (١) الضبط. (٢) ومن عدم الشذوذ والعلة.

стр. 942

وهذا وإن لم يتعرض ابن حبان لاشتراطه، فهو إن وجده كذلك أخرجه، وإلا فهو ماشٍ على ما أصَّل؛ لأن وجود هذه الشروط لا ينافي ما اشترطه. وسمى ابن خزيمة كتابه "المسند الصحيح المتصل بنقل العدل عن العدل من غير قطع في السند ولا جرح في النقلة". وهذا الشرط مثل شرط ابن حبان سواء؛ لأن ابن حبان تابعٌ لابن خزيمة، مغترفٌ من بحره، ناسجٌ على منواله. ومما يُعَضِّدُ ما ذكرنا: احتجاجُ ابن خزيمة وابن حبان بأحاديثِ أهل الطبقة الثَّانية اللذين يخرج مسلم أحاديثهم في المتابعات، كابن إسحاق، وأسامة بن زيد الليثي، ومحمد بن عجلان، ومحمد بن عمرو بن علقمة، وغير هؤلاء. فإذا تقرر ذلك عرفتَ أن حكم الأحاديث التي في كتاب ابن خزيمة وابن حبان صلاحية الاحتجاج بها لكونها دائرة بين الصحيح والحسن ما لم يظهر في بعضها علة قادحة. وأما أن يكون مراد من يسميها صحيحة أنها جمعت الشروط المذكورة في حَدِّ الصحيح فلا، والله أعلم". اهـ. كلام ابن حجر. وعلَّق السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٣٧) على قول العراقي في "ألفيته": "والبستي -يعني: ابن حبان- يداني الحاكما" يعني في التساهل، بقوله: "وذلك يقتضي النظر في أحاديثه أيضًا؛ لأنه غير متقيد بالمعدَّلين، بل ربما يخرج للمجهولين".

стр. 943

قال أبو أنس: قد بأن بما سبق نقلُه عن ابن حبان، ونَكَّت به ابن حجر، وعلَّق به السخاوي ما يلي: أولًا: لم يزد ابن حبان في شروط التصحيح على شرطين: (١) العدالة - بمعناها عنده. (٢) الاتصال - ويشمل انتفاء الإرسال والانقطاع والتدليس. ويُفهم من سائر صنيعه اعتبار ألا يكون المتن منكرًا، حتَّى إنه ليسارع إلى الحكم على الحديث بالوضع إذا وجد متنه مما لا يقبله عقل أو لا يوافقه شرع. وكذا شَرَط في قبول زيادات الألفاظ في الأحاديث أن يكون الزائدُ فقيهًا حتَّى يَعلم ما يزيده، وإن حَدَّث الراوي من حفظه فَشَرَط أن يكون عالمًا بما يحيل المعاني. ثانيًا: لم ينص ابن حبان على اشتراط ما يلي: (١) الضبط. (٢) انتفاء الشذوذ. (٣) انتفاء العلَّة. أما العدالة فقد مرَّ النظر في منهج ابن حبان في شرائطها، وأنه لا يمكن الاعتبار بتعديله لمن لم يعرفهم، فإنه يتوسع جدًّا في توثيق المجاهيل بناءً على قاعدته في أن المسلمين على الصلاح والعدالة ما لم يتبين فيهم جرح، وهذه القاعدة لا تصلح في باب الرواية، وقد بيَّن الحافظ ابن حجر أن الجمهور على خلاف ما ذهب إليه ابن حبان، وارجع إلى تفصيل هذا في الفصل الثاني. ولذا فقد نَبَّهَ السخاوي إلى أن تساهل ابن حبان في باب توثيق المجاهيل، يقتضي النظر في أحاديث "صحيحه".

стр. 944

أقول: وذلك أنه يبني تصحيحه على كثير من هؤلاء، فوجب التفتيش في أسانيده، وعرْض رجالها على موازين التعديل المعتبرة عند جمهور أهل العلم. ولا شك أن "صحيحه" يشتمل على جملة من أحاديث هؤلاء، يجب ألا تندرج تحت اسم الصحيح لعدم تحقق شرط العدالة المعتبر عند أئمة النقد. وأما الاتصال فلم يبيِّن ابن حبان شروطه في إثبات صحة السماع على نحو الخلاف المشهور في: هل الواجب تحقق اللقاء ولو مرة، أم الواجب تحقق المعاصرة مع الخلوِّ من التدليس والقرائن الدالة على عدم السماع؟ وعلى هذا فالأمر يحتاج إلى استقراء وتتبع لمنهجه في ذلك، وهل يتقيَّدُ ابن حبان بكلام المتقدمين في ذِكْر عدم سماع الرواة بعضهم من بعض، أم أن له اجتهاد خاص في ذلك؟ فإنا نرى ابن حبان لا يكاد يذكر في كتبه كثيرًا من الأئمة الذين عليهم مدار النقد في باب الجرح والتعديل والاتصال والانقطاع ونحو ذلك من أحوال الرواة التفصيلية. وأما الضبط، فقد نصَّ ابن حجر أن ابن حبان لم يشترطه، كما سبق، لكن في قول ابن حبان: "فإن كان -يعني: الراوي- يروي من حفظه فليكن عالمًا بما يحيل المعاني" إشارةٌ إلى اعتباره للفرق بين أن يروي الراوي من كتابه أو من حفظه، وإلى تلميحه لاحتمال خطأ الذي يروي من حفظه إذا لم يكن عارفًا بمقتضيات الألفاظ ومدلولاتها.

стр. 945

وضَبْطُ الراوي إنما يُعرف بعرض أحاديثه على أحاديث الثقات المتقنين، فَيُقَارَنُ سياقُه بسياقهم؛ إسنادًا ومتنًا، ويُحكم على ضبطه بقدر موافقته لهم. فإن اعتبرَ ابنُ حبان ذلك في المشاهير من الرواة، ورجح بعضَهم على بعض لحالِ اختلاف الضبط بينهم، فإنه لا سبيل له في ذلك في المجاهيل الذين وثقهم وهو لا يعرف عنهم شيئًا؛ بناءً على أصل العدالة عنده، وليس الضبط من العدالة بسبيل! فتبيَّن من هذا أن ابن حبان لم يتقيد باشتراط الضبط أو البحث فيه بصورة مُطَّرِدَة، لكن إن وجد ما يدل عليه اعتبره، وإلا فهو جارٍ على أصله. وأما نفي الشذوذ والعلة فقد أشار الحافظ ابن حجر -كما سبق- إلى عدم اشتراط ابن حبان له في باب التصحيح، فقال في "النكت" (١/ ٢٩٠): "وهذا وإن لم يتعرض ابن حبان لاشتراطه، فهو إن وجده كذلك أخرجه، وإلا فهو ماشٍ على ما أَصَّل؛ لأن وجود هذه الشروط لا ينافي ما اشترطه". اهـ. قال أبو أنس: قد قطع شيخنا العلامة المعلمي بمخالفة ابن حبان -ومثله الدارقطني- للمتقدمين في هذا. ففي كتاب "الأنوار الكاشفة" (ص ١١٢) من قول أبي رية: "أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي -أي كعب الأحبار- يقول: إنك من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله، ثم خرج فأرسل إلى كعب فجاءه، فقال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتَّى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة

стр. 946

في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها فإذا مت اقتحموا، وقد صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ". فنظر الشيخ المعلمي في متن هذه الحكاية، وخلص إلى تجويز -إن صحت الحكاية- أن يكون كعب استند إلى بعض العلامات المنقولة عن عمر، ويكون مع ذلك وجد في صحفه إشارةً فَهِمَ منها بطريق الرمز مع النظر في القرائن وتلك العلامات أن عمر لا يعيش بعد تلك السنة. ثم قال: "وبعدُ، فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجلٌ يقال له: "عبد الوهاب ابن موسى" لا يكاد يعرف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكر في تاريخ البخاري ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدرى مَنْ ذا الحيوان الكذاب". وفي مقدمة "صحيح" مسلم: "الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبل منه ... ". وهذا الرجل لم يمعن في المشاركة، فضلا عن أن يكون ذلك على الموافقة، لكن هذا الشرط لا يتقيَّدُ به بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومِنْ ثَمَّ -والله أعلم- وَثَّق الدارقطني عبد الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك". اهـ.

стр. 947

قال أبو أنس: قد اتَّسعَ الخَرْقُ على مَنْ جاء بعد هؤلاء مِمّن نَحَا هذا النَّحْوَ؛ بسبب عدم التَقَيُّدِ بانتفاء الشذوذ والعلَّة، فكان من لازم ذلك: التصحيحُ بظواهر الأسانيد، دون اعتبارٍ لتفردات الرواة ومخالفاتهم لمن هم أوثق منهم، ولا التفتيش عن العلل الخفية في الأخبار، ومداخل الخلل في المرويات، والأسباب المتباينة للتعليل عند أئمة هذا الشأن، والله تعالى المستعان (١). * * *

стр. 948

الأمر الثامن في النظر في طبقة شيوخ وشيوخ شيوخ ابن حبان ١ - طبقة شيوخ ابن حبان: سبق في الفصل الرابع النقلُ عن المعلمي في بيان درجات توثيق ابن حبان، قوله: "التحقيق أن توثيقه على درجات: الأولى: أن يصرح به كأن يقول: "كان متقنًا" أو"مستقيم الحديث" أو نحو ذلك. الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم ... ثم قال ﵀: فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها ... ". قال أبو أنس: لا شك أن معرفةَ ابنِ حبان لشيوخه وخبرتَه بهم تقضي بقبول قوله فيهم، واحتجاجُه بهم في "صحيحه" فمن أعلى التوثيق عنده، وقد عرفنا أنه قد يتعنَّتُ فيمن عرفهم ووقف على أحاديثَ لهم. إذًا فشيوخ ابن حبان في "صحيحه" هم ثقات عنده، وتوثيقه لهذه الطبقة معتبر مقبول. وقال الشيخ المعلمي في ترجمة: عبد الله بن محمود السعدي في حاشية "الطليعة" (ص ٥٦): "هو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في "ثقاته" مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم". اهـ. لكن هل الثقة بشيوخ ابن حبان في "صحيحه" أمر مُطَّرِدٌ لا يدخله الخلل؟

стр. 949

فأقول: أولا: وُجد في شيوخ ابن حبان في "صحيحه" طائفة لا يكادون يُعرفون، ولا توجد لهم تراجم في الكتب المتداولة بعد البحث والتفتيش، من هؤلاء: (١) ثابت بن إسماعيل بن إسحاق (١١/ ٣٠٨) رقم (٤٩٣٦). (٢) الحسن بن مُحَمَّد بن أسد (١١/ ٤٩٨) رقم (٥٠٩٨). (٣) الحر بن سليمان (١١/ ٥٩٠) رقم (٥١٨٥). ثانيًا: لابن حبان في "الصحيح" شيوخٌ لم يُوَثَّقُوا. منهم: جعفر بن أحمد بن صليح العابد الصليحي الواسطي (٧/ ١٦٣) رقم (٢٠٩٣)، (٨/ ١٥١) رقم (٣٣٦٤). ثالثًا: لابن حبان في "الصحيح" شيخٌ ضُعِّفَ، بل واتُّهِمَ، هو: • نصر بن الفتح السمرقندي العائذي "الميزان" (٥/ ٣٧٨)، (١٤/ ٢١٠) رقم (٦٣٠٢). ٢ - طبقة شيوخ شيوخ ابن حبان: لم يذكر الشيخ المعلمي هذه الطبقة في درجات توثيق ابن حبان كما توهَّمَهُ البعض، وإنما اعتدَّ بتوثيق ابن حبان لبعض هؤلاء بناءً على أنه عرفهم، فتوثيقه لهم من أثبت التوثيق. (١) ففي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم الجرمي، رقم (٢٤٤) من "التنكيل"، قال: "ذكره ابن حبان في "الثقات" [وقال]: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن حسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين.

стр. 950

قال: وقد قدَّمْنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اهـ. (٢) وفي ترجمة: عبد الله بن عمر بن الرماح رقم (١٢٦)، قال: "قال ابن حبان في "الثقات": "عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور، روى عن مالك ووكيع وأهل العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن مُحَمَّد الأَزدي: مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو مُحَمَّد، وكان مرجئًا، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته". اهـ. (٣) وفي ترجمة: إسماعيل بن حمدويه من "الطليعة" (ص ٦٠): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: فيروي عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه مُحَمَّد بن المنذر شكّر، كان مقيمًا بالرملة زمانًا، وكتب عنه شكَّر. فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول، كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان من "التنكيل". اهـ. قال أبو أنس: العبرة في الاعتداد بتوثيق ابن حبان لهذه الطبقة -ما لم يأت جرحٌ معتبرٌ- هو قُرْبُ عهد ابن حبان بها، واطلاعه على أحاديث رجالها، وسبره لمروياتهم، والله تعالى أعلم. * * *
следующие страницы →