← Джавами‘

Джавами‘ · id 13295

النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد

إبراهيم بن سعيد الصبيحي

Полный текст (2 321 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها فإذا مت اقتحموا، وقد صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة ٢٣ هـ". فنظر الشيخ المعلمي في متن هذه الحكاية، وخلص إلى تجويز -إن صحت الحكاية- أن يكون كعب استند إلى بعض العلامات المنقولة عن عمر، ويكون مع ذلك وجد في صحفه إشارةً فَهِمَ منها بطريق الرمز مع النظر في القرائن وتلك العلامات أن عمر لا يعيش بعد تلك السنة. ثم قال: "وبعدُ، فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجلٌ يقال له: "عبد الوهاب ابن موسى" لا يكاد يعرف، وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذُكر في تاريخ البخاري ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في "الميزان": "لا يُدرى مَنْ ذا الحيوان الكذاب". وفي مقدمة "صحيح" مسلم: "الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وُجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئًا ليس عند أصحابه قُبل منه ... ". وهذا الرجل لم يمعن في المشاركة، فضلا عن أن يكون ذلك على الموافقة، لكن هذا الشرط لا يتقيَّدُ به بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومِنْ ثَمَّ -والله أعلم- وَثَّق الدارقطني عبد الوهاب هذا، وزعم أن الخبر صحيح عن مالك". اهـ.

стр. 947

قال أبو أنس: قد اتَّسعَ الخَرْقُ على مَنْ جاء بعد هؤلاء مِمّن نَحَا هذا النَّحْوَ؛ بسبب عدم التَقَيُّدِ بانتفاء الشذوذ والعلَّة، فكان من لازم ذلك: التصحيحُ بظواهر الأسانيد، دون اعتبارٍ لتفردات الرواة ومخالفاتهم لمن هم أوثق منهم، ولا التفتيش عن العلل الخفية في الأخبار، ومداخل الخلل في المرويات، والأسباب المتباينة للتعليل عند أئمة هذا الشأن، والله تعالى المستعان (١). * * *

стр. 948

الأمر الثامن في النظر في طبقة شيوخ وشيوخ شيوخ ابن حبان ١ - طبقة شيوخ ابن حبان: سبق في الفصل الرابع النقلُ عن المعلمي في بيان درجات توثيق ابن حبان، قوله: "التحقيق أن توثيقه على درجات: الأولى: أن يصرح به كأن يقول: "كان متقنًا" أو"مستقيم الحديث" أو نحو ذلك. الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم ... ثم قال ﵀: فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم، والثانية قريب منها ... ". قال أبو أنس: لا شك أن معرفةَ ابنِ حبان لشيوخه وخبرتَه بهم تقضي بقبول قوله فيهم، واحتجاجُه بهم في "صحيحه" فمن أعلى التوثيق عنده، وقد عرفنا أنه قد يتعنَّتُ فيمن عرفهم ووقف على أحاديثَ لهم. إذًا فشيوخ ابن حبان في "صحيحه" هم ثقات عنده، وتوثيقه لهذه الطبقة معتبر مقبول. وقال الشيخ المعلمي في ترجمة: عبد الله بن محمود السعدي في حاشية "الطليعة" (ص ٥٦): "هو من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان، وذكره ابن حبان في "ثقاته" مع روايته عنه في "صحيحه"، وتوثيق ابن حبان لمن عرفهم وخبرهم من أعلى التوثيق؛ فإنه يتشدد في هؤلاء ويحسن الظن بغيرهم". اهـ. لكن هل الثقة بشيوخ ابن حبان في "صحيحه" أمر مُطَّرِدٌ لا يدخله الخلل؟

стр. 949

فأقول: أولا: وُجد في شيوخ ابن حبان في "صحيحه" طائفة لا يكادون يُعرفون، ولا توجد لهم تراجم في الكتب المتداولة بعد البحث والتفتيش، من هؤلاء: (١) ثابت بن إسماعيل بن إسحاق (١١/ ٣٠٨) رقم (٤٩٣٦). (٢) الحسن بن مُحَمَّد بن أسد (١١/ ٤٩٨) رقم (٥٠٩٨). (٣) الحر بن سليمان (١١/ ٥٩٠) رقم (٥١٨٥). ثانيًا: لابن حبان في "الصحيح" شيوخٌ لم يُوَثَّقُوا. منهم: جعفر بن أحمد بن صليح العابد الصليحي الواسطي (٧/ ١٦٣) رقم (٢٠٩٣)، (٨/ ١٥١) رقم (٣٣٦٤). ثالثًا: لابن حبان في "الصحيح" شيخٌ ضُعِّفَ، بل واتُّهِمَ، هو: • نصر بن الفتح السمرقندي العائذي "الميزان" (٥/ ٣٧٨)، (١٤/ ٢١٠) رقم (٦٣٠٢). ٢ - طبقة شيوخ شيوخ ابن حبان: لم يذكر الشيخ المعلمي هذه الطبقة في درجات توثيق ابن حبان كما توهَّمَهُ البعض، وإنما اعتدَّ بتوثيق ابن حبان لبعض هؤلاء بناءً على أنه عرفهم، فتوثيقه لهم من أثبت التوثيق. (١) ففي ترجمة: مسلم بن أبي مسلم الجرمي، رقم (٢٤٤) من "التنكيل"، قال: "ذكره ابن حبان في "الثقات" [وقال]: "مسلم بن أبي مسلم الجرمي سكن بغداد، يروي عن يزيد بن هارون ومخلد بن حسين ثنا عنه الحسن بن سفيان وأبو يعلى، ربما أخطأ، مات سنة أربعين ومائتين.

стр. 950

قال: وقد قدَّمْنا في ترجمة ابن حبان أن توثيقه لمن قد عرفه من أثبت التوثيق، وقوله: "ربما أخطأ" لا ينافي التوثيق، وإنما يظهر أثر ذلك إذا خالف من هو أثبت منه". اهـ. (٢) وفي ترجمة: عبد الله بن عمر بن الرماح رقم (١٢٦)، قال: "قال ابن حبان في "الثقات": "عبد الله بن عمر بن ميمون بن بحر بن الرماح السعدي أبو عبد الرحمن البلخي قاضي نيسابور، روى عن مالك ووكيع وأهل العراق، حدثنا عنه الحسين بن إدريس الأنصاري وعبد الله بن مُحَمَّد الأَزدي: مستقيم الحديث إذا حدث عن الثقات، وقد قيل: كنيته أبو مُحَمَّد، وكان مرجئًا، مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. وهذا من ابن حبان توثيق مقبول كما يأتي في ترجمته". اهـ. (٣) وفي ترجمة: إسماعيل بن حمدويه من "الطليعة" (ص ٦٠): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: فيروي عن أبي نعيم وأبي الوليد وأهل البصرة، حدثنا عنه مُحَمَّد بن المنذر شكّر، كان مقيمًا بالرملة زمانًا، وكتب عنه شكَّر. فقد عرفه ابن حبان وعرف حديثه، وتوثيقه لمن عرفه وعرف حديثه مقبول، كتوثيق غيره من الأئمة، ويأتي شرح ذلك في ترجمة ابن حبان من "التنكيل". اهـ. قال أبو أنس: العبرة في الاعتداد بتوثيق ابن حبان لهذه الطبقة -ما لم يأت جرحٌ معتبرٌ- هو قُرْبُ عهد ابن حبان بها، واطلاعه على أحاديث رجالها، وسبره لمروياتهم، والله تعالى أعلم. * * *

стр. 951

الأمر التاسع أمثلة لما أُخذ على ابن حبان في توثيقه لمَنْ ضَعَّفَهُ في موضع آخر ١ - في ترجمة: أفلح بن سعيد الأنصاري من "تهذيب التهذيب" (١/ ٣٦٨): "قال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج به ولا الرواية عنه بحالٍ. وقرأت بخط الحافظ الذهبي بعد هذه الحكاية: ابن حبان ربما قَصَبَ الثقة؛ حتَّى كأنه لا يدري ما يخرج من رأسه، ثم ذكر مستنده فساق حديثًا له. أجاب عنه الذهبي وابن حجر، وردوا تضعيفه له، قال ابن حجر: وقد غفل مع ذلك -يعني: ابن حبان- فذكره في الطبقة الرَّابعة من الثقات". اهـ. ٢ - وفي ترجمة: بشر بن شعيب بن أبي حمزة منه (١/ ٤٥٢): "أما ابن حبان ففصَّل، فقال في "الثقات": كان متقنًا وبعض سماعه عن أَبيه مناولة، وسمع نسخة شعيب سماعًا. وذكره أيضًا في "الضعفاء"، ونقل عن البخاري أنه قال: تركناه. وهذا خطأ نشأ عن حذفٍ، فالبخاري إنما قال: تركناه حيًّا كما تقدم، وقد تعقب ذلك أبو العباس النباتي على ابن حبان في "الحافل" فأسهب". اهـ. ٣ - وفي ترجمة: الحكم بن مصعب القرشي عنه (٢/ ٤٣٩): "ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطىء ... وذكره أيضًا في "الضعفاء" وقال: روى عنه أبو المغيرة أيضًا، لا يجوز الاحتجاج بحديثه ولا الرواية عنه إلا على سبيل الاعتبار. قال ابن حجر: وهو تناقض صعب ... ". اهـ.

стр. 952

٤ - وفي ترجمة: خالد بن عمرو بن مُحَمَّد بن عبد الله بن سعيد بن العاص الأُموي منه (٣/ ١٠٩): "قال ابن حبان -يعني: في "الضعفاء"-: كان يتفرد عن الثقات بالموضوعات، لا يحلّ الاحتجاج بخبره. وذكره أيضًا في "الثقات". قال ابن حجر: وهي إحدى غفلاته". اهـ. ٥ - وفي ترجمة: عبد الله بن بشر بن التيهان الرقي منه (٥/ ١٦٠): "ذكره ابن حبان في "الثقات"، وغفل فذكره في "الضعفاء" فقال: ... كان ممن يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الأثبات، وينفرد بأشياء يشهد السمع لها أنها مقلوبة". اهـ. ٦ - وفي ترجمة: الحارث بن عبيدة الحمصي من "تعجيل المنفعة" رقم (١٦١): "قال ابن حبان في "الضعفاء": روى عنه أهل بلده، وأتى عن الثقات بما ليس من أحاديثهم، لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد. قال ابن حجر: قد تناقض ابن حبان فذكره في كتاب "الثقات"، وقال: روى عنه أهل مصر". اهـ. قدمنا بعض النماذج، وتراجع التراجم الآتية في "تهذيب التهذيب": ٧ - أحمد بن عيسى بن زيد اللخمي المصري (١/ ٦٥ - ٦٦). ٨ - جعفر بن الحارث الواسطي (٢/ ٨٩). ٩ - الحارث بن النعمان بن سالم (٢/ ١٦٠). ١٠ - دهثم بن قران العكلي (٣/ ٢١٣). ١١ - رزيق أبو عبد الله الألهاني (٣/ ٢٧٥).

стр. 953

١٢ - زياد بن عبد الله النميري (٣/ ٣٧٨). ١٣ - سعيد بن سلمة بن هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي (٤/ ٨٣). ١٤ - سفيان بن حسين بن الحسن الواسطي (٤/ ١٠٨). ١٥ - سَلْم بن زرير العطاردي أبو موسى البصري (٤/ ١٣٠). ١٦ - عاصم بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري (٥/ ٥٢). ١٧ - عبيد الله بن سعيد بن مسلم بن عبيد بن مسلم الجعفي أبو مسلم الكوفي (٧/ ١٦). ١٨ - كلثوم بن جوشن القشيري الرقي (٨/ ٤٤٣). ١٩ - مُحَمَّد بن عمرو الأنصاري البصري (٩/ ٣٧٨). ٢٠ - مروان بن شجاع الجزري الحراني (١٠/ ٩٤). ٢١ - معروف بن خربوذ المكي (١٠/ ٢٣١). ٢٢ - يحيى بن سلمة بن كهيل الحضرمي أبو جعفر الكوفي (١١/ ٢٢٤). ٢٣ - يحيى بن عثمان القرشي التيمي (١١/ ٢٥٧). ٢٤ - يحيى بن ميمون بن عطاء بن زيد القرشي أبو أَيوب التمار البصري البغدادي (١١/ ٢٩٠). ٢٥ - يونس بن أبي يعفور (١١/ ٤٥٢). وأما في ترجمة: إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، فقد صرح ابن حبان فيه أنه قد ذكره في "الثقات" و"الضعفاء" لما ظهر له من حالة، وأنه لتغير اجتهاده فيه. انظر التهذيب (١/ ٢٥٥).

стр. 954

فهل يُقال: إن سائر المواضع إنما هو تغير اجتهاد، وأنه قصد أن يُحَوَّلوا جميعًا من "الثقات" إلى "الضعفاء"، إلا أنه اكتفى بالتنبيه في ترجمة إسحاق -وربما غيره- للدلالة على سائر المواضع؟ قد قال بهذا بعض الباحثين، وهو أَعْذَرُ لابن حبان، فلا بأس بذلك، والله تعالى الموفق. * * *

стр. 955

الحاكم صاحب "المستدرك " (ت ٤٠٥ هـ)

стр. 956

يتعلق به هاهنا أربعة مطالب: الأول: شرط الحاكم في كتابه "المستدرك". الثاني: تناقضه في إخراج أحاديث في "المستدرك" بأسانيد قد وَهَّن بعض رجالها في مواضع أخرى. الثالث: البحث في القَدْر الذي أصاب الحاكم فيه التساهل في "المستدرك". الرابع: منزلته في التوثيق والتصحيح. * * *

стр. 957

المطلب الأول شرط الحاكم في كتابه "المستدرك " مقدمة: قال الحاكم في صدر كتابه "المستدرك" (ص ٢ - ٣): "سألني جماعة من أعيان أهل العلم بهذه المدينة وغيرها أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيدَ يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما رحمهما الله لم يَدَّعِيا ذلك لأنفسهما ... وأنا أستعينُ اللهَ على إخراجِ أحاديثَ رواتُها ثقاتٌ، قد احتج بمثلها الشيخان ﵄ أو أحدُهما. وهذا شرطُ الصحيح عند كافَّة فقهاء الإسلام: أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة". اهـ. كلام الحاكم قال أبو أنس: هاهنا عدةُ قضايا اشتملت عليها تلك المقدمة الوجيزة: الأولى: معنى المثلية في عبارة الحاكم. الثَّانية: زَعْم الحاكم أنه لا سبيل إلى إخراج ما لا علَّة له، وأن الشيخين لم يدعيا ذلك لأنفسهما. الثالثة: اتفاق كافة فقهاء الإسلام على قبول زيادة الثقة. نتعرض هنا للأوليين، أما الثالثة فمحلها بحث "زيادة الثقة" في موضع آخر.

стр. 958

أما بالنسبه للقضية الأولى فقد اخْتُلِفَ في حَدِّ قولِ الحاكم: " ... أجمعُ كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها ... وأنا أستعينُ اللهَ على إخراجِ أحاديثَ، رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما ... ". فماذا تعني "المثلية" في عبارة الحاكم؟ هل تعني: "الذاتية"؛ أي يُخرجُ لنفس من خرَّج لهم الشيخان أو أحدهما؟ أم تعني: "المشابهة"؛ أي يُخرجُ لرجالٍ يشُبهون رجال الشيخين أو أحدهما في الصفات من حيث العدالة والضبط؟ أكثرُ الذين تعرَّضوا لهذه القضية؛ كابن الصلاح، والنووي، وعليه عمل ابن دقيق العيد، والذهبي: مالوا إلى المعنى الأول. وممن رأى المعنى الثاني فيما وقفت عليه: البلقيني في "محاسن الاصطلاح"، والعراقي في "التقييد والأيضاح"، والزركشي في "نكته على ابن الصلاح". أصحاب المعنى الأول: قال ابن الصلاح في "مقدمته" (ص ٩٣): "اعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في "الصحيحين" وجمع ذلك في كتاب سمَّاه: "المستدرك"، أودعه ما ليس في واحد من "الصحيحين" مما رآه على شرط الشيخين، قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على شرط مسلم وحده ... ".

стр. 959

وقال النووي في "التقريب" (١/ ١٢٧ تدريب): "إن المراد بقولهم على شرطهما: أن يكون رجال إسناده في كتابيهما؛ لأنه ليس لهما شرط في كتابيهما ولا في غيرهما" اهـ. وقال العراقي في "التقييد والإيضاح" (ص ٣٠): "وعلى هذا عمل ابن دقيق العيد؛ فإنه ينقل عن الحاكم تصحيحه لحديثٍ على شرط البخاري مثلًا، ثم يعترض عليه بأن فيه فلانًا، ولم يخرج له البخاري، وكذا فعل الذهبي في مختصر "المستدرك". اهـ. أصحاب المعنى الثاني: قال البلقيني في "محاسن الاصطلاح" (ص ٩٤ حاشية مقدمة ابن الصلاح): " ... شرط الحاكم أن يخرج أحاديث جماعة كَمَنْ خرج لهم الشيخان ... وإيراد كون الرجل لم يخرج له من استدرك عليه، لا يُلتفت إليه؛ لأنه لم يلتزم العَيْنَ، بل الشَّبَه، ومع ذلك فلم يوجد ما شرطه ... ". وقال العراقي في "التقييد" بعد حكاية المعنى الأول عن ابن الصلاح والنووي وعمل ابن دقيق العيد والذهبي: "ليس ذلك منهم بجيد؛ فإن الحاكم صرح في خطبة "المستدرك" بخلاف ما فهموه عنه، فقال: وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما. فقوله "بمثلها" أي بمثل رواتها، لا بِهِم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون مثلها إذا كانت بنفس رواتها، وفيه نظر.

стр. 960

وتحقيقُ "المثلية" أن يكون بعضُ من لم يخرج عنه في "الصحيح" مثل مَنْ خرج عنه فيه، أو أعلى منه عند الشيخين، وتُعرفُ "المثلية" عندهما: إما بنصهما على أن فلانًا مثل فلان، أو أرفع منه، وقلَّما يوجد ذلك، وإما بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل؛ كأن يقولا في بعض من احتجا به: "ثقة"، أو "ثبت"، أو "صدق"، أو "لا بأس به"، أو غير ذلك من ألفاظ التعديل، ثم يوجد عنهما أنهما قالا ذلك أو أعلى منه في بعض من لا يَحتجان به؛ لأن مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتِها ألفاظُ الجرح والتعديل. ولكن هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه، وذلك أنَّهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حالة مع من روى عنه في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه في بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا من بلد من أخذ عنه، وهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك". اهـ. كلام العراقي وقبل أن أختم تلك النقولات بتحرير الحافظ ابن حجر لهذه القضية، أُورد ما قاله الزركشي في "نكته" على ابن الصلاح، ليتم نقل ما له تعلق بأصحاب المعنى الثاني. قال الزركشي في "نكته" (١/ ١٩٨) تعقيبًا على أصحاب المعنى الأول: "ليس ذلك منهم بحسن؛ لِما ذكرنا من كلام الحاكم في خطبته أنه لم يشترط نفسَ الرجال المخرَّج لهم في "الصحيح"، بل اشترط رواة احتج بمثلهم الشيخان أو أحدهما، وإنما ينبغي منازعته في تحقيق المماثلة بين رجاله ورجال "الصحيحين". نعم، القوم معذورون؛ فإنه قال عقب أحاديث أخرجها هو: صحيح على شرط مسلم، فقد احتج بفلان وفلان، يعني المذكورين في سنده، فهذا منه جنوح إلى إرادة نفس رجال "الصحيح"، وهو يخالف ما ذكره في مقدمة كتابه، ثم إنه خالف الاصطلاحين في أثناء كتابه، وقال -لما أخرج "التاريخ" و"السير": ولابد لنا من نقل كلام ابن إسحاق والواقدي". اهـ. كلام الزركشي.

стр. 961

ويلاحظ من كلام الزركشي أنه رجح المعنى الثاني، إلا أنه عَرَض ما يقوي المعنى الأول، ولم يأت على ترجيحه للثاني بدليل، إلا ما فهمه من عبارة الحاكم. تحرير الحافظ ابن حجر لمقصد الحاكم من تلك العبارة: قال ابن حجر نقلا عن "تدريب الراوي" (١/ ١٢٨): "ما اعترض به شيخنا يعني العراقي على ابن دقيق العيد والذهبي ليس بجيد؛ لأن الحاكم استعمل لفظة "مثل" في أعم من الحقيقة والمجاز في الأسانيد والمتون، دَلَّ على ذلك صنيعُه؛ فإنه تارة يقول: على شرطهما، وتارة: على شرط البخاري، وتارة: على شرط مسلم، وتارة: صحيح الإسناد، ولا يعزوه لأحدهما. وأيضًا فلو قصد بكلمة: "مثل" معناها الحقيقي حتَّى يكون المراد: احتج بغيرها ممن فيهم من الصفات مثل ما في الرواة الذين خرَّجا عنهم، لم يقل قط: على شرط البخاري؛ فإن شرط مسلم دونه، فما كان على شرطه فهو على شرطهما؛ لأنه حوى شرط مسلم وزاد". وقال في "النكت على ابن الصلاح" تعقيبًا على العراقي أيضًا: "تصرُّفُ الحاكم يقوي أحد الاحتمالين الذين ذكرهما شيخنا: -يعني: العراقي- فإنه إذا كان عنده الحديث قد أخرجا أو أحدهما لرواته قال: صحيح على شرط الشيخين أو أحدهما، وإذا كان بعض رواته لم يخرجا له قال: صحيح الإسناد حسب. ويوضح ذلك قوله في باب التوبة لما أورد حديث أبي عثمان (١)، عن أبي هريرة مرفوعًا: "لا تُنزعُ الرحمةُ إلا من شقي"، قال: هذا حديث صحيح الإسناد،

стр. 962

وأبو عثمان هذا ليس هو النهدي، ولو كان هو النهدي لحكمتُ بالحديث على شرط الشيخين. فدلَّ هذا على أنه إذا لم يخرجا لأحد رواة الحديث لا يحكم به على شرطهما، وهو عَيْنُ ما ادعى ابن دقيق العيد وغيره، وإن كان الحاكم قد يغفل عن هذا في بعض الأحيان، فيصحح على شرطهما بعض ما لم يخرجا لبعض رواته، فيحمل ذلك على السهو والنسيان، ويتوجه به حينئذ عليه الاعتراض والله أعلم ". اهـ. كلام ابن حجر. قال أبو أنس: يتبين مما سبق عرضُه أن الحاكم لم تكن له طريقة مُطَّرِدة في إخراج أحاديث رواة هم مثل ما أخرج لهم الشيخان، ولو كان له ذلك لما اختُلف فيه على هذا النحو، بل إن الخلاف يشير إلى أنه ربما أخرج لرواة على المعنى الأول -وهم عَيْنُ من أُخرج لهم في "الصحيحين"- وربما أخرجهم على المعنى الثاني -وهم شَبَهُ من أُخرج لهم فيهما- فربما نظر البعض إلى مواضعَ تؤيد أحد المعنين فركن إليه. وحرَّر الحافظ ابن حجر فقوّى المعنى الأول بأمثلة ذكرها، لكنه لم ينف وجود بعض المواضع على المعنى الثاني على سبيل الوهم والنسيان. والذي يعنينا هنا هو ما يتعلق برواة المعنى الأول، وهم الذين صحح لهم الحاكم في "مستدركه" على شرط الشيخين أو أحدهما، وهم في الأصل معدودون في رجال الكتابين أو أحدهما. أما رواة المعنى الثاني فقد صحح لهم الحاكم مطلقًا في غالب الأحيان -وسيأتي البحث معه في ذلك- وعلى شرط الشيخين أو أحدهما أحيانًا -على سبيل الوهم- كما قال ابن حجر.

стр. 963

وأهمية هذه المباحث هنا هو الوقوف على مدى حُجِّيَّةِ تصحيح الحاكم على شرط "الصحيح"، فإنه قد أكثر المتأخرون من الاحتجاج بتصحيح الحاكم على هذا النحو، وجعلوا تصحيحه من جملة الأدلة على صحة الحديث. والمقصود هنا أن نقارن بين حُجِّية تصحيح الحاكم على شرط "الصحيح" وبين منهج الشيخين في إخراج الرجال في كتابيهما، بحيث يكون الكلام على تلك الحجية هو المدخل لما نحن بصدده، وسبق التنويه بأن الحاكم هو أكثر المصنفين استعمالًا لهذا النوع من التصحيح، وهو التصحيح على شرط الشيخين أو أحدهما. تحقيق الحافظ ابن حجر لأقسام أحاديث "المستدرك": قال ابن حجر في "النكت على كتاب ابن الصلاح": "ينقسم "المستدرك" أقسامًا، كل قسم منها يمكن تقسيمه: الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجًّا برواته في "الصحيحين" أو أحدهما على صورة الاجتماع، سالمًا من العلل. واحترزنا بقولنا: على صورة الاجتماع عما احتجا برواته على صورة الانفراد؛ كسفيان بن حسين عن الزهري؛ فإنهما احتجا بكل منهما على الانفراد (١)، ولم يحتجا برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه، فإن وُجد حديثٌ من روايته عن

стр. 964

الزهري لا يقال: على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما، بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتجا بكل منهما على صورة الاجتماع. وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتج بآخر منه، كالحديث الذي يُروى من طريق شعبة مثلًا، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄؛ فإن مسلمًا احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه، ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما حتَّى يجتمع فيه صورة الاجتماع، وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره. واحترزت بقولي: أن يكون سالمًا من العلل، بما إذا احتجا بجميع رواته على صورة الاجتماع، إلا أن فيهم من وصف بالتدليس أو اختلط في آخر عمره؛ فإنا نعلم في الجملة أن الشيخين لم يخرجا من رواية المدلسن بالعنعنة إلا ما تحققا أنه مسموع لهم من جهة أخرى. وكذا لم يخرجا من حديث المختلطين عمن سمع منهم بعد الاختلاط إلا ما تحققا أنه من صحيح حديثهم قبل الاختلاط. فإذا كان كذلك لم يجز الحكم للحديث الذي فيه مدلس قد عنعنه أو شيخ سمع ممن اختلط بعد اختلاطه بأنه على شرطهما، وإن كانا قد أخرجا ذلك الإسناد بعينه إلا إذا صرح المدلس من جهة أخرى بالسماع، وصح أن الراوي سمع من شيخه قبل اختلاطه، فهذا القسم يوسف بكونه على شرطهما أو على شرط أحدهما. ولا يوجد في "المستدرك" حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيرًا أو أصلًا إلا القليل كما قدمناه.

стр. 965

نعم وفيه جملة مستكثرة بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما استدركها الحاكم واهمًا في ذلك ظانًّا أنهما لم يخرجاه. القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرجا لجميع رواته، لا على سبيل الاحتجاج، بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره. ويلتحق بذلك ما إذا أخرجا لرجل وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن، عن أَبيه، عن أبي هريرة ما لم يتفرد به. فلا يحسن أن يقال: إن باقي النسخة على شرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعد أن تبين أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا يلتحق أفراده بشرطهما. وقد عقد الحاكم في كتاب "المدخل" بابًا مستقلًا، ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في "المستدرك" زاعمًا أنها على شرطهما. ولا شك في نزول أحاديثهم عن درجة الصحيح، بل ربما كان فيها الشاذ والضعيف، لكن أكثرها لا ينزل عن درجة الحسن. والحاكم إنما يُناقَشُ في دعواه أن أحاديث هؤلاء على شرط الشيخين أو أحدهما، وهذا القسم هو عمدة الكتاب. القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له، لا في الاحتجاج ولا في المتابعات وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين ويصححها، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما ... ". اهـ. كلام ابن حجر.

стр. 966

تحقيق الشيخ المعلمي لهذه القضية والتي تليها: فقال في معرض حديثه عن أسباب الخلل الواقع في "المستدرك": " ... توسع الحاكم في معنى قوله: "بأسانيد يحتج ... بمثلها"، فبنى على أن في رجال "الصحيحين" من فيه كلام، فأخرج عن جماعةٍ يَعلم أن فيهم كلامًا. ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة. أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضر في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة. الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضي أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا، أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك. ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه، أو بما يُسمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنةً وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس، فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح. وقَصَّرَ الحاكم في مراعاة هذا، وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا، ولو وفَّى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يَفِ به بل أخرج لجماعة هلكى". اهـ. وبالنسبة للقضية الثانية يقول الشيخ المعلمي: "ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة:

стр. 967

سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد ابن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما رحمهما الله لم يَدَّعِيَا ذلك لأنفسهما. ولم يُصِبْ في هذاة فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة. وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة". اهـ. * * *

стр. 968

المطلب الثاني تناقضه في إخراج أحاديث في "المستدرك" بأسانيد قد وَهَّنَ هو بعض رجالها في مواضع أخرى (١) قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٤٤٤): "فأما "مستدرك" الحاكم فحدِّث عنه ولا حرج؛ فإن في "مستدركه" كثيرًا من الرواة التالفين، وجماعة منهم قد قطع هو نفسه بضعفهم الشديد ... ". (٢) ونقل السيوطي قول الحاكم في: فائد بن عبد الرحمن أبي الورقاء الكوفي العطار في "المستدرك": مستقيم الحديث. فقال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٣٩): "في ترجمة فائد من "التهذيب": وقال الحاكم أبو أحمد: حديثه ليس بالقائم ... وقال الحاكم: روى عن ابن أبي أوفى أحاديث موضوعة. أقول: الظاهر أن الحاكم الثاني هو أبو عبد الله صاحب "المستدرك"؛ لأنه هو المراد عند الإطلاق، ولو كان المراد أَبا أحمد لجمع كلمتيه، فإذا كان هذا كما قلت، فقد غفل الحاكم في "المستدرك" غفلة شديدة ... ". اهـ. وانظر: ترجمة فائد من قسم التراجم من هذا الكتاب رقم (٥٩٤). * * *

стр. 969

المطلب الثالث البحث في القَدْر الذي أصاب الحاكم فيه التساهُل في "المستدرك"، والسبب في ذلك قال الشيخ المعلمي في "التنكيل" (١/ ٤٥٥): "قال ابن حجر في "اللسان" بعد أن ذكر ما في "المستدرك" من التساهل: قيل في الاعتذار عنه: أنه عند تصنيفه لـ "المستدرك" كان في أواخر عمره، وذكر بعضهم أنه حصل له تغير وغفلة في آخر عمره، ويدل على ذلك أنه ذكر جماعة في كتاب "الضعفاء" له، وقطع بترك الرواية عنهم، ومنع من الاحتجاج بهم، ثم أخرج أحاديث بعضهم في "مستدركه" وصححها". اهـ. ولعل المراد بقوله: وذكر بعضهم ما في "تذكرة الحفاظ" عن بعضهم أن الحاكم قال له: "إذا ذاكرتُ في باب لابد من المطالعة؛ لكبر سني"، وهذا لا يستلزم الغفلة، ومع ذلك فقوله "تغير وغفلة" لا يؤدي معنى الاختلاط، فكيف الاختلاط الشنيع؟ (١). وقد رأيت في "المستدرك" المطبوع إثبات تواريخ السماع على الحاكم في أوله أي ج ١ ص ٢ ثم ص ٣٦، فـ: ص ٦٩، فـ: ص ٩٤، فـ: ص ١٢٩، فـ: ص ١٦٣، وتاريخ الأول سابع المحرم سنة ٣٩٣، والثاني بعد ثلاثة أشهر تقريبًا، وهكذا بعد كل ثلاثة أشهر يملي جزءًا في نيف وثلاثين صفحة من المطبوع، ولم يستمر إثبات ذلك في جميع الكتاب. وآخر ما وجدته فيه ج ٣ ص ١٥٦ في غرة ذي القعدة سنة ٤٠٢، وهذا يدل على أن تلك الطريقة استمرت منتظمة إلى ذاك الموضع، فأما بعد ذلك فاللَّه أعلم، فإنه لو

стр. 970

بقي ذاك الانتظام لم يتم الكتاب إلا سنة ٤١٠، لكن الحاكم توفي سنة ٤٠٥، وفي المجلد الرابع (ص ٢٤٩)، ذكر الحاكم أول سند "أخبرنا الحاكم أبو عبد الله ... " لكن بلا تاريخ. هذا واقتصاره في كل ثلاثة أشهر على مجلس واحد يملي فيه جزءًا بذاك القدر يدل أنه إنما أَلَّفَ الكتاب في تلك المدة، فكان الحاكم مع اشتغاله بمؤلفاتٍ أخرى يشتغل بتأليف "المستدرك"، والتزم أن يحضر في كل ثلاثة أشهر جزءًا ويخرجه للنَّاس، فيسمعونه؛ إذ لو كان قد ألَّف الكتاب قبل ذلك وبَيَّضَهُ، فلماذا يقتصر في إسماع الناس على يوم في كل ثلاثة أشهر؟ فأما إسراعه في الأواخر فلعله فرغ من مصنفاته الأخرى التي كان يشتغل بها مع "المستدرك" فتفرغ لـ"المستدرك". وفي "فتح المغيث" (ص ١٣) عند ذكر تساهل الحاكم في "المستدرك": فيه عدة موضوعات، حمله على تصحيحها إما التعصب لِما رمي به من التشيع، وإما غيره فضلًا عن الضعيف وغيره، بل يقال: إن السبب في ذلك أنه صنَّفه في أواخر عمره، وقد حصلت له غفلة وتغير، وأنه لم يتيسر له تحريره وتنقيحه، ويدل له أن تساهله في قَدْر الخُمْس الأول منه قليل جدًّا بالنسبة لما فيه؛ فإنه وجد عنده: إلى هنا انتهى إملاء الحاكم. أقول: لا أرى الذنب للتشيع؛ فإنه يتساهل في فضائل بقية الصحابة كالشيخين وغيرهما، وفي المطبوع ج ٣ (ص ١٥٦): (حدثنا الحاكم ... إملاء غرة ذي القعدة سنة اثنتين وأربعمائة). وعادته كما تقدم أن يملي في المجلس جزءًا في بضع وثلاثين صفحة من المطبوع، فقد أملى إلى نحو صفحة ١٩٠ من المجلد الثالث المطبوع، وذلك أكثر من نصف

стр. 971

الكتاب، فأما الموضع الذي في ج ٤ (ص ٣٤٩) فإنما فيه "أخبرنا ... " وليس فيه لفظ "إملاء" ولا ذكر التاريخ. والذي يظهر لي فيما وقع في "المستدرك" من الخلل أن له عدة أسباب: الأول: حرص الحاكم على الإكثار، وقد قال في خطبة "المستدرك": (قد نبغ في عصرنا هذا جماعة من المبتدعة، يشمتون برواة الآثار بأن جميع ما يصح عندكم من الحديث لا يبلغ عشرة آلاف حديث، وهذه الأسانيد المجموعة المشتملة على أَلْف جزء أو أقل أو أكثر كلها سقيمة غير صحيحة). فكان له هوى في الإكثار للرد على هؤلاء. والثاني: أنه قد يقع له الحديث بسندٍ عالٍ أو يكون غريبًا مما يتنافس فيه المحدثون فيحرص على إثباته، وفي "تذكرة الحفاظ" ج ٢ (ص ٢٧٠): قال الحافظ أبو عبد الله الأخرم: استعان بي السَّرَّاج في تخريجه على "صحيح مسلم" فكنت أتحير من كثرة حديثه وحسن أصوله، وكان إذا وجد الخبر عاليًا يقول: لابد أن نكتبه -يعني في المستخرج- فأقول: ليس من شرط صاحبنا -يعني مسلمًا- فشفعني فيه. فعرض للحاكم نحو هذا؛ كما وجد عنده حديثًا يفرح بعلوه أو غرابته اشتهى أن يثبته في "المستدرك". الثالث: أنه لأجل السببين الأولين، ولكي يخفف عن نفسه من التعب في البحث والنظر لم يلتزم أن لا يخرج ما له علة وأشار إلى ذلك، قال في الخطبة: "سألني جماعة ... أن أجمع كتابًا يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد ابن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له؛ فإنهما رحمهما الله لم يَدَّعِيَا ذلك لأنفسهما".

стр. 972

ولم يُصِبْ في هذا؛ فإن الشيخين ملتزمان أن لا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة. وظاهر كلامه أنه لم يلتفت إلى العلل البتة، وأنه يخرج ما كان رجاله مثل رجالهما وإن لم يغلب على ظنه أنه ليس له علة قادحة. الرابع: أنه لأجل السببين الأولين توسَّع في معنى قوله: "بأسانيد يحتج ... بمثلها"، فبنى على أن في رجال "الصحيحين" من فيه كلام، فأخرج عن جماعةٍ يَعلم أن فيهم كلامًا. ومحل التوسع أن الشيخين إنما يخرجان لمن فيه كلام في مواضع معروفة. أحدها: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام لا يضر في روايته البتة، كما أخرج البخاري لعكرمة. الثاني: أن يؤدي اجتهادهما إلى أن ذاك الكلام إنما يقتضى أنه لا يصلح للاحتجاج به وحده، ويريان أنه يصلح لأن يحتج به مقرونًا، أو حيث تابعه غيره ونحو ذلك. ثالثها: أن يريا أن الضعف الذي في الرجل خاص بروايته عن فلان من شيوخه، أو برواية فلان عنه أو بما يُسمع منه من غير كتابه، أو بما سمع منه بعد اختلاطه، أو بما جاء عنه عنعنةً وهو مدلس ولم يأت عنه من وجه آخر ما يدفع ريبة التدليس، فيخرجان للرجل حيث يصلح، ولا يخرجان له حيث لا يصلح. وقَصَّرَ الحاكم في مراعاة هذا، وزاد فأخرج في مواضع لمن لم يخرجا ولا أحدهما له بناء على أنه نظير من قد أخرجا له، فلو قيل له: كيف أخرجت لهذا وهو متكلم فيه؟ لعله يجيب بأنهما قد أخرجا لفلان وفيه كلام قريب من الكلام في هذا، ولو وفَّى بهذا لهان الخطب، لكنه لم يَفِ به بل أخرج لجماعة هلكى.

стр. 973

الخامس: أنه شرع في تأليف "المستدرك" بعد أن بلغ عمره اثنتن وسبعين سنة، وقد ضعفت ذاكرته كما تقدم عنه، وكان فيما يظهر تحت يده كتب أخرى يصنفها مع "المستدرك"، وقد استشعر قرب أجله فهو حريص على إتمام "المستدرك" وتلك المصنفات قبل موته، فقد يتوهم في الرجل يقع في السند أنهما أخرجا له، أو أنه فلان الذي أخرجا له، والواقع أنه رجل آخر، أو أنه لم يجرح أو نحو ذلك. وقد رأيت له في "المستدرك" عدة أوهام من هذا القبيل يجزم بها، فيقول في الرجل: قد أخرج له مسلم -مثلًا- مع أن مسلمًا إنما أخرج لرجل آخر شبيه اسمُه باسمِه، ويقول في الرجل: فلان الواقع في السند هو فلان ابن فلان، والصواب أنه غيره. لكنه مع هذا كله لم يقع خلل ما في روايته؛ لأنه إنما كان ينقل من أصوله المضبوطة، وإنما وقع الخلل في أحكامه، فكل حديث في "المستدرك" فقد سمعه الحاكم كما هو، هذا هو القدر الذي تحصل به الثقة، فأما حكمه بأنه على شرط الشيخين، أو أنه صحيح، أو أن فلانًا المذكور فيه صحابي، أو أنه هو فلان ابن فلان، ونحو ذلك، فهذا قد وقع فيه كثير من الخلل. هذا وذكرهم للحاكم بالتساهل إنما يخصونه بـ"المستدرك"، فكتبه في الجرح والتعديل لم يغمزه أحد بشيء مما فيها فيما أعلم، وبهذا يتبين أن التشبث بما وقع له في "المستدرك" وبكلامهم فيه لأجله: إن كان لإيجاب التروي في أحكامه التي في "المستدرك" فهو وجيه، وإن كان للقدح في روايته أو في أحكامه في غير "المستدرك" في الجرح والتعديل ونحوه فلا وجه لذلك، بل حالة في ذلك كحال غيره من الأئمة العارفين، إن وقع له خطأ فنادر كما يقع لغيره، والحكم في ذلك اطِّراح ما قام الدليل على أنه أخطأ فيه، وقبول ما عداه، والله الموفق". اهـ. * * *

стр. 974

المطلب الرابع: منزلته في التوثيق والتصحيح ، وهو مبني على ما سبق قال الشيخ المعلمي في "الفوائد" (ص ٦٤): "كلمة "ثقة" عند الحاكم لا تفيد أكثر مما تفيده كلمة "صدوق" عند غيره، بل دون ذلك". اهـ. وقال فيها (ص ٢٤٠): "تصحيح الحاكم ليس بحجة كما هو معروف". اهـ. * * *

стр. 975

ابن القطان صاحب "بيان الوهم والإيهام " (ت ٦٢٨ هـ)

стр. 976

يتعلق به هنا أمران: الأول: قول المعلمي فيما وقع لابن القطان من التصحيف في أسماء الرواة. الثاني: ما زدته من: بعض الفوائد والنكات الحديثية المتعلقة بكتاب "بيان الوهم والإيهام". ويليه: نماذج من مناقشات واعتراضات بعض الحفاظ على ابن القطان في جانب نقده للرواة: ١ - الرد عليه في رميه هشام بن عروة بالاختلاط والتغير. ٢ - الاعتراض عليه في إطلاق التجهيل على من لم يَطَّلِعْ على حالة من الرواة مع مناقشة هذا الاعتراض إن لم يُسلَّم لصاحبه. ٣ - عدم معرفة ابن القطان بأئمة كبار. ٤ - الاعتراض عليه في ذهابه إلى أن انفراد الثقات أو اختلافهم لا يضر. ٥ - الاعتراض على ابن القطان في إبطاله لكثير من تعليلات النقاد بأنواع من التجويزات والاحتمالات العقلية. ٦ - الاعتراض عليه في رده مراسيل الصحابة. * تعليق مجمل على ما سبق. * * *

стр. 977

الأمر الأول قول المعلمي فيما وقع لابن القطان من التصحيف في أسماء الرواة قال العلامة المعلمي في "التنكيل" (١/ ٢٥٦): "ابن القطان ربما يأخذ من الصحف فيصحف؛ فقد وقع له في موضعٍ تصحيفٌ ثلاثة أسماء متوالية (١). راجع "لسان الميزان" (٢/ ٢٠١ - ٢٠٢).

стр. 978

قد قال ابن حجر في الموضع المشار إليه من "اللسان" متعقبًا كلمة ابن القطان (١): "ولا يغتر أحدٌ بقولِ ابن القطان، قد جازف بهذه المقالة، وما ضعف زكريا الساجي هذا أحد. ... وذكره ابن أبي حاتم، فقال: كان ثقة يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن. وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة". اهـ. * * *

стр. 979

الأمر الثاني ما زدتُّه من بعميه الفوائد والنكات الحديثية المتعلقة بكتاب "بيان الوهم والإيهام " قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٢٢/ ٣٠٦): "عَلَّقْتُ من تأليفه كتاب: "الوهم والإيهام" فوائدَ تدل على قوة ذكائه، وسيلان ذهنه، وبصره بالعلل، لكنه تَعَنَّتَ في أماكن، ولَيَّنَ هشامَ بن عروة، وسهيل بن أبي صالح، ونحوهما". اهـ. قال أبو أنس: هذا وصفٌ دقيقٌ لابنِ القطان -مع إضافةِ أمورٍ أخرى تأتي- وقد اعتمد أكثر الحفاظ الذين صنفوا في الرجال والتخريج ابنَ القطان في كلامه على الرواة والأخبار، حتَّى إنه في بعض الأحيان لا يوجد لديهم سوى ما قاله ابن القطان في كتابه "بيان الوهم والإيهام". ومن أكثر هؤلاء الحفاظ: الذهبي وابن حجر، تتابعا على نقل كلامه في كتبهما، وعلى الرغم من وصفهما له بالعنت في باب الجرح -لا سيما التجهيل- واعتراضهما عليه في غير موضع، فقد كثرا من نقل عبارات الجهالة عنه في كثير من الرواة، لا سيما من لم يوجد للمتقدمين فيه كلام. وقد حاولتُ هنا أن أساعد في تكوين صوررةٍ أوضحَ لمكانة ابن القطان في نقد الرواة والحكم على الأخبار، وفي موقفه من بعض قواعد هذا الفن وأصوله. وقد جعلت ذلك من خلال عرض نماذج لانطباعات أهل العلم إزاء تصرفات ابن القطان في تعامله مع تلك الأمور من غير استقصاءٍ للمباحث التي تعرض لها، والله الموفق، وهو الهادي إلى الصواب.

стр. 980

نماذج من مناقشات واعتراضات بعض الحفاظ على ابن القطان في جانب نقده للرواة ١ - الرد عليه في رميه هشام بن عروة بالاختلاط والتغير: • قال الذهبي في ترجمة هشام بن عروة من "السير" (٦/ ٣٥ - ٣٦): "لا عبرة بما قاله الحافظ أبو الحسن بن القطان من أنه هو وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا؛ فإن الحافظ قد يتغير حفظه إذا كبر، وتَنقصُ حِدَّةُ ذهنه، فليس هو في شيخوخته كهو في شبيبته، وما ثَمَّ أحدٌ بمعصومٍ من السهو والنسيان، وما هذا التغير بضار أصلًا، وإنما الذي يضرُّ الاختلاطُ، وهشام فلم يختلط قط، هذا أمر مقطوع به. وحديثه محتج به في "الموطأ" و"الصحاح" و"السنن". فقول ابن القطان: "إنه اختلط" قولٌ مردودٌ مرذولٌ. فَأَرِنِي إمامًا من الكبار سَلِم من الخطأ والوهم؛ فهذا شعبة -وهو في الذروة- له أوهام، وكذلك معمر والأوزاعي ومالك رحمة الله عليهم". اهـ. • وفي "الميزان" (٩٢٣٣): "صح هشام بن عروة (ع) أحد الأعلام حجة إمام لكن في الكبر تناقص حفظه، ولم يختلط أبدًا. ولا عبرة بما قاله أبو الحسن بن القطان من أنه وسهيل بن أبي صالح اختلطا وتغيرا، نعم الرجل تغير قليلًا ولم يبق حفظه كهو في حال الشبيبة، فنسي بعض محفوظه أو وهم، فكان ماذا؟ أهو معصوم من النسيان. ولما قدم العراق في آخر عمره حدث بجملة كثيرة من العلم في غضون ذلك يسير أحاديث لم يجودها، ومثل هذا يقع لمالك، ولشعبة، ولوكيع، ولكبار الثقات. فَدَعْ عنك الخَبْطَ، وذَرْ خَلْطَ الأئمة الأثبات بالضعفاء والمخلطين. فهشام شيخ الإسلام، ولكنْ أحسنَ الله عزاءنا فيك يا ابن القطان". اهـ.

стр. 981

٢ - الاعتراض عليه في إطلاق التجهيل على من لم يَطَّلِعْ على حاله من الرواة مع مناقشة هذا الاعتراض: • قال الذهبي في "الميزان" (٢١٠٩): "حفص بن بُغَيْل" عن زائدة وجماعة، وعنه أبو كريب وأَحمد بن بديل، قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف. "قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل، أو أخذ عمن عاصره، ما يدل على عدالته. وهذا شيء كثير؛ ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون؛ ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل". اهـ. قال أبو أنس: لكن إخراج مثل هؤلاء في "الصحيحين" له مزية على غيرهم كما هو معلوم، فلا يقاس عليهم، وانتظر جواب ابن حجر على الترجمة الآتية. • وفيه (٧٠١٥): "مالك بن الخير الزيادي مصري محله الصدق، يروي عن أبي قبيل عن عبادة مرفوعًا: "ليس منا من لم يبجل كبيرنا". روى عنه حيوة بن شريح، وهو من طبقته، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين. قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته. يريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رواة "الصحيحين" عددٌ كثيرٌ ما عَلِمْنا أن أحدًا نَصَّ على توثيقهم. والجمهور على أن مَنْ كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأتِ بما يُنكر عليه أن حديثه صحيح". اهـ.

стр. 982

تعقبه ابن حجر في "اللسان" (٦/ ٨٢) بقوله: "هذا الذي نسبه للجمهور لم يُصَرِّحْ به أحدٌ من أئمة النقد إلا ابن حبان، نعم هو حَقٌّ في حَقِّ مَنْ كان مشهورًا بطلب الحديث، والانتساب إليه، كما قررته في علوم الحديث. وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات"، فهو ثقة عنده، وكذا نص الحاكم في "مستدركه" على أنه ثقة. ثم إن قول الشيخ: إن في رواة "الصحيح" عددًا كثيرًا ... إلى آخره، مما يُنازَعُ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهيم معروفون بالثقة، إلا من خرجًا له في الاستشهاد" اهـ. • وفيه (٩٩٣٦): "أبو إدريس السكوني (د) حمصي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي بثلث منها الضحى. رواه عنه صفوان بن عمرو. قال ابن القطان: حالة مجهولة. قلت: قد روى عنه غير صفوان، فهو شيخ محله الصدق. وحديثه جيد". اهـ. تعقب ابنُ حجر الذهبيَّ في "التهذيب" (١٢/ ٦) بقوله: "قرأت بخط الذهبي: قال ابن القطان: حالة مجهولة. قال الذهبي: قد روى عنه غير صفوان بن عمرو، فهو شيخ محله الصدق. كذا قال، ولم يسم الراوي الآخر، وقد جزم ابن القطان بأنه ما روى عنه غير صفوان. وقول الذهبي: أن من روى عنه أكثر من واحد فهو شيخ محله الصدق لا يوافقه عليه من يبتغي على الإسلام مزيدَ العدالة، بل هذه الصفة هي صفة المستورين الذين اختلفت الأئمة في قبول أحاديثهم، والله تعالى أعلم". اهـ.

стр. 983

• وقال ابن حجر في "اللسان" (١/ ٣١٨): "ن أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري عن أَبيه، وعنه الحسن بن علي المعمري، وإبراهيم بن حماد، وعلي بن سعيد الرازي، وآخرون. قال ابن القطان: مجهول. قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: روى عن ابن عيينة وعنه ابن الباغندي. [قال ابن القطان]: لم تثبت عدالته. وابن القطان يتبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله، وهذا الرجل بصري شهير، وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور". اهـ. • وفي "تهذيب التهذيب" (٩/ ٤٨٧): "ت محمد بن نجيح أبي معشر بن عبد الرحمن السندي أبو عبد الملك مولى بني هاشم رأى ابن أبي ذئب وروى عن أَبيه والنضر بن منصور الغبري وأبي نوح الأنصاري، روى عنه الترمذي، وروى أيضًا عن يحيى بن موسى البلخي عنه. و ... وأبو حاتم الرازي، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري ... وآخرون. قال أبو حاتم: محله الصدق. وقال الحسين بن حبان: سألت أَبا زكريا عنه، فقال: قدم المصيصة فسألت حجاجا عنه، فقال: جاءني، فطلب مني كتبًا مما سمعت من أَبيه فأخذها ونسخها وما سمعها مني. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو يعلى الموصلي: ثقة. قلت: ... عَدَّهُ أبو الحسن بن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصور منه، فلا تغتر به. وقد أكثر مِنْ وَصف جماعةٍ من المشهورين بذلك، وتبعه إلى مثل ذلك: أبو محمد ابن حزم، ولو قالا: لا نعرفه لكان أولي لهما". اهـ. • وفيه (١٠٤٧٨): "أبو عمير (د س ق) ابن أنس بن مالك عن عمومة له في ثبوت العيد بعد الزوال وصلاة العيد من الغد.

стр. 984

لا يعرف إلا بهذا، وبحديث آخر، تفرد عنه أبو بشر. قال ابن القطان: لم تثبت عدالته. وصحح حديثه ابنُ المنذر، وابن حزم، وغيرهما؛ فذلك توثيق له، فالله أعلم". اهـ. قال أبو أنس: تصحيح ابن المنذر وابن حزم وغيرهم -على جلالتهم- للحديث، لا يستلزم توثيقَ كُلِّ راوٍ فيه، فربما يُصَحَّحُ الحديثُ لاعتباراتٍ أخرى سوى توثيق رواته توثيقا اصطلاحيا، فالأمر يحتاج إلى اشتراطٍ من المُصَحِّحِ بذلك، حينئذٍ يقال: الأصل أنه ثقة عنده. فلو سلمنا بصحة دلالة تصحيحهما على ثقته عندهما، فهل هما من أئمة الجرح والتعديل الذين يثبت بتوثيقهما لأحد التابعين ما يدفع توقف ابن القطان في إثبات العدالة له؟ والأصل معه؛ فإنه لم يأت عن أئمة هذا الشأن لا تصريحًا ولا تضمينا ما يثبت له الثقة بمعناها الاصطلاحي. والله تعالى أعلم. • وفيه (١٠٤٩٤): "أبو عيسى الخراساني (د) عن الضحاك مرسلًا: نهى أن يخرج يوم العيد بسلاح. قال ابن القطان: لا يعرف حالة. قلت: ذا ثقة؛ روى عنه حيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أَيوب، وابن لهيعة، وجماعة، سكن مصر، ووثقه ابن حبان". اهـ. قال أبو أنس: انظر ما مرَّ من جواب ابن حجر على ترجمة: مالك بن الخير، وذِكْرُ ابنِ حبان للرجل من هذه الطبقات في ثقاته لا يُركن إليه، راجع ترجمة ابن حبان من هذا الكتاب.

стр. 985

• وفي الميزان: (٢٨٦٨): "زفر بن وثيمة (د) ابن مالك بن أوس بن الحدثان النصري من الشاميين عن حكيم بن حزام في النهي عن الشِّعْر والحدود في المسجد. ضعفه عبد الحق - أعني الحديث. وقال ابن القطان: علته الجهل بحال زفر، تفرد عنه محمد بن عبد الله الشعيثي. قلت؛ قد وثقه ابن معين، ودحيم". اهـ. • وفي "اللسان" (٣/ ٢٥٩): "داود بن حماد بن فرافصة البلخي كان بنيسابور عن ابن عيينة، ووكيع، وإبراهيم ابن الأشعث، وجرير. وعنه: أبو زرعة، وأَحمد بن سلمة النيسابوري، والحسن بن سفيان، وغيرهم. قال ابن القطان: حالة مجهول. قلت: بل هو ثقة؛ فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان ضابطًا، صاحب حديث، يغرب". اهـ. قال أبو أنس: فمثل هذا -مع ثقته- يُحتاط فيما أغرب أو تفرد به، حسبما تقتضيه عبارة ابن حبان، والله تعالى أعلم. • وفي "اللسان" (٣/ ٣٢٦): "زكريا بن الحكم عن عمرو بن عمرو العسقلاني، وعنه أحمد بن حماد بن عبد الله الرقي، وأبو عروبة، وجماعة من أهل الجزيرة. قال ابن القطان: مجهول. قلت: وليس بمجهول؛ فقد روى عنه هؤلاء، ووثقه ابن حبان". اهـ.
следующие страницы →