٢ - الاعتراض عليه في إطلاق التجهيل على من لم يَطَّلِعْ على حاله من الرواة مع مناقشة هذا الاعتراض:
• قال الذهبي في "الميزان" (٢١٠٩):
"حفص بن بُغَيْل" عن زائدة وجماعة، وعنه أبو كريب وأَحمد بن بديل، قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف.
"قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإن ابن القطان يتكلم في كل من لم يقل فيه إمام عاصر ذاك الرجل، أو أخذ عمن عاصره، ما يدل على عدالته.
وهذا شيء كثير؛ ففي "الصحيحين" من هذا النمط خلق كثير مستورون؛ ما ضعفهم أحد ولا هم بمجاهيل". اهـ.
قال أبو أنس:
لكن إخراج مثل هؤلاء في "الصحيحين" له مزية على غيرهم كما هو معلوم، فلا يقاس عليهم، وانتظر جواب ابن حجر على الترجمة الآتية.
• وفيه (٧٠١٥):
"مالك بن الخير الزيادي مصري محله الصدق، يروي عن أبي قبيل عن عبادة مرفوعًا: "ليس منا من لم يبجل كبيرنا".
روى عنه حيوة بن شريح، وهو من طبقته، وابن وهب، وزيد بن الحباب، ورشدين.
قال ابن القطان: هو ممن لم تثبت عدالته.
يريد أنه ما نصَّ أحدٌ على أنه ثقة، وفي رواة "الصحيحين" عددٌ كثيرٌ ما عَلِمْنا أن أحدًا نَصَّ على توثيقهم.
والجمهور على أن مَنْ كان من المشايخ قد روى عنه جماعة، ولم يأتِ بما يُنكر عليه أن حديثه صحيح". اهـ.
стр. 982
تعقبه ابن حجر في "اللسان" (٦/ ٨٢) بقوله:
"هذا الذي نسبه للجمهور لم يُصَرِّحْ به أحدٌ من أئمة النقد إلا ابن حبان، نعم هو حَقٌّ في حَقِّ مَنْ كان مشهورًا بطلب الحديث، والانتساب إليه، كما قررته في علوم الحديث.
وهذا الرجل قد ذكره ابن حبان في "تاريخ الثقات"، فهو ثقة عنده، وكذا نص الحاكم في "مستدركه" على أنه ثقة.
ثم إن قول الشيخ: إن في رواة "الصحيح" عددًا كثيرًا ... إلى آخره، مما يُنازَعُ فيه، بل ليس كذلك، بل هذا شيء نادر؛ لأن غالبهيم معروفون بالثقة، إلا من خرجًا له في الاستشهاد" اهـ.
• وفيه (٩٩٣٦):
"أبو إدريس السكوني (د) حمصي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: أوصاني خليلي بثلث منها الضحى. رواه عنه صفوان بن عمرو.
قال ابن القطان: حالة مجهولة.
قلت: قد روى عنه غير صفوان، فهو شيخ محله الصدق. وحديثه جيد". اهـ.
تعقب ابنُ حجر الذهبيَّ في "التهذيب" (١٢/ ٦) بقوله:
"قرأت بخط الذهبي: قال ابن القطان: حالة مجهولة. قال الذهبي: قد روى عنه غير صفوان بن عمرو، فهو شيخ محله الصدق.
كذا قال، ولم يسم الراوي الآخر، وقد جزم ابن القطان بأنه ما روى عنه غير صفوان.
وقول الذهبي: أن من روى عنه أكثر من واحد فهو شيخ محله الصدق لا يوافقه عليه من يبتغي على الإسلام مزيدَ العدالة، بل هذه الصفة هي صفة المستورين الذين اختلفت الأئمة في قبول أحاديثهم، والله تعالى أعلم". اهـ.
стр. 983
• وقال ابن حجر في "اللسان" (١/ ٣١٨):
"ن أحمد بن عبيد الله بن الحسن العنبري عن أَبيه، وعنه الحسن بن علي المعمري، وإبراهيم بن حماد، وعلي بن سعيد الرازي، وآخرون.
قال ابن القطان: مجهول.
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، فقال: روى عن ابن عيينة وعنه ابن الباغندي. [قال ابن القطان]: لم تثبت عدالته.
وابن القطان يتبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يطلعون على حاله، وهذا الرجل بصري شهير، وهو ولد عبيد الله القاضي المشهور". اهـ.
• وفي "تهذيب التهذيب" (٩/ ٤٨٧):
"ت محمد بن نجيح أبي معشر بن عبد الرحمن السندي أبو عبد الملك مولى بني هاشم رأى ابن أبي ذئب وروى عن أَبيه والنضر بن منصور الغبري وأبي نوح الأنصاري، روى عنه الترمذي، وروى أيضًا عن يحيى بن موسى البلخي عنه. و ... وأبو حاتم الرازي، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري ... وآخرون.
قال أبو حاتم: محله الصدق. وقال الحسين بن حبان: سألت أَبا زكريا عنه، فقال: قدم المصيصة فسألت حجاجا عنه، فقال: جاءني، فطلب مني كتبًا مما سمعت من أَبيه فأخذها ونسخها وما سمعها مني.
وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو يعلى الموصلي: ثقة.
قلت: ... عَدَّهُ أبو الحسن بن القطان فيمن لا يعرف، وذلك قصور منه، فلا تغتر به.
وقد أكثر مِنْ وَصف جماعةٍ من المشهورين بذلك، وتبعه إلى مثل ذلك: أبو محمد ابن حزم، ولو قالا: لا نعرفه لكان أولي لهما". اهـ.
• وفيه (١٠٤٧٨):
"أبو عمير (د س ق) ابن أنس بن مالك عن عمومة له في ثبوت العيد بعد الزوال وصلاة العيد من الغد.
стр. 984
لا يعرف إلا بهذا، وبحديث آخر، تفرد عنه أبو بشر.
قال ابن القطان: لم تثبت عدالته.
وصحح حديثه ابنُ المنذر، وابن حزم، وغيرهما؛ فذلك توثيق له، فالله أعلم". اهـ.
قال أبو أنس:
تصحيح ابن المنذر وابن حزم وغيرهم -على جلالتهم- للحديث، لا يستلزم توثيقَ كُلِّ راوٍ فيه، فربما يُصَحَّحُ الحديثُ لاعتباراتٍ أخرى سوى توثيق رواته توثيقا اصطلاحيا، فالأمر يحتاج إلى اشتراطٍ من المُصَحِّحِ بذلك، حينئذٍ يقال: الأصل أنه ثقة عنده.
فلو سلمنا بصحة دلالة تصحيحهما على ثقته عندهما، فهل هما من أئمة الجرح والتعديل الذين يثبت بتوثيقهما لأحد التابعين ما يدفع توقف ابن القطان في إثبات العدالة له؟ والأصل معه؛ فإنه لم يأت عن أئمة هذا الشأن لا تصريحًا ولا تضمينا ما يثبت له الثقة بمعناها الاصطلاحي. والله تعالى أعلم.
• وفيه (١٠٤٩٤):
"أبو عيسى الخراساني (د) عن الضحاك مرسلًا: نهى أن يخرج يوم العيد بسلاح.
قال ابن القطان: لا يعرف حالة.
قلت: ذا ثقة؛ روى عنه حيوة بن شريح، وسعيد بن أبي أَيوب، وابن لهيعة، وجماعة، سكن مصر، ووثقه ابن حبان". اهـ.
قال أبو أنس:
انظر ما مرَّ من جواب ابن حجر على ترجمة: مالك بن الخير، وذِكْرُ ابنِ حبان للرجل من هذه الطبقات في ثقاته لا يُركن إليه، راجع ترجمة ابن حبان من هذا الكتاب.
стр. 985
• وفي الميزان: (٢٨٦٨):
"زفر بن وثيمة (د) ابن مالك بن أوس بن الحدثان النصري من الشاميين عن حكيم بن حزام في النهي عن الشِّعْر والحدود في المسجد.
ضعفه عبد الحق - أعني الحديث.
وقال ابن القطان: علته الجهل بحال زفر، تفرد عنه محمد بن عبد الله الشعيثي.
قلت؛ قد وثقه ابن معين، ودحيم". اهـ.
• وفي "اللسان" (٣/ ٢٥٩):
"داود بن حماد بن فرافصة البلخي كان بنيسابور عن ابن عيينة، ووكيع، وإبراهيم ابن الأشعث، وجرير.
وعنه: أبو زرعة، وأَحمد بن سلمة النيسابوري، والحسن بن سفيان، وغيرهم.
قال ابن القطان: حالة مجهول.
قلت: بل هو ثقة؛ فمن عادة أبي زرعة أن لا يحدث إلا عن ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: كان ضابطًا، صاحب حديث، يغرب". اهـ.
قال أبو أنس:
فمثل هذا -مع ثقته- يُحتاط فيما أغرب أو تفرد به، حسبما تقتضيه عبارة ابن حبان، والله تعالى أعلم.
• وفي "اللسان" (٣/ ٣٢٦):
"زكريا بن الحكم عن عمرو بن عمرو العسقلاني، وعنه أحمد بن حماد بن عبد الله الرقي، وأبو عروبة، وجماعة من أهل الجزيرة.
قال ابن القطان: مجهول.
قلت: وليس بمجهول؛ فقد روى عنه هؤلاء، ووثقه ابن حبان". اهـ.
стр. 986
قال أبو أنس:
نعم، هو مستور على رأي ابن حجر نفسه، كما شرحه في ترجمة مالك بن الخير الزيادي التي مرت، وانظر الترجمة الآتية.
• وفي "الميزان" (٥٠٣٥):
"عبد الرحيم بن كردم بن أرطبان عن الزهري، روى عنه جماعة، سماهم ابن أبي حاتم، مجهول.
قلت: من الرواة عنه: العقدي، ومعلى بن أسد، وإبراهيم بن الحجاج السامي، فهذا شيخ ليس بواهٍ، ولا هو بمجهول الحال، ولا هو بالثبت، ويكنى أَبا مرحوم.
قال البزار في "مسنده": حدثنا محمد بن معمر ثنا أبو عامر ثنا أبو مرحوم الأرطباني ثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : "الغيرة من الإيمان والبذاء من النفاق".
قال البزار: لا نعلمه يُروى عن أبي سعيد عن النبي ﷺ إلا بهذا اللفظ، تفرد به أبو مرحوم، هو ابن عم عبد الله بن عون بن أرطبان الإمام.
قال أبو الحسن بن القطان: قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: مجهول.
ثم قال أبو الحسن: فانظر كيف عرفه برواية جماعة عنه، ثم قال فيه: مجهول. وهذا منه صواب". اهـ.
زاد ابن حجر في "اللسان" (٥/ ١٠):
"يعني مجهول الحال، قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطىء. وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع على حديثه. وأخرج له الحاكم في "المستدرك"". اهـ.
стр. 987
• وفي "اللسان" (٧/ ٧٣):
"مرداس بن محمد بن الحارث بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى الأَشعري عن محمد بن أَبان عن أَيوب بن عائذ بحديث في الوضوء عند الدارقطني، وعنه محمد بن عبد الله الزهري.
قال ابن القطان: لا يعرف البتة.
قلت: هو مشهور بكنيته أبو بلال من أهل الكوفة يروي عن قيس بن الربيع والكوفيين روى عنه أهل العراق.
قال ابن حبان في "الثقات": يغرب ويتفرد.
ولينه الحاكم أيضًا.
وقول ابن القطان: لا يعرف البتة وهم في ذلك؛ فإنه معروف". اهـ.
• وفيه (٨/ ١٣٥):
"أبو الوليد بن برد الأَنطاكي.
قال ابن القطان: لا يعرف. انتهى.
وقد ذكره النسائي في "الكني" وقال: صالح". اهـ.
• وفي "تهذيب التهذيب" أيضًا (٨/ ٢٢٦):
"د س عيسى بن أبي عيسى واسمه هلال بن يحيى السليحي الطائي الحمصي المعروف بابن البراد، وسليح بطن من قضاعة.
روى عن ... روى عنه: أبو داود، والنسائي، ويعقوب بن سفيان، وإبراهيم بن يوسف الهسنجاني، وإسحاق بن إبراهيم المنجنيقي، والحسين بن إدريس الهروي ... وأبو بكر بن أبي داود وآخرون.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب.
стр. 988
قلت: ... وعده ابن القطان فيمن لا يُعرف حالة، فما أصاب، فقد ذكره النسائي في أسماء شيوخه، وقال: لا بأس به". اهـ.
• وفي "تهذيب التهذيب" (٤/ ١٩):
"د ت سعيد بن حيان التيمي، من تيم الرباب الكوفي، روى عن علي وأبي هريرة والحارث بن سويد وشريح القاضي ومريم بنت طارق وغيرهم وعنه ابنه أبو حيان التيمي.
ذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وجعل الحارث بن سويد راويًا عنه عكس ما هنا.
وقال العجلي: كوفي ثقة، ولم يقف ابن القطان على توثيق العجلي، فزعم أنه مجهول". اهـ.
قال أبو أنس:
توثيق العجلي قريب من ابن حبان في التساهل، فلا يُعَوَّلُ على ما انفردا بتوثيقه. والله تعالى أعلم.
• ومثله قوله في "التلخيص الحبير" (١/ ١٥٤):
"ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول". اهـ.
• وفي "تهذيب التهذيب" (١٠/ ١١٦):
"س مسعود بن جويرية بن داود المخزومي الموصلي أبو سعيد روى عن المعافى بن عمران، وهشيم، وعفيف بن سالم، وابن عيينة، ووكيع، وغيرهم. وعنه النسائي، وجعفر بن محمد البلدي، وعلي بن الهيثم الفزاري، وأَحمد بن العباس البغدادي ... وغيرهم.
стр. 989
قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال أبو زكريا الأزدي في "تاريخ الموصل": كان نبيلا من الرحالة توفي سنة ثمان وأربعن ومائتين.
قلت: تتمة كلام ابن حبان: مستقيم الحديث. وقال مسلمة بن قاسم: لا بأس به. وغفل ابن القطان فقال: لا يعرف". اهـ.
• وفي "مقدمة الفتح" (٤٠٨):
"خ س ق إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي المدني.
قال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حالة.
قلت: وروى عنه جماعة، ووثقه ابن حبان. وله في "الصحيح" حديث واحد في كتاب الأطعمة في دعائه ﷺ في تمر جابر بالبركة حتى أوفى دينه، وهو حديث مشهور، له طرق كثيرة عن جابر، وروى له النسائي وابن ماجه". اهـ.
قاله أبو أنس:
نعم، هو مستور، انتقى له البخاري حديثا دلت القرائن على أنه حفظه، فاكتسب قوة بإخراج البخاري له.
• وفي "ذيل ميزان الاعتدال" للعراقي (٦١٤):
"عميرة بن أبي ناجية، واسم أبي ناجية: حريث أبو يحيى الرعيني المصري مولى حجر بن رعين.
روى عن أَبيه، وعن بكر بن سوادة، ويزيد بن أبي حبيب في آخرين.
روى عنه الليث بن سعد، وابن وهب وآخرون.
له عند النسائي عن الليث قال: حدثني عميرة بن أبي ناجية وغيره عن بكر بن سوادة عن عطاء بن يسار، مرسلًا: أن رجلين خرجًا في سفر ... فذكر الحديث في صلاتهما بالتيمم، ثم وجدا الماء في الوقت. الحديث.
стр. 990
قال ابن القطان: إنه مجهول الحال.
وكأنه لم يمعن الكشف عنه؛ وإلا فقد قال النسائي في "التمييز": إنه ثقة. وكذا قال يحيى بن بكير: إنه ثقة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وقال: توفي سنة إحدى وخمسين ومائة. وقال ابن يونس: سنة ثلاث وخمسن ومائة، وكانت له عبادة وفضل". اهـ.
• وفيه أيضًا (٦٥٨):
"محمد بن عبد الملك بن زنجويه أبو بكر البغدادي الغزال، صاحب أحمد بن حنبل، روى عن يزيد بن هارون، وعبد الرزاق، وغيرهما روى عنه أصحاب "السنن"، وغيرهم.
قال ابن القطان: وهو مجهول الحال، لم أجد له ذكرًا.
قلت: هذا عجيب من أبي الحسن، وهو كثير النقل من كتاب ابن أبي حاتم، وقد ذكره ابن أبي حاتم في كتابه، فقال: روى عن عبد الرزاق، والحسن بن موسى الأشيب، وجعفر بن عون، ويزيد بن هارون، والفريابي، وعصام بن خالد، وأسد ابن موسى، وطلق بن السمح.
سمع منه أبي، وسمعت منه وهو صدوق.
قلت: ووثقه النسائي أيضًا، وروى عنه جماعة من الأئمة، منهم: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وإبراهيم الحربي، وإسماعيل القاضي، وعبد الله ابن أحمد، وأبو يعلى الموصلي، وابن صاعد، وآخرون.
فَمَنْ هذه ترجمته، كيف تكون حالة مجهولة؟
ولكن الذي أوقع أَبا الحسن في ذلك كون ابن أبي حاتم لم يصفه بأنه الغزال، ونسبه إلى جده، ثم إن صاحب "الكمال" ترجمه ترجمتين؛ مرة نسبه إلى جده، ومرة ذكره من غير ذكر جده، ووصفه بأنه الغزال، وهو وهم. وقد ذكره على الصواب: ابنُ عساكر في أسماء "شيوخ النبل"، فنسبه إلى جده، ووصفه بأنه الغزال، ونقل توثيق النسائي له، وتبعه على ذلك: المزي في "تهذيبه"، والذهبي في مختصره". اهـ.
стр. 991
• وفي حاشية ابن القيم على "سنن أبي داود" (١/ ١٠٧):
"قال الشيخ شمس الدين بن القيم -في حديث أنس في تخليل اللحية-: قال أبو محمد بن حزم: لا يصح حديث أنس هذا؛ لأنه من طريق الوليد بن زوران (١)، وهو مجهول، وكذلك أعله ابن القطان بأن الوليد هذا مجهول الحال، وفي هذا التعليل نظر؛ فإن الوليد هذا روى عنه جعفر بن برقان، وحجاج بن منهال، وأبو المليح الحسن بن عمر الرقي، وغيرهم، ولم يُعلم فيه جرح". اهـ.
قاله أبو أنس:
قد روى عنه غير واحد، ولم يُجرح، لكنه لم يُوثق توثيقا معتبرا، إنما ذكره ابن حبان في "الثقات" -على شرطه المعروف- ولذا قال الذهبي في "الميزان" (٩٣٦٦): "ماذا بحجة، مع أن ابن حبان وثقه". اهـ.
وقد أخرج أبو داود هذا الحديث في "سننه" (١٤٥) ونقل الآجري عن أبي داود قوله -لما سأله عنه-: "لا ندري سمع من أنس أم لا؟ ". اهـ.
فهذه علة أخرى.
٣ - عدم معرفة ابن القطان بأئمة كبار:
• في "ذيل الميزان" للعراقي (٤٩٩):
"عبد الله بن محمد بن يوسف شيخ لأبي عمر بن عبد البر، جهله ابن القطان.
قلت: وهو عجب، فهو أبو الوليد الفرضي الحافظ الكبير وليس هو ممن يجهل مثله". اهـ.
стр. 992
• وفيه (٧٦٣):
"أبو أحمد الحاكم، صاحب "الكني".
قال ابن القطان: لا أعرفه، واعترض عليه ابن الوكيل. فقال: قلت: هو محمد بن محمد بن إسحاق الحافظ، ذكره الحاكم في "تاريخ نيسابور"، فقال كان إمام الصنعة ... ". اهـ.
• وفيه (٧٦٧):
"أبو بكر بن أبي عاصم روى عن عبد الجبار بن العلاء أبي بكر العطار روى أبو نعيم عن عبد الله بن محمد بن جعفر عنه.
قال ابن القطان: لا أعرفه.
قلت: أبو بكر بن أبي عاصم إمام ثقة حافظ مصنف لا يجهل مثله". اهـ.
• وفي "اللسان" (١/ ٤٠٣):
"أحمد بن محمد بن إسماعيل بن الفرج عن أَبيه.
قال ابن القطان: لا يعرف.
قلت: هذا رجل من كبار المسندين بمصر، يكنى أبا بكر، وهو مصري، ويعرف بابن المهندس روى عن أبي بشر الدولابي ... وآخرين روى عنه عبد الملك بن عبد الله بن مسكين ... وآخرون. قال أبو سعيد: ثقة متقن، وقال ابن الطحان في" ذيل تاريخ مصر: "ثقة سمعت منه. وتوفي في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وكان مولده سنة خمس وتسعين ومائتين، قاله الماليني. وقال الحبال: ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، فقارب المائة". اهـ.
стр. 993
٤ - الاعتراض عليه في ذهابه إلى أن انفراد الثقات أو اختلافهم لا يضر:
• عند حديث جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أَلقى البحر، أو جزر عنه، فكلوه، وما مات فيه وطفا، فلا تأكلوه".
قال ابن القيم في حاشيته على "سنن أبي داود" (٥/ ٣٢٤):
"قال عبد الحق: هذا الحديث إنما يرويه الثقات من قول جابر، وإنما أُسند من وجه ضعيف من حديث يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر. ومن حديث عبد العزيز بن عبد الله بن حمزة بن صهيب، وهو ضعيف لم يرو عنه إلا إسماعيل بن عياش.
وقال ابن القطان: يحيى بن سليم وثقه ابن معين، وتكلم فيه غيره من أجل حفظه، والناس رووه موقوفا غير يحيى.
وذكر أبو داود هذا الحديث، وقال: رواه الثوري، وحماد عن أبي الزبير، وقفاه على جابر. وقد أُسند من وجهٍ ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر.
قال ابن القطان: فإن كان عبد الحق ضَعَّفَ المرفوعَ لكونه من رواية أبي الزبير، فقد تناقض؛ لتصحيحه الموقوف، وهو عنه، وإن عنى به ضعف يحيى بن سليم، ناقض أيضًا، فكم من حديث صححه من روايته، ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا مَنْ هو دونه؛ وهو إسماعيل بن عياش.
وأما إسماعيل بن أمية فلا يسأل عن مثله.
وهذا تعنت من ابن القطان، والحديث إنما ضُعِّفَ؛ لأن الناس رووه موقوفًا على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم، وهو مع سوء حفظه قد خالف الثقات وانفرد عنهم. ومثل هذا لا يَحتج به أهل الحديث، فهذا هو الذي أراده أبو داود وغيره من تضعيف الحديث.
стр. 994
وأما تصحيحه حديث يحيى بن سليم هذا، فلا إنكار عليه فيه؛ فهذه طريقة أئمة الحديث، العالِمِين بعلله؛ يصححون حديثَ الرجل، ثم يضعفونه بعينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات.
ومن تأمل هذا وتتبعه رأى منه الكثير؛ فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له، أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه ضعيفها في غيره، وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفتين من الناس:
طائفة: تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح، وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديثٍ، قالوا: هذا على شرط الصحيح، وأصحابُ الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه، ورووا له ما تابعه فيه الثقات، ولم يكن معلولا، ويتركون من حديثه المعلولَ، وما شذ فيه وانفرد به عن الناس وخالف فيه الثقات، أو رواه عن غير معروف بالرواية عنه، ولا سيما إذا لم يجدوا حديثه عند أصحابه المختصين به، فإن لهم في هذا نظرًا واعتبارًا اختصوا به عمن لم يشاركهم فيه، فلا يلزم حيث وُجد حديثُ مثل هذا أن يكون صحيحًا، ولهذا كثيرا ما يعلل البخاري ونظراؤه حديثَ الثقة بأنه لا يتابع عليه.
والطائفة الثانية: يرون الرجل قد تُكلم فيه بسبب حديثٍ رواه، وضُعف من أجله، فيجعلون هذا سببًا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته.
وهذا باب قد اشتبه كثيرا على غير النقاد.
والصواب ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر، وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل ظاهر، كإسماعيل بن عياش في غير الشاميين، وسفيان بن حسين في الزهري، ونظائرهما متعددة.
стр. 995
وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدا؛ كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلًا عن أبيه عن أبي هريرة، فإن مسلمًا يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء، وأعرض عن حديثه في الصيام بعد انتصاف شعبان، وهو من روايته على شرطه في الظاهر، ولم هي إخراجه لكلام الناس في هذا الحديث وتفرده وحده به، وهذا أيضًا كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل.
وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه، ويحتج به في "صحيحه"، ولا تناقض منه في ذلك". اهـ.
قال أبو أنس:
هذا كلام أهل الصنعة، وأرباب الفن، الذين ذاقوا طعم هذا العلم من ينابيعه الصافية قبل أن تكدره دلاء أهل الكلام والمنطق والأصول، ومن تأثَّر بهم.
• وفي "الميزان" (١٣٦٨):
"صح ثابت بن عجلان (خ د س ق) شامي، حدث عنه بقية، ومحمد بن حمير.
وثقه ابن معين، وقال أحمد بن حنبل: أنا متوقف فيه. وقال أبو حاتم: صالح.
وذكره ابن عدي، وساق له ثلاثة أحاديث غريبة. وذكره العقيلي في كتاب "الضعفاء". وقال: لا يتابع في حديثه.
فمما أنكر عليه: حديث عتاب بن بشير عنه، عن عطاء، عن أم سلمة، قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، أكنز هو؟ قال: "ما بلغ أن تؤدي زكاته فَزُكِّيَ فليس بكنز".
قال الحافظ عبد الحق: ثابت لا يحتج به.
فناقشه على قوله أبو الحسن بن القطان، وقال: قول العقيلي أيضًا فيه تحامل عليه، وقال: إنما يُمس بهذا من لا يُعرف بالثقة مطلقًا، أما من عرف بها فانفراده لا يضر، إلا أن يكثر ذلك منه.
стр. 996
قلت: أما من عرف بالثقة، فنعم، وأما من وثق، ومثل أحمد الإمام يتوقف فيه، ومثل أبي حاتم يقول: صالح الحديث فلا نرقيه إلى رتبة الثقة، فتفرد هذا يعد منكرا، فرجح قول العقيلي وعبد الحق.
وهذا شيخ حمصي ليس بالمكثر، رأى أنسًا وسمع من مجاهد وعطاء وجماعة، ووقع إلى باب الأبواب غافلًا.
قال دحيم: ليس به بأس. وقال النسائي: ثقة. وسئل عنه أحمد بن حنبل مرة: أكان ثقة؟ فسكت". اهـ.
قال أبو أنس:
لكن وافق ابنُ حجر ابنَ القطان على قوله في مقدمة "الفتح" (ص ٤١٣) فقال: "هو كما قال، له في البخاري حديث واحد في الذبائح، وآخر في التاريخ". اهـ.
قلت:
هما حديث واحد، رواه محمد بن حمير عنه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بعنز ميتة، فقال: "ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها". قال ابن حجر في ترجمة محمد بن حمير من مقدمة "الفتح" (ص ٤٦٠): "له أصل من حديث ابن عباس عنده -يعني البخاري- في الطهارة".
والحق مع الذهبي؛ فإذا كان الأئمة يتوقفون في تفردات بعض الحفاظ، أفلا يردون تفرد مثل هذا؟ لكنه مذهب عُرف عن ابن القطان في قبول ما جاء به الثقة مهما كان، وهو مذهب مردود، ولتفصيل الجواب عن هذه القضية موضع آخر. والله الموفق.
• وفي "فتح الباري" لابن حجر (١/ ٦٩٦):
"باب إثم الإشارة بين يدي المصلي: أورد فيه البخاري حديث بسر بن سعيد أن
стр. 997
زيد بن خالد -أي الجهني الصحابي- أرسله إلى أبي جهيم، أي ابن الحارث بن الصمة الأنصاري الصحابي.
هكذا روى مالك هذا الحديث في "الموطأ"، لم يُختلف عليه فيه أن المرسِل هو زيد، وأن المرسَل إليه هو أبو جهيم.
وتابعه سفيان الثوري عن أبي النضر عند مسلم وابن ماجه وغيرهما.
وخالفهما ابن عيينة عن أبي النضر، فقال: عن بسر بن سعيد، قال: أرسلني أبو جهيم إلى زيد بن خالد أسأله، فذكر هذا الحديث.
قال ابن عبد البر: هكذا رواه ابن عيينة مقلوبا، أخرجه ابن أبي خيثمة عن أَبيه عن ابن عيينة، ثم قال ابن أبي خيثمة: سُئل عنه يحيى بن معين فقال: هو خطأ؟ إنما هو: أرسلني زيد إلى أبي جهيم، كما قال مالك.
وتعقب ذلك ابن القطان فقال: ليس خطأ ابن عيينة فيه بمتعين؛ لاحتمال أن يكون أبو جهيم بعث بسرا إلى زيد، وبعثه زيد إلى أبي جهيم يستثبت كل واحد منهما ما عند الآخر.
قلت: تعليل الأئمة للأحاديث مبني على غلبة الظن، فإذا قالوا: أخطأ فلان في كذا لم يتعين خطؤه في نفس الأمر، بل هو راجح الاحتمال فيعتمد، ولولا ذلك لما اشترطوا انتفاء الشاذ، وهو ما يخالف الثقة فيه من هو أرجح منه في حد الصحيح". اهـ.
قال أبو أنس:
ما أبرد هذا الكلام على الصدر، لا سيما حينما يخرج من مثل الحافظ ابن حجر، فهو يبعث روح الطمأنينة في قلوب سالكي هذا الدرب، ويزرع الأمل في عودة ما غاب من الفهم السليم لقواعد هذا الفن وأصوله. والله الهادي إلى الصواب، وإليه المرجع والمآب.
стр. 998
٥ - الاعتراض على ابن القطان في إيطاله لكثير من تعليلات النقاد بأنواع من التجويزات والاحتمالات العقلية:
• قال ابن القيم عند تعليقه على حديث أنس في "تخليل اللحية" في حاشيته على "سنن" أبي داود (١/ ١٠٧):
"وقد روى هذا الحديث محمد بن يحيى الذهلي في كتاب "علل" حديث الزهري فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن خالد الصفار من أصله -وكان صدوقًا- حدثنا محمد بن حرب، حدثنا الزبيدي، عن الزهري، عن أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ توضأ فأدخل أصابعه تحت لحيته فخللها بأصابعه، ثم قال: "هكذا أمرني ربي ". وهذا إسناد صحيح.
... قلت: وتصحيح ابن القطان لحديث أنس من طريق الذهلي فيه نظر؛ فإن الذهلي أعله، فقال في "الزهريات": وحدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي أنه بلغه عن أنس بن مالك ... فذكره.
قال الذهلي: هذا هو المحفوظ.
قال ابن القطان: وهذا لا يضره؛ فإنه ليس مَنْ لم يحفظ حجةً على من حفظ، والصفار قد عَيَّن شيخ الزبيدي فيه، وبَيَّن أنه الزهري حتَّى لو قلنا: إن محمد بن حرب حدث به تارة، فقال فيه: عن الزبيدي بلغني عن أنس لم يضره ذلك، فقد يراجع كتابه فيعرف منه أن الذي حدث به الزهري فيحدث به عنه فأخذه عن الصفار هكذا.
وهذه التجويزات لا يَلتفت إليها أئمة الحديث وأطباء علله، ويعلمون أن الحديث معلول بإرسال الزبيدي له، ولهم ذوق لا يحول بينه وبينهم فيه التجويزات والاحتمالات". اهـ.
قال أبو أنس:
هذه أخطر وأشنع الآفات التي أصابت منهج ابن القطان في مقتل، فهو لا يرى
стр. 999
الاختلاف في الرواية: وصلًا وإرسالًا، أو رفعًا ووقفًا، أو زيادة ونقصًا: سببًا في التعليل، طالما أن رواةَ الكُلِّ ثقاتٌ، فكأنَّ الثقةَ عنده لا يخطىء، وفي هذا إهدارٌ لميراثٍ عظيم من تعليلات النقاد، وهَلْ عملُ النُّقَّادِ إلا على أحاديث الثقات؟!
أما غيرهم، فقد كفى ضعفُهم مئونةَ التفتيشِ عن أخطائهم، ولبسط هذا المبحث موضع آخر. والله تعالى الموفق.
٦ - الاعتراض عليه في رده مراسيل الصحابة:
• قال ابن القيم في حاشيته على "سنن أبي داود" (٢/ ٧١) تعليقًا على حديث أبي بكرة في باب: من قال يصلي بكل طائفة ركعتين:
"حديث أبي بكرة هذا رواه الدارقطني عنه ... قال ابن القطان: وعندي أنه غير متصل؛ فإن أبا بكرة لم يصل معه صلاة الخوف؛ لأنه بلا ريب أسلم في حصار الطائف، فتدلى ببكرة من الحصن، فسمي أبا بكرة، وهذا كان بعد فراغه ﷺ من هوازن، ثم لم يلق ﷺ كيدا إلى أن قبضه الله.
وهذا الذي قاله لا ريب فيه، لكن مثل هذا ليس بعلة ولا انقطاع عند جميع أئمة الحديث والفقه؛ فإن أبا بكرة وإن لم يشهد القصة، فإنه سمعها من صحابي غيره، وقد اتفقت الأمة على قبول رواية ابن عباس ونظرائه من الصحابة، مع أن عامتها مرسلة عن النبي ﷺ ، ولم ينازع في ذلك اثنان من السلف وأهل الحديث والفقهاء، فالتعليل على هذا باطل والله أعلم". اهـ.
• وقال ابن حجر في "التلخيص" (٢/ ٧٥):
"وأعله ابن القطان بأن أبا بكرة أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة، وهذه ليست بعلة؛ فإنه يكون مرسل صحابي". اهـ.
стр. 1000
تعليق مجمل على ما سبق
قال أبو أنس:
بعد عرض ما سبق انتقاؤه من مناقشات الحفاظ لابن القطان يتضح أن ابن القطان -كما قالوا- شديد الذكاء والفطنة، دءوبا في البحث والمناظرة، إلا أنه -بجرأته في الاستقلال بالنقد- كثيرُ المخالفة لقواعد أهل الفن، وما اشتهر واستقر من أصولهم في ذلك، مما دفع غير واحد من الحفاظ بعده إلى الإقذاع في الرد عليه، وكشف شذوذه وحيدته عن المنهج السديد.
أما عبد الحق الإشبيلي، فقد كان -على الرغم مما أُخذ عليه- أقربَ إلى منابع هذا الفن من ابن القطان، وكان ألزمَ لكلام أهل النقد في تحقيقاتهم وتحريراتهم، وكان أكثر ما أخذ عليه إنما هو في اجتهاده في تطبيق قواعدهم، لا في مخالفتهم فيها كابن القطان.
ولا شك أن اللصوق بأهل الفن في أصولهم هو أحرى بالنجاة في هذا الباب، والله تعالى الموفق إلى وجه الصواب.
* * *
стр. 1001
الضياء المقدسي صاحب "المختارة "
(ت ٦٤٣ هـ)
стр. 1002
يتعلق به هنا أمران:
الأول: قول المعلمي في تصحيحٍ للضياء.
الثاني: ما زدتُّه من:
بعض الفوائد والنكات المتعلقة لإخراج الضياء المقدسي للحديث في كتابه "المختارة" وتصحيحه له بناء على ذلك.
١ - مدح كتابه لا سيما عند مقارنته بـ"مستدرك الحاكم".
٢ - تصحيحه ما لم يُسبق إليه.
٣ - بعض ما انتقده الحفاظ عليه في "المختارة".
تعليق المؤلف على هذه الانتقادات.
* * *
стр. 1003
الأمر الأول
قول المعلمي في تصحيحٍ للضياء
• في "الفوائد" (ص ١٧٩) حديثٌ في فضل التمر البرني، له طرق واهية، منها ما في إسناده: عقبة بن عبد الله الأصم. قال ابن حبان: "عقبة بن عبد الله الأصم ينفرد بالمناكير عن المشاهير".
قال السيوطي: "روى له الترمذي. وقد أخرجه البخاري في "التاريخ" والبيهقي في "الشعب". وصححه المقدسي ... ".
فقال الشيخ المعلمي:
" ... وتصحيح المقدسي لرواية عقبة الأصم مع ضعفه وتدليسه وتفرده وإنكار المتن مردود عليه". اهـ.
* * *
стр. 1004
الأمر الثاني
ما زدتُّه من بعض الفوائد والنكات المتعلقة بإخراج الضياء المقدسي للحديث في كتابه "المختارة" وتصحيحه له بناء على ذلك
١ - مدح كتابه لا سيما عند مقارنته بـ "مستدرك الحاكم ":
• ذكر ابن تيمية في غير موضع من كتبه أن "المختارة" أصح من صحيح الحاكم. كما في "مجموع الفتاوى" (٣/ ٤٣) على سبيل المثال.
وزاد في التأكيد على ذلك في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٣٢٢) عند الكلام على حديث "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يبلغني أينما كنتم".
فقال: "رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي الحافظ فيما اختاره من الأحاديث الجياد الزائدة على "الصحيحين"، وشرطه فيه أحسن من شرط الحاكم في "صحيحه".
• وزاد في "الفتاوى الكبرى" (١/ ٩٨):
"ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم ما قد ثبت في "الصحيح" خلافه؛ فإن أهل العلم متفقون على أن الحاكم فيه من التساهل والتسامح في باب التصحيح، حتى إن تصحيحه دون تصحيح الترمذي والدارقطني وأمثالهما بلا نزاع، فكيف بتصحيح البخاري ومسلم، بل تصحيحه دون تصحيح أبي بكر بن خزيمة وأبي حاتم بن حبان البستي وأمثالهما، بل تصحيح الحافظ أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في "مختارته" خير من تصحيح الحاكم، فكتابه في هذا الباب خير من كتاب الحاكم بلا ريب عند من يعرف الحديث". اهـ.
стр. 1005
• وفي "الرسالة المستطرفة" (ص ٢٤):
"وذكر ابن تيمية والزركشي وغيرهما أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وفي "اللآلىء" ذكر الزركشي في تخريج الرافعي أن تصحيحه أعلى مزية من تصحيح الحاكم، وأنه قريب من تصحيح الترمذي وابن حبان. اهـ.
وذكر ابن عبد الهادي في "الصارم المنكي" نحوه، وزاد: "فإن الغلط فيه قليل، ليس هو مثل صحيح الحاكم؛ فإن فيه أحاديث كثيرة يظهر أنها كذب موضوعة؛ فلهذا انحطت درجته عن درجة غيره". اهـ.
• وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" (١٣/ ١٩٨):
"فيه علوم حسنة حديثية، وهي أجود من "مستدرك" الحاكم لو كمل". اهـ.
٢ - تصحيحه ما لم يُسبق إليه:
• قال العراقي في "التقييد والإيضاح":
"وممن صَحَّحَ أيضًا من المعاصرين له - يعني لابن الصلاح:
الحافظ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي، جمع كتابًا سماه "المختارة"، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يُسبق إلى تصحيحها فيما أعلم".
• وقال الكتاني في "الرسالة المستطرفة" (ص ٢٤):
"وكتاب "الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما" لضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي المقدسي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي الحافظ الثقة الجبل الزاهد الورع المتوفى سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
وهو مرتب على المسانيد على حروف المعجم، لا على الأبواب في ستة وثمانين جزءًا، ولم يكمل، التزم فيه الصحة، وذكر فيه أحاديث لم يُسبق إلى تصحيحها، وقد سلم له فيه، إلا أحاديث يسيرة جدًّا، تُعقبت عليه ... ". اهـ.
стр. 1006
٣ - بعض ما انتقده الحفاظ عليه في "المختارة ":
١ - في "الميزان" (٤٥٢٠):
"عبد الله بن كثير بن جعفر (ق) عن أَبيه، عن جده، عن بلال، مرفوعًا: رمضان بالمدينة خير من ألف رمضان فيما سواها، والجمعة كذلك".
لا يُدرى من ذا، وهذا باطل، والإسناد مظلم، تفرد به عنه عبد الله بن أيوب المخزومي.
لم يحسن ضياء الدين بإخراجه في "المختارة".
وقيل: هو عبد الله بن كثير بن جعفر بن أبي كثير، الراوي عن كثير بن عبد الله بن عوف المزني، فلعله سقط اسم شيخه: كثير، وبقي: عن أَبيه". اهـ.
٢ - وفي "تهذيب التهذيب" لابن حجر (١٢/ ٦٢):
" (خت: أبو الجودي) عن أبي الصديق الناجي، وعنه شعبة كذا وقع في "المختارة" للضياء، من طريق أبي زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، عن عبد الصمد، عن شعبة.
وقد أخرجه النسائي والدارقطني وغيرهما من طرق عن شعبة، عن زيد العمي، عن أبي الصديق.
فإن كان زيد يكنى أبا الجودي، فلا اختلاف، وإلا فهي رواية شاذة.
وقد جاز ذلك على الضياء، وزيد ضعيف". اهـ.
٣ - وفي "الإصابة" (٣/ ١٧١):
"سهل بن مالك بن أبي كعب بن القين الأنصاري أخو كعب بن مالك الشاعر المشهور.
قال ابن حبان: له صحبة. روى سيف بن عمر في أوائل "الفتوح" عن أبي همام سهل بن يوسف بن مالك، عن أَبيه، عن جده، قال: لما قدم رسول الله ﷺ من حجة الوداع صعد المنبر، فقال: يَا أيها الناس إن أبا بكر لم يسؤني قط ... الحديث.
стр. 1007
وأخرجه ابن شاهين وأبو نعيم من طريق سهل بطوله. وأخرجه ابن منده من طريق خالد بن عمرو الأموي عن سهل به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قلت: خالد بن عمرو متروك واهي الحديث. وروى أبو عوانة والطحاوي من طريق مالك، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن عمه، "أن النبي ﷺ ينهى الذين قتلوا ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والصبيان".
فإن كان محفوظا، احتمل أن يكون اسم عمه سهلا، لكن أخرجه أبو عوانة والطحاوي من وجهين آخرين عن الزهري عن عبد الرحمن عن أبيه.
وزعم الدمياطي أن جدَّ سهل بن يوسف هو سهل بن قيس بن أبي كعب الماضي وهو ابن عم هذا.
ويرده ما رويناه في "فوائد" الأبنوسي من طريق محمد بن عمر المقدمي، عن علي بن يوسف بن محمد بن سفيان، عن قنان بن أبي أيوب، عن خالد بن عمرو، عن سهل بن يوسف بن سهل بن مالك ابن أخي كعب بن مالك، عن أبيه، عن جده، فذكر الحديث، وكذا زعم ابن عبد البر أنه سهل بن مالك بن عبيد بن قيس الأنصاري، ذكره أبو عمر، ثم قال: ويقال: سهل بن عبيد بن قيس، ولا يصح واحد منهما. قال: ويقال: إنه حجازي سكن المدينة.
ومدار حديثه على خالد بن عمرو، وهو متروك، وفي إسناد حديثه مجهولون ضعفاء، يدور على سهل بن يوسف بن سهل بن مالك، أو مالك بن يوسف بن سهل بن عبيد. وهو حديث منكر موضوع انتهى.
ووقع للطبراني فيه وهم؛ فإنه أخرجه من طريق المقدمي، عن علي بن يوسف بن محمد، عن سهل بن يوسف.
واغتر الضياء المقدسي بهذه الطريق، فأخرج الحديث في "المختارة"، وهو وهم؛ لأنه سقط من الإسناد رجلان. فإن علي بن محمد بن يوسف إنما سمعه من قنان بن أبي أيوب عن خالد بن عمرو عن سهل.
стр. 1008
وقد جزم الدارقطني في "الأفراد" بأن خالد بن عمرو تفرد به عن سهل، لكن طريق سيف بن عمر ترد عليه، وقد خبط فيه أيضًا ابن قانع؛ فجعله من مسند سهل ابن حنيف". اهـ.
٤ - وفي "الإصابة" أيضًا (٣/ ٤١٥):
"طارق بن علقمة بن أبي رافع والد عبد الرحمن، قال البغوي: سكن الكوفة. وقال ابن منده: له ذكر في حديث أبي إسحاق.
وله حديث مرفوع مختلف فيه، فروى الطبراني وابن شاهين من طريق عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عبيد الله بن أبي يزيد، عن عبد الرحمن بن طارق بن علقمة، أخبره عن أبيه" أن النبي ﷺ كان إذا حاذى مكانا عند دار يعلى بن أمية، استقبل البيت ودعا".
وهذا وهم ممن دون عمرو بن علي، فقد أخرجه النسائي عنه، فقال: عن أمه. ولم يقل: عن أَبيه. وكذا أخرجه البخاري في "تاريخه" عن أبي عاصم. وكذا أخرجه البغوي والطبري من طريق أبي عاصم. وكذا أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج، وتابعه هشام بن يوسف، وهو عند أبي داود.
واغتر الضياء المقدسي بنظافة السند، فأخرجه من طريق الطبراني في "المختارة"، وهو غلط، فقد أخرجه البغوي وابن السكن وابن قانع من طريق روح بن عبادة عن ابن جريج، كالأول، وأن البرساني رواه عن ابن جريج، فقال: عن عمه.
فهذا اضطراب يُعَلُّ به الحديث، لكن يقوي أنه "عن أمه"، لا "عن أَبيه"، ولا "عن عمه" أن في آخر الحديث عند أبي نعيم: "فنخرج معه يدعو ونحن مسلمات". وحكى البغوي أنه قيل: إن رواية روح أصح". اهـ.
стр. 1009
٥ - وفيه (٤/ ٦٠٦):
"عمير غير منسوب روى عنه ولده أبو بكر.
قال البخاري: له صحبة. ولم يسم البخاري أباه، ولا أبو حاتم، ولا ابن شاهين، ولا الطبراني، ولا من بعدهم.
ولم أجده منسوبا عند أحد منهم، وذكره ابن أبي حاتم فيمن لا يعرف اسم والده. وقد قيل فيه: عمير بن سعد. كما سأذكره في الميم من القسم الرابع في محمود بن عمير.
وروى البغوي وابن أبي خيثمة وابن السكن والطبراني وغيرهم من طريق قتادة، عن أبي بكر بن أبي أنس، عن أبي بكر بن عمير، عن أبيه، أن النبي ﷺ قال: "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي ثلاثمائة ألف الجنة بغير حساب. فقال عمير: يا رسول الله زدنا. فقال هكذا بيده. فقال عمير: يا رسول الله زدنا. فقال عمر: حسبك يا عمير. فقال عمير: ما لنا ومالك يا ابن الخطاب، وما عليك أن يدخلنا كلنا الجنة، فقال عمر ﵁: إن الله إن شاء أدخل الناس الجنة بحفنة واحدة. فقال نبي الله ﷺ : صدق عمر".
قال ابن السكن: تفرد به معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة وكان معاذ ربما ذكر أبا بكر بن أنس في الإسناد، وربما لم يذكره.
وقال البغوي: بلغني أن معاذ بن هشام كان في أول أمره لا يذكر أبا بكر بن أنس في الإسناد، وفي آخر أمره كان يزيده في السند. وقد خالف معاذًا في سنده: معمر. فقال: عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس. أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه"، وأبو يعلى من طريقه، وكذلك وقع لي بعلو في جزء البعث لابن أبي داود. قال: حدثنا سليمان بن معبد حدثنا عبد الرزاق بسنده هذا، ولفظه عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة أربعمائة ألف. فقال
стр. 1010
أبو بكر: زدنا يا رسول الله. فقال: كذا وكذا. قال: زدنا يا رسول الله. قال وهكذا قال: زدنا يا رسول الله. فقال عمر: دعنا يا أبا بكر. أو قال: حسبك يا أبا بكر. فقال أبو بكر: ما عليك أن يدخلنا الله كلنا الجنة. فقال عمر: يا أبا بكر إن الله إن شاء أن يدخل خلقه الجنة بكف واحدة فعل. فقال النبي ﷺ : صدق عمر".
أخرجه الضياء في "الأحاديث المختارة"، وصححه الحاكم من طريق أبي بكر بن عمير عن أبيه، ولكن أبو بكر لا أعرف من وثقه". اهـ.
٦ - وفيه (٢/ ٨٩):
"حصين بن مشمت -بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الميم بعدها مثناة- ابن شداد بن زهير. قال ابن حبان وغيره: له صحبة. وروى البخاري في "تاريخه" وابن أبي عاصم والحسن بن سفيان وابن شاهين والطبراني من طريق محرز بن ورد بن عمران بن شعيث -بالمثلث- ابن عاصم بن حصين بن مشمت، حدثني أبي، أن أباه حدثه، أن أباه شعيثا حدثه، أن أباه عاصمًا حدثه، أن أباه حصينا حدثه، أنه وفد إلى رسول الله ﷺ فبايعه بيعة الإسلام، وصدق إليه صدقة ماله، وأقطعه النبي ﷺ وشرط عليه ألا يمنع ماءه، ولا يمنع فضله، وفي ذلك يقول زهير بن حصن:
إن بلادي لم تكن أملاسا ... بهن خط القلم الأنقاسا
من النبي حيث أعطى الناسا
وأكثر رواته غير معروفين، لكن قد صححه ابن خزيمة. وأخرجه الضياء في "المختارة"". اهـ.
٧ - وذكر ابن حجر في "الفتح" (٩/ ٥٠٩):
ما ورد أن النبي ﷺ عق عن نفسه بعد النبوة، فقال:
стр. 1011
" ... وأخرجه أبو الشيخ من وجهين آخرين ... ثانيهما: من رواية أبي بكر المستملي، عن الهيثم بن جميل وداود بن المحبر، قالا: حدثنا عبد الله بن المثنى، عن ثمامة، عن أنس.
وداود ضعيف، لكن الهيثم ثقة، وعبد الله من رجال البخاري، فالحديث قوي الإسناد.
وقد أخرجه محمد بن عبد الملك بن أيمن، عن إبراهيم بن إسحاق السراج، عن عمرو الناقد. وأخرجه الطبراني في "الأوسط" عن أحمد بن مسعود، كلاهما عن الهيثم بن جميل وحده به، فلولا ما في عبد الله بن المثنى من المقال، لكان هذا الحديث صحيحًا، لكن قد قال ابن معين: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بقوي. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه. وقال الساجي: فيه ضعف، لم يكن من أهل الحديث، روى مناكير. وقال العقيلي: لا يتابع على أكثر حديثه. قال ابن حبان في "الثقات": ربما أخطأ. ووثقه العجلي، والترمذي، وغيرهما. فهذا من الشيوخ الذين إذا انفرد أحدهم بالحديث لم يكن حجة.
وقد مشى الحافظ الضياء على ظاهر الإسناد فأخرج هذا الحديث في "الأحاديث المختارة مما ليس في "الصحيحين"".
ويحتمل أن يقال -إن صح هذا الخبر- كان من خصائصه ﷺ ، كما قالوا في تضحيته عمن لم يضح من أمته". اهـ.
٨ - وفي "لسان الميزان" (٤٤٦٣):
"عباد بن سعيد، بصري مقل، روى عن مبشر، لا شيء انتهى.
وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" في الثالثة، فقال: عباد بن سعيد، روى عن أبي بردة بن أبي موسى، روى عنه أهل العراق.
стр. 1012
فما أدري عنى هذا أو غيره.
ومبشر الذي أشار إليه المصنف، هو ابن أبي المليح بن أسامة. وقد أخرج حديثه الضياء في "المختارة" من "الأفراد" للدارقطني ومن الطبراني، ولكن كلاهما من رواية يحيى بن أبي زكريا الغساني عن عباد بن سعيد بسنده.
وقال الدارقطني: تفرد به مبشر بن أبي المليح عن أبيه عن جده.
وقد وجدت له في "الكبير" للطبراني في ترجمة أسامة بن عمير حديثًا منكرًا، والآفة فيه من مبشر". اهـ.
١٠ - وفيه (٤٥٥٠):
"عبد الله بن إسحاق الهاشمي. قال العقيلي: له أحاديث لا يتابع منها على شيء.
علي بن العباس، حدثنا محمد بن يحيى القطعي، ثنا عبد الله بن إسحاق بن الفضل بن عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، حدثني أبي، عن صالح بن خوات، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". انتهى.
وهذا الحديث أخرجه ابن السكن وابن قانع وابن شاهين في "الصحابة" من رواية محمد بن يحيى القطعي، ثنا عبد الله بن إسحاق ... وساقوا السند عن صالح ابن خوات بن صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن جده عن خوات بن جبير.
وأخرج الطبراني من رواية خليفة بن خياط، عن عبد الله بن إسحاق، عن خوات ابن صالح بن خوات بن جبير، عن أبيه، عن جده مثله.
وأخرجه أيضًا المقدسي في "المختارة" من طريقه، وقال: لا أعرف هذا الحديث إلا بهذا الإسناد.
كذا قال، وقد أخرجه الطبراني وابن السكن وابن شاهين وغيرهم من طريق محمد بن الحجاج المصغر عن خوات كذلك، وهو معروف بالمصغر.
стр. 1013
وأما من طريق عبد الله بن إسحاق فغريب، ووقع في رواية الطبراني: عبيد الله بالتصغير، وفي رواية غيره مكبر كما هنا". اهـ.
١١ - وفي "فتح المغيث" للسخاوي (١/ ٢١٣) عند الكلام على نوع "المعلل":
" ... وكذا إذا تبين أن راوي الطريق الفرد لم يسمع ممن فوقه مع معاصرته له؛ كحديث أشعث بن سوار عن محمد بن سيرين عن تميم الداري؛ فإن ابن سيرين لم يسمع من تميم؛ لأن مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، وكان قتل عثمان ﵁ في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وتميم مات سنة أربعين، ويقال قبلها.
وكان ابن سيرين مع أبويه بالمدينة، ثم خرجوا إلى البصرة، فكان إذ ذاك صغيرًا، وتميم مع ذلك كان بالمدينة، ثم سكن الشام، وكان انتقاله إليها عند قتل عثمان.
وحينئذ فهو منقطع بخفي الإرسال.
وقد خفي ذلك على الضياء مع جلالته، وأخرج حديث هذه الترجمة في "المختارة" اعتمادا على ظاهر السند في الاتصال من جهة [المعاصرة] (١)، وكون أشعث وابن سيرين أخرج لهما مسلم". اهـ.
قال أبو أنس:
بِعَرْضِ ما سبق من النُّقُولِ تتضح المعاني التالية:
أولًا: كتاب الضياء المقدسي: "الأحاديث الجياد المختارة مما ليس في الصحيحين أو أحدهما" يشبه "مستدرك" الحاكم في أصل تصنيفه.
ثانيًا: صَحَّحَ الضياءُ في "المختارة" بناءً على ذلك أحاديثَ لم يُسبق إليها.
стр. 1014
ثالثا: تابع كثيرٌ من الحفاظ: ابنَ تيمية في تقديم "المختارة" على "المستدرك" في شرطه، ونظافة أسانيده، وقلة ما فيه من الغلط.
رابعًا: لم تَخْلُ أسانيدُ "المختارة" -مع ذلك- من بعض المجاهيل والضعفاء، بل والمتروكين.
خامسًا: لم تَسْلَم "المختارة" من وقوع التصحيف والخطأ أو الشذوذ في بعض أسانيد المصنَّفات التي نقل منها الضياء في "المختارة".
سادسًا: اعتمد الضياء أحيانًا في تصحيحه للحديث على ظاهر الإسناد، فلم يفطن إلى ما فيه من العلل الخفية.
سابعًا: قد يخرج الضياءُ الحديثَ ويُشيرُ إلى ما يدفع صحته، كالتفرد وغيره.
والخلاصة:
أن "المختارة" أنظفُ أسانيدَ، وأسلمُ متونا من "مستدرك" الحاكم، لكن ينبغي إجراء قواعد النقد على كل حديث فيها، ولا يُرْكَنُ إلى عُلُوِّ مرتبته على غيره في ذلك؛ لِمَا حَكَيْنا مِن صنيع المحققين حيالَهُ، والله تعالى الهادي إلى الصواب.
* * *
стр. 1015
أبو عوانة
صاحب "الصحيح المستخرج على صحيح مسلم"
(ت ٣١٦ هـ)
стр. 1016
يتعلق به هنا أمران:
الأول: قول المعلمي في أبي عوانة والمستخرجات بصفة عامة.
الثاني: ما زدته من:
بعض النماذج التي وقفت عليها مما يؤيد تلك المعاني التي شرحها المعلمي.
* * *
стр. 1017
الأمر الأول
قول المعلمي في أبي عوانة والمستخرجات بصفة عامة
تقدمة:
الكلام المتعلق بأبي عوانة لا يختص بذاته، وإنما يتعلق بالكلام على "المستخرجات" ومناهج أصحابها وطريقتهم في تصنيفها، وشرائطهم فيما يخرجونه فيها من الأحاديث، أو من يخرجون له من الرواة، وهل مجرد إخراج الحديث في تلك الكتب قاضٍ له بالصحة في جميع لفظه الوارد به؟ وهل مجرد الإخراج للراوي فيها قاضٍ بثقته عند أصحابها؟ ونحو ذلك من القضايا التي لا يسع من يطالع تلك الكتب الجهل بها أو الغفلة عنها.
وإليك بعض الأمثلة التي ألقى بها الشيخ المعلمي الضوء على هذه القضايا، لكن يبقى استخراج تلك الزيادات التي في أحاديث "الصحيحين" مما زادها أصحاب المستخرجات بأسانيدهم إلى شيوخ صاحبي "الصحيح" أو من فوقهم، والنظر في صحتها التي يزعمها بعض من تكلم على تلك المصنفات، وسيأتي جواب الحافظ ابن حجر على هذا الزعم جوابًا عامًا، لكن تبقى الشواهد على ذلك محل استقراء، ولهذا موضع آخر إن شاء الله تعالى.
• قال الشيخ المعلملي في حاشية "الفوائد المجموعة" (ص ٣٥٦):
"عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير، اتَّهَمَهُ ابن عدي لروايته عن أبيه حديثين منكرين ... وقال ابن حبان: "يروي عن الثقات المقلوبات".
стр. 1018
ولا ينفعه رواية أبي عوانة عنه في "صحيحه"؛ لأن "صحيح" أبي عوانة مستخرج على "صحيح" مسلم، يعمد إلى أحاديث مسلم فيخرجها بأسانيده إلى شيخ مسلم أو شيخ شيخه، فربما لا يجد الحديث إلا عند راوٍ ضعيف فيخرجه عنه؛ لأن الحديث ثابت من غير طريقه". اهـ.
• وحاول الكوثري تقوية الحسن بن زياد اللؤلؤي -وهو كذاب مكشوف الأمر- بقوله: " ... أخرج عنه الحافظ أبو عوانة ... في "الصحيح المسند المستخرج" وهذا توثيق منه ... ".
فأجاب الشيخ المعلمي بقوله في "التنكيل" (١/ ٤٤٣):
"أما أبو عوانة ... ففي "الميزان" و"اللسان" في ترجمة عبد الله بن محمد البلوي: "روى عنه أبو عوانة في "صحيحه" في الاستسقاء خبرًا موضوعًا" (١).
وروى أبو عوانة في "صحيحه" (١/ ٢٣٦ - ٢٣٧) حديثًا في سنده: عبد الله بن عمرو الواقفي، وجابر بن يزيد الجعفي، وكلاهما مُتَّهم.
وفي "فتح الباري" في شرح باب "القصد والمداومة على العمل" من كتاب "الرقاق": " ... وهذا من الأمثلة لِما تعقبته على ابن الصلاح في جزمه بأن الزيادات التي تقع في المستخرجات يُحكم بصحتها ... ووجه التعقب أن الذين استخرجوا لم يصرحوا بالتزام ذلك، سَلَّمْنَا أنهم التزموا ذلك، لكن لم يَفُوا به".
стр. 1019
أقول: أصحاب المستخرجات يلتزمون إخراج كل حديث من الكتب التي يستخرجون عليها، فأبو عوانة جعل كتابه مستخرجًا على "صحيح" مسلم، ومعنى ذلك أنه التزم أن يخرج بسند نفسه كل حديث أخرجه مسلم، فقد لا يقع له بسند نفسه الحديثُ إلا من طريق رجلٍ ضعيفٍ فيتساهل في ذلك؛ لأن أصل الحديث صحيح من غير طريقه، ومع ذلك زاد أبو عوانة أحاديث ضعيفة لم يحكم هو بصحتها، فإنما يسمى كتابه "صحيحًا"؛ لأنه مستخرج على "الصحيح"، ولأن معظم أحاديثه -وهي المستخرجة- صحاح، فإخراجه لرجلٍ لا يستلزم توثيقه ولا تصديقه، بل صاحب "الصحيح" نفسه قد يخرج في المتابعات والشواهد لمن لا يوثقه، وهذا أمر معروف عند أهل الفن". اهـ.
* * *
стр. 1020
الأمر الثاني
ما زدتُّه من بعض النماذج التي وقفت عليها مما يؤيد تلك المعاني التي شرحها المعلمي .
١ - في الميزان (٣٣١):
"أحمد بن الحسن بن القاسم بن سمرة، الكوفي، روى بمصر عن وكيع، وكان يعرف بـ"رسول نفسه".
قال الدارقطني وغيره: متروك.
وقال ابن حبان: كذاب.
روى عن وكيع، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من تحت العرش، فيؤتى بأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ... " الحديث.
وروى عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحسن، عن أنس، مرفوعًا: "يجزي من بر الوالدين الجهاد في سبيل الله".
قال ابن يونس: حدث بمناكير، ومات سنة اثنتين وستين ومائتين بمصر. اهـ.
وزاد ابن حجر في "اللسان" (١/ ٢٤٨):
"وقد تقدم لإبراهيم بن عبد الله بن خالد، عن وكيع، عن الثوري مخالفة في السند، وفي سياق المتن.
واستنكر له ابن حبان أيضًا حديثه المذكور عن حفص بن غياث، وجزم بأنه يضع الحديث.