← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الْمُمَوَّهُ فِي الأَصَحِّ، وَالنَّفِيسُ - كَيَاقُوتٍ - فِي الأَظْهَرِ. وَمَا ضُبِّبَ بِذهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينةٍ. . حَرُمَ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدَرِ الْحَاجَةِ. . فَلَا، أَوْ صَغِيرَةً لِزينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ. . جَازَ فِي الأَصَحِّ. === وقضيته: ترجيح الحلّ في الأولى والتحريم في الثانية، لكن صحح في "زيادة الروضة" الحلّ فيهما (١). (وكذا اتخاذه) من غير استعمالٍ (في الأصح) لأن ما لا يجوز استعمالُه. . لا يجوز اتخاذُه؛ كآلة اللهو، والجامعُ بينهما: أن النفس تدعو إلى استعمالهما، والثاني: لا؛ لأن النهي إنما ورد في الاستعمال لا الاتخاذ. (ويحلّ) الإناء (المموه) الذي لا يحصل منه بالعرض على النار شيءٌ (في الأصح) بناء على أن التحريم للعين؛ لاستهلاكه، ولا يخفى، فلا يحصل به الخيلاء ولا كسر قلوب الفقراء، والثاني: لا؛ بناءً على أنه للخيلاء، فإن حصل منه بالعرض على النار شيء. . حرم قطعًا. (و) يحل (النفيس؛ كياقوت في الأظهر) لأنه لا يعرفه إلا الخواصُّ، فلا خيلاءَ، والثاني: يحرم؛ إذ هو أعظم في السرف من الذهب والفضة. (وما ضبب بذهبٍ أو فضةٍ ضبةً كبيرةً لزينة. . حَرُم) للكبر وعدمِ الحاجة، وعبارة "المحرّر": (وإن كانت كبيرةً وفوقَ قدرِ الحاجةِ) (٢)، فيؤخذ منها: تحريمُ الضبةِ الكبيرةِ إذا كان بعضُها للزينة، وبعضُها للحاجة وإن كان مقدارُ الزينة صغيرًا، ولا يؤخذ من عبارة الكتاب. (أو صغيرةً بقدر الحاجةِ. . فلا) تحرم ولا تكره؛ للصغر مع الحاجة، وقد صحّ: (أن أنسًا ﵁ سَلْسَلَ قَدَح رسول الله ﷺ لَمَّا انصدع بفضةٍ، وشرب فيه ﷺ (٣). (أو صغيرةً لزينة أو كبيرةً لحاجة. . جاز في الأصح) مع الكراهة، أما في الأولى:

стр. 107

وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الاسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. === فلقدرة معظم الناس على مثلها، وأما في الثانية: فلظهور قصد الحاجةِ دون الزينة، والثاني: يحرم، أما في الأولى: فلكونها للزينة، وأما في الثانية: فلكبرها. ومعنى الحاجة: غرض إصلاح موضعِ الكسر، دون التزيين، ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الفضة. وأصلُ الضبة: أن ينكسر الإناء فيوضعَ على موضع الكسر نحاسٌ أو فضةٌ أو غيرُهما؛ ليمسكه، ثم توسع الفقهاءُ فأطلقوه على إلصاقه به وإن لم ينكسر، ويُرجَع في الصغيرة والكبيرة للعرف على الأصحِّ في "زيادة الروضة" (١). (وضبةُ موضعِ الاستعمال كغيره في الأصح) إذ الاستعمال منسوب إلى الإناء كله، والثاني: إن كانت في موضع الاستعمال. . حرم؛ لمباشرتها بالاستعمال المنهي عنه. (قلت: المذهب: تحريمُ ضبة الذهبِ مطلقًا، والله أعلم) لأن الخبر إنما ورد في الفضة، وباب الفضة أوسع؛ بدليل جواز الخاتم للرجل منها. * * *

стр. 108

بابُ أسباب الحَدَث هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، إِلَّا الْمَنِيَّ === (باب أسباب الحدث) هو أولى من التعبير بـ (نواقض الوضوء) إذ يقال: انتهى الوضوءُ لا بَطَل؛ كما يقال: انتهى الصوم لا بَطَل، كذا قاله في "الدقائق" (١)، لكنه عبَّر بعد ذلك بـ (النقض)، فقال: (فخرج المعتاد نقض). (هي أربعة) أما النقض بها. . فللأدلة الآتية، وأما عدمُه بغيرها. . فلأن الأصل أن لا نقض حتى يثبت فيه نصٌّ، ولم يَثْبُت، والقياسُ ممتنعٌ هنا؛ لأن علة النقض غير معقولة. (أحدها: خروج شيء من قبله أو دبره) عينًا كان أو ريحًا ولو من فرج المرأةِ، أو من ذكرِ الرجلِ. ولو أدخل في ذكره ميلًا ثم أخرجه. . انتقض، ثبت ذلك في البولِ والغائط والريحِ بالنصوص والإجماع، وفيما عداها بالقياس. وفي "فتاوى القفال": أنَّ بَلَلَ فرجِ المرأةِ إذا وصل إلى موضعٍ يجب عليها غَسْلُه في الغسل. . أن وضوءَها ينتقض، وإنْ خرج إلى محلٍّ لا يجب عليها غَسلُه في الجنابة والاستنجاء. . فلا؛ لأنه في حكم الباطن. (إلَّا المنِيَّ) فإنه لا يوجبُ الوضوءَ، لأنه أوجبَ أعظمَ الأمرين -وهو الغسلُ- بخصوصه، فلا يوجب أهونَهُما -وهو الوضوء- بعمومِه؛ كزنا المحصَنِ لَمَّا أوجبَ أعظمَ الحدَّيْن -وهو الرجمُ- بخصوصه -وهو زنا المحصن-. . لم يوجب أهونَهُما -وهو الجلد- بعموم كونِه زنًا، ورجح في "الكفاية" وفاقًا للقاضي أبي الطيب النقضَ به، ونقل عن تصحيح الرافعي له في كتابه "المحمود"، ونقل ابنُ المنذر وابن عطية الإجماعَ عليه (٢).

стр. 109

وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ. . نَقَضَ، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ. . فَلَا فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: زَوَالُ العَقْلِ، === قيل: وما ذُكِر من القاعدة لا يَطَّرد؛ فإن الحيضَ يوجب الغسلَ والوضوءَ اتفاقًا؛ كما حكاه الماوردي مع إيجابه أعظمَ الأمرين بخصوصه. وهو مردودٌ؛ فإنَّ ابنَ الصلاح حكى عن لطيف بن خيران: أن الحيضَ والنفاسَ لا يوجبان الوضوءَ. (ولو انسد مخرجه، وانفتح) مخرجٌ بدلَه (تحت معدته فخرج المعتاد) خروجُه، وهو البولُ والغائطُ (. . نقض) إذ لا بد للإنسان من مخرجٍ، فأقيم هذا مقامَه. (وكذا نادر؛ كدود) ودمٍ (في الأظهر) لأنه مخرجٌ تنتقض الطهارةُ بخروج المعتادِ منه، فكذا بخروج النادرِ؛ كالمخرج الأصلي، والثاني: لا ينتقض؛ إذ الضرورةُ في جعله مخرجًا إنّما هو في المعتاد. (أو فوقها وهو منسدٌّ، أو تحتها وهو منفتحٌ. . فلا في الأظهر) لأنه لم تُحِلْه الطبيعة في الأولى، فأشبه القيءَ، وفي الثانية لا ضرورةَ إلى جعل الحادثِ مخرجًا، فأشبه الجائفةَ، والثاني: ينتقض فيهما؛ كالمخرج المعتاد. والمعدةُ: هي الموضعُ الذي يستقرُّ فيه الطعامُ، وهو المكانُ المنخسف تحتَ الصدرِ إلى السُّرَّة، كذا ذكره ابنُ الرفعةِ، وهو قولُ أهل اللغةِ والأطباءِ، وفَسَّرها المصنفُ في كتبه بما فيه بحثٌ (١). (الثاني: زوال العقل) بالإجماع، والمعنى فيه: خروجُ الشيء منه ولا يشعر. وشرطُ النقض في النومِ والسكرِ: زوالُ الشعور، بخلاف النُّعاس، وأوائلُ النشوة والرؤيا: من علامات النوم، وسماعُ كلام الحاضرين وإن لم يفهمه: من علامات النُّعاس. وفي حدّ العقل عباراتٌ: أحسنُها: ما ذكره الشيخ أبو إسحاق: أنه صفةٌ يُميِّز بها بين الحسن والقبيح، وعن الشافعي: أنه آلةُ التمييز.

стр. 110

إِلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ. الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتيَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، إِلَّا مَحْرَمًا فِي الأَظْهَرِ. وَالْمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ فِي الأَظْهَرِ === (إلَّا نومَ ممكِّنٍ مقعدَه) للأمْنِ من خروجِ شيءٍ في هذه الحالةِ، وخروجُ الريح من القبل نادرٌ، فلم يرتفع به أصلُ الطهارة، وسواءٌ كان مستنِدًا إلى شيءٍ لو أزيل. . لَسَقط، أو لا على الصحيح. نعم؛ لو نام على قَفاه مُلصقًا مقعدتَه الأرضَ. . انتقض. ويُستثنى من الانتقاض بالنوم مضطجعًا: النبيُّ ﷺ . وقضية كلام المصنفِ: أن النوم يُزيل العقلَ وهو ما ذكره بعضهم، وقال الغزالي: الجنون يُزيله، والإغماء يَغمره، والنوم يَستره. (الثالث: التقاءُ بشرتيِ الرجل والمرأة) ولو بلا شهوةٍ ونسيانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وقرئ: (أو لمستم). واللمسُ: هو الحسُّ باليد، كذا فَسَّره ابنُ عمر ﵄، والمعنى فيه: أنه مظنة ثورانِ الشهوةِ. واحترز بـ (الرجل) و (المرأة): عن الخنثيين، أو الخنثى مع رجل أو امرأة؛ فإنه لا نقض؛ لاحتمال التوافق. (إلا محرمًا في الأظهر) ولو بشهوة؛ لأنها ليستْ في مظنتها بالنسبة إليه؛ كالرجل، والثاني: ينقض؛ لعموم الآية، والقولان مَبنِيَّان على أنه: هل يجوز أن يُسْتنبط من النص معنًى يُخصِّصه أم لا؟ والْمَحرَم: مَنْ حَرُم نكاحُها على التأبيد بسبب مباحٍ؛ لِحُرمتها، قاله في "الدقائق"، وفيه بحثٌ (١). (والملموسُ) وهو من لم يوجد منه فعلُ اللمس (كلامسٍ) في نقض الوضوءِ (في الأظهر) لاستوائِهما في اللذةِ الحاصلةِ من اللَّمْس، فاستويا في حكمِه؛ كالفاعل والمفعول في الجماع، والثاني: لا؛ كما في مَسِّ ذكرِ الغيرِ.

стр. 111

وَلَا تنقُضُ صَغِيرَةٌ وَشَعرٌ وَسِنٌّ وَظُفرٌ فِي الأَصَحِّ. الرَّابعُ: مَسُّ قُبُلِ الآدَمِيِّ بِبَطْنِ الْكَفِّ، وَكَذَا -فِي الْجَدِيدِ- حَلْقَةُ دُبُرِهِ، لَا فَرْجُ بَهِيمَةٍ. وَيَنْقُضُ فَرْجُ الْمَيِّتِ وَالصَّغِيرِ، وَمَحَلُّ الْجَبِّ، === (ولا تَنقُض صغيرةٌ) لا تُشتهى عرفًا، وكذا صغيرٌ؛ لانتفاء الشهوةِ، (وشعرٌ، وسنٌّ، وظفرٌ في الأصح) لأن معظمَ الالتذاذ فيها إنما هو بالنظر دونَ اللَّمْس، والثاني: يَنقُض؛ لعموم الآية في الصغيرة، وللقياس في البواقي على سائرِ أجزاءِ البدنِ، ولهذا يُسوَّى بين الكل في الحلِّ والحرمةِ. (الرابع: مسّ قبل الآدميِّ ببَطن الكفِّ) لقوله ﷺ : "إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى فَرْجِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ، وَلَا حِجَابٌ. . فَلْيَتَوَضَّأْ" رواه الشافعي، وابن حبان، وصححه الحاكمُ وابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهما (١). والإفضاء لغةً: هو المسُّ ببطن الكفِّ، فثبت النقضُ في فرج نفسِه بالنصِّ، وأُلحِق به فرجُ غيره من باب أولى؛ لأنه أفحشُ. والمراد بالمس: مسُّ جزءٍ من الفرجِ بجزءٍ من بطنِ الكفِّ، والمراد ببطن الكف: الراحة مع بطونِ الأصابعِ، وضابطُه: ما يُستَر عند وضعِ إحدى اليدين على الأخرى بتحاملٍ يسيرٍ (٢)، والمراد بقُبُلِ المرأة كما قاله الإمام: ملتقى الشفرين على المنفذ (٣). (وكذا في الجديد حَلْقةُ دبرِه) كالقُبُل؛ لأنه أحد السبيلين، والقديم: لا يَنقُض؛ لأنه لا يُلتذُّ به. (لا فرجُ بهيمةٍ) لأن لَمْسَها ليس بحدثٍ، فكذا لمسُ فرجِها، وقياسًا على عدمِ وجوبِ سترِه، وعدمِ تحريمِ النظرِ إليه. (ويَنقُض فرجُ الميتِ والصغيرِ) لشمول الاسمِ، (ومحلُّ الجَبِّ) لأنه أصلُ الذكر.

стр. 112

وَالذَّكَرُ الأَشَلُّ، وَبِالْيَدِ الشَّلَّاءِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَنْقُضُ رَأْسُ الأَصَابِعِ وَمَا بَيْنَهَا. وَيَحْرُمُ بِالْحَدَثِ: الصَّلَاةُ، وَالطَّوَافُ، وَحَمْلُ الْمُصْحَفِ، وَمَسُّ وَرَقِهِ، وَكَذَا جِلْدُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَخَرِيطَةٌ وَصُنْدُوقٌ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، وَمَا كُتِبَ لِدَرْسِ قُرْآنٍ كَلَوْحٍ فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: حِلُّ حَمْلِهِ فِي أَمْتِعَةٍ، وَتَفْسِيرٍ، وَدَنَانِيرَ، === (والذكرُ الأشلُّ، وباليد الشَّلَّاءِ في الأصح) لشمول الاسمِ أيضًا، والثاني: لا؛ لخروج ذلك عن مظنة الشهوةِ. (ولا يَنقُض رأسُ الأصابعِ) وحرفُها (وما بينها) لخروجِها عن سمت الكفِّ. (ويحرم بالحدث الصلاة) بالإجماع، وفي معناها: سجدةُ التلاوة والشكرِ، وخطبةُ الجمعة (والطواف) لأنه صلاةٌ. (وحملُ المصحف، ومسُّ ورقِه) أما المسُّ: فلقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وأما الحملُ: فلأنه مسٌّ وزيادة، (وكذا جلدُه على الصحيح) لأنه كالجزءِ منه، بدليلِ دخوله في بيعِه، والثاني: لا يحرم؛ إلحاقًا بكيسه. (وخريطة وصندوق فيهما مصحفٌ) إلحاقًا بجلده، والثاني: لا؛ لانفصالهما، (وما كُتِبَ لدرسِ قرآنٍ كلوحٍ في الأصح) لأنه قصد للدراسة فأشبه المصحفَ، والثاني: لا؛ إذ لا يُراد للدوامَ بخلاف المصحفِ. (والأصح: حِلُّ حملِه في أمتعةٍ) إذ المقصودُ حملُ غيرِه فلم يُخِل بتعظيمه، ومن هنا يؤخذ الجوازُ فيما إذا حمل مَنْ حمل مصحفًا، والثاني: المنع؛ تغليبًا لحرمته، وفي "شرح المهذب" عن الماوردي: أن ذلك فيما إذا كان المتاعُ مقصودًا بالحمل، وإلَّا. . لم يجز؛ يعني: جزمًا، وأقره (١) وجزم الرافعي بالتحريم حيثُ كان المصحفُ هو المقصود بالحمل، فليقيد إطلاقه هنا (٢). (وتفسيرٍ، ودنانيرَ) كُتِب عليها قرآنٌ، وما في معناهما من كتب الفقهِ، والثوب المطرز؛ لأنه ليس بمصحفٍ، والثاني: يحرم؛ تعظيمًا للقرآن.

стр. 113

لَا قَلْبِ وَرَقِهِ بِعُودٍ، وَأَنَّ الصَّبِيَّ الْمُحْدِثَ لَا يُمْنَعُ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ قَلْبهِ بِعُودٍ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَقَّنَ طُهْرًا أَوْ حَدَثًا وَشَكَّ فِي ضِدِّهِ. . عَمِلَ بِيَقِينِهِ، === وقضيةُ كلامه: الحِلُّ وإن كان القرآنُ أكثرَ من التفسير، وهو ما اقتضاه كلامُ الرافعي (١). وقال في "الروضة": إنه منكرٌ، والصواب: القطعُ بالتحريم؛ لأنه وإن لم يُسمَّ مصحفًا ففي معناه، وبهذا صَرَّح الماورديُّ وآخرون، ونقله صاحبُ "البحر" عن الأصحاب، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلافَ فيه (٢). (لا قلبِ ورقِه بعودٍ) لأنه نقلٌ للورقةِ، فهو كحملها، والثاني: لا يحرم؛ لما سيأتي. واحترز بـ (عودٍ): عمَّا لو لَفَّ كُمَّه على يده وقَلَب الأوراقَ. . فإنه يحرم قطعًا، قال في "شرح المهذب": وشذ الدارمي فحكى فيه وجهين (٣). (وأن الصبيَّ المحدثَ لا يُمْنعُ) من حمل المصحفِ ونحوِه؛ لأنه يَحتاج إلى الدراسةِ، وتكليفُه استصحابَ الطهارةِ مما تَعظُم فيه المشقةُ، والثاني: يجب على الولي والمعلمِ منعُه منه؛ قياسًا على الصلاةِ مع الحدث. (قلتُ: الأصح: حِلُّ قلبِه بعودٍ (٤)، وبه قَطع العراقيون، والله أعلم) لأنه ليس بحامل، ولا ماسٍّ، كذا عَلَّله في "الروضة"، وفيه نظر (٥). (ومن تَيقَّن طهرًا أو حدثًا، وشكَّ في ضِدِّه. . عَمِل بيقينه) لأن اليقين لا يزول بالشكِّ. والمراد بالشك هنا، وفي معظم أبواب الفقه: مطلقُ التردُّدِ، سواءٌ أكان على

стр. 114

فَلَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَجَهِلَ السَّابِقَ. . فَضِدُّ مَا قَبْلَهُمَا فِي الأَصَحِّ. فَصْلٌ [في آداب الخلاء] يُقَدِّمُ دَاخِلُ الْخَلَاءِ يَسَارَهُ، وَالْخَارِجُ يَمِينَهُ، === السواء أم أحدُ طرفيه راجح؛ كما ذكره المصنفُ في "الدقائق" (١). وما وقع في "الشرح الكبير" من أن يقينَ الحدثِ يُرفَع بظنِّ الطهارةِ وهمٌ، جرى عليه في "الحاوي الصغير" (٢). (فلو تَيقَّنهما وجَهِل السابقَ. . فضِدُّ ما قَبْلَهما في الأصح) صورةُ المسألةِ: أن يَتيقَّن أنه أوقع طهرًا وحدثًا بعد الزوال مثلًا، وجَهِل أسبقَهما، فيأخذ بضدِّ ما قبلهما؛ لأن ما قبل الزوال إن كان طهرًا. . فقد أحدثَ بعده، وإن كان حدثًا. . فقد تطهر بعده، فما قبل الزوال قد ارتفع بيقين، وهو يَشكُّ في زوال رافعِه، واليقينُ لا يزولُ بالشَّكِّ. فإن لم يَعلم ما قبل الزوال. . وجب الوضوءُ، وإنما يأخذ بالضدِّ مطلقًا إذا كان قبلهما مُحدِثًا، فإن كان قبلهما مُتطهِّرًا. . فإنما يأخذ بالضدِّ إذا كان ممن يعتاد تجديدَ الوضوءِ، وإلَّا. . فيأخذ بالمثلِ، فيكون الآن مُتطهِّرًا أيضًا، كذا في "الروضة"، و"أصلها"، و"التحقيق"، و"شرح المهذب" تبعًا للمتولي (٣). والثاني: يلزمه الوضوءُ بكل حالٍ؛ احتياطًا، وصحَّحه في شرحي "المهذب"، و"الوسيط" (٤). * * * (فصل: يُقدم داخلُ الخلاءِ يسارَه، والخارجُ يمينَه) عكسَ المسجدِ؛ لأن كلَّ ما كان من التكريم بدأ فيه باليمين، وخلافه باليسار، وروى الحكيم الترمذيُّ في

стр. 115

وَلَا يَحْمِلُ ذِكْرَ اللهِ تَعَالَى، وَيَعْتَمِدُ جَالِسًا يَسَارَهُ، وَلَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ، وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا، وَيَحْرُمَانِ بِالصَّحْرَاءِ، وَيَبْعُدُ، وَيَسْتَتِرُ، === "علله" عن أبي هريرة أنه قال: "مَنْ بَدَأَ بِرِجْلِهِ الْيُمْنَى قَبْلَ يَسَارِهِ إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ. . ابْتُلِيَ بِالْفَقْرِ". (ولا يَحملُ ذكرَ الله تعالى) تعظيمًا له، واقتداءً به ﵇؛ فإنه كان إذا دخل الخلاء. . نزع خاتمه (١)، وكان نقشُه ثلاثةَ أسطرٍ: "محمدٌ" سطرٌ، و"رسولٌ" سطرٌ، و"الله" سطرٌ (٢)، والقرآنُ أولى من الذكرِ. (ويَعتمدُ جالسًا يسارَه) تكريمًا لليُمنى، ولأنه أسهلُ لخروج الخارجِ. (ولا يَستقبل القبلةَ، ولا يَستدبرها، ويحرمان بالصحراء) جمعًا بين أحاديث البابِ، هذا إذا لم تكن ضرورةٌ، فلو كانت الريحُ تَهُبُّ على يمين القبلةِ وشمالِها، وخشي عَوْدَ الرشاشِ عليه. . لم يحرما، ذكره القفال في "فتاويه". وما أطلقَه من الجواز في الأبنيةِ تبَعَ فيه "الروضةَ" و"أصلَها"، والذي في "شرح المهذب"، و"التحقيق"، و"التنقيح"، و"شرح مسلم": أنه يجوز في البنيان إذا كان بينه وبين الساتر ثلاثةُ أذرعٍ فما دونَها، وكان ارتفاعُ الساترِ قدرَ ثُلثي ذراعٍ فأكثر؛ كما هو معتبر في الصحراء (٣)، والحاصل: أن الحكمَ دائرٌ على الساترِ وعدَمِه في البنيان والصحراءِ معًا. (ويَبْعدُ) في الصحراء إن كان ثَمَّ غيرُه إلى حيثُ لا يُسمَع له صوتٌ، ولا يُشمُّ له ريحٌ؛ للاتباع (٤). (ويَستترُ) عن عيون الناسِ؛ لحديث: "مَنْ أَتَى الْغَائِطَ. . فَلْيَسْتَتِرْ" صححه ابنُ

стр. 116

وَلَا يَبُولُ فِي مَاءٍ رَاكِدٍ، وَجُحْرٍ، وَمَهَبِّ رِيحٍ، وَمُتَحَدَّثٍ، وَطَرِيقٍ، وَتَحْتَ مُثْمِرَةٍ، وَلَا يَتكلَّمُ، === حبان (١)، ويحصل السترُ بكلِّ ما يُعدُّ ساترًا؛ كالوَهْدةِ والرابيةِ والدابةِ، وكذا بإرخاء الذيلِ على الصحيح. ويُشترط: ألَّا يزيد ما بينه وبين ما يَستره على ثلاثة أذرعٍ، وأن يكون الساترُ مرتفعًا قدرَ ثلثي ذراعٍ. (ولا يَبولُ في ماءٍ راكدٍ) للنهي عنه (٢)؛ لما فيه من التنجيس إن كان قليلًا، والاستقذارِ إن كان كثيرًا، (وجُحْرٍ) وهو الثَّقْب النازلُ المستديرُ؛ لصحة النهي عنه (٣)، ولأنه قد يكون فيه حيوانٌ ضعيفٌ فيتأذى، أو قويٌّ فيؤذيه أو يُنجِّسه، (ومهب ريح) خوفًا من عودِ الرشاشِ. (ومتحدَّث) وهو مكانُ الاجتماعِ، (وطريق) لقوله ﷺ : "اتَّقُوا اللَّعَّانَيْنِ"، قالوا: وما اللعانان؟ قال: "الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ" رواه مسلم (٤)، وفي رواية: "فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَمَجَالِسِهِمْ" (٥)، سماهما لَعَّانين؛ لأنهما سببُ اللَّعْنِ. (وتحت مُثمِرة) لئلا يَتنجَّس ثمارُها فتفسد، أو تعافَها الأَنفسُ، وسواءٌ كان عليها ذلك الوقتِ ثمرٌ أم لا، لكنَّ الكراهةَ عند عدم الثمرةِ أخفُّ. (ولا يتكلم) أي: يُكره؛ لثبوت النهي عنه (٦)، وأن الله يَمقتُ على ذلك. نعم؛ لو رأى أعمى يَقعُ في بئرٍ، أو حَيَّةً تَقصِد إنسانًا. . لم يُكره إنذارُه، بل قد يجب.

стр. 117

وَلَا يَسْتَنْجِي بمَاءٍ فِي مَجْلِسِهِ، وَيَسْتبرِئُ مِنَ الْبَوْلِ. وَيَقُولُ عِنْدَ دُخُولهِ: (بِاسْمِ اللهِ، الَلَّهُمَّ، إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ)، وَخُرُوجِهِ: (غُفْرَانَكَ، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي). === ويَحرُم قراءةُ القرآنِ؛ كما صَرَّح به ابنُ كجٍّ. (ولا يستنجي بماءٍ في مجلسه) لئلا يعود إليه الرشاشُ فيُنجِّسه، وهذا في غير الأخليةِ المعتادةِ، لانتفاء العلةِ. واحتَرز بالماء عن الحجر، فإنه لا يُكرَه، لانتفاء العلةِ. (ويستبرئ من البول) لحديث: "تنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ" (١). (ويقول عند دخولِه: "باسم الله، اللهم، إني أعوذ بك من الخُبُث والخبائثِ"، وخروجه: "غفرانَك، الحمد لله الذي أَذْهَب عني الأذى وعافاني") لآثار واردة في ذلك (٢). وفي "مُصنَّف عبد الرزاق"، و"ابن أبي شيبة": (أن نوحًا ﵊ كان يقول: "الحمد لله الذي أذاقني لَذَّتَه، وأَبْقَى فِيَّ منفعَته، وأذهب عني أذاه") (٣). و(الخبث) جمعُ خبيث: ذكور الشياطين، و (الخبائث) جمع خبيثة: إناثهم. و(الغفران) مأخوذ من الغَفْر وهو الستر، فكأنه سأل الله تعالى تمامَ نعمتِه بتسهيل الأذى وعدمِ حبسِه (٤)، لئلَّا يفضي إلى شهرته وانكشافه. وقيل: إنه لما خَلَص من النجو الْمُثقِّل للبدن. . سأل التخلُّص مما يُثقِّل القلبَ، وهو الذنب؛ لتكمُل الراحةُ.

стр. 118

وَيَجِبُ الاسْتِنْجَاءُ بِمَاءٍ أَوْ حَجَرٍ، وَجَمْعُهُمَا أَفْضَلُ، وَفِي مَعْنَى الْحَجَرِ: كُلُّ جَامِدٍ طَاهِرٍ قَالِعٍ غَيْرِ مُحْتَرَمٍ، وَجِلْدٍ دُبِغَ دُونَ غَيْرِهِ فِي الأَظْهَرِ. وَشَرْطُ الْحَجَرِ: أَلَّا يَجِفَّ النَّجَسُ، وَلَا يَنْتَقِلَ، وَلَا يَطْرَأَ === (ويجب الاستنجاء) لأحاديث، منها: "وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ" (١)، (بماءٍ أو حجرٍ) الحجر؛ للحديث المذكور، والماء بطريق الأولى؛ لإذهابه العينَ والأثرَ. (وجمعهما أفضل) لقصة أهل قباء في ذلك أخرجها البزار (٢)، لكن قال المصنفُ في "شرح المهذب": إنه لا أصل له في كتب الحديث، بل الذي فيها: أنهم قالوا: (كنا نستنجي بالماء)، وليس فيها (مع الحجر)، كذا رواه الإمام أحمد وابن خزيمة في "صحيحه" (٣). فيُقدِّم الحجرَ ثم الماءَ؛ لأنَّ الحجرَ يُزيل العينَ، والماءَ يُزيل الأثرَ. (وفي معنى الحجر: كلُّ جامدٍ طاهرٍ قالعٍ غيرِ محترم) لحصول الغرضِ به؛ كالحجر، فخرج بـ (الجامد) المائعُ، وبـ (الطاهر) النجسُ والمتنجسُ، وبـ (القالع) الزجاجُ والقصبُ الأملسُ ونحوُهما، وبـ (غير المحترم) المحترمُ؛ كالعظم وغيرِه من المطعومات. (وجلدٍ دبغ دون غيره) من الْمُذكَّى؛ إذ غيرُ المذكَّى نَجِسٌ إذا لم يُدبغ، فخرج بقوله: (طاهر) (في الأظهر) لأن غيرَ المدبوغِ فيه لُزوجة تمنع التنشيف، بخلاف ما بعده إذ ينقلب إلى طبع الثياب، والثاني: يجوز مطلقًا؛ لأنه مزيل غير محترم، والثالث: لا مطلقًا؛ لأنه من جنس ما يؤكل. (وشرطُ الحجر: ألَّا يَجِفَّ النَّجَس) لأنه إذا جَفَّ لا يُزيله الحجرُ، (ولا يَنتقلَ) النجس عن الموضع الذي أصابه عند الخروج؛ لأن المحل قد طرأ عليه نجاسةٌ، لا بسبب الخروج، فصار كما لو وقعت عليه من خارج، (ولا يطرأَ) على المحل

стр. 119

أَجْنَبِيٌّ. وَلَوْ نَدَرَ أَوِ انْتَشَرَ فَوْقَ الْعَادَةِ وَلَمْ يُجَاوِزْ صَفْحَتَهُ وَحَشَفَتَهُ. . جَازَ الْحَجَرُ فِي الأَظْهَرِ. وَيَجِبُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ، وَلَوْ بِأَطْرَافِ حَجَرٍ، فَإِنْ لَمْ يُنْقِ. . وَجَبَ الإِنْقَاءُ، وَسُنَّ الإِيتَارُ، وَكُلُّ حَجَرٍ لِكُلِّ مَحَلِّهِ، === المتنجس بالخارج (أجنبيٌّ) نجس؛ كما لو استنجى بشيء نَجِسٍ، حتى أنه لو استنجى بجلد كلب. . وجب العدد والتعفير؛ كما ذكره في "شرح المهذب" (١). (ولو نَدَرَ) الخارجُ؛ كخروج دمٍ وقيحٍ ومذيٍ (أو انتشر فوقَ العادةِ، ولم يجاوز صفحتَه) إن كان غائطًا (وحشفتَه) إن كان بولًا (. . جاز الحجر) وما في معناه (في الأظهر). أما النادرُ: فلأن انقسامَ الخارجِ إلى معتادٍ ونادرٍ مما يتكرَّر، ويعسر البحثُ عنه؛ فأُنيط الحكمُ بالمخرج، ووجه مقابله: أن الاقتصارَ على الحجر على خلاف القياس ورد فيما تَعُمُّ به البلوى، فلا يلتحق به غيرُه. وأما المنتشر: فلعسر الاحتراز، ووجه مقابله: أن الرخصةَ إنما وردتْ فيما يَعُمُّ ويغلب، وليس هذا منه. والمراد بـ (العادة): عادةُ الناس، وقيل: عادةُ نفسِه. (ويَجِبُ ثلاثُ مسحاتٍ) لثبوت النهي عن الاستنجاء بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ (٢). (ولو بأطرافِ حجرٍ) أي: أقيم الحجر الذي له ثلاثةُ أحرفٍ مقامَ الأحجارِ الثلاثةِ؛ إذ المقصودُ تَعدُّد المسحاتِ. (فإن لم يُنْقِ) المحلَّ بالثلاث (. . وجب الإنقاء) برابع فأكثر؛ لأنه المقصودُ من الاستنجاءِ. (وسُنَّ الإيتارُ) لحديث: "مَنِ اسْتَجْمَرَ. . فَلْيُوتِرْ" متفق عليه (٣). (وكلُّ حجرٍ لكلِّ محلِّه) فيضع واحدًا على مُقدَّم الصفحةِ اليمنى، ويُمِرُّه على الصفحتين حتى يصلَ إلى ما بدا منه، ويضع الثانِيَ على مُقدَّم اليسرى، ويفعل مثلَ

стр. 120

وَقِيلَ: يُوَزَّعْنَ لِجَانِبَيْهِ وَالْوَسَطِ. وَيُسَنُّ بِيَسَارِهِ. وَلَا اسْتِنْجَاءَ لِدُودٍ وَبَعْرٍ بِلَا لَوْثٍ فِي الأَظْهَرِ. === ذلك، ويُمِرُّ الثالثَ على الصفحتين والْمَسْرُبةِ (١)؛ لحديثٍ غريبٍ في ذلك. (وقيل: يُوزَّعن) أي: الأحجارُ (لجانبيه) أي: جانبي المحلِّ (والوسطِ) فيمسح بحجرٍ الصفحةَ اليمنى، وبالثاني اليسرى، وبالثالث الوسطَ؛ لحديث: "أَوَ لَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ ثَلَاثةَ أَحْجَارٍ: حَجَرَيْنِ لِلصَّفْحَتَيْنِ، وَحَجَرٍ لِلْمَسْرُبَةِ" (٢). (ويُسنُّ) الاستنجاء (بِيساره) للنهي عنه باليمنى؛ تكريمًا لها (٣). (ولا استنجاءَ لدود وبَعْرٍ بلا لَوْثٍ في الأظهر) إذ المقصودُ من الاستنجاء: إزالةُ النجاسة، أو تخفيفُها عن المحلِّ، فإذا لم يتلوث المحلُّ. . فلا معنى للإزالةِ، ولا للتخفيف، والثاني: نعم؛ لأنه لا يَخلو عن رطوبةٍ وإن خفيتْ، كذا عَلَّلوه، وفيه إحالةُ صورةِ المسألةِ. * * *

стр. 121

بابُ الوضوء فَرْضُهُ سِتَّةٌ: أَحَدُهَا: نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ. === (باب الوضوء) هو بضم الواو: اسمُ الفعل، وبالفتح: اسمُ الماء الذي يُتوضَّأ به، وأصله: من الوضاءة، وهي النظافةُ والنضارةُ والضياءُ من ظلمة الذنوبِ، وهو في الشرع: أفعالٌ مخصوصةٌ، مُفتتحةٌ بالنية (١). وكان فَرضُه مع فرضِ الصلاةِ؛ كما رواه ابن ماجه (٢). واختلفوا في خصوصيته بهذه الأمة. (فرضُه) أي: أركانه (ستةٌ: أحدها: نيةُ رفعِ حدثٍ) لحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (٣)، والمراد: رفعُ حكمِه، وإلّا. . فالحدثُ إذا وقع. . لا يَرتفع. (أو استباحةِ) شيءٍ (مفتقرٍ) صحته (إلى طهرٍ) كالصلاة، ومسّ المصحف؛ لأن رفعَ الحدثِ إنما يُطلَب لهذه الأشياءِ، فإذا نواها. . فقد نوى غايةَ القصدِ. ولو قال: (إلى وضوء). . لكان أولى؛ لأن القراءةَ، والمكثَ في المسجد مفتقران إلى طهير، وهو الغسل، مع أنه لا يصح الوضوء بنية استباحتِهما. وأجيب: بأن ذلك خرج بقوله: (استباحة) لأن نيةَ استباحةِ القراءةِ، والمكثِ تحصيلٌ للحاصل. (أو أداءِ فرضِ الوضوءِ) قياسًا على الصلاةِ، وقضيته: أنه لا بُدَّ من التَّعرُّض للأمرين، وليس كذلك، بل يكفي أداء الوضوء بإسقاط لفظة: (فرض)، وفرض الوضوء بإسقاط لفظة (أداء)، بل صَحَّح في "شرح المهذب"، و"التحقيق" إجزاءَ

стр. 122

وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ. . كَفَاهُ نِيَّةُ الاسْتِبَاحَةِ دُونَ الرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتبَرَةٍ. . جَازَ فِي الصَّحِيحِ، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ. . فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ. === نيةِ الوضوءِ فقط (١). (ومن دام حدثُه؛ كمستحاضةٍ. . كفاه نيةُ الاستباحةِ) المارّة (دون الرفعِ على الصحيح فيهما). أما الاكتفاءُ بنية الاستباحةِ. . فقياسًا على التيمّمِ، وأما عدمُ الاكتفاءِ برفع الحدثِ. . فلبقاء الحدثِ. ومقابله: الصحيح في الأولى: أنه لا بدّ من الجمع للاستباحة والرفع معًا، وفي الثانية: يجوز الاقتصارُ على أيهما شاء؛ لأن نيةَ رفع الحدثِ تتضمن الاستباحةَ، ولو نوى أداء الوضوء. . صحّ أيضًا. وقد يوهم كلامُ المصنفِ أنه تكفيه نيةُ الاستباحةِ، وأنه يستبيح ما شاء وليس كذلك، بل حكم نيته: حكم المتيمّم حرفًا بحرف، وهو إن نوى استباحةَ الفرضِ. . استباحَه، وإلَّا. . فلا، على المذهب. (ومن نوى تبرُّدًا مع نيةٍ معتبرةٍ) كما مرّ (. . جاز في الصحيح) لحصول ذلك وإن لم ينوه؛ كما لو نوى بصلاته الفرضَ وتحيةَ المسجد، والثاني: المنع للتشريك بين قربة وغيرها. (أو) نوى بوضوئه (ما يُندب له وضوءٌ؛ كقراءةٍ. . فلا) يصح (في الأصح) لأنه مباحٌ مع الحدث، فلا يتضمن قصدُه قصدَ رفع الحدث، والثاني: يصح؛ لأن قصدَه أن يكون ذلك الفعلُ على أكملِ الأحوالِ، وإنما يكون كذلك إذا ارتفع الحدثُ. أما لو نوى ما لا يندب له الوضوء؛ كدخول السوق. . لم يَصحَّ جزمًا. (ويجب قرنها بأول) ما يغسل من (الوجه) لتقترن بأول الفرض كالصلاة، (وقيل: يكفي) قرنها (بسنة قبلَه) لاقترانها بجزء من الوضوء، والأصحُّ: المنع؛ إذ المقصود من العبادة أركانها، والسنن توابعُ.

стр. 123

وَلَهُ تفرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، وَهُوَ: مَا بَيْنَ مَنَابتِ رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الأَصحِّ، لَا النَّزعَتَانِ، وَهُمَا: بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ. === ومحل الخلاف: إذا غربت قبل غسل الوجه، فإن بقيت إلى غسله. . جاز، بل هو الأفضل ليثاب على السنن السابقة. (وله تفريقها) أي: النية (على أعضائه في الأصح) بأن ينوي عند كلِّ عضوٍ رفعَ الحدثِ عنه؛ كما يجوز تفريقُ أفعالِه، والثاني: لا؛ كالصلاة. (الثاني: غسلُ وجهه) أي: انغساله بالإجماع؛ للآية، (وهو: ما بين مَنابت) شعر (رأسه غالبًا ومنتهى لَحييه) أي: آخرهما، هذا حدُّه طولًا، (و) عرضُه: (ما بين أذنيه) لأن الوجه: ما تقع به المواجهةُ، والمواجهةُ تقع بذلك. واحترز بقوله: (غالبًا) عن الصلع، وقال الإمام: لا حاجةَ إلى هذا القيدِ؛ لأن مَنبتَ الشيءِ: ما صلح لنباته فيه، وغيرَ مَنبتِه: ما لا يصلح، فالناصيةُ: مَنبتٌ وإن انحسر عنها الشعرُ لعارض، والجبهةُ: ليست مَنبتًا وإن نبت عليها الشعرُ لعارض. ولا بدّ مع ما ذكره مِنْ غَسل ما يتحقق به استيعابُ الوجهِ، وهو جزءٌ من الرأس والرقبةِ، وما تحت الذقن؛ كما في "زيادة الروضة" عن الأصحاب (١). (فمنه موضع الغَمَمِ) وهو الشعر النابتُ على الجبهة؛ لحصول المواجهة به، والغَمَمُ: مأخوذٌ من غمّ الشيءَ إذا ستره، ومنه غمّ الهلال. (وكذا التحذيفُ في الأصح) لمحاذاته بياض الوجه، وسمي بذلك؛ لأن النساءَ وغيرَهن من الأشراف يَحذفون الشعرَ عنه ليتسع الوجهُ. وضابطُه: أن يَضع طرفَ خيطٍ على رأس الأذن، والطرفَ الثانِيَ على أعلى الجبهةِ، ويفرض هذا الخيط مستقيمًا، فما نزل عنه إلى جانب الوجهِ فهو موضعُ التحذيف، كذا قاله الإمام، وجزم به في "الدقائق" (٢). (لا النزعتان، وهما: بياضان يَكتنفان الناصيةَ) فليستا من الوجه؛ لأنهما

стр. 124

قُلْتُ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ: أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأْسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ وَحَاجِبٍ وَعِذَارٍ وَشَارِبٍ وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةٍ شَعْرًا وَبَشَرًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفقَةٍ كَثِيفَةٍ. وَاللِّحْيَةُ إِنْ خَفَّتْ. . كَهُدْبٍ، وَإِلَّا. . فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ. الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ. . وَجَبَ مَا بَقِيَ، أَوْ مِنْ مِرْفَقِهِ. . فَرَأْسُ عَظْمِ الْعَضُدِ === في حد تدوير الرأسِ. (قلت: صَحَّح الجمهورُ: أن موضعَ التحذيفِ من الرأس، والله أعلم) لاتصال الشعر به، فلا يصير وجهًا بفعل بعض الناسِ. (ويَجب غَسلُ كلِّ هُدْبٍ، وحاجبٍ، وعِذارٍ، وشاربٍ، وخَدٍّ، وعَنْفقةٍ؛ شعرًا وبشرًا) أما الشعر: فقياسًا عَلى السلعةَ على محلّ الفرض، وأما البشرة: فلندرة كثافةِ شعورِ هذه، (وقيل: لا يجب) غسل (باطن عَنْفقةٍ كَثيفةٍ) كاللحية، والأصح: الوجوب؛ لأن كثافتَها نادرةٌ. (واللحيةُ) من الرجل (إن خفتْ. . كهُدْبٍ) فيما مرّ، (وإلَّا) أي: وإن لم تَخِفَّ بل كَثُفَتْ (. . فليَغسل ظاهرَها) ولا يجب غسلُ باطنها؛ لما فيه من المشقة، والأصح: أن الخفيفةَ: ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب، والكثيفةَ: ما لا ترى، ولو خَفَّ بعضٌ، وكَثُفَ بعضٌ. . فلكلٍّ حكمُه، إلَّا ألّا يتميز، فيجب غَسلُ الجميع. (وفي قول: لا يَجب غَسلُ خارجٍ عن) حَدِّ (الوجه) لخروجه عن محلِّ الفرضِ؛ كالذؤابة من الرأس، والأصح: الوجوبُ؛ لحصول المواجهةِ به. (الثالث: غَسلُ يديه) بالإجماع (مع مرفقيه) للآية. و(إلى) فيها بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: مع أموالِكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مع الله، كذا قاله الرافعي وغيرُه، واعترضه في "المهمات" بما فيه طولٌ (١). (فإن قُطعَ بعضُه) أي: بعضُ الواجب (. . وجب) غَسلُ (ما بقي) لأن الميسورَ لا يَسقُط بالمعسور، (أو من مِرفقه. . فرأسُ) أي: فيجب غَسل رأسِ (عظمِ العضدِ

стр. 125

عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ فَوْقَهُ. . نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ. الرَّابعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأْسِهِ، أَوْ شَعْرٍ فِي حَدِّهِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُ غَسْلِهِ، وَوَضْعِ الْيَدِ بِلَا مَدٍّ. الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ. === على المشهور) هذا مُفرَّع على أن المِرفقَ اسم لمجموع العظمين، وهو الراجح. ومقابله: مُفرَّع على أنه طرفُ عظمِ الساعدِ فقط، ووجوبُ غَسلِ رأسِ العضدِ بالتبعية. (أو فوقَه) أي: قطع من فوق المرفقِ (. . نُدِبَ غَسل باقي عضده) كما لو كان سليمًا؛ لتطويل التحجيلِ. (الرابع: مسمى مسحٍ لبشرةِ رأسِه، أو شعرٍ في حَدِّه) أي: حدّ الرأس ولو قدر رأس إبرة من البشرة، أو بعض شعرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. والمراد: البعضُ؛ لأنه يَصدُق إذا مسح بعضَ رأسِه أن يقال: مسح رأسَه؛ كما يقال: قَبَّلتُ رأسَ اليتيم وإن لم يُقبل منه إلا بعضَه. وأفهم: أن كلًّا من الشعر والبشر أصل؛ فإنه خير بينهما وهو الأصحُّ، بخلاف ما لو غسل بشرةَ الوجهِ وترك شعرَه. . فإنه لا يجزئ على الصحيح في "شرح المهذب" (١). والفرق: أن الوجه: ما تقع به المواجهةُ، وهي إنما تقع بالشعر لا بالبشرة. والرأس: اسمٌ لما رأس وعلا، وكلّ من الشعر والبشرِ عالٍ. (والأصح: جوازُ غسلِه) لأنه مسحٌ وزيادةٌ، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى مسحًا. (ووضعِ اليد بلا مدٍّ) لأن المقصودَ وصولُ البللِ، وقد وصل، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى مسحًا. (الخامس: غسل رجليه مع كعبيه) لما سبق في المِرفق. والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مَفصِل الساق والقدم.

стр. 126

السَّادِسُ: تَرْتِيبُهُ هكَذَا، فَلَوِ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ. . فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ تقدِيرُ تَرْتيبٍ بأَنْ غَطَسَ وَمَكُثَ. . صَحَّ، وَإِلَّا. . فَلَا. قُلْتُ: الأَصَحُّ: الصِّحَّةُ بِلَا مُكْثٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَسُنَنُهُ: السِّوَاكُ عَرْضًا بِكُلِّ خَشِنٍ، === (السادس: ترتيبه هكذا) للاتباع (١)، وقَدَّم الوجهَ؛ لشرفه، ثم اليدين؛ لبروزهما والعملِ بهما غالبًا، ثم الرأسَ؛ لشرفه. (فلو اغتسل محدثٌ) حدثًا أصغر فقط (. . فالأصح: أنه إن أمكن تقديرُ ترتيبٍ؛ بأن غَطَسَ ومَكَثَ. . صح) لحصول الترتيبِ والحالةُ ما ذكر، والثاني: لا يصح؛ لأن الترتيب تقديري لا تحقيقي. (وإلّا. . فلا) لفقدان الترتيب، (قلت: الأصح: الصحة بلا مُكث، والله أعلم) قال في "شرح المهذب": (لأنه يقدر الترتيب في لحظاتٍ لطيفةٍ) انتهى (٢). واعترض: بأن ذلك خلافُ الفرض؛ إذ الفرضُ أنه لا يمكن تقديرُ ترتيبٍ. (وسننه: السواك) لحديث: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي. . لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ" علقه البخاري (٣)، (عرضًا) أي: عرضَ الأسنان في طول الفم؛ لحديث: "إِذَا اسْتكْتُمْ. . فَاسْتَاكُوا عَرْضًا" (٤)، وقد قيل: إن الشيطان يستاك طولًا. نعم؛ اللسانُ يستاك فيه طولًا؛ كما ذكره الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة"، واستشهد له بحديث في "سنن أبي داوود" (٥). (بكل خشن) لحصول المقصود. نعم؛ يكره بالْمِبرد، وبعود الريحانِ الذي يؤذي، ويحرم بما فيه سمّ من العيدان، قاله في "الخصال".

стр. 127

إِلَّا إِصْبَعَهُ فِي الأَصَحِّ، ويُسَنُّ لِلصَّلَاةِ === والأفضل: الأراك؛ تأسيًا به ﷺ ؛ كما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (١). (إلَّا إصبعَه في الأصح) لأنها لا تسمى سواكًا، هذا إذا كانت متصلةً، فإن انفصلت -وقلنا بطهارتها-. . اتجه الإجزاءُ وإن كان دفنُها على الفور واجبًا، قاله الإسنوي، والثاني: يجزئ، واختاره في "شرح المهذب" لحصول المقصود (٢). واحترز بـ (إصبعه): عن إصبعِ غيرِه الخشنةِ؛ فإنها تجزئ قطعًا، قاله في "الدقائق" (٣). (ويسن للصلاة) وإن لم يكن الفمُ متغيرًا؛ لحديث: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي. . لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" متفق عليه (٤). وعن عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: "رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ" رواه الحميدي بإسنادٍ كلُّ رجالِه ثقاتٌ (٥). قال ابن الملقن: (وإذا ضُمَّ إلى هذا قولُه ﷺ : "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ. . ." (٦) الحديث. . كانت صلاةُ الجماعةِ بسواكٍ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين، ويتضاعف ذلك بالفضل في القراءة، والخشوعِ، وكمالِ الطهارة وغيرِ ذلك من الأمور المطلوبةِ في الصلاة؛ مما لا يُحصيه إلّا الله تعالى. وإذا ضُمَّ إلى ذلك روايةُ أبي داوود: "الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا. . بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً" صححه ابن حبان، والحاكمُ (٧). . زادتِ المضاعفةُ، وذلك فضلُ الله يؤتيه مَنْ يشاء.

стр. 128

وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ === ثم الحديثُ المذكور دالٌّ على أن السواك أفضلُ من صلاة الجماعةِ؛ لأن الفضلَ الواردَ فيه أكثرُ من فضلها، وفيه وقفةٌ) انتهى (١). وما ذكره؛ من التضاعف في الجماعة إلى ألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين. . لا يصحّ؛ لأن الذي ورد في الحديث: "رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أَفْضَلُ"، فكان ينبغي أن يقول: ركعتان في جماعةٍ بسواكٍ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين ركعةً. نعم؛ يصح ما ذكره على رواية: "صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً" لكنه لم يثبت (٢). (وتغيرِ الفم) بكل ما يُغيره؛ من نومٍ أو غيرِه؛ لحديث: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" علقه البخاري (٣). وأورد على المصنف: أنه إن أراد أنه لا يُسن السواكُ إلَّا في هذه المواضع. . فليس كذلك، بل هو سنة في كلِّ حالٍ، إلَّا ما سيجيء، وإن أراد أنه لا يتأكد إلَّا في هذه المواضع. . فليس كذلك أيضًا، بل يتأكد لقراءة القرآن، واصفرار الأسنان وإن لم يتغير الفمُ، ولدخول البيتِ، والاستيقاظِ من النوم. (ولا يُكره إلَّا للصائم بعد الزوالِ) لحديث: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" متفق عليه (٤). وجه الدلالة: أنه أثر عبادةٍ مشهود له بالطيب، فكره إزالته؛ كدم الشهيدِ، كذا قاله الرافعي وغيرُه (٥). واعترض: بأن قضيةَ هذا القياسِ تحريمُ إزالتِه لا كراهتُه. قال الإسنوي: فلو قيل: فكان بقاؤه راجحًا على تركِه؛ كدم الشهيد. . لسلم من

стр. 129

وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ، فَإِنْ تَرَكَ. . فَفِي أَثْنَائِهِ. وَغَسْلُ كَفَّيْهِ، === ذلك، وإنما لم يحرم؛ كإزالة دم الشهيد؛ لأن في إزالة دمِ الشهيدِ تفويتَ فضيلةٍ على الشهيد، لم يأذن فيها، فليس إزالةُ دمِ الشهيد نظيرَ مسألتِنا. ونظيرُ إزالةِ دمِ الشهيدِ: أن يُسوّك إنسانٌ شخصًا صائمًا بغير إذنه، ولا شك في تحريمه؛ كما قاله الإسنوي. ونظيرُ مسألةِ السواكِ من الشهيد: أن يزيل الشهيدُ الدمَ عن نفسه في مرضٍ يغلب على ظنِّه الموتُ فيه بسبب القتالِ. فتفويتُ المكلَّف الفضيلةَ على نفسه جائزٌ، وتفويتُ غيرِه لها عليه لا يجوز، إلَّا بإذنه. وإنما اختصت الكراهةُ بما بعد الزوالِ؛ لأن التغير بعدَ الزوالِ يكون غالبًا؛ لخلو المعدة بسبب الصومِ، وأما في غير هذه الحالةِ. . فإنه من أثر الطعامِ. وفي قول: أنه لا يكره مطلقًا، وقال في "شرح المهذب": إنه المختار (١)، وعلى الأصحِّ: تزول الكراهةُ بالغروب على الأصحِّ. ويُندب السواكُ باليد اليمنى؛ كما صرح به في "شرح مسلم" في (باب الاستطابة)، واقتضاه كلام "الأذكار" أو صريحه في (باب اللباس) (٢). (والتسمية أوله) أي: أولَ الوضوءِ؛ لأخبارٍ واردةٍ في ذلك (٣)، قال الرافعي: (ويقول: بسم الله قاصدًا التيمنَ والتبركَ) (٤)، وقال في "شرح المهذب": (الأكمل: أن يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (٥). (فإن ترك) سهوًا، أو عمدًا (. . ففي أثنائه) تداركًا لما فات. (وغسل كفيه) إلى الكوعين اتباعًا، قال الإمام: وهذا الاستحباب ليس لأجل

стр. 130

فَإِنْ لَمْ يَتيَقَّنْ طُهْرَهُمَا. . كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا. وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، ثُمَّ الأَصَحُّ: يُمَضْمِضُ بِغَرْفَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ. === الحدثِ، بل لتوقع الخبث وإن بعد (١). (فإن لم يتيقن طهرَهما. . كرِهَ غمسُهما في الإناء) إذا كان يسع دون القلتين (قبل غَسلهما) لحديث: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ. . فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" متفق عليه (٢)، والحكمة في ذلك: توهمُ النجاسة، وقضيتُه: زوالُ الكراهةِ بالغسل مرةً، والذي في "زوائد الروضة" عن البويطي والأصحابِ: أنها لا تزول إلَّا بالغَسل ثلاثًا؛ لرواية مسلم: "حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا" (٣). (والمضمضمة والاستنشاق) للاتباع (٤)، ولا يجبان؛ لحديث: "لَا تتَمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم (٥). (والأظهرُ: أن فصلهما أفضلُ) من الجمع؛ لحديث فيه، لم يضعفه أبو داوود (٦)، (ثم الأصح) على قول الفصلِ (يُمضمض بغَرفةٍ ثلاثًا، ثم يَستنشِق بأخرى ثلاثًا) لئلا ينتقل إلى عضو إلّا بعد كمال ما قبله، والثاني: ست غرفات يَتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث؛ لأنه أنظف ولكنه أضعف. (ويبالغ فيهما غير الصائم) لحديث لَقِيط بن صَبِرَةَ أن رسول الله ﷺ قال: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ

стр. 131

قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تفضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلَاثِ غُرَفٍ، يُمَضْمِضُ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتثلِيثُ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ. === تكُونَ صَائِمًا"، صححه الترمذي وغيرُه (١). وفي روايةٍ صحيحةٍ كما قال ابن القطان: "إِذَا تَوَضَّأْتَ. . فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا" (٢)، والمعنى فيه: مخافةُ وصولِ الماءِ إلى البطن والدماغِ. والمبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أصل الحنك ووجهي الأسنان، ويمر الإصبع عليها. والمبالغة في الاستنشاق: أن يَصعد ماءُ الاستنشاق بنفسه إلى الخيشومِ، مع إدخال الإصبعِ اليسرى، وإزالةِ ما هناك من أذى. (قلت: الأظهر: تفضيلُ الجمع بثلاثِ غُرَفٍ، يُمضمض من كلٍّ ثم يَستنشِق، والله أعلم) لصحة الأحاديث الصريحة في ذلك. ولم يثبت في الفصل شيءٌ؛ كما قاله ابن الصلاح، والمصنفُ في "شرح المهذب" (٣). قال الشيخ عز الدين: وقُدمت المضمضةُ على الاستنشاق؛ لشرف منافعِ الفمِ؛ فإنه مَدخلُ الطعام والشرابِ اللذين بهما قوامُ الحياة، وهو محلُّ الأذكار الواجبةِ والمندوبةِ، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر. (وتثليث الغَسل) بالإجماع (والمسح) لأنه ﵊ مسح رأسه ثلاثًا، رواه أبو داوود (٤)، (ويأخذُ الشاكُّ باليقين) للأصل؛ كما لو شك في عدد الركعات.

стр. 132

وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ ثُمَّ أُذُنَيْهِ، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ. . كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا. وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ وَأَصَابِعِهِ. === (ومسحُ كلِّ رأسِه) لأنه أكثر ما ورد في صفة وضوئه ﷺ ، وللخروج من الخلاف، (ثم أذنيه) بماءٍ جديدٍ للاتباع؛ كما رواه الحاكم، وصححه البيهقي (١). (فإن عَسُرَ رفعُ العِمامة) ونحوِها؛ كالقلنسوة والخمار عن الرأس (. . كمَّلَ بالمسح عليها) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم (٢). وقوله: (كمل) يفهم أنه لا يكفي الاقتصار على العمامة، وادعيا القطعَ بذلك (٣). واعترض: بأن في "البحر" عن محمد بن نصر المروزي أنه يجوز الاقتصار على العمامة (٤)، وفي "البخاري" أنه ﵊ مسح على عمامته وخفيه (٥). (وتخليل اللحية الكثة) بالأصابع؛ للاتباع؛ كما صححه الترمذي وغيرُه (٦)، والعارض كاللحية. وهذا في لحية الرجل، أما المرأة والخنثى: فيجب فيهما التخليل، واستثنى صاحبُ "التتمة" في (كتاب الحج) المحرمَ، فقال: لا يُخلِّل لحيتَه؛ لأنه يؤدي إلى تساقط شعرِها. (و) تخليلُ (أصابعِه) لحديث لَقيط بن صَبِرة المار، وشمل أصابعَ اليدين والرجلين، وبه صرح في "الدقائق"، ونقله الرافعي عن ابن كجّ (٧)، والتخليلُ في اليدين بالتشبيك.

стр. 133

وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى. وَإِطَالَةُ غُرَّتهِ وَتَحْجِيلِهِ. وَالْمُوَالَاةُ، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ === ويستحب في الرجلين: أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسافلِ الأصابعِ مبتدئًا بخنصر الرجلِ اليمنى، ومختتمًا بخنصر اليسرى، كذا في "الشرح"، و"الروضة" (١)، وقيل: اليمنى واليسرى في ذلك سواءٌ، ورجحه في "شرح المهذب"، واختاره في "التحقيق" (٢). (وتقديم اليمنى) لأنه ﷺ كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله (٣)، والحكمة فيه: أن اليمين مأخوذةٌ من اليمن، وهو حصولُ الخير. والشمال تسمى الشؤمى، قاله القفال في "محاسن الشريعة". ويستثنى الخدان والأذنان، فيغسلان معًا، فإن كان أقطع أو به علة تمنعه من ذلك. . قدم اليمين، والكفان كالأذنين على الأصحِّ. (وإطالةُ غُرَّتِه وتَحجيلِه) لقوله ﷺ : "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ. . فَلْيَفْعَلْ" (٤). والغرة: غسل مقدمات الرأس وصفحة العنق مع الوجه، والتحجيل: غسل بعض العضدين مع الذراعين، وبعض الساقين مع الرجلين، وغايته: استيعاب العضد والساق. (والموالاةُ) للخروج من خلافِ مَنْ أوجبها، وهي: التتابع بحيث لا يحصل بين العضوين تفرقةٌ كثيرةٌ، بحيث لا يَجِفّ المغسول قبل شروعه في العضو الثاني، مع اعتدال الهواء، ومزاج الشخص، والاعتبار: بآخر غسلةٍ مِنْ آخر مغسول. (وأوجبها القديم) لأنه عبادة يُبطلها الحدث، فأبطلها التفريق الكثير؛ كالصلاة، وهو منقوض بالطواف، وأيضًا الصلاة يُبطلها التفريق اليسير عامدًا، ولا يُبطل الوضوءَ إجماعًا، وشرط الوجوب على القديم: إذا كان التفريق بلا عذر،

стр. 134

وَتَرْكُ الاسْتِعَانَةِ وَالنَّفْضِ، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ. وَيَقُولُ بَعْدَهُ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ). وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأَعْضَاءِ؛ إِذْ لَا أَصْلَ لَهُ. === وإن كان بعذر. . لم يضر. (وترك الاستعانة) لأنها نوع من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبد، والأجر على قدر النصب، والمراد: الاستعانة بالصبّ عليه لغير عذر، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره. فإن كان عذر؛ كمرض خفيف. . فلا تكون خلافَ الأولى، فإن كان به مرضٌ شديدٌ، أو أقطع. . لزمه الاستعانة ولو بأجرة. أما الاستعانة بمن يغسل الأعضاء بلا عذر ترفعًا. . فهذا مكروه قطعًا، وأما الاستعانة في إحضار الماء والإناء والدلو. . فمباحةٌ، ولا تكون خلافَ الأولى. (والنفض) لأنه كالتبري من العبادة، (وكذا التنشيفُ في الأصح) لأنه أثر عبادة، فكان تركه أولى، والثاني: إنه مكروه؛ كإزالة الخلوف، والثالث: إنه مباح، واختاره في "شرح المهذب" إذ لا دليل على المنع، ولا على الندب (١). (ويقول بعده: "أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك") لأحاديث صحيحة في الحث على ذلك (٢). (وحذفتُ دعاءَ الأعضاء؛ إذ لا أصلَ له) في كتب الحديث وإن عدّه في "المحرّر" من السنن (٣). * * *

стр. 135

بابُ مسح الخُفِّ يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ لِلْمُقِيمِ: يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ: ثَلَاثَةً بِلَيَالِيهَا، مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ، فَإِنْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ. . لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ. === (باب مسح الخف) الأصل فيه: أحاديث؛ منها: حديث جرير البَجَلِي قال: (رأيت رسول الله ﷺ بال، ثم تَوضّأ، ومسح على خُفيه) متفق عليه (١). قال الترمذي: (وكان يُعجبهم حديثُ جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة) أي: فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخًا للمسح، كما صار إليه بعض الصحابة (٢). (يجوز في الوضوء للمقيم يومًا وليلةً وللمسافر) سفر قصر (ثلاثة بلياليها) لحديث علي في ذلك، أخرجه مسلم (٣). وخرج بـ (الوضوء): الغسلُ، فإنه لا يتكرر، فلا يشقّ نزع الخفّ لأجله، بخلاف الوضوء، وهذا في السليم. أما دائم الحدث إذا تطهر، ثم لبس الخفّ، ثم أحدث غيرَ حدثه الدائم. . حلَّ له المسحُ لفريضة واحدة ونوافلَ على الأصحِّ، فلو أحدث بعد فعل الفريضة. . مسح ولم يصلِّ به إلَّا النوافلَ فقط. (من الحدث بعد لبس) فلو أحدث ولم يمسح حتى انقضت المدة. . لم يجز المسح حتى يستأنف لبسًا على طهارة، وما لم يحدث. . لم تُحسب المدة ولو بقي شهرًا مثلًا؛ لأنها عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة. (فإن مسح حضرًا، ثم سافر، أو عكس) أي: مسح سفرًا ثم أقام (. . لم يستوف مدة سفر) بل يقتصر على مدة مقيم في الأولى، وكذا في الثانية إن أقام قبل

стр. 136

وَشَرْطُهُ: أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ، سَاتِرَ مَحَلِّ فَرْضِهِ، طَاهِرًا، يُمْكِنُ تِبَاعُ الْمَشْي فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، قِيلَ: وَحَلَالًا. === استيفائها، فإن أقام بعد ذلك. . أجزأه المسح فيما مضى وإن زاد على يوم وليلة؛ لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فيغلب فيها حكمُ الحضر؛ كما لو كان مقيمًا في أحد طرفي صلاته. . لا يجوز له القصرُ. (وشرطه) أي: جواز المسح (أن يلبس بعد كمال طهر) لحديث أبي بكرة: (أن رسول الله ﷺ أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما)، قال الشافعي والخطابي: إنه صحيح الإسناد (١)، وشمل تنكيرُه الطهرَ التيممَ، والحكم فيه: أنه إن كان لإعواز الماء. . لم يستفد به المسح، بل إذا وجد الماء. . لزمه نزعُه، والوضوءُ الكامل على الأصحِّ، وإن كان لمرض ونحوه. . فكدائم الحدث، وقد مرّ حكمُه. (ساترَ محل فرضه) من جميع الجوانب، إلّا من الأعلى على الصحيح، ويجزئ الشفافُ؛ كالزجاج إن أمكن متابعةُ المشي عليه، بخلاف رؤية المبيع من ورائه. (طاهرًا) فلا يصحّ على نَجِس، ولا مُتنجِّس؛ لأنه لا يمكن الصلاةُ فيه. (يمكن تباع المشي فيه لتردد مسافر لحاجاته) لأن المسح عليه إنما شُرع لحاجة اللابس إلى استدامته، والاستدامةُ إنما تتأتى فيما هذا شأنه، فلو تعذر المشيُ فيه لثقله؛ كحديد، أو غلظه؛ كخشبة عظيمة. . امتنع المسحُ عليه، أو لسعته أو ضيقه. . فكذا في الأصحِّ، فإن كان الضيق يتسع بالمشي. . جاز قطعًا. وضبط الشيخ أبو محمد في "التبصرة" أقل ما يكفي المشي عليه بمسافة القصر، واعتمده في "المهمات" (٢). (قيل: وحلالًا) فلا يصح على مغصوب ونحوه؛ لأن الرخص لا تُناط بالمعاصي؛ كسفر المعصية، والأصح: أنه لا يشترط؛ لأن المعصية لا تختص باللباس، فلم تمنع الصحة؛ كالذبح بسكين مغصوب.

стр. 137

وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً فِي الأَصَحِّ، وَلَا جُرْمُوقَانِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ خُطُوطًا، وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ يُحَاذِي الْفَرْضَ، === (ولا يجزئ منسوج لا يمنع ماء في الأصح) لأنه لا يُعدُّ حائلًا، والثاني: يجزئ؛ كما لو تخرقت الظِّهارة والبِطانة من موضعين غيرِ متحاذيين. . فإنه يجوز وإن نفذ البللُ، ولا يضرُّ نفوذ الماء من موضع الخرز. وهل المراد بالماء بلل المسح أو الماء إذا صب عليه؟ وجهان حكاهما القمولي، وجزم في "شرح المهذب" بالثاني (١). وكان الأولى حذف لفظة (منسوج) ليعمّ. (ولا جرموقان في الأظهر) لندرة الحاجة إليه، فلا تتعلق به هذه الرخصةُ العامة، والثاني: يجزئ؛ لأن الحاجة قد تَدعو إليه؛ لبرد ووَحَلٍ. ومحل الخلاف: إذا كان كلٌّ منهما صالحًا للمسح عليه، فإن لم يَصلح واحدٌ منهما للمسح عليه. . لم يصحَّ قطعًا، وإن صلح الأعلى دون الأسفل. . صحَّ المسح عليه، والأسفل كلِفافة، وإن صلح الأسفل دون الأعلى. . صح إن وصل البللُ إليه، ولم يكن قصد الأعلى فقط. (ويجوز مشقوق قدم شُدّ) بالشَرَج، وهي العرى، بحيث لم يظهر من محل الفرض شيء (في الأصح) لحصول الستر، وتيَسُّر المشي فيه، والثاني: المنع؛ كما لو لفّ على القدم قطعةً من أدم، وأحكمها بالشدّ. (ويسن مسح) ظاهر (أعلاه وأسفله خطوطًا) للاتباع؛ كما أخرجه أبو داوود (٢)، ويسن مسح العقب أيضًا. (ويكفي مسمى مسح) لأن المسح ورد مطلقًا، ولم يصحّ في تقديره شيءٌ، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسمُ، ولو غسله. . أجزأه على الأصح مع الكراهة. (يحاذي الفرض) من الظاهر؛ لأنه بدلٌ عن الغسل، فلو مسح باطن

стр. 138

إِلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا. . فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ. فَإِنْ أَجْنَبَ. . وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ، وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ. . غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ. === ما يحاذي الفرض. . لم يُجْزِه قطعًا. (إلا أسفل الرجل وعقبَها. . فلا على المذهب) لأن البابَ بابُ اتباع، ولم يرد الاقتصار على الأسفل، وقيل: يكفي؛ لأنهما محلّ الفرض، فأشبها الأعلى. (قلت: حرفه كأسفله، والله أعلم) لاشتراكهما في عدم الرؤية غالبًا. (ولا مسح لشاكّ في بقاء المدة) لأن الأصل غسل الرجلين، والمسحَ رخصة بشرائطَ، فإذا وقع الشكُّ في الشرط. . عاد الأصلُ. (فإن أجنب. . وجب تجديد لُبس) بعد الغسل إن أراد المسح؛ لحديث: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا ألّا ننزع خفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليَهن، إلَّا من جنابة) (١). (ومن نزع وهو بطهر المسح. . غسل قدميه) لأن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا قدر على الأصل. . زال حكمُ البدل؛ كالمتيمم بعد وجود الماء (٢)، (وفي قول: يتوضأ) لأن الوضوء عبادة يُبطلها الحدثُ، فيبطل كلها ببطلان بعضها؛ كالصلاة. وقال في "شرح المهذب": الأقوى: ما اختاره ابن المنذر، أنه لا يلزمه غسل القدمين ولا الوضوء ما لم يُحدث (٣)، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في الأصول وجهًا لنا (٤). * * *

стр. 139

بابُ الغَسْل مُوجِبُهُ: مَوْتٌ، وَحَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، وَكَذَا وِلَادَةٌ بِلَا بَلَلٍ فِي الأَصَحِّ، وَجَنَابَةٌ بِدُخُولِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا فَرْجًا، === (باب الغسل) هو بفتح الغين، ويجوز ضمُّها. (موجبه: موت) لما سيأتي في بابه. وأورد على طرده الشهيد والكافر؛ فإنه لا يجب غسلُهما، وعلى عكسه السقطُ إذا بلغ أربعةَ أشهرٍ، ولم تَظهر فيه أمارةُ الحياةِ. . فإنّه يجب غسلُه على المذهب. وأجيب: بأنه ذكر ذلك كلَّه في (الجنائز) (١)، وفيه نظر على أنه لم يَذكر غسلَ السقط. وقد استشكل الرافعي عَدَّ الموت من الموجبات، فقال: إن أريد الغسل ولو مع الخلوّ عن النية. . فينبغي أن تعدّ منه نجاسة جميع البدن أو بعضه واشتبه بالباقي ولم يعدوه، وإن أريد الغسل الذي تجب فيه النية؛ فإن كان المرادُ: نية من غسل بدنه. . خرج الميت، أو مطلقًا. . فالأصحّ: أن نية الغاسل لا تجب (٢). وأجاب بعضهم: بالتزام الشق الأول، ولا يلزم عَدُّ نجاسةِ جميعِ البدنِ من ذلك؛ لأن الكلامَ في الغسل عن الأحداث. وأجاب السبكي: بالتزام الشق الأول، ومنع عدّ تنجيس البدن من الموجبات؛ إذ الواجب إزالةُ النجس، لا الغسل عينًا، حتى لو فُرض كَشْط جلده. . حصل المقصود. (وحيضٌ، ونفاسٌ) بالإجماع (وكذا ولادةٌ بلا بللٍ في الأصح) لأن الولدَ مني منعقدٌ، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى منيًّا. (وجنابةٌ) بالإجماع (بدخول حشفة أو قدرِها) من مقطوعها (فرجًا) لحديث:

стр. 140

وَبِخُرُوجِ مَنِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَيُعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ رَطْبًا وَبَيَاضِ بَيْضٍ جَافًّا، فَإِنْ فُقِدَتِ الصِّفَاتُ. . فَلَا غُسْلَ. وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ. وَيَحْرُمُ بِهَا مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ، === "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ. . فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" صححه ابن حبان (١)، فلو غَيَّبَ بعضَ الحشفةِ. . لم يجب على الأصح؛ لأن التحاذيَ لا يحصل به. (وبخروج مني) بالإجماع. والمراد بخروجه في حق الرجلِ: بروزه عن الحشفة إلى الظاهر، وفي حق الثيب: وصولُه إلى ما يجب غَسله في الاستنجاء؛ كما جزم به في "التحقيق" (٢). ولو قال: (مني نفسِه). . لكان أولى؛ ليخرج ما لو استدخل منيَّ غيرِه في ذكره، أو استدخلتْ منيَّ غيرِها وخرج؛ فإنه لا يجب الغُسلُ، ومع هذا يرد عليه ما لو استدخل منيَّ نفسِه ثم خرج. (من طريقه المعتاد) بالإجماع (وغيره) كما لو انكسر الصُّلبُ، فخرج منه المني مستحكمًا، وقيل: الخارج من غير المعتادِ له حكمُ المنفتحِ في باب الأحداثِ، فيعود فيه التفصيلُ والخلافُ، والصلبُ هنا كالمعدة هناك. (ويُعرَف بتدفقه) وهو خروجُه بدفعاتٍ، قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، (أو لذةٍ بخروجه) مع فتور الذكرِ وانكسار الشهوةِ عقبه، (أو ريحِ عَجينٍ) أو طلع (رطبًا، وبياضِ بيضٍ جافًّا) أيُّ صفةٍ من الثلاث وُجدت. . كفت؛ لأن كلَّ واحدٍ منها من خواص المني، لا يشاركه فيه غيرُه. (فإن فُقدتِ الصفاتُ. . فلا غُسلَ) لأنه ليس بمني. (والمرأة كرجل) فيما مَرَّ؛ من حصول الجنابةِ بالطريقين المارين، وما يُعرَف به المنيُّ من الخواص الثلاثِ؛ لعموم الأدلةِ، وأنكر ابنُ الصلاح التدفق في مَنيِّها. (ويَحرم بها) أي: بالجنابة (ما حرم بالحدث) الأصغر؛ لأنها أغلظُ منه،

стр. 141

وَالْمُكْثُ بِالْمَسْجِدِ لَا عُبُورُهُ، وَالْقُرْآنُ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ. وَأَقَلُّهُ: نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ، وَتَعْمِيمُ شَعرِهِ وَبَشَرِهِ، === (والمكث بالمسجد (١)، لا عبوره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وخرج بـ (المسجد): المدارسُ، والرُّبطُ، ومصلّى العيدِ ونحوه. (والقرآن) باللفظ، وبالإشارة من الأخرس، لا بالقلب؛ تعظيمًا له، ويستثنى فاقدُ الطهورين، فإنه يَقرأ الفاتحةَ في صلاتِه عند المصنف (٢)، (وتحل أذكاره) أي: أذكار القرآن؛ كتسميةٍ وتحميدٍ واسترجاعٍ إذا كان ذلك (لا بقصد قرآن) لعدم الإخلال والحالةُ هذه بالتعظيم. وإن قصده وحده، أو معه الذكرَ .. حرم، وإن أطلق .. فلا، ومواعظُه وأخبارُه وأحكامُه كأذكاره. (وأقله) أي: الغسل (نيةُ رفعِ جنابةٍ) إن كان جنبًا، فأما الحائض: فتنوي رفعَ حدثِ الحيض، كذا في "الروضة" و"أصلها" (٣). ومقتضاه: أنه لا يصح أحدُهما بنية الآخر، وهو كذلك في الأصحِّ إن تعمد، فإن غلط .. صح جزمًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في آخر (باب نية الوضوء) (٤). (أو استباحةِ مفتقرٍ إليه) أي: الغسل؛ كالصلاة ونحوِها؛ لما سبق في الوضوء. (أو أداءِ فرضِ الغُسلِ) أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض، وكذا أداء الغسل بحذف (الفرض) كما ذكره في "الحاوي الصغير" (٥). (مقرونةً بأول فرضٍ) لما مر في الوضوء، وأولُ الفرض هنا: أولُ مغسولٍ، سواء كان من أعلى البدنِ أم أسفلِه؛ لأنه لا ترتيب في الغسل. (وتعميمُ شعرِه وبشرِه) لأن الحدث عَمَّ جميعَ البدنِ، فيجب تعميمُه بالغَسل،

стр. 142

وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ. وَأَكْمَلُهُ: إِزَالَةُ الْقَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ - وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ - ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، وَيَدْلُكُ، وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ أَثَرَهُ مِسْكًا، === - والمراد بالبشرة: ما يشمل الأظفارَ - بخلاف نقض الوضوء، ويستثنى من الشعر: ما ينبت في العين، فلا يجب غَسله. (ولا تجب مضمضة واستنشاق) كما في غسل الميت والوضوء. (وأكملُه: إزالةُ القَذَرِ) الظاهر؛ كالمني (ثم الوضوءُ) للتأسي (١)، (وفي قول: يؤخر غَسل قدميه) لفعله له ﷺ ؛ كما رواه البخاري عن ميمونة (٢)، ولا خلاف في أن كلًّا منهما سنة، وإنما الخلاف في الأفضل (٣). (ثم تعهد معاطفه) كالعُكنة والإبْط؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء. (ثم يفيض) الماء (على رأسه ويخلله) قبل الإفاضة، فيخلل أصول شعره بأصابعه، وهي مبلولةٌ؛ اتباعا (٤). (ثم) على (شِقِّه الأيمنِ، ثم الأيسرِ) لأنه ﵊ كان يحب التيمن في طهوره (٥)، ولم يذكروا كيفية التيامن، قال الإسنوي: ويتجه أن يأتي فيه ما ستعرفه في غَسل الميت انتهى، وفيه نظر. (ويَدْلُك) ما وصلت إليه يدُه من بدنه؛ للخروج من خلاف من أوجبه. (ويثلث) غسل رأسه وبدنه؛ أما الرأس .. فبالنصّ، وأما البدن .. فقياسًا عليه وعلى الوضوء. (وتُتْبِع) المرأة (لحيضٍ أثرَه مِسكًا) بأن تَجعله على قطنةٍ، وتُدخلَها في فرجها؛

стр. 143

وَإِلَّا .. فَنَحْوَهُ. وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وُيسَنُّ أَلَّا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُا، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ. وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ .. يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا === للأمر به في الصحيح (١). (وإلَّا .. فنحوَه) من طيبٍ يقوم مقامَه في تطييب المحلّ، وإزالةِ الريح الكريهة، فإن لم تجد طيبًا .. فالطين، فإن لم تجد .. كفى الماء (٢). وتستثنى المحدة، فإنها إنما تطيب المحلّ بقليل من قُسْط أو أظفار؛ كما ذكراه في (العِدَد)، وتلتحق بها المحرمة، قال الأَذرَعي: وهي أولى بالمنع؛ لقصر زمن الإحرام غالبًا. (ولا يسن تجديده) أي: الغُسل، وكذا التيمم؛ لأنه لم ينقل (بخلاف الوضوء) فإنه يسن؛ لحديث: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ .. كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ" (٣). ومحل استحباب التجديد: إذا صلّى بالوضوء الأول صلاة ما على الأصحِّ في (باب النذر) من "زوائد الروضة" (٤). (ويُسنَّ ألَّا يَنقص ماءُ الوضوءِ عن مدٍّ، والغسلِ عن صاعٍ) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم (٥). قال الشيخ عز الدين: هذا من حجمُ بدنِه كحجم بدنِ رسول الله ﷺ ، وإلَّا .. اعتبر بالنسبة إلى جسدِه الكريم زيادةً ونقصًا. (ولا حد له) أي: لماء الوضوءِ والغسلِ، حتى لو نقص عما مرّ وأسبغ .. كفى بالإجماع، كما نقله ابن جرير، والمصنفُ في "شرح مسلم" (٦). (ومَنْ به) أي: ببدنه شيءٌ (نَجَسٌ .. يغسله ثم يغتسل، ولا تكفي لهما

стр. 144

غَسْلَةٌ، وكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ .. حَصَلَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا .. حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ .. كَفَى الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === غسلة) واحدة (وكذا في الوضوء) لأنهما واجبان مختلفا الجنس، فلم يتداخلا، وهذا ما جزم به في "شرح مسلم" (١). واقتضى سياقه: أنه قول الأصحاب مطلقًا، وصححه السبكي والأَذرَعي وغيرهما؛ لأن ما استعمل في النجاسة لا يرفع الحدثَ، وهذا قد استعمل في إزالتها. (قلت: الأصح: تَكفي، والله أعلم) لأن واجبهما غَسل العضوِ، وقد وجد، وهذا ما صححه في جميع كتبه، خلا "شرح مسلم" (٢). (ومن اغتسل لجنابةٍ وجُمُعة .. حصلا) كما لو نوى الفرضَ وتحيةَ المسجد، (أو لأحدهما .. حصل فقط) عملًا بما نواه، وهذا ما صححه في سائر كتبه، ونقله عن الأكثرين (٣)، لكن صحح الرافعي في "الشرحين" حصول غُسل الجمعةِ بنية غُسل الجنابة؛ لأن مقصودَ غُسلِ الجمعة التنظيفُ، وقد حصل (٤). (قلت: ولو أحدث ثم أجنب، أو عكسُه) أي: أجنب ثم أحدث) .. كفى الغُسل على المذهب، والله أعلم) لأنهما طهارتان، فتداخلتا؛ كغُسل الجنابة والحيض، وقيل: لا يكفي، بل لا بدّ من الوضوء أيضًا؛ لاختلاف موجبهما. * * *

стр. 145

بابُ النَّجاسة هِيَ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، وَكَلْبٌ، وَخِنْزِيرٌ، ....................... === (باب النجاسة) وإزالتِها وهي لغةً: المستقذر، وشرعًا: كلُّ عينٍ حَرُم تناولُها على الإطلاق في حالةِ الاختيار، مع إمكان التناولِ وسهولةِ التمييز، لا لحرمتها، ولا لضررها، ولا لاستقذارها. فاحترز بـ (الإطلاق) عما يباح قليله دون كثيره، كبعض النبات الذي هو سمّ، وبـ (الاختيار) عن الميتة ونحوِها، فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها، وبـ (إمكان التناول) عن الحجر ونحوِه من الأشياء الصلبة، وبـ (سهولة التمييز) عن أكل الدُّود الميت في الفاكهة والجبنِ ونحوِهما، وبـ (عدم الحرمة) عن الآدمي، فإنه يحرم تناولُ لحمِه، لا لنجاسته، بل لحرمته، وبـ (عدم الاستقذار) عن الْمُخاط والمني. وقد نَبَّه المصنفُ بِعَدِّه الأشياءَ النجسةَ على أن غيرَ المعدوداتِ طاهرةٌ. (هي كل مسكر مائع) أما الخمر: فهو إجماع، واحتج بعضهم بأنه لو كان طاهرًا .. لفات الامتنانُ بكون شرابِ الآخرةِ طهورًا، وقد قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، وأما غيرُه من المسكر: فبالقياس عليه، بجامع التنفيرِ عن المسكر. والتقييدُ بالمائع من زياداته على "المحرّر" (١). واحترز به: عن البَنْجِ والحشيش المسكرِ؛ فإنه ليس بنجِس وإن كان حرامًا، قاله في "الدقائق" (٢). وكان ينبغي أن يقول: (مائع الأصل) لئلا يرد عليه الخمرُ إذا جَمَدت، والحشيشُ إذا أذيب. (وكلب) للأمر بإراقة ما ولغ فيه (٣)، (وخنزير) لأنه أسوأ حالًا من الكلب؛
следующие страницы →