بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ
عَوَنَكَ يَا رَبّ
===
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وَبهِ نَسْتَعينُ
الَّلهمَّ يسِّر يا كريم
[خُطْبَة الشَّرح]
الحمدُ لله الموفِّقِ لطلب العلمِ وتحصيلِه، الهادي إلى جليلِه بنَيْلِ قليلِه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين وسلَّم.
وبعد:
فقد استخرتُ الله تعالى في كتابةِ شرحٍ مختصرٍ على "المنهاج" في الفقه، لشيخ الإسلامِ العلامة محيي الدين أبي زكريا يحيى النووي - قدَّس الله تعالى روحه، ونور ضريحه، وجعل رضاه غَبُوقَه وصَبُوحَه (١) - يكون في حجم "العُجالة" للشيخ سراجِ الدين ابنِ الملقِّن رحمه الله تعالى، مقتصرًا على تصوير مسائله وبعضِ دلائله.
مشيرًا إلى بعض ما يرد على لفظ الكتاب.
محترزًا عمَّا وقع للشيخ سراج الدين في شرحه المذكورِ على خلاف الصوابِ (٢).
مُبدِلًا ما ذكره من الفروع والفوائد الأجنبيةِ بما هو متعلقٌ بالكتاب؛ مما يَرِدُ على مَنطوقه ومَفهومه.
مجيبًا عمَّا يتيسر لي عنه الجوابُ.
стр. 84
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
معزيًا ما ذكره الشيخُ سراج الدين في شرحه لنفسه؛ من بحث أو اختيارٍ إن كان لأحد ممن تقدمه من الأصحاب.
مُنبِّهًا على بعض ما وقع له مخالفًا للصواب.
مُبيِّنًا أدلةَ الكتاب؛ من صحة أو حسنٍ أو ضعف، مُسندًا ذلك غالبًا إلى قائله.
مُتعرضًا لما وقع للشيخين من الاضطراب في بعض مسائل الكتابِ، وما يُعتمَد عليه في الإفتاء من ذلك.
وحيثُ أُطلِقُ الترجيحَ .. فهو في كلام الشيخين غالبًا، وإلّا .. عزوتُه لقائله.
وحيث أقول: قال الشيخان، أو قالا، أو نقلا، أو رجَّحا .. فمرادي: الرافعي والنووي ﵄.
وحيث أقول: قال شيخنا .. فمرادي: الشيخ الإمام ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى.
وحيث أقول: قال شيخي .. فمرادي: والدي - أمتع الله بحياته، وأعاد علي من بركاته - مع أني غالبًا أقول: قال شيخي ووالدي، وربما أقول: قال والدي.
وحيث أقول: قال الْمُنكِّت .. فمرادي: العلامة شهاب الدين ابن النَّقيب، رحمه الله تعالى.
وما عدا من ذُكر؛ من شُرَّاح الكتاب وغيرِهم أُصرِّح باسمه.
وسميتُه:
"بِدَايَةُ المُحْتَاجِ فِي شَرْحِ الِمنْهَاجَ"
وميزتُ المتنَ بالحمرة، والشرحَ بالسواد؛ اختصارًا.
واللهَ أسأل أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لي وللناظر فيه يومَ لا ينفع مالٌ ولا بنون إلَّا من أتى الله بقلب سليمٍ، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.
ولنُقدِّمْ قبلَ الشروع في المقصود مباحثَ تتعلق بالخطبة، فإن الكلامَ على غالبها ظاهرٌ.
стр. 85
[خُطْبَة المَتن]
الْحَمْدُ للهِ الْبَرِّ الْجَوَادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنِ الإِحْصَاءِ بِالأَعْدَادِ،
===
(الحمد لله) افتتح المصنفُ كتابَه بالحمد بعد البسملة؛ تَأسيًا بالكتاب العزيز، ولحديث "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ" رواه أبو داوود، وابن حبان في "صحيحه" (١).
ومعنى (ذي بال) أي: حالٍ يُهتَمُّ به، و (الأجذم) بالجيم والذال المعجمة: الأقطعُ، ومعناه: أنه مقطوعُ البركةِ، و (الحمد): هو الثناءُ على المحمود بذكرِ صفاتِه الجميلة (٢)، وأفعالِه الحسنةِ، سواءٌ أكان في مقابلةِ نعمةٍ أم لا.
و(الشكر): ما كان في مقابلةِ نعمةٍ، سواءٌ أكان قولًا أم فعلًا.
فـ (الحمد) لا يكون إلا باللسان، و (الشكرُ) يكون باللسان وغيره، وحينئذٍ فبَين (الحمدِ) و (الشكرِ) عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ، فـ (الحمد) أعمُّ من (الشكر) باعتبار ما يقعان عليه، و (الشكرُ) أعمّ من (الحمد) باعتبار ما يقعان به، والألف واللام في (الحمد) للعموم؛ أي: يستحق المحامدَ كلَّها.
وقَرَنَ (الحمد) بـ (الله) دون سائرِ أسمائه؛ لأنه اسمُ الذات، فيستحقُّ جميع صفاته الحسنى، ونقل البَنْدَنيجيّ عن أكثر أهلِ العلم أنه الاسمُ الأعظمُ.
(البرّ) بفتح الباء، معناه: المحسن، وقيل: اللطيف، وقيل: الصادق فيما وَعد، وقيل: خالق البِرِّ بكسر الباء الذي هو اسم جامع للخير، (الجواد) بالتخفيف كثير الجود، من قولهم: مطرٌ جوادٌ: إذا كان كثيرًا، وقد خرج الترمذي في "جامعه" حديثًا مرفوعًا، ذكر فيه عن الرب أنه قال: (وذلك أني جوادٌ ماجدٌ)، وذكره البيهقي في كتابه "الأسماء والصفات" وروى فيه حديثًا) (٣).
(الذي جلت) عَظُمتْ (نعمُه) إحسانُه (عن الإحصاء) أي: الضبطِ (بالأعداد) الأعدادُ جمع عددٍ " أي: نعمُ الله أعظمُ من أن يَحصرها العددُ.
стр. 86
الْمَانِّ بِاللُّطْفِ وَالإِرْشَادِ، الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، الْمُوَفِّقِ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ مَنْ لَطَفَ بِهِ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْعِبَادِ، أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ
===
(المانِّ) المنعم مَنًّا منه، لا وجوبًا عليه، وقيل: المانّ: الذي يبدأ بالنَّوال قبل السؤال (باللطف) أي: بالرأفة والرِّفقِ، وهو من الله: التوفيقُ والعصمةُ، (والإرشادِ) مصدرُ أرشده؛ أي: وَفقَه وهداه، والرَّشاد والرُّشْد: نقيض الغَيِّ، (الهادي إلى سبيل الرشاد) أي: الدالّ على طريق الاستقامة، ومن أسمائه تعالى: الهادي: وهو الذي بَصَّر عبادَه طريقَ معرفته، حتى أقرُّوا بربوبيته، (الموفق للتفقه في الدين مَنْ لطف به واختاره من العباد) أشار بذلك إلى حديث "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا ... يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" متفق عليه (١).
و(التوفيق): خلقُ قدرةِ الطاعة، وتسهيلُ سبيلِ الخير، وهو عكسُ الخِذْلان، و (التفقه): أخذُ الفقه شيئًا فشيئًا، و (الدين): هو ما شرعه الله لنا من الأحكام.
(أبلغَ حمد) أَنْهاه (وأكملَه) أتَمَّه (وأزكاه) أنْماه (وأشمله) أعمَّه.
واعتُرض: بأنه يتعذر منه عموم الحمد؛ إذ بعضُ المحمود عليه - وهو النعمة - يتعذر حصرُها.
وأجيب: بأن المراد: نسبةُ عمومِ المحامدِ إلى الله تعالى على جهة الإجمالِ؛ بأن يعترف مثلًا باتصاف الحق تعالى بجميع صفات الكمالِ: الجلالية والجمالية، فقد تحقق العمومُ.
(أشهد) أعلم وأُبَيِّن (أن لا إله إلا الله) والإله في اللغة: هو المعبود بحق، (الواحدُ) المتوحد المتعالي عن الانقسام، وقيل: الذي لا مثل له، (الغفارُ) الستار.
(وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) سُمِّي ﷺ محمدًا؛ لكثرة خصاله المحمودةِ، ووُصِف بالعبودية؛ لأنه ليس للمؤمن صفةٌ أَتَمَّ ولا أشرفَ من العبودية؛ كما قاله أبو علي الدقاق.
стр. 87
الْمُصْطَفَى الْمُخْتَارُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ.
أما بعد:
===
والرسولُ: أخصُّ من النبي، فإنه الذي أُوحِي إليه للعمل والتبليغ، والنبي: الذي أُوحي إليه للعمل خاصةً.
(المصطفى) اسمُ مفعول من الصَّفْوَة، وهو الخُلوص، (المختارُ) اسم مفعول أيضًا، والمعنى: أن الله تعالى قد اصطفاه واختاره على سائر خلقه (صلى الله وسلم عليه) الصلاة من الله: رحمةٌ مقرونةٌ بتعظيم، ومن الملائكة: استغفار، ومن الآدميين: تضرعٌ ودعاءٌ، ذكره الأزهري وغيره (١).
وفي "الدقائق": أن إطلاقَها على ذلك شرعي (٢)، ويُكره إفرادُ الصلاة عن التسليم؛ كما قاله المصنف في "الأذكار" (٣).
وقد اختلفوا في وقت وجوب الصلاةِ على النبي ﷺ على أقوال: أحدها: في كل صلاة. والثاني: في العمر مرة. والثالث: كلما ذكر، واختاره الحليمي من الشافعية، والطحاوي من الحنفية، واللخمي من المالكية، وابن بطة من الحنابلة. والرابع: في كل مجلس. والخامس: في أول كل دعاءٍ وآخره.
(لديه) أي: عنده.
(أما بعد) أي: ما ذكر، وهو الحمد والتشهد والصلاة، وهذه الكلمةُ يَأتي بها الشخصُ إذا كان في حديثٍ وأراد الانتقالَ إلى غيره، ولا يجوز الإتيانُ بها في أول الكلام، وكان ﷺ يأتي بها في خطبه وكتبه، رواه عنه اثنان وثلاثون صحابيًّا (٤).
قيل: أول من قالها داود ﷺ ، وأنها فصلُ الخطاب المشارُ إليها
стр. 88
فَإِنَّ الاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الأَوْقَاتِ، ......
===
في الآية (١)، وقيل: قُسُّ بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: يَعْرُب بن قحطان، وقيل: سَحْبان (٢).
والمعروف: بناءُ (بعدُ) هنا على الضم، ورُوِي تنوينُها مرفوعةً ومنصوبةً، والفتح بلا تنوين على تقدير لفظِ المضافِ إليه.
(فإن الاشتغال بالعلم من أفضل الطاعات) لأحاديثَ كثيرةٍ، منها: ما في "صحيحِ مسلم": "إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ .. انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (٣).
وروى ابن حبان والحاكم في "صحيحيهما": "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا لِمَا يَصْنَعُ" (٤).
قيل: كان الأولى حذفُ (من) الدالةِ على التبعيض؛ لأنه يندرج في العلم معرفةُ الله تعالى وغيرُ ذلك مما يعتبر تقديمه (٥)، وأجيب: بأن المراد: العلمُ الخاصُّ، وهو الفقه، لا العامُّ، و (أل) فيه عهديةٌ، لا جنسيةٌ، وقرينةُ التصنيفِ يدلُّ عليه.
(وأولى ما أُنفقتْ فيه) أي: في تعلُّمه وتعليمه (نفائسُ الأوقات) أي: الأوقاتُ النفائسُ؛ إذ الأوقاتُ كلُّها كذلك، فهو من باب إضافةِ الصفةِ إلى الموصوف؛ كقولهم: جردُ قطيفةٍ؛ أي: قطيفةٌ مجرودةٌ.
стр. 89
وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى مِنَ التَّصْنِيفِ مِنَ الْمَبْسُوطَاتِ وَالْمُخْتَصَرَاتِ،
وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ: "الْمُحَرَّرُ" لِلإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ
===
وقال في "الدقائق ": يقال في الخير: أنفقت، وفي الباطل: ضيعت وغرمت وخسرت (١).
(وقد أكثر أصحابنا) المراد: أصحابُ الشافعي ﵁، وهو مَجازٌ مستفيضٌ؛ لموافقتهم وشدةِ ارتباطِ بعضهِم ببعضٍ؛ كالصاحب حقيقة، (من التصنيف من المبسوطات والمختصرات) التصنيفُ: مصدرُ صَنَّف الشيءَ: إذا جعله أصنافًا، يتميز بعضُها عن بعضٍ، فمؤلف الكتاب يُفرد الصنفَ الذي هو فيه عن غيره، ويُفرد كلَّ صنفٍ مما هو فيه عن الآخر، فالفقيهُ يُفرد مثلًا العباداتِ عن المعاملاتِ، وكذلك الأبواب أيضًا.
واختُلف في أول من صَنَّف الكتبَ: فقيل: ابن جُرَيج، وقيل: الربيع بن صَبِيح، وقيل: سعد بن أبي عَرُوبة.
و(المبسوط) ما كَثُر لفظُه ومعناه، و (المختصر) ما قَلَّ لفظُه وكَثُر معناه، مشتق من الاختصار: وهو الإيجاز.
(وأتقن) أحكم (مختصر المحرّر) المهذَّب الْمُنَقَّى، وهو هنا عَلَم الكتاب (للإمام أبي القاسم) اعتُرض على تكنيته للرافعي بأبي القاسم، وقد رجَّح هو منعَ التكني بذلك مطلقًا، ونقله عن مذهبِ الشافعي.
واعتُذر عنه: بأنه قوَّى في "الأذكار" الجوازَ، وأجاب عن النهي: بأنهم فَهِموا الاختصاصَ بحياته ﷺ ؛ لِما هو مشهورٌ من سببِ النهي في تكني اليهودِ بذلك؛ إيذاءً له ﷺ ، وهذا قد زال (٢).
(الرافعي) قال في "الدقائق": هو منسوب إلى (رافعان) بلدة معروفةٍ من بلاد (قَزْوين) (٣).
стр. 90
- ﵀ ذِي التَّحْقِيقَاتِ، وَهُوَ كَثيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ، مُعْتَمَدٌ لِلْمُفْتِي وَغَيْرِهِ مِنْ أُولِي الرَّغَبَاتِ، وَقَدِ الْتَزَمَ مُصَنِّفُهُ ﵀ أَنْ يَنُصَّ عَلَى مَا صَحَّحَهُ مُعْظَمُ الأَصْحَابِ، وَوَفَّى بِمَا الْتَزَمَهُ، وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ أَوْ أَهَمُّ الْمَطْلُوبَاتِ، لكِنْ فِي حَجْمِهِ كِبَرٌ عَنْ حِفْظِ أَكْثَر أَهْلِ الْعَصرِ إِلَّا بَعْضَ أَهْلِ الْعِنَايَاتِ، فَرَأَيْتُ اخْتِصَارَهُ فِي نَحْوِ نِصْفِ حَجْمِهِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ مَعَ مَا أَضُمُّهُ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى مِنَ النَّفَائِسِ الْمُسْتَجَادَاتِ: مِنْهَا: التَّنْبيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ هِيَ مِنَ الأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ. وَمِنْهَا: مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فِي "الْمُحَرَّرِ" عَلَى خِلَافِ الْمُخْتَارِ فِي الْمَذْهَبِ كَمَا سَتَرَاهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ. وَمِنْهَا: إِبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا، أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ
===
واعترضه جلالُ الدين القَزوينيُّ بأنه لا يعرف ببلاد (قَزْوين) بلدة يقال لها (رافعان)، بل هو منسوبٌ إلى جدٍّ من أجداده، وقيل: منسوبٌ إلى رافع بن خديج الصحابي، ويقال: إن هذه النسبةَ وُجِدتْ بخط الرافعي في بعض مصنفاتِه.
(ذي التحقيقات) ليس فيه كبيرُ مدحٍ؛ إذ ذلك جمعُ تحقيقةٍ، وهي المرةُ من التحقيق، وهو جمع سلامةٍ، وهو للقلة عند سيبويه، فلو أتى بجمع كثرةٍ .. لكان أنسبَ.
[(وهو) أي: "المحرر" (كثير الفوائد عمدة في تحقيق المذهب) أي: ما ذهب إليه الشافعي وأصحابه من الأحكام في المسائل؛ مجازًا عن مكان الذهاب (معتمد للمفتي وغيره من] (١) أولي) أصحابِ (الرغبات) جمعُ رغبةٍ.
(ووفى بما التزمه) التوفية لغةً: الإتمام والإكمالُ، ويجوز في (وفى) التشديد والتخفيف، والمراد: وَفَى غالبًا، وإلّا .. فكثيرًا ما يَستدرك المصنفُ على "المحرّر" بأنه خالفَ الأكثرين.
(فرأيت اختصارَه في نحو نصفِ حجمِه) هو إلى ثلاثة أرباعِه أقربُ، ولعلَّه ظنَّ ذلك حين شَرع في اختصاره، ثم احتاج إلى زيادة، وقيل: إن مرادَه بذلك: ما يتعلق بـ "المحرّر" دون الزوائدِ، و (النصف) نونُه مثلثةٌ، ويقال: نَصيفٌ بزيادة (ياء)، وفتح أولِه.
стр. 91
بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ. وَمِنْهَا: بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ، وَمَرَاتِبِ الْخِلاَفِ فَحَيْثُ أَقُولُ: (فِي الأَظْهَرِ أَوِ الْمَشْهُورِ) .. فَمِنَ الْقَوْلَيْنِ أَوِ الأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ. . قُلْتُ: (الأَظْهَرُ)، وَإِلَّا .. فَـ (الْمَشْهُورُ). وَحَيْثُ أَقُولُ: (الأَصَحُّ أَوِ الصَّحِيحُ). . فَمِنَ الْوَجْهَيْنِ أَوِ الأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الْخِلاَفُ. . قُلْتُ: (الأَصَحُّ)، وَإِلَّا. . فَـ (الصَّحِيحُ). فِي جَمِيع الْحَالاَتِ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (الْمَذْهَبُ). . فَمِنَ الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (النَّصُّ). .
===
(بأوضح وأخصر منه) صوابُه: أن يقال: إبدالُ الأوضح والأخصرِ بما كان من ألفاظه غريبًا، أو مُوهمًا خلافَ الصواب؛ فإن (الباء) مع الإبدال تدخل على المتروك؛ كما يجيء تحريرُه في (صفة الصلاة) إن شاء الله تعالى.
(ومنها: بيان القولين. . .) إلى آخره.
الأقوالُ: للإمام الشافعي ﵁، والأوجهُ: لأصحابه، والغالبُ: أنهم يُخرِّجونها على أصوله، ويستنبطونها من قواعده، قال في مقدمة "شرح المهذب": (وقد يجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله) (١).
والطرقُ: اختلافهم في حكاية مذهبِه؛ فيقول بعضُهم: (فيه قولان)، ويقول بعضُهم: (يجوز قطعًا)، أو يقول بعضُهم: (فيه تفصيلٌ)، وبعضُهم يَحكي خلافًا مطلقًا، وهذا الاصطلاحُ لم يُسبَق إليه المصنفُ، وهو اصطلاحٌ حسنٌ، لكنَّه لم يَفِ به في كثيرٍ من المواضع؛ كما سنَقِفُ عليه في مواضعَ، مع أني لا أستوعب التنبيهَ على جميع ما خالف فيه اصطلاحَه؛ طلبًا للاختصار.
(ومراتب الخلاف) أهو متماسكٌ أم واهٍ، (وحيث أقول: الأظهر. . .) (٢) إلى آخره، إنما جعل الأصح أو الصحيح من الوجهين؛ تأدبًا مع الشافعي ﵁، فإن قسيمَ الصحيحِ الفاسدُ أو الباطلُ، فلم ينسبه إليه، وعدل إلى المشهور الذي قسيمُه الغريبُ، وإلى الأظهر الذي قسيمُه الظاهرُ.
(وحيث أقول: النص. . .) إلى آخره، المرادُ بالنص: هو المنصوص؛ من
стр. 92
فَهُوَ نَصُّ الشَافِعِيِّ ﵀، وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّج. وَحَيْثُ أَقُولُ: (الْجَدِيدُ). . فالْقَدِيمُ خِلاَفُهُ، أَوِ (الْقَدِيمُ) أَوْ (فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ). . فَالْجَدِيدُ خِلاَفُهُ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (وَقِيلَ كَذَا). . فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، وَالصَّحِيحُ أَوِ الأَصَحُّ خِلاَفُهُ. وَحَيْثُ أَقُولُ: (وَفِي قَوْلٍ كَذَا) .. فَالرَّاجِحُ خِلاَفُهُ. وَمِنْهَا: مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إِلَيْهِ يَنْبَغِي أَلَّا يُخْلَى الْكِتَابُ مِنْهَا، وَأَقُولُ فِي أَوَّلِهَا: (قُلْتُ)، وَفِي آخِرِهَا: (وَاللهُ أَعْلَمُ).
===
باب إطلاق المصدرِ على اسم المفعول، وسمَّى ما قاله الشافعي بذلك؛ لأنه مرفوع إلى الإمام؛ من قولك: نصصتُ الحديثَ إلى فلان: إذا رفعته إليه.
والتخريج: أن يُجيب الشافعي بحكمين مُختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يَظهَر ما يَصلُح للفرق بينهما، فيَنقُل الأصحابُ جوابَه في كل صورةٍ إلى الأخرى، فيحصل في كل صورةٍ منهما قولان: منصوصٌ ومُخرَّجٌ، المنصوصُ في هذه هو الْمُخرَّجُ في تلك، والمنصوصُ في تلك هو الْمُخرَّجُ في هذه، فيقال: فيهما قولان بالنقل والتخريج.
والأصحُّ: أن القول الْمُخرَّجَ لا يُنسَب للشافعي؛ لأنه ربما لو رُوجع فيه. . ذَكَر فارقًا، قاله في "الروضة" في (القضاء) وفي مقدمة "شرح المهذب" (١).
(وحيث أقول: الجديد فالقديم خلافه) الجديد: ما صنفه الشافعي بمصر، والقديم: ما صنفه ببغداد، وقد رجع عنه.
قال الماوردي في أثناء كتاب (الصداق): غَيَّر الشافعيُّ جميعَ كتبه القديمةِ في الجديد، إلّا الصداقَ، فإنه ضَرَب على مواضعَ منه، وزاد مواضعَ (٢).
وإذا كان في المسألة قولان: قديمٌ وجديدٌ. . فالجديدُ هو المعمولُ به، إلا في مسائلَ استُثنِيتْ؛ نحوُ سبعَ عشرةَ مسألةً، أفتى فيها بالقديم.
قال في "شرح المهذب": وإفتاء الأصحابِ بالقديم في بعضِ المسائلِ محمولٌ
стр. 93
وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي "الْمُحَرَّرِ". . فَاعْتَمِدْهَا، فَلاَ بُدَّ مِنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنَ الأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي "الْمُحَرَّرِ" وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ. . فَاعْتَمِدْهُ، فَإِنِّي حَقَقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ الْمُعْتَمَدَةِ. وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوِ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْتُ فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ. وَأَرْجُو إِنْ تَمَّ هَذَا "الْمُخْتَصَرُ": أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِـ" الْمُحَرَّرِ"، فَإِنِّي لاَ أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنَ الأَحْكَامِ أَصْلًا وَلَا مِنَ الْخِلاَفِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا مَعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنَ النَّفَائِسِ. وَقَدْ شَرَعْتُ فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا "الْمُخْتَصَرِ"، وَمَقْصُودِي بهِ: التَّنْبيهُ عَلَى الْحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ "الْمُحَرَّرِ"، وَفِي إِلْحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لَلْمَسْأَلةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لاَ بُدَّ مِنْهَا.
===
على أن اجتهادَهم أَدَّاهم إلى القديم؛ لظهور دليلِه، ولا يَلزم من ذلك نسبتُه للشافعي (١).
(وما وجدته من زيادة لفظة) أي: بدون (قلتُ)، (وربما قدمت فصلًا للمناسبة) كما فعل في باب (الإحصار والفوات) فإنه أَخَّره عن الكلام على الجزاء، و"المحرّر" قَدَّمه عليه (٢)، (أن يكون في معنى الشرح لـ"المحرر") لدقائقِه، وخَفِيِّ ألفاظِه، وبيانِ صحيحِه، ومراتبِ خلافِه، ومحلِّ خلافِه هل هو قولان، أو وجهان، أو طريقان؟ وما يحتاج من مسائله إلى قيدٍ، أو شرطٍ، أو تصويرٍ، وما غَلِط فيه من الأحكام، وما صَحَّح فيه خلافَ الأصحِّ عند الجمهور، وما أَخلَّ به من الفروع المحتاجِ إليها، ونحوِ ذلك؛ كذا قاله المصنف في "الدقائق" (٣).
(فإني لا أحذف منه شيئًا من الأحكام) لعلَّ المرادَ: الأصولُ؛ إذ ربما حَذف المفرَّعاتِ، فإنه لم يُبيِّن في الخلع المجلسَ، وبَيَّنَه في "المحرّر" (٤).
وحذف التفريعَ على القديم في ضمان ما سيجب، وذكره في "المحرّر" (٥).
стр. 94
وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تفوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَرِضْوَانَهُ عَنِّي وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.
===
(وإليه تفويضي) التفويضُ: رَدُّ الأمر إلى الله تعالى، والبراءةُ من الحول والقوةِ إلَّا به.
(وأسأله النفع به لي [ولوالدي] (١) ولسائر المسلمين، ورضوانه عني وعن أحبائي، وجميع المؤمنين) النفعُ: ضِدُّ الضر، وثمرةُ ذلك: العملُ بالعلم.
وفي الحديث "مَنْ عَمِلَ بِمَا عَلِمَ. . عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ" (٢).
وسائر: بمعنى باقي، وقال الجوهري والجَواليقي في أول كتابه "شرح أدب الكاتب" وابن برّي وغيرهم: إنها تُطلَق أيضًا بمعنى الجميع، ولم يَذكُر الجوهري غيرَه (٣).
وسؤال المصنفِ أن يَنفع اللهُ بكتابه ممّا يُرَغِّب فيه؛ لأنه مُجابُ الدعوةِ، وقد حَقَّق الله له ذلك، فنَفَع به، وجعله عُمدةً في الإفتاء.
* * *
стр. 95
كتابُ الطّهارة
قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. يُشْتَرَطُ لِرَفع الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ: مَاءٌ مُطْلَقٌ،
===
(كتاب الطهارة)
الكتابُ والكَتْبُ: مصدران، صَرَّح به جماعة، تقول: كَتَب يَكتُب كَتْبًا وكِتابًا، ومادَّةُ (كتب) يَدُور معناها على الجمع، ومنه قولهم: تَكتَّبت بنو فلانٍ: إذا اجتمعوا، وكتب: إذا خَطَّ بالقلم؛ لما فيه من اجتماع الكلمات والحروفِ.
وهو في اصطلاح الْمُصنِّفين: اسمٌ لجنسٍ من الأحكام ونحوِها، مشتملةٌ على أنواعٍ مختلفةٍ؛ كالطهارة المشتملةِ على مياهٍ، وآنيةٍ، ووضوءٍ، وغسلٍ وغيرِها.
ويُعَبَّر عن تلك الأنواعِ تارةً بـ (بابٍ)، وتارةً بـ (فصلٍ)، إلَّا أن المصنِّفَ لم يُترجِم للمياه بِـ (بابٍ)، ولا (فصلٍ)، وكذا الاجتهادُ، والآنيةُ، وكان ينبغي أن يُترجِم لها؛ كغيرها من الأنواع.
والطهارة في اللغة: النظافة، وفي الاصطلاح كما قاله في "الدقائق" و"شرح المهذب": رفعُ حدثٍ، أو إزالةُ نَجَسٍ، أو ما في معناهما (١)؛ أي: كالغَسْلة الثانيةِ والثالثةِ، والطهارةِ المسنونةِ، وطهارةِ المستحاضةِ، والتيممِ ونحوِها، فهي طهاراتٌ لا تَرْفَع حدثًا، ولا تُزيلُ نَجَسًا، لكنّها لمّا وقعت بنية القربة. . صارت في معنى الفعل الواجب.
(قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ بدأ بها تبركًا وتيمنًا بالشافعي ﵁؛ إذ من عادتِه إذا كان في الباب آيةٌ. . تلاها، أو خبرٌ. . رواه، أو أثرٌ. . ذكره، ثم رَتَّب عليه مسائلَ الباب، وتبعه في "المحرّر"، وحذفه المصنفُ في باقي الأبواب.
(يشترط لرفع الحدث والنجس ماء مطلق) فلا يصحّان بما لا يقع عليه اسمُ الماء؛
стр. 96
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كالخَلِّ، ونبيذ التمرِ، ولا بما يقع عليه مع التقييد؛ كماء الوردِ، والأُشْنانِ.
أمّا الحدثُ: فلقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أمر الله تعالى بالتيمم عند فقدِ الماءِ، فدلَّ على منعه بغيره، ونقل ابن المنذر وغيرُه الإجماعَ على اشتراطه في الحدث (١)، وأما النجَس: فلحديث: "صُبُّوا عَلَيْهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ" (٢).
فصفةُ الإطلاق لازمةٌ للفظ (الماء) ما لم يُقيَّد وإن لم يُصرَّح بها، وحينئذ فيكون الماءُ المأمورُ به ماء مطلقًا، فيخرج المقيَّد بمفهوم الصفةِ، والمأمورُ لا يَخرُج عن الأمر إلَّا بامتثال ما أُمِرَ به.
وكان ينبغي أن يقول: (ونحوهما) ليتناول طهارةَ دائمِ الحدثِ، والوضوءَ المجدَّدَ، والأغسالَ المسنونةَ، وغَسْلَ الميت، وغُسْلَ الذِّمِّيَّة والمجنونةِ؛ لتَحِلَّ للزوج، ونحوَ ذلك، فإنها طهارات لا تَرفع حدثًا، ولا تُزيل نَجَسًا، ويُشترط لها الماءُ.
وكان الأولى أن يقول: (وإزالة نَجَس) لأن النَّجَس لا يوسف بالرفع في اصطلاحهم.
وخرج بقوله: (ماء) الترابُ، فإنّه مُبِيحٌ لا رافعٌ، والاستنجاءُ بالأحجار، فإنّه تخفيفٌ مَعفوٌّ عن أثر النجاسةِ فيه، لا إزالة.
وأبدل المصنفُ قولَ "المحرّر": (ولا يجوز) بـ (يشترط) لأنه لا يلزم من عدم الجوازِ الاشتراطُ، قاله في "الدقائق" (٣).
واعتُرض: بأنه في "شرح المهذب" ذكر: أن لفظةَ (يجوز) تُستعمل تارةً بمعنى الحِلِّ، وتارةً بمعنى الصحة، وتارةً بمعناهما، وهذا الموضعُ مما يَصلُح للأمرين (٤).
وأجيب: بأن لفظةَ (يشترط) تقتضي تَوقُّفَ الرفعِ على الماء، ولفظة (لا يجوز)
стр. 97
وَهُوَ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلاَ قَيْدٍ. فَالْمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنَىً عَنْهُ -كَزَعْفَرَانٍ- تغيُّرًا يَمْنَعُ إِطْلاَقَ اسْمِ الْمَاءِ. . غَيْرُ طَهُورٍ، وَلاَ يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لاَ يَمْنَعُ الاسْمَ، وَلاَ مُتَغيّرٌ بِمُكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ،
===
متردِّدةٌ بين تلك المعاني ولا قرينةَ، فالتعبير بـ (يشترط) أولى.
(وهو) أي: الماء المطلقُ (ما يقع عليه اسمُ ماء بلا قيدٍ) بإضافة؛ كماءِ وردٍ، أو بصفة؛ كماءٍ دافقٍ، أو بلامِ عهدٍ؛ كقوله ﷺ : "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ" يعني: المنِيَّ (١).
وهذا التفسيرُ صحّحه المصنفُ في "أصل الروضة"، و"شرح المهذب"، ونَصَّ عليه في البويطي، وحكى الرافعي وجهين من غيرِ ترجيحٍ: أحدهما: هذا، والثاني: أنه الباقي على أوصافِ خلقتِه (٢).
(فالمتغير بمستغنى عنه -كزعفران- تغيرًا يمنع إطلاق اسم الماء. . غيرُ طهور) وإن كَثُر؛ لفقد الإطلاقِ بإضافته إلى مُخالطٍ؛ إذ يقال: ماءُ زعفَرانٍ مثلًا.
ولا فرق في التغير بين الحسي والتقديري، حتى لو وقع في الماء ما يوافقه في الصفاتِ؛ كماءِ وردٍ منقطعِ الرائحةِ، فلم يَتغير. . قُدِّر بمخالفٍ وسطٍ، فإن غَيَّره. . سلبه الطهوريةَ على الأصح.
ويستثنى من المستغنى عنه: المتغير بأوراق الأشجارِ المتناثرةِ، وبالملح المائي؛ فإنه لا يضرُّ على الأصحِّ.
(ولا يضر تغيرٌ لا يمنع الاسمَ) وهو التغير اليسير؛ لإطلاق اسمِ الماءِ عليه، وقيل: يَضُرُّ، وهو قضيةُ إطلاقِ العراقيين.
(ولا متغيرٌ بمكث وطينٍ وطحلَب، وما في مقره وممره) من زِرْنيخ ونحوه وإن فَحُش التغير؛ إذ لا يمكن صَوْنُ الماءِ عن ذلك.
وقضيةُ كلامه: العفوُ عن الطين والطُّحْلَبِ وإن لم يكونا في المقرِّ والممرِّ، وهو في الطين كذلك كما يجيء في التراب.
стр. 98
وَكَذَا مُتَغَيِّر بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِي الأَظْهَرِ. وَيُكْرَهُ الْمُشَمَّسُ.
===
وأما في الطُّحلب: فلا، بل لو أخرج الطُّحلب أو الزِّرنيخ ونحوهما، ودقَّ ناعمًا، وألقي فيه وغَيَّرَه. . ضرَّ على الأصحِّ في "شرح المهذب" وغيره (١).
(وكذا متغير بمجاوِر؛ كعود ودهن، أو بتراب طُرِحَ فيه في الأظهر)
أما المجاورُ: فلأنه تَغيَّر بما لم يَختلطْ به، فأشبه التَّغيُّرَ بجيفةٍ قريبةٍ من الماء، ووجهُ مقابلِه: القياسُ على التَّغيُّر بالمخالط، وأما التراب: فلأنه مأمورٌ به في نجاسةِ الكلب، فلو كان يَسلُب. . لَما أمر به، ووجه مقابلهِ: تَغيُّره بمخالطٍ يَستغني الماءُ عنه، فأشبه الزَّعفَران.
(ويكره المشمَّسُ) أي: استعماله في البدن في الطهارة وغيرِها تَنْزيهًا؛ لما رواه الشافعي عن عمر ﵁ أنه كان يكره الاغتسالَ به، وقال: إنه يُورث البَرَصَ، ورواه الدارقطني عن عائشة ﵂ مرفوعًا، لكنه ضعيف (٢)، وقيل: لا يكره، واختاره المصنفُ، وقال في "شرح المهذب": إنه الصوابُ، وفي "التنقيح": إنه الصحيح المختارُ (٣).
وعلى الأول: إنما يكره بقُطْرٍ حارٍّ، قال القاضي: وفي وقتٍ حارٍّ، في إناءٍ مُنطبعٍ، وهو: كل ما طرق؛ كالنحاس، إلَّا الذهبَ والفضةَ على الأصحِّ؛ لصفاء جوهرِهما.
ولو لم نَجِدْ غيرَ مشمَّس. . وجب استعمالُه مع عدم الكراهة؛ كما قاله ابن عبد السلام.
والمشمَّس في الحِياضِ والبِرَكِ غيرُ مكروهٍ بالاتفاق، ولا يشترط تغطيةُ رأسِ الإناءِ، ولا قصدُ التشميسِ على الأصحِّ.
وإذا برد. . زالت الكراهةُ على الأصحِّ في "الروضة"، وقال في "الشرح
стр. 99
وَالْمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطهَارَةِ -قِيلَ: وَنَفْلِهَا-: غَيْرُ طَهُورٍ فِي الْجَدِيدِ، فَإِنْ جُمِعَ قُلَّتَيْنِ. . فَطَهُورٌ فِي الأَصَحِّ. وَلاَ تنجُسُ قُلَّتَا الْمَاءِ بِمُلاَقَاةِ نَجِسٍ، فَإِنْ غَيَّرَهُ. . فَنَجِسٌ،
===
الصغير": (الأظهر: بقاؤها) (١).
(والمستعملُ في فرض الطهارة -قيل: ونفلها- غيرُ طهور في الجديد).
اختلفوا في تعليله، فقيل: لتأدي فرضِ الطهارةِ به، ويُعبَّر عنه بانتقال المانع، وهو الأصحُّ، وقيل: لتأدي العبادةِ به، فعلى الأولِ: المستعملُ في مسنوناتِ الطهارةِ طهورٌ دون المستعملِ في غُسلِ كافرةٍ عن حيضٍ أو نفاسٍ لتَحِلَّ لزوجِها المسلمِ؛ لأنه استُعمل في فرضٍ، وعلى الثاني: ينعكس الحكمُ.
والقديم: أنه طهورٌ استُعمل في فرض الطهارةِ أو نفلها؛ لأن الطهورَ ما تتكرر منه الطهارةُ؛ كالقَتول والضَّروب، ولأنه ماءٌ باقٍ على إطلاقه، فكان طهورًا كما لو غَسَلَ به ثوبًا طاهرًا.
(فإن جُمعَ قلتين. . فطهورٌ في الأصح) كالماء النَّجِس، بل أولى، والثاني: لا؛ لأن وصف الاستعمالِ لا يزول.
(ولا تنجس قلتا الماء بملاقاة نَجِس) لحديث: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ. . لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا" صححه الحفاظُ (٢).
(فإن غَيَّره. . فنجِس) بالإجماع، سواءٌ أقَلَّ التغيُّرُ أم كَثُرَ، سواءٌ المخالِطُ والمجاوِرُ، سواءٌ تَغيَّر حِسًّا أم تقديرًا؛ كما تقدم نظيرُه في التغير بالطاهرات، إلّا أنّا هنا نُقدِّر النجاسةَ مخالفة في أغلظ الصفات، وهناك في أوسطها، وهنا نكتفي بأدنى تغيرٍ، وهناك لا بدّ من فُحْشه.
وقد يوهم كلامُه تَنجُّس كلِّه بتغير بعضِه، وقال الرافعي في "الكبير": (إنه ظاهرُ المذهبِ)، لكن صحح في "شرح المهذب" وغيره: أن المتغير نَجِسٌ، وأما
стр. 100
فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَاءٍ. . طَهُرَ، أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ. . فَلاَ، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الأَظْهَرِ. وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ بِالْمُلاَقَاةِ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلاَ تَغَيُّرَ. . فَطَهُورٌ، فَلَوْ كُوِثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا. . لَمْ يَطْهُرْ، وَقِيلَ: طَاهِرٌ لاَ طَهُورٌ.
===
الباقي: فإن كان قلتين. . لم يَنجُس، وإلاّ. . تنَجَّس؛ لأن هذا المتغيرَ بالنجاسة لا يزيد على عين النجاسةِ الجامدةِ، وقوَّاه في "الشرح الصغير" (١).
(فإن زال تغيره بنفسه أو بماء) زِيد فيه أو نُقِص منه، فدخله الريحُ أو الشمسُ فزال التغير (. . طهر) لزوال العلة، وهي التغير.
(أو) زال (بمسك وزعفران) أو خلٍّ (. . فلا) يطهر؛ لأنا لا ندري أن أوصافَ النجاسةِ زالتْ، أو غلب عليها المطروحُ فسترها.
ومن هذا التعليل لم يحسن تعبيرُ "الكتاب" لأن تقديرَه وإن زال بالمسك. . لم يطهر؛ لأنا نشك في زواله، وذلك متهافت، وعبارةُ "المحرّر"، و"الشرح"، و"الروضة" سالمةٌ من ذلك؛ فإنها: وإن طرح فيه مسك أو زعفران فلم يوجد التغير. . لم يطهر (٢).
(وكذا ترابٌ وجصٌّ في الأظهر) للشك في أنه ساترٌ أو مزيلٌ، وفيه ما مرَّ، ومحلُّ الخلاف: في حال الكدورة، فإن صفا ولا تغيُّر به. . طهر قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" (٣).
(ودونهما ينجس بالملاقاة) وإن لم يتغير؛ لمفهوم حديثِ القلتين المارِّ (٤).
(فإن بلغهما بماء) ولو نَجِسًا ومستعملًا (ولا تغير. . فطهور) (٥) لأن الكثرةَ دافعةٌ للنجاسة، وخرج بقوله: (بماء) المائعاتُ.
(فلو كوثر) المتنجس القليلُ (بإيراد طهور) عليه (فلم يبلغهما) أي: القلتين (. . لم يطهر) لأنه ماءٌ قليل فيه نجاسةٌ، (وقيل: طاهر لا طهور) لأنه متنجسٌ
стр. 101
وَيُسْتَثْنَى: مَيْتَةٌ لَا دَمَ لَهَا سَائِلٌ، فَلَا تنجِّسُ مَائِعًا عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَا فِي قَوْلٍ: نَجَسٌ لَا يُدْرِكُهُ طَرْفٌ. قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْجَارِي كَرَاكِدٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: لَا يَنْجُسُ بِلَا تَغيُّرٍ. وَ (الْقُلَّتَانِ): خَمْسُ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيٍّ
===
وَرَدَ عليه الماءُ فطهره؛ كثوب متنجس.
(ويستثنى ميتة لا دم لها سائل) عند ذبحها؛ بناءً على نجاستها بالموت، وهو الأصحُّ؛ كذباب وبراغيثَ وخنافسَ وعقربٍ ووَزَغٍ، لا ضِفْدع وحيّة، (فلا تُنجِّس مائعًا على المشهور) للمشقة وعُسر الاحتراز، والثاني: تنُجِّسه؛ كسائر الميتاتِ النجسةِ.
ومحلُّ الأول: إذا لم تغيره، فإن غيرته. . نَجَّسته على الأصحِّ عند المصنف، ومحلُّه أيضًا: ما إذا لم يُطرَح، فإن طُرح قصدًا. . لم يُعف عنه؛ كما جزم به في "الشرح الصغير".
(وكذا في قولٍ: نَجَسٌ لا يدركه طرف) لقلته؛ كنقطة بولٍ وما تَعلَّق برِجلِ ذبابةٍ من نجاسةٍ؛ لعُسر الاحتراز، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم) لما ذكرناه، ووجه مقابله: القياسُ على سائر النجاسات.
(والجاري كراكد) فيما مرَّ من التفرقة بين القليلِ والكثيرِ، والعبرةُ بالجرية نفسِها لا بمجموع الماءِ، فإذا كانت الجرية، وهي الدفعة التي عند حافتي النهر في العرض دون قلتين تنجست بملاقات النجاسة؛ لمفهوم حديث القلتين المار، فإنه لم يفصل فيه بين الجاري والراكد (١).
(وفي القديم: لا يَنجُس بلا تغير) لأن الجاريَ واردٌ على النجاسةِ، فلا يَنجُس إلَّا بالتغير؛ كالماء الذي تُزال به النجاسةُ، كذا علَّله الرافعى (٢)، وقضيتُه: كونُه طاهرًا لا طَهورًا؛ كالغسالة، فليتأمل.
(والقلتان: خمس مئة رطل بغدادي) لما رواه الشافعي أنه ﷺ قال: "إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرٍ. . لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ"، ثم روى الشافعي عن ابن
стр. 102
تَقْرِيبًا فِي الأَصَحِّ. وَالتَّغَيُّرُ الْمُؤَثِّرُ بِطَاهِرٍ أَوْ نَجِسٍ: طَعْمٌ، أَوْ لَوْن، أَوْ رِيحٌ. وَلَوِ اشْتبَهَ: مَاءٌ طَاهِرٌ بِنَجِسٍ. . اجْتَهَدَ
===
جريج أنه قال: رأيتُ قلال هجر، فالقلة منها تَسَعُ قِربتين أو قربتين وشيئًا (١).
فاحتاط الشافعي، وحسب (الشيء) نصفًا؛ لأنه لو كان فوقَ النصفِ. . لقال تَسَعُ ثلاثَ قِربٍ إلَّا شيئًا، فإنه عادةُ أهل اللسانِ، فيكون جملةُ القلتين خمسَ قِرب.
ثم إن القِربة لا تزيد غالبًا على مئة رطلٍ برطل بغدادَ، فيكون المجموعُ ما ذكره المصنفُ، وبالدمشقي مئة وثمانية أرطالٍ وثلث على رأي الرافعي في رطل بغدادَ، وعلى رأي المصنفِ مئة وسبعة أرطال وسبع رطل.
وبالمساحة ذراعٌ وربعٌ طولًا وعرضًا وعمقًا في مستوي الأضلاع فإن اختلف. . فبحسابه، وذكر بعضهم أنهما ذراعان طولًا في دور ذراع في مدورٍ كبئرٍ، والمرادُ: ذراعُ الآدمي، وطوله شبران تقريبًا.
(تقريبًا في الأصح) لما سبق، فعلى هذا يُعفى عن رطلين فقط على الأشهر في "زيادة الروضة" (٢)، والثاني: أنه تحديدٌ؛ كنصاب السرقة.
(والتغير المؤثر) حسًّا أو تقديرًا (بطاهر أو نَجِس: طعم، أو لون، أو ريح) أي: تكفي أحدُ الأوصافِ، وهو في النَّجِس إجماعٌ، وفي الطاهر أظهر الأقوال.
(ولو اشتبه ماء طاهر بنجِس. . اجتهد) لأنه شرطٌ من شروط الصلاةِ، يمكن التوصلُ إليه بالاجتهاد، فوجب الاجتهادُ فيه عند الاشتباه؛ كالقِبلة.
وللاجتهاد شروط:
الأول: بقاءُ الوقتِ، فلو ضاق عن الاجتهاد. . تيَمَّم وصلَّى وأعاد، قاله العمراني في "البيان" (٣)، الثاني: بقاء المشتبهين، فإن صُبَّ أحدُهما أو انصبَّ بنفسه. . لم يجتهد على الأصحِّ عند المصنف، بل يَتيمَّم ويصلِّي بلا إعادةٍ، الثالث: أن يكون الإناءان لواحدٍ، فلو اشتبه إناءان لاثنين لكل واحدٍ إناءٌ. . تَوضَّأ كلُّ واحدٍ بإنائه، قاله بعضُهم.
стр. 103
وَتَطَهَّرَ بِمَا ظَنَّ طَهَارَتَهُ، وَقِيلَ: إِنْ قَدَرَ عَلَى طَاهِرٍ بِيَقِينٍ. . فَلَا، وَالأَعْمَى كَبَصيرٍ فِي الأَظْهَرِ. أَوْ مَاءٌ وَبَوْلٌ. . لَمْ يَجْتَهِدْ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُخْلَطَانِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ. أَوْ وَمَاءُ وَرْدٍ. . تَوَضَّأَ بِكُلٍّ مَرَّةً،
===
ولو حذف لفظة (ماء). . لكان أخصرَ وأشملَ، فإن الثياب والأطعمةَ والترابَ كذلك.
(وتَطهَّر بما ظَنَّ طهارتَه) بأمارةٍ؛ كاضطرابٍ أو رَشاشٍ أو تَغيُّرٍ أو قربِ كلبٍ، فيغلب على الظن نجاسةُ هذا وطهارةُ غيره، (وقيل: إن قدَر على طاهرٍ بيقينٍ) كأن كان على شطِّ البحرِ (. . فلا) يجوز له الاجتهادُ، لأنه قادرٌ على تأدي الفرضِ بيقينٍ، فلا يسوغ تأديتُه بالاجتهاد؛ كمن بمكةَ ولا حائلَ بينَه وبين الكعبةِ، والأصحُّ: الجوازُ.
والفرقُ: أن القبلة في جهة واحدةٍ، فإذا قدَر عليها. . كان طلبُه لها في غيرها عبثًا، ولأن اليقين هناك في محلِّ الاجتهاد، وهنا بخلافه، ولأن الماءَ مالٌ، وفي الإعراض عنه تفويتُ ماليتِه مع إمكانها، بخلاف القبلة.
(والأعمى كبصير في الأظهر) لإمكان الوقوفِ على الأماراتِ باللمس، والشمِّ، والاستماعِ، واعوجاج الإناءِ، واضطراب الغطاءِ، فجاز له الاجتهادُ؛ كالوقت، والثاني: لا يجتهد؛ لأن النظر له أثرٌ في حصول الظنِّ بالمجتهَد فيه، وقد فقده فلم يجز؛ كالقبلة.
(أو) اشتبه (ماءٌ وبولٌ. . لم يجتهد على الصحيح) لأن الاجتهاد يقوي ما في النفس؛ من الطهارة الأصلية، والبول لا أصل له في الطهارة، فامتنع العمل به، والثاني: يجوز؛ كالماء النجِس، (بل يُخلطان) أو يُريقهما (ثم يتيمم) لئلَّا يتيمم ومعه ماء طاهرٌ بيقين.
(أو وماءُ وردٍ. . توضأ بكلٍّ مرةً) ليتيقن استعمالُ الطهور، ولا يجتهد؛ إذ لا أصلَ له في التطهير.
واغتفر التردد في النية لمقام العذر؛ كنسيان إحدى الخمسِ، ويندفع الترددُ المذكورُ، بأن يأخذ غَرفةً من هذا وغَرفةً من هذا، ويغسل خدَّه الأيمنَ بيمناه،
стр. 104
وَقِيلَ: لَهُ الاجْتِهَادُ. وَإِذَا اسْتَعْمَلَ مَا ظَنَّهُ. . أَرَاقَ الآخَرَ، فَإِنْ تَرَكَهُ وَلغيَّرَ ظَنُّهُ. . لَمْ يَعْمَلْ بِالثَّانِي عَلَى النَّصِّ، بَلْ يَتَيَمَّمُ بِلَا إِعَادَة فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْبَرَ بِتَنَجُّسِهِ مَقْبُولُ الرِّوَايَةِ وَبيَنَ السَّبَبَ، أَوْ كَانَ فَقِيهًا مُوَافِقًا. . اعْتَمَدَهُ
===
والأيسرَ بيسراه دفعةً من غير خلطٍ ناويًا في تلك الحالةِ، ثم يعيد غَسل وجهِه، ويُكمل وضوءَه بأحدهما، ثم يتوضأ بالآخر، فيصح وضوءُه وجزمه بالنية.
(وقيل: له الاجتهاد) كالطهور مع المتنجِّس، والفرق على الأول ما مرَّ.
(وإذا استَعمل ما ظنَّه. . أراقَ الآخرَ) ندبًا، إن لم يحتج إلى شربه؛ لئلَّا يَغلَط فيستعمله، أو يتغير اجتهادُه فيشوِّش عليه.
(فإن تركه وتغير ظنُّه) بأن ظن ثانيًا طهارةَ ما ظنَّ نجاستَه أولًا (. . لم يعمل بالثاني على النص) لأنه إن لم يغسل ما أصاب الأول. . صلَّى مع يقين النجاسةِ، وإن غسله. . كان نقضًا للاجتهاد بمثله، وقال ابن سريج: يُعمل به؛ كالقبلة، وهذا حكمٌ جديدٌ، فلا نقضَ إذًا، ولهذا لا يعيد الصلاةَ الأولى.
(بل يتيمم) لأنه ممنوعٌ من استعماله (بلا إعادة) للصلاة الثانيةِ (في الأصح) لأنه تيَمَّم لها وليس معه ماءٌ طاهرٌ بيقينٍ، والثاني: يعيد؛ لأن معه ماءً طاهرًا بحكم الاجتهادِ.
ومحلُّ تصحيح الأولِ: إذا لم يَبق من الأول شيءٌ، فإن بقي منه بقية. . وجبت الإعادة إذا حضرت صلاة أخرى على الأصحِّ.
ومحلُّ الخلاف: في الإعادة للمسافر، أمّا الحاضرُ. . فيعيد قطعًا، نَبَّه عليه صاحبُ "المعين".
(ولو أخبر بتنجُّسه مقبولُ الرواية) (١) ولو امرأةً وعبدًا (وبَيَّن السببَ) كأن قال: (رأيتُ الكلبَ قد شرب منه)، سواء كان عاميًّا أو فقيهًا، موافقًا أو مخالفًا.
(أو كان فقيهًا موافقًا) ولم يُبيِّن السببَ (. . اعتمده) لأنه خبرٌ يغلب على الظنّ التنجيس، والإخبار به من أخبار الدين، فوجب الرجوع فيه إلى المخبر؛ كأخبار الرسول ﷺ .
стр. 105
وَيَحِلُّ اسْتِعْمَالُ كُلِّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ، إِلَّا ذَهَبًا وَفِضَّةً فَيَحْرُمُ،
===
فإن انتفى التبيين والموافقة؛ كقول الحنفي: (هذا نجِس). . لم يعتمده؛ لجواز أن يكون مستندُه ولوغَ ذئبٍ ونحوه من السباع التي يقولون بنجاسة أفواهها، ونحن نخالفُهم فيها.
(ويحلّ استعمالُ كلِّ إناءٍ طاهرٍ) بالإجماع.
وأورد على طرده: الإناءُ المغصوبُ وجلدُ الآدمي المحترم، فإنهما طاهران ولا يحلّ استعمالُهما.
وأجيب عن الأول: بأن المرادَ: الحلُّ وعدمُه من حيث كونُه إناءً، والمغصوب تحريمه لمعنىً آخر، وهو تحريم مِلك الغير إلَّا برضاه، وفيه نظر، فإنه لا يحتاج على هذا إلى التقييد بالطاهر؛ إذ تحريم النجس بتنجيس المظروف لا لذاته، وعن الثاني: بأنه نادرٌ، فلم يندرج في العموم.
وأورد على مفهومه: ما لو وسع إناءٌ نَجِسٌ قلتين فأكثر. . فإنه يحل استعمالُه في الماء؛ كما قاله في "التنقيح"، ويحل استعمالُه أيضًا في اليابسات مع الكراهة؛ كما في "زوائد الروضة" (١).
وأجيب عنه: بأن في استعمال النجس تفصيلًا؛ وهو الكراهةُ في الجافِّ، والحرمةُ في الرَّطْب والمائع وإن كثر، والماء القليل، والجواز في الماء الكثير؛ فقد خالف حكمُه حكمَ الإناء الطاهر وهو إطلاق الحلّ.
(إلا ذهبًا وفضةً. . فيحرم) بالإجماع، وسواء الرجل والمرأة، والإناء الكبير والصغير، حتى الميل، إلَّا أن يحتاج إليه لجلاء عينه. . فيحلّ، قاله الماوردي.
ويحرم على الولي سقيُ الصغير بإناءِ ذهبٍ أو فضةٍ، وهل تحريمه لعينه أم للسرف والخيلاء وكسر قلوب الفقراء؛ فيه خلاف، والراجح: الأول.
وتظهر فائدة الخلاف في النحاس المموَّه بهما، وعكسه، قاله الرافعي (٢).
стр. 106
وَكَذَا اتِّخَاذُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الْمُمَوَّهُ فِي الأَصَحِّ، وَالنَّفِيسُ - كَيَاقُوتٍ - فِي الأَظْهَرِ. وَمَا ضُبِّبَ بِذهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ ضَبَّةً كَبِيرَةً لِزِينةٍ. . حَرُمَ، أَوْ صَغِيرَةً بِقَدَرِ الْحَاجَةِ. . فَلَا، أَوْ صَغِيرَةً لِزينَةٍ، أَوْ كَبِيرَةً لِحَاجَةٍ. . جَازَ فِي الأَصَحِّ.
===
وقضيته: ترجيح الحلّ في الأولى والتحريم في الثانية، لكن صحح في "زيادة الروضة" الحلّ فيهما (١).
(وكذا اتخاذه) من غير استعمالٍ (في الأصح) لأن ما لا يجوز استعمالُه. . لا يجوز اتخاذُه؛ كآلة اللهو، والجامعُ بينهما: أن النفس تدعو إلى استعمالهما، والثاني: لا؛ لأن النهي إنما ورد في الاستعمال لا الاتخاذ.
(ويحلّ) الإناء (المموه) الذي لا يحصل منه بالعرض على النار شيءٌ (في الأصح) بناء على أن التحريم للعين؛ لاستهلاكه، ولا يخفى، فلا يحصل به الخيلاء ولا كسر قلوب الفقراء، والثاني: لا؛ بناءً على أنه للخيلاء، فإن حصل منه بالعرض على النار شيء. . حرم قطعًا.
(و) يحل (النفيس؛ كياقوت في الأظهر) لأنه لا يعرفه إلا الخواصُّ، فلا خيلاءَ، والثاني: يحرم؛ إذ هو أعظم في السرف من الذهب والفضة.
(وما ضبب بذهبٍ أو فضةٍ ضبةً كبيرةً لزينة. . حَرُم) للكبر وعدمِ الحاجة، وعبارة "المحرّر": (وإن كانت كبيرةً وفوقَ قدرِ الحاجةِ) (٢)، فيؤخذ منها: تحريمُ الضبةِ الكبيرةِ إذا كان بعضُها للزينة، وبعضُها للحاجة وإن كان مقدارُ الزينة صغيرًا، ولا يؤخذ من عبارة الكتاب.
(أو صغيرةً بقدر الحاجةِ. . فلا) تحرم ولا تكره؛ للصغر مع الحاجة، وقد صحّ: (أن أنسًا ﵁ سَلْسَلَ قَدَح رسول الله ﷺ لَمَّا انصدع بفضةٍ، وشرب فيه ﷺ (٣).
(أو صغيرةً لزينة أو كبيرةً لحاجة. . جاز في الأصح) مع الكراهة، أما في الأولى:
стр. 107
وَضَبَّةُ مَوْضِعِ الاسْتِعْمَالِ كَغَيْرِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: تَحْرِيمُ ضَبَّةِ الذَّهَبِ مُطْلَقًا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
===
فلقدرة معظم الناس على مثلها، وأما في الثانية: فلظهور قصد الحاجةِ دون الزينة، والثاني: يحرم، أما في الأولى: فلكونها للزينة، وأما في الثانية: فلكبرها.
ومعنى الحاجة: غرض إصلاح موضعِ الكسر، دون التزيين، ولا يعتبر العجز عن التضبيب بغير الفضة.
وأصلُ الضبة: أن ينكسر الإناء فيوضعَ على موضع الكسر نحاسٌ أو فضةٌ أو غيرُهما؛ ليمسكه، ثم توسع الفقهاءُ فأطلقوه على إلصاقه به وإن لم ينكسر، ويُرجَع في الصغيرة والكبيرة للعرف على الأصحِّ في "زيادة الروضة" (١).
(وضبةُ موضعِ الاستعمال كغيره في الأصح) إذ الاستعمال منسوب إلى الإناء كله، والثاني: إن كانت في موضع الاستعمال. . حرم؛ لمباشرتها بالاستعمال المنهي عنه.
(قلت: المذهب: تحريمُ ضبة الذهبِ مطلقًا، والله أعلم) لأن الخبر إنما ورد في الفضة، وباب الفضة أوسع؛ بدليل جواز الخاتم للرجل منها.
* * *
стр. 108
بابُ أسباب الحَدَث
هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ أَوْ دُبُرِهِ، إِلَّا الْمَنِيَّ
===
(باب أسباب الحدث)
هو أولى من التعبير بـ (نواقض الوضوء) إذ يقال: انتهى الوضوءُ لا بَطَل؛ كما يقال: انتهى الصوم لا بَطَل، كذا قاله في "الدقائق" (١)، لكنه عبَّر بعد ذلك بـ (النقض)، فقال: (فخرج المعتاد نقض).
(هي أربعة) أما النقض بها. . فللأدلة الآتية، وأما عدمُه بغيرها. . فلأن الأصل أن لا نقض حتى يثبت فيه نصٌّ، ولم يَثْبُت، والقياسُ ممتنعٌ هنا؛ لأن علة النقض غير معقولة.
(أحدها: خروج شيء من قبله أو دبره) عينًا كان أو ريحًا ولو من فرج المرأةِ، أو من ذكرِ الرجلِ.
ولو أدخل في ذكره ميلًا ثم أخرجه. . انتقض، ثبت ذلك في البولِ والغائط والريحِ بالنصوص والإجماع، وفيما عداها بالقياس.
وفي "فتاوى القفال": أنَّ بَلَلَ فرجِ المرأةِ إذا وصل إلى موضعٍ يجب عليها غَسْلُه في الغسل. . أن وضوءَها ينتقض، وإنْ خرج إلى محلٍّ لا يجب عليها غَسلُه في الجنابة والاستنجاء. . فلا؛ لأنه في حكم الباطن.
(إلَّا المنِيَّ) فإنه لا يوجبُ الوضوءَ، لأنه أوجبَ أعظمَ الأمرين -وهو الغسلُ- بخصوصه، فلا يوجب أهونَهُما -وهو الوضوء- بعمومِه؛ كزنا المحصَنِ لَمَّا أوجبَ أعظمَ الحدَّيْن -وهو الرجمُ- بخصوصه -وهو زنا المحصن-. . لم يوجب أهونَهُما -وهو الجلد- بعموم كونِه زنًا، ورجح في "الكفاية" وفاقًا للقاضي أبي الطيب النقضَ به، ونقل عن تصحيح الرافعي له في كتابه "المحمود"، ونقل ابنُ المنذر وابن عطية الإجماعَ عليه (٢).
стр. 109
وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ الْمُعْتَادُ. . نَقَضَ، وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الأَظْهَرِ، أَوْ فَوْقَهَا وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ. . فَلَا فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: زَوَالُ العَقْلِ،
===
قيل: وما ذُكِر من القاعدة لا يَطَّرد؛ فإن الحيضَ يوجب الغسلَ والوضوءَ اتفاقًا؛ كما حكاه الماوردي مع إيجابه أعظمَ الأمرين بخصوصه.
وهو مردودٌ؛ فإنَّ ابنَ الصلاح حكى عن لطيف بن خيران: أن الحيضَ والنفاسَ لا يوجبان الوضوءَ.
(ولو انسد مخرجه، وانفتح) مخرجٌ بدلَه (تحت معدته فخرج المعتاد) خروجُه، وهو البولُ والغائطُ (. . نقض) إذ لا بد للإنسان من مخرجٍ، فأقيم هذا مقامَه.
(وكذا نادر؛ كدود) ودمٍ (في الأظهر) لأنه مخرجٌ تنتقض الطهارةُ بخروج المعتادِ منه، فكذا بخروج النادرِ؛ كالمخرج الأصلي، والثاني: لا ينتقض؛ إذ الضرورةُ في جعله مخرجًا إنّما هو في المعتاد.
(أو فوقها وهو منسدٌّ، أو تحتها وهو منفتحٌ. . فلا في الأظهر) لأنه لم تُحِلْه الطبيعة في الأولى، فأشبه القيءَ، وفي الثانية لا ضرورةَ إلى جعل الحادثِ مخرجًا، فأشبه الجائفةَ، والثاني: ينتقض فيهما؛ كالمخرج المعتاد.
والمعدةُ: هي الموضعُ الذي يستقرُّ فيه الطعامُ، وهو المكانُ المنخسف تحتَ الصدرِ إلى السُّرَّة، كذا ذكره ابنُ الرفعةِ، وهو قولُ أهل اللغةِ والأطباءِ، وفَسَّرها المصنفُ في كتبه بما فيه بحثٌ (١).
(الثاني: زوال العقل) بالإجماع، والمعنى فيه: خروجُ الشيء منه ولا يشعر.
وشرطُ النقض في النومِ والسكرِ: زوالُ الشعور، بخلاف النُّعاس، وأوائلُ النشوة والرؤيا: من علامات النوم، وسماعُ كلام الحاضرين وإن لم يفهمه: من علامات النُّعاس.
وفي حدّ العقل عباراتٌ: أحسنُها: ما ذكره الشيخ أبو إسحاق: أنه صفةٌ يُميِّز بها بين الحسن والقبيح، وعن الشافعي: أنه آلةُ التمييز.
стр. 110
إِلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ. الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتيَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، إِلَّا مَحْرَمًا فِي الأَظْهَرِ. وَالْمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ فِي الأَظْهَرِ
===
(إلَّا نومَ ممكِّنٍ مقعدَه) للأمْنِ من خروجِ شيءٍ في هذه الحالةِ، وخروجُ الريح من القبل نادرٌ، فلم يرتفع به أصلُ الطهارة، وسواءٌ كان مستنِدًا إلى شيءٍ لو أزيل. . لَسَقط، أو لا على الصحيح.
نعم؛ لو نام على قَفاه مُلصقًا مقعدتَه الأرضَ. . انتقض.
ويُستثنى من الانتقاض بالنوم مضطجعًا: النبيُّ ﷺ .
وقضية كلام المصنفِ: أن النوم يُزيل العقلَ وهو ما ذكره بعضهم، وقال الغزالي: الجنون يُزيله، والإغماء يَغمره، والنوم يَستره.
(الثالث: التقاءُ بشرتيِ الرجل والمرأة) ولو بلا شهوةٍ ونسيانٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ وقرئ: (أو لمستم).
واللمسُ: هو الحسُّ باليد، كذا فَسَّره ابنُ عمر ﵄، والمعنى فيه: أنه مظنة ثورانِ الشهوةِ.
واحترز بـ (الرجل) و (المرأة): عن الخنثيين، أو الخنثى مع رجل أو امرأة؛ فإنه لا نقض؛ لاحتمال التوافق.
(إلا محرمًا في الأظهر) ولو بشهوة؛ لأنها ليستْ في مظنتها بالنسبة إليه؛ كالرجل، والثاني: ينقض؛ لعموم الآية، والقولان مَبنِيَّان على أنه: هل يجوز أن يُسْتنبط من النص معنًى يُخصِّصه أم لا؟
والْمَحرَم: مَنْ حَرُم نكاحُها على التأبيد بسبب مباحٍ؛ لِحُرمتها، قاله في "الدقائق"، وفيه بحثٌ (١).
(والملموسُ) وهو من لم يوجد منه فعلُ اللمس (كلامسٍ) في نقض الوضوءِ (في الأظهر) لاستوائِهما في اللذةِ الحاصلةِ من اللَّمْس، فاستويا في حكمِه؛ كالفاعل والمفعول في الجماع، والثاني: لا؛ كما في مَسِّ ذكرِ الغيرِ.