← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِتَالٍ .. ضَمِنَ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَفِي قَوْلٍ: يَضْمَنُ الْبَاغِي. وَالْمُتَأَوِّلُ بِلَا شَوْكَةٍ يَضمَنُ، وَعَكْسُهُ كَبَاغٍ. وَلَا يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَوْ شُبْهَةً .. أَزَالَهَا، === وجه، حكاه القاضي أنهم إن أعطوها اختيارًا من غير إجبار .. لم يسقط عنهم، قال ابن الرفعة: وقياسه: الطرد في غيرها (١). (وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال .. ضمن) سواء النفس والمال جريًا على الأصل الممهد في قصاص النفس وغرامات الأموال، (وإلا) أي: وإن كان في قتال ( .. فلا) ضمان، أما فيما يتلفه العادل على الباغي .. فلأنه مأمور بالقتال، فلا يضمن ما يتولد منه، وأما فيما يتلفه الباغي على العادل .. فلأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة؛ كوقعة الجمل وصفين .. لم يطالب بعضهم بعضًا بضمان نفس ولا مال، (وفي قول: يضمن الباغي) لأنهما فرقتان من المسلمين: محقة ومبطلة، فلا يستويان في سقوط الغرم؛ كقطاع الطريق والمرتدين. ومحل القولين: فيما أتلف بسبب القتال، وتولد منه هلاك، فإن أتلفوا في القتال ما ليس من ضرورة القتال .. ضمن قطعًا قاله الإمام، وأقراه (٢). (والمتأول بلا شوكة يضمن) مطلقًا وإن أتلف في القتال؛ كقطاع الطريق، ولأنا لو أسقطنا الضمان .. لم تعجز كل شرذمة تريد إتلاف نفس ومال أن تبدي تأويلًا وتفعل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك بطلان السياسات، (وعكسه) وهو من له شوكة بلا تأويل (كباغ) ففي ضمانه القولان؛ لأن سقوط الضمان عن الباغي ترغيبهم في الطاعة، ليجتمع الشمل، وهو موجود هنا. (ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون) أي: يكرهون، كما فعل علي ﵁ حين بعث ابن عباس إلى الخوارج (٣)، (فإن ذكروا مظلمة أو شبهة .. أزالها) لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم،

стр. 1997

فَإِنْ أَصَرُّوا .. نَصَحَهُمْ ثُمَّ آذَنَهُمْ بالْقِتَالِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوا .. اجْتَهَدَ وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا. وَلَا يُقَاتِلُ مُدْبِرَهُمْ وَلَا مُثْخَنَهُمْ وَأَسِيرَهُمْ، وَلَا يُطْلَقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَامْرَأَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ، === وظاهر كلام الشيخين: وجوب البعث (١)، قال في "المطلب": وهو ظاهر كلام الشافعي، وصرح به الأصحاب، وقال القاضي أبو الطيب: إنه مستحب. (فإن أصروا) بعد إزالة المظلمة وكشف الشبهة ( .. نصحهم) ووعظهم؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود (ثم) إن أصروا .. دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا فغلبوا وأصروا مكابرين .. (آذنهم بالقتال) أي: أعلمهم به (فإن استمهلوا .. اجتهد) في الإمهال (وفعل ما رآه صوابًا) فإن ظهر له عزمهم على الطاعة، وهم ينتظرون كشف الشبهة أو التأمل .. أنظرهم، أو أنهم يقصدون الاجتماع، أو ينتظرون مددًا .. فلا. (ولا يقاتل مدبرهم ولا مثخنهم وأسيرهم) لنهي علي ﵁ عن ذلك (٢)، ولأن قتالهم شرع للدفع عن منع الطاعة، وقد زال. نعم؛ إن انهزم متحيزًا إلى فئة قريبة .. اتبع، أو بعيدة .. فلا، ولو ولَّوا ظهورهم مجتمعين تحت راية زعيمهم .. اتبعوا، وقوتلوا حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقد عبر في "المحرر" في المدبر بالقتال، وفي الأخيرين بالقتل (٣)، وهي أحسن؛ لأن المثخن والأسير لا يقاتلان. (ولا يطلق) أسيرهم، بل يحبسه (وإن كان صبيًّا وامرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم) لينكف شره. وأفهم: أنه لا يطلق إلا باجتماع الأمرين: انقضاء الحرب، وتفرق جمعهم، وهذا غاية في الرجل البالغ الذي هو أهل للقتال، أما الصبي غير المراهق والمرأة .. فيطلقان بمجرد انقضاء القتال على الأصحِّ في "أصل الروضة" (٤).

стр. 1998

إِلَّا أَنْ يُطِيعَ بِاخْتِيَارِهِ. وَيَرُدُّ سِلَاحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُمْ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي قِتَالٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَلَا يُقَاتلونَ بِعَظِيمٍ - كَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ - إِلَّا لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ أَوْ أَحَاطُوا بِنَا. وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ، وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ، === (إلا أن يطيع باختياره) بمبايعة الإمام، والرجوع عن البغي إلى الطاعة، فيطلق ولو قبل انقضاء الحرب، وتفرق الجمع، وهذا الاستثناء خاص بالرجل المتأهل للقتال، أما النساء والعبيد والصبيان .. فلا بيعة عليهم. (ويرد) وجوبًا (سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم) بعودهم إلى الطاعة، أو تفرق شملهم، قال الرافعي: وهو وقت إطلاق الأسرى (١). (ولا يستعمل) خيولهم وأسلحتهم (في قتال) كما لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم (إلا لضرورة) بأن لم يجد أحدنا ما يدفع به عن نفسه إلا سلاحهم، أو ما يركبه - وقد وقعت هزيمة - إلا خيولهم، فإنه يجوز الاستعمال والركوب؛ كما يجوز أكل مال الغير للضرورة. وذكر الخيل والسلاح مثال، فإن غيرهما من أموالهم كذلك. (ولا يقاتلون بعظيم؛ كنار ومنجنيق) (وتغريق وإلقاء الحيات ونحوها من المهلكات؛ لأن المقصود من قتالهم ردهم إلى الطاعة، وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلًا، وفي الحديث الصحيح: "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا" (٢)، (إلا لضرورة؛ بأن قاتلوا به، أو أحاطوا بنا) واضطررنا إلى الرمي بالنار ونحوها؛ للدفع. (ولا يستعان عليهم بكافر) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. (ولا بمن يرى قتلهم مدبرين) كالحنفية؛ لأنهم لا يحترمون قتلهم بعد الانهزام، ولا يحل ذلك عندنا، هذا إذا كان الإمام يرى مذهبنا فيهم؛ كما قيده الإمام (٣)،

стр. 1999

وَلَوِ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ حَرْبٍ وَآمَنُوهُمْ .. لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا، وَنَفَذَ عَلَيْهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ قِتَالِنَا .. انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، أَوْ مُكْرَهِينَ .. فَلَا، .. === وإلا .. فلا اعتراض عليه فيما يراه مذهبًا هنا، وفي كل موضع. ويستثنى: ما إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم، فيجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون فيهم جرأة وحسن إقدام، والثاني: أن يتمكن من دفعهم لو اتبعوا أهل البغي بعد الانهزام؛ كما نقلاه عن حكاية ابن الصباغ والروياني وغيرهما عن اتفاق الأصحاب، وزاد الماوردي ثالثًا: وهو أن يثق بوفائهم، والا يتبعوا مدبرًا، ولا يذففوا على جريح (١). (ولو استعانوا علينا بأهل الحرب وآمنوهم .. لم ينفذ أمانهم علينا) لأن الأمان لترك قتال المسلمين، فلا ينعقد على شرط القتال، فيجوز لنا أن نغنم أموالهم، وأن نسترقهم ونقتلهم إذا وقعوا في الأسر، ونقتل مدبرهم، ونذفف على جريحهم. نعم؛ لو قالوا: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو أنهم المحقون، أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار .. بلغوا المأمن وقوتلوا مقاتلة البغاة، ولا يتعرض لمدبرهم على الأصحِّ. (ونفذ) أمان أهل البغي (عليهم في الأصح) لأنهم أمنوهم، وأمنوا منهم، والثاني: لا ينفذ عليهم؛ كما لا ينفذ علينا. (ولو أعانهم أهل الذمة) مختارين (عالمين بتحريم قتالنا .. انتقض عهدهم) كما لو انفردوا بالقتال، وصار حكمهم حكم أهل الحرب، (أو مكرهين .. فلا) ولا بد من ثبوت كونهم مكرهين عند الإمام؛ كما قاله المتولي والبَنْدَنيجي (٢).

стр. 2000

وَكَذَا إِنْ قَالُوا: (ظَنَنَّا جَوَازَهُ) أَوْ (أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ) عَلَى الْمَذْهَب، وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ. فَصْلٌ [في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة] شَرْطُ الإِمَامِ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا قُرَشِيًّا === (وكذا إن قالوا: "ظَنَنَّا جوازه") أي: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على الكفار، (أو "أنهم محقون") (وأن لنا إعانة المحق، وأمكن صدقهم (على المذهب) إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه (ويقاتلون) حيث لا ينتقض عهدهم، (كبغاة)؛ أي: كما يقاتل البغاة، أما إذا انتقض عهدهم .. فحكمهم مذكور في الجزية. * * * (فصل) لما كان البغي عبارة عن الخروج على الإمام .. احتاج إلى تعريف الإمام، ويجب نصب الإمام، كيلا يبقى الناس فوضى. (شرط الإمام) الأعظم ( .. كونه مسلمًا) ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين (مكلفًا)، لأن المولى عليه في حضانة غيره، فكيف يلي أمر الأمة؟ . (حرًّا ذكرًا) ليكمل، ويهاب، ويتفرغ، ويتمكن من مخالطة الرجال (قرشيًّا) لحديث: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" رواه النسائي بإسناد جيد من رواية أنس (١). فإن عدم قرشي بالصفات .. فكناني، فإن فقد كناني بالصفات .. فرجل من ولد إسماعيل ﷺ ، فإن فقد .. ففي "التهذيب" أنه يولى من العجم، وفي "التتمة" أنه يولى جرهمي، وجرهم من أصل العرب، فإن فقد .. فرجل من ولد إسحاق ﷺ (٢). وأفهم كلامه: أنه لا يشترط كونه هاشميًّا، وهو كذلك، فإن الصديق وعمر

стр. 2001

مُجْتَهِدًا شُجَاعًا ذَا رَأْيٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَنُطْقٍ. وَتَنْعَقِدُ الإِمَامَةُ بالْبَيْعَةِ، وَالأَصَحُّ: بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ، وَشَرْطُهُمْ صِفَةُ الشُّهُودِ. وَباسْتِخْلَافِ الإِمَامِ، === وعثمان ﵃ لم يكونوا من بني هاشم. (مجتهدًا) بحيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث، (شجاعًا) ليغزو بنفسه، ويدير الجيوش، ويقهر الأعداء، ويفتح الحصون، (ذا رأي) لأن الرأي ملاك الأمور، فالرأي قبل شجاعة الشجعان، وعبارة "الروضة": ذا رأي وكفاية (١)، ولا شك أن الكفاية تجمع الرأي وغيره، (وسمع وبصر ونطق) ليتأتى منه فصل الأمور، ولا يضر ثقل السمع، قال الماوردي: وضعف البصر إن كان يمنع معرفة الأشخاص .. منع انعقاد الإمامة واستدامتها، وعدَّ في "الروضة" من الشروط: العدالة؛ إذ لا يوثق بالفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يُولى الأمر العام؟ وسلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض (٢). (وتنعقد الإمامة بالبيعة) كما بايع الصحابة الصديق ﵁ وعنهم، (والأصح: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم) لأنه ينتظم الأمر بهم، ويتبعهم سائر الناس، ولا يشترط على هذا عدد، بل لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع .. كفت بيعته. (وشرطهم) أي: الذي يبايعون (صفة الشهود) من العدالة وغيرها، مما سيأتي. وأفهم: أنه لا يشترط حضور شاهدين للبيعة، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" إن كان المبايعون جمعًا، فإن كان واحدًا .. اشترط (٣). (وباستخلاف الإمام) من بعده؛ كما عهد الصديق ﵁ إلى عمر ﵁، وانعقد الإجماع على جوازه.

стр. 2002

فَلَوْ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمْعٍ .. فَكَاسْتِخْلَافٍ، فَيَرْتَضُونَ أَحَدَهُمْ. وَبِاسْتِيلَاءِ جَامِعِ الشُّرُوطِ، وَكَذَا فَاسِقٌ وَجَاهِلٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: لَوِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاةٍ إِلَى الْبُغَاةِ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ جِزْيَةٍ .. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا خَرَاجٌ فِي الأَصَحِّ، === وصورته: أن يعقد له الخلافة - في حياته - بعده، فإن أوصى له بها .. فوجهان؛ لأنه بالموت يخرج عن الولاية، فلا تصح منه تولية الغير، وفيه بحث للرافعي (١). (فلو جعل الأمر شورى بين جمع .. فكاستخلافٍ، فيرتضون أحدهم) كما أن عمر ﵁ جعل الأمر شورى بين ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف ﵃، فاتفقوا بعد موته على عثمان ﵁. (وباستيلاء جامع الشروط) بالقهر والشوكة تنعقد الإمامة به أيضًا؛ لينتظم شمل المسلمين، (وكذا فاسق وجاهل في الأصح) لما ذكرناه وإن كان عاصيًا بفعله، ولا يصير الشخص إمامًا بتفرده بشروط الإمامة في وقته، بل لا بد من أحد الطرق، وقيل: يصير من غير عقد، حكاه القمولي، قال: ومن الفقهاء من الحق القاضي بالإمام في ذلك. (قلت: لو ادعى دفع زكاة إلى البغاة .. صدق بيمينه) لبنائها على المواساة، واليمين مستحبة، وقيل: مستحقة، وصححه في "تصحيح التنبيه" (٢)، (أو جزية .. فلا على الصحيح) لأن الجزية عوض عن المسكن، فأشبه ما لو ادعى المستأجر دفع الأجرة، والثاني: يصدق؛ كالزكاة. (وكذا خراج في الأصح) لأنه أجرة أو ثمن، والثاني: يصدق؛ كالزكاة.

стр. 2003

وَيُصَدَّقُ فِي حَدٍّ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === (ويصدق في) إقامة (حد) عليه (إلا أن يثبت) وجوب الحد (ببينة، ولا أثر له في البدن، والله أعلم) فلا يصدق، فإن ثبت بالإقرار .. صدق؛ لأن المقر بالحد إذا رجع .. يقبل رجوعه، وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحد عليه، فيجعل كالرجوع، وكذا إذا كان أثره باقيًا. ولو ذكر المصنف هذه الزيادة قبل الكلام في أحكام الإمامة .. لكان أنسب. * * *

стр. 2004

كتابُ الرِّدَّة هِيَ: قَطْعُ الإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْل كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ، سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاء أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا. فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ أَوِ الرُّسُلَ أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ كَالزِّنَا وَعَكْسُهُ، === (كتابُ الردة) هي لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وقيل: الامتناع من أداء الحق، ومنه إطلاق الردة على مانعي الزكاة في زمن الصديق ﵁، وشرعًا: ما ذكره المصنف، وهي أفحش أنواع الكفر، وأغلظها حكمًا. والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الآية، وفي الصحيح: "مَنْ بَدَّل دِينَهُ .. فَاقْتُلُوهُ" (١). (هي: قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاءًا أو عنادًا أو اعتقادًا) أورد على هذا التعريف: ما لو تردد في أنه يخرج عن الإسلام أو يبقى .. فإنه ردة، ولم يوجد فيه قطع. وقوله: (بنية) ليس في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" (٢)، وذكره؛ ليدخل في الضابط العزم على الكفر في المستقبل؛ فإنه كفر في الحال؛ كما سيأتي. والفرق بين العناد والاعتقاد: أن المعاند يعتقد الحق، لكن يأبى أن يقوله، بخلاف المعتقد. (فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذب رسولًا) أو سخر منه، أو تنقص به، أو أنكر رسالة واحد من الأنبياء المعروفين، قال الحليمي: أو تمنى في زمن نبينا أو بعده أن لو كان نبيًّا (أو حلل محرمًا بالإجماع، كالزنا) واللواط، وشرب الخمر، قال البَنْدَنيجي: وكذا اعتقاد حل السحر، (وعكسه) أي: حرم حلالًا بالإجماع؛ كالنكاح.

стр. 2005

أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَعَكْسُهُ، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ .. كَفَرَ. وَالْفِعْلُ الْمُكَفِّرُ: مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ؛ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَة، أَوْ سُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ. وَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ === (أو نفى وجوب مجمع عليه) فيه نص، أو هو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك فيها الخواص والعوام؛ كالصلاة، والزكاة، والحج، أو تحريم الخمر، بخلاف من جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، (وعكسه) أي: اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع؛ كصلاة سادسة، وصوم شوال. (أو عزم على الكفر غدًا، أو تردد فيه .. كفر) في الحال في جميع الصور المذكورة، وكذا إذا اعتقد قدم العالم؛ كما تقوله الفلاسفة، أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع؛ ككونه عالمًا قَديرًا. أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع؛ كالالوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال؛ كما نقلاه عن المتولي، وأقراه (١). قال في "المهمات" بعد ذكره هذا: (المجسمة ملتزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال مع أننا لا نكفرهم على المشهور؛ كما دل عليه كلام الرافعي في "الشهادات"، ووافقه عليه في "الروضة"، لكن جزم النووي في "باب صفة الأئمة" من "شرح المهذب" بتكفيرهم، ذكر ذلك قبيل الكلام على منع اقتداء الرجل بالمرأة) (٢). (والفعل المكفر: ما تعمده استهزاءً صريحًا بالدين، أو جحودًا له؛ كإلقاء مصحف بقاذورة) لأنه صريح في الاستخفاف بكلام الله تعالى، والاستخفاف بالكلام استخفاف بالمتكلم، (أو سجود لصنم أو شمس) وكذا السحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها؛ لأنه أثبت لله شريكًا. (ولا تصح ردة صبي ومجنون) لأنه لا تكليف عليهما، ولا اعتداد بقولهما

стр. 2006

وَمُكْرَهٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ فَجُنَّ .. لَمْ يُقْتَلْ فِي جُنُونِهِ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ رِدَّةِ السَّكْرَانِ وَإِسْلَامِهِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُطلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّفْصِيلُ؛ فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ شَهِدُوا بِرِدَّةٍ فَأَنْكَرَ .. حُكِمَ بِالشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: (كُنْتُ مُكْرَهًا) وَاقْتَضَتْهُ قَرِينَةٌ كَأَسْرِ كُفَّارٍ .. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا، === واعتقادهما، (ومكره) إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان؛ كما نطق به التنزيل؛ فإن رضي بقلبه .. فمرتد، ولو تجرد قلبه عند الإكراه على التلفظ عن اعتقاد إيمان وكفر .. ففي كونه مرتدًّا وجهان. (ولو ارتد فجن .. لم يقتل في جنونه) لأنه ربما عاد إلى الإسلام لو عقل. نعم؛ لو استتيب قبل جنونه فلم يتب وجن .. لم يحرم قتله. (والمذهب: صحة ردة السكران) لإجماع الصحابة على مؤاخذته بالقذف، وهو دليل على اعتبار أقواله، (وإسلامه) معاملة لأقواله معاملة الصاحي. (وتقبل الشهادة بالردة مطلقًا) إذ الظاهر من العدل أنه لا يقدم إلا على بصيرة، (وقيل: يجب التفصيل) لاختلاف المذاهب في التكفير، والحكم بالردة عظيم فيحتاط له، وهذا ما صححه السبكي، وقال في "المهمات": إنه المعروف، ونقله عن جمهور الأصحاب (١)، وتصحيح الأول تبعًا فيه الإمام، وهو لم ينقله عن أحد (٢). (فعلى الأول) (والثاني (لو شهدوا بردة، فأنكر) بأن قال: (كذبا)، أو (ما ارتددت) ( .. حكم بالشهادة) ولا يغنيه التكذيب، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا؛ لأن الحجة قامت عليه، والتكذيب والإنكار لا يرفعه؛ كما لو قامت البينة بالزنا فأنكره .. لم يسقط عنه الحد. (فلو قال: "كنت مكرهًا") فيما وقع مني (واقتضته قرينة؛ كأسر كفار .. صدق بيمينه) للقرينة، وإنما حلف لاحتمال أنه كان مختارًا، (وإلا) أي: وإن لم تكن قرينة ( .. فلا) يقبل قوله، فيحكم ببينونة زوجته قبل الدخول، ويطالب بالنطق بالشهادتين؛ لانتفاء القرينة.

стр. 2007

وَلَوْ قَالَا: (لَفَظَ لَفْظَ كُفْرٍ) فَادَّعَى إِكْرَاهًا .. صُدِّقَ مُطْلَقًا. وَلَوْ مَاتَ مَعْرُوفٌ بِالإِسْلَامِ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: (ارْتَدَّ فَمَاتَ كَافِرًا)؛ فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ كُفْرِهِ .. لَمْ يَرِثْهُ، وَنَصِيبُهُ فَيْءٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ. وَتَجِبُ استِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَحَبُّ، وَهِيَ فِي الْحَالِ، === (ولو قالا: "لفظ لفظ كفر"، فادعى إكراهًا .. صدق) بيمينه (مطلقًا) سواء وجدت قرينة أم لا؛ لأنه ليس فيه تكذيب للبينة، بخلاف المسألة قبلها؛ لأن الإكراه ينافي الردة، ولا ينافي التلفظ بكلمة الردة. (ولو مات معروف بالإسلام عن ابنين مسلمين .. فقال أحدهما: "ارتد فمات كافرًا"، فإن بين سبب كفره) بأن قال: (سجد للصنم)، أو (تكلم بكلام كفر) ( .. لم يرثه ونصيبه فيء) لأن المسلم لا يرث الكافر، (وكذا إن أطلق في الأظهر) تبع في هذا "المحرر"، والأظهر في "أصل الروضة": أنه يستفصل؛ فإن ذكر ما هو كفر .. كان فيئًا، وإن ذكر ما ليس بكفر .. صرف إليه (١)، والثاني: يجعل فيئًا؛ لإقراره بكفره، والثالث: يصرف إليه؛ لأنه قد يتوهم ما ليس بكفر كفرًا. (وتجب استتابة المرتد والمرتدة) لأنهما كانا محترمين بالإسلام، فربما عرضت لهما شبهة، فيسعى في إزالتها، وردهما إلى ما كانا عليه. وإنما نص على المرتدة لأجل خلاف أبي حنيفة فيها، لكن كان ينبغي أن يعبر - كما في "المحرر" - بقتل المرتد إن لم يتب رجلًا كان أو امرأة (٢)؛ لأن خلاف أبي حنيفة في قتلها، لا في استتابتها، فإنه قال: لا تقتل المرتدة، بل تحبس وتضرب إلى أن تموت أو تسلم. (وفي قول: تستحب) كالكافر الأصلي (٣)، ويستثنى: ما إذا قاتلوا .. فإنا نقتلهم مقبلين ومدبرين، ولا تجب الاستتابة ولا تستحب. (وهي في الحال) فإن تاب، وإلا .. قتل؛ لظاهر قوله ﵊:

стр. 2008

وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّا .. قُتِلَا، وَإِنْ أَسْلَمَ .. صَحَّ وَتُرِكَ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ إِنِ ارْتدَّ إِلَى كُفْرٍ خَفِيٍّ كَزَنَادِقَةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ. وَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ إِنِ انْعَقَدَ قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا وَأَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ .. فَمُسْلِمٌ، أَوْ مُرْتَدَّانِ .. فَمُسْلِمٌ، === "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ .. فَاقْتُلُوهُ" رواه البخاري (١)، (وفي قول: ثلاثة أيام) لأثر عمر في ذلك، رواه الشافعي (٢). (فإن أصرا) أي: المرتد والمرتدة ( .. قتلا) للحديث المذكور (٣). (وإن أسلم .. صح وترك) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وكان الأحسن أن يقول: (أسلما) ليوافق ما قبله، ثم المذهب: قبول توبة كل مرتد، (وقيل: لا يقبل إسلامه إن ارتد إلى كفر خفي؛ كزنادقة وباطنية) لأن التوبة عند الخوف عين الزندقة. والزنديق: هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، كما قاله في "أصل الروضة" هنا وفي (الفرائض) و (صفة الأئمة) (٤)، وقال في (اللعان): إنه الذي لا ينتحل ديناَّ، وذكر في (نكاح المشرك) نحوه (٥)، قال الأَذْرَعي: وهذا أقرب، فإن الأول هو المنافق، وقد غايروا بينهما، والباطنية: ضرب من الزنادقة (٦). (وولد المرتد إن انعقد قبلها) أي: قبل الردة، (أو بعدها وأحد أبويه مسلم .. فمسلم) قطعًا؛ تغليبًا للإسلام، (أو مرتدان .. فمسلم) لبقاء علقة الإسلام في

стр. 2009

وَفِي قَوْلٍ: مُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِرٌ أَصْلِيٌّ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: مُرْتَدٌّ، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الاتِّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ بِهَا أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ هَلَكَ مُرْتَدًّا .. بَانَ زَوَالُهُ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ .. بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ قَبْلَهَا، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَالأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ غُرْمُ إِتْلَافِهِ فِيهَا، وَنَفَقَةُ زَوْجَاتٍ وُقِفَ نِكَاحُهُنَّ وَقَرِيبٍ === الأبوين (وفي قول: مرتد) تبعًا لأبويه (وفي قول: كافر أصلي) لتولده بين كافرين، ولم يباشر الردة حتى يغلظ عليه، (قلت: الأظهر: مرتد، ونقل العراقيون الاتفاق على كفره، والله أعلم) يعني: أنه لا خلاف في كفره، وإنما الخلاف في أنه كافر أصلي أو مرتد، والأظهر: أنه مرتد. (وفي زوال ملكه عن ماله بها) أي: بالردة (أقوال: أظهرها: إن هلك مرتدًا .. بان زواله بها، وإن أسلم .. بان أنه لم يزل) لأن بطلان أعماله يتوقف على موته مرتدًّا، فكذا ملكه، وكبضع زوجته بعد الدخول، والثاني: يزول ملكه بنفس الردة، وقال الرافعي في (كتاب التدبير): إن بعضهم روى عن الشافعي أنه قال: إنه أشبه الأقوال، وبه أقول (١)، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب، وبسط ذلك. (وعلى الأقوال: يقضى منه دين لزمه قبلها) لأنها لا تزيد على الموت (وينفق عليه منه) في مدة الاستتابة، ويجعل حاجته للنفقة؛ كحاجة الميت إلى التجهيز بعد زوال الملك بالموت. (والأصح: يلزمه غرم إتلافه فيها) أي: في الردة، (ونفقة زوجات وقف نكاحهن وقريب) قياسًا على من حفر بئرًا عدوانًا ومات، ثم حصل بسببها إتلاف يوجب الضمان، فإنه يؤخذ من تركته وإن زال ملكه بالموت، والثاني: المنع؛ لأنه لا مال له. وظاهر كلامه: أن الخلاف جار على الأقوال، وإنما فرعاه في "الشرح" و"الروضة" على القول بزوال الملك (٢)، وظاهره: الجزم به على قول البقاء، وهو واضح.

стр. 2010

وَإِذَا وَقَفْنَا مِلْكَهُ .. فَتَصَرُّفُهُ إِنِ احْتَمَلَ الْوَقْفَ كَعِتْقٍ وَتَدْبيرٍ وَوَصِيَّةٍ مَوْقُوفٌ؛ إِنْ أَسْلَمَ .. نَفَذَ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَبَيْعُهُ وَرَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَكِتَابتُهُ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْقَدِيمِ مَوْقُوفَةٌ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُجْعَلُ مَالُهُ مَعَ عَدْلٍ، وَأَمَتُهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَيُؤَجَّرُ مَالُهُ، ويُؤَدِّي مُكَاتبُهُ النُّجُومَ إِلَى الْقَاضِي. === (وإذا وقفنا ملكه .. فتصرفه إن احتمل الوقف؛ كعتق وتدبير ووصية موقوف؛ إن أسلم .. نفذ، وإلا .. فلا) لأن الوقف لا يضرها. (وبيعه ورهنه وهبته وكتابته) ونحوها مما لا يقبل الوقف (باطلة) بناءً على بطلان وقف العقود، وهو الجديد، (وفي القديم موقوفة) بناءً على صحة وقف العقود، فإن أسلم .. حكم بصحتها، وإلا .. فلا. (وعلى الأقوال: يجعل ماله مع عدل، وأمته عند امرأة ثقة، ويؤجر ماله، ويؤدي مكاتبه النجوم إلى القاضي) لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه، فقد تعلق به حق المسلمين، فيحتاط فيه. * * *

стр. 2011

كتابُ الزِّنا إِيلَاجُ الذَّكَرِ بفَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ خَالٍ عَنِ الشُّبْهَةِ مُشْتَهَىً .. يُوجِبُ الْحَدَّ، وَدُبُرُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَقُبُلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ === (كتاب الزنا) هو مقصور، وقد يمد، وهو من أفحش الكبائر، ولم يحل في ملة قط. والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية، ورجمه ﷺ ماعزًا والغامدية (١)، وغير ذلك من الأدلة الشهيرة. (إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهى .. يوجب الحد) هذا ضابط ما يوجب الحد، وهو الرجم على المحصن، والجلد والتغريب على غيره، وسيذكر المصنف ما احترز عنه قيدًا قيدًا، ولا بد من تقييد الذكر والفرج بالواضح؛ ليخرج الخنثى المشكل، وإطلاقه الذكر لا يقتضي إيلاج جميعه؛ لأن الذكر يطلق على البعض؛ بدليل: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ .. فَلْيَتَوَضَّأْ" (٢). نعم؛ كان ينبغي التقييد بالحشفة، وبقدرها من مقطوعها. ويشترط: كونه متصلًا؛ ليخرج المبان. (ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب) لأنه فرج، وملخص ما يجب على الواطئ بإيلاجه في دبر الذكر طريقان: أحدهما: ثلاثة أقوال، أحدها: أن عقوبته القتل محصنًا كان أو غيره؛ لحديث فيه صحح الحاكم إسناده (٣)، وعلى هذا: فهل يقتل بالسيف، أو بالرجم، أو بهدم جدارٍ، أو إلقائه من شاهق؟ وجوه صحح في "زوائد الروضة" الأول (٤)، والقول الثاني: أن الواجب فيه: التعزير؛ كإتيان البهائم،

стр. 2012

وَلَا حَدَّ بِمُفَاخَذَةٍ وَوَطْءِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فِي حَيْضٍ وَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا أَمَتُهُ الْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَكَذَا مَمْلُوكَتُهُ الْمَحْرَمُ، وَمُكْرَهٌ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا كُلُّ جهَةٍ أَبَاحَ بِهَا عَالِمٌ كَنِكَاحٍ بِلَا شُهُودٍ عَلَى الصَّحِيحِ، === والثالث -وهو الأظهر-: أنه كالزاني يرجم المحصن، ويجلد غيره ويغرب، والطريق الثاني: إثبات القول الأول والثاني فقط. وفي الإيلاج في دبر أنثى أجنبية طريقان، أصحهما: أنه كاللواط فتجيء الأقوال. وفي دبر زوجته وأمته طريقان، أصحهما: القطع بالتعزير فقط، وقيل: في الحد قولان؛ وأما المفعول به؛ فإن كان صغيرًا، أو مجنونًا، أو مكرهًا .. فلا حد عليه ولا مهر له؛ لأن منفعة بضع الرجل غير متقومة، وإن كان مكلفًا طائعًا؛ فإن قلنا: يقتل الفاعل .. قتل المفعول به، وإن قلنا: حده حد الزاني .. جلد المفعول به وغرب، محصنًا كان أو غيره، سواء كان رجلًا أم امرأة؛ لأن المحل لا يتصور فيه إحصان. (ولا حد بمفاخذة) ومقدمات وطء، لعدم الإيلاج، (ووطء زوجته وأمته في حيض وصوم وإحرام) لأن التحريم ليس لعينه، بل لأمور عارضة بالحيض؛ لملامسة الأذى، ومخامرة النجاسة، والصوم والإحرام؛ لإفساد العبادة، (وكذا أمته المزوجة والمعتدة) لشبهة المحل؛ لأن التحريم عارض، (وكذا مملوكته المحرم) بنسب أو رضاع؛ كأخته من الرضاع أو النسب، وموطوءة ابنه؛ لشبهة الملك، (ومكره في الأظهر) لشبهة الإكراه، والثاني: يجب فيهما، أما في الأولى .. فلأنه وطء لا يستباح بحال، فأشبه اللواط، وأما الثانية .. فلأن انتشار الآلة لا يكون إلا عن شهوة واختيار، ومأخذ الخلاف التردد في تصوير الإكراه في الزنا، والصحيح: تصويره؛ لأن الانتشار تقتضيه الطبيعة عند الملامسة. (وكذا كل جهة أباح بها عالم؛ كنكاح بلا شهود على الصحيح) كمذهب مالك، أو بلا ولي كمذهب أبي حنيفة، ونكاح المتعة للاختلاف في الصحة، فانتفى الحد للشبهة؛ كما لو وطء في عقد وليه فاسق، وقيل: يجب في النكاح بلا ولي على من يعتقد تحريمه دون غيره، وقيل: يجب على من يعتقد الإباحة أيضًا؛ كما يحد الحنفي

стр. 2013

وَلَا بِوَطْءِ مَيْتَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بَهِيمَةٍ فِي الأَظْهَرِ. وَيُحَدُّ فِي مُسْتَأْجَرَةٍ وَمُبِيحَةٍ وَمَحْرَمٍ وَإِنْ كَانَ تزَوَّجَهَا === على شرب النبيذ، وفي قول: يجب في نكاح المتعة؛ لأنه ثبت نسخه قطعًا، وابن عباس رجع عنه؛ كما رواه الترمذي (١). (ولا بوطء ميتة في الأصح) لأنه مما ينفر الطبع عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يحتاج إلى الزجر عنه؛ كشرب البول. نعم؛ يعزر. والثاني: يحد؛ لأنه إيلاج في فرج لا شبهة فيه؛ كفرج الحية، والثالث: إن كانت ممن لا يحد بوطئها في الجملة؛ كالزوجة .. فلا حد، وإلا .. فيحد، حكاه في (باب الغسل) من "شرح المهذب"، وقال: إنه يحكى عن النص (٢)، وصححه في "نكت الوسيط". وهذه الصورة والتي بعدها محترز قوله: (مشتهى). (ولا بهيمة في الأظهر) بل يعزر؛ لأن الطباع السليمة تأباه، فلم يحتج إلى زاجر، وروى أبو داوود والنسائي عن ابن عباس: (ليس على الذي يأتي البهيمة حد) (٣)، والثاني: واجبه: القتل محصنًا كان أو غيره؛ لحديث فيه صحح الحاكم إسناده (٤)، والثالث: واجبه: حد الزنا، فيفرق فيه بين المحصن وغيره. (ويحد في مستأجرة) للزنا؛ لانتفاء الملك والعقد، ولأنه عقد باطل فلا يؤثر شبهة؛ كما لو اشترى خمرًا فشربها، (ومبيحة) لوطئها؛ لأن الأبضاع لا تباح بالإباحات، (ومحرم) بنسب أو رضاع أو مصاهرة (وإن كان تزوجها) لأنه وطء صادف محلًّا ليس فيه شبهة، وهو مقطوع بتحريمه، فيتعلق به الحد.

стр. 2014

وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ - إِلَّا السَّكْرَانَ - وَعِلْمُ تَحْرِيمِهِ. وَحَدُّ الْمُحْصَنِ: الرَّجْمُ، وَهُوَ: مُكَلَّفٌ حُرٌّ وَلَوْ ذِمِّيٌّ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ بِقُبُلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا فَاسِدٍ فِي الأَظْهَرِ، === (وشرطه: التكليف) فلا حد على صبي ومجنون؛ لارتفاع القلم (إلا السكران) فإنه يحد وإن كان غير مكلف، وهذا الاستثناء زاده على "المحرر"؛ بناءً على اعتقاده أنه غير مكلف، والصحيح: أنه مكلف؛ كما تقدم التنبيه عليه في الطلاق، فلا حاجة لاستثنائه. (وعلم تحريمه) فلا حد على من جهل تحريم الزنا؛ لقرب عهده بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين؛ لرفع الإثم عنه، بخلاف من نشأ بين المسلمين، وادعى الجهل بالتحريم .. فلا يقبل منه، ولو علم التحريم وجهل وجوب الحد .. وجب عليه الحد جزمًا؛ كما صححه في "زيادة الروضة" (١). (وحد المحصن: الرجم) بالإجماع، ولا يجلد معه خلافًا لابن المنذر. (وهو) أي: المحصن (مكلف) فالصبي والمجنون ليسا بمحصنين، ولا معنى لاشتراط التكليف في الإحصان بعد اشتراطه في مطلق وجوب الحد، (حر) فالرقيق ليس بمحصن ولو مكاتبًا، ومبعضًا، ومستولدة؛ لأنه على النصف من الحر، والرجم لا نصف له، (ولو ذمي) أي: فليس من شرط الإحصان الإسلام؛ لأنه ﷺ رجم رجلًا وامرأة من اليهود زنيا، متفق عليه، زاد أبو داوود: (وكانا قد أحصنا) (٢). (غيب حشفته) أو قدرها من مقطوعها (بقبل في نكاح صحيح) فالواطئ في دبر، أو في ملك يمين ليس بمحصن، ويشترط كون الذكر: أصليًّا عاملًا، فالزائد والأشل لا يحصل به إحصان ولا تحليل، قاله البغوي في "فتاويه". (لا فاسد في الأظهر) لأنه حرام، فلا يحصل به صفة كمال، والثاني: نعم؛ لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، فكذا في الإحصان.

стр. 2015

وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَّغْيِيبِ حَالَ حُرِّيَّتِهِ وَتكْلِيفِهِ، وَأَنَّ الْكَامِلَ الزَّانِيَ بِنَاقِصٍ مُحْصَنٌ. وَالْبِكْرِ الحُرِّ: مِئَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَإِذَا عَيَّنَ الإِمَامُ جِهَةً .. فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ غَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَيُغَرَّبُ غَرِيبٌ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ، === (والأصح: اشتراط التغييب حال حريته وتكليفه) فلا رجم على من وطئ في نكاح صحيح وهو صبي، أو مجنون، أو رقيق، لأن شرطه الإصابة بأكمل الجهات، وهو النكاح الصحيح، فيشترط حصولها من كامل أيضًا، والثاني: لا يشترط ذلك؛ فإنه وطء يحصل به التحليل، فكذا الإحصان. (وأن الكامل الزاني بناقص محصن) أي: إذا كان أحد الزوجين في حال إصابته كاملًا؛ أي: حرًّا مكلفًا، والآخر ناقصًا؛ كرقيق أو صغير .. حصل الإحصان للكامل وإن لم يحصل للناقص على الأظهر؛ لأنه حر مكلف وطئ في نكاح صحيح، فأشبه ما إذا كانا كاملين، والثاني: لا؛ لأنه وطء لا يصير أحد الواطئين محصنًا به، فكذلك الآخر؛ كالوطئ بالشبهة. (والبكر) وهو غير المحصن (الحر: مئة جلدة وتغريب عام) أما الجلد .. فللآية، وسمي جلدًا؛ لوصوله إلى الجلد، وأما التغريب .. فلرواية مسلم: "وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" (١)، (إلى مسافة قصر) لأن ما دونها في حكم الحضر، وتتواصل إليه الأخبار فيها، والمقصود: إيحاشه بالبعد عن أهله ووطنه (فما فوقها) إذا رأى الإمام التغريب إليه؛ لأن الصديق غرب إلى فدك، وعمر إلى الشام، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة. (وإذا عين الإمام جهة .. فليس له طلب غيرها في الأصح) لأنه أليق بالزجر والتعنيف، والثاني: له ذلك؛ لحصول مُسمَّى التغريب. (ويغرب غريب من بلد الزنا) تنكيلًا وإبعادًا عن موضع الفاحشة (إلى غير بلده) لأن القصد إيحاشه وعقوبته، وذلك يأباه عوده إلى وطنه، وكما لا يغرب إلى بلده .. لا يغرب إلى بلد بينه وبين بلده دون مسافة القصر.

стр. 2016

فَإِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ .. مُنِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تُغَرَّبُ المَرْأَةُ وَحْدَهَا فِي الأَصَحِّ، بَلْ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ .. لَمْ يُجْبَرْ فِي الأَصَحِّ. وَالْعَبْدِ: خَمْسُونَ، وَيُغرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: سَنَةً، === (فإن عاد إلى بلده .. منع في الأصح) معارضة له بنقيض قصده، ومقابل الأصحِّ: احتمال للغزالي لا وجه (١)، ثم هذا في غريب له وطن، فإن لم يكن بأن هاجر حربي إلى دار الإسلام ولم يتوطن بلدًا .. يتوقف الإمام حتى يتوطن بلدًا ثم يغربه، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه (٢). (ولا تغرب المرأة وحدها في الأصح، بل مع زوج أو محرم) لأنها إذا غربت وحدها .. لم يؤمن عليها من التهتك، والتاني: تغرب وحدها؛ لأنه سفر واجب فأشبه الهجرة؛ فإنها إذا كانت تخاف الفتنة .. كان عليها أن تسافر وحدها. وقضية كلامه: أنه لا يكتفى بالنسوة الثقات، والأصحُّ في "الشرحين": الاكتفاء بهن عند أمن الطريق، ولم يرجح في "الروضة" شيئًا؛ لإغفال بعض نسخ "الشرح" الترجيح، قالا: وربما اكتفى بعضهم بالواحدة الثقة، وهو الأصحُّ في "الكفاية" (٣). (ولو بأجرة) لأنه مما يتم به الواجب، وهي في مالها لا في بيت المال على الأصحِّ في "أصل الروضة" (٤). (فإن امتنع) من الخروج بأجرة ( .. لم يجبر في الأصح) كما في الحج، ولأن فيه تعذيب من لم يذنب، والثاني: يجبر؛ للحاجة إليه في إقامة الواجب. (والعبد: خمسون) لما في "الموطأ" عن عمر ﵁: (أنه ﵇ أمر بجلد أمة خمسين) (٥)، ولا فرق بين الذكر والأنثى، ولأنه ناقص بالرق، فليكن على النصف من الحر؛ كالنكاح والعدة، (ويغرب نصف سنة) لأنه حد يتبعض فأشبه الجلد، (وفي قول: سنة) لأن ما يتعلق بالطبع لا يفرق فيه بين الحر والرقيق؛ كمدة

стр. 2017

وَفِي قَوْلٍ: لَا يُغَرَّبُ. وَيَثْبُتُ بِبيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّةً، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ .. سَقَطَ، وَلَوْ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي أَوْ هَرَبَ .. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهَا وَأَرْبَعٌ أَنَّهَا عَذْرَاءُ .. لَمْ تُحَدَّ هِيَ === الإيلاء والعنة، (وفي قول: لا يغرب) لأن فيه تفويتًا لحق السيد. (ويثبت) حد الزنا (ببينة) لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، (أو إقرار مرة) لأنه ﵇ علق الرجم بمطلق الاعتراف، حيث قال: "اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ .. فَارْجُمْهَا" (١)، وترديده ﷺ ماعزًا .. كان لأنه ارتاب في أمره، فاستثبته؛ ليعرف أنه جنون، أو شربُ خمر، أم لا؟ ويشترط في الإقرار بالزنا: التفسير؛ كالشهادة كما صححه في "الروضة" في (كتاب السرقة)، وقال هنا: إنه الأقوى (٢). (ولو أقر ثم رجع .. سقط) لأنه ﷺ قال في قصة ماعز: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ" (٣)، فعرض له بالرجوع، فلو لم يسقط به الحد .. لما كان له معنى. واحترز بالإقرار: عن البينة؛ فإنه لا أثر لرجوعه. (ولو قال) المقر: (لا تحدوني أو هرب) عند إرادة إقامة الحد عليه ( .. فلا في الأصح) لأنه صرح بالإقرار، ولم يصرح بالرجوع. نعم؛ يخلى في الحال ولا يتبع؛ فإن رجع .. فذاك، وإلا .. أقيم عليه؛ لقوله ﵇ في قصة ماعز: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ" (٤)، فإن اتبع فرجم .. فلا ضمان؛ لأنه ﵇ لم يوجب عليهم في قصة ماعز شيئًا. والثاني: يسقط؛ لإشعاره بالرجوع. (ولو شهد أربعة بزناها وأربع) نسوة (أنها عذراء) أي: لم تفتض (لم تحد هي)

стр. 2018

وَلَا قَاذِفُهَا، وَلَوْ عَيَّنَ شَاهِدٌ زَاوِيَةً لِزِنَاهُ وَالْبَاقُونَ غَيْرَهَا .. لَمْ يَثْبُتْ. وَيَسْتَوْفِيهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ حُرٍّ وَمُبَعَّضٍ، وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الإِمَامِ وَشُهُودِهِ. وَيَحُدُّ الرَّقِيقَ سَيِّدُهُ أَوِ الإِمَامُ، فَإِنْ تَنَازَعَا .. فَالأَصَحُّ: الإِمَامُ، === لشبهة بقاء العذرة (ولا قاذفها) لوجود الشهادة على الزنا، واحتمال عود البكارة؛ لترك المبالغة في الافتضاض، (ولو عين شاهد زاوية لزناه، والباقون غيرها .. لم يثبت) لأنهم لم يتفقوا على زنية واحدة فأشبه ما لو قال بعضهم: زنا بالغداة، وبعضهم: زنا بالعشي. (ويستوفيه) أي: الحد (الإمام أو نائبه من حر) للاتباع (ومبعض) لأنه لا ولاية للسيد على الحر منه، والحد متعلق بجملته، وكذا من العبد الموقوف؛ بناء على أن الملك فيه لله تعالى، ومستولدة الكافر، وعبد بيت المال، ويستوفيه من الإمام من يلي الحكم من تحت يده؛ كما لو توجهت عليه حكومة، كذا قاله القفال في "فتاويه". (ويستحب حضور الإمام وشهوده) أي: شهود الزنا، وجماعة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يجب ذلك؛ لأنه ﷺ رجم الغامدية وماعزًا ولم يحضرهما. (ويحد الرقيق سيده) لحديث: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ .. فَلْيَجْلِدْهَا" رواه مسلم (١)، وفي "النسائي" مرفوعًا: "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٢)، (أو الإمام) أيهما فعله وقع الموقع لمحل ولايته، والأولى للسيد إقامته بنفسه، ولا يفوضه للإمام على الأصحِّ في "زيادة الروضة" (٣). (فإن تنازعا) أي: السيد والإمام في إقامته ( .. فالأصح: الإمام) لأجل ولايته العامة، والثاني: السيد، لغرض إصلاح ملكه، وهما احتمالان للإمام، لا وجهان للأصحاب (٤).

стр. 2019

وَأَنَّ السَّيِّدَ يُغَرَّبُهُ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ كَحُرٍّ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ وَالْكَافِرَ وَالْمُكَاتَبَ يَحُدُّونَ عَبِيدَهُمْ، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُعَزِّرُ وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِالْعُقُوبَةِ. وَالرَّجْمُ بِمَدَرٍ وَحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ، === (وأن السيد يغربه) كما يجلده، ولاندراجه في: "أَقِيمُوا الْحُدُود عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، والثاني: المنع؛ لقوله ﵇ في الحديث المار: "فَلْيَجْلِدْهَا" (١)، ولم يذكر التغريب، وضُعِّف بأن عمر غرب أمته إلى فَدَك. (وأن المكاتب كحر) فلا يستوفيه غير الإمام؛ لخروجه عن قبضة السيد، والثاني: أنه كالقن؛ لحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" (٢). (وأن الفاسق، والكافر، والمكاتب يحدون عبيدهم) الخلاف مبني على الخلاف في أن السيد يقيم الحد على عبده بطريق الملك، أو الولاية؟ والأصحُّ: أنه بالملك، فلهذا صحح أن للمذكورين الحد؛ كما لهم الاستصلاح بالفصد والحجامة، ولعموم الحديث السالف. (وأن السيد يعزر) كما يؤدبه لحق نفسه، والثاني: لا؛ لأنه غير مضبوط، ويفتقر إلى اجتهاد فاختص بالأئمة. (ويسمع البينة بالعقوبة) لأنه يملك إقامة الحد، فملَك سماع البينة؛ كالإمام، والثاني: المنع؛ لأن منصب سماعها مختص بالحكام، فلا يزاحمهم فيه، بخلاف الضرب في الحد فهو تأديب. (والرجم بمدر وحجارة معتدلة) فلا يجوز بالصخور المذففة، ولا بحصيات خفيفة؛ لئلا يطول تعذيبه، والمدر: الطين اليابس، (ولا يحفر للرجل) عند رجمه سواء ثبت زناه بالبينة أو الإقرار. وظاهر كلامه: امتناع الحفر، واستشكله الإسنوي في "التنقيح" بما في "صحيح مسلم" من حديث بريدة: أن ماعزًا حفر له مع أن زناه ثبت بالإقرار (٣).

стр. 2020

وَالأَصَحُّ: اسْتِحْبَابُهُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرُ إِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ. وَيُؤَخَّرُ الْجَلْدُ للِمَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ .. جُلِدَ لَا بِسَوْطٍ، بَلْ بِعَثْكَالٍ عَلَيْهِ مِئَةُ غُصْنٍ، === وأجيب: بأنه معارض بما في "مسلم" عن أبي سعيد الخدري: أنه لم يحفر له (١)، ولهذا مال المصنف في "شرح مسلم" إلى التخيير مطلقًا (٢)، واختاره البُلْقيني، وجمع بين الروايتين المذكورتين بأنه حُفر لماعز حفيرة صغيرة، فلما رجم .. هرب منها. (والأصح: استحبابه للمرأة إن ثبت ببينة) لئلا تنكشف، والظاهر من الشهود عدم الرجوع، فيكون الرجم في الحفرة أسهل، وإن ثبت بالإقرار .. فلا؛ لأنه ربما عنّ لها الرجوع والهرب فلا تتمكن منه إذا كانت في حفرة، والثاني: يحفر لها مطلقًا، واختاره جمع، وصححه البُلْقيني؛ لما في "مسلم": أنه ﵇ حفر للغامدية وكانت مقرة (٣)، والثالث: الأمر فيه إلى خيرة الإمام، ولا استحباب؛ لأنه ﵇ حفر للغامدية، ولم يحفر للجهنية (٤)، وزناهما ثبت بالإقرار. (ولا يؤخر) الرجم (لمرض وحر وبرد مفرطين) لأن نفسه مستوفاة، (وقيل: يؤخر إن ثبت بإقرار) لأنه ربما رجع في أثناء الرمي فيُعين ذلك على قتله، وهذا قول منصوص عليه في "الأم"، وصححه القاضي الحسين، وصاحب "التنبيه"، وغيرهما (٥). (ويؤخر الجلد للمرض) المرجو برؤه؛ لأن القصد الردع لا القتل، والحد حينئذ معين على القتل، (فإن لم يرج برؤه .. جلد) ولا يؤخر؛ إذ لا غاية تنتظر (لا بسوط) لئلا يهلك (بل بعثكال) وهو العرجون (عليه مئة غصن) أي: شِمْراخ، ويضرب به مرة واحدة إذا كان حرًّا؛ للنص فيه في "سنن أبي داوود" (٦).

стр. 2021

فَإِنْ كَانَ خَمْسُونَ ضُرِبَ بِهِ مَرَّتينِ، وَتَمَسُّهُ الأَغْصَانُ أَوْ يَنْكَبِسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِيَنَالَهُ بَعْضُ الأَلَمِ، فَإِنْ بَرِئَ .. أَجْزَأَهُ. وَلَا جَلْدَ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، وَإِذَا جَلَدَ الإِمَامُ فِي مَرَضٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ .. فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّصِّ فَيَقْتَضِي أَنَّ التّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ. === (فإن كان خمسون .. ضرب به مرتين) إن كان حرًّا، ليكون المجموع مئة، فإن كان عبدًا .. ضرب به مرة، ولا يتعين العثكال، بل يضرب به، أو بالنعال، أو بأطراف الثياب؛ كما قاله في "أصل الروضة" (١). (وتمسه الأغصان) جميعها (أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم) لئلا تبطل حكمة الحد؛ فإن لم تمسه، ولم ينكبس بعضها على بعض، أو شك فيه .. لم يسقط الحد. (فإن برئ) بعد أن ضُرب بما ذكرنا ( .. أجزأه) ولا يعاد بخلاف المغصوب إذا حج عنه، ثم اتفق برؤه؛ لأن الحدود مبنية على الدرء، أما إذا برئ قبل ذلك .. حد حد الأصحاء قطعًا. (ولا جلد في حر وبرد مفرطين) خشية الهلاك، بل يؤخر إلى اعتدال الوقت، وكذا القطع في السرقة، بخلاف القصاص وحد القذف. (وإذا جلد الإمام في مرض أو حر أو برد .. فلا ضمان على النص) في "الأم" (٢)؛ لأن التلف حصل من واجب أقيم عليه، لكن نص في "المختصر": على أن ختنه في حر أو برد يضمن بالدية (٣)، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين، والفرق: أن الجلد ثبت بالنص، والختان بالاجتهاد، فأشبه التعزير، (فيمتضي) هذا النص (أن التأخير مستحب) وهو ما قاله الإمام، لكن صحح في "زيادة الروضة" وجوب التأخير سواء قلنا بالضمان، أم لا (٤). * * *

стр. 2022

كتابُ حد القذف شَرْطُ حَدِّ الْقَاذِفِ: التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ، وَالاخْتِيَارُ، وَيُعَزَّرُ الْمُمَيزُ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِ وَلَدِه وَإِنْ سَفَلَ؛ فَالْحُرُّ ثَمَانُونَ، وَالرَّقِيقُ أَرْبَعُونَ === (كتاب حد القذف) الحد لغة: المنع، وسمي حد القذف وغيره بذلك؛ لأنه يمنع من معاودته، والقذف لغة: الرمي، والمراد به هنا: الرمي بالزنا في معرض التعبير، وهو من الكبائر، وفي الحديث: من السبع الموبقات: قذف المحصنات (١)، وقد ذكر المصنف القذف في (باب اللعان). (شرط حد القاذف: التكليف) فلا يحد الصبي والمجنون؛ لارتفاع القلم عنهما (إلا السكران) فإنه يحد وإن لم يكن مكلفًا، وهذا من زياداته على "المحرر" ولا يحتاج إليه؛ كما ذكرنا في الباب قبله، ولم يذكره في "الروضة" هنا (٢). (والاختيار) فلا يحد المكره على القذف، ولا يعزر؛ لرفع القلم عنه، ولا يحد المكره بكسر الراء أيضًا، والفرق بينه وبين القتل: أنه يمكن جعل يد المكرَه كالآلة له؛ بأن يأخذ يده فيقتل بها، ولا يمكن أن يأخذ لسان غيره فيقذف به. وكان ينبغي زيادة: الالتزام؛ ليشمل الذمي والمرتد، ويخرج الحربي. (ويعزر المميز) صبيًّا كان أو مجنونًا؛ للزجر والتأديب، (ولا يحد بقذف ولده وإن سفل) كما لا يجب بقتله القصاص. نعم؛ يعزر على النص. (فالحر ثمانون) لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، والدليل على أنه في الحر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ والعبد لا تقبل شهادته وإن لم يقذف. (والرقيق أربعون) بالإجماع؛ لأنه يتبعض، فكان الرقيق فيه على النصف؛ كحد الزنا، والمدبر والمكاتب وأم الولد والمبعض .. كالقن.

стр. 2023

وَالْمَقْذُوفِ: الإِحْصَانُ، وَسَبَقَ فِي اللِّعَانِ. وَلَوْ شَهِدَ دُونَ أَرْبَعَةٍ بِزِنًا .. حُدُّوا فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَعَبيدٍ وَكَفَرَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ .. فَلَا، وَلَوْ تَقَاذَفَا .. فَلَيْسَ تَقَاصًّا، وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْمَقْذُوفُ بِالاسْتِيفَاءِ .. لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ. === (والمقذوف: الإحصان) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ فقيد إيجاب الثمانين بذلك، (وسبق في اللعان) بيان ما يحصل به الإحصان. (ولو شهد دون أربعة بزنًا .. حدوا في الأظهر) لأن عمر ﵁ جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا؛ كما ذكره البخاري في "صحيحه"، ولم يخالفه أحد (١)، ولئلا تتخذ صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في أعراض الناس، والثاني: المنع؛ لأنهم جاؤوا شاهدين لا هاتكين. (وكذا أربع نسوة، وعبيد، وكفرة) أهل ذمة (على المذهب) لأنهم ليسوا من أهل الشهادة، فلم يقصدوا إلا القذف، والطريق الثاني: طرد القولين، وينزل نقصان الصفة منزلة نقصان العدد، وجعل الإمام موضع الخلاف إذا كانوا في ظاهر الحال بصفة الشهود، ثم بانوا عبيدًا، أو كفارًا (٢)، ومراده: أن القاضي إذا علم حالهم .. لا يصغي إليهم، فيكون قولهم قذفًا محضًا بلا خلاف، وهو ظاهر؛ لأنه ليس في معرض شهادة. (ولو شهد واحد على إقراره) بالزنا ( .. فلا) حد قطعًا؛ لأن من قال لغيره: (قد أقررتَ بأنك زنيت)، وهو في معرض القذف والتعيير .. لا حد عليه، فكذا هنا. (ولو تقاذفا .. فليس تقاصًّا) لأن التقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصفة؛ إذ لا يعلم التساوي؛ لاختلاف القاذف والمقذوف في الخِلقة، وفي القوة والضعف غالبًا. (ولو استقلَّ المقذوف بالاستيفاء .. لم يقع الموقع) كحدِّ الزنا لو استوفاه أحد

стр. 2024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . == الرعية، ويستثنى: ما لو قذف العبد سيده .. فإن له أن يحده؛ كما صرحا به في آخر الباب قبله (١)، وما لو كان بعيدًا عن السلطان وقدر على الاستيفاء بنفسه من غير مجاوزة فيه فإنه يجوز، ذكره الماوردي في (باب صول الفحل) (٢). * * *

стр. 2025

كتابُ قطع السرقة يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ فِي الْمَسْرُوقِ أُمُورٌ: كَوْنُهُ رُبُعَ دِينَارٍ === (كتاب قطع السرقة) لو قال: (كتاب السرقة) كما فعل في (الزنا) .. لكان أخصر وأعم؛ لتناوله أحكام نفس السرقة. والسرقة: بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح السين وكسرها، وهي لغة: أخذ الشيء خفية، ومنه استرق السمع؛ أي: استمع مستخفيًا، وشرعًا: أخذ مال الغير خفية، وإخراجه من حرز. وأصل الباب: الإجماع، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، والأخبار الشهيرة فيه. ولمَّا نظم أبو العلاء المعري البيت الذي شكك به على الشريعة في الفرق بين الدية، والقطع في السرقة، وهو: [من البيسط] يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ أجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله: [من البيسط] وِقَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصهَا ... وِقَايَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي وهو جواب بديع مع اختصار، ومعناه: أن اليد لو كانت تودى بما تقطع فيه أو بما يقاربه .. لكثرت الجنايات على الأطراف؛ لسهولة الغرم في مقابلها، فغلظ الغرم؛ حفظًا لها، ولو كانت لا تقطع إلا في سرقة ما تودى به .. لكثرت الجنايات على الأموال، فحفظ ذلك بالتقليل؛ حفظًا لها. وقال ابن الجوزي لما سئل هذا السؤال: لمَّا كانت أمينة .. كانت ثمينة، فلما خانت .. هانت. (يشترط لوجوبه في المسروق أمور: كونه ربع دينار) لقوله ﷺ : "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" متفق عليه، واللفظ لمسلم (١)،

стр. 2026

خَالِصًا أَوْ قِيمَتَهُ، وَلَوْ سَرَقَ رُبُعًا سَبيكَةً لَا يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لَا تُسَاوِي رُبُعًا .. قُطِعَ، وَكَذَا ثَوْبٌ رَبٌّ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ رُبُعٍ جَهِلَهُ فِي الأَصَحِّ === (خالصًا) لأن الربع المغشوش ليس بربع دينار حقيقة، فلو كان في المغشوش ربع خالصًا .. وجب القطع، (أو قيمته) لأنه ﷺ قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم (١). وكانت قيمة الدينار ذلك الوقت اثني عشر درهمًا، والتقويم يكون بالذهب المضروب الخالص، فلو سرق دراهم أو غيرها .. قومت به، وتعتبر في كل زمان ومكان قيمته بالغة ما بلغت، ويعتبر النصاب وقت إخراجه من الحرز. (ولو سرق ربعًا سبيكة لا يساوي ربعًا مضروبًا .. فلا قطع في الأصح) لأن المذكور في الخبر لفظ الدينار، وهو اسم للمضروب، والثاني: يقطع، ولا حاجة لتقويمه؛ لبلوغ عين الذهب قدر النصاب؛ كما في الزكاة. وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وجرى عليه في "الروضة"، ولم يصرح في "الشرحين" بترجيح (٢)، قال الأَذْرَعي: والثاني هو قول الجمهور، والخلاف راجع إلى أن الاعتبار بالوزن أو القيمة، ويتفرع عليه ما لو سرق خاتمًا وزنه دون ربع، وقيمته بالصنعة تبلغ ربعًا، وقضية ترجيح ما في "الكتاب": وجوب القطع هنا. وقد وقع في "الروضة" خلل؛ فإنه رجح عدم وجوب القطع في الصورتين، ثم عقبه بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى الاعتبار بالوزن أو القيمة (٣)، وهو لا يستقيم. (ولو سرق دنانير ظنها فلوسًا لا تساوي ربعًا .. قطع) لأنه قصد سرقة عينها، وهي تساوي ربعًا، (وكذا ثوب رث في جيبه تمام ربع جهله في الأصح) لأنه أخرج نصابًا من حرزه على قصد السرقة، والجهل بجنس المسروق لا يؤثر كالجهل بصفته،

стр. 2027

وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنْ تَخَلَّلَ عِلْمُ الْمَالِكِ وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ .. فَالإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى، وَإِلَّا .. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَبَ وِعَاءَ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا فَانْصَبَّ نِصَابٌ .. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي إِخْرَاجِ نِصَابَيْنِ .. قُطِعَا، وَإِلَّا .. فَلَا === والثاني: لا يقطع؟ لأنه لم يقصد سرقة نصاب، ويخالف ما لو سرق دنانير ظنها فلوسًا .. فإنه قصد سرقة عينها. (ولو أخرج نصابًا من حرز مرتين) فصاعدًا؛ بأن أخرج مرةً بعضه ومرةً باقيه لا غير، (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز .. فالإخراج الثاني سرقة أخرى) فلا قطع؛ لأن كلَّ واحدة منفصلة عن الأخرى ولم تبلغ نصابًا، وكذا لو علم المالك وأهمله .. لا قطع أيضًا؛ لأنه مضيع. ولو حذف قوله: (علم المالك) .. لم يحتج إليه؛ لأن العبرة بالإعادة، والعلم يلازمها. (وإلا) أي: وإن لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز ( .. قطع في الأصح) لأنه أخرج نصابًا كاملًا من حرز مثله؛ فأشبه ما إذا أخرجه دفعة واحدة؛ لأن فعل الشخص ينبني على فعله، والثاني: لا قطع؛ لأنه أخذ النصاب من حرز مهتوك. (ولو نقب وعاء حنطة ونحوها فانصب نصاب .. قطع في الأصح) ولا يشترط في السرقة الأخذ باليد؛ لأنه يعد سارقًا، والثاني: لا يقطع؛ لأنه خرج بسببه لا بمباشرته، والسبب ضعيف فلا يقطع به. وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين الانصباب دفعةً واحدة أو تدريجًا، وقال في "الروضة": إن انصب دفعةً .. قطع، أو شيئًا فشيئًا .. فكذلك على المذهب، وقيل: وجهان، ومن صور المسألة: طرّ الجيب والكم (١). (ولو اشتركا في إخراج نصابين .. قطعا) لأن كل واحدٍ منهما سرق نصابًا، (وإلا) أي: وإن كان ما أخرجاه دون نصابين ( .. فلا) قطع على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يسرق نصابًا، وليس هذا كالشركة في القتل حيث يجب القصاص عليهما؛ لأن مقصود القصاص وقاية الروح والعضو، فلو سقط .. لأدى إلى

стр. 2028

وَلَوْ سَرَقَ خَمْرًا وَخِنْزِيرًا أَوْ كَلْبًا وَجِلْدَ مَيْتَةٍ بِلَا دَبْغٍ .. فَلَا قَطْعَ، فَإِنْ بَلَغَ إِنَاءُ الْخَمْرِ نِصَابًا .. قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا قَطْعَ فِي طُنْبُورٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مُكَسَّرُهُ نِصَابًا .. قُطِعَ. قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: كَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ؛ === التواطئ؛ فيفوت مقصوده، ومقصود السرقة: الاستكثار من المال، والتواطؤ لذلك لا يحصله. (ولو سرق خمرًا وخنزيرًا، أو كلبًا وجلد ميتة، بلا دبغ .. فلا قطع) سواء سرقه مسلم أو ذمي؛ لأنه ليس بمال، وأفهم كلامه: أنه لو دبغ السارق الجلد في الحرز، وصار يساوي نصاب سرقة، ثم أخرجه .. أنه يقطع؛ لأنه سرقه مدبوغًا؛ إذ السرقة شرعا أخذ مال الغير خفية وإخراجه من الحرز، وهو الأصحُّ. وكان ينبغي أن يقول: (ولو أخرج) بدل (سرق) إذ لو كان سارقًا .. لقطع، وقد نازع الرافعي "الوجيز" في تعبيره بذلك في غير هذه المسألة، ووقع فيه هنا (١). (فإن بلغ إناء الخمر نصابًا .. قطع على الصحيح) لأنه سرق نصابًا لا شبهة له فيه من حرزه، والثاني: المنع؛ لأن ما فيه مستحق الإزالة؛ فيصير شبهة في دفعه. (ولا قطع في طنبور ونحوه) لأنه من آلات الملاهي فأشبه الخمر، وكذا كل آلة معصية؛ كصليب وصنم، (وقيل: إن بلغ مكسره نصابًا .. قطع) لأنه سرق نصابًا من حرزه، (قلت: الثاني أصح، والله أعلم) ونقل تصحيحه في "الروضة" عن الأكثرين (٢). ومحل الخلاف: ما إذا قصد السرقة، فأما إذا قصد بإخراجها تيسر إفسادها .. فلا قطع قطعًا؛ كما جزم به في "أصل الروضة" (٣)، وفي "الشرح الصغير" وجعل ابن داوود محل الخلاف أيضًا: إذا كان لمسلم؛ فإن كان لذمي .. قطع قطعًا. الشرط (الثاني: كونه ملكا لغيره) فلا قطع على من سرق ملك نفسه من يد غيره؛ كيد المرتهن والمستأجر ونحوهما، وكذا المبيع من يد بائعه في زمن الخيار، ولو

стр. 2029

فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ نَقَصَ فِيهِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ .. لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى مِلْكَهُ عَلَى النَّصِّ === سرق ما وهب له بعد القبول وقبل القبض .. لم يقطع على الأصحِّ وإن قلنا: إن الملك موقوف على القبض. (فلو ملكه بإرث أو غيره) كشراء أو هبة (قبل إخراجه من الحرز، أو نقص فيه عن نصاب بأكل وغيره) كإحراق ( .. لم يقطع) أما في الأولى .. فلأنه ما أخرج إلا ملكه، وأما في الثانية .. فلأنه لم يخرج من الحرز نصابًا. واحترز بقوله: (قبل إخراجه) عمَّا لو طرأ ذلك بعد إخراجه؛ فإنه لا يسقط القطع. نعم؛ يستثنى: ما لو طرأ الملك بعد الإخراج وقبل الرفع إلى الحاكم .. فإنه لا يمكن استيفاء القطع؛ بناءً على أن استيفاءه يتوقف على الدعوى بالمسروق والمطالبة به، وهو الصحيح كما سيأتي. (وكذا لو ادعى) السارق (ملكه على النص) بأن قال: (كان غصبه مني) أو (من مورثي)، أو (كان وديعة عنده) أو (عارية) لأن ما يدعيه محتمل فصار شبهة في القطع، ويروى عن الشافعي أنه سمَّاه: السارق الظريف. قال القفال في "فتاويه": والفرق بين هذا وبين ما إذا قامت بينة على زناه بامرأة معيَّنة، فقال: (كنت نكحتها حين وطئتها) .. فلا يسقط عنه الحد بهذه الدعوى، سواء كانت حرة أو أمة، وفي الأمة وجه إذا ادَّعى أن مولاها وهبها منه وأقبضها: أن المال يجري فيه التخفيف، كذا نقله ابن الملقن وأقره (١)، ونقله الإمام عن النص، وقال: إنه ظاهر المذهب، وأقره الشيخان، لكن نقل الماوردي في دعوى الزوجية اتفاق الأصحاب على أنه لا يحد، وجعله حجة على أبي إسحاق في قوله: في مسألة "الكتاب"، وفي وجه أو قول مخرج أنه لا يسقط القطع بذلك؛ لئلا يتخذ الناس ذلك ذريعة لدفع الحد، وحمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه، قال الروياني في

стр. 2030

وَلَوْ سَرَقَاه وَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا لَهُ أَوْ لَهُمَا وَكَذَّبَهُ الآخَرُ .. لَمْ يُقْطَعِ الْمُدَّعِي وَقُطِعَ الآخَرُ فِي الأَصحِّ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزِ شَرِيكِهِ مُشْتَرَكًا .. فَلَا قَطْعَ فِي الأَظْهَرِ وَاِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ. الثَّالِثُ: عَدَمُ شُبْهَةٍ فِيهِ؛ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ === "الحلية": وله وجه عند فساد الزمان، ومحل هذا الوجه أو القول: ما إذا حلف مدعي السرقة على نفي ما ادعاه، فلو لم يحلف وحلف السارق .. فلا قطع قطعًا، ولو أقر المسروق منه: أن المال كان ملك السارق .. فلا قطع قطعًا، ومحله أيضًا في سقوط القطع؛ كما فرضه المصنف، أما المال .. فلا يقبل قوله فيه، بل القول قول المأخوذ منه بيمينه. ويجري الخلاف فيما لو ادعى أن المسروق ملك ابنه أو ملك سيده، أو أن المسروق منه عبده وهو مجهول النسب، أو أن الحرز ملكه غصبه المسروق منه. (لو سرقاه وادعاه أحدهما له أو لهما وكذبه الآخر .. لم يقطع المدعي) لاحتمال صدقه (وقطع الآخر في الأصح) لأنه مقرٌّ بسرقة نصاب بلا شبهة، والثاني: لا يقطع؛ لأنه ادعى ما لو صدق فيه .. لسقط القطع؛ فصار كما لو قال المسروق منه: إنه ملكه؛ فيسقط القطع. (وإن سرق من حرز شريكه مشتركًا .. فلا قطع في الأظهر وإن قلَّ نصيبه) لأن له في كل جزء حقًّا شائعًا؛ فأشبه وطء الجارية المشتركة، والثاني: يقطع إن خلص له من نصيب شريكه نصاب سرقة؛ إذ لا حقَّ له في نصيب الشريك. (الثالث: عدم شبهة فيه) لحديث: "ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" صحح الحاكم إسناده (١)، (فلا قطع بسرقة مال أصل) وإن علا (وفرع) وإن سفل؛ لما بينهما من البعضية، وفي الحديث: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" (٢). وخرج بالأصل والفرع: ما عداهما؛ كالإخوة، وغيرهم فإنه يقطع؛ لانتفاء ما ذكرناه.

стр. 2031

وَسَيِّدٍ، وَالأَظْهَرُ: قَطْعُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بالآخَرِ. وَمَنْ سَرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ؛ إِنْ فُرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ .. قُطِعَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَسْرُوقِ كَمَالِ مَصَالِحَ وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ .. فَلَا، وَإِلَّا .. قُطِعَ، === (وسيد) بالإجماع؛ لشبهة استحقاق النفقة، ويده كيد سيده، والمبعض كالقن، وكذا المكاتب على الأصحِّ. (والأظهر: قطع أحد الزوجين بالآخر) أي: سرقة مال الآخر من حرز؛ لعموم الأدلة، والثاني: لا قطع؛ للشبهة، فإنها تستحق النفقة في ماله، وهو يملك الحجر عليها، ومنعها من التصرف فيه عند مالك، والثالث: وصححه ابن أبي عصرون تبعًا للفارقي: يقطع الزوج دونها؛ لأن لها حقوقًا في ماله بخلافه، قال الأَذْرَعي: وهو أعدلها، والخلاف في الزوجة إذا لم تستحق شيئًا حين السرقة، أما إذا كانت تستحق النفقة والكسوة في تلك الحالة .. فالمتجه كما قاله في "المطلب": أن لا قطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء؛ كما في حق رب الدين إذا سرق نصابًا من مال المديون. (ومن سرق مال بيت المال؛ إن فرز لطائفة ليس هو منهم .. قطع) إذ لا شبهة له فيه قال الإمام: وكذا الفيء المعدُّ للمرتزقة؛ تفريعًا على أنه ملكهم، (وإلا) أي: وإن لم يفرز ( .. فالأصح: أنه إن كان له حق في المسروق، كمال مصالح، وكصدقة وهو فقير .. فلا) للشبهة المذكورة، (وإلا) أي: وإن لم يكن له فيه حق؛ كالغني من الصدقات ( .. قطع) لانتفاء الشبهة، والثاني: يقطع مطلقًا كما في سائر الأموال، والثالث: لا قطع مطلقًا؛ سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، سواء سرف من مال الصدقات أو من مال المصالح؛ لأنه مرصد للحاجة. ومحل منع القطع في مال المصالح: إذا كان مسلمًا، أما الذمي إذا سرق منها نصابًا .. فالصحيح .. قطعه، وقيل: لا يقطع، واختاره البغوي ثم قال: هذا في مال المصالح، أما لو سرق من مال من مات ولم يخلف وارثًا .. فعليه القطع؛ لأن إرثه للمسلمين خاصة وأقراه (١).

стр. 2032

وَالْمَذْهَبُ: قَطْعُهُ بِبَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ لَا حُصُرِهِ وَقَنَادِيلَ تُسْرَجُ. وَالأَصَحُّ: قَطْعُهُ بِمَوْقُوفٍ، === ويستثنى من قطع الغني بالصدقة: ما لو كان غارمًا وأخذه لإصلاح ذات البين أو كان غازيًا. (والمذهب: قطعه بباب مسجد، وجذعه) ونحوهما من متصلاته؛ كسواريه وسقفه ومنبره؛ لأنه مال يضمن باليد والإتلاف كسائر الأموال، وخرج الإمام وجهًا في الأبواب والسقوف؛ لأنها أجزاء المسجد، والمساجد يشترك فيها المسلمون، ويتعلق بها حقوقهم؛ كمال بيت المال، كذا نقلاه عنه (١)، وقد حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة (٢). (لا حصره) المعدة للاستعمال، (وقناديل تسرج) لأن ذلك لمصلحة المسلمين، فله فيه حق؛ كمال بيت المال، وهذا ما قطع به جماعة، بل ادعى القاضي الحسين الإجماع فيه ثم نقل فيما يعد للزينة وجهين، قال ابن الرفعة: ويخرج منه أوجه: ثالثها: التفصيل بين المعدة للزينة وما ينتفع به. انتهى (٣)، وقد صرح الإمام بالأوجه الثلاثة؛ كما نقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة" (٤). والفرق بين الباب والجذع وما نحن فيه: أن الحصر أعدت لينتفع بها الناس، والقناديل ليستضيؤوا بها، والأبواب والسقوف والجذوع لتحصين المسجد وعمارته لا الانتفاع، وكل هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق الباب أو الحصير أو غيرهما .. فيقطع قطعًا؛ كما في "الروضة" و"أصلها" (٥). (والأصح قطعه بموقوف) كما في أستار الكعبة؛ لأنه مال محرز، وسواء قلنا الملك لله أو للموقوف عليه، والثاني: المنع؛ أما إذا قلنا: إن الملك فيه لله تعالى .. فلأنه ينفك عن ملك الآدميين؛ كالمباحات، وأما على غير هذا القول .. فلضعف الملك.

стр. 2033

وَأُمِّ وَلَدٍ سَرَقَهَا نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً. الرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا بِمُلَاحَظَةٍ أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ === ومحل الخلاف: إذا لم يكن له فيه استحقاق ولا شبهة استحقاق؛ فإن كان كمن سرق من وقف على جماعة هو منهم، أو كان أصلًا أو فرعًا لأحد الموقوف عليهم .. فلا قطع قطعًا، وقد علم هذا من قول المصنف أولًا: (الثالث: عدم شبهة فيه). وصوَّر الماوردي وغيره المسألة: بما إذا كان الوقف على معين (١)، فأما الوقف على الجهات العامة أو على وجوه الخير .. فلا قطع فيه؛ لأنه في حكم بيت المال، قال الروياني: وإن كان ذميًّا؛ لأنه تبع للمسلمين في المصالح (٢). واحترز بالموقوف: عمَّا لو سرق من غلة الموقوف .. فيقطع قطعًا. (وأم ولد سرقها نائمةً أو مجنونةً) لأنها مملوكة مضمونة بالقيمة؛ كالقن، والثاني: لا؛ لنقصان الملك. واحترز بهذا القيد: عما لو كانت عاقلة يقظانة .. فلا قطع؛ لقدرتها على الامتناع. وخرج بأم الولد: المكاتب والمبعض؛ فلا قطع بسرقتهما. (الرابع: كونه محرزًا) فلا قطع بما ليس بمحرز بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر (٣) (بملاحظة أو حصانة موضعه) هذا تفسير للحرز؛ فإن الشرع أطلقه ولم يبينه، فرجع فيه إلى العرف؛ كما في القبض والتفرق وغيرهما؛ فإن السارق حينئذ يكون على خطر من أن يطلع عليه، وتعظم جرأته عند فقد ذلك؛ فعد المالك مضيعًا، ولا شك أن الأشياء تختلف فيختلف حرزها على ما سيأتي. وتعبيره بـ (أو) يقتضي: الاكتفاء بالحصانة من غير ملاحظة، وليس كذلك، وسيصرح بخلافه في قوله: (وإن كان بحصن .. كفى لحاظٌ معتادٌ) وقال الرافعي: لا يكفي حصانة الموضع عن أصل الملاحظة حتى إن الدار البعيدة عن البلد لا تكون حرزًا وإن تناهت في الحصانة (٤).

стр. 2034

فَإِنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ .. اشْتُرِطَ دَوَامُ لِحَاظٍ، وَإِنْ كَانَ بِحِصْنٍ .. كَفَى لِحَاظٌ مُعْتَادٌ. وَإِصْطَبْلٌ حِرْزُ دَوَابَّ لَا آنِيَةٍ وَثِيَابٍ، وَعَرْصَةُ دَارٍ وَصُفَّتُهَا حِرْزُ آنِيَةٍ وَثِيَابِ بِذْلَةٍ، لَا حُلِيٍّ وَنَقْدٍ. وَلَوْ نَامَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ تَوَسَّدَ مَتَاعًا .. فَمُحْرَزٌ، فَلَوِ انْقَلَبَ فَزَالَ عَنْهُ .. فَلَا، وَثَوْبٌ وَمَتَاعٌ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَاحَظَهُ .. مُحْرَزٌ، وَإِلَّا .. فَلَا === (فإن كان بصحراء أو مسجد .. اشترط دوام لحاظ) بكسر اللام (وإن كان بحصن .. كفى لحاظ معتاد) ولا يشترط دوامه؛ عملًا بالعرف. (وإصطبل حرز دواب) وإن كانت نفيسة (لا آنية وثياب) لأن إخراج الدواب مما يظهر ويبعد الاجتراء عليه، بخلاف ما يخف ويسهل حمله وإخراجه، واستثنى البُلْقيني من ذلك: آنية الإصطبل؛ كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبراذع ولجم ورحال جمال وقربة السقاء والراوية؛ للعرف. (وعرصة دار وصفَّتها حرز آنية، وثياب بذلة) كالبسط والأواني (لا حلي ونقد) لأن العادة فيها الإحراز في البيوت المغلقة في الدور، والثياب النفيسة والآنية النفيسة في معنى الحُلِيِّ. (ولو نام بصحراء أو مسجد على ثوب أو توسد متاعًا .. فمحرز) لقضاء العرف بذلك، فيقطع من أخذ الثوب من تحته، والمتاع من تحت رأسه، وهكذا إذا أخذ العمامة من على رأسه، والمداس من رجله، والخاتم من إصبعه، (فلو انقلب فزال عنه .. فلا) لأنه لم يبق حرزًا، وكذا لو قلبه السارق ثم أخذه. (وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه .. محرز) لقضاء العرف بذلك، ويشترط مع الملاحظة: ألَّا يكون في الموضع ازدحام للطارقين. نعم؛ إن كثر الملاحظون .. عادل كثرة الطارقين؛ كما نقلاه عن الإمام، وأقراه (١). (وإلا) أي: وإن لم يلاحظه؛ بأن نام أو ولَّاه ظهره ( .. فلا) قطع؛ لأنه غير محرز.

стр. 2035

وَشَرْطُ الْمُلَاحِظِ: قُدْرَتُهُ عَلَى مَنْعِ سَارِقٍ بِقُوَّةٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ. وَدَارٌ مُنْفَصلَةٌ عَنِ الْعِمَارَةِ إِنْ كَانَ بِهَا قَوِيٌّ يَقظَانُ .. حِرْزٌ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِغلَاقِهِ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَمُتَّصِلةُ حِرْزٌ مَعَ إِغْلَاقِهِ وَحَافِظٍ وَلَوْ نَائِمٌ، وَمَعَ فَتْحِهِ وَنَوْمِهِ غيْرُ حِرْزٍ لَيْلًا، وَكَذَا نَهَارًا فِي الأَصَحِّ، === (وشرط الملاحظ: قدرته على منع سارق بقوة أو استغاثة) فالضعيف الذي لا يبالي السارق به في الموضع البعيد عن العمران ضائعٌ مع ماله. (ودار منفصله عن العمارة إن كان بها قويٌّ يقظان .. حرزٌ مع فتح الباب وإغلاقه) لاقتضاء العرف ذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن فيها أحد ( .. فلا) تكون محرزة، سواء كان الباب مفتوحًا أم مغلقًا، وكذا إن كان فيها أحد وهو غير قوي، أو قويًّا لكنه نائم والباب مفتوح؛ فإن كان مغلقًا .. فوجهان: أحدهما: إنها ليست محرزة، وهو ظاهر كلام "الكتاب"، و"أصله" (١)، والثاني: إنها محرزة، وهو الأدرب في "الشرح الصغير"، والأقوى في "زيادة الروضة" (٢). (ومتصلة) بدور آهلة (حرز مع إغلاقه، وحافظ ولو نائم) سواء الليل والنهار؛ لأن السارق على خطر من اطلاعه، وتنبهه بحركاته، واستغاثته بالجيران، (ومع فتحه) أي: الباب (ونومه) أي: الحافظ (غير حرز ليلًا) لأنه المضيع بالفتح مع النوم. (وكذا نهارًا في الأصح) كما لو لم يكن فيها أحد والباب مفتوح، والثاني: يكون حرزًا؛ اعتمادًا على نظر الجيران ومراقبتهم. ومحل الخلاف: في زمن الأمن من النهب وغيره، وإلا .. فالأيام كالليالي؛ كما ذكره في "أصل الروضة" (٣)، ومحله أيضًا: إذا كان الباب مطروقًا تمر به الجيران؛ قاله الرافعي وأغفلته "الروضة" (٤).
следующие страницы →