← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الأَعْضَاءِ إِلَّا الْمَقَاتِلَ وَالْوَجْهَ، قِيلَ: وَالرَّأْسَ، وَلَا تشُدُّ يَدُهُ، وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ، وَيُوَالِي الضَّرْبَ بحَيثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتنكِيلٌ. فَصْلٌ [في التعزير] يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ === (ويفرّقه على الأعضاء) لئلا يعظم ألمه بالموالاة في موضع واحد، (إلا المقاتل) كثغرة النحر والفرج ونحوهما؛ لأن المقصود تأديبه وزجره، لا إهلاكه، (والوجه) لقول علي ﵁ للجلاد: (اتق الوجه) (١)، (قيل: والرأس) لأنه موضع شريف، وفيه مقتل، والأصحُّ: المنع؛ لقول أبي بكر ﵁ للجلاد: (اضرب الرأس؛ فإن الشيطان في الرأس) (٢)، ولأنه مستور بالشعر غالبًا، فلا يخاف من ضربه ما يخاف من ضرب الوجه. (ولا تشد يده)، بل تترك؛ ليتقي بها إن شاء، ولا يلقى على وجهه ولا يمد، بل يجلد الرجل قائمًا والمرأةُ جالسة. (ولا تجرد ثيابه) كلُّها، بل يترك عليه قميص أو قميصان، لا ما يمنع الألم؛ من جبة محشوة، وفروة؛ ملاحظةً لمقصود الحد، ويترك على المرأة ما يسترها، وتشد عليها ثيابها. (ويوالي الضرب بحيث يحصل زجر وتنكيل)، فلا يجوز أن يفرق فيضرب في كل يوم سوطًا أو سوطين، لفوات مقصود الحد. * * * (فصل: يعزر في كل معصيه لا حد لها ولا كفارة). واستثني من منطوق الكتاب صور كثيرة: منها: ذوو الهيئات، قال الشافعي: وهم الذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة، فلا يعزرون، بل تقال عثرتهم

стр. 2067

بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ، === وتستر زلتهم (١)، للحديث المشهور: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلَّا الْحُدُودَ" (٢)، ومنها: إذا رأى من يزني بأهله وهو محصن، فقتله في تلك الحالة. . فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام؛ لأجل الحمية والغيظ؛ حكاه ابن الرفعة عن ابن داوود، ومنها: الأصل لا يعزر لحق الفرع؛ كما لا يحد بقذفه، صرح به الماوردي (٣). واستثني من مفهومه أيضًا صور كثيرة: منها: الجماع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة؛ كما نقله البغوي في "شرح السنة" عن إجماع الأمة (٤)، ومنها: الزيادة على أربعين في الشرب إلى ثمانين تعزير على الصحيح؛ كما مر، ومنها: ما ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد الصغرى": أنه لو زنى بأمه في جوف الكعبة في رمضان، وهو صائم معتكف محرم. . لزمه العتق والبدنة، ويحد للزنا، ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة (٥)، ومنها: الصبي والمجنون يعزران إذا فعلا ما يعزر عليه البالغ وإن لم يكن فعلهما معصية، نصّ عليه في الصبي، وذكره القاضي الحسين في المجنون. (بحبس، أو ضرب، أو صفع، أو توبيخ)، أو نفي؛ كما ذكراه في (باب حد الزنا)، ونص عليه في "الأم"، أو إعراض؛ كما ذكره الماوردي؛ لأنها تفيد الردع والزجر عن الجريمة (٦). وله إشهاره في الناس إذا أدى اجتهاده إليه، ويجوز حلق رأسه دون لحيته، وله الجمع بين الحبس والضرب إن رآه، نص عليه في "الأم"، وصرح به الماوردي،

стр. 2068

وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ. . لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخ، فَإِنْ جُلِدَ. . وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً، وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيعُ الْمَعَاصِي فِي الأَصَحِّ. === والقاضي أبو الطيب، والشيخان (١). وعلى الإمام في إقامة التعزير مراعاة الترتيب والتوبيخ اللائق بالحال في القدر والنوع؛ كما يراعيه في دفع الصائل، ويشترط: أن ينقص مدة الحبس عن سنة، نص عليه في "الأم" في (قتل المؤمن بالكافر)، فقال: ولا يبلغ بحبسه سنة (٢). (ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) لأنه غير مقدر، فوكل إلى رأيه يجتهد في سلوك الأصلح؛ لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس، (وقيل: إن تعلق بآدمي. . لم يكف توبيخ) لتأكد حق الآدمي، والأصحُّ: الاكتفاء؛ كما في حق الله تعالى. (فإن جلد. . وجب أن ينقص في عبد عن عشرين جلدة، وحرٍّ عن أربعين) لأن جناية العبد دون جناية الحر، فتعزير الحر يعتبر بحده، وتعزير العبد يعتبر بحده، (وقيل: عشرين) لأنها حد العبد، فهو داخل في المنع في قوله ﵇: "مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ. . فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ"، رواه البيهقي وقال: المحفوظ إرساله (٣). وقيل: لا يزاد في تعزيرهما على عشرة أسواط، وهو قوي مختار؛ لما في "الصحيحين": "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى" (٤)، قال صاحب "التقريب": ولو بلغ الخبر للشافعي. . لقال به. وأجاب من قال بالأول: إن الخبر منسوخ أو مؤول. (ويستوي في هذا جميع المعاصي في الأصح)، ويلحق ما هو من مقدمات موجبات الحدود بما ليس من مقدماتها؛ إذ لا دليل على التفرقة، والثاني: لا، بل

стр. 2069

وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ. . فَلَا تَعْزِيرَ لِلإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، أَوْ تَعْزِيرٍ. . فَلَهُ فِي الأَصَحِّ. === تقاس كل معصية بما يناسبها مما يوجب الحد، فلا يبلغ بتعزير مقدمات الزنا حدَّ الزنا، وله أن يزيد على حد القذف، ولا يبلغ بتعزير السب حدَّ القذف، وله أن يزيد على حد الشرب، ولا يبلغ بتعزير إدارة كأس الماء على الشرب تشبيهًا بشارب الخمر حدَّ الشرب؛ اعتبارًا لكل نوع بغاية الزاجر المشروع في جنسه، وقرُب هذا من قولهم: إن حكومة الجناية الواردة على عضو تعتبر بأرش ذلك العضو. (ولو عفا مستحق حد. . فلا تعزير للإمام في الأصح، أو تعزير. . فله في الأصح) لأن الحد لازم مقدر لا نظر للإمام فيه، فلا سبيل إلى العدول إلى غيره بعد سقوطه، والتعزير يتعلق أصله بنظره، فجاز ألا يؤثر فيه إسقاط غيره، والثاني: له ذلك مطلقًا، واختاره الشيخ عز الدين (١)؛ لأنه لا يخلو عن حق لله تعالى، ولأنه قد يحتاج إلى زجره وزجر غيره عن مثل ذلك، والثالث: لا مطلقًا؛ لأن مستحقه أسقطه (٢). * * *

стр. 2070

كتابُ الصِّيال وضمان الولاة لَهُ دَفْعُ كُلِّ صائِلٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنْ قَتَلَهُ. . فَلَا ضَمَانَ، وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ، === (كتاب الصيال وضمان الولاة) والختان وإتلاف البهائم والأصل في الباب: ما سيأتي، وافتتحه في "المحرر" بقوله ﷺ : "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" الحديث، وهو في "صحيح البخاري" (١)، واستأنسوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، الآية. (له دفع كل صائل على نفس أو طرف أو بضع أو مال) وإن قل؛ لحديث: "مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ. . فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ. . فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ. . فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ. . فَهُوَ شَهِيدٌ"، رواه أبو داوود والترمذي، وصححه (٢). وجه الدلالة: أنه لما جعله شهيدًا. . دل على أن له القتلَ والقتالَ؛ كما أن من قتله أهلُ الحرب لما كان شهيدًا. . كان له القتل والقتال. وفي معنى البضع: من قصد الاستمتاع بأهله فيما دون الفرج. وسواء في المال كان له أو لغيره، حتى لو رأى من يحرق مال نفسه أو يفرقه عبثًا. . فله دفعه عنه. (فإن قتله) في الدفع (. . فلا ضمان) لأنه مأمور بدفعه، وفي الأمر بالقتال والضمان منافاة. واستثنى الدبيلي في "أدب القضاء": المضطر، فإذا قتله صاحب الطعام دفعًا. . وجب عليه القود؛ لأن المضطر أبيح له تناول ذلك، فكأنه قتله بغير حق. (ولا يجب الدفع عن مال) لأنه يجوز إباحته للغير، وهذا في غير ذي الروح، أما

стр. 2071

وَيَجِبُ عَنْ بُضعٍ، وَكَذَا نَفْسٌ قَصَدَهَا كَافِرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، لَا مُسْلِمٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نفْسِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا === الحيوان. . فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه ما لم يخش على نفسه؛ لحرمة الروح. (ويجب عن بضع) لأنه لا مجال للإباحة فيه، وسواء بضع أهله وغيرهم، وشرطه: ألا يخاف على نفسه، (وكذا نفس قصدها كافر) لأن الاستسلام لهم ذل في الدين، (أو بهيمة) لأنها مذبوحة؛ لاستبقاء المهجة، فكيف يؤثرها ويستسلم لها؟ ! (لا مسلم في الأظهر) لحديث: "كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ"، صححه ابن حبان (١)، والثاني: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وكما يجب على المضطر إحياءُ نفسه بالأكل. وأجاب الأول: بأن في القتل شهادة، بخلاف ترك الأكل، وحكى القاضي الحسين تصحيح الأول عن الأصحاب، وجريا عليه (٢)، لكن قال القاضي أبو الطيب: إن الذي قال به سائر الأصحاب الثاني، وإنه المشهور، وقال القاضي: إن أمكنه دفعه بغير قتله. . وجب، وإلا. . فلا. ومحل الخلاف: في المحقون الدم؛ كما قيده القاضي الحسين والإمام (٣)؛ ليخرج المهدر؛ كالزاني المحصن وقاطع الطريق؛ فإن حكمهما حكم الكافر؛ كما صرح به صاحب "الترغيب". (والدفع عن غيره كهو عن نفسه)، فحيث تجب هناك تجب هنا، وإلا. . فلا؛ إذ لا يزيد حق غيره على حق نفسه. نعم؛ لو صال حربي على حربي. . لم يجب الدفع على المسلم وإن وجب دفعه عن نفسه. (وقيل: يجب قطعًا) لأن له الإيثار بحق نفسه دون حق غيره، وقيل: لا يجب

стр. 2072

وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَلَمْ تندَفِعْ عَنْهُ إِلَّا بِكَسْرِهَا. . ضَمِنَهَا فِي الأَصَحِّ. وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بالأَخَفِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِكَلَامٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ. . حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ بِضَرْبِ يَدٍ. . حَرُمَ سَوْطٌ، أَوْ بِسَوْطٍ. . حَرُمَ عَصًا، أوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ. . حَرُمَ قَتْلٌ، === قطعًا، ونسبه الإمام إلى معظم الأصوليين؛ لأن شهر السلاح يحرك الفتن، وليس ذلك من شأن آحاد الناس، وإنما هو من وظيفة الإمام (١). ومحل القول بالوجوب: ما إذا لم يخف على نفسه؛ كما جزم به الرافعي هنا، لكن كلامه في "السير" يقتضي جريانه عند الخوف أيضًا (٢). ويستثنى من محل الخلاف: ما إذا كان المقصود نبيًّا. . فإنه يجب الدفع عنه قطعًا؛ كما قاله الفوراني في (كتاب النكاح) من "العمد". (ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها. . ضمثها في الأصح) لأنه لا قصد لها ولا اختيار حتى يحال عليها، فصار كالمضطر إلى طعام الغير؛ يأكله ويضمن؛ لأنه لمصلحة نفسه، والثاني: لا؛ تنزيلًا لها منزلة البهيمة. وفرق الأول: بأن البهيمة لها نوع اختيار. وصحح البُلْقيني الثاني، وقال: إن الأول لم يسبق الرافعيَّ إلى تصحيحه أحدٌ، وبسط ذلك. (ويدفع الصائل بالأخف، فإن أمكن بكلام أو استغاثة. . حرم الضرب، أو بضرب يدٍ. . حرم سوط، أو بسوط. . حرم عصًا، أو بقطع عضو. . حرم قتل) لأنه جوز للضرورة، ولا ضرورة في الأغلظ مع إمكان الأسهل، والمعتبر في ذلك: غلبة الظن. وفائدة هذا الترتيب: أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها. . ضمن. ويستثنى من مراعاة الترتيب صور: إحداها: الفاحشة، فلو رآه أولج في أهله. .

стр. 2073

فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبٌ. . فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ. وَلَوْ عُضَّتْ يَدُهُ. . خَلَّصَهَا بِالأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ === قال الماوردي: فليعجل الدفع بالأعلى، فيجوز أن يبدأ بالقتل (١)، وفي هذا القتل وجهان: أحدهما: قتل دفع، فيختص بالرجل دون المرأة، ويستوي فيه البكر والثيب، والثاني: قتل حد، وله أن ينفرد به دون السلطان. فعلى هذا: له قتلها إن كانت ثيبًا مطاوعة، وتجلد البكر المطاوعة، وأما الرجل. . ففيه وجهان: أحدهما: يفرق فيه بين البكر والثيب، وأظهرهما: أنه لا فرق. الثانية: لو كان الصائل يندفع بالضرب والعصا، والمصول عليه لا يجد إلا السيف. . فالصحيح: أن له الضربَ؛ لأنه لا يمكنه الدفع إلا به، وليس بمقصر في ترك استصحاب السوط. الثالثة: ما سيأتي في الناظر للحُرَم؛ أنه يرمى بالحصا قبل الإنذار. وإذا قصد إنسان قطع طرفه وكان لا يمتنع عنه إلا بقتال ربما يؤدي إلى قتل. . هل يقاتل عليه؟ قال في "الإحياء" قيل: فإن قلتم: نعم. . فهو محال؛ لأنه هلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف، [و] في إهلاكها إهلاكه أيضًا، قلنا: يمنعه ويقاتله؛ إذ ليس الغرض حفظ طرفه، بل حفظ سبيل المنكرات (٢). (فإن أمكن هرب. . فالمذهب: وجوبه وتحريم قتال)، اختلف نص الشافعي ﵁ في هذه المسألة، وللأصحاب طريقان: أصحهما: على قولين: أظهرهما: أنه يجب الهرب؛ لأن الإنسان مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، والهرب أهون، والثاني: لا يجب؛ لأن إقامته في ذلك الموضع جائزة، فلا يكلف الانصراف، والطريق الثاني: حمل نص الهرب على من تيقن النجاة بالهرب، والآخر على من لا يتيقن. (ولو عضت يده. . خلصها بالأسهل من فك لحييه) أي: رفع أحدهما عن الآخر

стр. 2074

وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ أَسْنَانُهُ. . فَهَدَر. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى حُرَمِهِ فِي دَارِهِ مِنْ كَوَّةٍ أَوْ ثَقْبٍ عَمْدًا فَرَمَاهُ بِخَفِيفٍ؛ كَحَصَاةٍ فَأَعْمَاهُ، أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ. . فَهَدَرٌ، === بلا جرح، (وضرب شدقيه، فإن عجز فسلها فندرت أسنانه) أي: سقطت (. . فهدر) لما في "الصحيحين": أن رجلًا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه، فاختصما إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ! لَا دِيَةَ لَكَ" (١). ولأن النفس لا تضمن بالدفع، فالأطراف أولى، سواء كان العاض ظالمًا أو مظلومًا، لأن العض لا يجوز بحال. واقتضى كلامه شيئين: الأول: التخيير بين الفك والضرب، وليس كذلك؛ فالفك مقدم على الضرب، كما في "أصل الروضة"؛ لأنه أسهل (٢)، الثاني: الحصر فيما ذكره، وليس كذلك أيضًا؛ فالصحيح في "أصل الروضة": أنه إذا لم يمكنه التخلص إلا ببعج بطنه أو فقء عينيه. . جاز (٣). (ومن نظر إلى حرمه في داره من كوّة أو ثقب عمدًا فرماه بخفيف، كحصاة، فأعماه، أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات. . فهدر) للحديث الصحيح فيه (٤). وشمل كلامه: ما لو كان الناظر امرأة أو مراهقًا، وهو كذلك، واستشكل في المراهق؛ لأنه غير مكلف، ولا يستوفى منه الحدود، وأجيب: بأن الرمي ليس للتكليف، بل لدفع مفسدة النظر، فلا فرق بين المكلف وغيره ممن تحصل به المفسدة، وشمل أيضًا: غير المراهق، مع أنه لا يجوز رميه ولو كان مميزًا. وخرج بقوله: (نظر): الأعمى؛ فلا يرميه، لفوات الاطلاع على العورات، ومن استرق السمع؛ فإنه لا يجوز رمي أذنه؛ إذ ليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات.

стр. 2075

بِشَرْطِ عَدَمِ مَحْرَمٍ وَزَوْجَةٍ لِلنَّاظِرِ، === والمراد بالحرم: الإناث؛ من زوجات، وإماء، ومحارم. ويرد على مفهومه: ما لو كان فيها رجل مكشوف العورة ولم يكن هناك حرم. . فإنه يرميه، فإن لم يكن مكشوف العورة. . لم يرمه على الأصحِّ. والمراد بـ (داره): المختصة به ولو بإعارة أو إجارة أو وقف عليه، بخلاف الجالس بأهله في المسجد وإن أغلق بابه. وقضية كلام المصنف: أن المستعير يرمي المعير إذا نظر، وفي المسألة وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح (١)، ورجح الأَذْرَعي وغيره: أنه يرميه. واحترز بالكَوّة والثقب: عما لو نظر من الباب المفتوح. . فلا يرميه؛ لتفريط صاحب الدار بفتحه، ولا بدّ من تقييد الكَوّة بالصغيرة، أما الكبيرة. . فكالباب المفتوح. نعم؛ حكم النظر من سطح نفسه والمؤذن من المنارة. . كالكَوّة على الأصحِّ؛ إذ لا تفريط من صاحب الدار. وقوله: (عمدًا): خرج به ما إذا كان مخطئًا أو وقع بصره اتفاقًا. . فإنه لا يرميه إذا علم بذلك صاحب الدار. وقوله: (بخفيف) خرج به الثقيل؛ كالحجر، والنُّشاب، ويضمن حينئذ بالقصاص أو الدية. (بشرط عدم محرم وزوجة للناظر)، فإن كان. . لم يجز رميه، لأن له في النظر شبهةً. وكان ينبغي أن يقول: (محرم أو زوجة)؛ فإن أحدهما كافٍ. وأورد على طرده: ما لو كان له هناك متاع. . فإنه لا يجوز رميه؛ كما جزما به (٢)، وفيه نظر، وعلى عكسه: ما لو كان له محرم، لكن متجردة. . فإنه يجوز رميه؛ إذ ليس له النظر إلى ما بين السرة والركبة.

стр. 2076

قِيلَ: وَاسْتِتَارِ الْحُرَمِ، قِيلَ: وَإِنْذَارٍ قَبْلَ رَمْيِهِ. وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ وَوَالٍ وَزَوْجٌ وَمُعَلِّمٌ. . فَمَضْمُونٌ، وَلَوْ حَدَّ مُقَدَّرًا. . فَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ. . فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ، === (قيل: و) بشرط عدم (استتار الحرم)، فإن كن متسترات بالثياب أو في منعطف لا يراهن الناظر. . لم يجز رميه؛ لعدم اطلاعه، والأصحُّ: جواز الرمي مطلقًا؛ حسمًا للباب، وقد يريد ستر حُرَمه عن الناس وإن كن مستترات. (قيل: و) يشترط في جواز رميه (إنذار قبل رميه) بأن يقول له: (انصرف؛ فإن ههنا عورةً)، فإن لم ينصرف. . جاز رميه حينئذ؛ طردًا لقاعدة الباب في البداءة بالأخف فالأخف، والأصحُّ: أنه لا يشترط؛ لقوله ﷺ : "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ. . فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ" متفق عليه (١)، ولم يذكر الإنذار. (ولو عزر ولي ووال وزوج ومعلم. . فمضمون) إذا سرى التعزير إلى التلف؛ لأنه تبين بالهلاك أنه جاوز الحد المشروع. نعم؛ لو كان مملوكًا فضربه بإذن السيد. . فلا ضمان؛ لأنه لو أذن له في قتله فقتله. . لم يضمنه، قاله البغوي، وأقراه، وحكاه الإمام في (كتاب الرهن) عن العراقيين (٢). واستثنى البُلْقيني من الضمان: ما إذا اعترف بما يقتضي التعزير وطلب بنفسه من الوالي تعزيره فعزره. . فإنه لا يضمنه؛ لإذنه، وينبغي أن يقيد بما إذا عين له نوع التعزير وقدره. (ولو حد مقدرًا. . فلا ضمان) لأن الحق قتله، وسواء جلده في حَرٍّ أو برد، أو في غيرهما؛ كما تقدم في آخر حد الزنا. ولا معنى لوصف الحد بالتقدير؛ فإن الحد لا يكون إلا مقدرًا. (ولو ضرب شارب بنعال وثياب) ومات (. . فلا ضمان على الصحيح) المنصوص (٣).

стр. 2077

وَكَذَا أَرْبَعُونَ سَوْطًا عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ أَكْثَرُ. . وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُ دِيَةٍ، وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ أَحَدًا وَثَمَانِينَ. وَلِمُسْتَقِلٍّ قَطْعُ سِلْعَةٍ إِلَّا مَخُوفَةً لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا، أَوِ الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا === الخلاف مبني على أنه هل يجوز جلده هكذا؟ إن قلنا: نعم -وهو الأصحُّ-. . لم يضمن، وإلا. . ضمن؛ لأنه عدل إلى غير الجنس الواجب، كذا قاله الرافعي (١)، قال الأَذْرَعي: وكأن المراد: إذا قلنا: لا يكتفى بذلك ويتعين السوط، قال البُلْقيني: ولا يجوز إثبات وجه الضمان عندي؛ لأنه مخالف للسنة الصحيحة، وادعاء نسخه بالجلد باطل، ولو صح. . لكان عدولًا إلى الأخف، وذلك لا يقتضي الضمان. (وكذا أربعون سوطًا على المشهور) لأنه جلد يسقط به الحد، فلا يتعلق به ضمان؛ كالحد في الزنا والقذف، والثاني: أنه يضمن؛ لأن تقديره كان بالاجتهاد؛ كذا علله الرافعي (٢)، واعترض: بأن في "صحيح مسلم" عن علي ﵁ قال: (جلد رسول الله ﷺ أربعين) (٣)، فهو ثابت بالنص. (أو أكثر) من أربعين في صورتي النعال والسياط فمات (. . وجب قسطه بالعدد) نظرًا للزائد فقط، فإذا ضربه أحدًا وأربعين. . لزمه جزء واحد من أحد وأربعين جزءًا من الدية، ويسقط الباقي، (وفي قول: نصف دية) لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وفي قول: تجب جميع الدية. (ويجريان في قاذف جلد أحدًا وثمانين) فمات، ففي قول: تجب نصف دية، والأظهر: جزء من أحد وثمانين جزءًا. (ولمستقل) بأمر نفسه، [وهو الحر المكلف وإن كان سفيهًا] (٤) (قطع سلعة) من نفسه ولغيره بإذنه؛ لأن فيه مصلحةَ إزالة الشين، والسِّلْعة -بكسر السين-: خُرَاج كالغدد يخرج بين الجلد واللحم، (إلا مخوفة لا خطر في تركها، أو الخطر في قطعها

стр. 2078

أَكْثَرُ، وَلِأبٍ وَجَدٍّ قَطْعُهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الْخَطَرِ إِنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ، لَا لِسُلْطَانٍ، وَلَهُ وَلِسُلْطَانٍ قَطْعُهَا بِلَا خَطَرٍ، وَفَصْدٌ وَحِجَامَةٌ، فَلَوْ مَاتَ بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا. . فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ بِصَبِيٍّ مَا مُنِعَ. . فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ، === أكثر) أي: يمتنع القطع في هاتين الصورتين؛ لأنه يؤدي إلى إهلاك النفس. وأفهم: الجواز فيما إذا لم يكن خطر أصلًا، أو كان الخطر في إبقائها أكثر من القطع، أو استوى الأمران، وفي الأخيرة وجه؛ إذ لا فائدة، ورُدّ: بفائدة إزالة الشين، والرجوعُ في ذلك لأهل الخبرة. وتآكل بعض الأعضاء حكمُه حكمُ السِّلْعة. (ولأب وجد قطعها) أي: السلعة (من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك) لأنهما يليان ماله، ويصونانه من الضياع، فصيانة بدنه بالمعالجة أولى. وأفهم: المنع عند استواء خطر القطع والترك، وهو ما صححه الإمام، وأقراه (١)، ويحتاج إلى الفرق بينه وبين المستقل؛ حيث جاز في هذه الحالة على الأصحِّ. (لا لسلطان) لأن القطع يحتاج إلى نظر دقيق وفراغ تام وشفقة كاملة، ولهذا لم يجبر البكر كما يجبرها الأب والجد والوصي. والقيّمُ في هذا كالسلطان، فلو قال: (لا لغيرهما). . لكان أحسن. (وله) أي: للأب والجد، ولا وجه لإفراده الضميرَ، وأعاده في "العجالة" على الولي، ولم يتقدم له ذكر (٢)، (ولسلطان قطعها) أي: السلعة (بلا خطر) لعدم الضرر، (وفصد وحجامة) عند إشارة الأطباء بذلك؛ لصيانة بدنه. (فلو مات بجائز من هذا) أي: من قطع سلعة وفصد وحجامة (. . فلا ضمان في الأصح) لأن الضمان يمنعه من المعالجة، فيتضرر الصغير، والثاني: يضمن؛ كما في التعزير إذا أفضى إلى التلف. (ولو فعل سلطان بصبي ما منع. . فدية مغلظة في ماله) لتعدّيه، ولا معنى للتقييد

стр. 2079

وَمَا وَجَبَ بِخَطَأِ إِمَامٍ فِي حَدٍّ أَوْ حُكْمٍ. . فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَوْ حَدَّ بِشَاهِدَيْنِ فبَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ؛ فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا. . فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا. . فَالْقَوْلَانِ، === بالسلطان؛ فإن الأب والجد كذلك؛ كما صرحا به في "الروضة" و"أصلها" (١). (وما وجب بخطأ إمام في حد أو حكم. . فعلى عاقلته) كغيره، (وفي قول: في بيت المال) لأن خطأه يكثر؛ لكثرة الوقائع، فإيجابه على العاقلة إجحاف بهم، فكان بيت المال أحق به؛ فإنه لزمه بالحكم بين المسلمين. ومحل الخلاف: فيما إذا لم يظهر منه تقصير، فإن ظهر؛ كما لو أقام الحد على الحامل وهو عالم به فألقت جنينًا. . فالغرة على العاقلة قطعًا. واحترز بقوله: (في حد أو حكم): عن خطئه فيما لا يتعلق بذلك؛ فإنه فيه كآحاد الناس بالإجماع. ويرد على المصنف: الكفارة؛ فإنها في ماله على الأول قطعًا، وعلى الثاني وجهان في "الروضة" بلا ترجيح (٢). (ولو حد بشاهدين) ومات منه، (فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين؛ فإن قصر في اختبارهما) بأن تركه جملة (. . فالضمان عليه) لا في بيت المال، ولا على عاقلته إن تعمد، فإن لم يتعمد. . تعلق بالعاقلة لا ببيت المال. وقضيته: أن المراد بالضمان الدية لا القود، وبه أجاب صاحب "الحاوي الصغير"، لكن قال الإمام بعد جزمه بالضمان: وإنما يتردد الفقيه في وجوب القصاص، والأظهر: الوجوب (٣)؛ يعني: حيث يكون الجلد يجب بمثله القود، وسكتا عليه. (وإلا) أي: وإن لم يقصر في اختبارهما، بل بحث وبذل وسعه (. . فالقولان) في أن الضمان على عاقلته، أو في بيت المال، وقد تقدم توجيههما.

стр. 2080

فَإِنْ ضَمَّنَا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ مَالٍ. . فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْعَبْدَيْنِ وَالذِّمِّيَّيْنِ فِي الأَصَحِّ، وَمَنْ حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذْنٍ. . لَمْ يَضْمَنْ، وَقَتْلُ جَلَّادٍ وَضَرْبُهُ بِأَمْرِ الإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الإِمَامِ إِنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ، وَإِلَّا. . فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلَّادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِكرَاهٌ. وَيَجِبُ خِتَانُ الْمَرْأَةِ بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ، وَالرَّجُلِ بِقَطْعِ مَا يُغَطِّي حَشَفته بَعْدَ الْبُلُوغِ، === (فإن ضمنا عاقلة أو بيت مال. . فلا رجوع على العبدين والذميين في الأصح) لأنهما يزعمان أنهما صادقان، ولم يوجد منهما تعدٍّ فيما أتيا به، والثاني: نعم؛ لأنهما غرّا القاضي، وعلى هذا: يتعلق الغرم بذمة العبدين، وقيل: برقبتهما، والثالث: يثبت الرجوع للعاقلة دون بيت المال. (ومن حجم أو فصد بإذن) معتبرة (. . لم يضمن) ما تولد منه؛ لأنا لو ضمناهما. . لأحجما عنهما. (وقتل جلاد وضربه بأمر الإمام كمباشرة الإمام إن جهل ظلمه وخطأه)، فيتعلق الضمان به لا بالجلاد؛ لأنه آلته، ولو ضمناه. . لم يتول الجلدَ أحدٌ، قال الإمام: وهذا من النوادر؛ فإنه قاتل باشر مختارًا، ولا يتعلق به في القتل بغير حق حكم (١)، (وإلا) أي: وإن علم ظلم الإمام وخطأه (. . فالقصاص والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه) من جهة الإمام؛ لتعدّيه، فإن أكرهه. . فالضمان عليهما. (ويجب ختان المرأة بجزء من اللحم بأعلى الفرج، والرجل بقطع ما يغطي حشفته بعد البلوغ). أما وجوبه. . فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وكان من ملته الختان، قال الخطابي: وكان واجبًا، وفي "الصحيحين": "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ" (٢)، وعد منها الختان، ولأنه قطع جزء من البدن لا يستخلف؛ تعبدًا، فكان واجبًا؛ كالقطع في السرقة. واحترز بالقيد الأول: عن الظفر والشعر، وبالثاني: عن القطع للأكلة.

стр. 2081

وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ فِي سَابِعِهِ، === وأول من اختتن من الرجال إبراهيم ﷺ ، ومن النساء هاجر ﵂ (١). وقيل: الختان سنة، وقيل: واجب للرجال، وسنة للنساء. وأما كيفيته: فكما ذكره المصنف، وهو في المرأة قطع اللحمة التي فوق أعلى الفرج وفوق ثقبة البول، وتشبه عرف الديك، فإذا قطعت. . بقي أصلها؛ كالنواة، ويكفي قطع ما يقع عليه الاسم، قال في "التحقيق": وتقليله أفضل (٢). وخرج بالرجل والمرأة: الخنثى المشكل، فلا يجب ختانه، بل لا يجوز على الأصحِّ في "زيادة الروضة"؛ لأن الجرح مع الإشكال ممتنع (٣). والوجوب منوط بالبلوغ؛ لأنه وقت التكليف. ويستثنى: ما لو كان الشخص ضعيفًا؛ بحيث لو ختن خيف عليه. . فإنه لا يجب ختانه، فلو مات قبل إمكانه. . سقط فرضه، ولو خُلِق لشخص ذكران عاملان ولم يتميز الأصلي منهما. . ختنا جميعًا. (ويندب تعجيله في سابعه) لما رواه الحاكم: أنه ﷺ ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما (٤)، ويكره قبل السابع؛ كما جزم به في "التحقيق" (٥). وقضية إطلاق المصنف: أن هذا في الغلام والجارية، وهو ما نقله في "شرح

стр. 2082

فَإِنْ ضَعُفَ عَنِ احْتِمَالِهِ. . أُخِّرَ، وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُهُ. . لَزِمَهُ الْقِصَاصُ إِلَّا وَالِدًا، فَإِنِ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَلِيٌّ. . فَلَا ضمَانَ فِي الأَصَحِّ، وَأُجْرَتُهُ فِي مَالِ الْمَخْتُونِ. === المهذب" عن الماوردي، وأقره، لكن في "المحرر" قيده بالطفل (١). ولا يدخل يوم الولادة في العدد على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، ونقلاه في "شرح المهذب" و"الكفاية" عن الأكثرين، لكن صحح المصنف في (العقيقة) حسبانه من العدد (٢)، وقضيته: أن يكون الختان كذلك؛ فإنه يختن في السابع ويعق عنه فيه، قال في "المهمات": والفتوى على أنه لا يحسب؛ فإنه المنصوص في "البويطي" (٣). (فإن ضعف عن احتماله) في السابع (. . آخر) إلى أن يحتمله. (ومن ختنه في سن لا يحتمله) فمات (. . لزمه القصاص) لتعديه بالجرح، (إلا والدًا) وإن علا؛ للبعضية. نعم؛ تجب عليه الدية، ويستثنى: السيد أيضًا. (فإن احتمله وختنه ولي. . فلا ضمان في الأصح) لأنه لا بدّ منه، والتقديم أسهل من التأخير؛ لأن القطعَ -والبدنُ غض رَخْصٌ، والمقطوعُ قدرٌ يسير-. . أسهل عليه، والثاني: يضمن؛ لأنه غير واجب في الحال، فلم يبح إلا بشرط سلامة العاقبة. وخرج بقوله: (ولي): ما لو ختنه أجنبي. . فإنه يضمن؛ كما نصّ عليه في "الأم"، وبه صرح الماوردي وغيره (٤). (وأجرته) أي: الخاتن (في مال المختون) لأنه لمصلحته، فأشبه تعليم الفاتحة (٥). * * *

стр. 2083

فَصْلٌ [في حكم إتلاف البهائم] مَنْ كَانَ مَعَ دَابَّةٍ أَوْ دَوَابَّ. . ضَمِنَ إِتْلَافَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ بِطَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ. . فَلَا ضَمَانَ، وَيَحْتَرِزُ عَمَّا لَا يُعْتَادُ كَرَكْضٍ شَدِيدٍ فِي وَحَلٍ، فَإِنْ خَالَفَ. . ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ === (فصل: من كان مع دابة أو دواب. . ضمن إتلافها نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا) لأنها تحت يده وتصرفه، وعليه القيام بحفظها وتعهدها، وسواء كان الذي معها مالكًا أو مستأجرًا أو مودعًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواء كان راكبًا أم سائقًا أم قائدًا. ويستثنى من إطلاقه صور: منها: لو ركب دابة فنخسها إنسان بغير إذنه فرمحت وأتلفت شيئًا. . فالضمان على الناخس، وقيل: عليهما، ومنها: لو غلبته دابته فاستقبلها إنسان فردها فأتلفت في انصرافها شيئا. . ضمنه الراد، ومنها: ما لو سقط مركوبه ميتًا على شيء فأتلفه. . لم يضمنه، قاله البغوي، وأقراه (١). (ولو بالت أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال. . فلا ضمان) لأن الطريق لا يخلو من ذلك، ولو ضمن. . لامتنع المرور من الطريق، ولا سبيل إليه. وما جزم به من عدم الضمان كذا هو في "الشرح" و"الروضة" هنا، وهو احتمال للإمام (٢)، والمذهب المنصوص: الضمان؛ لأن الارتفاق مشروط بسلامة العاقبة، وقد حكاه ابن الرفعة عن الأصحاب، وجزما به في "الشرح" و"الروضة" في (جزاء الصيد)، وجزم به في "شرح المهذب" أيضًا (٣)، قال الأَذْرَعي بعد نقله له عن الجمهور: وما جزما به هنا تبعًا للإمام لا ينكر اتجاهه، ولكن المذهب: نقل. (ويحترز عما لا يعتاد؛ كركض شديد في وحل، فإن خالف. . ضمن ما تولد منه) لتسببه فيه.

стр. 2084

وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَهِيمَةٍ فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ. . ضَمِنَهُ، وَإِنْ دَخَلَ سُوقًا فَتَلِفَ بهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ. . ضَمِنَ إِنْ كَانَ زِحَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ ثَوْبٌ. . فَلَا، إِلَّا ثَوْبَ أَعْمَى وَمُسْتَدْبِرِ الْبَهِيمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيهُهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ، فَإِنْ قَصَّرَ؛ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ. . فَلَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا. . لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا، أَوْ لَيْلًا. . ضَمِنَ، === (ومن حمل حطبًا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط. . ضمنه) لوجود التلف بفعله. (وإن دخل سوقًا فتلف به نفس أو مال. . ضمن إن كان زحام) مطلقًا، سواء كان صاحب الثوب مستقبلًا أو مستدبرًا؛ لإتيانه بما لا يعتاد، (وإن لم يكن) زحام (وتمزق ثوب. . فلا) إذا كان مستقبل البهيمة؛ لأن التقصير منه؛ إذ عليه الاحتراز (إلا ثوب أعمى ومستدبر البهيمة؛ فيجب تنبيهه) فإن نبهه وأمكنه الاحتراز فلم يحترز. . فلا ضمان، وإن لم ينبهه. . ضمن؛ لتقصيره؛ فإن الإعلام معتاد في ذلك. (وإنما يضمنه) أي: وإنما يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته (إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر؛ بأن وضعه بطريق أو عرّضه للدابة. . فلا) لأنه المضيع لماله. (وإن كانت الدابة وحدها فأتلفت زرعًا أو غيره نهارًا. . لم يضمن صاحبها، أو ليلًا. . ضمن) للحديث الصحيح فيه (١). والمعنى فيه: أن العادة الغالبة: أن أصحاب الزروع والبساتين يحفظونها نهارًا، فما تتلفه نهارًا. . فهو من تقصير صاحب المال، والماشية ترسل نهارًا للرعي، ثم ترد إلى أماكنها، فمن أرسلها ليلًا أو نهارًا وتركها منتشرة بالليل. . فقد قصر، ولزمه الضمان. وما أطلقه من التفصيل: موضعُه إذا جرت عادة البلد بإرسال البهائم نهارًا، وحفظِ الزرع ليلًا، فلو انعكس. . انعكس الحكم على الأصحِّ. ويستثنى من عدم الضمان نهارًا: ما إذا كانت المراعي متوسطة المزارع، أو كانت

стр. 2085

إِلَّا أَلَّا يُفَرِّطَ فِي رَبْطِهَا، أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْعِ وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي مَحُوطٍ لَهُ بَابٌ تَرَكَهُ مَفْتُوحًا فِي الأَصَحِّ. وَهِرَّةٌ تُتْلِفُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا إِنْ عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا. . ضَمِنَ مَالِكُهَا فِي الأَصَحِّ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَإِلَّا. . فَلَا فِي الأَصَحِّ. === البهائم ترعى في حريم السواقي. . فيجب ضمان ما تفسده إذا أرسلها بلا راعٍ؛ لاعتياد الراعي في مثل ذلك. (إلا ألا يفرط في ربطها) بأن ربطها وأغلق بابه واحتاط على العادة، ففتح الباب لص، أو انهدم الجدار فخرجت ليلًا. . فلا ضمان؛ لعدم التقصير منه، (أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها)، فلا يضمن صاحبها وإن قصر بإرسالها؛ لأن صاحب الزرع هو المضيع بتهاونه. (وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحًا في الأصح) لأن التقصير منه بفتح الباب، والثاني: يضمن؛ لأن العادة ربط البهائم وحفظها ليلًا، فإرسالها تقصير. (وهرة تتلف طيرًا أو طعامًا إن عهد ذلك منها. . ضمن مالكها في الأصح ليلًا أو نهارًا) كما يضمن مرسل الكلب العقور ما يتلفه؛ لأن مثل هذه ينبغي أن تربط ويكف شرها، وكذا كل حيوان يُولَع بالتعدي، والثاني: لا ضمان، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا؛ لأن العادة أنها لا تربط. (وإلا) أي: وإن لم يعهد ذلك منها (. . فلا) ضمان (في الأصح) لأن العادة حفظ الطعام عنها لا ربطُها، والثاني: يفرق بين الليل والنهار؛ كما سبق في البهيمة. * * *

стр. 2086

كتابُ السِّيَر كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: عَيْنٍ، === (كتاب السير) هو جمع سيرة، وهي الطريقة، وترجمه بذلك؛ لأن أحكامه متلقاة من سير النبي ﷺ في غزواته. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، والسنن الصحيحة طافحة به، وبالحث عليه، وبيان فضله. (كان الجهاد في عهد رسول الله ﷺ فرض كفاية)، أما كونه فرضًا. . فبالإجماع، وأما كونه على الكفاية. . فلقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. . . إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فذكر فضل المجاهدين، ووعد القاعدين بالحسنى أيضًا، والعاصي لا يوعد بالحسنى. وهذا كان بعد الهجرة، أما قبلها. . فكان ممنوعًا منه، بل كان مأمورًا ﷺ بالتبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار، ثم بعد الهجرة أذن الله سبحانه في القتال للمسلمين إذا ابتدأهم الكفار، ثم أبيح الابتداء في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقًا (١). (وقيل: عين) لعموم الآيات السابقة، وقائله قال: كان القاعدون حراسًا للمدينة، وهو نوع من الجهاد، والقائل بالأول قال: الوعيد في الآية إنما كان في حالة قلة المسلمين وكثرة المشركين، أو يحمل على من عيّنه ﷺ للجهاد؛ فإنه تتعين عليه الإجابة. وقال الماوردي: كان فرضَ عينٍ على المهاجرين؛ لأنهم انقطعوا لنصرته ﷺ ؛ ولهذا كان سراياه قبل بدر بالمهاجرين، وفرضَ كفايةٍ على غيرهم؛ لأنهم إنما جاهدوا ببدر فما بعدها (٢).

стр. 2087

وَأَمَّا بَعْدَهُ. . فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُونَ ببلَادِهِمْ؛ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ. . سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَات: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ === وقال السهيلي: كان فرضَ عينٍ في حق الأنصار، وكفايةٍ في حق غيرهم؛ لأنهم بايعوا عليه، قال شاعرهم: [من الرجز] نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدا (١) (وأما بعده. . فللكفار حالان: أحدهما: يكونون ببلادهم؛ ففرض كفاية) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين، ولو فرض على الأعيان. . لتعطلت المعايش والمكاسب، وخربت البلاد. (إذا فعله من فيهم كفاية. . سقط الحرج عن الباقين) لأن هذا شأن فروض الكفايات. والكفاية تحصل بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار، والثاني: أن يدخل دار الكفار غازيًا بنفسه، أو يبعث جيشًا يؤمِّر عليهم من يصلح لذلك. وأقله: مرة واحدة في كل سنة؛ لأن الجزية تجب بدلًا عنه، وهي واجبة في كل سنة فكذلك مبدلها (٢)، فإن زاد. . فهو أفضل، ويستحب: أن يبدأ بالقتال من يلي دار الإسلام منهم، إلا أن يكون الخوف من الأبعدين أكثر؛ فإنه يبدأ بهم، هذا ما نصّ عليه الشافعي والأصحاب (٣). واختار الإمام في هذا مسلكَ الأصوليين؛ فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فتجب إقامته بحسب الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بمرة في السنة، ولا يعطل إذا أمكنت الزيادة، قال: وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة، وهي أن الأموال والعُدَد لا تتأتى لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة (٤). (ومن فروض الكفايات: القيام بإقامة الحجج) العلمية والبراهين القاطعة على

стр. 2088

وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ، وَبِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ، وَالْفُرُوعِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، === إثبات الصانع ، وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه، وكذا إثبات النبوات، وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ وصدقِه فيما جاء به، (وحلِّ المشكلات في الدين)، كما لا بدّ من إقامة الحجج القهرية بالسيف حتى لا تخلو خِطّة من خِطَط الإسلام عن ذلك، والمراد بالخِطّة: مسافة القصر. وفرض الكفاية: كل فهم ديني أو دنيوي طلب الشارع حصوله، ولا يطلب تكليف واحد فواحد به، بخلاف فرض العين؛ فإن كل واحد مكلف بتحصيله. (وبعلوم الشرع؛ كتفسير، وحديث، والفروعِ بحيث يصلح للقضاء) والإفتاء؛ لشدة الحاجة إلى ذلك. ومن فرض الكفاية: معرفة أصول الفقه، والنحو، واللغة، والتصريف، وأسماء الرواة، والجرح والتعديل، واختلاف العلماء واتفاقهم؛ كما ذكره في "الروضة" (١)، وكذا الطب، وتعلم الحساب المحتاج إليه في المعاملة وقسمة الوصايا والمواريث. وكون علم الفروع فرضَ كفاية: إنما هو في غير القدر المحتاج إليه، أمَّا ما يحتاج إليه في مفروضات الدين؛ كالطهارة، والصلاة، والصيام، وغيرها. . فتعلمه فرض عين؛ فإنّ من لا يعلم أركان العبادة وشروطها. . لا يمكنه إقامتها. وإن كان له مال زكوي. . لزمه تعلم ظواهر أحكام الزكاة، ومن يتجر. . يتعين عليه معرفة أحكام التجارات، وكذا ما يحتاج إليه صاحب كل حرفة؛ يتعين عليه تعلمه، والمراد: الأحكام الظاهرة، دون الفروع النادرة والمسائل الدقيقة وما لا تعم به البلوى. (والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالإجماع، قالا: والمراد منه: الأمرُ بواجبات الشرع، والنهيُ عن محرماته، لكن تصحيحه في "زيادة الروضة" بعدُ: بأنه يجب على المحتسب الأمر بصلاة العيد وإن قلنا: إنها سنة. . قد يخالفه، قالا: ولو

стр. 2089

وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ، وَدَفْعُ ضَرَرِ المُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ، وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاؤُهَا، وَالْحِرَفُ، وَالصِّنَائِعُ، وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ، === نُصِّب لذلك رجل. . تعين عليه بحكم الولاية، وهو المحتسب (١). (وإحياءُ الكعبة كلَّ سنة بالزيارة) لأن ذلك من شعائر الإسلام. وقضيته: أن الحج لا يتعين في إسقاط الفرض، وعبارة "الروضة" و"أصلها": بالحج، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن تكون العمرة كالحج، بل الاعتكاف والصلاة في المسجد الحرام؛ فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك، وردّه في "زيادة الروضة": بأنه لا يحصل مقصود الحج بما ذكر؛ فإنه مشتمل على الوقوف والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى، وإحياء تلك البقاع بالطاعات، وغير ذلك (٢). قال في "المهمات": وهذا غير ملاق لكلام الرافعي؛ فإنه يسلم أنه لا يحصل مقصود الحج، لكن الكلام في إحياءِ الكعبة لا إحياءِ هذه الأماكن. نعم؛ المتجه في الصلاة والاعتكاف: ما ذكره؛ فإنه ليس فيهما إحياء الكعبة بالكلية ولو كان داخل الكعبة؛ لعدم اختصاص الصلاة والاعتكاف بمسجد معين، وأما العمرة. . فإلحاقها بالحج قريب، والمتجه: أن الطواف كالعمرة (٣). (ودفعُ ضرر المسلمين) وأهل الذمة على أهل الثروة والقدرة. . (ككسوة عار وإطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال) ونذر وكفارة ووقف؛ صيانة للنفوس، والمراد: إزالة فاقته وسد ضرورته. (وتحملُ الشهادة، وأداؤها) على ما نفصله في بابه، وكذا إعانة القضاة على استيفاء الحقوق، وكتجهيز الموتى غسلًا وتكفينًا ودفنًا؛ لأن هذه الأمور تتعلق بشعائر الدين، وبها ينتظم أمور المعايش. (والحرفُ، والصنائعُ، وما تتم به المعايش) كالبيع، والشراء، والحراثة،

стр. 2090

وَجَوَابُ سَلَامٍ عَلَى جَمَاعَةٍ -وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ- لَا عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلٍ وَفِي حَمَّامٍ، وَلَا جَوَابَ عَلَيهِمْ. === والحجامة؛ لأن قيام الدنيا بهذه الأسباب، وقيام الدين متوقف على أمر الدنيا، ومعلومٌ عجزُ كلِّ فرد من الأفراد عن القيام بكل ما ينوبه من أمر دنياه. قال الإمام وجماعات: والقيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنه ساع في صيانة الأمة عن الإثم، بخلاف الثاني. (وجوابُ سلام على جماعة) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فإن أجاب واحد منهم. . سقط الفرض عن الباقين، قال في "البحر": والراد منهم هو المختص بالثواب، وإن أجاب الجميع. . كانوا مؤدين للفرض (١). واحترز بالجماعة: عن الواحد، فإن الرد فرض عين عليه. (ويسن ابتداؤه) لحديث: "إِنَ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ"، رواه أبو داوود بإسناد حسن (٢). قال القفال في "فتاويه": وابتداء السلام أفضل من الرد، وحكى القاضي فيه خلافًا، وهو سنة على الكفاية، فإذا سلم واحد من الجماعة. . تأدت السنة، قال القاضي الحسين والشاشي: وليس لنا سنة على الكفاية غيره، ورُدّ بصور؛ منها: التسمية على الأكل، والتشميت، والأضحية، والأذان، والإقامة. ومحل استحباب الابتداء: في المسلم، أما الذمي. . فلا يجوز ابتداؤه على الصحيح. (لا على قاضي حاجة) أي: حاجة البول والغائط، والجماع، لأن مكالمته بعيدة عن الأدب، (وآكل) لشغله به، (وفي حمام) لاشتغاله بالاغتسال، وهو مأوى الشياطين، وليس موضعَ التحية، (ولا جوابَ عليهم) لوضعه السلامَ في غير محله. واستثنى الإمام من الأكل: ما إذا سلم بعد الابتلاع وقبل وضع لقمة أخرى،

стр. 2091

وَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ، وَامْرَأَةٍ، وَمَرِيضٍ، وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ، وَأَقْطَعَ، وَأَشَلَّ، وَعَبْدٍ، وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ. وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ حَجٍّ مَنَعَ الْجهَادَ، إلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، وَكَذَا مِنْ لُصُوصٍ مُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالدَّيْنُ الْحَالُّ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ، === وقال: إنه لا يتوجه في هذه الحالة الامتناع، وأقراه، وجزم به المصنف في "الأذكار" (١). (ولا جهادَ على صبي ومجنون) لرفع القلم عنهما، (وامرأةٍ) لما جُبِلت عليه من الضعف، والخنثى كالأنثى، (ومريضٍ) لا يقدر على القتال والركوب، أو يلحقه به مشقة شديدة، وعلى الأعمى، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية، (وذي عرج بيّن) ولو من رجل واحدة، للآية، ولا عبرة بعرج يسير لا يمنع المشي، (وأقطعَ) وفاقد معظم الأصابع، (وأشلَّ) لأنه لا يتمكن من الضرب والاتقاء، (وعبدٍ) ولو مبعضًا ومكاتبًا، رعايةً لحق السيد، وسواء أذن له السيد فيه أو أمره به؛ لأنه ليس من أهله، فلا يلزمه طاعة السيد فيه، وكذا لا يجب على الذمي، (وعادمِ أهبة قتال) من سلاح ومركوب إن كان سفره مسافة قصر، ونفقةِ طريقه ذهابًا وإيابًا إن احتاج إلى السفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ويشترط: كون جميع ذلك فاضلًا عن نفقة من تلزمه نفقته وسائرِ ما ذُكر في (الحج). (وكلُّ عذر منع وجوب حج منع الجهاد، إلا خوفَ طريق من كفار) لأن الغزو مبني على المخاوف، (وكذا من لصوص مسلمين على الصحيح) لأن الخوف يحتمل في هذا السفر، وقتال اللصوص أهم وأولى، والثاني: يمنع؛ كالحج. (والدين الحال يحرم سفر جهاد وغيره) لأنه متعين عليه، والجهاد على الكفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، (إلا بإذن غريمه) لرضاه بإسقاط حقه، وكذا لو استناب من يقضي دينه من مال حاضر لا غائب. وقضية كلامه: أن للغريم منعَه ولو كان معسرًا، وهو قضية إطلاق "الروضة"

стр. 2092

وَالْمُؤَجَّلُ لَا، وَقِيلَ: يَمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا. وَيَحْرُمُ جِهَادٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، لَا سَفَرُ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ، وَكَذَا كِفَايَةٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيمُ ثُمَّ رَجَعُوا. . وَجَبَ الرُّجُوعُ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ، === و"أصلها" في (التفليس)، ونقله في "الكفاية" عن الأصحاب، لكن الصحيح في "أصل الروضة" هنا: أنه ليس له منعه، وحكى الرافعي عن ابن كَجّ: أنه المذهب (١). (والمؤجّلُ لا) يمنع السفر مطلقًا وإن قرب الأجل؛ لأنه لا يتوجه عليه الطلب به إلا بعد حلوله، (وقيل: يمنع سفرًا مخُوفًا) كجهاد وركوب بحر؛ صيانةً لحق الغريم، اللهم؛ إلا أن يقيم كفيلًا بالدين، أما غير المخوف. . فلا يمنع منه قطعًا. (ويحرم جهاد) بسفر وغيره (إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين) لأن الجهاد فرض كفاية، وبرَّهما فرض عين، فقدم عليه، وللحديث الصحيح فيه (٢)، فإن كانا كافرين. . لم يلزمه استئذانهما؛ لأنهما يمنعانه. والأجداد والجدات كالأبوين عند عدمهما، وكذا مع وجودهما على الأصحِّ؛ لوجوب برهما، والأبُ الرقيق كالحر على الصحيح. (لا سفر تعلم فرض عين) لاضطراره إليه (٣)؛ كالحج، وأولى؛ لأن الحج على التراخي، (وكذا كفاية في الأصح) بأن خرج طالبًا لدرجة الفتوى، وفي الناحية من يستقل بها؛ لأن الحجر على المكلف وحبسه بعيد، وقيل: لهما المنع؛ كالجهاد. والسفر المباح كالتجارة؛ إن قصر. . فلا منع منه بحال، وإن طال وغلب الخوف. . فكالجهاد، وإلا. . جاز على الصحيح بلا استئذان. (فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا. . وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) لأن عدم الإذن عذر يمنع وجوب الحج، فكذا طريانه؛ كالعمى والمرض، وكذا الحكم لو كان أبواه كافرين فأسلما بعد خروجه ولم يأذنا.

стр. 2093

فَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِتَالِ. . حَرُمَ الانْصِرَافُ فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: يَدْخُلُونَ بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفع بِالْمُمْكِنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ. . وَجَبَ الْمُمْكِنُ حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ بِلَا إِذْنٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ. . اشْتُرِطَ إِذْنُ سَيِّدِهِ، === ويستثنى: ما لو خاف على نفسه أو ماله. . فلا يلزمه الانصراف، وإذا أمكنه أن يقيم في قرية في الطريق إلى أن يرجع الجيش ويرجع معهم. . لزمه الإقامة على الأصحِّ، وما لو خاف انكسار قلوب المسلمين، بل يحرم عليه الرجوع، وما لو كان خروجه بجُعْل من السلطان. . فلا يرجع، كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي، وحكاه البُلْقيني عن نصّ "الأم" (١). (فإن شرع في القتال) ثم رجع من سبق ذكره (. . حرم الانصراف في الأظهر) (٢) لأن الانصراف يشوش أمر القتال ويكسر القلوب، والثاني: لا يحرم؛ رعايةً لحق الآدمي الذي بناؤه على الضيق. وعلى الأول: لا يقف موقف طلب الشهادة، بل في آخر الصفوف يحرس، قاله القاضي أبو الطيب. (الثاني: يدخلون بلدة لنا، فيلزم أهلَها الدفعُ بالممكن، فإن أمكن تأهب لقتال. . وجب الممكن، حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن)، وينحل الحجر عنهم في هذه الحال؛ لأن دخولهم دارَ الإسلام خطبٌ عظيمٌ لا سبيل إلى إهماله، فلا بدّ من الجد في في فعه بما يمكن، (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار. . اشترط إذن سيده) لأَن في الأحرار غنيةً عنهم، والأصحُّ: الأول؛ لتقوى القلوب وتعظمَ الشوكة وتشتد النكاية في الكفار، انتقامًا من هجومهم. والنساء كالعبيد إن كان فيهن دفاع، وإلا. . فلا يحضرن، قال الرافعي: ويجوز ألا يحتاج إلى إذن الزوج (٣).

стр. 2094

وَإِلَّا؛ فَمَنْ قُصِدَ. . دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أُخِذَ قُتِلَ، وَإِنْ جَوَّزَ الأَسْرَ. . فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ. وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ مِنَ الْبَلْدِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ. . يَلْزَمُهُمُ الْمُوَافَقَةُ بقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ، قِيلَ: وَإِنْ كَفَوْا. وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا. . فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ النُّهُوضِ إِلَيْهِمْ لِخَلَاصِهِ إِنْ تَوَقَّعْنَاهُ. === (وإلا) أي: وإن لم يكن تأهب لقتال؛ بأن هجم الكفار بغتة (. . فمن قصد. . دفع عن نفسه بالممكن) وجوبًا (إن علم أنه إن أخذ قتل)، سواء الحر والعبد، والرجل والمرأة، والسليم وغيره، ولا تكليف على الصبيان والمجانين. (وإن جوز الأسر. . فله أن يستسلم) لأن المكافحة حينئذ استعجال للقتل، والأسر يحتمل الخلاص. هذا في الرجل، أما المرأة إذا علمت امتداد الأيدي إليها بالفاحشة في الحال. . فعليها الدفع وإن قتلت. (ومن هو دون مسافة القصر من البلد كأهلها)، فيجب عليهم أن يَطِيرُوا إليهم إذا لم يكن فيهم كفاية، وكذا إن كان فيهم كفاية على الأصحِّ؛ لأن الواقعة عظيمة. هذا إذا وجدوا الزاد؛ إذ لا استقلال بدونه، ولا يعتبر الركوب. (ومن على المسافة) فما فوقها (يلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم) الذين هم على دون مسافة القصر؛ دفعًا عنهم وإنقاذًا لهم. وأشار بقوله: (بقدر الكفاية): إلى أنه لا يجب على الجميع الخروج، بل إذا صار إليهم قوم فيهم كفاية. . سقط الحرج عن الباقين. (قيل: وإن كفوا) لعظم الواقعة، والأصحُّ: المنع، لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة، وفيه حرج من غير حاجة. (ولو أسروا مسلمًا. . فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه)، ويكون فرضَ عين؛ كدخولهم الدارَ؛ لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين، فالاستيلاء عليهم أعظم من الاستيلاء على دارهم، والثاني: المنع؛ لأن تحريك الجنود لواحد يقع في الأسر بعيدٌ مخالفٌ لما نقل في السير. * * *

стр. 2095

فَصْلٌ [في مكروهات ومحرمات ومندوبات في الجهاد وما يتبعها] يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ، وَيُسَنُّ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ، وَلَهُ الاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ تؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ. . قَاوَمْنَاهُمْ، === (فصل: يكره غزو بغير إذن الإمام أو نائبه) لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها، ولا يحرم؛ لأن أكثر ما فيه التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد، وفي "المرشد": أن ذلك لا يجوز. (ويسن إذا بعث سرية أن يؤمّر عليهم ويأخذَ البيعة بالثبات) اقتداءً به ﷺ ؛ كما هو مشهور في الصحيح (١). (وله الاستعانة بكفار) لأنه ﵇ استعان بيهود بني قينقاع، ذكره الشافعي (٢)، (تؤمن خيانتهم، ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر. . قاومناهم)، وأن يكون في المسلمين قلة وتمسَّ الحاجة إلى الاستعانة، قال الرافعي: وهذا مع شرط مقاومة الفرقتين كالمتنافيين؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة فرقةٍ إلى الاستعانة بالأخرى. . فكيف يقدرون على مقاومتهما معًا لو التأمتا؟ ! قال في "زيادة الروضة": لا منافاة؛ فالمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة يسيرة لا يكثر العدد بهم كثرةً ظاهرةً. انتهى (٣). قال البُلْقيني: وفيه لين، ثم أجاب: بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلًا، وكان المسلمون مئة وخمسين. . ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافرًا. . فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين. . أمكن المسلمين مقاومتُهم؛ لعدم زيادتهم على الضعف، قال: وأيضًا

стр. 2096

وَبِعَبيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَمُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ، وَلَهُ بَذْلُ الأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلإِمَامِ، === ففي كتب جمع من العراقيين: اعتبار الحاجة من غير ذكر القلة، والحاجة قد تكون للخدمة، فلا يتنافى الشرطان. انتهى. وشرط في "أصل الروضة" شرطًا آخر: وهو أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين، وشرط الماوردي أيضًا: أن يخالفوا معتقد العدو؛ كاليهود مع النصارى، وأقره في "زيادة الروضة" (١). (وبعبيد بإذن السادة، ومراهقين أقوياء) لأنه ينتفع بهم في القتال وسقي الماء ومداواة الجرحى، ويستصحب النساء لمثل ذلك، هذا إذا كانوا مسلمين، وفي جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم قولان في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح (٢). (وله) أي: للإمام (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله) ندبًا؛ لينال ثواب الإعانة، وكذا للآحاد بذل ذلك من ماله؛ ففي الحديث: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا. . فَقَدْ غَزَا" متفق عليه (٣). (ولا يصح استئجار مسلم لجهاد) لما مر في (باب الإجارة) فإن المصنف قد ذكره هناك، فذكره هنا تكرار (٤). (ويصح استئجار ذمي للإمام) لأنه منفعة مقصودة للمسلمين، فجاز للإمام تحصيلها بالإجارة لهم؛ كغيرها من المنافع، والذمي لا يقع عنه، فأشبه استئجار البهيمة، وطريقه الإجارة لا الجعالة على الأصحِّ، ولا يضر كون الأعمال مجهولة؛ فإن المقصود القتال. وهل تعتبر هنا شروط الاستعانة؟ قال الزركشي: فيه نظر، وقضية كلام الأصحاب: اعتبارها. انتهى، ولم يظهر لي وجه المنع.

стр. 2097

قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ. وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ، وَمَحْرَمٍ أَشَدُّ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ ﷺ ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ قَتْلُ صَبيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ، === (قيل: ولغيره) من المسلمين؛ كالأذان، والأصحُّ: المنع، والفرق بينه وبين الأذان: أن الجهاد أعظم وقعًا، ويتعلق بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل، وأيضًا الذمي مخالف في الدين، وقد يخور في الجيش إذا حضر (١)، فليفوض أمره إلى الإمام. (ويكره لغاز قتل قريب) لأن فيه قطعَ الرحم المأمور بصلتها؛ كذا علله في "المطلب"، وقضيته: أنها كراهة تحريم، وبه جزم الجَاجَرمي في "الإيضاح"، والمشهور: أنها تنزيه، وعُلِّل: بأنه قد تحمله الشفقة على الندم، فيكون ذلك سببًا لضعفه. (و) قتلُ قريب (محرم أشدّ) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، أما غير القريب من المحارم. . فقال المنكت: لم أَرَ من ذكر المنع من قتله، (قلت: إلا أن يسمعه يسب الله تعالى أو رسوله ﷺ ، والله أعلم) فلا كراهة حينئذ؛ تقديمًا لحق الله تعالى وحق رسوله ﷺ ، وفي "الصحيحين": "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ"، زاد مسلم: "وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٢). (ويحرم قتل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل) للنهي عن قتل الصبيان والنساء في "الصحيحين" (٣)، وألحق المجنون بالصبي، والخنثى بالمرأة؛ لاحتمال أنوثته. ويستثنى من إطلاقه صور، إحداها: ما إذا قاتلوا. . فإنه يجوز قتلهم، وقد

стр. 2098

وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيْخٍ وَأَعْمَى وَزَمِنٍ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيَ فِي الأَظْهَرِ، فَيُسْتَرَقُّونَ وَتسبَى نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ. وَيَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاع وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ === استثناها في "المحرر"، فلا وجه لحذفه (١)، الثانية: حال الضرورة عند تترس الكفار بهم؛ كما سيأتي، الثالثة: إذا لم يجد المضطر سواهم. . فله قتلهم وأكلهم على الأصحِّ في (كتاب الأطعمة) (٢). (ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣)، والثاني: المنع؛ لأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا النساء والصبيان، فإن قاتلوا. . قتلوا قطعًا. وقوله: (لا قتال فيهم): قطعًا ينبغي أن يكون قيدًا في الشيخ ومن بعده؛ فإن الراهب والأجير فيهم قتال، ولا فرق فيهم بين الشيخ والشاب القوي، وكذلك المحترف. واحترز بقوله: (ولا رأي): عمن له رأي يستعين به الكفار في القتال؛ فإنه يقتل قطعًا. (فيسترقون، وتسبى نساؤهم) وذراريهم، (و) يغنم (أموالهم)، هذا إذا جوزنا قتلهم، ولهذا أتى المصنف بالفاء؛ لينبه على التفريع، فإن قلنا: بالمنع. . فالمذهب: أنهم يرقون بنفس الأسر؛ كالنساء والصبيان. (ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع، وإرسال الماء عليهم، ورميهم بنار ومنجنيق)، ونحو ذلك؛ من هدم البيوت، وإلقاء الحيات، وقطع المياه عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾، وفي "الصحيحين": أنه ﷺ حاصر أهل الطائف (٤)، وروى البيهقي: أنه نصب عليهم المَنْجَنيق (٥)، وألحق به

стр. 2099

وَتَبْيِيتُهُمْ فِي غَفْلَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ. . جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوِ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ. . جَازَ رَمْيُهُمْ، === ما في معناه؛ لأن أكثر ما في ذلك قتلهم غيلة، وسيأتي جوازه. (وتبييتهم في غفلة)، وهو الإغارة عليهم ليلًا؛ لأنه ﵊ أغار على بني المصطلق، متفق عليه (١). نعم؛ يكره حيث لا حاجة إليه؛ لأنه لا يأمن ليلًا أن يصيب مسلمًا من الجيش يظنه كافرًا، قاله البُلْقيني، وتبعه الزركشي، وقال: إنه أشار إليه في "الأم". (فإن كان فيهم مسلم) واحدٌ فأكثرَ (أسير أو تاجر. . جاز ذلك) أي: ما سبق؛ من التغريق، والتحريق، ورمي المَنْجَنيق، ونحوها (على المذهب) لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم، ولأنه قد لا يصيب المسلم. نعم؛ يكره إذا لم تكن ضرورة؛ تحرزًا من إهلاك المسلم، ولا يحرم على الأظهر، وإن كان ضرورة؛ كخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به. . جاز قطعًا. والطريق الثاني: لا اعتبار بالضرورة، بل إن علم أن ما يرمي به يهلك المسلم. . لم يجز، وإلا. . فقولان، والثالث: إن كان عدد المسلمين الذين فيهم مثل المشركين. . لم يجز، وإن كان أقل. . جاز؛ لأن الغالب أنه لا يصيب المسلمين، قال الزركشي: وينبغي التحريم حيث لا ضرورة، ويدل له قوله تعالى في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية، قال: وكلام الشافعي يقتضيه، وقال البُلْقيني: إن قضية نص "الأم": التحريم، وقضية نص "المختصر": الكراهة، قال: فإطلاق الجواز على المذهب مخالف للنصين جميعًا. (ولو التحم حرب فتترسوا بنساء وصبيان) منهم (. . جاز رميهم) إذا دعت الضرورة إليه؛ لئلا يُتّخذَ ذلك ذريعةً إلى منع الجهاد وطريقًا إلى الظفر بالمسلمين؛

стр. 2100

وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِم وَلَم تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ. . فَالأَظْهَرُ: تَرْكُهُمْ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تدْعُ ضرُورَة إِلَى رَمْيِهِمْ. . تَرَكْنَاهُمْ، وَإِلَّا. . جَازَ رَمْيُهُمْ فِي الأَصَحِّ. === لأنا إن كففنا عنهم لأجل التُّرْس. . فهم لا يكفون عنا، فالاحتياط لنا أولى من الاحتياط لأولادهم ونسائهم. (وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم. . فالأظهر: تركهم) وجوبًا؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة، وقد صح النهي عن قتل النساء والصبيان (١)، وهذا ما صححه في "المحرر"؛ فإنه قال: إنه الأولى، فتبعه في الكتاب (٢)، والثاني: يجوز رميهم؛ كما يجوز نصب المَنْجَنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة"، ولا ترجيح في "الكبير" (٣)، قال الزركشي: والمذهب المنقول عن نصه في الجديد: الجواز، وكذا الحكم لو تترسوا بهم في القلعة. (وإن تترسوا بمسلمين؛ فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم. . تركناهم) ولم يجز رميهم قطعًا؛ صيانةً للمسلمين، والفرق بينهم وبين النساء والصبيان على طريقة المصنف في "الروضة": أن المسلم محقون الدم؛ لحرمة الدين، فلم يجز قتله من غير ضرورة، والذرية حقنوا لحق الغانمين، فجاز قتلهم بغير ضرورة. (وإلا) أي: وإن دعت ضرورة إلى رميهم؛ بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم. . ظفروا بنا (. . جاز رميهم في الأصح) المنصوص بقصد قتال المشركين (٤)، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام، والثاني: المنع؛ لأن غايته أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف؛ بدليل صورة الإكراه.

стр. 2101

وَيَحْرُمُ الانْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، وَيَجُوزُ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الأَصَحِّ === قال الرافعي: وأشعر إيراد الغزالي: تخصيص الوجهين بما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال؛ فإنه أجاب بالمنع فيما إذا تترس كافر بمسلم. انتهى، وتبعه في "الحاوي الصغير"؛ حيث قال: لا كافر بمسلم (١). (ويحرم الانصراف عن الصف) ولو غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل في الأصحِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وفي "الصحيحين": "اجْتَنِبُوا السَّبع الْمُوبِقَاتِ"، وعد منها: الفرار يوم الزحف (٢)، (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية، وهو أمر بمعنى الخبر (٣)، وإلا. . لوقع خلاف المخبر عنه، وهو محال. والمعنى في وجوب المصابرة على الضعف؛ كما قاله القاضي الحسين: أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين؛ إما أن يُقتلَ فيدخل الجنة، أو يَسْلَمَ فيفوز بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا. (إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستنجد بها) للآية، والمراد بالتحرف هنا: الانتقال إلى مكان في موضع الحرب أمكن للقتال؛ لكون موقفه الأول ضيقًا أو في عين الشمس ونحو ذلك، والمراد بالتحيز هنا: الذهاب بنيّة الانضمام إلى طائفة من المسلمين؛ ليرجع معهم محاربًا. (ويجوز) الانصراف للمتحيز (إلى فئة بعيدة في الأصح) لإطلاق الآية، والثاني: يشترط: أن تكون قريبة؛ ليتصور الاستنجاد بها في القتال وإتمامه.

стр. 2102

-وَلَا يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى بَعِيدَةٍ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى قَرِيبَةٍ فِي الأَصَحِّ- فَإِنْ زَادَ عَلَى مِثْلَيْنِ. . جَازَ الانْصِرَافُ، === والمراد بالقريبة: التي يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال ولحوق مددهم والقتالُ قائمٌ بعدُ. وقيد الإمام والغزالي جواز الانصراف: بما إذا لم يكن فيه انكسار المسلمين، وجرى عليه في "الحاوي الصغير"، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم، قال الأَذْرَعي: وهو ظاهر، لا سيما لو علم المتحيز أنه لو ولى لولى الناس معه؛ لكونه زعيمَ الجيش أو أميرَهم أو من أبطالهم المشهورين (١). هذا كله في حال القدرة، أما من عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح. . فله الانصراف بكل حال، ولو أمكنه الرمي بالحجارة. . لا يقوم مقام السلاح في الأصحِّ، كذا قالاه في الباب الأول عند الكلام في الرجوع عن الإذن، وأرسل الرافعي هنا الوجهين بلا ترجيح، وذهل في "الروضة" عما سبق هناك فصحح من "زوائده" أن الحجارة تقوم مقامه، فوقع في الاختلاف (٢). ويستحب: أن يتولى متحرفًا أو متحيزًا (٣). (ولا يشارك متحيز إلى بعيدة الجيش فيما غنم بعد مفارقته) لأنه ببعده تفوت نصرته، أما ما غنموه قبل مفارقته. . فيشارك فيه، نص عليه، وبمثله أجاب في المتحرف للقتال (٤)، (ويشارك متحيز إلى) فئة (قريبة في الأصح) لبقاء نصرته، والثاني: لا؛ لمفارقته. (فإن زاد على مثلين. . جاز الانصراف) لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، وسواء أكان المسلمون رجالة والمشركون فرسانًا، أم بالعكس؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الماوردي والروياني، ثم قال: وفيه نظر، ويمكن تخريجه على

стр. 2103

إِلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِئَةِ بَطَلٍ عَنْ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ فِي الأَصحِّ. وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ، فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ .. اسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَبِإِذْنِ الإِمَامِ. وَيَجُوزُ إِتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا، فَإِنْ رُجِيَ .. نُدِبَ === الوجهين في المسألة عقبها؛ في أن الاعتبار بالعدد أم بالمعنى (١). (إلَّا أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاءَ في الأصح) اعتبارًا بالمعنى؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف، والثاني: المنع؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر، فاعتبر الحكم بالعدد. ومأخذ الخلاف: أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو لا؟ والأصحُّ: الجواز، والمعنى الذي شرع القتال لأجله -وهو الغلبة- دائر مع القوة والضعف لا مع العدد، فيتعلق الحكم به، والخلاف جارٍ في عكسه، وهو فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم (٢). (وتجوز المبارزة) للاتباع (٣)، ولا تكره، ولا تندب، (فإن طلبها كافر .. استحب الخروج) إليه؛ لما في الترك من الضعف للمسلمين والتقوية للكافرين. (وإنما تحسن) المبارزة (ممن جرب نفسه) فعرف قوته وجرأته، أما الضعيف الذي لا يثق بنفسه .. فتكره له ابتداءً وإجابةً، وقيل: تحرم (٤)، (وبإذن الإمام) أو أمير الجيش؛ لأنه قد يظن الإنسان نفسه كفؤًا لها، وقد لا يكون، فاختص بنظر الإمام، فإن بارز بغير إذنه .. جاز على الأصحِّ؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز. (ويجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم) لأنه ﷺ حرق نخل بني النضير، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية، متفق عليه (٥)، (وكذا إن لم يرج حصولها لنا) مغايظةً لهم وتشديدًا عليهم، (فإن رجي .. ندب

стр. 2104

التَّرْكُ. وَيَحْرُمُ إِتْلَافُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفَرٍ بِهِمْ، أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إِلَيْهِمْ وَضَرَرَ. فَصْلٌ [في حكم الأسر وأموال أهل الحرب] نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا أُسرُوا .. رَقُّوا، وَكَذَا الْعَبِيدُ، وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي الأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ، وَيَفْعَلُ الأَحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ، === الترك) حفظًا لحق الغانمين. (ويحرم إتلاف الحيوان) المحترم؛ للنهي عن ذبح الحيوان إلا لمأكلِهِ (١)، (إلا ما يقاتلون عليه لدفعهم أو ظفرٍ بهم) لأنها كأداة القتال، (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) فيجوز إتلافها؛ دفعًا لهذه المفسدة (٢)، أما إذا خفنا الاسترداد فقط .. فلا يجوز عقرها، بل تذبح للأكل. * * * (فصل: نساء الكفار وصبيانهم) ومجانينهم (إذا أسروا .. رقّوا) بنفس الأسر، فيكون الخمس منهم لأهله والباقي للغانمين، كسائر الغنيمة. وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين الكتابية وغيرها، وفي "الأحكام السلطانية": من لا كتاب لها إذا امتنعت من الإسلام .. تقتل عند الشافعي (٣)، والخنثى كالمرأة، كما صرح به الرافعي في الباب الثاني (٤). (وكذا العبيد) يستمر الرق عليهم؛ لأنهم من جملة الأموال. (ويجتهد الإمام) أو أمير الجيش (في الأحرار الكاملين، ويفعل) وجوبًا (الأحظ للمسلمين، من قتل ومنّ) مجانًا، (وفداء بأسرى) مسلمين (أو مال، واسترقاق)

стр. 2105

فَإِنْ خَفِيَ الأَحَظُّ .. حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ .. عَصَمَ دَمَهُ وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ. وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَصغَارَ وَلَدِهِ === للاتباع، والمال المفادى به يقسم كالغنائم، (فإن خفي الأحظ .. حبسهم حتى يظهر) لأنه راجع إلى اجتهاده لا إلى تشهيه، فيؤخر لظهور الصواب. (وقيل: لا يسترق وثني) كما لا يجوز تقريره بالجزية، والأصحُّ: نعم؛ لأن من جاز أن يمن عليه ويفادى .. جاز أن يسترق كالكتابي، (وكذا عربي في قول) قديم؛ لحديث فيه، لكن واه (١)، لا جرم كان الأصح جواز استرقاقه كغيره. (ولو أسلم أسير .. عصم دمه) لقوله ﵇: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ ... " إلى أن قال: "فَإِذَا قَالُوهَا .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... " الحديث، متفق عليه (٢)، (وبقي الخيار في الباقي) أي: باقي الخصال إذا كان الإسلام قبل اختيار الإمام؛ لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لتعذره .. لا يسقط الخيار في الباقي؛ كالعجز عن العتق في الكفارة، (وفي قول: يتعين الرق) بنفس الإسلام؛ لأنه أسير محرم القتل، فأشبه الصبي والمرأة. وأجاب الأول: بأن الصبي والمرأة لم يكن مخيرًا فيهما في الأصل، بخلاف الأسير. (وإسلام كافر قبل ظفر به) (وهو أسره؛ كما صرح به الشافعي في "المختصر"، وجرى عليه الدارمي وغيره، لكن قول "الروضة" و"أصلها": قبل أسره والظفر به .. يخالفه (٣)، (يعصم دمَه ومالَه) للحديث المارّ، قال القاضي الحسين: وإنما يرتفع السيف بكلمتي الشهادة والإقرار بأحكامها، فأما مجرد قولها .. فلا، وفيه نظر، وظاهر الحديث يرد عليه، (وصغارَ ولده) الأحرارَ عن السبي؛ لأنهم يتبعونه في الإسلام، وسواء الذكر والأنثى، والجد والجدة كذلك على الأصحِّ ولو كان الأب
следующие страницы →