← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

وَيَحْرُمُ الانْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، وَيَجُوزُ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الأَصَحِّ === قال الرافعي: وأشعر إيراد الغزالي: تخصيص الوجهين بما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال؛ فإنه أجاب بالمنع فيما إذا تترس كافر بمسلم. انتهى، وتبعه في "الحاوي الصغير"؛ حيث قال: لا كافر بمسلم (١). (ويحرم الانصراف عن الصف) ولو غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل في الأصحِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وفي "الصحيحين": "اجْتَنِبُوا السَّبع الْمُوبِقَاتِ"، وعد منها: الفرار يوم الزحف (٢)، (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية، وهو أمر بمعنى الخبر (٣)، وإلا. . لوقع خلاف المخبر عنه، وهو محال. والمعنى في وجوب المصابرة على الضعف؛ كما قاله القاضي الحسين: أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين؛ إما أن يُقتلَ فيدخل الجنة، أو يَسْلَمَ فيفوز بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا. (إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستنجد بها) للآية، والمراد بالتحرف هنا: الانتقال إلى مكان في موضع الحرب أمكن للقتال؛ لكون موقفه الأول ضيقًا أو في عين الشمس ونحو ذلك، والمراد بالتحيز هنا: الذهاب بنيّة الانضمام إلى طائفة من المسلمين؛ ليرجع معهم محاربًا. (ويجوز) الانصراف للمتحيز (إلى فئة بعيدة في الأصح) لإطلاق الآية، والثاني: يشترط: أن تكون قريبة؛ ليتصور الاستنجاد بها في القتال وإتمامه.

стр. 2102

-وَلَا يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى بَعِيدَةٍ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى قَرِيبَةٍ فِي الأَصَحِّ- فَإِنْ زَادَ عَلَى مِثْلَيْنِ. . جَازَ الانْصِرَافُ، === والمراد بالقريبة: التي يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال ولحوق مددهم والقتالُ قائمٌ بعدُ. وقيد الإمام والغزالي جواز الانصراف: بما إذا لم يكن فيه انكسار المسلمين، وجرى عليه في "الحاوي الصغير"، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم، قال الأَذْرَعي: وهو ظاهر، لا سيما لو علم المتحيز أنه لو ولى لولى الناس معه؛ لكونه زعيمَ الجيش أو أميرَهم أو من أبطالهم المشهورين (١). هذا كله في حال القدرة، أما من عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح. . فله الانصراف بكل حال، ولو أمكنه الرمي بالحجارة. . لا يقوم مقام السلاح في الأصحِّ، كذا قالاه في الباب الأول عند الكلام في الرجوع عن الإذن، وأرسل الرافعي هنا الوجهين بلا ترجيح، وذهل في "الروضة" عما سبق هناك فصحح من "زوائده" أن الحجارة تقوم مقامه، فوقع في الاختلاف (٢). ويستحب: أن يتولى متحرفًا أو متحيزًا (٣). (ولا يشارك متحيز إلى بعيدة الجيش فيما غنم بعد مفارقته) لأنه ببعده تفوت نصرته، أما ما غنموه قبل مفارقته. . فيشارك فيه، نص عليه، وبمثله أجاب في المتحرف للقتال (٤)، (ويشارك متحيز إلى) فئة (قريبة في الأصح) لبقاء نصرته، والثاني: لا؛ لمفارقته. (فإن زاد على مثلين. . جاز الانصراف) لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، وسواء أكان المسلمون رجالة والمشركون فرسانًا، أم بالعكس؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الماوردي والروياني، ثم قال: وفيه نظر، ويمكن تخريجه على

стр. 2103

إِلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِئَةِ بَطَلٍ عَنْ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ فِي الأَصحِّ. وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ، فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ .. اسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَبِإِذْنِ الإِمَامِ. وَيَجُوزُ إِتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا، فَإِنْ رُجِيَ .. نُدِبَ === الوجهين في المسألة عقبها؛ في أن الاعتبار بالعدد أم بالمعنى (١). (إلَّا أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاءَ في الأصح) اعتبارًا بالمعنى؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف، والثاني: المنع؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر، فاعتبر الحكم بالعدد. ومأخذ الخلاف: أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو لا؟ والأصحُّ: الجواز، والمعنى الذي شرع القتال لأجله -وهو الغلبة- دائر مع القوة والضعف لا مع العدد، فيتعلق الحكم به، والخلاف جارٍ في عكسه، وهو فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم (٢). (وتجوز المبارزة) للاتباع (٣)، ولا تكره، ولا تندب، (فإن طلبها كافر .. استحب الخروج) إليه؛ لما في الترك من الضعف للمسلمين والتقوية للكافرين. (وإنما تحسن) المبارزة (ممن جرب نفسه) فعرف قوته وجرأته، أما الضعيف الذي لا يثق بنفسه .. فتكره له ابتداءً وإجابةً، وقيل: تحرم (٤)، (وبإذن الإمام) أو أمير الجيش؛ لأنه قد يظن الإنسان نفسه كفؤًا لها، وقد لا يكون، فاختص بنظر الإمام، فإن بارز بغير إذنه .. جاز على الأصحِّ؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز. (ويجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم) لأنه ﷺ حرق نخل بني النضير، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية، متفق عليه (٥)، (وكذا إن لم يرج حصولها لنا) مغايظةً لهم وتشديدًا عليهم، (فإن رجي .. ندب

стр. 2104

التَّرْكُ. وَيَحْرُمُ إِتْلَافُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفَرٍ بِهِمْ، أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إِلَيْهِمْ وَضَرَرَ. فَصْلٌ [في حكم الأسر وأموال أهل الحرب] نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا أُسرُوا .. رَقُّوا، وَكَذَا الْعَبِيدُ، وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي الأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ، وَيَفْعَلُ الأَحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ، === الترك) حفظًا لحق الغانمين. (ويحرم إتلاف الحيوان) المحترم؛ للنهي عن ذبح الحيوان إلا لمأكلِهِ (١)، (إلا ما يقاتلون عليه لدفعهم أو ظفرٍ بهم) لأنها كأداة القتال، (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) فيجوز إتلافها؛ دفعًا لهذه المفسدة (٢)، أما إذا خفنا الاسترداد فقط .. فلا يجوز عقرها، بل تذبح للأكل. * * * (فصل: نساء الكفار وصبيانهم) ومجانينهم (إذا أسروا .. رقّوا) بنفس الأسر، فيكون الخمس منهم لأهله والباقي للغانمين، كسائر الغنيمة. وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين الكتابية وغيرها، وفي "الأحكام السلطانية": من لا كتاب لها إذا امتنعت من الإسلام .. تقتل عند الشافعي (٣)، والخنثى كالمرأة، كما صرح به الرافعي في الباب الثاني (٤). (وكذا العبيد) يستمر الرق عليهم؛ لأنهم من جملة الأموال. (ويجتهد الإمام) أو أمير الجيش (في الأحرار الكاملين، ويفعل) وجوبًا (الأحظ للمسلمين، من قتل ومنّ) مجانًا، (وفداء بأسرى) مسلمين (أو مال، واسترقاق)

стр. 2105

فَإِنْ خَفِيَ الأَحَظُّ .. حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ .. عَصَمَ دَمَهُ وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ. وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَصغَارَ وَلَدِهِ === للاتباع، والمال المفادى به يقسم كالغنائم، (فإن خفي الأحظ .. حبسهم حتى يظهر) لأنه راجع إلى اجتهاده لا إلى تشهيه، فيؤخر لظهور الصواب. (وقيل: لا يسترق وثني) كما لا يجوز تقريره بالجزية، والأصحُّ: نعم؛ لأن من جاز أن يمن عليه ويفادى .. جاز أن يسترق كالكتابي، (وكذا عربي في قول) قديم؛ لحديث فيه، لكن واه (١)، لا جرم كان الأصح جواز استرقاقه كغيره. (ولو أسلم أسير .. عصم دمه) لقوله ﵇: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ ... " إلى أن قال: "فَإِذَا قَالُوهَا .. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ... " الحديث، متفق عليه (٢)، (وبقي الخيار في الباقي) أي: باقي الخصال إذا كان الإسلام قبل اختيار الإمام؛ لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لتعذره .. لا يسقط الخيار في الباقي؛ كالعجز عن العتق في الكفارة، (وفي قول: يتعين الرق) بنفس الإسلام؛ لأنه أسير محرم القتل، فأشبه الصبي والمرأة. وأجاب الأول: بأن الصبي والمرأة لم يكن مخيرًا فيهما في الأصل، بخلاف الأسير. (وإسلام كافر قبل ظفر به) (وهو أسره؛ كما صرح به الشافعي في "المختصر"، وجرى عليه الدارمي وغيره، لكن قول "الروضة" و"أصلها": قبل أسره والظفر به .. يخالفه (٣)، (يعصم دمَه ومالَه) للحديث المارّ، قال القاضي الحسين: وإنما يرتفع السيف بكلمتي الشهادة والإقرار بأحكامها، فأما مجرد قولها .. فلا، وفيه نظر، وظاهر الحديث يرد عليه، (وصغارَ ولده) الأحرارَ عن السبي؛ لأنهم يتبعونه في الإسلام، وسواء الذكر والأنثى، والجد والجدة كذلك على الأصحِّ ولو كان الأب

стр. 2106

لَا زَوْجَتَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنِ اسْتُرِقَّتِ .. انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولٍ .. انْتُظِرَتِ الْعِدَّةُ فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيهَا. وَيَجُوزُ إِرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا عَتِيقُهُ فِي الأَصَحِّ، لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ === حيًّا، والحمل كالمنفصل، فلا يسترق تبعًا لأمه، والمجنون من الأولاد كالصغير، سواء بلغ مجنونًا أو جن بعد بلوغه على الأصحِّ، أما العاقل البالغ .. فلا يعصمه إسلام الأب؛ لاستقلاله بالإسلام. (لا زوجتَه على المذهب) المنصوص (١)؛ لاستقلالها، ولو كانت حاملًا منه على الأصحِّ، وفي قول مخرج: لا تسترق؛ لئلا يبطل حقه من النكاح؛ كما لو أعتق المسلم عبدًا كافرًا والتحق بدار الحرب .. لا يجوز استرقاقه على المنصوص؛ لئلا يبطل حقه من الولاء. وفرق الأول: بأن الولاء بعد ثبوته لا يمكن رفعه بحال، بخلاف النكاح. (فإن استوقت .. انقطع نكاحه في الحال)، سواء قبل الدخول وبعده؛ لأنه زال ملكها عن نفسها، فلأن يزول ملك الزوج عنها من باب أولى؛ ولأنها صارت أمة كتابية، ولا يجوز إمساك الأمة الكتابية للنكاح، (وقيل: إن كان بعد دخول .. انتظرت العدة، فلعلها تعتق فيها) فيدوم النكاح؛ كالردة، والأصحُّ: عدم الفرق؛ لأن حدوث الرق يقطع النكاح، فأشبه الرضاع. (ويجوز إرقاق زوجة ذمي) إذا كانت حربية، وترق بنفس الأسر من غير ضرب رق عليها، لا كما يوهمه تعبيره، وينقطع نكاحه، (وكذا عتيقه في الأصح) إذا لحق بدار الحرب؛ لأن الذمي لو التحق بدار الحرب .. استرق، فعتيقه أولى، والثاني: لا يسترق؛ لأن مال الذمي معصوم عن الاغتنام. (لا عتيق مسلم) على المذهب المنصوص (٢)؛ لأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع؛ كما سبق، (وزوجته) الحربية (على المذهب)، والفرق بينه وبين الذمي: أن المسلم يُتخيَّل الأمان في نكاحه، ولا أمان للذمي.

стр. 2107

وَإذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا .. انْفَسَخَ النِّكَاحُ إِنْ كَانَا حُرَّيْنِ، قِيلَ: أَوْ رَقِيقَيْنِ. وَإذَا أُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .. لَمْ يَسْقُطْ === وما صححه في هذه الصورة: تبع فيه "المحرر"، وكلامُ "الشرحين" و"الروضة" يقتضي جواز استرقاقها، فإنهما سويا في جريان الخلاف بينها وبين زوجة الحربي إذا أسلم قبل الأسر من غير زيادة على ذلك، وقال الزركشي: إنه الصواب، وقد نقله في "البحر" و"البيان" عن النص، وجزم به جمهور العراقيين، منهم الجرجاني (١). (وإذا سبي زوجان أو أحدهما .. انفسخ النكاح إن كانا حرين) لما رواه مسلم: أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات؛ لأن لهن أزواجًا .. أنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢)، فحرم المتزوجات إلا المملوكات بالسبي، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا .. لما حللن، ولأن الرق إذا حدث زال ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى. ومحل الانفساخ في سبي الزوج: ما إذا كان صغيرًا أو مجنونًا واختار الإمام رقه، أما لو منّ الإمام على البالغ العاقل أو فادى به .. استمرت الزوجية. ومحله في سبي الزوجة: إذا كان الزوج كافرًا، فإن كان مسلمًا؛ فإن قلنا: لا تسترق زوجة المسلم .. فلا كلام، وإن قلنا: تسترق .. فالأصحُّ: الانفساخ، سواء قبل الدخول أو بعده؛ كما ذكره الإمام (٣). (قيل: أو رقيقين) لأنه حدث سبي يوجب الاسترقاق، فكان كحدوث الرق، والأصحّ: المنع؛ لأن الرق موجود، وإنما انتقل الملك من شخص إلى شخص، ومثله لا يؤثر في النكاح؛ كالبيع، والخلاف جارٍ سواء أسلما أم لا. (وإذا أرق) الحربي (وعليه دين .. لم يسقط) لأن شغل الذمة قد حصل ولم يوجد

стр. 2108

فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إِنْ غَنِمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ، وَلَوِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً .. دَامَ الْحَقُّ، === ما يقتضي السقوط، هذا إذا كان الدين لمسلم، وكذا الذمي على الأصحِّ، فإن كان لحربي .. سقط على الأرجح، ولو كان الدين للسابي .. ففي سقوطه الوجهان فيمن كان له دين على عبد غيره فملكه، وقد اختلف كلام الشيخين في الترجيح من الوجهين في المسألة المبني عليها؛ كما نبه عليه في "المهمات" في الباب الثالث من أبواب الرهن (١). (فيقضى من ماله إن غنم بعد إرقاقه)، ويقدم الدين على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن حكمنا بزوال ملكه بالرق، كما أن دين المرتد يقضى من ماله وإن حكمنا بزوال ملكه، ولأن الرق كالموت أو الحجر، وهما لا يمنعان تعلق الدين بالمال. واحترز بقوله: (من ماله): عما إذا لم يكن له مال .. فإنه يبقى في ذمته إلى أن يعتق، وبقوله: (بعد إرقاقه): عما إذا غنم قبله .. فلا يقضى منه؛ لأن الغانمين ملكوه، وكذا ما غنم مع استرقاقه في الأصحِّ؛ فإن حق الغانمين تعلق بعين المال، وحق صاحب الدين في الذمة؛ وما يتعلق بالعين يقدم على المتعلق بالذمة، كما إذا جنى العبد المرهون .. يتقدم حق المجني عليه على المرتهن. وهل يحل الدين المؤجل بالرق؟ قال الشيخان: فيه وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالإفلاس، وأولى بالحلول؛ لأنه يشبه الموت من حيث إنه يزيل الملك ويقطع النكاح (٢). (ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه، ثم أسلما أو قبلا جزية) أو أمانًا معًا أو مرتبًا ( .. دام الحق) إذا كان مما يصح طلبه؛ كما إذا أسلم الزوجان ولم تقبض المهر المُسمَّى .. يبقى استحقاقه، بخلاف ما لا يصح طلبه؛ كالخمر، وكذلك الحكم فيما إذا أسلم أحدهما فقط. نعم؛ فيما إذا أسلم المديون قول بالسقوط.

стр. 2109

وَلَوْ أَتلفَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا .. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةٌ، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَرِقَةً، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْمع لِمُسْلِمٍ .. وَجَبَ تَعْرِيفُهُ === (ولو أتلف عليه) أي: أتلف حربي على حربي شيئًا (فأسلما) أو أسلم المتلف ( .. فلا ضمان في الأصح) لأنه لم يلتزم شيئًا، والإسلام يجبّ ما قبله، والإتلاف ليس عقدًا يستدام، بخلاف الاستقراض، والثاني: يجب الضمان؛ لأنه لازم عندهم، فكأنهم تراضوا عليه. (والمالُ المأخوذ من أهل الحرب قهرًا غنيمة) كما تقدم في بابه، وكان ينبغي أن يقول: (المال الذي أخذناه) ليخرج ما أخذه أهل الذمة منهم؛ فليس بغنيمة، (وكذا ما أخذه واحد أو جمع من دار الحرب سرقة) أو اختلاسًا، (أو وجد كهيئة اللقطة في الأصح) لأن دخوله دار الحرب وتغريره بنفسه يقوم مقام القتال، والثاني: أنه لمن أخذه خاصة؛ لأنه ليس مأخوذًا بقوة الجند ولا بقوة الإسلام حتى يكون فيئًا، ولا بالقتال حتى يكون غنيمة، وادعى الإمام الاتفاق عليه في الأولى، وجزما به في "الروضة" و"أصلها" في آخر (زكاة المعدن والركاز)، والخلاف في الثانية للإمام والغزالي فقط، وعامة الأصحاب على أنه غنيمة (١). (فإن أمكن كونه لمسلم) بأن كان هناك مسلمون، أو أمكن كونه ضالة بعض الجيش ( .. وجب تعريفه)، فإذا عرَّفه ولم يعرِفْه أحد .. عاد الخلاف في أنه غنيمة أم للآخذ. وقضيته: وجوب التعريف سنة إلا أن يكون حقيرًا؛ كما في اللقطة، وهو ما في "الروضة" و"أصلها" عن "المهذب" و"التهذيب" (٢). وقال الأَذْرَعي: إنه الظاهر، وعن الشيخ أبي حامد: يعرفه يومًا أو يومين، قالا: ويقرب منه قول الإمام: يكفي بلوغ التعريف في الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم

стр. 2110

وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ؛ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ وَلَحْمٍ وَشَحْمٍ وَكُلِّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحِ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْفَاكِهَةِ، === سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار. انتهى، وما قاله الإمام نقله البُلْقيني عن نص "الأم" في (سير الواقدي)، وقال: إنه المعتمد (١). (وللغانمين) قبل القسمة (التبسط في الغنيمة؛ بأخذ القوت وما يصلح به) كزيت، وسمن، (ولحم، وشحم، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا) (وإن لم يأذن الإمام؛ لحديث ابن عمر: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكل منه ولا نرفعه) رواه البخاري (٢). والمعنى فيه: الحاجة الداعية إليه؛ فإن الطعام يعز في دار الحرب؛ فإنهم لا يبيعون من المسلمين، وقد يعسر نقله وتعظم مؤنته وربما يفسد، فجعله الشارع على الإباحة. واحترز بقوله: (عمومًا): عما يحتاج إليه نادرًا؛ كالسكر والفانيذ والأدوية .. فلا يلحق بالأطعمة المعتادة على الصحيح، فلو احتاج إليه مريض .. أخذ ما يحتاج إليه بالقيمة. ولو قال: (كلحم وشحم) .. لكان أولى؛ لأنه ليس له أخذ اللحم لبُزَاتِه، وكلابه، ولا الشحم لتوقيح الدوابّ منه على الصحيح المنصوص (٣). (وعلف الدوابّ تبنًا وشعيرًا ونحوهما) لأن الحاجة تدعو إليه؛ كمؤن نفسه، والعَلَف هنا بفتح اللام؛ لأن المراد: ما تأكله، (وذبحِ مأكول للحمه) لأنه مما يؤكل عادة، فهو كاللحم، ويجب ردّ جلد المذبوح إلى المغنم، إلا ما يؤكل مع اللحم. (والصحيح: جواز الفاكهة) للخبر المار في العنب، ولأنه قد يحتاج إلى ذلك، والثاني: المنع؛ لندرة الحاجة إلى ذلك، قال الإمام: والحلوى كالفاكهة.

стр. 2111

وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجِ إِلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ .. لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْمَغْنَمِ === (وأنه لا تجب قيمة المذبوح) إذا ذبحه لأجل لحمه، كما لا تجب قيمة الطعام المأخوذ، والثاني: يجب، لأن الترخيص ورد في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وضعف، بأن القيمة لو وجبت .. لما جاز الذبح، وهذا القائل قد أجازه. (وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف)، بل يجوز وإن كان معه ما يغنيه على الأصحِّ؛ فإن الرخصة وردت من غير تفصيل. نعم؛ لو ضيق على المحتاجين .. فلقائد الجند منعه؛ كما نقله الإمام عن المحققين (١). والثاني: يختص؛ لاستغنائه عن أخذ حق الغير، والأخذ هنا من باب الإباحة لا الملك حتى لا يتصرف كيف شاء، بل هو مقصور على انتفاعه؛ كالضيف، ووقع في "الحاوي الصغير": أنه يملكه (٢)، ولا يعرف لغيره. (وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة) لأنه معهم كغير الضيف مع الضيف، قال الرافعي: وهو يوافق ما ذكروه؛ من أنه لا حظ للاحق في هذه الحالة في الغنيمة (٣)، والثاني: يجوز، لمظنة الحاجة وعزة الطعام هناك. وتقييده المنعَ: بما إذا لحق بعد الحيازة: يقتضي جواز التبسط فيما إذا لحق بعد الحرب وقبل الحيازة، لكن قضية استشهاد الرافعي: المنع أيضًا (٤)؛ كما لا يشاركهم في الغنيمة إذ ذاك. (وأن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية .. لزمه ردها إلى المغنم) أي: الموضع

стр. 2112

وَمَوْضِعُ التَّبسُّطِ دَارُهُمْ، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانَ الإِسْلَامِ فِي الأَصَحِّ. وَلِغَانِمٍ رَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ الإِعْرَاضُ عَنِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، === الذي يجمع الغنائم؛ لزوال الحاجة، والمأخوذ متعلق حق الجميع، والثاني: لا؛ لأنه أخذه وهو مباح له، فأشبه الصيد، والثالث: إن كان قليلًا لا يبالى به .. لم يرد، وإلا .. فيرد. (وموضع التبسط دارهم) أي: دار الحرب؛ لأنه موضع العزة، (وكذا ما لم يصل عمرانَ الإسلام في الأصح) لبقاء الحاجة، والثاني: المنع؛ لأن المظنة دار الحرب، وقد خرجوا عنها، وعكسه: لو وجدوا سوقًا في دار الحرب وتمكنوا فيه من الشراء، قال في "أصل الروضة": طرد الغزالي فيه الوجهين، لانعكاس الدليلين، وقطع الإمام بالجواز وقال: لم أر أحدًا منعه، ونزّلوا دار الحرب في ذلك منزلة السفر في الترخص (١). (ولغانم رشيد - ولو محجور عليه بفلس - الإعراض عن الغنيمة قبل القسمة) بأن يقول: (أسقطت حقي من الغنيمة) لأن مقصود الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، والمال تابع، فإذا محض قصده .. فهو أخلص، وإنما كان المفلس كغيره؛ لأن اختيار التملك كابتداء الاكتساب، وهو لا يجب عليه الاكتساب. والتقييد بالرشد: من زياداته على "المحرر"؛ ليخرج الصبي والمجنون؛ فإنه لا يصح إعراضهما ولا إعراض وليهما عن الرضخ، وكذا السفيه؛ فإنه لا يصح إسقاط حق الملك منه؛ كما قال الإمام: إنه الظاهر، وأقراه، وقالا: لو فكّ حجره قبل القسمة .. صح إعراضه (٢). وقال البُلْقيني: إن المعتمد في المذهب: صحة إعراض السفيه قبل القسمة وقبل اختيار التملك؛ لأنه لم يملك شيئا، وإنما ثبت له حق التملك، ونحن لا نلزمه بذلك، وكذا قال في "المهمات": إنه الراجح (٣).

стр. 2113

وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَجَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِبٍ، وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَمَنْ مَاتَ .. فَحَقُّهُ لِوَارثهِ، وَلَا تُمْلَكُ إِلَّا بِقِسْمَةٍ، وَلَهُمُ التَّمَلُكُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ: إِنْ سَلِمَتْ إِلَى الْقِسْمَةِ .. بَانَ مِلْكُهُمُ، وَإِلَّا ... فَلَا === وكذا لا يصح إعراض العبد عن رضخه، ويصح لسيده؛ لأنه حقه. واحترز بقوله: (قبل القسمة): عما بعدها؛ لاستقرار الملك. وكان ينبغي أن يقول: (وقبل اختيار التملك) فإنه لو قال قبل القسمة: (اخترت الغنيمة) .. منع ذلك من صحة الإعراض في الأصحِّ. (والأصح: جوازه) أي: الإعراض (بعد فرز الخمس) (وقبل قسمة الأخماس الأربعة؛ لأن بالإفراز لا يتعين حق الواحد فالواحد من الغانمين، بل هم على حقوقهم على ما كانوا قبله، والثاني: المنع؛ لأن حقهم تميز عن الجهات العامة، فصار كمال مشترك، (وجوازه) أي: الإعراض (لجميعهم)، ويصرف الجميع إلى مصرف الخمس؛ لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل الواحد والجميع عامة، والثاني: لا؛ لأنا لو صححناه .. لصرفنا حقوقهم إلى مصارف الخمس، وليس لتلك المصارف إلا الخمس على ما قال تعالى: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية. (وبطلانُه من ذوي القربى) لأنهم يستحقونه بلا عمل، فأشبه الإرث، والثاني: يصح؛ كالغنائم، (وسالبٍ) لأن السلب متعين له؛ كالمتعين بالقسمة، والثاني: يصح؛ كإعراض سائر الغانمين عن الغنيمة، (والمعرضُ كمن لم يحضر)، فيضم نصيبه إلى المغنم، وقيل: يضم إلى الخمس خاصةً. (ومن مات .. فحقه لوارثه) إن لم يعرض؛ كسائر الحقوق. (ولا تملك) الغنيمة (إلا بقسمة، ولهم التملك) أي: اختياره بين الحيازة والقسمة؛ لأنهم لو ملكوا بالاستيلاء .. لم يصح إعراضهم؛ كالتحطب ونحوه، (وقيل: يملكون) بالحيازة والاستيلاء التام؛ لأن ملك الكفار قد زال، ويبعد مال لا مالك له، (وقيل: إن سلمت) الغنيمة (إلى القسمة .. بأن ملكهم، وإلا .. فلا) لأن قصد الاستيلاء على المال لا يتحقق إلا بالقسمة؛ لأن المال تابع، والغرض من

стр. 2114

وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالاسْتِيلَاءِ كَالْمَنْقُولِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنَازَعْ .. أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا .. قُسِّمَتْ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا .. أُقْرِعَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، === الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، فإذا اقتسموا. تبينا قصد التملك بالاستيلاء، فيتبين حصول الملك. (ويملك العقار بالاستيلاء؛ كالمنقول) بجامع المالية، ولأنه ﷺ قسم خيبر على الغانمين (١). وعبارة المصنف موهمة؛ فإن المنقول لا يملك بالاستيلاء، بل بالقسمة على الأصحِّ؛ كما مرّ. فلو قال: (ويملك العقار بما يملك به المنقول) .. لكان وافيًا بالمقصود. (ولو كان فيها كلب أو كلاب تنفع) لاصطياد أو حراسة (وأراده بعضهم) أي: بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس (ولم ينازَع .. أعطيه، وإلا) أي: وإن نوزع ( .. قسمت إن أمكن) بأن وجد عدة كلاب وأمكن قسمتها، والقسمة بالعدد على المذهب، (وإلا) أي: وإن لم يمكن قسمتها ( .. أقرع) بينهم؛ دفعًا للنزاع. (والصحيح: أن سواد العراق فتح عنوة) لأن عمر ﵁ قسمه في جملة الغنائم؛ كما ثبت ذلك من طرق (٢)، ولو كان صلحًا .. لم يقسم، والثاني: أنه فتح صلحًا، وأنه ﵁ رده عليهم بخراج يؤدونه كل سنة (٣). وسمي سوادًا: لخضرته بالأشجار والزروع، والخضرة تُرى من البعد سوادًا. (وقُسّم ثم بذلوه) أي: بذله الغانمون بعد قسمته (ووقف على المسلمين) أي: وقفه عمر ﵁؛ كما رواه البيهقي والخطيب وغيرهما (٤)، وآجره من أهله بأجرة منجّمة تؤدى كل سنة، وهو الخراج.

стр. 2115

وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْبَصْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ .. فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا، === (وخراجه أجرة تؤدى كل سنة لمصالح المسلمين)، الأهم فالأهم، للفقراء والأغنياء من أهل الفيء وغيرهم، وقيل: لم يقفه، بل باعه لمن هو بيده. والخراج ثمن منجّم؛ لأنه لم يزل الناس يبيعون أرض السواد ويشترون من غير نكير. ورد الأول ذلك: بأن عمر ﵁ أنكر على عتبة بن فرقد شراءه أرضًا من أرض السواد، وقال له: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها، فقال: هؤلاء أهلها المسلمون، أبعتموه شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فاذهب فاطلب مالك ممن باعك، رواه البيهقي وغيره (١). وفي السبب الباعث لعمر ﵁ على استرجاعه منهم خلاف؛ قيل: لأنه خاف أن يشتغلوا بفلاحته عن الجهاد، وقيل: لئلا ينفردوا به وذريتهم عن سائر الناس. (وهو) يعني: حد السواد (من عَبّادان إلى حديثة الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا)، وهو بالفراسخ: مئة وستون فرسخًا طولًا، وثمانون عرضًا. (قلت: الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حدّ السواد .. فليس لها حكمه) لأن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان ﵄ بعد فتح العراق (٢)، (إلا في موضع غربي دِجلتها) يُسمَّى نهر الصَّراة، (وموضع شرقيها) يُسمَّى الفرات، هذا ما نقلاه عن صاحب "المهذب"، وقال في "أصل الروضة": إنه الصحيح، وإن إطلاق البغويِّ استثناءَ البصرة فيه تساهلٌ (٣).

стр. 2116

وَأَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ. فَصْلٌ [في أمان الكفار] يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ === (وأن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه) أي: بيع الأبنية فقط، (والله أعلم) لأن أحدًا لم ينكر شراءها، ولأن وقفها يفضي إلى خرابها؛ كذا قيل، وفيه نظر، والثاني: المنع؛ كالمزارع. كذا أطلقا الخلاف (١)، وينبغي أن يكون محله: في الأبنية التي كانت موجودة يوم ردها عمر ﵁ إلى أهلها، أما ما أحدث بعد ذلك .. فيجوز بيعه قطعًا. (وفتحت مكة صلحًا) لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ يعني: أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، فأخبر بكف الفريقين، وهو يمنع من العنوة؛ لأنه ﷺ ، لم يقتل إلا أناسًا خصهم، ولم يسلب، ولا قسم عقارًا ولا منقولًا، ولو فتحت عنوة .. لكان الأمر بخلاف ذلك، وقولُ من قال: إنها فتحت عنوة محمولٌ على أنه ﵇ دخلها متأهبًا للقتال خوفًا من غدر أهلها. (فدورها وأرضها المحياة ملكٌ يباع) لقوله ﵊: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ ! " (٢)؛ يعني: أنه باعها. وفتحت مصرُ عنوة، وكذا دمشقُ على المرجح عند السبكي، ولا ذكر لها عند الشيخين. * * * (فصل: يصح من كل مسلمٍ مكلفٍ مختارٍ) (ولو امرأةً، ومحجورًا عليه بفلس أو

стр. 2117

أَمَانُ حَرْبِيٍّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الأَصحِّ، وَيَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ، وَبِكِتَابَةٍ وَرِسَالَةٍ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالأَمَانِ، فَإِنْ رَدَّهُ .. بَطَلَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْبَلْ فِي الأَصحِّ، === سفهٍ، ومريضًا، وهرمًا، وفاسقًا، وعبدًا ولو كان لكافر (أمانُ حربيٍّ وعددٍ محصور فقط) لحديث: "إِنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ" متفق عليه (١). وخرج بالمسلم: الكافر؛ لأنه متهم، وبالمكلف: الصبي والمجنون؛ لأنه عقد وليسا من أهله؛ كسائر العقود لكن لا يقتل من أمّناه إن جهل فساد أمانهما، بل يعرّف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه، وبالمختار: المكره؛ لأنه لا قصد له، وبالمحصور: غير المحصور؛ كأهل قرية أو قبيلة؛ لأن هذا هدنة، وهي لا تليق بغير الإمام. (ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح) لأنه مقهور في أيديهم فألحق بالمكره، والثاني: يصح؛ لأنه مسلم مكلف مختار أمن أمانًا ليس فيه إضرار. (ويصح) الأمان (بكل لفظ يفيد مقصوده) صريحًا كان؛ كـ (أجَرْتك)، و (أمنتك)، أو كنايةً؛ كـ (أنت على ما تحب)، أو (كن كيف شئت)، (وبكتابة) لأثرٍ فيه عن عمر ﵁ (٢)، ولا بدّ من النية؛ لأنها كناية، (ورسالةٍ)، سواء أكان الرسول مسلمًا أم كافرًا؛ لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم. (ويشترط) في صحة الأمان: (علم الكافر بالأمان)، فإن لم يعلمه .. فلا أمان له، فتجوز المبادرة إلى قتله ولو من المؤمِّن له، (فإن ردّه .. بطل) لأنه عقد؛ كالهبة. (وكذا إن لم يقبل في الأصح) كغيره من العقود، والثاني: يكفي السكوت؛ لبناء الباب على التوسعة. وتعبيره بـ (الأصح): يقتضي أن المسألة ذات وجهين، وليس كذلك، وإنما هو تردد للإمام، والترجيح بحث له (٣)، والمنقول في "التهذيب" و"تعليق" الشيخ

стр. 2118

وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ، وَيَجبُ أَلَّا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: تَجُوزُ مَا لَمْ تبلُغْ سَنَةً، وَلَا يَجُوزُ أِمَانٌ يَضرّ الْمُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ. وَلَيْسَ لِلإِمَامِ نَبْذُ الأَمَانِ إِنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً، وَلَا يَدْخُلُ فِي الأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِشَرْطٍ === إبراهيم المرُّوذي: الاكتفاء بالسكوت، وقال البُلْقيني: إنه قضية النص، وهو ما عليه السلف والخلف (١). نعم؛ يشترط مع السكوت: ما يشعر بالقبول، وهو الكف عن القتال، صرّح به المرّوذي، وهو ظاهر (٢). (وتكفي إشارة مفهمة للقبول) (ولو من قادر على النطق؛ لبناء الباب على الاتساع. ولو أسقط قوله: (للقبول) .. لكان أولى؛ ليشمل الإيجاب أيضًا. (ويجب ألا تزيد مدته على أربعة أشهر، وفي قول: تجوز ما لم تبلغ سنة) لما سيأتي في الهدنة، أما السنة .. فممتنعة قطعًا، فلو زاد على الجائز .. فقولا تفريقِ الصفقة. (ولا يجوز أمانٌ يضر المسلمين؛ كجاسوس)، وطليعة الكفار؛ لأنه إذا لم يجز تأمينهما بالجزية .. فدونها أولى. (وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة) لأن الأمان لازم من جهة المسلمين، فإن خافها .. نبذه؛ كالهدنة، وأولى. (ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب، وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط) لأن اللفظ لا يتناول ذلك، وإنما يتناول نفسه فقط، والثاني: يدخل؛ لاحتياجه إلى ذلك. وما صححه من عدم دخول ما معه بلا شرط: كذا أطلق تصحيحه في "الروضة" في المسألة الخامسة، وقال في المسألة التاسعة: إذا دخل كافر دارنا بأمان أو ذمة ..

стр. 2119

وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ إِنْ أَمْكَنَهُ إِظْهَارُ دِينِهِ .. اسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ، وَإِلَّا .. وَجَبَتْ إِنْ أَطَاقَهَا. وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ .. لَزِمَهُ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ .. فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ .. حَرُمَ، فَإِنْ تَبعَهُ قَوْمٌ .. فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، وَلَوْ شَرَطُوا أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ .. لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ. وَلَوْ عَاقَدَ الإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ .. جَازَ، === فما معه من المال والأولاد في أمان، فإن شرط الأمان فيهما .. فهو تأكيد، والموضعان في "الشرح" كذلك، قال في "المهمات": والراجح: الدخول (١)، وحكاه البُلْقيني عن نصّ "البويطي"، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب، وعزاه إلى الجمهور. (والمسلم بدار كفر إن أمكنه إظهار دينه) لقوته وعشيرته ( .. استحب له الهجرة) خوفًا من الميل إليهم، ولا تجب؛ لقدرته على إظهار دينه، (وإلا .. وجبت إن أطاقها) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، ولقوله ﷺ : "لَا تنقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الكُفَّارُ"، صححه ابن حبان (٢)، وسواء الرجل والمرأة وإن لم تجد محرمًا. (ولو قدر أسير على هرب .. لزمه) تخليصًا لنفسه من رق الأسر. (ولو أطلقوه بلا شرط .. فله اغتيالهم) قتلًا وسبيًا؛ لأنهم لم يستأمنوه، (أو على أنهم في أمانه .. حرم) (وفاءً بما التزمه، وكذا إذا أطلقوه على أنه في أمان منهم ولم يستأمنوه على الأصحِّ، (فإن تبعه قوم) بعدما خرج ( .. فليدفعهم ولو بقتلهم) كما في دفع الصائل. (ولو شرطوا) عليه (ألا يخرج من دارهم .. لم يجز الوفاء) بالشرط، ولزمه الخروج عند المكنة؛ لأن الإقامة غير جائزة، والتزام ما لا يجوز لا يلزم. (ولو عاقد الإمام عِلْجًا يدل على قلعة) مسماةٍ معينةٍ خَفِيَ طريقُها، أو ليدلهم على طريق إليها خالٍ من الكفار أو سهل أو كثير الماء والكلأ (وله منها جارية .. جاز) وهي

стр. 2120

فَإِنْ فُتِحَتْ بِدِلَالَتِهِ .. أُعْطِيَهَا، أَوْ بغَيْرِهَا .. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الْجُعْلَ بالْفَتح .. فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتت قَبْلَ الْعَقْدِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ === جعالة بجعل مجهول غير مملوك احتملت للحاجة، وسواء أكانت الجارية معينة أم مبهمة، حرة أم أمة؛ لأن الحرة ترق بالأسر. واحترز بالعلج -وهو الكافر الغليظ الشديد-: عما لو اتفق ذلك مع مسلم .. فإنه لا يجوز؛ كما نقلاه عن تصحيح الإمام، وجرى عليه في "الحاوي الصغير" (١)، لأن فيه أنواعَ غرر، فلا يحتمل مع المسلم، بخلاف الكافر؛ فإن الحاجة تدعو إليه؛ لأنه أعرف بقلاعهم وطرقهم، وقيل: يجوز مع المسلم أيضًا، ونقلاه عن العراقيين، قال الأَذْرَعي: وهو الأصحُّ المختار؛ كشرط النقل في البداءة والرجعة (٢). وبقوله: (وله منها جارية): عما إذا قال الإمام: (وله جارية مما عندي) .. فإنه لا يصح؛ للجهل بالجعل؛ كسائر الجعالات. (فإن فتحت بدلالته) أي: فتحها من شارطه (أُعطيَها) إن ظفرنا بها، ولا حقّ فيها لغيره؛ لأنه استحقها بالشرط قبل الظفر، (أو بغيرها) أي: بغير دلالته ( .. فلا) شيء له (في الأصح) لأن الفتح لم يستند إلى دلالته (٣)، والثاني: نعم؛ لاستحقاقه إياها قبل الظفر. ومنشأ الخلاف: أن الاستحقاق يثبت بنفس الدلالة، أو بالفتح بدلالته. (وإن لم تفتح .. فلا شيء له) لأنه شرط جارية منها، فتعلقت جعالته بشيئين؛ الدلالة، والفتح، (وقيل: إن لم يعلق الجعل بالفتح .. فله أجرة مثل) لوجود الدلالة، والأصحُّ: المنع؛ لأن تسليمها لا يمكن إلا بالفتح، فالشرط مقيّد بالفتح حقيقة وإن لم يجر لفظًا، أما إذا علق الجعل بالفتح .. فلا شيء له قطعًا. (فإن لم يكن فيها جارية أو ماتت قبل العقد .. فلا شيء له) لفقد المشروط، (أو

стр. 2121

بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ .. وَجَبَ بَدَلٌ، أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ .. فَلَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ .. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ بَدَلٍ، وَهُوَ أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: قِيمَتُهَا. === بعد الظفر وقبل التسليم) إليه ( .. وجب بدل) لأنها حصلت في قبضة الإمام، فالتلف من ضمانه، (أو قبل ظفر .. فلا في الأظهر) لأن الميتة غير مقدور عليها، فصار كما لو لم تكن فيها، والثاني: يجب له البدل؛ لأن العقد قد تعلق بها وهي حاصلة، ثم تعذر التسليم، فصار كما إذا قال: (من ردّ عبدي .. فله هذه الجارية)، فرده وقد ماتت الجارية .. يلزمه بدلها. (وإن أسلمت) المعينة الحرة ( .. فالمذهب: وجوب بدل) قطعًا؛ لأنه يمتنع استرقاقها، كغيرها ممن أسلم، والطريق الثاني: طرد الخلاف في موتها. وفرق الأول: بتعذر التسليم بالموت حسًّا، وههنا هو ممكن حسًّا، ولكن الإسلام حال بينه وبينها، فوجب البدل؛ للحيلولة. (وهو) أي: البدل (أجرة مثل، وقيل: قيمتها)، الخلاف مبني: على أن الجعل مضمون ضمانَ عقد، أو ضمانَ يد؛ كما في الصداق؟ كذا قاله الإمام، والأظهر من قول الصداق: وجوب مهر المثل، لكن قال الرافعي: الموجود لعامة الأصحاب هنا: قيمة الجارية، قال: ولا يتعذر الفرق على من يحاوله. انتهى، ووحوب قيمة الجارية نصّ عليه في "الأم"، وقال في "المهمات": إنه المفتى به (١). * * *

стр. 2122

كتابُ الِجزْيَة صُورَةُ عَقْدِهَا: (أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الإِسْلَامِ أَوْ أَذِنْتُ فِي إِقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الإِسْلَامِ)، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا، لَا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولهِ ﷺ وَدِينِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ === (كتاب الجزية) هي اسم للمأخوذ من الكفار، مأخوذة من المجازاة؛ لكفنا عنهم، وقيل: من القضاء، قال تعالى: ﴿لَا تْجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي، ويقال: جزيت الدَّين؛ أي: قضيته. والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وأخذها ﷺ من مجوس هَجَرٍ وغيرهم؛ كما رواه أبو داوود (١). (صورة عقدها: "أقركم بدار الإسلام، أو أذنت في إقامتكم بها) غير الحجاز، (على أن تبذلوا جزية) في كل حول، (وتنقادوا لحكم الإسلام") لأن الجزية مع الانقياد عوض التقرير فيجب التعرض له كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة. (والأصح: اشتراط ذكر قدرها) أي: الجزية؛ كالثمن والأجرة، والثاني: لا، وينزل المطلق على الأقل، (لا كفُّ اللسان عن الله تعالى ورسوله ﷺ ودينه) لدخوله في شرط الانقياد، والثاني: الاشتراط؛ إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين. (ولا يصح العقد مؤقتًا على المذهب). في صحة العقد مؤقتًا طريقان: أحدهما: أن فيه قولين: أصحهما: المنع؛ لأنه بدل عن الإسلام، وهو لا يصح مؤقتًا، فكذا عقد الذمة، والثاني: يصح؛ كالهدنة. والطريق الثاني: القطع بالمنع. (ويشترط لفظ قبول) كـ (قبلت)، أو (رضيت بذلك) كغيره من العقود،

стр. 2123

وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بدَارِنَا فَقَالَ: (دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى) أَوْ (رَسُولًا) أَوْ (بِأَمَانِ مُسْلِمٍ) .. صُدِّقَ، وَفِي دَعْوَى الأَمَانِ وَجْهٌ، ويُشْتَرَطُ لِعَقْدِهَا الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبُوا، إِلَّا جَاسُوسًا نَخَافُهُ. وَلَا تُعْقَدُ إِلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ === وتكفي إشارةُ الأخرس المفهمةُ. (ولو وجد كافر بدارنا فقال: "دخلت لسماع كلام الله تعالى" أو "رسولًا" أو "بأمان مسلم" .. صدق)، ولا يتعرض إليه، لاحتمال ما يدعيه، وسواء كانت الرسالة مما فيه مصلحة للمسلمين أم لا على الصواب في "زيادة الروضة"، خلافًا للروياني (١)، (وفي دعوى الأمان وجه): أنه لا يصدق، لإمكان إقامة البينة عليه. (ويشترط لعقدها: الإمام أو نائبه) فيها، خصوصًا أو عمومًا؛ لأنها من المصالح العظام، فاختصت بمن له النظر العام. (وعليه الإجابة إذا طلبوا) لأنه ﷺ كان إذا أمّر أميرًا على جيش .. أوصاه أنهم: "إِنْ أَبَوُا الإسْلَامَ .. سَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ .. فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ" رواه مسلم (٢). (إلا جاسوسًا نخافه) فلا تجب إجابته، بل لا تقبل الجزية منه، للضرر، وكذا لو كان يخاف غائلتهم ويرى أن ذلك مكيدة منهم .. فلا يجيبهم. (ولا تعقد إلا لليهود والنصارى) من العرب والعجم؛ لأنهم أهل الكتاب، (والمجوسِ) لأنه ﷺ أخذها من مجوس هجر، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" رواه البخاري (٣). (وأولادِ من تهوّد أو تنصّر قبل النسخ) أي: قبل نسخ التوراة بالإنجيل (٤) في

стр. 2124

أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ، وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُودَ ﵉، وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالآخَرُ وَثنَيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ === التهوّد، وقبل نسخ الإنجيل بالقرآن في التنصر؛ لأنهم أهل كتاب، ولشرف آبائهم الذين ماتوا على الحق، (أو شككنا في وقته) فلم نعرف أدخلوا قبل النسخ أو بعده؛ تغليبًا لحقن الدم، كالمجوس، وخرج بهذا: من تهوّد أو تنصّر بعد بعثة نبينا ﷺ ، أو تهود بعد بعثة عيسى ﷺ ؛ فإنها لا تعقد لهم. ولا معنى لإطلاق اليهود والنصارى، وتقييده في أولادهم، ولو عكس .. لكان أولى، ثم إنه يوهم أن الرجل لو تهود أو تنصر قبل النسخ .. عقد لأولاده مطلقًا، وليس كذلك، بل إنما يعقد لهم إذا لم ينتقلوا عن دين آبائهم بعد البعثة. (وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود ﵉ لأن الله تعالى أنزل عليهما صحفًا، فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وتُسمَّى كتبًا؛ كما نصّ عليه الشافعي (١)، فاندرجت في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ﴾، وفي قول: لا يعقد لهم؛ لأنها مواعظ، فليس لها حرمة الأحكام، ومنهم من قطع بالأول. (ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) تغليبًا لحقن الدم، وتحرم المناكحة والذبيحة احتياطًا، وسواء أكان الأب وثنيًّا أم الأم، والطريق الثاني: إلحاقه بالنكاح والذبيحة. وقوله: (على المذهب): عائد إلى هذه المسألة وإلى التي قبلها. ومحل الخلاف: إذا بلغ ابن الوثني من كتابية ودان بدين أمه، فإن دان بدين أبيه .. لم يقر جزمًا. وأفهم حصرُه عقدَ الذمة لمن ذكر: أنها لا تعقد لغيرهم، كعبدة الأوثان والملائكة والشمس ومن في معناهم، وهو كذلك، والسامرة والصابئة إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل دينهم .. فليسوا منهم، وإلا .. فمنهم؛ كما سلف في (النكاح).

стр. 2125

وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ .. لَزِمَتْهُ، أَوْ كَثيرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ .. فَالأَصَحُّ: تلُفَّقُ الإِفَاقَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً .. وَجَبَتْ. وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ وَلَمْ يَبْذُلْ جِزْيَةً .. أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، وَإِنْ بَذَلَهَا .. عُقِدَ لَهُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ === (ولا جزية على امرأة) لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وهذا خطاب الذكور، وكتب عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد: ألا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان (١)، (وخنثى) لاحتمال كونه أنثى، فلو بانت ذكورته .. أخذ منه ما مضى؛ كما جزم به في "شرح المهذب" في (باب الأحداث)، وحكى الرافعي فيه هنا وجهين، قال في "زيادة الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: الأخذ (٢). (ومن فيه رق) ولو مدبرًا ومكاتبًا وأمَّ ولد؛ لأنه مال، والمال لا جزية عليه، ولا تجب على سيده بسببه، (وصبي، ومجنون) مطبقًا؛ لرفع القلم عنهما. (فإن تقطع جنونه قليلًا؛ كساعة من شهر .. لزمته)، ولا عبرة بهذا الزمن اليسير، (أو كثيرًا؛ كليوم ويوم .. فالأصح: تلفق الإفاقة، فإذا بلغت) أيام الإفاقة (سنة .. وجبت) اعتبارًا للأيام المتفرقة بالأيام المجتمعة، والثاني: لا شيء عليه؛ لنقصانه؛ كالمبعض. هذا إذا تعاقب الجنون والإفاقة، فلو كان عاقلًا فجن في أثناء الحول .. فكموت الذمي في أثنائه، وإن كان مجنونًا فأفاق في أثنائه .. استقبل الحول من حينئذ. (ولو بلغ ابن ذمي ولم يبذل جزية .. الحق بمأمنه) (ولا يغتال؛ لأنه كان في أمان أبيه بحكم التبعية، (وإن بذلها .. عقد له) عقد جديد؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه. (وقيل: عليه؛ كجزية أبيه)، ويكتفى بعقد أبيه؛ لأنه لما تبعه في أصل الأمان .. تبعه في الذمة، وصححه جمع، وقال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي (٣)، ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد إذا بلغوا.

стр. 2126

وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ وَشَيخٍ هَرِمٍ وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَفَقِيرٍ عَجِزَ عَنْ كَسْبٍ، فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ .. ففِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ. وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا، === (والمذهب: وجوبها على زمن، وشيخ هرم، وأعمى، وراهب، وأجير) لأنها كأجرة الدار، فيستوي فيها أرباب الأعذار وغيرهم، والطريق الثاني: البناء على جواز قتلهم؛ إن قلنا: بالجواز .. ضربت عليهم الجزية، وإلا .. فلا؛ إلحاقًا لهم بالنساء والصبيان. (وفقير عجز عن كسب) لأنه كالغني في الحقن والسكنى، والثاني: لا تجب؛ لأن وجوبها يتعلق بالحول، فلا تجب على الفقير؛ كالزكاة والعقل. (فإذا تمت سنة وهو معسر .. ففي ذمته حتى يوسر) كما يعامل المعسر، ويطالب إذا أيسر، وكذا الحكم في الحول الثاني وما بعده. وقضية عطفه الفقيرَ على الزمن ومن بعده: أن الخلاف طريقان، والمذكور في الرافعي وغيره قولان (١). (ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز) لقوله ﵇: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" متفق عليه (٢). قال الشافعي: وأراد به الحجاز من جزيرة العرب، ولم يرد جميع الجزيرة؛ لأن عمر ﵁ أجلاهم من الحجاز وأقرّهم في اليمن، مع أنها من جزيرة العرب (٣)؛ أي: فإن جزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وفي العرض من جُدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. (وهو) أي: الحجاز (مكة والمدينة واليمامة وقراها)، كذا فسّره الشافعي (٤)، وسمي حجازًا؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة.

стр. 2127

وَقِيلَ: لَهُ الإِقَامَةُ فِي طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ، وَلَوْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ .. أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَإِنِ اسْتَأْذَنَ .. أَذِنَ إِنْ كَانَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَان لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَبيرُ حَاجَةٍ .. لَمْ يَأْذَنْ إِلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُقِيمُ إِلَّا ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا .. خَرَجَ إِلَيْهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ يَسْمَعُهُ، === (وقيل: له الإقامة في طرقه الممتدة) بين هذه البلاد التي لم تجر الإقامة فيها عادة؛ لأنها ليست مجتمع الناس وموضع الإقامة، والأصحُّ: المنع؛ لأنها من بلاد الحجاز. (ولو دخله بغير إذن الإمام .. أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع) لتجرئه ودخول ما ليس له دخوله، فإن جهل ذلك .. أخرج ولم يعزر. (فإن استأذن) في دخوله ( .. أذن) الإمام أو نائبه في ذلك (إن كان مصلحة للمسلمين؛ كرسالة، وحمل ما يحتاج إليه) أي: ما يحتاج إليه من ميرة أو متاع، وفي معناه: عقد الذمة أو الهدنة؛ للمصلحة. (فإن كان لتجارة ليس فيها كبير حاجة .. لم يأذن إلا بشرطِ أخذ شيء منها)، وقدره راجع إلى رأي الإمام؛ اقتداءً بعمر ﵁؛ فإنه كان يأخذ من القبط إذا اتّجروا إلى المدينة عُشْر بعض الأمتعة، كالقُطنية، ويأخذ نصف العشر من الحنطة والشعير، ترغيبًا لهم في حملهما، للحاجة إليهما (١). (ولا يقيم) في موضع واحد (إلا ثلاثة أيام)، غير يوم الدخول والخروج، اقتداءً بعمر ﵁ (٢). (ويمنع دخول حرم مكة) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، والمراد: الحرم بإجماع المفسرين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾؛ أي: انقطاع التجارة عنكم، ومعلوم أن الجلب ليس إلى المسجد نفسه. (فإن كان رسولًا .. خرج إليه الإمام أو نائبه يسمعه) إذا امتنع من أدائها إلا إليه، وإلا .. بعث إليه من يسمع وينهيها إليه، وكذا إن دخل لتجارة خرج إليه من يشتري

стр. 2128

وَإِنْ مَرِضَ فِيهِ .. نُقِلَ. وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ، فَإِنْ مَاتَ .. لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، فَإِنْ دُفِنَ .. نُبِشَ وَأُخْرِجَ، وَإِنْ مَرِضَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْحِجَازِ وَعَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ .. تُرِكَ، وَإِلَّا .. نُقِلَ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ .. دُفِنَ هُنَاكَ. فَصْلٌ [في مقدار الجزية] أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ، === منه، وإن جاء كافر ليناظر لمسلم .. خرج إليه من يناظره؛ حسمًا لل باب . (وإن مرض فيه .. نقل، وإن خيف موته) من النقل؛ لأنه ظالم بالدخول، وليس لعرق ظالم حق (فإن مات .. لم يدفن فيه، فإن دفن .. نبش وأخرج) لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله فيه حيًّا، وهذا إذا لم يتقطع، فإن تقطع .. ترك. وخرج بـ (حرم مكة): حرم المدينة؛ فلا يلحق به فيما ذكرناه، لكن استحسن الروياني: أن يخرج منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفنَ خارجه، وفي "الذخائر": إن بعض أصحابنا الحق المدينة وحرمها بحرم مكة. (وإن مرض في غيره) أي: في غير الحرم (من الحجاز وعظمت المشقة في نقله .. ترك) لأنه يجوز له الدخول فيه في الجملة، (وإلا) أي: وإن لم تعظم المشقة ( .. نقل) رعايةً لحرمة الدار. (فإن مات وتعذّر نقله) لحصول التغير لبعد المسافة، وفي معناه التقطع ( .. دفن هناك) للضرورة، فإن لم يتعذر نقله .. لم يدفن. وهذا كله في الذمي، أما الحربي .. فلا يجب دفنه، بل في وجه: لا يجوز، بل تغرى الكلاب عليه، فإن تأذى الناس بريحه .. وُوري كالجيفة، والمرتد كالحربي. * * * (فصل: أقل الجزية: دينار لكل سنة) لقوله ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ" - أي: محتلم - "دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ" (١)،

стр. 2129

وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ مُمَاكَسَة حَتَى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّط دِينَارَيْنِ وَغَنِى أَرْبَعَةً، وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ ثُمَّ عَلِمُوا جَوَازَ دِينَارٍ .. لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ أَبَوْا .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ. وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِينَ .. أُخِذَتْ جِزْيَتُهُن مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا - وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ آدَمِّيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ === و(المعافر): ثياب تكون باليمن، ومعنى (عدله) أي: بدله، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، ونقل الشيخ أبو حامد فيه الإجماع. (ويستحب للإمام مماكسة حتى يأخذ من متوسط دينارين وغني أربعة) (١) اقتداءً بعمر ﵁؛ كما رواه البيهقي عنه (٢)، ولأن الإمام متصرف للمسلمين، فينبغي أن يحتاط لهم. وأطلق المصنف تبعًا للرافعي المماكسة، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد بمئة دينار أن ينقص منها دانقًا. ويستثنى: السفيه، فليس له أن يماكس وليه، وليس لوليه بذل الزيادة من ماله على الأشبه، بخلاف ما إذا لم يعف مستحق القود إلا بزيادة؛ صيانةً للروح. (ولو عقدت بأكثر ثم علموا جواز دينار .. لزمهم ما التزموه) كمن اشترى شيئًا بأكثر من ثمن مثله، (فإن أبوا) من بذل الزيادة ( .. فالأصح: أنهم ناقضون) للعهد بذلك؛ كما لو امتنعوا من أداء أصل الجزية، وحينئذ: فيبلغون المأمن أو يقتلون؛ قولان يأتيان آخر الباب، والثاني: لا، ويقنع منهم بالدينار؛ كما يجوز ابتداء العقد به. (ولو أسلم ذمي أو مات بعد سنين .. أخذت جزيتهن من تركته مقدمةً على الوصايا) والميراث، وتؤخذ من المسلم إذا أسلم، كسائر الديون، (ويسوّى بينها وبين دين آدمي على المذهب)، فإن لم تَفِ التركة .. ضارب الإمام مع الغرماء

стр. 2130

- أَوْ فِي خِلَالِ سَنَةٍ .. فَقِسْطٌ، وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ. وَتُؤْخَذُ بإِهَانَةٍ؛ فَيَجْلِسُ الآخِذُ، وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطْأَطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ، وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ، وَيَقْبضُ الآخِذُ لِحْيَتَهُ، وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ، وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالأَدَاءِ، وَحَوَالَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَضْمَنَهَا === بالجزية، ومقابل المذهب: أنها على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله وحق الآدمي: هل يقدم ذا أم ذاك، أم يسوى. والفرق على الأول: أن الجزية غلب فيها حق الآدمي من جهة أنها أجرة. (أو) أسلم أو مات (في خلال سنة .. فقسط) كالأجرة، (وفي قول: لا شيء) لأنه مال يراعى فيه الحول، فيسقط بالموت في خلال الحول؛ كالزكاة. (وتؤخذ) الجزية (بإهانة؛ فيجلس الآخذ، ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لِهْزِمَتَيْه)، وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، بكسر اللام والزاي، اعتمد الرافعي في ذلك: أن بعض فسّر (الصغار) في الآية بهذا (١). واعترض: بأن الذي نصّ عليه الشافعي والأصحاب: أن (الصغار): هو رضاهم بجريان أحكام الإسلام عليهم (٢). وقضية كلام المصنف: أنه يضربه في كل لِهْزِمة ضربة، وقال الرافعي: يشبه أن يكفي الضرب في أحد الجانبين، ولا يراعى الجمع بينهما (٣). (وكله مستحب) لسقوطه بتضعيف الصدقة؛ كما سيأتي، (وقيل: واجب) ليحصل الصغار المذكور، (فعلى الأول) (وهو كونه مستحبًّا) له توكيل مسلم بالأداء، وحوالة عليه، وأن يضمنها) لأن الصغار حاصل بالتزامه المالَ وانقيادِه للأحكام على كره منه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع الطلب من الذمي،

стр. 2131

قُلْتُ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ، وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إِذَا صُولحُوا فِي بَلَدِهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنْهَا، === وإقامة الصغار عليه، وعلى الثاني -وهو كونه واجبًا-: لا يجوز شيء من ذلك؛ لأجل فوات الواجب به. وقوله: (مسلم) قد يفهم: صحة توكيل الذمي قطعًا، ونقلًا عن الإمام طرد الخلاف فيه، وأقراه؛ لأن كلًّا منهما معنيٌّ بالصغار في نفسه (١). (قلت: هذه الهيئة باطلة) لأنه لا أصل لها، وقد صرح الجمهور بأخذها برفق؛ كأخذ الديون، ونصّ عليه في "الأم" فقال: وإن أخذ منهم الجزية .. أخذها بإجمال، ولم يضرب أحدًا منهم، ولم ينله بقول قبيح، والصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا (٢). انتهى. قال الزركشي: ولو اطّلع المصنف عليه .. لاستند إليه. (ودعوى استحبابها أشدُّ خطأً، والله أعلم) فضلًا عن وجوبها. (ويستحب للإمام إذا أمكنه: أن يشرط عليهم إذا صولحوا في بلدهم ضيافةَ من يمر بهم من المسلمين) من غني وفقير؛ اتباعًا لعمر ﵁، وروي مرفوعًا لكنه منقطع (٣)، ولأن فيه مصلحةً؛ لأنهم قد لايبيعون الطعام والعلف للمسلمين، فيتضررون، فإذا شرط عليهم الضيافة .. بادروا إلى البيع؛ خوفًا من نزولهم عندهم. (زائدًا على أقل جزية)، ولا تجوز منها، لأن الجزية يجب فيها التمليك، والضيافة مبنية على الإباحة، فلم يجز الاكتفاء بها؛ كما لا يجوز التغدية والتعشية في الكفارة، (وقيل: يجوز منها) لأنه ليس عليهم إلا الجزية، وثبت عن عمر ﵁؛ كما قال في "الذخائر": إنه لم يأخذ منهم مع الضيافة شيئًا آخر، فلعلها بلغت

стр. 2132

وَتُجْعَلُ عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ، لَا فَقِيرٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَذْكُرُ عَدَدَ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا، وَجِنْسَ الطَّعَامِ وَالأُدْمِ، وَقَدْرَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا، وَعَلَفَ الدَّوَابِّ، القدر الواجب، وإلا لو نقص ما أنفقوه في الحول عن دينار عن كل حالم .. وجب الرجوع عليهم بما بقي. وعلى هذا الوجه: يشترط كون الضيف من أهل الفيء؛ كما صرح به الماوردي والروياني؛ لأنها من الجزية، والجزية مختصة بأهل الفيء (١). (وتجعل) الضيافة (على غني ومتوسط) لاحتمالهما إياها، (لا فقير في الأصح) لأنها تتكرر فيعجز عنها، والثاني: تجعل عليه؛ كالجزية، والثالث: تجعل على المعتمل دون غيره، واستحسنه الرافعي، وبنى الخلاف على أنها من الجزية؛ فيجعل عليه، وإلا .. فلا (٢). (ويذكر) العاقد عند اشتراط الضيافة (عدد الضيفان رجالًا وفرسانًا) لأنه أقطع للمنازعه وأنفى للغرر، قال صاحب "الحاوي": وهذا إنما يشترط إذا جعلت من الجزية، فإن قلنا بالأصح .. لم يشترط التعرض للعدد، وأقراه (٣)، فإذن؛ ما في الكتاب مفرّع على الضعيف، (وجنس الطعام والأدم، وقدرهما، ولكل واحد كذا) من الخبز، وكذا من السمن أو الزيت، بحسب العرف؛ لأنه أنفى للغرر. والمعتبر فيه: طعامهم وأدمهم؛ نفيًا للمشقة عنهم، قال الماوردي: ويشرط عليهم أيضًا: الثمار والفاكهة في زمانها إذا كانوا يأكلونها غالبًا في كل يوم (٤). وقوله: (ولكل واحد كذا): هو بخط المصنف، ولا معنى لإثبات الواو. (وعلف الدواب) (ولا يحتاج إلى ذكر قدر العلف، إلا الشعير، وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير، نصّ عليه، وإنما هو التبن والحشيش (٥)، قال الزركشي:

стр. 2133

وَمَنْزِلَ الضِّيفَانِ؛ مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ مَسْكَنٍ، وَمُقَامَهُمْ، وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ. وَلَوْ قَالَ قَوْمٌ: (نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لَا جِزْيَةٍ) .. فَلِلإِمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِذَا رَأَى، وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةَ؛ فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ: شَاتَانِ، وَمِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتَا === ويشبه اعتبار عرف ناحيتهم. وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه يعلف لكل واحد دوابه، لكن قال الشافعي في "الأم" في الضيف الواحد: ويعلف له دابة واحدة تبنًا أو ما يقوم مقامه في مكانه، هذا لفظه (١). (ومنزل الضيفان؛ من كنيسة وفاضل مسكن) للحاجة، والضيافة تستلزم ذلك، ولا يُخرجون أهل المنازل منها، قال في "الحاوي": ويجب أن يعلوا الأبواب؛ ليدخلها المسلمون ركبانًا (٢)، (ومقامهم) أي: ويذكر مدة مقامهم. (ولا يجاوز ثلاثة أيام) لحديث: "الضِّيَافَةُ ثَلَاثةُ أَيَّامٍ، فَمَا زَادَ .. فَهُوَ صَدَقَة" متفق عليه (٣). وفي "الذخائر" عن الأصحاب: أنه يشترط عليهم: تزويد الضيف كفايتَه ليوم وليلة، ولو امتنع من الضيافة اثنان أو ثلاثة .. أجبروا عليها، فإن امتنع الكل .. انتقض عهدهم؛ كالجزية، قاله في "الاستقصاء"، وقال في "الذخائر": إذا امتنع الكل .. قوتلوا، فإن قاتلوا .. انتقض عهدهم (٤). (ولو قال قوم: "نؤدي الجزية باسم صدقة لا جزية" .. فللإمام إجابتهم إذا رأى) لأن عمر ﵁ فعل ذلك بنصارى العرب؛ كما رواه البيهقي وغيره (٥)، ولم يخالفه أحد، فصار كالإجماع، وسواء العرب والعجم، وقيل: يختص بالعرب؛ لشرفهم، وللأثر. (ويضعّف عليهم الزكاة؛ فمن خمسة أبعرة: شاتان، ومن خمس وعشرين: بنتا

стр. 2134

مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ دِينَارًا: دِينَارٌ، وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ: عَشَرَةٌ وَخُمُسُ الْمُعَشَّرَاتِ، وَلَوْ وَجَبَتْ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانٍ .. لَمْ يُضَعِّفِ الْجُبْرَانَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَ بَعْضَ نِصَابٍ .. لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ فِي الأَظْهَرِ، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ؛ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ. === مخاض، وعشرين دينارًا: دينار، ومئتي درهم عشرة وخمس المعشرات) اقتداءً بعمر ﵁ (١)، وتضعيفها غير متعين، بل يجوز تربيعها وتخميسها على ما يراه من المصلحة، قاله الأصحاب، وإنما يقتصر على التضعيف إذا وفى الحاصل بقدر دينار لكل رأس، وإلا .. زاد إلى ثلاثة أضعاف وأكثر، ويجوز الاقتصار على قدر الزكاة أو أقل إذا حصل الوفاء بالدينار. واقتصاره على الخمس في المعشرات: محمول على المسقي بلا مؤنة، وإلا .. فالواجب حينئذ: العشر. (ولو وجبت بنتا مخاض مع جبران) كما في ست وثلاثين عند فقد بنت اللبون ( .. لم يضعف الجبران في الأصح)، بل ياخذ مع كل بنت مخاض شاتين أو عشرين درهمًا؛ لأن الجبران تارةً يؤخذ وتارةً يرد، ولو ضعفناه عند الأخذ .. لزم أن يضعف عند الرد، وهو لا يجوز، والثاني: يضعف كما تضعف الصدقة في الأصل، فيأخذ مع كل بنت مخاض أربع شياه أو أربعين درهمًا، فيكون المأخوذ مع بنتي المخاض ثمان شياه أو ثمانين درهمًا. (ولو كان) المال الزكوي (بعض نصاب) كعشرين شاة ( .. لم يجب قسطه في الأظهر) لأن أثر عمر ﵁ ورد في تضعيف ما يجب على المسلم، لا في إيجاب ما لم يجب فيه شيء على المسلم، والثاني: يجب قسطه؛ رعاية للتضعيف. (ثم المأخوذ جزية) وإن بدل الاسم، ومصرفه مصرف الفيء، ولهذا قال عمر ﵁: هؤلاء حمقى؛ أَبَوا الاسم ورضُوا بالمعنى (٢)! (فلا تؤخذ من مال من لا جزية عليه) كصبي، ومجنون، وامرأة.

стр. 2135

فَصْلٌ [في أحكام عقد الجزية] يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا، وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: إِنِ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ .. لَمْ يَلْزَمْنَا المدَّفْعُ. وَنَمْنَعُهُمْ إِحْدَاثَ كَنِيسَةٍ فِي بَلَدٍ أَحْدَثناهُ أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً .. لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ - وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ فِي الأَصحِّ === (فصل: يلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا، ودفعُ أهل الحرب عنهم) لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمة الدماء والأموال، (وقيل: إن انفردوا ببلد .. لم يلزمنا الدفع) كما لا يلزمهم الذب عنا عند طروق عدو لنا، والأصحُّ: اللزوم إذا أمكن؛ إلحاقًا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة. ومحل الخلاف: عند إطلاق العقد، فإن جرى شرط الذب عنهم .. وجب الوفاء به قطعًا، وفيه احتمال للإمام (١)، ولو كانوا مستوطنين بدار الحرب وبذلوا الجزية .. فلا يلزمنا الذب عنهم قطعًا. (ونمنعهم) وجوبًا (إحداث كنيسةٍ) وبيعةٍ وبيتِ نار مجوسي (في بلد أحدثناه) كبغداد (أو أسلم أهله عليه) كاليمن؛ لأنه معصية، فلا يجوز في دار الإسلام. هذا إذا بني ذلك للتعبد، فإن بني لنزول المارة .. جاز إن كان لعموم الناس، فإن قَصَروها على أهل دينهم .. فوجهان في "الروضة" و"أصلها" آخرَ الباب بلا ترجيح، وجزم في "البيان" بالجواز (٢). (وما فتح عنوةً) كأصبهان ( .. لا يحدثونها فيه) لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء، فيمتنع جعلها كنيسة، (ولا يقرون على كنيسة كانت فيه في الأصح) لما قلناه، والثاني: يقرون؛ لأن المصلحة قد تقتضي ذلك، وليس فيه إحداث ما لم يكن، وصححه الماوردي (٣).

стр. 2136

- أَوْ صُلْحًا بِشَرْطِ الأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إِسْكَانِهِمْ وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ .. جَازَ - وَإِنْ أُطْلِقَ .. فالصَّحِيحُ: الْمَنع - أَوْ لَهُمْ .. قُرِّرَتْ، وَلَهُمُ الإِحْدَاثُ فِي الأَصَحِّ. وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا - وَقِيلَ: نَدْبًا - مِنْ رَفْعِ بِنَا؛ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ، === (أو) فتح (صلحًا بشرط الأرض لنا وشرط إسكانهم) بخراج (وإبقاء الكنائس .. جاز) لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم .. فعلى بعضه أولى. وقوله: (إبقاء): قد يقتضي منع إحداث الكنائس، وبه صرّح الماوردي، لكن المنقول في "الشرح" و"الروضة" عن الروياني وغيره: أنه إذا صالحوا على إحداثها ... جاز أيضًا، ولم يذكرا خلافه (١)، قال الزركشي: وهو محمول على ما إذا دعت إليه ضرورة، وإلا .. فلا وجه له. (وإن أطلق) فلم يذكر الشرط المذكور ( .. فالصحيح: المنع) من إبقائهما، بل تهدم ما فيها من الكنائس؛ لأن إطلاق اللفظ يقتضي صيرورة جميع البلد لنا، والثاني: أنها تبقى، وتكون مستثناة بقرينة الحال؛ فإن شرط إسكانهم هناك يقتضي بقاء مواضع عبادتهم لهم. (أو لهم) أي: صولحوا بشرط أن الأرض لهم ويؤدون خراجها ( .. قررت) لأنها ملكهم، (ولهم الإحداث في الأصح) لأن الدار لهم، فيتصرفون فيها كيف شاؤوا، والثاني: المنع؛ لأن البلد تحت حكم الإسلام. وقوله: (لهم): عبارة موهمة، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإحداث الكنائس. (ويمنعون وجوبًا - وقيل: ندبًا - من رفع بناء على بناء جار مسلم (٢) لحديث:

стр. 2137

وَالأَصَحُّ: الْمَنع مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ .. لَمْ يُمْنَعُوا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ، لَا حَمِيرٍ وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ، === "الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ" (١)، ولأن فيه تعظيمًا لهم ومباهاة، وقد قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ولما يخشى منهم الاطلاع على عورة المسلمين، وهذا المنع لحق الله تعالى؛ إعلاءً لدينه، فلا يسقط برضا الجار. وقوله: (من رفع): قد يفهم: أنه لو ملك دارًا عالية من مسلم .. لم يكلف هدمها، وهو كذلك؛ كما جزم به الرافعي (٢). نعم؛ يمنع من الإشراف على المسلمين وطلوع سطحها بلا تحجير، صرح به الماوردي (٣). (والأصح: المنع من المساواة) لأن المقصود تمييزهم عن المسلمين في المساكن؛ كاللباس والركوب، والحديث يدل على علو الإسلام، ولا علو مع المساواة، والثاني: لا؛ لأنه لم يعل على المسلم. (وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة) عن المسلمين ( .. لم يمنعوا) من رفع البناء؛ لأن الممنوع المطاولة، وإنما يتحقق ذلك عند وجود بناء، ولانتفاء خوف الاطلاع على عورة المسلمين، والثاني: المنع؛ لأنه استعلاء في دار الإسلام. (ويمنع الذمي ركوب خيل) لأن فيه عزًّا، وهم أذلاء، ولا فرق بين النفيس وغيره على الأصحِّ، (لا حمير وبغال نفيسة) لأنه لا شرف فيها؛ كذا علله ابن الرفعة (٤)، وألحق الفوراني والإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل، واختاره الأَذْرَعي وغيره (٥)؛ فإن التحمل والتعاظم بركوبها أكثر من كثير من الخيل.

стр. 2138

وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَلَا يُوَقَّرُ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ، === (ويركب بإكاف وركاب خشب لا حديد، ولا سرج) اتباعًا لكتاب عمر ﵁، والمعنى فيه ليتميزوا عن المسلمين، ويركبون عرضًا؛ فتجعل رجليه من جانب واحد. هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصِّغار .. فلا يلزمون الصَّغار، كما لا جزية عليهم، قاله ابن كَجٍّ. (ويلجأ إلى أضيق الطرق) للأمر به في "الصحيحين" (١)، وهذا عند ضيق الطريق، فإن خلت عن الزحمة .. فلا حرج، قال في "الحاوي": ولا يمشون إلا أفرادًا متفرقين (٢). (ولا يوقّر، ولا يصدَّر في مجلس) إذا اتفق اجتماعه مع مسلم؛ إهانةً له، وتحرم موادته. (ويؤمر بالغيار) بأن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكفي العمامة؛ كما قاله الماوردي وغيره، وعليه العمل (٣). هذا إذا اختلطوا بنا، فإن انفردوا بمحلة .. فلهم تركه؛ كما حكاه في "البحر". (والزنار فوق الثياب) لأن عمر ﵁ صالحهم عليه (٤)، وهو خيط مستغلظ على أوساطهم خارج الثياب. (وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) بين مسلمين ( .. جعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) ليعرفوا به، قال الزركشي: والخاتم طوق يكون في

стр. 2139

وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَخَالَفُوا .. لَمْ يَنْتَقِضِ الْعَهْدُ، وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلَامِ .. انْتَقَضَ. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِسْلَامِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوءٍ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقاضُ الْعَهْدِ بِهَا .. انْتَقَضَ، وَإِلَّا .. فَلَا === العنق، (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقولَهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) وقراءتِهم التوراةَ والإنجيلَ ولو في كنائسهم؛ لما فيه من المفاسد وإظهار شعار الكفر. (ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد) لأنهم يتدينون بها، ولا يتضرر بها المسلمون، لكن يمنعون ويعزرون؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم. (ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام .. انتقض) لمنافاة ذلك لعقد الذمة. (ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح) أي: باسم نكاح، (أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله ﷺ بسوء) أو ذكر الله تعالى به ( .. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها .. انتقض) لمخالفته الشرط، (وإلا .. فلا) لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها لتحريمها .. لا تخل بمقصوده، والثاني: ينتقض مطلقًا؛ لما فيه من الضرر، والثالث: لا ينتقض مطلقًا، وصححه في "أصل الروضة" وجعل في "الشرح الصغير" و"المحرر" الأقرب التفصيل كالكتاب، وليس في "الكبير" ترجيح (١). وقضية قول المصنف: (فتن مسلمًا عن دينه) (٢): انتقاله عن الإسلام، لكن

стр. 2140

وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ .. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ .. لَمْ يَجِبْ إِبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ .. امْتَنَعَ الرِّقُّ. وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ .. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ .. بُلِّغَ الْمَأْمَنَ. === الرافعي ألحق به ما إذا دعاه إلى دينهم (١)، وهو يقتضي الاكتفاء بدعاية إليه، فلو اقتصر المصنف على هذا .. لعلم منه الانتقال من باب أولى. (ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله) لأنه صار حربًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ يتخير الإمام فيمن ظفر به منهم؛ كما يتخير في الأسير. وتعبيره بالجواز: يقتضي أنه لا يجب، وعبارة "الروضة" تقتضي الوجوب؛ حيث قال: (فلا بدّ من دفعهم، والسعي في استئصالهم) (٢). (أو بغيره) أي: القتال ( .. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًّا ومنًّا وفداءً) لأنه كافر لا أمان له كالحربي، والثاني: يجب؛ لأنه دخل دار الإسلام بأمان، فلم يجز قتله قبل الرد إلى المأمن؛ كما لو دخل بأمان صبي. وفرق الأول: بأن من دخل بأمان صبي يعتقد لنفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان. (فإن أسلم) هذا المنتقض عهده (قبل الاختيار .. امتنع الرق) (والقتل والفداء، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر، وله أمان متقدم، فخف أمره. (وإذا بطل أمان رجال .. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح) لأنه قد ثبت لهم الأمان، ولم يوجد منهم خيانة ناقضة، والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا، فيزول بزوال الأصل. (وإذا اختار ذمي نبذَ العهد واللحوقَ بدار الحرب .. بلغ المأمن) لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نقض عهده، فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه. * * *
следующие страницы →