← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

- أَوْ صُلْحًا بِشَرْطِ الأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إِسْكَانِهِمْ وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ .. جَازَ - وَإِنْ أُطْلِقَ .. فالصَّحِيحُ: الْمَنع - أَوْ لَهُمْ .. قُرِّرَتْ، وَلَهُمُ الإِحْدَاثُ فِي الأَصَحِّ. وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا - وَقِيلَ: نَدْبًا - مِنْ رَفْعِ بِنَا؛ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ، === (أو) فتح (صلحًا بشرط الأرض لنا وشرط إسكانهم) بخراج (وإبقاء الكنائس .. جاز) لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم .. فعلى بعضه أولى. وقوله: (إبقاء): قد يقتضي منع إحداث الكنائس، وبه صرّح الماوردي، لكن المنقول في "الشرح" و"الروضة" عن الروياني وغيره: أنه إذا صالحوا على إحداثها ... جاز أيضًا، ولم يذكرا خلافه (١)، قال الزركشي: وهو محمول على ما إذا دعت إليه ضرورة، وإلا .. فلا وجه له. (وإن أطلق) فلم يذكر الشرط المذكور ( .. فالصحيح: المنع) من إبقائهما، بل تهدم ما فيها من الكنائس؛ لأن إطلاق اللفظ يقتضي صيرورة جميع البلد لنا، والثاني: أنها تبقى، وتكون مستثناة بقرينة الحال؛ فإن شرط إسكانهم هناك يقتضي بقاء مواضع عبادتهم لهم. (أو لهم) أي: صولحوا بشرط أن الأرض لهم ويؤدون خراجها ( .. قررت) لأنها ملكهم، (ولهم الإحداث في الأصح) لأن الدار لهم، فيتصرفون فيها كيف شاؤوا، والثاني: المنع؛ لأن البلد تحت حكم الإسلام. وقوله: (لهم): عبارة موهمة، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإحداث الكنائس. (ويمنعون وجوبًا - وقيل: ندبًا - من رفع بناء على بناء جار مسلم (٢) لحديث:

стр. 2137

وَالأَصَحُّ: الْمَنع مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ .. لَمْ يُمْنَعُوا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ، لَا حَمِيرٍ وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ، === "الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ" (١)، ولأن فيه تعظيمًا لهم ومباهاة، وقد قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ولما يخشى منهم الاطلاع على عورة المسلمين، وهذا المنع لحق الله تعالى؛ إعلاءً لدينه، فلا يسقط برضا الجار. وقوله: (من رفع): قد يفهم: أنه لو ملك دارًا عالية من مسلم .. لم يكلف هدمها، وهو كذلك؛ كما جزم به الرافعي (٢). نعم؛ يمنع من الإشراف على المسلمين وطلوع سطحها بلا تحجير، صرح به الماوردي (٣). (والأصح: المنع من المساواة) لأن المقصود تمييزهم عن المسلمين في المساكن؛ كاللباس والركوب، والحديث يدل على علو الإسلام، ولا علو مع المساواة، والثاني: لا؛ لأنه لم يعل على المسلم. (وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة) عن المسلمين ( .. لم يمنعوا) من رفع البناء؛ لأن الممنوع المطاولة، وإنما يتحقق ذلك عند وجود بناء، ولانتفاء خوف الاطلاع على عورة المسلمين، والثاني: المنع؛ لأنه استعلاء في دار الإسلام. (ويمنع الذمي ركوب خيل) لأن فيه عزًّا، وهم أذلاء، ولا فرق بين النفيس وغيره على الأصحِّ، (لا حمير وبغال نفيسة) لأنه لا شرف فيها؛ كذا علله ابن الرفعة (٤)، وألحق الفوراني والإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل، واختاره الأَذْرَعي وغيره (٥)؛ فإن التحمل والتعاظم بركوبها أكثر من كثير من الخيل.

стр. 2138

وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَلَا يُوَقَّرُ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ، === (ويركب بإكاف وركاب خشب لا حديد، ولا سرج) اتباعًا لكتاب عمر ﵁، والمعنى فيه ليتميزوا عن المسلمين، ويركبون عرضًا؛ فتجعل رجليه من جانب واحد. هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصِّغار .. فلا يلزمون الصَّغار، كما لا جزية عليهم، قاله ابن كَجٍّ. (ويلجأ إلى أضيق الطرق) للأمر به في "الصحيحين" (١)، وهذا عند ضيق الطريق، فإن خلت عن الزحمة .. فلا حرج، قال في "الحاوي": ولا يمشون إلا أفرادًا متفرقين (٢). (ولا يوقّر، ولا يصدَّر في مجلس) إذا اتفق اجتماعه مع مسلم؛ إهانةً له، وتحرم موادته. (ويؤمر بالغيار) بأن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكفي العمامة؛ كما قاله الماوردي وغيره، وعليه العمل (٣). هذا إذا اختلطوا بنا، فإن انفردوا بمحلة .. فلهم تركه؛ كما حكاه في "البحر". (والزنار فوق الثياب) لأن عمر ﵁ صالحهم عليه (٤)، وهو خيط مستغلظ على أوساطهم خارج الثياب. (وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) بين مسلمين ( .. جعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) ليعرفوا به، قال الزركشي: والخاتم طوق يكون في

стр. 2139

وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَخَالَفُوا .. لَمْ يَنْتَقِضِ الْعَهْدُ، وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلَامِ .. انْتَقَضَ. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِسْلَامِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِسُوءٍ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقاضُ الْعَهْدِ بِهَا .. انْتَقَضَ، وَإِلَّا .. فَلَا === العنق، (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقولَهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) وقراءتِهم التوراةَ والإنجيلَ ولو في كنائسهم؛ لما فيه من المفاسد وإظهار شعار الكفر. (ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا .. لم ينتقض العهد) لأنهم يتدينون بها، ولا يتضرر بها المسلمون، لكن يمنعون ويعزرون؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم. (ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام .. انتقض) لمنافاة ذلك لعقد الذمة. (ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح) أي: باسم نكاح، (أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله ﷺ بسوء) أو ذكر الله تعالى به ( .. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها .. انتقض) لمخالفته الشرط، (وإلا .. فلا) لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها لتحريمها .. لا تخل بمقصوده، والثاني: ينتقض مطلقًا؛ لما فيه من الضرر، والثالث: لا ينتقض مطلقًا، وصححه في "أصل الروضة" وجعل في "الشرح الصغير" و"المحرر" الأقرب التفصيل كالكتاب، وليس في "الكبير" ترجيح (١). وقضية قول المصنف: (فتن مسلمًا عن دينه) (٢): انتقاله عن الإسلام، لكن

стр. 2140

وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ .. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ .. لَمْ يَجِبْ إِبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ .. امْتَنَعَ الرِّقُّ. وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ .. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ .. بُلِّغَ الْمَأْمَنَ. === الرافعي ألحق به ما إذا دعاه إلى دينهم (١)، وهو يقتضي الاكتفاء بدعاية إليه، فلو اقتصر المصنف على هذا .. لعلم منه الانتقال من باب أولى. (ومن انتقض عهده بقتال .. جاز دفعه وقتاله) لأنه صار حربًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ يتخير الإمام فيمن ظفر به منهم؛ كما يتخير في الأسير. وتعبيره بالجواز: يقتضي أنه لا يجب، وعبارة "الروضة" تقتضي الوجوب؛ حيث قال: (فلا بدّ من دفعهم، والسعي في استئصالهم) (٢). (أو بغيره) أي: القتال ( .. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًّا ومنًّا وفداءً) لأنه كافر لا أمان له كالحربي، والثاني: يجب؛ لأنه دخل دار الإسلام بأمان، فلم يجز قتله قبل الرد إلى المأمن؛ كما لو دخل بأمان صبي. وفرق الأول: بأن من دخل بأمان صبي يعتقد لنفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان. (فإن أسلم) هذا المنتقض عهده (قبل الاختيار .. امتنع الرق) (والقتل والفداء، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر، وله أمان متقدم، فخف أمره. (وإذا بطل أمان رجال .. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح) لأنه قد ثبت لهم الأمان، ولم يوجد منهم خيانة ناقضة، والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا، فيزول بزوال الأصل. (وإذا اختار ذمي نبذَ العهد واللحوقَ بدار الحرب .. بلغ المأمن) لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نقض عهده، فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه. * * *

стр. 2141

بابُ الهدنة عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إِقْلِيم يَخْتَصُّ بِالإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ فِيهَا، وَلِبَلْدَةٍ يَجُوزُ لِوَالِي الإِقْلِيمِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ؛ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهبَةٍ أَوْ رَجَاءِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ .. جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ === (باب الهدنة) هي لغة: المصالحة، وشرعًا: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدةً معلومة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يُقَرّ على دينه ومن لا يُقَرّ، وسميت به: لأنها مشتقة من الهدون، وهو السكون، والصلح يسكن القتال. والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وقد فعله ﵊ مع يهود بالمدينة، ومع أهل مكة عام الحديبية (١). (عقدها لكفار إقليم) كالهند والروم (يختص بالإمام أو نائبه فيها) أي: في عقد الهدنة؛ لما فيه من الخطر، والإمام هو الذي يتولى الأمور العامة، فإن تعاطاه الآحاد .. فسد، لكن يلحقون بالمأمن، قال الماوردي: ولا يقوم إمام البغاة مقام إمام أهل العدل في ذلك (٢)، (ولبلدة يجوز لوالي الإقليم أيضًا) لاطّلاعه على مصالح ذلك الإقليم، ولقلة المفسدة فيه لو أخطأ. (وإنما يعقد لمصلحة؛ كضعفنا بقلة عدد وأهبة، أو رجاء إسلامهم أو بذلِ جزية)، فإن لم تكن مصلحة .. لم يجز للإمام أن يهادنهم، بل يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا أهل كتاب، قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾. (فإن لم تكن) مصلحة فيها ( .. جازت أربعةَ أشهر) للآية المارة.

стр. 2142

لَا سَنَةً، وَكَذَا دُونَهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ فَقَطْ، === وما جزم به من جواز أربعة أشهر بلا مصلحة .. مخالفٌ لقوله في "الروضة": إنه يشترط أن يكون للمسلمين إلى عقدها حاجة وفيه مصلحة، وصوّبه في "المهمات"، وقد وقع ذلك في "المحرر" (١). واعتذر عن "المنهاج": بأن قوله: (فإن لم تكن) أي: جزية (جازت أربعة أشهر)، والكلام يعود على أقرب مذكور، وهو الجزية. (لا سنةً) لما فيه من ترك الجزية، (وكذا دونها) (وفوق أربعة أشهر (في الأظهر) لزيادتها على مدة السياحة، والثاني: تجوز؛ لأنها مدة تقصر عن مدة الجزية، فجاز أن يؤمن فيها بغير عوض كالأربعة أشهر. هذا كله بالنسبة إلى نفوس المعقود عليهم، أما أموالهم .. فيجوز العقد لها مؤبدًا، وهل يجوز ذلك في الذرية؟ فيه وجهان، قاله الماوردي في (السير) (٢). (ولضعف تجوز عشر سنين فقط) فما دونها بحسب الحاجة؛ لأنه ﷺ هادن قريشًا في الحديبية على وضع الحرب عشر سنين؛ كما رواه أبو داوود (٣)، وكان ذلك قبل أن يقوى الإسلام، ولا تجوز الزيادة على العشر ولو احتيج إليها؛ لأن الأصل منع الصلح، وقد ورد التحديد بالعشر، فتبقى الزيادة على الأصل (٤). نعم؛ يجوز والحالة هذه أن يعقد عشرًا، ثم عشرًا، قبل انقضاء الأولى؛ كذا جزم به الفوراني وغيره، قاله ابن الرفعة، و"عبارة الروضة": ولا تجوز الزيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية .. استؤنف العقد، قال الأَذْرَعي: وهذا صحيح، وأما استئناف عقد إثر عقد؛ كما قاله الفوراني .. فغريب لا أحسب الأصحاب يوافقون عليه أصلًا (٥).

стр. 2143

وَمَتَى زَادَ عَلَى الْجَائِزِ .. فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ، وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ بِأَنْ شُرِطَ مَنع فَكِّ أَسْرَانَا، أَوْ تَرْكُ مَالِنَا لَهُمْ، أَوْ لِتُعْقَدَ لَهُمْ ذِمَّةٌ بِدُونِ دِينَارٍ، أَوْ بِدَفعِ مَالٍ إِلَيْهِمْ === (ومتى زاد على الجائز) بأن زاد عند القوة على أربعة أشهر، أو عند الضعف على عشر سنين، أو احتاج إلى أربع سنين مثلًا فزاد عليها ( .. فقولا تفريق الصفقة) لأنه جمع في العقد الواحد بين ما يجوز العقد عليه وما لا يجوز، فيبطل في الزائد قطعًا، وفي الباقي القولان على الأصحِّ، وقيل: يصح في الباقي قطعا (١)؛ إذ ليس فيه جهالة العوض ولأنه يتسامح في معاقدة الكفار. (وإطلاق العقد يفسده) لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، ولا يجوز مؤبدًا، وقيل: إنه يصح، وينزل عند الضعف على عشر سنين، وعند القوة على أربعة أشهر أو سنة، قولان، وقد جزم الماوردي والروياني بتنزيل الأمان المطلق على أربعة أشهر، واقتصر عليه الشيخان هناك، فيسال عن الفرق بين البابين على ما رجحاه هنا من فساد العقد (٢). (وكذا شرط فاسد على الصحيح؛ بأن شرط منع فك أسرانا) منهم، (أو ترك مالنا) الذي استولوا عليه (لهم، أو لتعقد لهم ذمة بدون دينار، أو بدفع مال إليهم) لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٣)، ومقابل الصحيح: أنه يصح العقد ويلغو الشرط، قال الإمام: والخلاف كالخلاف في أن الوقف هل يفسد بالشرط الفاسد (٤)؟ ويستثنى من دفع المال إليهم: ما إذا دعت الضرورة إلى دفعه؛ بأن كانوا يعذبون الأسرى ففديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلام .. فيجوز الدفع، بل يجب على الأصحِّ في "زوائد الروضة" (٥).

стр. 2144

وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الإِمَامُ مَتَى شَاءَ، وَمَتَى صَحَّتْ .. وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَوْ يَنْقُضُوهَا بِتَصْرِيحٍ، أَوْ قِتَالِنَا، أَوْ مُكَاتبةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا، أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، وَإِذَا انْتَقَضَتْ .. جَازَتِ الإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَبَيَاتهمْ. وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ .. انْتَقَضَ فيهِمْ أَيْضًا، === (وتصح الهدنة على أن ينقضها الإمام متى شاء) لأنه ﷺ وادع يهود خيبر، وقال: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ"، رواه البخاري من حديث ابن عمر ﵁ (١). قال الشافعي: ولو قال الإمام الآن هذه اللفظة .. لم يجز؛ لأنه ﵇ يعلم ما عند الله بالوحي، بخلاف غيره (٢). ولا يختص ذلك بمشيئة الإمام، بل لو عقدها على أن لفلانٍ نقضَها متى شاء .. صح أيضًا بشرط كونِ فلانٍ مسلمًا عدلًا ذا رأي. (ومتى صحت) الهدنة ( .. وجب الكف عنهم حتى تنقضي أو ينقضوها بتصريح، أو قتالنا، أو مكاتبة أهل الحرب بعورة لنا، أو قتل مسلم) أو ذمي، أو أخذ مال، أو سب الرسول ﵇، أو إيواء عيون الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾، وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. (وإذا انتقضت .. جازت الإغارة عليهم وبياتهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الآية، هذا فيما إذا كانوا في بلادهم، فأما من في بلادنا .. فلا يقاتل، ويبلغ المأمن، وسواء علموا أن ما فعلوه ناقض أم لا على الأصحَّ في "أصل الروضة"، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: إذا لم يعلموا أنه خيانة .. لا ينتقض العهد، إلا إذا كان المفعول مما لا يشك في مضادته للهدنة؛ كالقتال (٣). (ولو نقض بعضهم ولم ينكر الباقون بقول ولا فعل)، بل ساكنوهم وسكتوا ( .. انتقض فيهم أيضًا) لأن سكوتهم يشعر بالرضا، فجعل نقضًا منهم؛ كما أن هدنة

стр. 2145

فَإِنْ أَنْكَرُوا بِاعْتِزَالِهِمْ أَوْ إِعْلَامِ الإِمَامِ بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ .. فَلَا. وَلَوْ خَافَ خِيَانتَهُمْ .. فَلَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إِلَيْهِمْ وَيُبَلِّغُهُمُ الْمَأْمَنَ، وَلَا يَنْبُذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِتُهَمَةٍ. وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ، فَإِنْ شُرِطَ .. فَسَدَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ، === البعض وسكوت الباقين هدنة في حق الكل، وهذا بخلاف عقد الجزية؛ حيث لا ينتقض إلا بتصريح الجميع؛ لقوته وضعف الهدنة. (فإن أنكروا باعتزالهم أو إعلام الإمام ببقائهم على العهد .. فلا) ينتقض العهد في حقهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، وإنما ذكر مثالين؛ لأن الأولَ للإنكار الفعلي، والثانيَ للقولي. (ولو خاف خيانتهم) بشيء لو أظهروه انتقض عهدهم، وظهرت أمارة تدل على ذلك ( .. فله نبذ عهدهم إليهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ الآية. وأفهم: أنه إذا لم يخف الخيانة .. لا يجوز نبذ عهدهم، ومنه يعلم أن عقدها لازم. (ويبلغهم المأمن) بعد استيفاء ما وجب عليهم من الحقوق؛ وفاء بالعهد. (ولا ينبذ عقد الذمة بتهمة)، بخلاف الهدنة، والفرق: أن في عقد الذمة يغلب جانبهم، ولهذا تجب الإجابة إليه إذا طلبوا، وفي الهدنة يغلب جانبنا، ولهذا لا تجب الإجابة، وأيضًا فعقد الذمة آكد؛ لأنه مؤبد، وهو عقد معاوضة. (ولا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم)، بخلاف رد الرجل والمرأة الكافرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولأنه لا يُؤمن أن يصيبها زوجها الكافر، أو أن تُزوَّج من كافر. ولو أسقط المصنف (تأتينا) .. لكان أحسن؛ لأن حكم من جاءت إلينا كافرة ثم أسلمت .. كذلك. (فإن شرط .. فسد الشرط) لأنه شرط أحل حرامًا، وسواء كان لها عشيرة أم لا (١)، (وكذا العقد في الأصح)، هذا هو الخلاف السابق في قوله: (وكذا شرط فاسد على الصحيح)، إلا أنه ضعّفه هناك وقوّاه هنا، فكرر وناقض.

стр. 2146

وَإِنْ شُرِطَ رَدُّ مَنْ جَاءَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ .. لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ إِلَى زَوْجِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ وَمَجْنُون، وَكَذَا عَبدٌ وَحُرٌّ لَا عَشِيرَةَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُرَدُّ مِنْ لَهُ عَشيرَةٌ طَلَبَتْهُ إِلَيْهَا لَا إِلَى غَيْرِهَا، إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطَّالِبِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ، === (وإن شرط رد من جاء، أو لم يذكر ردًّا)، بل أطلق العقد ولم يتعرض للرد بنفي ولا إثبات (فجاءت امرأة) مسلمة ( .. لم يجب دفع مهر إلى زوجها في الأظهر) لأن البضع ليس بمال يدخل في الأمان، والثاني: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، والمراد منه: الصداق، ولأن البضع متقوم وهو حقه، وقد أحلنا بينه وبينه. ومنع الأول كونَ المراد في الآية الصداقَ؛ لأنه لو وجب بدل البضع .. لكان مهر المثل لا ما أنفق الزوج، وهو المُسمَّى. (ولا يرد صبي ومجنون) لضعفهما؛ كالنساء، ولا يجوز الصلح بشرط ردهما. وقضية كلامه تبعًا للرافعي: أنه لا فرق في الصبي بين أن يصف الإسلام أم لا، وقال ابن الرفعة: الصبي إذا أظهر الإسلام وإن لم نحكم بإسلامه .. كالمرأة، صرّح به الماوردي وغيره، والحق به البَنْدَنيجي والرافعي المجنون (١). (وكذا عبد وحر لا عشيرة له على المذهب)، الخلاف في رد العبد المسلم وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه جاءنا مسلمًا مراغمًا لهم، والظاهر أنهم يستهينونه ولا عشيرة له تحميه، والثاني: يرد، بخلاف الأمة، لأن المنع في حقها خوف الفاحشة. وفي رد الحر طريقان: أصحهما: طرد الوجهين في العبد، وثانيهما: القطع بالرد؛ لأن الحرية مظنة القوة والاقتدار. (ويرد من له عشيرة طلبته إليها) لأن الظاهر أنهم يذبون عنه ويحمونه، وقد ردّ ﷺ أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو؛ كما رواه البخاري (٢)، (لا إلى غيرها) لأنهم يعذبونه، (إلا أن يقدر المطلوب على قهر الطالب والهرب منه)،

стр. 2147

وَمَعْنَى الرَّدِّ: أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوع، وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِب، وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ لَا التَّصْرِيحُ. وَلَوْ شَرَطَ أَن يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَّا .. لَزِمَهُمُ الْوَفَاءُ، === وعلى هذا حمل رد النبي ﷺ أبا بَصِير؛ فإنه جاء في طلبه رجلان، فقتل أحدَهما في الطريق، وهرب منه الآخر، رواه البخاري (١). (ومعنى الردّ: أن يخليَ بينه وبين طالبه، ولا يجبرُ على الرجوع) لأنه لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحرب، وعلى هذا حُمِلَ ردُّه ﵇ أبا بصير وأبا جندل، ولا تبعد تسمية التخلية ردًّا؛ كما في الوديعة. (ولا يلزمه) أي: المطلوبَ (الرجوعُ) لأن العهد لم يجرِ معه، ولذلك لم ينكر ﵇ على أبي بَصِير امتناعه. (وله قتل الطالب) لقصة أبي بصير، ولم ينكر عليه النبي ﷺ . (ولنا التعريض له به) لأن عمر ﵁ قال لأبي جندل حين رُدَّ إلى أبيه: (اصبر أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب)، يعرض له بقتل أبيه؛ كما رواه الإمام أحمد في "مسنده" (٢)، (لا التصريحُ) لأنهم في أمان. وما جزم به من قتل الطالب والتعريض به: أشار في "المحرر" إلى خلاف فيهما بقوله: (والظاهر)، لكن قال المصنف في "الدقائق": إنه أشار إلى احتمال فيه، ولم يرد إثبات خلاف فيه. انتهى (٣). واعترض: بأن المنع احتمال للإمام؛ كما ذكره في "الشرح"، وعده وجهًا في كلامه على رقوم "الوجيز" (٤). وقد أكثر المصنف من عدّ احتمالات الإمام والغزالي وجوهًا؛ كما سبق في غير موضع. (ولو شرط أن يردوا من جاءهم مرتدًّا منّا .. لزمهم الوفاء) عملًا بالتزامهم،

стр. 2148

فَإِنْ أَبَوْا .. فَقَدْ نَقَضُوا، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ شَرْطِ أَلَّا يَرُدُّوا. === (فإن أبوا .. فقد نقضوا) العهد؛ لمخالفتهم الشرطَ. (والأظهر: جواز شرط الا يردوا) من جاء مرتدًّا منّا؛ لأنه ﵇ شرط في صلح الحديبية: أن من جاءنا منكم .. رددناه، ومن جاءكم منا .. فسحقًا سحقًا (١)، والثاني: المنع، ولا بدّ من استرداده؛ لإعلاء الإسلام، وإقامة حكم المرتدين عليه، قال الماوردي: والصحيح عندي: صحة هذا الشرط في الرجال دون النساء؛ كما ذكرنا في شرط ردِّ من جاءنا مسلمًا؛ لأن الأبضاع يحتاط لها، وحاول تنزيل القولين على هذين الحالين؛ كذا نقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة"، وأقراه، وجزم به في "الحاوي الصغير" (٢)، وحينئذ فيجب تقييد إطلاق "الكتاب" به. * * *

стр. 2149

كتابُ الصَّيد والذَّبائح ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ بِذَبْحِهِ فِي حَلْقٍ أَوْ لَبَّةٍ إِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا .. فَبِعَقْرٍ مُزْهِقٍ حَيْثُ كَانَ. وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ، === (كتاب الصيد والذبائح) أفرد الصيد؛ لأنه مصدر، وجمع الذبائح؛ لأنها تكون بالسكين وبالسهم وبالجوارح. وأصل الباب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، والمذكى من الطيبات، ومن السنة ما سيأتي، والإجماع قائم على ذلك. (ذكاة الحيوان المأكول) البري (بذبحه في حلق أو لبة) بفتح اللام (إن قدر عليه) لقول عمر وابن عباس ﵃: (الذكاة في الحلق واللبة) رواه الشافعي، وروي مرفوعا بضعف (١)، وحكي فيه الإجماع. وتعريفه الذكاة بالذبح غير مستقيم؛ لأن الذكاة في اللغة: الذبح فإن فيه تعريف الشيء بنفسه، إلا أن يقال: المراد بالذبح: التام المفيد للأكل، وهو ما في الحلق واللبة لا مطلق الذبح، قاله أهل اللغة. وأورد: الجنين الموجود في بطن الأم؛ فإنه لم يذبح وهو حلال، وأجيب: بأن الكلام في الذكاة استقلالًا، والحل للجنين بطريق التبعية. (وإلا) أي: وإن لم يقدر عليه (فبعقر مزهق حيث كان) لما سيأتي (وشرط ذابح وصائد حل مناكحته) للمسلمين فتحل ذبيحة الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والمراد بالطعام: الذبائح، وبأهل الكتاب: اليهود والنصارى، فلا تحل ذبائح من عداهم؛ كالمجوس، وعباد الأوثان.

стр. 2150

وَتَحِلُّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوِ اصْطِيَادٍ .. حَرُمَ، وَلَوْ أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ؛ فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتلَ أَوْ أَنْهَاهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ .. حَلَّ، وَلَوِ انْعَكَسَ أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا أَوْ جُهِلَ أَوْ مُرَتّبًا وَلَمْ يُذَفِّفْ أَحَدُهُمَا .. حَرُمَ. وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ، وَمَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ فِي الأَظْهَرِ === وكان ينبغي أن يزيد في شروط الصائد كونه بصيرًا، فالأعمى لا يحل صيده؛ كما سيأتي. (وتحل ذكاة أمة كتابية) هذا مستثنى مما قبله؛ فإنها لا تحل مناكحتها وتحل ذبيحتها، والفرق تأثير كل من الرق والكفر في النكاح فيتعاضدان، ولا أثر للرق في الذبح؛ فلهذا جاز ذكاتها. (ولو شارك مجوسي مسلمًا في ذبح، أو اصطياد .. حرم) تغليبًا للتحريم، ولا بد من تقييد الاصطياد بالذي فيه تذكية، فلو شاركه في اصطياد لا تذكية فيه .. لم يحرم. (ولو أرسلا كلبين أو سهمين) أو أحدهما سهمًا، والآخر كلبًا (فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلى حركة مذبوح .. حل) ولا يقدح فيه ما وجد من المجوسي؛ كما لو ذبح مسلم شاة، ثم قدها المجوسي، فلو أدركه كلب المجوسي، أو سهمه وفيه حياة مستقرة، فقتله .. حرم، وضمنه المجوسي للمسلم؛ لأنه أفسد ملكه بجعله ميتة. (ولو انعكس) بأن سبق إليه المجوسي، فقتل أو أنهاه إلى حركة المذبوح (أو جرحاه معًا) وحصل الهلاك بهما (أو جهل) فلم يعلم أن كلب المجوسي قتله، أو كلب المسلم (أو مرتبًا ولم يذفف أحدهما .. حرم) تغليبًا للتحريم. ومسألة ما إذا جهل من زياداته على "المحرر" (١). (ويحل ذبح صبي مميز) لصحة قصده، (وكذا غير مميز ومجنون وسكران في الأظهر) لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة، وهذا ما رجحه في "المحرر"، وفي

стр. 2151

وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيٍ وَكَلْبٍ فِي الأَصَحِّ. وَتَحِلُّ مَيْتَةٌ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَلَوْ صَادَهُمَا مَجُوسِيٌّ، === "زيادة الروضة" ونص عليه في "الأم" (١)، والثاني: المنع؛ لفساد قصدهم، ورجحه جمع، واقتضاء كلام "الشرح الصغير" ترجيحه، ولا ترجيح في "الكبير"، وجعل البغوي موضع الخلاف في المجنون والسكران إذا لم يكن له تمييز أصلًا، فإن كان له أدنى تمييز .. حل قطعًا، وعكسه الإمام تبعا للفوراني، وتوسط في "البحر" فقال: الصحيح: إن كان له تمييز .. حل، وإلا .. فلا (٢). (وتكره ذكاة أعمى) لأنه قد يخطئ المذبح، (ويحرم صيده برمي وكلب) (وغيره من الجوارح (في الأصح) لعدم صحة قصده؛ لأنه لا يرى الصيد، فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، والثاني: يحل؛ كذبحه، قال الرافعي: والأشبه: أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصير على أن بحذائه صيدًا فرمى، أو أرسل الكلب عليه بدلالته، فإن لم يكن .. لم يحل قطعًا. والخلاف المذكور جارٍ في اصطياد الصبي والمجنون، كذا في "الروضة" و"أصلها"، ومقتضاه: استواء الترجيح، لكن صحح في "شرح المهذب" حل اصطيادهما (٣). (وتحل ميتة السمك والجراد) بالإجماع، وسواء مات طافيًا أو راسيًا، خلافًا لأبي حنيفة في الطافي، لنا حديث العنبر، وأنهم وجدوه بشاطئ البحر فأكلوا منه، ثم قدموا بشيء منه على النبي ﷺ فأكل منه (٤). (ولو صادهما مجوسي) لأن أكثر ما فيه أن يجعل ميتة، وميتتهما حلال، ولا اعتبار بفعله، قال في "زيادة الروضة": ولو ذبح مجوسي سمكة .. حلت أيضًا (٥).

стр. 2152

وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الطَّعَامِ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ إِذَا أُكِلَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُقْطَعُ بَعْضُ سَمَكَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ بَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً .. حَلَّ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا رَمَى صَيْدًا مُتَوَحِّشًا، أَوْ بَعِيرًا نَدَّ، أَوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ فِي الْحَالِ .. حَلَّ، === (وكذا الدود المتولد من الطعام؛ كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح) لعسر فصله، أما إذا أكل منفردًا .. فيحرم لنجاسته، أو استقذاره، والثاني: يحل مطلقًا؛ لأنه كجزء منه طبعًا وطعمًا والثالث: يحرم مطلقا؛ لأنه ميتة. وهذه المسألة من زيادة "المنهاج" على "المحرر"، وذكراها في "الشرحين" و"الروضة" في (اباب الطهارة) (١)، واللائق ذكرها في (باب الأطعمة). (ولا يقطع بعض سمكة) حية لما فيه من التعذيب (فإن فعل أو بلع سمكة حية .. حل في الأصح) أما في الأولى .. فلأن المبان كالميتة، وميتة هذا الحيوان حلال، ووجه مقابله: عموم قوله ﵇: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ .. فَهُوَ مَيِّتٌ" (٢)، وأما في الثانية: فلأنه ليس فيه أكثر من قتلها وهو جائز، ووجه مقابله: التعذيب من غير حاجة، ولما في جوفها من الرجيع، والخلاف جار في الجراد أيضًا. (وإذا رمى صيدًا متوحشًا، أو بعيرًا ند) أي: هرب (أو شاة شردت بسهم، أو أرسل عليه جارحة، فأصاب شيئًا من بدنه، ومات في الحال .. حل) ولا يختص بالحلق واللبة، أما في المتوحش .. فإجماع، وأما في الإنسي إذا هرب .. فلحديث رافع بن خديج ﵁: أن بعيرًا ند فرماه رجل بسهم فحبسه؛ أي: قتله، فقال ﵇: "إِن لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ (٣) كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا .. فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" متفق عليه (٤)، والشاة بالقياس عليه.

стр. 2153

وَلَوْ تَرَدَّى بَعِير وَنَحْوُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ .. فَكَنَادٍّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يَحِلُّ بإِرْسَالِ الْكَلْبِ، وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى تيَسَّرَ لُحُوقُهُ بِعَدْوٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ .. فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إِلَى الزُّهُوقِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ. وَإِذَا أَرْسَلَ سَهْما أَوْ كَلْبًا أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ؛ فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، أَوْ أَدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ؛ بِأَنْ سَلَّ السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانٍ أَوِ امْتَنَعَ بِقُوَّتهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ .. حَلَّ، === (ولو تردى بعير ونحوه في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه .. فكناد) في حله بالرمي، وفي "السنن الأربعة" من حديث أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله؛ أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة، فقال ﵇: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا .. لأَجْزَأَكَ" قال أبو داوود: هذا لا يصح إلا في المتردية والمتوحش (١). (قلت: الأصح: لا يحل) المتردي (بإرسال الكلب، وصححه الروياني والشاشي، والله أعلم) والفرق بينه وبين السهم: أن الحديد تستباح به الذكاة مع القدرة، بخلاف عقر الكلب، ووجه الحل: القياس على البعير الناد. (ومتى تيسر لحوقه) أي: الناد أو الصيد (بعدو، أو استغاثة بمن يستقبله .. فمقدور عليه) فلا يحل إلا بالذبح في المذبح. (ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق) كيف كان؛ لما تقدم في الحديث من ذكر الفخذ، وهي ليست محلًّا لجرح يذفف، فدل على أن القصد جراحة تفضي إلى الموت غالبًا، (وقيل: يشترط مذفف) لينزل منزلة قطع الحلقوم والمريء في المقدور عليه. (وإذا أرسل سهمًا، أو كلبًا، أو طائرًا على صيد فأصابه ومات؛ فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة، أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير؛ بأن سل السكين فمات قبل إمكان، أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة) عليه ( .. حل) كما لو مات ولم يدرك حياته. نعم؛ يستحب فيما إذا أدرك فيه حياة غير مستقرة إمرار السكين على مذبحه

стр. 2154

وَإِنْ مَاتَ لِتَقْصِيرِهِ؛ بِأَلَّا يَكُونَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ غُصِبَتْ أَوْ نَشِبَتْ فِي الْغِمْدِ .. حَرُمَ. وَلَوْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ .. حَلَّا، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ وَمَاتَ .. حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ، أَوْ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفِّفًا .. حَرُمَ الْعُضْوُ وَحَلَّ الْبَاقِي، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذبْحِهِ وَمَاتَ بِالْجُرْحِ .. حَلَّ الْجَمِيعُ، === ليذبحه؛ فإن لم يفعل وتركه حتى مات .. فهو حلال؛ لأنه قدر عليه في حالة لا يحتاج فيها إلى تذكية، ولو اشتغل بطلب المذبح، أو وقع منكسًا فاحتاج إلى قلبه أو اشتغل بتوجيهه إلى القبلة فمات .. حل. وقول المصنف: (فأصابه ومات) لا يستقيم جعله موردًا للتقسيم؛ فإن منها إدراكه بالحياة المستقرة، والميت لا حياة فيه، وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": فأصابه، ثم أدرك الصيد حيًّا (١). (وإن مات لتقصيره؛ بألا يكون معه سكين، أو غصبت، أو نشبت في الغمد) أي: علقت به ( .. حرم) للتقصير؛ لأن حق من يعاني الصيد أن يستصحب الآلة في غمد يوافق، وسقوطها منه وسرقتها تقصير. (ولو رماه فقده نصفين .. حلا) لحصول الجرح المذفف، وكذا الحكم لو قطعه قطعتين متفاوتتين. (ولو أبان منه عضوًا) كيد أو رجل (بجرح مذفف) بسيف أو غيره (ومات) في الحال ( .. حل العضو والبدن) لأن محل ذكاة الصيد كل البدن، (أو بغير مذفف ثم ذبحه، أو جرحه جرحًا آخر مذففًا .. حرم العضو) لأنه أبين من حي (وحل الباقي) لوجود الذكاة في الصورة الأولى، وقيام الجرح المذفف مقامها في الصورة الثانية، ومحله في الصورة الثانية: ما إذا لم يثبته (٢) بالجراحة الأولى، فإن أثبته (٣) بها .. فقد صار مقدورًا عليه، فيتعين ذبحه ولا تجزئ سائر الجراحات. (فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح) الأول ( .. حل الجميع) لأن الجرح

стр. 2155

وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْعُضْوُ. وَذَكَاةُ كُلِّ حَيَوَانٍ قَدَرَ عَلَيْهِ: بِقَطْعِ كُلِّ الْحُلْقُومِ -وَهُوَ مَخْرَجُ النَّفَسِ- وَالْمَرِيءِ؛ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ، وَهُمَا: عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيِ الْعُنُقِ. وَلَوْ ذَبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ .. عَصَى، فَإِنْ أَسْرَعَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ .. حَلَّ، وَإِلَّا .. فَلَا، وَكَذَا إِدْخَالُ سِكِّينٍ بِأُذُنِ ثَعْلَبٍ === السابق كالذبح للجملة فيتبعها العضو، (وقيل: يحرم العضو) لأنه أبين من حي، فأشبه ما إذا قطع ألية شاة ثم ذبحها .. لا تحل الألية، وهذا هو المصحح في "الشرحين" و"الروضة"، و"شرح المهذب" (١)، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر". (وذكاة كل حيوان قدر عليه: بقطع كلل الحلقوم -وهو مخرج النفس- والمريء؛ وهو مجرى الطعام) والشراب؛ لأن الحياة توجد بهما وتفقد بفقدهما. وخرج بالقطع: ما لو اختطف رأس عصفور أو غيره بيده أو ببندقة .. فإنه ميتة، وبقوله: (قدر عليه): ما لا يقدر عليه، وقد سلف، وبقوله: (كل الحلقوم): ما إذا قطع البعض وانتهى إلى حركة المذبوح، ثم قطع الباقي .. فلا يحل. (ويستحب قطع الودجين، وهما: عرقان في صفحتي العنق) لأنه أوحى وأسهل لخروج الروح؛ فهو من الإحسان في الذبح. (ولو ذبحه من قفاه) أو من صفحة عنقه ( .. عصى) للعدول عن محل الذبح؛ لما فيه من التعذيب. (فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة .. حل) لأن الذكاة صادفته وهو حي؛ كما لو قطع يد الحيوان ثم ذكاه، (وإلا) أي: وإن لم تبق فيه حياة مستقرة، بل وصل إلى حركة المذبوح لما انتهى إلى قطع المريء ( .. فلا) تحل؛ لأنه صار ميتة، فلا يفيد الذبح بعد ذلك. (وكذا إدخال السكين بأذن ثعلب) ليقطع الحلقوم والمريء داخل الجلد؛ لأجل جلده ففيه التفصيل المذكور في المسألة قبلها، وفعله حرام للتعذيب.

стр. 2156

ويُسَنُّ نَحْرُ إِبل وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ قَائِما مَعْقُولَ رُكْبَةٍ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ مُضْجَعَةً لِجَنْبِهَا الأَيْسَرِ، وَتترَكُ رِجْلُهَا الْيُمْنَى، وَتشُدُّ بَاقِي الْقَوَائِمِ، وَأَنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ، === (ويسن نحر إبل) وهو قطع اللبة أسفل العنق، (وذبح بقر وغنم) للاتباع (١)، والمعنى في نحر الإبل: أنه أسرع لخروج الروح منها لطول عنقها، قال ابن الرفعة: وقياس هذا إلحاق الزرافة إذا أبحنا أكلها، والنعامة، والإوز والبط، وكل ما طال عنقه بالإبل (٢)، ولا بد في نحر الإبل من قطع الحلقوم، والمريء؛ كما جزم به في "شرح المهذب" (٣). (ويجوز عكسه) أي: ذبح الإبل ونحر غيرها من غير كراهة؛ لعدم ورود نهي فيه، والخيل كالبقر، وكذا حمار الوحش وبقره. (وأن يكون البعير قائمًا معقول ركبة) يسرى؛ للاتباع (٤). (والبقرة والشاة مضجعة لجنبها الأيسر) للاتباع في الشاة (٥)، وقيس البقر عليها، واستحب على اليسار؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار. (وتترك رجلها اليمنى) لتستريح بتحريكها (وتشد باقي القوائم) كيلا تضطرب حالة الذبح، فيتضرر الذابح. (وأن يحد شفرته) لما في "مسلم": "وَلْيُحِدَّ شَفْرَتَهُ" (٦)، فلو ذبح بسكين كال .. حل بشرطين: ألا يحصل القطع بقوة الذابح وشدة تحامله، وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهائه إلى حركة المذبوح.

стр. 2157

وَيُوَجِّهَ لِلْقِبْلَةِ ذَبِيحَتَهُ، وَأَنْ يَقُولَ: (بِاسْمِ اللهِ)، ويُصلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلَا يَقُولُ: (بِاسْمِ اللهِ، وَاسْمِ مُحَمَّدٍ). === (ويوجه للقبلة ذبيحته) وفي الأضحية ونحوها آكد؛ لأنه ﵇ وجه كبشه إلى القبلة، والأصح: أنه يوجه مذبحها، والمعنى فيه كونها أفضل الجهات، لا وجهها؛ ليمكنه هو الاستقبال أيضًا، فإنه مندوب. (وأن يقول: "باسم الله") أو الرحمن أو الرحيم، ويكره تعمد ترك ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ولا تجب، فلو تركها ولو عمدًا .. حل؛ لأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهم لا يذكرونها، خلافًا لأبي حنيفة. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه﴾ فالمراد: ما ذكر عليه غير اسم الله؛ يعني: ما ذبح للأصنام؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وسياق الآية دال عليه؛ فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والحالة التي يكون فيها فسقًا هي الإهلال لغير الله، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، والإجماع على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسم عليها .. ليس بفاسق. (ويصلي على النبي ﷺ لأنه موطن شرع فيه ذكر الله، فشرع ذكر رسوله ﷺ ؛ كالأذان، والصلاة. (ولا يقول: "باسم الله واسم محمد") (١) فإن قاله: حرم؛ للتشريك؛ لأن من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه، واليمين باسمه، والسجود له لا يشاركه في ذلك مخلوق. * * *

стр. 2158

فَصْلٌ [في آلة الذبح والصيد] يَحِلُّ ذَبْحُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَجَرْحُ غَيْرِهِ بكُلِّ مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ وَحَجَرٍ وَزُجَاجٍ، إِلَّا ظُفْرًا وَسِنًّا وَسَائِرَ الْعِظَامِ، فَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ ثِقَلِ مُحَدَّدٍ، كَبُنْدُقَةٍ وَسَوْطٍ وَسَهْمٍ بِلَا نَصْلٍ وَلَا حَدٍّ، أَوْ سَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ، أَوْ جَرَحَهُ نَصْلٌ وَأَثَّرَ فِيهِ عُرْضُ السَّهْمِ فِي مُرُورِهِ وَمَاتَ بِهِمَا، أَوِ انْخَنَقَ بِأُحْبُولَةٍ، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَوَقَعَ بِأَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ .. حَرُمَ، === (فصل: يحل ذبح مقدور عليه، وجرح غيره بكل محدد يجرح؛ كحديد، ونحاس، وذهب) وفضة (وخشب، وقصب، وحجر، وزجاج) لأن ذلك أوحى لإزهاق الروح، (إلا ظفرًا وسنًّا وسائر العظام) لقوله ﵇: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ" متفق عليه (١). ويستثنى من الظفر والسن: ما قتله الكلب ونحوه بظفره أو نابه؛ فإنه يحل للحاجة. (فلو قتل بمثقل، أو ثقل محدد؛ كبندقة، وسوط، وسهم بلا نصل ولا حد، أو سهم وبندقة، أو جرحه نصل وأثر فيه عرض السهم في مروره ومات بهما، أو انخنق بأحبولة) منصوبة له (أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل، ثم سقط منه .. حرم) أما في القتل بالمثقل .. فلأنه موقوذة؛ لأن الموقوذة ما قتل بحجر، أو بما لا حد له، وأما موته بالسهم، والبندقة، وما بعدها .. فلأنه مات بسببين مبيح ومحرم فغلب المحرم؛ لأنه الأصل في الميتات.

стр. 2159

وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِالْهَوَاءِ فَسَقَطَ بِأَرْضٍ وَمَاتَ .. حَلَّ. وَيَحِلُّ الاصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ؛ كَكَلْبٍ وَفَهْدٍ وَبَازٍ وَشَاهِينٍ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُعَلَّمَةً؛ بِأَنْ تنزَجِرَ جَارِحَةُ السِّبَاعِ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ وَتستَرْسِلَ بِإِرْسَالِهِ، === ومسألة الأحبولة داخلة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، وكان ينبغي للمصنف إخراجها من بين صور الموت بسببين. وأما إذا أصابه سهم فوقع على جبل، ثم سقط منه .. فلأنه لا ندري من أيهما مات. ولو عبر بدل (أرض) بسطح، كما في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" .. لكان أولى (١)؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه أنه وقع بأرض، ولم ينتقل عنها، وأن قوله: (ثم سقط منه) يعود للجبل؛ لإفراده الضمير، وقد قال عقبه: إنه (لو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض، ومات .. حل)، فإن حمل كلامه أولًا على أنه وقع بارض عالية ثم سقط منها .. فليس في عبارته ما يدل عليه. (ولو أصابه سهم بالهواء) أو على شجرة، أو غيرها (فسقط بأرض ومات .. حل) لأن الوقوع على الأرض لا بد منه فعفي عنه؛ كما لو كان الصيد قائمًا فوقع على جنبه لما أصابه السهم، وانصدم بالأرض، وكلامه مقيد بما إذا جرحه السهم في الهواء جرحًا مؤثرًا، فلو لم يجرحه، بل كسر جناحه فوقع فمات، أو جرحه جرحًا لا يؤثر فعطل جناحه فوقع فمات .. لم يحل؛ لعدم مبيح بحال الموت عليه. (ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير؛ ككلب، وفهد، وباز، وشاهين) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: وصيد ما علمتم، (بشرط كونها معلمة) فإن لم تكن معلمة .. لم يحل ما قتلته، فإن أدركه وفيه حياة مستقرة .. فلا بد من ذبحه؛ لقوله ﵇ لأبي ثعلبة الخشني: "مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ .. فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ .. فَكُلْ" متفق عليه (٢). (بأن تنزجر جارحة السباع) أي: يقف (بزجر صاحبه، وتسترسل بإرساله) فإذا

стр. 2160

وَتُمْسِكَ الصَّيْدَ وَلَا تَأْكُلَ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الأَكْلِ فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ فِي الأَظْهَرِ، وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ هَذِهِ الأُمُورِ بِحَيْثُ يُظَنُّ تأدُّبُ الْجَارِحَةِ، وَلَوْ ظَهَرَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ثُمَّ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ .. لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ الصَّيْدُ فِي الأَظْهَرِ، ويُشْتَرَطُ تَعْلِيمٌ جَدِيدٌ، === أغراه على الصيد .. هاج؛ لقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قال الشافعي: إذا أمرت الكلب فأْتمر، وإذا نهيته فانتهى .. فهو مكلب، حكاه العبادي في "طبقاته" عن رواية يونس. (وتمسك الصيد، ولا تأكل منه) لحديث: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ .. فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ .. فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" متفق عليه (١). (ويشترط: ترك الأكل في جارحة الطير في الأظهر) قياسًا على جوارح السباع، والثاني: لا؛ لأن تركه يكون بالضرب، وهي لا تحمله، واقتصاره على هذا الشرط يقتضي أنه لا يشترط فيها غير ذلك، وليس كذلك، فقد اعتبر الرافعي الشرط الثاني، وهو استرسالها بالإرسال (٢)، قال الإمام: ولا مطمع في انزجار جوارح الطير بعد الطيران (٣). (ويشترط: تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة) والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح، وقيل: يشترط تكرره ثلاث مرات، وقيل: مرتين. (ولو ظهر كونه معلمًا، ثم أكل من لحم صيد) قبل قتله، أو بعده ( .. لم يحل ذلك الصيد في الأظهر) لأن عدم الأكل شرط في التعلم ابتداءً، فكذا دوامًا، والثاني: يحل، لأن الأصل بقاؤه على التأديب، والأكل يحتمل أن يكون لشدة جوع، أو غيظ على الصيد إذا أتعبه. وفصل جماعة فقالوا: إن أكل عقب القتل .. فالقولان، وإلا .. فيحل قطعًا. (ويشترط تعليم جديد) إذا قلنا بالتحريم؛ لفساد التعليم الأول، ولا ينعطف

стр. 2161

وَلَا أَثَرَ لِلَعْقِ الدَّمِ، وَمَعَضُّ الْكَلْبِ مِنَ الصَّيْدِ نَجِسٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهُ بِمَاءٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُقَوَّرَ وَيُطْرَحَ. وَلَوْ تَحَامَلَتِ الْجَارِحَةُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ بِثِقَلِهَا .. حَلَّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَسَقَطَ وَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ أَوِ احْتكَّتْ بِهِ شَاةٌ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَانْقَطَعَ حُلْقُومُهَا وَمَرِيئُهَا أَوِ أسْتَرْسَلَ كَلْبٌ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ .. لَمْ يَحِلَّ، وَكَذَا لَوِ اسْتَرْسَلَ فَأَغْرَاهُ صَاحِبُهُ فَزَادَ عَدْوُهُ فِي الأَصَحِّ، === التحريم على ما اصطاده من قبل خلافًا لأبي حنيفة. (ولا أثر للعق الدم) لأنه لا يقصد للصائد، والمنع منوط في الحديث بالأكل ولم يوجد. (ومعض الكلب من الصيد نجس) كغير ما ينجسه الكلب، (والأصح: أنه لا يعفى عنه) كولوغه، والثاني: نعم؛ لعسر الاحتراز. (وأنه يكفي غسله بماء وتراب) سبعًا كغيره (ولا يجب أن يقور ويطرح) لأنه لم يرد، والثاني: يجب؛ لأن الموضع تشَرَّب لعابه، فلا يتخلله الماء. (ولو تحاملت الجارحة على صيد .. فقتلته بثقلها .. حل في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولأنه يعز تعليمه ألا يقتل إلا جرحًا، والثاني: لا؛ لأنه آلة فلم يحل بثقله.؛ كالسلاح، ولأن الله تعالى سماها جوارح فينبغي أن تجرح، والأول قال: الجوارح الكواسب. (ولو كان بيده سكين فسقط وانجرح به صيد، أو احتكت به شاة وهو في يده فانقطع حلقومها ومريئها، أو استرسل كلب بنفسه فقتل .. لم يحل) أما في الأولى والثانية .. فلأن القصد يعتبر في الذبح ولم يوجد، وفي الثالثة: لم يرسل، وقد قيد ﵇ جواز الأكل بالإرسال، فقال: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ .. فَكُلْ" (١). (وكذا لو استرسل فأغراه صاحبه فزاد عدوه في الأصح) لاجتماع المحرم والمبيح فغلب المحرم، والثاني: يحل؛ لظهور أثر الإغراء بالعدو، فانقطع به الاسترسال، وصار كأنه جرح بإغراء صاحبه.

стр. 2162

وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِإِعَانَةِ رِيحٍ .. حَلَّ. وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا لاخْتِبَارِ قُوَّتهِ أَوْ إِلَى غَرَضٍ فَاعْتَرَضَ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ .. حَرُمَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَمَى صَيْدًا ظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ سِرْبَ ظِبَاءٍ فَأَصَابَ وَاحِدَة .. حَلَّتْ، وَإِنْ قَصَدَ وَاحِدَة فَأَصَابَ غَيْرَهَا .. حَلَّتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا .. حَرُمَ، === واحترز بقوله: (فزاد عدوه): عما إذا لم يزد .. فإنه يحرم جزمًا، وبقوله: (فأغراه) عما إذا زجره .. فإنه إن وقف ثم أغراه وقتل .. يحل جزما، وإن لم ينزجر ومضى على وجهه .. يحرم جزمًا. وقوله: (صاحبه) يفهم: أنه لو أغراه أجنبي .. لا يكون الحكم كذلك، وليس كذلك، فقد قال الشافعي في "المختصر": وسواء استشلاه - أي: أرسله - صاحبه، أو غيره (١)، قال في "البحر": ولا فرق بين أن يستشليه الأجنبي بإذن صاحبه، أو بغير إذنه إذا كان ممن تحل ذكاته. (ولو أصابه) أي: الصيد (سهم بإعانة ريح) وكان يقصر عنه لولا الريح ( .. حل) لأن الاحتراز عن هبوبها لا يمكن، فلا يتغير به حكم الإرسال. (ولو أرسل سهمًا لاختبار قوته، أو إلى غرض فاعترض صيد فقتله .. حرم في الأصح) لانتفاء قصده، والثاني: يحل، لوجود قصد الفعل، وكذا لو أرسله على ما لا يؤكل كذئب، فأصاب صيدًا لم يحل في الأصح. (ولو رمى صيدًا ظنه حجرًا، أو سرب ظباء فأصاب واحدة .. حلت) أما في الأولى .. فلأنه قتله بفعله ولا اعتبار بظنه، وأما في الثانية .. فلأنه قصدَ السرب، وهذا منه. (وإن قصد واحدة) من السرب (فأصاب غيرها) من ذلك السرب أو غيره ( .. حلت في الأصح) لوجود قصد الصيد، والثاني: المنع؛ لإصابته غير ما قصده. (ولو غاب عنه الكلب والصيد) قبل أن يجرحه الكلب (ثم وجده ميتًا .. حرم) لاحتمال موته بسبب آخر، ولا أثر لتضمخه بدمه فربما جرحه الكلب، وأصابته جراحة أخرى.

стр. 2163

وَإِنْ جَرَحَهُ وَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا .. حَرُمَ فِي الأَظْهَرِ. فَصْلٌ [فيما يملك به الصيد وما يذكر معه] يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِضَبْطِهِ بِيَدِهِ، وَبِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ، وَبِإِزْمَانٍ وَكَسْرِ جَنَاحٍ، وَبِوُقُوعِهِ فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا، وَبِإِلْجَائِهِ إِلَى مَضِيقٍ لَا يُفْلِتُ مِنْهُ === (وإن جرحه) الكلب، أو أصابه سهم فجرحه (وغاب، ثم وجده ميتًا ... حرم في الأظهر) لاحتمال موته بسبب آخر، والتحريم يحتاط له، والثاني: يحل، واختاره الغزالي (١)، وقال في "الروضة": إنه أصح دليلًا، وثبت فيه أحاديث صحيحة، ولم يثبت في التحريم شيء (٢). واعترضه البُلْقيني بما في "سنن البيهقي" بطرق حسنة في حديث عدي بن حاتم: "إِذَا رَأَيْتَ سَهْمَكَ فِيهِ، وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَهُ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ" (٣)، قال: فهذا تقييد لبقية الروايات المطلقة، وهو دال على التحريم في محل النزاع. انتهى ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن قد أنهاه بالجرح إلى حركة المذبوح، فإن أنهاه .. حل قطعًا، وما إذا لم يجد فيه غير جرحه، فإن وجد فيه جراحة أخرى، أو وجده في ماء .. حرم قطعًا. * * * (فصل: يملك الصيد بضبطه بيده) لأنه مباح فيملك بوضع اليد عليه؛ كسائر المباحات، (وبجرح مذفف، وبإزمان وكسر جناح) أو قصه بحيث يعجز عن الطيران والعدو جميعًا، (وبوقوعه في شبكة نصبها) للصيد (وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه) كبيت ونحوه؛ لأنه صار مقدورًا عليه. واحترز بقوله: (نصبها): عما لو وقعت الشكبة من يده فتعلق بها صيد .. فإنه لا يملكه على الأصح.

стр. 2164

وَلَوْ وَقَعَ صَيْدٌ فِي مِلْكِهِ وَصَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ بِتَوَحُّلٍ وَغَيْرِهِ .. لَمْ يَمْلِكْهُ فِي الأَصَحِّ، وَمَتَى مَلَكَهُ .. لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ بِانْفِلَاتِهِ، وَكَذَا بِإرْسَالِ الْمَالِكِ لَهُ فِي الأَصَحِّ === وكان ينبغي أن يقول: (نصبها له) كـ "المحرر" (١) فإن مجرد نصبها لا يكفي حتى يقصد نصبها للصيد، وكذا إذا أرسل كلبا على صيد فأثبته. والضابط الجامع لذلك: إبطال الامتناع، وحصول الاستيلاء عليه، هذا إذا لم يكن عليه أثر ملك، كوسم، وقص جناح، وقرط، ونحوه، فإن كان كذلك .. لم يملكه، بل هو ضالة أو لقطة. (ولو وقع صيد في ملكه وصار مقدورًا عليه بتوحل وغيره .. لم يملكه في الأصح) لأن مثل هذا لا يقصد به الاصطياد، والقصد مرعي في التمليك، والثاني: يملكه كالشبكة. قال الإمام: ومحل الخلاف: فيما إذا لم يكن سقيُ الأرض مما يقصد به توحل اورب فإن كان .. فكنصب الشبكة، وكلام الروياني يقتضيه، كذا نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عنهما وأقراه، لكن حكيا في (إحياء الموات) عن الإمام: أن توحل الصيد في أرضه التي سقاها لا يقتضي الملك وإن قصده، وأقراه، كذا في "المهمات" (٢)، وقال البُلْقيني: لا تناقض بينهما، فالمذكور في (الإحياء) قصد التملك، والمذكور هنا أن يكون التوحل مما يقصد به في العادة الاصطياد. (ومتى ملكه .. لم يزل ملكه بانفلاته) كما لو أبق العبد. نعم؛ لو انفلت من الشبكة المنصوبة لقطعه إياها .. زال ملكه عنه، وعاد إلى الإباحة، وتملكه من يصطاده؛ كما نقله في "أصل الروضة" عن الماوردي، وقال في "شرح المهذب": إنه المذهب (٣). (وكذا بإرسال المالك له في الأصح) لأن رفع اليد عنه لا يقتضي زوال الملك؛ كما لو سيب دابته، بل لا يجوز ذلك؛ لأنه يشبه السوائب، قال القفال: والعوام

стр. 2165

وَلَوْ تَحَوَّلَ حَمَامُهُ إِلَى بُرْجِ غَيْرِهِ .. لَزِمَهُ رَدُّهُ، فَإِنِ اخْتَلَطَ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ .. لَمْ يَصِحَّ بَيْعُ أَحَدِهِمَا وَهِبَتُهُ شَيْئًا مِنْهُ لِثَالِثٍ، وَيَجُوزُ لِصَاحِبهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ بَاعَاهُمَا وَالْعَدَدُ مَعْلُومٌ وَالْقِيمَةُ سَوَاءٌ .. صَحَّ، وَإِلَّا .. فَلَا === يحتسبون به، ويسمونه إعتاقًا، ومن حقه أن يحترز عنه؛ لأن الطائر المخلى يختلط بالطيور المباحة، فيأخذه الآخذ، ويظن أنه قد ملكه، وهو لا يملكه، والثاني: يزول؛ كعتق عبده، والثالث: إن قصد بإرساله التقرب إلى الله تعالى .. زال، وإلا .. فلا. ومحل كلام المصنف: في غير المحرم، أما لو أحرم وفي ملكه صيد .. فإنه يجب إرساله، ويزول ملكه عنه. (ولو تحول حمامه إلى برج غيره .. لزمه رده) إن تميز؛ لبقاء ملكه؛ كالضالة، فإن حصل بينهما بيض، أو فرخ .. فهو لمالك الأنثى دون الذكر. (فإن اختلط وعسر التمييز .. لم يصح بيع أحدهما وهبته شيئًا منه لثالث) لأنه لا يتحقق الملك فيه؛ فإنه كما يحتمل كون ذلك المبيع ملكه يحتمل أن يكون ملكًا للآخر. (ويجوز لصاحبه في الأصح) للضرورة؛ لأن الشروط ترتفع عند التعذر، ولذلك صحت الجعالة والقراض مع اشتمالهما على الجهالة، والثاني: المنع؛ لعدم تحقق الملك. وينبغي تخصيص الخلاف بما إذا جهلا العدد والقيمة؛ فإن علماهما .. فيظهر القطع بالصحة، كذا قاله ابن الملقن، والأَذْرَعي وغيرهما (١). (فإن باعاهما) أي: باعا الحمام المختلط لثالث، ولا يدري أحدهما عين ماله (والعدد معلوم والقيمة سواء .. صح) لصحة التوزيع على أعدادها، وتحتمل الجهالة في المبيع للضرورة، فإن كان للواحد مئة وللآخر مئتان .. كان الثمن أثلاثًا. (وإلا) أي: وإن كان العدد مجهولًا والقيمة متفاوتة ( .. فلا) يصح؛ لأنه لا يعرف كل واحد ما يستحقه من الثمن، قال الرافعي تبعًا للإمام: (والطريق: أن

стр. 2166

وَلَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ اثنانِ مُتَعَاقِبَانِ؛ فَإِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الأَوَّلِ .. فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ ذَفَّفَ الأَوَّلُ .. فَلَهُ، وَإِنْ أَزْمَنَ .. فَلَهُ، ثُمَّ إِنْ ذَفَّفَ الثَّانِي بِقَطْع حُلْقُومٍ وَمَرِيءٍ .. فَهُوَ حَلَالٌ، وَعَلَيْهِ لِلأَوَّلِ مَا نَقَصَ بِالذَّبْحِ، وَإِنْ ذَفَّفَ لَا بِقَطْعِهِمَا أَوْ لَمْ يُذفِّفْ وَمَاتَ بِالْجُرْحَيْنِ .. فَحَرَامٌ، وَيَضْمَنُهُ الثَّانِي لِلأَوَّلِ. وَإِنْ جَرَحَا مَعًا وَذَفَّفَا أَوْ أَزْمَنَا .. فَلَهُمَا، وَإِنْ ذَفَّفَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَزْمَنَ دُونَ الآخَرِ .. فَلَهُ، وَإِنْ ذَفَّفَ وَاحِدٌ وَأَزْمَنَ آخَرُ وَجُهِلَ السَّابِقُ .. حَرُمَ عَلَى === يقول كل واحد منهما: "بعتك الحمام الذي في هذا البرج بكذا" فيكون الثمن معلومًا، ويحتمل الجهل في المبيع للضرورة) (١). (ولو جرح الصيد اثنان متعاقبان؛ فإن ذفف الثاني، أو أزمن دون الأول) أي: لم يوجد منه تذفيف ولا إزمان ( .. فهو للثاني) لأن جرحه هو المؤثر في امتناعه، ولا شيء على الأول بجراحته؛ لأنه كان مباحًا حينئذ. (وإن ذفف الأول .. فله) لما سبق، وعلى الثانى أرش ما نقص من لحمه وجلده؛ لأنه جنى على ملك الغير، (وإن أزمن) الأول ( .. فله) لإزمانه إياه. (ثم إن ذفف الثاني بقطع حلقوم ومريء .. فهو حلال، وعليه للأول ما نقص بالذبح) وهو ما بين قيمته زمنًا ومذبوحا، كما لو ذبح شاة غيره بغير إذنه. (وإن ذفف لا بقطعهما، أو لم يذفف ومات بالجرحين .. فحرام) أما الأولى .. فلأن المقدور عليه لا يحل إلا بذبحه، وأما الثانية .. فلاجتماع المبيح والمحرم؛ كما لو اشترك في الذبح مسلم ومجوسي، (ويضمنه الثاني للأول) لأنه أفسد ملكه، وفيما يضمنه تفصيل يطول ذكره. (وإن جرحا معًا وذففا أو أزمنا .. فلهما) لاشتراكهما في سبب الملك، ولا مزية لأحدهما على الآخر. (وإن ذفف أحدهما أو أزمن دون الآخر .. فله) لانفراده بسبب الملك، ولا ضمان على الآخر؛ لوقوع جراحته حين كان مباحًا. (وإن ذفف واحد) لا بقطع الحلقوم (وأزمن آخر وجهل السابق .. حرم على

стр. 2167

المذهب) لاجتماع الحظر والإباحة؛ فإنه يحتمل سبق التذفيف .. فيحل، أو تأخره .. فلا يحل إلا بقطع الحلقوم ولم يوجد، والطريق الثاني: حكاية قولين؛ كما لو جرح الصيد وغاب ثم وجده ميتًا، ومن قال بالأول فرق بأن هناك جرحًا سابقًا يحال عليه الموت (١)، وهو معهود في القصاص وغيره، وهنا بخلافه، والاعتبار في الترتيب والمعية بالإصابة لا بابتداء الرمي. * * *

стр. 2168

كتاب الأضحية هِيَ سُنَّةٌ لَا تَجِبُ إِلا بِالْتِزَامٍ، وَيُسَنُّ لِمُرِيدِهَا أَلَّا يُزِيلَ شَعْرَهُ وَلَا ظُفْرَهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ حَتَّى يُضَحِّيَ، === (كتاب الأضحية) هي بتشديد الياء وتخفيفها، وبكسر الهمزة وضمها. سميت بذلك؛ لأنها تفعل في الضحى، وهو ارتفاع النهار فسميت بأول زمن فعلها. والأصل فيها قبل الأجماع: قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ على الأشهر أن المراد بالصلاة: صلاة العيد، وبالنحر: الضحايا، وفي "الصحيحين": أنه ﷺ ضحى بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفحاتهما (١). (هي سنة) على الكفاية، وليست بواجبة، إذا أتى بها واحد من أهل البيت .. تأدى عن الكل حق السنة؛ لحديث: "أُمِرْتُ بِالنَّحْرِ، وَهُوَ سُنَّةٌ لَكُمْ" رواه الترمذي، وليست بواجبة؛ لحديث: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" (٢). وكان أبو بكر وعمر ﵄ لا يضحيان مخافة أن يُرى ذلك واجبًا، رواه البيهقي بإسناد حسن (٣). والضمير في قوله: (هي) عائد إلى الأضحية، وهو لا يصح؛ فإن الأضحية اسم للشاة ونحوها، فلو قال: التضحية كما في "الروضة" .. لاستقام (٤). (لا تجب إلا بالتزام) كسائر القرب. (ويسن لمريدها ألا يزيل شعره ولا ظفره في عشر ذي الحجة حتى يضحي) لقوله

стр. 2169

وَأَنْ يَذْبَحَهَا بِنَفْسِهِ، وَإِلَّا .. فَيَشْهَدَهَا. وَلَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ إِبلٍ وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَشَرْطُ إِبلٍ أَنْ يَطْعَنَ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ، وَبَقَرٍ وَمَعْزٍ فِي الثَّالِثَةِ، وَضَأْنٍ فِي الثَّانِيَةِ. وَيَجُوزُ ذكَرٌ وَأُنْثَى، === ﵇: "إِذَا رَأَيْتُمْ هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ .. فَلْيُمْسِكْ عَنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ" رواه مسلم (١). والحكمة فيه: أن يبقى كامل الأجزاء؛ ليشملها المغفرة والعتق من النار. (وأن يذبحها بنفسه؛ للاتباع (٢). نعم؛ تستثنى المرأة، فإن الأفضل لها: أن توكل رجلًا؛ كما قاله في "شرح المهذب"، وجزم به في "التصحيح" (٣). (وإلا .. فيشهدها) لأنه ﵇ أمر فاطمة ﵂ بذلك؛ كما رواه الحاكم وصحح إسناده (٤). (ولا تصح إلا من إبل، وبقر، وغنم) لقوله تعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، ولأنها عبادة متعلقة بالحيوان، فاختصت بالأنعام؛ كالزكاة. (وشرط إبل: أن يطعن في السنة السادسة، وبقر ومعز في الثالثة، وضأن في الثانية) بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" (٥). نعم؛ لو أجذعت الشاة من الضأن؛ أي: سقطت سنها قبل تمام السنة .. أجزت؛ كما نقله الرافعي عن العبادي والبغوي، ويكون ذلك منزلة البلوغ بالاحتلام، وجرى عليه في "الروضة" و"شرح المهذب" (٦). (ويجوز ذكر وأنثى) بالإجماع. نعم؛ التضحية بالذكر أفضل على الأصح؛ لأن لحمه أطيب.

стр. 2170

وَخَصِيٌّ، وَالْبَعِيرُ وَالْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ، وَأَفْضَلُهَا بَعِيرٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ ثُمَّ ضَأْنٌ ثُمَّ مَعْزٌ، وَسَبع شِيَاهٍ أَفْضَلُ مِنْ بَعِيرٍ، وَشَاةٌ أَفْضَلُ مِنْ مُشَارَكَةٍ فِي بَعِيرٍ. وَشَرْطُهَا سَلَامَةٌ مِنْ عَيْبٍ يَنْقُصُ لَحْمًا؛ === (وخصي) للاتباع (١). (والبعير والبقرة عن سبعة) للنص فيه؛ كما رواه مسلم (٢)، (والشاة عن واحد) فلو اشترك اثنان في شاة .. لم يجز، والأحاديثُ المخالفة لذلك كحديث: "اللَّهُمَّ؛ هَذَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ" (٣) .. محمولةٌ على أن المراد: التشريك في الثواب لا في الأضحية. (وأفضلها بعير) لأنه أكثر لحمًا (ثم بقرة) لأنها كسبع شياه (ثم ضأن ثم معز) لأن لحم الضأن أطيب من المعز. (وسبع شياه أفضل من بعير) ومن بقرة؛ لأن لحم الغنم أطيب، والدم المراق أكثر، (وشاة أفضل من مشاركة) بسبع (في بعير) للانفراد بإراقة الدم، وطيب اللحم. (وشرطها) أي: الأضحية (سلامة من عيب ينقص لحمًا) في الحال؛ كقطع فلقة من الفخذ ونحوه، أو في المآل؛ كعرج بين ونحوه مما سيأتي؛ لأنه ينقص رعيها فتهزل. وكان الأولى أن يقول: (ينقص مأكولًا) بدل (لحم) فإن مقطوعة الألية لا تجزئ، مع أنها ليست بلحم. وقضية كلامه: عدم إجزاء التضحية بالحامل؛ لأن الحمل يهزلها، وهو ما حكاه في "شرح المهذب" في أواخر (زكاة الغنم) عن الأصحاب (٤). وما وقع في "الكفاية": من أن المشهور: إجزاؤها؛ لأن ماحصل من نقص

стр. 2171

فَلَا تُجْزِئُ عَجْفَاءُ، وَمَجْنُونَةٌ، وَمَقْطُوعَةُ بَعْضِ الأُذُنِ، وَذَاتُ عَرَجٍ وَعَوَرٍ وَمَرَضٍ وَجَرَبٍ بَيِّنٍ، وَلَا يَضُرُّ يَسِيرُهَا، وَلَا فَقْدُ قُرُونٍ، وَكَذَا شَقُّ أُذُنٍ وَخَرْقُهَا وَثَقْبُهَا فِي الأَصَحِّ === اللحم ينجبر بالجنين .. ليس بمعتمد (١). (فلا تجزئ عجفاء) وهي التي ذهب مخها من غاية الهزال؛ لحديث: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضةُ الْبيق مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي" رواه الأربعة، وصححه ابن حبان (٢)، ومعنى (لا تنقي) أي: لا نِقْي لها، وهو المخ. (ومجنونة) لأنه ورد النهي عن الثَّوْلاء (٣)، وهي المجنونة التي تستدبر المرعى، ولا ترعى إلا القليل، وذلك يورث الهزال. (ومقطوعة بعض الأذن) وإن قل؛ لذهاب جزء مأكول. (وذات عرج وعور ومرض وجرب بين) للحديث المار. وقضية عطف الجرب على المرض: أنه غير المرض، وليس كذلك، بل هو نوع منه؛ كما قاله الرافعي، بل نقل في "البيان" عن الأصحاب: أن المراد بالمريضة في الحديث: الجرباء (٤). (ولا يضر يسيرها) أي: يسير الأربعة المذكورة؛ لعدم تأثيره في اللحم، (ولا فقد قرون) لأنه لا يتعلق بالقرن عظيم غرض. (وكذا شق أذن وخرقها وثقبها في الأصح) بشرط ألا يسقط من الأذن شيء؛

стр. 2172

قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: يَضُرُّ يَسِيرُ الْجَرَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ مُضِيُّ قَدْرِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. === لأنه لا ينقص من لحمها شيئًا، والثاني: يضر ذلك؛ لصحة النهي عن التضحية بالخرقاء، وهي مخروقة الأذن، والشرقاء، وهي مشقوقة الأذن (١). والأول حمل النهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين مفهوم العدد في قوله ﵇: "أَرْبَع لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي ... " الحديث (٢)، فإنه يقتضي جواز ما سواها. والجمع بين الخرق والثقب تبع فيه "المحرر" (٣)، ولا وجه له؛ فإن الرافعي فسر الخرق بالثقب (٤). (قلت: الصحيح المنصوص: يضر يسير الجرب، والله أعلم) لأنه يفسد اللحم، والثاني: لا يضر؛ كالمرض. (ويدخل وقتها) أي: التضحية (إذا ارتفعت الشمس كرمح يوم النحر، ثم مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين) فإن ذبح قبل ذلك .. فشاة لحم؛ لحديث: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ .. فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ" متفق عليه (٥). ومقتضى قوله: (خفيفتين): اعتبار الخفة في الخطبتين خاصة، وهو وجه، والأصح: اعتبارها في الركعتين أيضًا، فلو قال: (خفيفات) .. لاستقام، ووقع في "مناسك المصنف": (معتدلتين) بدل (خفيفتين) (٦)، واستغرب. (ويبقى) وقت التضحية (حتى تغرب آخر التشريق) لقوله ﵇: "في كُلِّ

стр. 2173

قُلْتُ: ارْتفَاعُ الشَّمْسِ فَضِيلَةٌ، وَالشَّرْطُ طُلُوعُهَا، ثُمَّ مُضِيُّ قَدْرِ الرَّكْعَتَيْنِ وَالْخُطْبَتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ نَذَرَ مُعَيَّنَةً فَقَالَ: (للهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ) .. لَزِمَهُ ذَبْحُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا .. لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا وَيَذْبَحَهَا فِيهِ، === أيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ" رواه ابن حبان في "صحيحه" (١). نعم، تكره التضحية والذبح ليلًا. (قلت: ارتفاع الشمس فضيلة، والشرط طلوعها، ثم مضي قدر الركعتين، والخطبتين، والله أعلم) بناء على أن دخول صلاة العيد بطلوع الشمس، وهو ما جزم به في "الكتاب"، وصححه في "زيادة الروضة" (٢)، قال الأَذْرَعي ومن تبعه: والصواب من حيث النقل: ما في "المحرر"، فإن الجمهور عليه، وحكاه في "البحر" عن نص الشافعي في "المبسوط"، وهو الراجح من حيث الدليل كما قرره في "المطلب". (ومن نذر معينة فقال: "لله علي أن أضحي بهذه" .. لزمه ذبحها في هذا الوقت) ليقع أداء؛ لأنه الوقت السائغ شرعًا، فلو أخرها عن الوقت .. لزمه ذبحها بعده، وتكون قضاء؛ كما حكاه الروياني عن الأصحاب. (فإن تلفت قبله) بغير تفريط ( .. فلا شيء عليه) لأنها وديعة عنده، (وإن أتلفها .. لزمه أن يشتري بقيمتها) يوم الإتلاف (مثلها ويذبحها فيه) أي: في الوقت المذكور؛ لتعديه. وقضية كلامه: أنه يلزمه قيمتها فقط، حتى إنه لو لم يجد مثلها إلا بأكثر من قيمتها .. لم يلزمه شراؤها كالأجنبي، وهو وجه، والأصح: أنه يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها، وتحصيل مثلها، وعلى هذا: لو كانت قيمة يوم الإتلاف أكثر، ثم رخصت الغنم، وأمكن شراء مثل الشاة الأولى ببعضها .. فتشترى بها كريمة، أو

стр. 2174

وَإِنْ نَذَرَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَ .. لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فِيهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ .. بَقِيَ الأَصْلُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَتشتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ تَعْيِين، وَكَذَا إِنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا أُضْحِيَةً) فِي الأَصَحِّ، === شاتان فصاعدًا، وإن لم توجد كريمة، وفضل ما لا يفي بأخرى .. شارك به في ذبيحة أخرى على الأصح، فإن لم يمكن شراء شقص، لقلة الزائد فيشترى به لحم، ويتصدق به، أو يتصدق به دراهم؛ فيه وجهان. (وإن نذر في ذمته ثم عين) بأن قال: (لله علي أضحية)، ثم قال: (عينت هذه الشاة لنذري) .. تعين على الأصح، و (لزمه ذبحه فيه) أي: في الوقت؛ لأنه التزم أضحية في الذمة، والضحية مؤقتة، وقيل: لا تتأقت به؛ لثبوتها في الذمة؛ كدم الجبرانات. (فإن تلفت) المعينة (قبله .. بقي الأصل عليه في الأصح) لأن ما التزمه ثبت في ذمته، والمعين وإن زال ملكه فهو مضمون عليه؛ كما لو كان لرجل على آخر دين فاشترى منه سلعة بذلك الدين، ثم تلفت السلعة قبل التسليم في يد بائعها .. فإنه ينفسخ البيع ويعود الدين، كذلك هنا يبطل التعيين، ويعود ما في ذمته كما كان، والثاني: لا يجب الإبدال؛ لأنها تعينت بالتعيين. (وتشترط النية عند الذبح إن لم يسبق تعيين) وجه اشتراط النية: أنها عبادة، والأعمال بالنيات، وأما كونها عند الذبح: فلأن الأصل اقتران النية بأول الفعل، وهذا وجه، والأصح في "الشرح"، و"الروضة"، و"شرح المهذب": جواز تقديم النية في غير المعينة؛ كما في تقديم النية على تفرقة الزكاة (١)، قال في "المهمات": لكن يشترط صدور النية بعد تعيين المذبوح، فإن كان قبله .. لم يجز كما صرحوا به في الزكاة، وهذا مثله (٢). (وكذا إن قال: "جعلتها أضحية" في الأصح) لأن التضحية قربة في نفسها فتحتاج إلى النية، والثاني: الاكتفاء بما سبق، ولا حاجة للتحديد؛ كما لو قال

стр. 2175

وَإِنْ وَكَّلَ بِالذَّبْحِ .. نَوَى عِنْدَ إِعْطَاءِ الْوَكِيلِ أَوْ ذَبْحِهِ، وَلَهُ الأَكْلُ مِنْ أُضْحِيَةِ تَطَوُّعٍ، === لعبده: (أعتقتك)، وبه جزما في "الروضة" و"أصلها" في المسألة العاشرة، فقالا: إنه لو ذبح أجنبي أضحية معينة ابتداءً في وقت الذبح .. فالمشهور: أنه يقع الموقع؛ لأن ذبحها لا يفتقر إلى نية، فإذا فعله غيره .. أجزأ؛ كإزالة النجاسة (١). (وإن وكل بالذبح .. نوى عند إعطاء الوكيل أو) عند (ذبحه) لأنه قائم مقامه، وهذا صريح في جواز تقديم النية على الذبح، وهو الأصح كما قدمناه، ويجوز أن يفوض النية إلى الوكيل المسلم دون الكافر (٢). (وله الأكل من أضحية تطوع) بل يستحب، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقيل: يجب الأكل؛ لظاهر الأمر. وقضية كلامه: منع الأكل من الواجبة مطلقًا، وهو قضية كلام الرافعي من حيث النقل، وصرح به في "شرح المهذب" (٣)، لكن الرافعي قال: يشبه أن يتوسط فيرجح في المعين الجواز، وفي المرسل في الذمة: المنع، سواء عين عنه، ثم ذبح المعين، أو ذبح بلا تعيين؛ لأنه عن دين في الذمة؛ كجبرانات الحج، وإلى هذا ذهب الماوردي، وعليه ينطبق سياق الشيخ أبي علي (٤). انتهى قال الأَذْرَعي: وهذا التفصيل قاله الماوردي تفقهًا، وأنكره عليه الشاشي، وقال: ليس له معنى يعول عليه، والفرق المذكور ضعيف، بل قد يقال: إن المعينة في الحال خرجت من ملكه؛ كالعتق فهي بالمنع أجدر، والصحيح المختار، والمنصوص عليه في "الأم": المنع مطلقًا. انتهى ثم الخلاف في غير نذر المجازاة، أما هو .. فلا يجوز الأكل منه قطعًا؛ لأنه وجب على سبيل المجازاة والمعاوضة فأشبه جزاء الصيد.
следующие страницы →