← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

فَلَا تُجْزِئُ عَجْفَاءُ، وَمَجْنُونَةٌ، وَمَقْطُوعَةُ بَعْضِ الأُذُنِ، وَذَاتُ عَرَجٍ وَعَوَرٍ وَمَرَضٍ وَجَرَبٍ بَيِّنٍ، وَلَا يَضُرُّ يَسِيرُهَا، وَلَا فَقْدُ قُرُونٍ، وَكَذَا شَقُّ أُذُنٍ وَخَرْقُهَا وَثَقْبُهَا فِي الأَصَحِّ === اللحم ينجبر بالجنين .. ليس بمعتمد (١). (فلا تجزئ عجفاء) وهي التي ذهب مخها من غاية الهزال؛ لحديث: "أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي: الْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضةُ الْبيق مَرَضُهَا، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْكَسِيرُ الَّتِي لَا تُنْقِي" رواه الأربعة، وصححه ابن حبان (٢)، ومعنى (لا تنقي) أي: لا نِقْي لها، وهو المخ. (ومجنونة) لأنه ورد النهي عن الثَّوْلاء (٣)، وهي المجنونة التي تستدبر المرعى، ولا ترعى إلا القليل، وذلك يورث الهزال. (ومقطوعة بعض الأذن) وإن قل؛ لذهاب جزء مأكول. (وذات عرج وعور ومرض وجرب بين) للحديث المار. وقضية عطف الجرب على المرض: أنه غير المرض، وليس كذلك، بل هو نوع منه؛ كما قاله الرافعي، بل نقل في "البيان" عن الأصحاب: أن المراد بالمريضة في الحديث: الجرباء (٤). (ولا يضر يسيرها) أي: يسير الأربعة المذكورة؛ لعدم تأثيره في اللحم، (ولا فقد قرون) لأنه لا يتعلق بالقرن عظيم غرض. (وكذا شق أذن وخرقها وثقبها في الأصح) بشرط ألا يسقط من الأذن شيء؛

стр. 2172

قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: يَضُرُّ يَسِيرُ الْجَرَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ مُضِيُّ قَدْرِ رَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. === لأنه لا ينقص من لحمها شيئًا، والثاني: يضر ذلك؛ لصحة النهي عن التضحية بالخرقاء، وهي مخروقة الأذن، والشرقاء، وهي مشقوقة الأذن (١). والأول حمل النهي على التنزيه؛ جمعًا بينه وبين مفهوم العدد في قوله ﵇: "أَرْبَع لَا تَجُوزُ فِي الأَضَاحِي ... " الحديث (٢)، فإنه يقتضي جواز ما سواها. والجمع بين الخرق والثقب تبع فيه "المحرر" (٣)، ولا وجه له؛ فإن الرافعي فسر الخرق بالثقب (٤). (قلت: الصحيح المنصوص: يضر يسير الجرب، والله أعلم) لأنه يفسد اللحم، والثاني: لا يضر؛ كالمرض. (ويدخل وقتها) أي: التضحية (إذا ارتفعت الشمس كرمح يوم النحر، ثم مضي قدر ركعتين وخطبتين خفيفتين) فإن ذبح قبل ذلك .. فشاة لحم؛ لحديث: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ .. فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ .. فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ" متفق عليه (٥). ومقتضى قوله: (خفيفتين): اعتبار الخفة في الخطبتين خاصة، وهو وجه، والأصح: اعتبارها في الركعتين أيضًا، فلو قال: (خفيفات) .. لاستقام، ووقع في "مناسك المصنف": (معتدلتين) بدل (خفيفتين) (٦)، واستغرب. (ويبقى) وقت التضحية (حتى تغرب آخر التشريق) لقوله ﵇: "في كُلِّ

стр. 2173

قُلْتُ: ارْتفَاعُ الشَّمْسِ فَضِيلَةٌ، وَالشَّرْطُ طُلُوعُهَا، ثُمَّ مُضِيُّ قَدْرِ الرَّكْعَتَيْنِ وَالْخُطْبَتَيْنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ نَذَرَ مُعَيَّنَةً فَقَالَ: (للهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِهَذِهِ) .. لَزِمَهُ ذَبْحُهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَتْلَفَهَا .. لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِقِيمَتِهَا مِثْلَهَا وَيَذْبَحَهَا فِيهِ، === أيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ" رواه ابن حبان في "صحيحه" (١). نعم، تكره التضحية والذبح ليلًا. (قلت: ارتفاع الشمس فضيلة، والشرط طلوعها، ثم مضي قدر الركعتين، والخطبتين، والله أعلم) بناء على أن دخول صلاة العيد بطلوع الشمس، وهو ما جزم به في "الكتاب"، وصححه في "زيادة الروضة" (٢)، قال الأَذْرَعي ومن تبعه: والصواب من حيث النقل: ما في "المحرر"، فإن الجمهور عليه، وحكاه في "البحر" عن نص الشافعي في "المبسوط"، وهو الراجح من حيث الدليل كما قرره في "المطلب". (ومن نذر معينة فقال: "لله علي أن أضحي بهذه" .. لزمه ذبحها في هذا الوقت) ليقع أداء؛ لأنه الوقت السائغ شرعًا، فلو أخرها عن الوقت .. لزمه ذبحها بعده، وتكون قضاء؛ كما حكاه الروياني عن الأصحاب. (فإن تلفت قبله) بغير تفريط ( .. فلا شيء عليه) لأنها وديعة عنده، (وإن أتلفها .. لزمه أن يشتري بقيمتها) يوم الإتلاف (مثلها ويذبحها فيه) أي: في الوقت المذكور؛ لتعديه. وقضية كلامه: أنه يلزمه قيمتها فقط، حتى إنه لو لم يجد مثلها إلا بأكثر من قيمتها .. لم يلزمه شراؤها كالأجنبي، وهو وجه، والأصح: أنه يلزمه أكثر الأمرين من قيمتها، وتحصيل مثلها، وعلى هذا: لو كانت قيمة يوم الإتلاف أكثر، ثم رخصت الغنم، وأمكن شراء مثل الشاة الأولى ببعضها .. فتشترى بها كريمة، أو

стр. 2174

وَإِنْ نَذَرَ فِي ذِمَّتِهِ ثُمَّ عَيَّنَ .. لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فِيهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ .. بَقِيَ الأَصْلُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَتشتَرَطُ النِّيَّةُ عِنْدَ الذَّبْحِ إِنْ لَمْ يَسْبِقْ تَعْيِين، وَكَذَا إِنْ قَالَ: (جَعَلْتُهَا أُضْحِيَةً) فِي الأَصَحِّ، === شاتان فصاعدًا، وإن لم توجد كريمة، وفضل ما لا يفي بأخرى .. شارك به في ذبيحة أخرى على الأصح، فإن لم يمكن شراء شقص، لقلة الزائد فيشترى به لحم، ويتصدق به، أو يتصدق به دراهم؛ فيه وجهان. (وإن نذر في ذمته ثم عين) بأن قال: (لله علي أضحية)، ثم قال: (عينت هذه الشاة لنذري) .. تعين على الأصح، و (لزمه ذبحه فيه) أي: في الوقت؛ لأنه التزم أضحية في الذمة، والضحية مؤقتة، وقيل: لا تتأقت به؛ لثبوتها في الذمة؛ كدم الجبرانات. (فإن تلفت) المعينة (قبله .. بقي الأصل عليه في الأصح) لأن ما التزمه ثبت في ذمته، والمعين وإن زال ملكه فهو مضمون عليه؛ كما لو كان لرجل على آخر دين فاشترى منه سلعة بذلك الدين، ثم تلفت السلعة قبل التسليم في يد بائعها .. فإنه ينفسخ البيع ويعود الدين، كذلك هنا يبطل التعيين، ويعود ما في ذمته كما كان، والثاني: لا يجب الإبدال؛ لأنها تعينت بالتعيين. (وتشترط النية عند الذبح إن لم يسبق تعيين) وجه اشتراط النية: أنها عبادة، والأعمال بالنيات، وأما كونها عند الذبح: فلأن الأصل اقتران النية بأول الفعل، وهذا وجه، والأصح في "الشرح"، و"الروضة"، و"شرح المهذب": جواز تقديم النية في غير المعينة؛ كما في تقديم النية على تفرقة الزكاة (١)، قال في "المهمات": لكن يشترط صدور النية بعد تعيين المذبوح، فإن كان قبله .. لم يجز كما صرحوا به في الزكاة، وهذا مثله (٢). (وكذا إن قال: "جعلتها أضحية" في الأصح) لأن التضحية قربة في نفسها فتحتاج إلى النية، والثاني: الاكتفاء بما سبق، ولا حاجة للتحديد؛ كما لو قال

стр. 2175

وَإِنْ وَكَّلَ بِالذَّبْحِ .. نَوَى عِنْدَ إِعْطَاءِ الْوَكِيلِ أَوْ ذَبْحِهِ، وَلَهُ الأَكْلُ مِنْ أُضْحِيَةِ تَطَوُّعٍ، === لعبده: (أعتقتك)، وبه جزما في "الروضة" و"أصلها" في المسألة العاشرة، فقالا: إنه لو ذبح أجنبي أضحية معينة ابتداءً في وقت الذبح .. فالمشهور: أنه يقع الموقع؛ لأن ذبحها لا يفتقر إلى نية، فإذا فعله غيره .. أجزأ؛ كإزالة النجاسة (١). (وإن وكل بالذبح .. نوى عند إعطاء الوكيل أو) عند (ذبحه) لأنه قائم مقامه، وهذا صريح في جواز تقديم النية على الذبح، وهو الأصح كما قدمناه، ويجوز أن يفوض النية إلى الوكيل المسلم دون الكافر (٢). (وله الأكل من أضحية تطوع) بل يستحب، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾، وقيل: يجب الأكل؛ لظاهر الأمر. وقضية كلامه: منع الأكل من الواجبة مطلقًا، وهو قضية كلام الرافعي من حيث النقل، وصرح به في "شرح المهذب" (٣)، لكن الرافعي قال: يشبه أن يتوسط فيرجح في المعين الجواز، وفي المرسل في الذمة: المنع، سواء عين عنه، ثم ذبح المعين، أو ذبح بلا تعيين؛ لأنه عن دين في الذمة؛ كجبرانات الحج، وإلى هذا ذهب الماوردي، وعليه ينطبق سياق الشيخ أبي علي (٤). انتهى قال الأَذْرَعي: وهذا التفصيل قاله الماوردي تفقهًا، وأنكره عليه الشاشي، وقال: ليس له معنى يعول عليه، والفرق المذكور ضعيف، بل قد يقال: إن المعينة في الحال خرجت من ملكه؛ كالعتق فهي بالمنع أجدر، والصحيح المختار، والمنصوص عليه في "الأم": المنع مطلقًا. انتهى ثم الخلاف في غير نذر المجازاة، أما هو .. فلا يجوز الأكل منه قطعًا؛ لأنه وجب على سبيل المجازاة والمعاوضة فأشبه جزاء الصيد.

стр. 2176

وَإِطْعَامُ الأَغْنِيَاءِ، لَا تَمْلِيكُهُمْ، وَيَأْكُلُ ثُلُثًا، وَفِي قَوْلىٍ: نِصْفًا، === (وإطعام الأغنياء) لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، قال مالك: أحسن ما سمعت: أن القانع: الفقير، والمعتر: الزائر (١)، (لا تمليكهم) ليتصرفوا فيه بالبيع وغيره، بل ترسل إليهم على سبيل الهدية؛ لأن الآية دلت على الإطعام لا التمليك، ولأن الأغنياء ضيفان الله تعالى على لحوم الأضاحي، والضيف لا يهب، ولكن يطعم، وهذا تبعا فيه الإمام، وهو من فقهه (٢). قال ابن الصلاح: وفيه نظر؛ فإن ما أطلقوه من جواز الإهداء إلى الأغنياء ظاهره الهدية المفيدة للملك الممكنة من التصرفات، قال ابن الرفعة: والظاهر: مع ابن الصلاح. (ويأكل ثلثًا) على الجديد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ جعلها على ثلاثة أقسام، وفسر المفسرون القانع بالذي يسأل، والمعتر بالذي يتعرض له ويحوم حوله، وعلى هذا: قيل: يتصدق بالثلثين الآخرين، وقيل: يأكل الثلث، ويتصدق بالثلث، ويهدي للأغنياء والمتجملين الثلث، ولم يرجحا في "الشرحين" و"الروضة" شيئًا (٣). نعم؛ صحح في "تصحيح التنبيه" الثاني (٤)، ونقله الأَذْرَعي عن نص "البويطي"، وجعل الرافعي في "التذنيب" المشهور: الأولى، وقال في "الشرح": يشبه ألا يكون في الحقيقة اختلاف، ولكن من اقتصر على التصدق بالثلثين .. ذكر ما هو الأحب، أو توسع .. فعد الهدية من الصدقة (٥). (وفي قول) قديم (نصفًا) ويتصدق بالنصف؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ فجعلها على قسمين.

стр. 2177

وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ تَصَدُّقٍ ببَعْضِهَا، وَالأَفْضَلُ: بِكُلِّهَا إِلَّا لُقَمًا يَتبَرَّكُ بِأَكْلِهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِجِلْدِهَا أَوْ يَنْتفِعُ بِهِ، وَوَلَدُ الْوَاجِبَةِ يُذْبَحُ، وَلَهُ أَكْلُ كُلِّهِ === والمقصود من كلام المصنف على ما دل عليه كلام "الروضة": أنه يستحب ألا يزيد في الأكل ونحوه على الثلث على الأول، ولا على النصف على الثاني، وليس المراد أنه يستحب أكل هذا القدر؛ كما عبر به في "البيان" (١)، والروياني في "الحلية". (والأصح: وجوب تصدق ببعضها) أي: مما ينطلق عليه الاسم؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ويكفي صرفه إلى مسكين واحد، ولا بد من تمليكه نيئًا، فلا يجزئ المطبوخ؛ فإنه يشبه الخبز في الفطرة، ولا يكفي التصدق بالجلد، والثاني: لا يجب التصدق، ويكفي في الثواب إراقة الدم بنية القربة. (والأفضل: بكلها) لأنه أقرب إلى التقوى، وأبعد عن حظ النفس (إلا لقمًا يتبرك بأكلها) عملًا بظاهر القرآن، وكان ﵇ يأكل من كبد أضحيته؛ كما رواه البيهقي (٢)، وللخروج من خلاف من أوجب الأكل. (ويتصدق بجلدها أو ينتفع به) والتصدق به أفضل، ولا يباع؛ لحديث: "مَنْ بَاعَ جِلْدَ أُضْحِيَتِهِ .. فَلَا ضَحِيَّةَ لَهُ" صححه الحاكم (٣). هذا في المتطوع بها، أما الواجبة .. فيجب التصدق بجلدها إذا قلنا: لا يجوز أن يأكل منها؛ كما ذكره في "شرح المهذب" (٤). (وولد الواجبة يذبح) لأن تعيينها يزيل الملك، فاستتبع الولد؛ كالعتق، فإن ماتت الأم .. بقي أضحية. (وله أكل كله) لأنه جزء منها، وليس بمستقل للتضحية، وهذا ما نقله الرافعي عن ترجيح الغزالي (٥)، وهو لا يصح إلا على القول بجواز الأكل من الواجبة، وقد

стр. 2178

وَشُرْبُ فَاضِلِ لَبَنِهَا. وَلَا تَضْحِيَةَ لِرَقِيقٍ، فَإِنْ أَذِنَ سَيِّدُهُ .. وَقَعَتْ لَهُ، وَلَا يُضَحِّي مُكَاتَبٌ بِلَا إِذْنٍ، وَلَا تَضْحِيَةَ عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا عَنْ مَيْتٍ إِنْ لَمْ يُوصِ بِهَا. === تقدم أن المذهب: منع الأكل منها مطلقًا، والغزالي ممن يجوز الأكل من المعينة، فلهذا جوز أكل جميع الولد، فإذًاا لمجزوم به في "الكتاب"، و"أصله" مفرع على الضعيف. (وشرب فاضل لبنها) عن ولدها، لقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، قال النخعي: إن احتاج إلى ظهرها .. ركب، وإن حلب لبنها .. شرب. وفرق بين الولد واللبن من ثلاثة أوجه: أحدها: أن بقاء اللبن معها يضرها، وثانيها: أن اللبن يستخلف مع الأوقات، فما يتلفه يعود فيسامح به، وثالثها: أنه لو جمعه .. لفسد. (ولا تضحية لرقيق) لعدم ملكه، والتضحية تعتمد الملك، هذا في كامل الرق، أما المبعض .. فهو فيما يملكه كالحر الكامل، (فإن أذن سيده .. وقعت له) أي: للسيد، وكأنه آلة، (ولا يضحي مكاتب بلا إذن) لأنها تبرع، فإن أذن .. فالقولان في تبرعه بالإذن، والأظهر: الجواز. (ولا تضحية عن الغير بغير إذنه) لأنها عبادة، والأصل ألا تفعل عن الغير إلا ما خرج بدليل لا سيما مع عدم الإذن، ويستثنى: تضحية الإمام عن المسلمين من بيت المال؛ فإنه يجوز، (ولا عن ميت إن لم يوص بها) لأنها عمل بدني كذا علل، وفيه نظر، فإن أوصى بها .. جاز، لما رواه الترمذي: (أن عليًّا ﵁ كان يضحي بكبشين أحدهما عن النبي ﷺ ، والآخر عن نفسه، فقيل له، فقال: أمرني به؛ يعني: النبي ﷺ فلا أدعه أبدًا) وصححه الحاكم وغيره (١). وما أطلقاه من المنع .. قاله صاحب "العدة" والبغوي، وأطلق أبو الحسن

стр. 2179

فَصْلٌ [في العقيقة] يُسَنُّ أَنْ يَعُقَّ عَنْ غُلَامٍ بِشَاتينِ، وَجَارِيَةٍ بِشَاةٍ، وَسِنُّهَا وَسَلَامَتُهَا وَالأَكْلُ وَالتَّصَدُّقُ كَالأُضْحِيَةِ، وَيُسَنُّ طَبْخُهَا، === العبادي جوازها؛ لأنه ضرب من الصدقة، والصدقة تصح عن الميت، وتنفعه، وتصل إليه بالإجماع (١). * * * (فصل في العقيقة: يسن أن يعق عن غلام بشاتين، وجارية بشاة) لحديث الحسن عن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ غُلَامٍ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِه، وَيُحْلَقُ، وَيُسَمَّى" رواه الأربعة، وقال الترمذي: حسن صحيح (٢). وعن أم كرز الكعبية ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ" رواه الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان (٣). (وسنها، وسلامتها) عن العيوب، (والأكل، والتصدق كالأضحية) وكذا الهدية، وقدر المأكول، وامتناع البيع؛ لأنها ذبيحة مندوب إليها، فأشبهت الأضحية. (ويسن طبخها) لقول عائشة ﵂: (إنه السنة) رواه البيهقي (٤)، ثم

стр. 2180

وَلَا يُكْسَرُ عَظْم، وَأَنْ تُذْبَحَ يَوْمَ سَابِعِ وِلَادَتِهِ، وَيُسَمَّى فِيهِ، وَيُحْلَقَ رَأْسُهُ بَعْدَ ذَبْحِهَا، وَيُتَصَدَّقَ بِزِنَتِهِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً، ويُؤَذَّن فِي أُذُنِهِ حِينَ يُولَدُ، وَيُحَنَّكَ بِتَمْرٍ. === قيل: يطبخ بحامض، والأصح: بحلو؛ تفاؤلًا بحلاوة أخلاق المولود. (ولا يكسر عظم) بل يقطع كل عضو من مفصله؛ تفاؤلًا بسلامة أعضاء المولود، فلو كسر .. لم يكره؛ لأنه طيرة، وقد نهي عنها. (وأن تذبح يوم سابع ولادته، ويسمى فيه، ويحلق رأسه بعد ذبحها) لحديث سمرة المار، ويحسب يوم الولادة من السبعة على المذهب في "شرح المهذب" (١). (ويتصدق بزنته ذهبًا أو فضة) لقوله ﵇ لفاطمة ﵂: "زِنِي شَعَرَ الْحُسَيْنِ وَتَصَدَّقِي بِوَرنهِ فِضَّةً" صححه الحاكم (٢)، ولم يرد ذكر الذهب في الأخبار، وإنما ألحق بالفضة قياسًا. وقضية كلام المصنف: التخيير بينهما، وعبارة الرافعي: ذهبًا، فإن تعذر .. ففضة (٣)، وعبارة " شرح المهذب": ذهبًا، فإن لم يفعل .. ففضة (٤). (ويؤذن في أذنه حين يولد) لأنه ﵇ أذن في أذن الحسين حين ولد بالصلاة، صححه أبو داوود (٥). (ويحنك بتمر) وهو أن يمضغه، ويدلك به حنكه؛ للحديث الصحيح فيه (٦)، فإن لم يكن تمر .. فشيء حلو. * * *

стр. 2181

كتاب الأطعمة حَيَوَانُ الْبَحْرِ السَّمَكُ مِنْهُ حَلَالٌ كَيْفَ مَاتَ، وَكَذَا غَيْرُهُ فِي الأَصَحِّ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إِنْ أُكِلَ مِثْلُهُ فِي الْبَرِّ .. حَلَّ، وَإِلَّا .. فَلَا، كَكَلْبٍ وَحِمَارٍ === (كتاب الأطعمة) هي: جمع طعام، والمراد: بيان ما يحل أكله وشربه من المطعوم والمشروب. والأصل في الباب: آيات؛ منها: قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ أي: ما تستطيبه أنفسكم. (حيوان البحر) وهو ما لا يعيش إلا في الماء، وعيشه خارجه كعيش المذبوح (السمك منه حلال كيف مات) سواء بسبب ظاهر؛ كصدمة حجر، أو انحسار ماء، أو مات حتف أنفه طافيًا أو راسيًا؛ لما سلف في (كتاب الصيد والذبائح). (وكذا غيره) أي: غير السمك (في الأصح) لإطلاق قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْر﴾ وقوله ﵇: "الْحِل مَيْتَتُهُ" (١)، وكلامه صريح في انقسام حيوان البحر إلى سمك وغيره، وهو مخالف لتصحيح " الروضة" و"أصلها": أن السمك يقع على جميعها (٢)، ولهذا أول قوله: (وكذا غيره) مما ليس على صورته، ويشهد له قول "الروضة": ما ليس على صورة السمك المشهورة (٣). (وقيل: لا) لأنه ﵇ خص السمك بالحل في قوله: "أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ: السَّمَكُ وَالْجَرَادُ" (٤)، فيبقى ما سواهما داخلًا تحت تحريم الميتة، (وقيل: إن أكل مثله في البر) كالبقرة، والشاة ( .. حل، وإلا) أي: وإن كان لا يؤكل ( .. فلا) يحل (ككلب وحمار) وخنزير؛ اعتبارًا لما في البحر بما في البر، ولأن الاسم يتناوله فأجري عليه حكمه، فعلى هذا: لو وجد ما لا نظير له في البر .. حل؛ لحديث

стр. 2182

وَمَا يَعِيشُ فِي بَرٍّ وَبَحْرٍ كَضِفْدَعٍ وَسَرَطَانٍ وَحَيَّةٍ .. حَرَامٌ، وَحَيَوَانُ الْبَرِّ يَحِلُّ مِنْهُ الأَنْعَامُ وَالْخَيْلُ === العنبر المشهور في الصحيح (١)، وتمثيله بالحمار تبع فيه "المحرر" (٢)، وليس في "الشرح"، وحكاه في "زيادة الروضة" عن صاحبي "الشامل" و"التهذيب" وغيرهما (٣)، ونازعه البُلْقيني في النقل عن "الشامل" وقال: إن الذي في "التهذيب" شذوذ، والصواب: إلحاقه بالوحشي؛ لأنه وحشي أيضًا، فإلحاق الوحشي بالوحشي أولى وإذا حكمنا بحل ما ليس على صورة السمك .. لم تشترط فيه الذكاة على الأصح. (وما يعيش في بر وبحر؛ كضفدع، وسرطان، وحية .. حرام) لأنه مستخبث وفيه ضرر، وقد صح النهي عن قتل الضفدع (٤)، والمنهي عن قتله محرم. واحترز بالمثال: عن البط، والإوز؛ فإنه يعيش فيهما، وهو حلال قطعًا، وسائر ذوات السموم كالحية، وكذا التمساح؛ للخبث والضرر. هذا حاصل كلام "الروضة" و"أصلها" (٥)، وقال في "شرح المهذب": الصحيح المعتمد: أن جميع ما في "البحر" يحل ميتته إلا الضفدع، وما ذكره الأصحاب، أو بعضهم من السلحفاة، والحية، والنسناس محمول على ما يكون في غير البحر (٦). (وحيوان البر يحل منه الأنعام) بالإجماع، وهي الإبل، والبقر، والغنم، (والخيل) لما في "الصحيحين" عن جابر ﵁ قال: (نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ورخص في لحوم الخيل) (٧).

стр. 2183

وَبَقَرُ وَحْشٍ وَحِمَارُهُ، وَظَبْيٌ وَضَبُعٌ وَضَبٌّ وَأَرْنَبٌ وَثَعْلَبٌ === وروى الإمام أحمد: (أنه أُكل في بيته) (١). وأما حديث خالد في النهي عن أكلها .. فقال الإمام أحمد وغيره: منكر، وقال أبو داوود منسوخ (٢). وأما الاستدلال على تحريمها بقوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، ولم يذكر الأكل مع أنه في سياق الامتنان .. فرده البيهقي وغيره بأن الآية مكية بالاتفاق، ولحوم الحمر إنما حرمت يوم خيبر سنة سبع بالاتفاق، فدل على أنه لم يفهم النبي ﷺ ولا الصحابة من الآية تحريمًا، لا للحمر ولا لغيرها، فإنها لو دلت على تحريم الخيل .. لدلت على تحريم الحمر، وهم لم يمنعوا منها، بل امتدت الحال إلى يوم خيبر فحرمت. (وبقر وحش وحماره) لأنها من الطيبات، وفي "الصحيحين": أن النبي ﷺ أكل الحمار الوحشي (٣). (وظبي) بالإجماع. (وضبع) لحديث: "الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ .. فَفِيهِ جَزَاءُ كَبْشٍ مُسِنٍّ، ويُؤْكَلُ" رواه الحاكم من حديث جابر، وقال: صحيح الإسناد (٤)، ولأن نابه ضعيف لا يتقوى ولا يعيش به، وقيل: إنه من أحمق الحيوان؛ لأنه يتناوم حتى يصاد. (وضب) لأنه أكل بحضرته الكريمة، وقال: "لَا آكُلُهُ، وَلَا أُحَرِّمُهُ" متفق عليه (٥). (وأرنب) لأنه ﵇ (أكل منه) كما أخرجه البخاري (٦). (وثعلب) لأنه من الطيبات، ونابه ضعيف.

стр. 2184

وَيَرْبُوعٌ وَفَنَكٌ وَسَمُّورٌ، وَيَحْرُمُ بَغْلٌ وَحِمَارٌ أَهْلِيٌّ، وَكُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ؛ كَأَسَدٍ وَنَمِرٍ وَذِئْبٍ وَدُبٍّ وَفِيلٍ وَقِرْدٍ وَبَازِ وَشَاهِينٍ وَصَقْرٍ وَنَسْرٍ وَعُقَابٍ، وَكَذَا ابْنُ آوَى وَهِرَّةُ وَحْشٍ فِي الأَصَحِّ === (ويربوع) لأن العرب تستطيبه، ونابه ضعيف. (وفنك، وسمور) وسنجاب، وقَاقُم، وحَوْصل؛ إلحاقًا لهم بالثعلب، والفنك بفتح الفاء والنون: دابة يفترى جلدها، والسمور بفتح السين، وتشديد الميم، قال ابن درستويه: هو دابة برية مثل السنور يتخذ من جلدها الفراء؛ للينها، وخفتها، ودفائها، وحسنها، وهو أعجمي معرب، ووقع في "تهذيب اللغات": أنه طائر معروف (١)، واستغرب. (ويحرم بغل) لتولده بين حرام وحلال؛ فإن تولد بين فرس وحمار وحش .. حل بلا خلاف. (وحمار أهلي) للنهي عن الحمر الأهلية، متفق عليه (٢). (وكل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير؛ كأسد، ونمر، وذئب، ودب، وفيل، وقرد، وباز، وشاهين، وصقر، ونسر، وعقاب) وجميع جوارح الطير؛ للنهي عن كل ذي ناب من السباع في "الصحيحين" (٣)، وعن كل ذي مخلب من الطير في "مسلم" (٤). والمراد بذي الناب - كما قاله الشافعي -: هو الذي يعدو على الحيوان بنابه طالبًا غير مطلوب. (وكذا ابن آوى، وهرة وحش في الأصح) أما ابن آوى .. فلأنه مستخبث، وأما الهرة الوحشية .. فلأنها تعدو بنابها، ووجه الحل في ابن آوى: أن نابه ضعيف، وفي الهرة: القياس على الحمار الوحشي، وكان الأولى: إطلاق الهرة بأن في الأهلية وجهًا أيضًا بالحل.

стр. 2185

وَيَحْرُمُ مَا نُدِبَ قَتْلُهُ كَحَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ وَغُرَابٍ أَبْقَعَ وَحِدَأَةٍ وَفَأْرَةٍ وَكُلِّ سَبُعٍ ضَارٍ، وَكَذَا رَخَمَةٌ وَبُغَاثةٌ، وَالأَصَحُّ: حِلُّ غُرَابِ زَرْعٍ، === (ويحرم ما ندب قتله، كحية، وعقرب، وغراب أبقع، وحدأة، وفأرة، وكل سبع ضار) لقوله ﵇: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" متفق عليه (١)، وفي رواية لـ "مسلم": "الْغُرَابُ الأَبْقَعُ" (٢). والمعنى فيه: أن الأمر بقتله إسقاط لحرمته، ومنع من اقتنائه، ولو أكل .. لجاز اقتناؤه، والأبقع: الذي فيه سواد وبياض، وتقييده الغراب بالأبقع يوهم حل غيره، وليس كذلك، فإن الغراب الأسود الكبير حرام على الأصح؛ لأكله الميتة. (وكذا رخمة) لخبث غذائها، (وبغاثة) كالحدأة، وهي: طائر أبيض بطيء الطيران أصغر من الحدأة، وأوله يجوز فيه الحركات الثلاث. (والأصح: حل غراب زرع) وهو أسود صغير يقال له: الزاغ، وقد يكون محمر المنقار والرجلين، لأنه مستطاب يأكل الزرع، فأشبه الفواخت، والثاني: أنه حرام؛ لأنه من جنس الغربان قال في "أصل الروضة": الغربان أنواع فذكرها ثم قال: ومنها غراب صغير أسود أو رمادي، وهو حرام على الأصح، وكذا العَقْعَق. انتهى (٣)، وهو غير مطابق لكلام الرافعي؛ فإن كلامه يقتضي ترجيح حله، فإنه صحح حل غراب الزرع ثم قال: ومنها غراب صغير أسود أو رمادي، وقد يقال له: الغُدَاف الصغير، وفيه وجهان كالوجهين في النوع الذي قبله، وأُجري الوجهان في العَقْعَق، لكن في "التهذيب": أن الأصح: أنه حرام. انتهى (٤)، ومراده بأن الأصح أنه حرام: العَقْعَق، كما هو صريح كلام "التهذيب"، لا كما ظنه في "الروضة"، وقال في "المهمات": إن الذي وقع في "الروضة" غلط (٥).

стр. 2186

وَيَحْرُمُ بَبَّغَا وَطَاوُوسٍ، وَتَحِلُّ نَعَامَةٌ وَكُرْكِيٌّ وَبَطٌّ وَإِوَزٌّ وَدَجَاجٌ وَحَمَامٌ - وَهُوَ كُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ - وَمَا عَلَى شَكْلِ عُصْفُورٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ كَعَنْدَلِيبٍ وَصَعْوَةٍ وَزُرْزُورٍ، لَا خُطَّافٌ === (ويحرم ببغا، وطاووس) (١) كذا نقله الرافعي عن البغوي خاصة ولم يعلله، ولا علل مقابله (٢)، وعلل غيرُه التحريم بخبث اللحم، ومقابله بعدم أكلها المستقذرات. والببغا بفتح الباءين؛ الأولى مخففة، والثانية مشددة، ومنهم من سكنها، قال الصاغاني: وهو الطائر الأخضر المعروف، يعني: الدُّرَّة. (وتحل نعامة، وكركي، وبط، وإوز، ودجاج، وحمام، وهو كل ما عب وهدر، وما على شكل عصفور وإن اختلف لونه ونوعه كعندليب) وهو الهَزار، (وصعوة، وزرزور) لأنها من الطيبات، والإوز بكسر الهمزة، وفتح الواو، وحكي وز أيضًا. وعطفه الإوز على البط يقتضي تغايرهما، وفسر الجوهري وغيره الإوز بالبط (٣). والدجاج مثلث الدال، والفتح أفصح، والعصفور بضم العين، والصعوة بفتح الصاد، وإسكان العين المهملتين، قال الخليل: صغار العصافير، وهو أحمر الرأس. وقوله: (عب وهدر) الأشبه - كما قاله الرافعي -: أن كل ما عب هدر، والعب: شدة جرع الماء من غير تنفس، والهدر: ترجيع الصوت ومواصلته من غير تقطيع له. (لا خطاف) للنهي عن قتله في حديث مرسل، لكنه اعتضد بقول صحابي، فقد صح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄؛ كما قاله البيهقي (٤). وكل ما نهي عن قتله يحرم أكله، إذ لو حل .. لم ينه عن قتله.

стр. 2187

وَنَمْلٌ وَنَحْلٌ وَذُبَابٌ وَحَشَرَاتٌ كَخُنْفُسَاءَ وَدُودٍ، وَكَذَا مَا تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكولٍ وَغَيْرِهِ. وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ؛ إِنِ اسْتَطَابَهُ أَهْلُ يَسَارٍ وَطِبَاعٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعَرَبِ فِي حَالِ رَفَاهِيَةٍ .. حَلَّ، وَإِنِ اسْتَخْبَثُوهُ .. فَلَا، === ووقع في "الشرح" و"الروضة" ذكر الخطاف، والخفاش (١)، واعترض: بأن الخفاش، والخطاف واحد، وهو الوطواط؛ كما قاله أهل اللغة. (ونمل ونحل) للنهي عن قتلهما، رواه أبو داوود بإسناد حسن (٢)، وعن الخطابي: أن النهي الوارد في قتل النمل المراد به: السليماني؛ لانتفاء الأذى منه دون الصغير (٣)، وفي "شرح السنة" للبغوي: أنه لا يحرم قتل النمل الصغير؛ لأنه مؤذ، ووافقه عليه في "شرح المهذب" (٤). (وذباب، وحشرات، كخنفساء، ودود) لاستخباثها، وقد قال تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. واحترز بالمثال: عن اليربوع، والوبر، والقنفذ، والضب؛ فإن الأصح: حلها وإن كانت من الحشرات. (وكذا ما تولد من مأكول وغيره) كالسِّمْع المتولد بين الذئب والضبع؛ تغليبًا للتحريم. (وما لا نص فيه؛ إن استطابه أهل يسار وطباع سليمة من العرب في حال رفاهية .. حل، وإن استخبثوه .. فلا) لأن الله تعالى أناط الحل بالطيب، والتحريم بالخبيث، ويستحيل عادة اجتماع العالم على ذلك، لاختلاف الطبائع، فتعين أن يكون المراد بعضهم، والعرب بذلك أولى، لأن القرآن نزل بلغتهم، وهم السائلون عن الإباحة المجابون. وخرج بأهل اليسار: أهلُ الحاجة، وبالطباع السليمة: أجلافُ البادية الذين

стр. 2188

وَإِنْ جُهِلَ اسْمُ حَيَوَانٍ .. سُئِلُوا وَعُمِلَ بِتَسْمِيَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ اسْمٌ عِنْدَهُمُ اعْتُبِرَ بِالأَشْبَهِ بِهِ. وَإِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرُ لَحْمِ جَلَّالَةٍ .. حَرُمَ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: يُكْرَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ عُلِفَتْ طَاهِرًا فَطَابَ .. حَلَّ. وَلَوْ تنَجَّسَ طَاهِرٌ كَخَلٍّ وَدُبْسٍ ذَائِبٍ .. حَرُمَ === يتناولون ما دب وما درج من غير تمييز، وبحال الرفاهية: حالُ الجدب، فلا عبرة به. (وإن جهل اسم حيوان .. سئلوا وعمل بتسميتهم) حلًّا وحرمة، (وإن لم يكن له اسم عندهم .. اعتبر بالأشبه به) في الصورة، أو الطبع، أو الطعم؛ فإن استوى الشبهان، أو لم نجد له شبهًا .. حل على الأصح في "أصل الروضة"، و"شرح المهذب" (١). (وإذا ظهر تغير لحم جلالة .. حرم) للنهي عن أكلها (٢)؛ لأنها صارت مستخبثة، (وقيل: يكره، قلت: الأصح: يكره، والله أعلم) لأن النهي هو لتغير اللحم، وهو لا يوجب التحريم؛ كما لو نتن لحم المذكى، وهذا ما نقله الرافعي عن الأكثرين (٣). والجلالة: هي التي تأكل العذرة والنجاسات، سواء كانت من الإبل أو من البقر، أو من الغنم، أو من الدجاج، والاعتبار بالرائحة والنتن لا بأكثر علفها على الصحيح، وقيل: إن كان أكثر علفها النجاسة .. فهي جلالة، وإن كان الطاهر أكثر .. فلا. وتقييده باللحم ليس بجيد؛ فإن لبنها وبيضها كذلك، ويكره الركوب عليها بدون حائل. وحكم السخلة المرباة بلبن كلب كالجلالة. (فإن علفت طاهرًا فطاب .. حل) لزوال العلة. (ولو تنجس طاهر؛ كخل ودبس ذائب .. حرم) أكله؛ لأنه ﵇ سئل عن الفأرة تكون في السمن فقال: "إِنْ كَانَ جَامِدًا .. فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ

стр. 2189

وَمَا كُسِبَ بِمُخَامَرَةِ نَجسٍ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ .. مَكْرُوهٌ، وَيُسَنُّ أَلَّا يَأْكُلَهُ وُيطْعِمَهُ رَقِيقَهُ وَنَاضِحَهُ. وَيَحِلُّ جَنِينٌ وُجِدَ مَيْتًا فِي بَطْنِ مُذَكَّاةٍ === مائِعًا .. فَلَا تَقْرَبُوهُ" رواه أبو داوود وابن حبان (١). وهذا إذا قلنا: يتعذر تطهيره، وهو الصحيح، فإن قلنا: يمكن وغسل .. زال التحريم. واحترز بالذائب: عن الجامد، فإنه يزيل النجاسة وما حولها، ويحل الباقي؛ للحديث. (وما كسب بمخامرة نجس، كحجامة وكنس .. مكروه) للنهي عن كسب الحجام، متفق عليه (٢). وإنما لم يحرم؛ لأنه ﷺ احتجم وأعطى الحاجم أجرته، كما رواه البخاري (٣)، ولو كان حرامًا .. لم يعطه؛ لأنه حيث حرم الأخذ .. حرم الإعطاء؛ كأجرة النائحة. (ويسن ألا يأكله) الحر (ويطعمه رقيقه وناضحه) لأن مُحيِّصة ﵁ استأذن النبي ﷺ في أجرة الحجام فنهاه، وكان له مولى حجام، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال له آخرًا: "اِعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ" رواه مالك في "الموطأ"، وحسنه الترمذي، وصححه ابن حبان. والناضح: البعير الذي يستقى عليه، وكل الدواب في معناه. والفرق بين الحر والعبد: أن الرق دناءة، فلاق به الكسب الدنيء، بخلاف الحر، وقبل: يكره للعبد أيضًا، ونسبه الماوردي إلى الأكثرين (٤). (ويحل جنين وجد مينًا في بطن مذكاة) سواء أشعر أم لا؛ لقوله ﵇:

стр. 2190

وَمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ مَوْتًا أَوْ مَرَضًا مَخُوفًا وَوَجَدَ مُحَرَّمًا .. لَزِمَهُ أَكْلُهُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ، === "ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ" صححه ابن حبان (١). وقضية كلامه: أنه لو أخرج الجنين رأسه وبه حياة مستقرة، فلما فتح كرش الأم وجد ميتًا .. أنه يحل، وهو الأصح في "زيادة الروضة" (٢)، وصحح البُلْقيني مقابله، قال الدميري: (ولا يخفى أن مراد الأصحاب: إذا مات بذكاة أمه، فلو مات قبل ذكاتها .. كان ميتة لا محالة؛ لأن ذكاة الأم لم تؤثر فيه) (٣). وخرج بقوله: (ميتًا): ما لو وجد حيًّا؛ كما لو اضطرب بعد ذبح أمه اضطرابًا طويلًا .. فإنه لا يحل بذكاة أمه. نعم؛ لو كانت حياته غير مستقرة، بل حركته حركة مذبوح .. حل. (ومن خاف على نفسه موتًا أو مرضًا مخوفًا ووجد محرمًا) كميتة، وخنزير، ودم، وما في معناه ( .. لزمه أكله) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، وكما يجب دفع الهلاك بأكل الحلال، (وقيل: يجوز) ولا يجب؛ لأنه قد يتورع؛ لتردده في الانتهاء إلى حد الضرورة؛ كالمصول عليه يتردد في القدر الدافع للصائل فيتورع، وهو مخرج من قول جواز الاستسلام. وفرق الأول؛ بأن المستسلم للصائل يؤثر مهجة على مهجته؛ طلبًا للشهادة، وهنا بخلافه، وخوف طول مدة المرض كخوف المرض، وكذا الضعف عن المشي أو الركوب، وينقطع عن الرفقة ويضيع، وكذا إذا أجهده الجوع، وعيل صبره على الأصح في "زيادة الروضة" (٤). ويستثنى من المأكول والمشروب: الخمر، ونحوها من المسكر، فلا يجوز تناوله لجوع وعطش على الأصح.

стр. 2191

فَإِنْ تَوَقَّعَ حَلَالًا قَرِيبًا .. لَمْ يَجُزْ غَيْرُ سَدِّ الرَّمَقِ، وَإِلَّا .. فَفِي قَوْلٍ: يَشْبَعُ، وَالأَظْهَرُ: سَدُّ الرَّمَقِ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ تَلَفًا إِنِ اقْتَصَرَ. وَلَهُ أَكْلُ آدَمِيٍّ مَيْتٍ، === ومن الآكلين العاصي بسفره، فلا يباح له الأكل على الأصح، وطريقه: أن يتوب ثم يأكل، وما إذا أشرف على الموت .. فلا يلزمه الأكل، بل لا يحل له؛ فإنه لا ينفع حينئذ، ذكره في "أصل الروضة" (١). (فإن توقع حلالًا قريبًا .. لم يجز غير سد الرمق) لاندفاع الضرورة به، والرمق: هو بقية الروح؛ كما قاله في "الصحاح" (٢)، وقال بعضهم: هو القوة، يقال: شد الله ملكه؛ أي: قواه، قال في "المهمات": وإذا علمت ذلك .. ظهر لك أن الشدَّ المذكور في مثالنا بالشين المعجمة. انتهى (٣)، وقال شيخنا: سد الرمق في كلام المصنف: المشهور: أنه بالسين المهملة. (وإلا) أي: وإن لم يتوقعه ( .. ففي قول: يشبع) بحيث يكسر سورة الجوع، ولا يطلق عليه اسم جائع لإطلاق الآية، ولأن له تناول قليله، فجاز له الشبع؛ كالمذكى، ولا يحل له أن يملأ جوفه حتى لا يجد للطعام مساغًا. (والأظهر: سد الرمق) لاندفاع الضرورة به (إلا أن يخاف تلفًا إن اقتصر) على سد الرمق فيجب الشبع قطعًا. نعم؛ لو كان في بلد وتوقع الحلال قبل عود الضرورة .. قال الإمام: فيجب القطع بالاقتصار على سد الرمق. (وله أكل آدمي ميت) إذا لم يجد ميتة غيره؛ كما قيداه في "الشرح" و"الروضة" (٤)؛ لأن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت، ويأكله تناولًا، ولا يزيد على سد الرمق قطعًا، قاله الماوردي (٥). ويستثنى: ما إذا كان الميت نبيًّا؛ فإنه لا يجوز الأكل منه قطعًا؛ كما قال إبراهيم

стр. 2192

وَقَتْلُ مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ، لَا ذِمِّيٍّ وَمُسْتَأْمَنٍ وَصَبِيِّ حَرْبِيٍّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ قَتْلِ الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ الْحَرْبِيَّيْنِ لِلأَكْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ وَجَدَ طَعَامَ غَائِبٍ .. أَكَلَ وَغَرِمَ، أَوْ حَاضرٍ مُضْطَرٍّ .. لَمْ يَلْزَمْهُ بَذْلُهُ إِنْ لَمْ يَفْضُلْ عَنْهُ، فَإِنْ آثَرَ مُسْلِمًا .. جَازَ، أَوْ غَيْرَ مُضْطَرٍّ .. لَزِمَهُ إِطْعَامُ مُضْطَرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَإِنْ مَنَعَ .. فَلَهُ قَهْرُهُ وَإِنْ قَتَلَهُ، === المروزي، وأقراه، وكذا إذا كان المضطر ذميًّا، والميت مسلمًا على أقيس الوجهين في "زيادة الروضة" (١). (وقتل مرتد وحربي) لأن قتلهما مستحق، وكذا له قتل الزاني المحصن، والمحارب، وتارك الصلاة على الأصح، (لا ذمي ومستأمن وصبي حربي) لحرمة قتلهم. (قلت: الأصح: حل قتل الصبي والمرأة الحربيين للأكل، والله أعلم) لأنهما ليسا بمعصومين، ومنع قتلهما لا لحرمتهما بل لحق الغانمين، ولهذا لا يتعلق بقتلهما الكفارة. (ولو وجد طعام غائب .. أكل) لدفع الإضرار (وغرم) مراعاة لحق الغير، (أو حاضر مضطر .. لم يلزمه بذله، إن لم يفضل عنه) بل هو أولى؛ إبقاءً لمهجته إلا أن يكون الطالب نبيًّا، فيلزمه بذله وإن لم يستدعه منه، ويتصور هذا في زمن عيسى ﷺ ، أو الخضر على القول بحياته ونبوته، فإن فضل عنه شيء .. لزمه بذله وإن احتاج إليه في أثناء الحال على الصحيح. (فإن آثر مسلمًا .. جاز) بل يستحب؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. واحترز بالمسلم: عن الكافر، فلا يؤثره وإن كان ذميًّا، وكذا البهيمة. (أو غير مضطر .. لزمه إطعام مضطر مسلم، أو ذمي) أو مستأمن ولو كان يحتاج إليه في أثناء الحال على الأصح، للضرورة الحالية. (فإن منع) المالك من إطعامه ( .. فله) أي: للمضطر (قهره) على أخذه (وإن قتله)، ويكون مهدرًا، وإن قتل المالك المضطر في الدفع عن طعامه .. فعليه

стр. 2193

وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِعِوَضٍ نَاجِزٍ إِنْ حَضَرَ، وَإِلَّا .. فَبِنَسِيئَةٍ، فَلَوْ أَطْعَمَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عِوَضًا .. فَالأَصَحُّ: لَا عِوَضَ. وَلَوْ وَجَدَ مُضْطَرٌّ مَيْتةً وَطَعَامَ غَيْرِهِ، أَوْ مُحْرِمٌ مَيْتةً وَصَيْدًا .. فَالْمَذْهَبُ: أَكْلُهَا، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ قَطْعِ بَعْضِهِ لأَكْلِهِ === القصاص، وإن منع منه الطعام فمات جوعًا .. فلا ضمان عليه؛ لأنه لم يحدث فيه فعلًا مهلكًا. (وإنما يلزمه) يعني: المالك الإطعام (بعوض ناجز إن حضر، وإلا .. فبنسيئة) ولا يلزمه البذل مجانًا على الصحيح؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، وكما يجب البذل لإبقاء الآدمي المعصوم .. يجب لإبقاء البهيمة المحترمة وإن كانت ملكًا للغير. (فلو أطعمه ولم يذكر عوضًا .. فالأصح: لا عوض) حملًا على المسامحة المعتادة في الطعام لا سيما في حق المضطر، والثاني: يلزمه؛ لأنه خلصه من الهلاك بذلك، فيرجع عليه بالبدل؛ كما في العفو عن القصاص، كذا في "الرافعي" (١)، لكن الصحيح في (الجنايات): أنه إذا عفا مستحق القصاص ولم يذكر مالًا .. لا شيء له. (ولو وجد مضطر ميتة وطعام غيره) والغير غائب أو حاضر، ولم يبعه إلا بزيادة كثيرة على ثمن المثل، (أو محرم ميتة وصيدًا .. فالمذهب: أكلها) لأنها حق الله تعالى ولا عوض فيها، بخلاف طعام الغير والصيد، وقيل: يأكل طعام الغير؛ لأنه حلال العين، وقيل: يتخير بينهما في الصورتين، وفي قول: أنه يأكل الصيد؛ لأن تحريم الميتة آكد وأغلظ؛ لأنه يتأبد ويعم المحرم وغيره، بخلاف تحريم الصيد. والخلاف في الثانية - كما قاله أبو علي الطبري، وابن أبي هريرة - مبني على الخلاف في أن ما يذبحه المحرم هل يصير ميتة؟ إن قلنا: نعم؛ وهو الجديد .. أكل الميتة قطعًا، وإلا .. فقولان، قال الماوردي: والخلاف إذا كانت الميتة غير ميتة آدمي، فإن كانت .. لم يأكل إلا الصيد قطعًا (٢). (والأصح: تحريم قطع بعضه لأكله) لأنه قطع لحم حي قد يتوقع منه الهلاك،

стр. 2194

قُلْتُ: الأَصَحُّ: جَوَازُهُ، وَشَرْطُهُ: فَقْدُ الْمَيْتةِ وَنَحْوِهَا، وَأَنْ يَكُونَ الْخَوْفُ فِي قَطْعِهِ أَقَلَّ، وَيَحْرُمُ قَطْعُهُ لِغَيْرِهِ وَمِنْ مَعْصُومٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === وكقطعه من غيره، (قلت: الأصح: جوازه) لأنه إتلاف بعض لاستيفاء الكل، فأشبه قطع اليد بسبب الأكلة، وهذا ما رجحه في "الشرح الصغير"، وقال في "الكبير": يشبه أن يكون أظهر، وأطلق تصحيحه في "أصل الروضة" (١). (وشرطه) أي: قطع بعضه لأكله (فقد الميتة ونحوها) فإن وجد شيئًا يأكله .. حرم قطعًا، (وأن يكون الخوف في قطعه أقل) من الخوف في ترك الأكل، فإن كان مثله أو أكثر .. حرم قطعًا. (ويحرم قطعه) أي: قطع بعضه (لغيره) قطعًا، وليس إبقاؤه أولى من إعدام نفسه، (ومن معصوم، والله أعلم) أي: ويحرم قطعه من معصوم لأجل غيره؛ إذ ليس فيه إتلاف البعض لإبقاء الكل، قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن المعصوم من لا يجوز قتله للأكل. * * *

стр. 2195

كتاب المسابقة والمناضلة هُمَا سُنَّةٌ، وَيَحِلُّ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِمَا، === (كتاب المسابقة والمناضلة) المسابقة: مصدر سابقه مسابقةً، والمناضلة: المراماة، قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق يكون في الخيل والرمي (١)، فعلى هذا: الترجمة بالمسابقة كافٍ لشمول الأمرين، ولهذا اقتصر عليه في "التنبيه" (٢). وأصل الباب: قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتنضل؛ كما قاله الزجاج وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وفسرها الشارع بالرمي؛ كما رواه مسلم (٣)، وسابق ﷺ بين الخيل؛ كما رواه مسلم (٤). قال المزني: ولم يُسبق الشافعي إلى تصنيف هذا الكتاب. (هما سنة) للرجال لقصد التأهب للجهاد؛ لما ذكرناه، بل ويكره لمن علم الرمي تركُه كراهة شديدة. (ويحل أخذ عوض عليهما) لحديث: "لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ" رواه الترمذي وحسنه (٥). قال الخطابي: والرواية الصحيحة بفتح الباء (٦)، وهو اسم للمال الذي يوضع بين السباق. والمراد بالخف: الإبل، وبالحافر: الخيل، وبالنصل: نصل السيف،

стр. 2196

وَتَصِحُّ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى سِهَامٍ، وَكَذَا مَزَارِيقُ وَرِمَاحٌ وَرَمْي بِأَحْجَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ، وَكُلُّ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا عَلَى كُرَةِ صَوْلَجَانٍ، وَبُنْدُقٍ وَسِبَاحَةٍ وَشِطْرَنج وَخَاتِمٍ، وَوُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِيَدِهِ، === والسكين، والرمح، والمزاريق، ولأن في ذلك ترغيبًا فيهما. (وتصح المناضلة على سهام) عربية وهي النبل، وعجمية، وهي النشاب؛ لعموم قوله ﵇ في الحديث السابق: "أَوْ نَصْلٍ"، وتصح أيضًا على جميع أنواع القسي، حتى يجوز على الرمي بالمسلات والإبر، (وكذا مزاريق، ورماح، ورمي بأحجار) بيد أو مقلاع، (ومنجنيق، وكل نافع في الحرب على المذهب) منشأ الخلاف في الجميع هل هي في معنى السهم المنصوص عليه، أم لا؛ والأصح: نعم؛ لأنها أسلحة يرمى بها، وتنبغي بها الإصابة. وعطف المصنف الرماح على المزاريق من باب عطف العام على الخاص؛ لأن المزاريق الأرماح القصار؛ كما عكس ذلك في قوله: (بأحجار ومنجنيق). ومحل ما ذكره في الرمي بالأحجار: إذا كان إلى غير الرامي، أما المراماة؛ بأن يرمي كل واحد إلى صاحبه، ويسمى: الشلاق في عرف العوام .. فهو حرام قطعًا. وقوله: (وكل نافع في الحرب) يدخل فيه التردد بالسيوف والرماح، والأصح: جواز المسابقة عليها؛ لأنها من أعظم عدد القتال، واستعمالها يحتاج إلى تعلم وتحذق. (لا على كرة صولجان، وبندق، وسباحة، وشطرنج، وخاتم، ووقوف على رجل، ومعرفة ما بيده) من زوج أو فرد، وكذا سائر أنواع اللعب؛ لأنها لا تنفع في الحرب، وهذا إذا عقد على عوض، وإلا .. فمباح. وقوله: (وبندق) شامل للرمي به إلى حفرة ونحوها، وبه صرح الدارمي، وللرمي به عن قوسه، وظاهر كلام "الشرح" و"الروضة": أن الحكم كذلك، وزعم ابن الرفعة، أنه لا خلاف فيه، قال الأَذْرَعي: لكن المجزوم به في "الحاوي": الجواز، ورجحه البُلْقيني؛ لأن فيه نكاية كنكاية المسلة.

стр. 2197

وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ، وَكَذَا فِيلٌ وَبَغْلٌ وَحِمَارٌ فِي الأَظْهَرِ، لَا طَيْرٌ وَصِرَاعٌ فِي الأَصَحِّ، ... === (وتصح المسابقة على خيل) وإبل؛ للحديث المار (١). (وكذا فيل وبغل وحمار في الأظهر) لعموم قوله ﵇: "خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ" (٢)، قال الإمام: ويؤيده العدول عن ذكر الفرس والبعير إلى الخف والحافر، ولا فائدة فيه غير قصد التعميم (٣)، والثاني: المنع؛ لأنها لا تصلح للكر والفر، ولا يقاتل عليها غالبًا. (لا طير وصراع في الأصح) لأنها ليست من آلات القتال، والثاني: يجوز، أما في الطير .. فللحاجة إليها في الحرب؛ لأنها تحمل الأخبار، وأما في الصراع .. فلأن فيه إدمانًا وقوة. وقد صارع ﵇ ركانة على شياه، كما رواه أبو داوود في "مراسيله" (٤). وأجاب الأول عنه: بأنه أراه شدته ليسلم، ولهذا لما أسلم .. رد عليه غنمه، والخلاف فيما إذا كان عوض، فإن لم يكن .. جاز قطعًا. وقيل: يحرم الصراع مطلقًا؛ لأنه يهيج العداوة، حكاه البغوي (٥). ولا تجوز المسابقة على الأقدام بعوض على الأصح، ويجوز بلا عوض؛ لأنه ﵇ تسابق هو وعائشة ﵂ (٦).

стр. 2198

وَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَقْدَهُمَا لَازِمٌ لَا جَائِزٌ، فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا فَسْخُهُ، وَلَا تَرْكُ الْعَمَلِ قَبْلَ شُرُوعٍ وَبَعْدَهُ، وَلَا زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِيهِ، وَلَا فِي مَالٍ. وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ: عِلْمُ الْمَوْقِفِ وَالْغَايَةِ، وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا، === (والأظهر: أن عقدهما) أي: المسابقة والمناضلة (لازم لا جائز) كا لإجارة، والثاني: جائز كالجعالة، قال الأَذْرَعي: والقولان إذا كانت بعوض، وإلا .. فجائزة قطعًا. انتهى، ومحلهما في العوض في حق من التزم المال، فأما من لم يلتزم شيئًا وقد يغنم .. فجائز في حقه قطعًا. (فليس لأحدهما فسخه) لأن هذا شأن العقد اللازم. نعم؛ لو بان بالعوض المعين عيب .. ثبت حق الفسخ؛ كما في الأجرة. (ولا ترك العمل قبل شروع وبعده) سواء كان مفضولًا أم فاضلًا، وأمكن أن يدركه صاحبه ويسبقه، فإن لم يمكنه ذلك .. كان له الترك؛ لأنه حق نفسه. (ولا زيادة ونقص فيه) أي: في العمل، (ولا في مال) أي: في المال الملتزم بالعقد؛ كالإجارة إلا أن يفسخا العقد، ويستأنفا عقدًا، هذا كله تفريع على قول اللزوم، وعلى قول الجواز: يجوز جميع ذلك. (وشرط المسابقة: علم الموقف) الذي يبتدئان بالجري منه، (والغاية) التي يجريان إليها؛ لأنه ﵇ سابق بين الخيل المضمرة من الحَفْياء إلى ثنية الوداع، وبين غيرها من الثنية إلى مسجد بني زُرَيق، متفق عليه (١). فإن لم يعيناهما، وشرط المال لمن سبق حيث سبق .. لم يجز؛ كما صرح به في "المحرر" (٢). (وتساويهما فيهما) أي: تساوي المتسابقين في الموقف والغاية، فلو شرط تقدم موقف أحدهما أو تقدم غايته .. لم يجز؛ لأن المقصود معرفة فروسية الفارس، وجودة جري الدابة، ولا يعرف ذلك مع تفاوت المسافة؛ لاحتمال أن يكون السبق لقرب المسافة لا لحذق الفارس، ولا لفراهة الفرس.

стр. 2199

وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْعِلْمُ بِالْمَالِ الْمَشْرُوطِ === (وتعيين الفرسين) لأن المقصود امتحان الفرس؛ ليعرف سيره، والتعيين يكون بالإشارة إليهما، ويكتفى بوصفهما في الذمة على الأصح في "أصل الروضة" (١)، وقال الرافعي في "التذنيب": إنه الأوجه، كما يقوم الوصف في السلم مقام الإحضار، وقيل: لا يكفي الوصف، وهو ظاهر كلام "الكتاب" تبعًا لـ "أصله"؛ لأن المعول في المسابقة على أعيانها. (ويتعينان) فلا يجوز إبدالهما؛ لاختلاف الغرض، فإن وقع هلاك .. انفسخ العقد. نعم؛ لو وقع العقد على موصوف في الذمة، ثم أحضر فرس .. قال الرافعي: (فما ينبغي أن ينفسخ العقد بهلاكه) (٢). (وإمكان سبق كل واحد) من الفرسين، فإن كان أحدهما ضعيفًا يُقطع بتخلفه، أو فارهًا يُقطع بتقدمه .. لم يجز، والمراد بالإمكان: الغالب، فإن أمكن نادرًا .. لم يصح في الأصح. (والعلم بالمال المشروط) بالمشاهدة إن كان معينًا، وبالوصف إن كان في الذمة؛ كالإجارة، والجعالة، فلو عقدا على مجهول .. فسد، واستحق أجرة المثل على الأصح. وبقي من الشروط كون المسافة يمكن الفرسين قطعها بدون انقطاع وتعب، فإن كانت فوق ذلك .. فالعقد باطل، وأن يتسابقا على الدابتين، فلو شرطا إرسالهما ليجريا بأنفسهما .. لم يصح؛ لأنها تنفر ولا تقصد الغاية، بخلاف الطيور إذا جوزنا المسابقة عليها؛ لأن لها هداية إلى الغاية، وأن يجتنبا الشروط المفسدة، ذكرها في "أصل الروضة" (٣).

стр. 2200

ويجُوزُ شَرْطُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ بِأَنْ يَقُولَ الإِمَامُ أَوْ أَحَدُ الرعِيّة: (مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا .. فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَيَّ كَذَا). وَمِنْ أَحَدِهِمَا؛ فَيَقُولُ: (إِنْ سَبَقْتَنِي .. فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبقْتك .. فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ)، فَإِنْ شُرِطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا فَلَهُ عَلَى الآخَرِ كَذَا .. لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِمُحَلِّلٍ فَرَسُهُ كُفْءٌ لِفَرَسَيْهِمَا، فَإِنْ سَبَقَهُمَا .. أَخَذَ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا .. فَلَا شَيْءَ === (ويجوز شرط المال من غيرهما؛ بأن يقول الإمام أو أحد الرعية: "من سبق منكما .. فله في بيت المال أو علي كذا") لما فيه من التحريض على تعليم الفروسية، وإعداد أسباب القتال، ولأنه بذل مال في طاعة. (و) يجوز شرطه (من أحدهما) أي: ويجوز شرط المال من أحدهما (فيقول: "إن سبقتني .. فلك علي كذا، أو سبقتك .. فلا شيء عليك") (١) لأن المقصود من العقد يحصل مع خلوه من القمار؛ لأن عدم إخراج أحدهما بمنزلة المحلل. (فإن شرط أن من سبق منهما فله على الآخر كذا .. لم يصح إلا بمحلل فرسه كفء لفرسيهما) أي: يمكن سبقه لكل واحد منهما، فإن كان يقطع بتخلفه .. فلا فائدة في إدخاله؛ لقوله ﵇: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ -يَعْني- وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ .. فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ .. فَهُوَ قِمَارٌ" رواه أبو داوود وابن ماجه، وصححه الحاكم (٢). فإذا كان قمارًا عند الأمن من سبق فرس المحلل .. فعند عدم المحلل أولى، ولأن معنى القمار موجود فيه، فإن كلًّا منهما يرجو الغنم ويخشى الغرم، ولا يشترط أن يكون بين كل اثنين محلل؛ كما يقتضيه كلامه، بل يكفي محلل واحد بين المتسابقين ولو بلغوا مئة. وقوله: (فرسه) مثال؛ فإن البعير وما يسابق عليه كذلك، والكفء مثلث الكاف: المساوي والنظير. (فإن سبقهما .. أخذ المالين) لسبقه لهما، (وإن سبقاه وجاءا معًا .. فلا شيء

стр. 2201

لِأَحَدٍ، وإِنْ جَاءَ مَعَ أَحَدِهِمَا .. فَمَالُ هَذا لِنَفْسِهِ، وَمَالُ الْمُتأَخِّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَلِلَّذِي مَعَهُ، وَقِيلَ: لِلْمُحَلِّلِ فَقَطْ. وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الْمُحَلِّلُ ثمَّ الآخَرُ .. فَمَالُ الآخَرِ لِلأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ تَسَابَقَ ثَلَاثة فَصَاعِدًا وَشُرِطَ لِلثَّانِي مِثْلُ الأَوَّلِ .. فَسَدَ، وَدُونَهُ يَجُوزُ فِي الأَصَحِّ === لأحد) لعدم سبقه لهما، ولعدم سبق أحدهما الآخر. (وإن جاء مع أحدهما .. فمال هذا) أي: الذي جاء مع المحلل (لنفسه) لأنه لم يسبقه أحد، (ومال المتأخر للمحلل وللذي معه) لأنهما سبقاه، (وقيل: للمحلل فقط) الخلاف مبني على أصل، وهو: أن المحلل هل يحلل لنفسه فقط أو لنفسه ولغيره؟ والصحيح: الثاني. (وإن جاء أحدهما ثم المحلل ثم الآخر .. فمال الآخر للأول في الأصح) لأن المحلل مسبوق، والثاني: أنه له وللمحلل؛ لأنهما سبقا الآخر. وقيل: إنه للمحلل خاصة، ولا خلاف أن الأول يحرز ما أخرجه. (وإن تسابق ثلاثة فصاعدًا، وشرط للثاني مثل الأول .. فسد) لأن كل واحد منهما لا يجتهد في السبق؛ لوثوقه بالمال سبق أو لم يسبق، وما جزم به تبع فيه "المحرر" (١)، لكن صححا في "الروضة" و"الشرحين" الصحة؛ بأن كلًّا منهما يجتهد ويسعى أن يكون سابقًا، أو مصليًا (٢). نعم؛ لو شرط للثاني أكثر من الأول .. فسد. (ودونه يجوز في الأصح) لأنه يسعى ويجتهد، ليفوز بالأكثر، والثاني: المنع؛ لأنه يكسل إذا علم أنه يفوز بشيء. واعلم: أن للخيل التي تجتمع للسباق عشرة أسماء، نظمها العلامة برهان الدين الباعوني أمتع الله بحياته، فقال: [من الخفيف] سَابِقٌ بَعْدَهُ مُصَلٍّ مُسَلٍّ ... ثمَّ تَالٍ فَعَاطِفٌ مُرْتَاحُ سَابِعٌ فَالمُؤَمَّلُ الحَظِيّ يَلِيهِ ... فَلَطِيمٌ لِعَدْوِهِ يَرْتَاحُ

стр. 2202

وسَبْقُ إِبلٍ بِكَتِفٍ، وَخَيْلٍ بِعُنُقٍ، وَقِيلَ: بِالْقَوَائِمِ فِيهِمَا. وَيُشْتَرَطُ لِلْمُنَاضَلَةِ بَيَانُ أَنَّ الرَّمْيَ مُبَادَرَةٌ -وَهِيَ: أَنْ يَبْدُرَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ- أَوْ مُحَاطَّةٌ -وَهِيَ: أَنْ تُقَابَلَ إِصَابَاتُهُمَا وَيُطْرَحَ الْمُشْتَرَكُ، فَمَنْ زَادَ بِعَدَدِ كَذَا .. فَنَاضِلٌ-. === وسُكَيْتٌ وَفِسْكِلٌ قَدْ تَلَاهُ ... عَشْرَةٌ عَدْوَهَا حَكَتْهُ الرِّيَاحُ (١) (وسبق إبل بكتف، وخيل بعنق) لأن الإبل ترفع أعناقها في العدو، والخيل تمدها؛ فلا يمكن اعتبار السبق به، وهذا إذا استوى الفرسان في خلقة العنق طولًا وقصرًا، فإن اختلفا وسبق الأطول عنقًا بقدر الزيادة أو دونها .. لم يكن سابقًا. وقوله: (بكتف)، عبارة "الروضة" و"أصلها": (بكتد) بفتح التاء (٢)، وهي عبارة الشافعي والجمهور (٣)، وهو: مجتمع الكتفين بين أصل العنق والظهر، وذكر الماوردي فيه تأويلين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه الكتف (٤)، وعلى هذا يتمشى ما في "المحرر" و"المنهاج". (وقيل: بالقوائم فيهما) أي: في الإبل والخيل؛ لأن العدو بها، وهو الأقيس عند الإمام (٥). (ويشترط للمناضلة: بيان أن الرمي مبادرة، وهي: أن يبدر أحدهما) أي: يسبق (بإصابة العدد المشروط) كما إذا شرط أن من سبق إلى خمسة من عشرين فله كذا، ورمى كل واحد عشرين، وأصاب أحدهما خمسة، والآخر دونها .. فالأول ناضل. (أو محاطة) بتشديد الطاء (وهي: أن تقابل إصاباتهما ويطرح المشترك، فمن زاد بعدد كذا .. فناضل) كخلوص خمسة من عشرين، فإذا رميا عشرين، وأصاب كل واحد خمسة .. لم ينضل أحدهما الآخر، وإن أصاب أحدهما خمسة، والآخر عشرة .. فالثاني: ناضل.

стр. 2203

وَبَيَانُ عَدَدِ نُوَبِ الرَّمْيِ، وَالإِصَابَةِ، وَمَسَافَةِ الرَّمْيِ، === وما جزم به من اشتراط التعرض لكون الرمي مبادرة، أو محاطة .. تبع فيه "المحرر" (١)، وهو وجه، والأصح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": أنه لا يشترط التعرض لهما في العقد، وإذا أطلقا .. حمل العقد على المبادرة؛ فإنها الغالب من المناضلة، ونقله في "الكبير" عن "تصحيح البغوي"، وأقره (٢). (وبيان عدد نوب الرمي) في المحاطة والمبادرة جميعًا؛ ليكون للعمل ضبط، وهي في المناضلة كالميدان في المسابقة، فيجوز أن يشرطا رمي سهم سهم، أو أكثر من ذلك، ويجوز أن يشرطا تقدم واحد بجميع سهامه؛ فإن أطلقا .. حمل على رمي سهم سهم، كذا قالاه (٣)، وظاهره: أن بيان عدد نوب الرمي مستحب، وبه صرح الماوردي (٤)؛ فإذًا كلام "الكتاب" مستدَرك. (و) بيان عدد (الإصابة) كخمسة من عشرين؛ لأن الاستحقاق بالإصابة، وبها يتبين حذق الرامي، وجودة رميه، ويشترط أن يكون ذلك ممكنًا؛ فإن ندر كعشرة من عشرة .. لم يصح، وكذا تسعة من عشرة على أصح القولين في "التنبيه" (٥)، فإن كان ممتنعًا كمئة متوالية .. لم يصح، أو مستيقنًا كإصابة الحاذق واحدًا من مئة .. ففي صحة العقد وجهان، وجه المنع: أن هذا العقد ينبغي أن يكون فيه خطر؛ ليتأنق الرامي بالإصابة، ووجه الصحة: ليتعلم الرمي بمشاهدة رميه، قال في "الشرح الصغير": والأصح عند جماعة منهم صاحب "الكتاب": الصحة، وصحح ابن الرفعة في "الكفاية" المنع (٦)، وتبعه البُلْقيني. (ومسافة الرمي) لاختلاف الغرض بها، وقيل: لا يشترط، وينزل على العادة الغالبة للرماة هناك إن كانت، وهذا هو الأظهر في "الروضة" و"أصلها"، فإن لم

стр. 2204

وَقَدْرِ الْغَرَضِ طُولًا وَعَرْضًا، إلَّا أَنْ تُعْقَدَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ غَرَضٌ مَعْلُومٌ .. فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَلْيُبيِّنَا صِفَةَ الرَّمْيِ مِنْ قَرْعٍ - وَهُوَ: إِصَابَةُ الشَّنِّ بِلَا خَدْشٍ - أَوْ خَزْقٍ - وَهُوَ: أَنْ يَثْقُبَهُ وَلَا يَثْبُتَ فِيهِ- أَوْ خَسْقٍ - وَهُوَ: أَنْ يَثْبُتَ- أَوْ مَرْقٍ؛ وَهُوَ: أَنْ يَنْفُذَ. فَإِنْ أَطْلَقَا .. اقْتَضَى الْقَرْعَ، === تكن عادة .. وجب قطعًا، قالا: وعلى هذا يحمل ما أطلقه الأكثرون من اشتراط الإعلام بالمسافة. انتهى (١)، وعليه يحمل إطلاق "الكتاب" أيضًا. وقد يفهم كلام المصنف: أنهما إذا رميا إلى غير غرض، ويكون السبق لأبعدهما رميًا .. لم يصح، والصحيح: الصحة. (وقدر الغرض) بفتح الغين المعجمة والراء، وهو: العلامة التي يرمى إليها؛ من خشب، أو قرطاس، أو دائرة، (طولًا وعرضًا) وسمكًا وارتفاعًا من الأرض؛ لاختلاف الغرض بذلك، (إلا أن تعقد بموضع فيه غرض معلوم .. فيحمل المطلق عليه) كما مر في المسافة. (وليبينا صفة الرمي من قرع وهو: إصابة الشن) بفتح الشين، وهو الغرض (بلا خدش، أو خزق) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الزاي المعجمة، (وهو: أن يثقبه ولا يثبت فيه، أو خسق، وهو: أن يثبت، أو مرق، وهو: أن ينفذ) ويخرج من الجانب الآخر، وإنما يتصور ذلك في الشن المعلق، وأهمل الخرم بالراء المهملة، وهو: أن يصيب طرف الغرض، فيخرمه، ووجه ذلك: اختلاف الغرض بهذه الصفات. وكان ينبغي أن يقول: (وليبينا صفة الإصابة)، كما قاله في "الروضة" و"أصلها"، و"المحرر" (٢)؛ فإن ما ذكره صفة لها لا للرمي، والعجب أنه عبر في "التنبيه" كما في "الكتاب" فاعترض المصنف عليه في "التحرير" بما ذكرناه (٣). (فإن أطلقا) العقد ( .. اقتضى القرع) لأنه المتعارف.

стр. 2205

وَيَجُوزُ عِوَضُ الْمُنَاضَلَةِ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ عِوَضُ الْمُسَابَقَةِ وَبِشَرْطِهِ. وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ قَوْسٍ وَسَهْم، فَإِنْ عُيِّنَ .. لَغَا، وَجَازَ إِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ شُرِطَ مَنع إِبْدَالِهِ .. فَسَدَ الْعَقْدُ. وَالأظْهَرُ: اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ. وَلَوْ حَضَرَ جَمْع لِلْمُنَاضَلَةِ فَانْتَصَبَ زَعِيمَانِ يَخْتَارَانِ أَصْحَابًا .. جَازَ، === (ويجوز عوض المناضلة من حيث يجوز عوض المسابقة وبشرطه) فيجوز من غيرهما ومن أحدهما، وكذا منهما بمحلل، كما في المسابقة، (ولا يشترط تعيين قوس وسهم) بعينهما؛ لأن الاعتماد على الرامي، بخلاف الفرس في المسابقة. (فإن عين) قوسًا أو سهمًا بعينه ( .. لغا) تعيينه (وجاز إبداله بمثله) من ذلك النوع، سواء حدث فيه خلل يمنع من استعماله أو لم يحدث، بخلاف الفرس لا يبدل بغيره. واحترز بقوله: (بمثله) عن الانتقال من نوع إلى نوع؛ كالقسي الفارسية والعربية؛ فإنه لا يجوز إلا بالتراضي؛ لأنه ربما كان به أَدرَبَ. (فإن شرط منع إبداله .. فسد العقد) لأنه شرط فاسد يخالف مقتضى العقد فأفسده. (والأظهر: اشتراط بيان البادئ بالرمي) لاختلاف الغرض به؛ فإن تركاه .. لم يصح العقد، والثاني: لا يشترط، ويقرع، وهو المنصوص في "الأم" (١)، واعتمده البُلْقيني، وقيل: يصح العقد، ويترك الإطلاق على عادة الرماة. ويشترط أيضًا: تعيين الرامي بالشخص؛ كما يشترط تعيين المركوب في المسابقة. (ولو حضر جمع للمناضلة، فانتصب زعيمان يختاران أصحابًا .. جاز) ويكون كل حزب في الإصابة والخطأ كشخص واحد. ونبه بقوله: (زعيمان) على أنه لا بد لكل حزب من زعيم، قال القاضي الحسين: ويشترط كونهما أحذق الجماعة، وأن تقسم السهام عليهم بلا كسر، فإن تحازبوا ثلاثة ثلاثة .. اشترط أن يكون للسهام ثلث صحيح كالثلاثين، وإن تحازبوا

стр. 2206

وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَعْيِينهِمَا بِقُرْعَةٍ، فَإنِ اخْتَارَ غَرِيبًا ظَنَّهُ رَامِيًا فَبَانَ خِلَافُهُ .. بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنَ الْحِزْبِ الآخَرِ وَاحِدٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَاقِي قَوْلا تفرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا .. فَلَهُمْ جَمِيعًا الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازُوا وَتنَازَعُوا فِيمَنْ يَسْقُطُ بَدَلُهُ .. فُسِخَ الْعَقْدُ. وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ .. قُسِمَ الْمَالُ بِحَسَبِ الإِصَابَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّوِيَّةِ، === أربعة أربعة .. فربع صحيح كالأربعين، وأن يعينا الأصحاب قبل العقد، ويختارا واحدًا بواحد، وهكذا حتى يتم العدد، ولا يجوز أن يختار واحد جميع حزبه أولًا؛ لئلا يأخذ الحذاق. ويشترط: تساوي عدد الحزبين خلافًا للإمام، فإنه اكتفى بعدد الرمي، فيرمي واحد سهمين في مقابلة اثنين (١). (ولا يجوز شرط تعيينهما) أي: الأصحاب (بقرعة) لأنها قد تجمع الحذاق في جانب، وضدهم في الآخر، فيفوت مقصود المناضلة. (فإن اختار) أحد الزعيمين (غريبًا ظنه راميًا، فبان خلافه) أي: أنه لا يحسن الرمي أصلًا ( .. بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر واحد) بإزائه؛ كما إذا بطل البيع في بعض المبيع .. يسقط قسطه من الثمن. (وفي بطلان الباقي قولا تفريق الصفقة) فيصح في الأظهر، ويثبت الخيار، وقيل: يبطل قطعًا؛ لأنه ليس بعضهم بأن يجعل في مقابلته بأولى من بعض، ولا مدخل للقرعة فيه، فلو بان ضعيف الرمي، أو قليل الإصابة .. فلا فسخ، ولو بان فوق ما ظنوه .. فلا فسخ للحزب الآخر، وفيه بحث للرافعي (٢). (فإن صححنا .. فلهم جميعًا الخيار) بين الفسخ والإجازة للتبعيض، (فإن أجازوا وتنازعوا فيمن يسقط بدله .. فسخ العقد) لتعذر إمضائه. (وإذا نضل حزب .. قسم المال بحسب الإصابة) لأن الاستحقاق بها، فمن لا إصابة له .. لا شيء له، ومن أصاب .. أخذ بحسب إصابته، (وقيل: بالسوية) لأنهم كالشخص الواحد؛ كما أن المنضولين يغرمون بالسوية، وهذا هو الصحيح في

стр. 2207

وَيُشْتَرَطُ فِي الإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّضْلِ، فَلَوْ تَلِفَ وَتَرٌ أَوْ قَوْسٌ، أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ .. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا .. لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَقَلَتْ رِيحٌ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ .. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا .. فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ، === "أصل الروضة"، والأشبه في "الشرحين"، لكن في "المحرر": أن الأشبه: الأول، وتبعه المصنف، قال في "المهمات": ولعل ما وقع في "المحرر" سبق قلم (١). [وهذا محله: في حالة الإطلاق؛ فإن شرطوا أن يقسموا على الإصابة .. فالشرط تبع، وللإمام فيه احتمال] (٢). (ويشترط في الإصابة المشروطة: أن تحصل بالنضل) لأنه المتعارف (٣). (فلو تلف وتر أو قوس) قبل خروج السهم، لا بتقصيره وسوء رميه (أو عرض شيء) كشخص أو بهيمة (انصدم به السهم وأصاب .. حسب له) لأن الإصابة مع النكبة العارضة تدل على جودة رميه وقوته. (وإلا) أي: وإن لم يصب ( .. لم يحسب عليه) إحالة له على السبب العارض؛ فإن تلف الوتر أو القوس لسوء رميه وتقصيره .. حسب عليه. (ولو نقلت ريح الغرض فأصاب موضعه .. حسب له) إن كان الشرط القرع؛ لأنه لو كان موضعه .. لأصابه، فإن كان الشرط هو الخزق، فثبت السهم، والموضع في صلابة الغرض .. حسب له. (وإلا) أي: وإن لم يصب موضعه ( .. فلا يحسب عليه) وهذا مخالف لما في "الشرح"، و"الروضة"؛ فإن فيهما: ولو أصاب الغرض في الموضع المنتقل إليه .. حسب عليه لا له. انتهى (٤)، فإصابة الغرض في الموضع المنتقل إليه هي من

стр. 2208

وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ فَثَقَبَ وَثبتَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَقِيَ صَلَابَةً فَسَقَطَ .. حُسِبَ لَهُ. === صور ألا يصيب موضع الغرض، ويؤخذ منه الحساب عليه بطريق الأولى إذا لم يصبه، قال في "المهمات": والمسألة مذكورة في أكثر نسخ "المحرر" على الصواب -أي: فإنه قال: وإلا .. فلا؛ أي: لم يحسب له- وفي بعضها كـ "المنهاج" فلعلها الواقعة له (١). (ولو شرط خسق فثقب وثبت ثم سقط، أو لقي صلابة فسقط .. حسب له) أما في الأولى .. فكما لو نزعه غيره، وأما في الثانية .. فلظهور العذر، وهو الصلابة المانعة من الخسق. * * *

стр. 2209

كتابُ الأيمان لَا تنعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ؛ كَقَوْلهِ: (وَاللهِ)، (وَرَبِّ الْعَالَمِينَ)، (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)، (وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ)، وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ ، === (كتاب الأيمان) هي بالفتح: جمع يمين، مأخوذة من اليمين الذي هو العضو؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا .. وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، وهي في الشرع -كما قاله الإمام-: تحقيق الشيء وتقريره باسم الله تعالى أو صفته، نفيًا كان أو إثباتًا (١). والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقوله ﵇: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" (٢) إلى غير ذلك من الأحاديث الشهيرة، وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين وتعلق الكفارة بالحنث فيها. (لا تنعقد إلا بذات الله تعالى، أو صفة له؛ كقوله: "والله"، "وربِّ العالمين"، "والحيِّ الذي لا يموت"، "ومن نفسي بيده"، وكل اسم مختص به كالإله، وملك يوم الدين؛ لأن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته. وإطلاق هذا مختص بالله تعالى؛ فلا ينعقد بالمخلوقات، كـ: (وحقِّ النبي)، و (جبريل)، و (الملائكة)، و (الكعبة) لما في "الصحيحين": "إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا .. فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" (٣). قال الشافعي: وأخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية (٤).

стр. 2210

وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ). وَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ عِنْدَ الإِطْلَاقِ كـ (الرَّحِيمِ)، وَ (الْخَالِقِ)، وَ (الرَّازِقِ)، وَ (الرَّبِّ) .. تنعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ، وَمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالْحَيِّ .. لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيةٍ. وَالصِّفَةُ؛ كـ (وَعَظَمَةِ اللهِ)، (وَعِزَّتِهِ)، (وَكِبْرِيَائِهِ)، (وَكَلَامِهِ)، === وما صرح به المصنف من أن (الله) اسم للذات هو الصحيح؛ ولهذا تجري الصفات عليه فيقول: اللهُ الرحمنُ الرحيمُ. وقيل: هو اسم للذات مع جملة الصفات، فإذا قلت: (الله) .. فقد ذكرت جملة صفات الله تعالى. و(العالم) بفتح اللام: كلُّ المخلوقات. (ولا يقبل قوله: "لم أرد به اليمين") لأنها صريحة في اليمين. (وما انصرف إليه عند الإطلاق) وينصرف إلى غيره بالتقييد (كـ"الرحيم"، و"الخالق"، و"الرازق"، و"الربّ" .. تنعقد به اليمين) وإن أطلق؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه (إلا أن يريد غيره) فيقبل، ولا يكون يمينًا؛ لأنه قد يستعمل في حقّ غيره؛ كرحيم القلب، وخالق الكذب، ورازق الجيش، وربّ الدار، قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾. (وما استعمل فيه وفي غيره سواء؛ كالشيء والموجود والعالم والحي .. ليس بيمين) لأنه ليس باسم معظم (إلا بنيَّةٍ) لأنها لما استعملت فيه وفي غيره سواء .. أشبهت كنايات الطلاق. وما جزم به من كونه يمينًا عند النية هو الأصح في "زوائد الروضة"، لكن الأظهر في "الشرحين": أنه ليس بيمين (١)؛ لفقد التصريح بالاسم المعظم؛ فإن ما ينطلق على الله وعلى غيره انطلاقًا واحدًا ليس له حرمة. ومنع المصنف قولهم: ليس له حرمة. (والصفة؛ كـ: "وعظمة الله"، "وعزته"، "وكبريائه"، "وكلامه"،
следующие страницы →