← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

وَالصَّبِيُّ كَبَالِغٍ في تَكْفِينهِ بِأَثْوَابٍ. وَالْحَنُوطُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: وَاجِب. وَلَا يَحْمِلُ الْجِنَازَةَ إِلَّا الرِّجَال وَإِنْ كَانَتْ أُنْثى، وَيَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ، وَهَيْئَةٍ يُخَافُ مِنْهَا سُقُوطُهَا. وَيُنْدَبُ لِلْمَرْأَةِ مَا يَسْتُرُهَا كَتَابُوتٍ. وَلَا يُكْرَهُ الركُوبُ في الرُّجُوعِ مِنْهَا. وَلَا بَأْسَ بِاتِّبَاعِ الْمُسْلِمِ جِنَازَةَ قَرِيبِهِ الْكَافِرِ. وَيُكْرَهُ اللَّغْطُ في الْجِنَازَةِ === (والصبي كبالغ في تكفينه بأثواب) لأنه ذكر، فأشبه البالغ. (والحنوط مستحب) وليس بواجب؛ كما لا يجب الطيب للمفلس وإن وجبت كسوتُه، (وقيل: واجب) لأنه المنقول من عهده ﵇ وإلى زماننا. (ولا يحمل الجنازة إلا الرجال وإن كانت أنثى) لضعف النساء عن العمل. (ويحرم حملها على هيئة مزرية) كحملها في قُفَّة ونحوها، (وهيئة يخاف منها سقوطها) لأنه تعريض لإهانته. (ويندب للمرأة ما يسترها؛ كتابوت) ويقال له: المِكَبَّة، وهو: ما يوضع على سرير المرأة ويُغطَّى بثوب؛ ليسترها، وأول من فُعل له ذلك زينبُ زوجة النبي ﷺ ، وكانت قد رأته بالحبشة لَمَّا هاجرت، وأوصت به (١). (ولا يكره الركوب في الرجوع منها) لفعله له ﵇؛ كما رواه مسلم (٢). وقضيته: أنه يكره في الذهاب معها، وهو كذلك إلا لمعذور؛ لبعد القبر، أو ضعف. (ولا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر) لأمره ﵇ عليًّا أن يواري أبا طالب؛ كما رواه أبو داوود (٣)، ولا يكره، خلافًا للروياني (٤)، ولا يحرم زيارة قبره على الأصحِّ في "شرح المهذب" (٥). (ويكره اللغط) وهو رفع الأصوات (في الجنازة) لكراهة الصحابة له؛ كما رواه البيهقي (٦)، ولا يرفع صوته بقراءة ولا ذكر ولا غيرهما، بل يشتغل بالتفكر في الموت

стр. 457

وَإِتْبَاعُهَا بِنَارٍ. وَلَوِ اخْتَلَطَ مُسْلِمُونَ بِكُفَّارٍ .. وَجَبَ غَسْلُ الْجَمِيعِ وَالصَّلَاةُ، فَإِنْ شَاءَ .. صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ بِقَصْدِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ الأَفْضَلُ وَالْمَنْصُوصُ، أَوْ عَلَى واحدٍ فَوَاحِدٍ نَاوِيًا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا، وَيَقُولُ: (اللهُمَّ؛ اغْفِرْ لَهُ إِنْ كَانَ مُسْلِمًا). وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ: تقدُّمُ غُسْلِهِ -وَتكرَهُ قَبْلَ تَكْفِينهِ- === وما يتعلق به، وما يفعله جهلة القراء من القراءة بالتمطيط وغيره .. فحرام يجب إنكاره، قاله في "شرح المهذب" (١). (وإتْباعُها بنار) بنحو مِجْمَرة فيها بَخُور بالإجماع؛ كما ذكره ابن المنذر؛ لما فيه من التفاؤل القبيح (٢). (ولو اختلط مسلمون) أو مسلم (بكفار .. وجب غسل الجميع والصلاة) لأن غسل المسلم واجب، وهو لا يتحقق إلا بذلك. (فإن شاء .. صلّى على الجميع) صلاة واحدة (بقصد المسلمين، وهو الأفضل والمنصوص) لأنه ليس فيها صلاة على كافر حقيقة، والنية جازمة، (أو على واحد فواحد ناويًا الصلاة عليه إن كان مسلمًا، ويقول: "اللهم؛ اغفر له إن كان مسلمًا") ويعذر في تردد النية؛ للضرورة؛ كمن نسي صلاةً من الخمس، ويدفنون بين مقابر المسلمين والكفار. ولو اختلط الشهداء بغيرهم من المسلمين .. تخير بين الجمع والإفراد، وإذا صلّى على واحد .. لم يقل: "اللهم؛ اغفر له إن كان غير شهيد"، بل يطلق، قاله البُلْقِيني، وهو ظاهر. (ويشترط لصحة الصلاة: تقدم غسله) أو تيممه بشرطه؛ لأنه المنقول، ولأنه كالإمام. (وتكره قبل تكفينه) كذا قاله في "زيادة الروضة" (٣)، واستشكل؛ لأن المَعنيين

стр. 458

فَلَوْ مَاتَ بِهَدْمٍ وَنَحْوِهِ وَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ وَغُسْلُهُ .. لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. ويُشْتَرَطُ أَلَّا يَتَقَدَّمَ عَلَى الْجِنَازَةِ الْحَاضِرَةِ، وَلَا الْقَبْرِ عَلَى الْمَذْهَب فِيهِمَا. وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ في الْمَسْجِدِ، وَيُسَنُّ جَعْلُ صُفُوفهِمْ ثَلَاثة فَأَكْثَرَ. وَإِذَا صُلِّيَ عَلَيْهِ فَحَضَرَ مَنْ لَمْ يُصَلِّ .. صلَّى، ... === السابقين موجودان فيه، فالقول بأن الغسل شرط دون التكفين .. يحتاج إلى دليل. (فلو مات بهدم ونحوه وتعذر إخراجه وغسله .. لم يصل عليه) لفوات الشرط. (ويشترط ألا يتقدم على الجنازة الحاضرة، ولا القبر على المذهب فيهما) لما جرى عليه الأولون؛ كما في الإِمام، والثاني: يجوز المتقدم عليها؛ لأن الميت ليس بإمام متبوع حتى يتعين تقديمه. واحترز بـ (الحاضرة): عن الغائبة التي هي وراء المصلّي؛ فإنه يجوز. (وتجوز الصلاة عليه في المسجد) لأنه ﵇ صلّى على ابني بيضاء سهيل وأخيه في المسجد؛ كما رواه مسلم (١). بل الصلاة عليه في المسجد أفضل؛ كما قاله في "زيادة الروضة"، قال: وحديث: "مَنْ صلَّى عَلَى جِنَازَةٍ في الْمَسْجِدِ .. فَلَا شَيْءَ لَهُ" .. ضعيفٌ (٢). نعم؛ إن خيف منه تلويث المسجد .. فلا يجوز. (ويسن جعل صفوفهم ثلاثة فأكثر) لحديث: "مَنْ صلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثة صُفُوفٍ .. فَقَدْ أَوْجَبَ" أي: حصلت له المغفرةُ، صححه الحاكم، وفي رواية: "فَقَدْ غُفِرَ لَهُ" (٣). (وإذا صُلّي عليه فحضر من لم يصلّ .. صلّى) لأنه ﵇ صلّى على قبور جماعة، ومعلوم أنهم إنما دفنوا بعد الصلاة عليهم (٤).

стр. 459

وَمَنْ صَلَّى .. لَا يُعِيدُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا تُؤَخَّرُ لِزِيَادَةِ مُصَلِّينَ. وَقَاتِلُ نَفْسِهِ كَغَيْرِهِ في الْغُسْلِ وَالصَّلَاةِ. وَلَوْ نَوَى الإِمَامُ صَلَاةَ غَائِبٍ، وَالْمَأْمُومُ صَلَاةَ حَاضِرٍ، أَوْ عَكَسَ .. جَازَ. وَالدَّفْنُ في الْمَقْبَرَةِ أَفْضَلُ، وَيُكْرَهُ الْمَبِيتُ بِهَا === (ومن صلّى .. لا يعيد على الصحيح) أي: لا تستحب له الإعادة وإن صلّى منفردًا؛ لأن صلاة الجنازة لا يتنفل بها، والثاني: تستحب الإعادة؛ كغيرها، والثالث: إن صلّى منفردًا ثم وجد جماعةً .. استحبت الإعادة معهم؛ لحيازة فضيلتها، وإلا .. فلا، وقيل: تحرم الإعادة، وإذا قلنا بالصحيح فأعادها .. صحت نفلًا على الصحيح في "شرح المهذب" (١)، وقيل: فرضًا. وفائدة الخلاف: جواز الخروج منها، وفيه احتمال لوالد الروياني (٢). (ولا تؤخر لزيادة مصلين) للأمر بإسراع الجنازة (٣). نعم؛ لا بأس بانتظار وليها إن لم يُخش تغيرُها. (وقاتل نفسه كغيره في الغسل والصلاة) لحديث: "الصَّلَاةُ وَاجِبَة عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ" رواه البيهقي، وقال: هو أصحُّ ما في الباب، إلا أن فيه إرسالًا (٤)، والمرسل حجة إذا اعتضد بأحد أمور؛ منها: قول أكثر أهل العلم، وهو موجود هنا. (ولو نوى الإِمام صلاة غائب والمأموم صلاة حاضر، أو عكس .. جاز) لأن اختلاف نيتهما لا يضر؛ كما لو صلى الظهر وراء مصلّي العصر. (والدفن في المقبرة أفضل) لكثرة الدعاء له بتكرر الزائرين والمارّين، وفي "فتاوى القفال": إن الدفن في البيت مكروه. (ويكره المبيت بها) لما فيها من الوحشة.

стр. 460

وَيُنْدَبُ سَتْرُ الْقَبْرِ بِثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ رَجُلًا، وَأَنْ يَقُولَ: (بِاسْمِ اللهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُول اللهِ ﷺ . وَلَا يُفْرَشُ تَحْته شَيْءٌ وَلَا مِخَدَّةٌ. وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ في تَابُوب إِلَّا في أَرْضٍ نَدِيَّةٍ أَوْ رِخْوَةٍ. وَيَجُوزُ الدَّفْنُ لَيْلًا، وَوَقْتَ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ إِذَا لَمْ يَتَحَرَّهُ، وَغَيْرُهُمَا أَفْضلُ === (ويندب ستر القبر بثوب) عند إدخال الميت؛ لأنه أستر، لما عساه أن ينكشف مما كان يُحبّ سترَه، (وإن كان الميت رجلًا) (١) لما ذكرناه، (وأن يقول) الذي يُدخله القبر: ("باسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ") للاتباع؛ كما صححه ابن حبان والحاكم (٢). (ولا يفرش تحته شيء ولا مخدة) بل يكره؛ لأن فيه إضاعةَ مال. (ويكره دفنه في تابوت) بالإجماع؛ لأنه بدعة (إلا في أرض ندية أو رخوة) فلا يكره، وتنفذ وصيته به في هذه الحالة؛ للمصلحة، ويكون التابوت من رأس المال، كذا جزما به (٣). وفي "فتاوى القفال": أنه إذا أوصى بأن تجعل على رأسه عمامة، ويجعل في تابوت، ويوضع تحت رأسه فراش ووسادة .. أن كلّ ذلك يعتبر من الثلث. (ويجوز الدفن ليلًا) لأن عائشة وفاطمة والخلفاء الراشدين ما عدا عليّا ﵃ دفنوا ليلًا، وقد فعله ﵇؛ كما صححه الحاكم (٤). (ووقتَ كراهة الصلاة إذا لم يتحره) لأن له سببًا متقدمًا أو مقارنًا، وهو الموت، وحديث عقبة بن عامر في النهي عن ذلك محمول على التحري في تلك الأوقات (٥)، وهو أن يقصد التأخير لها مع التمكن منه قبلها أو بعدها، (وغيرهما أفضل) أي:

стр. 461

وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُ الْقَبْرِ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ، وَلَوْ بُنِيَ في مَقْبَرَةٍ مُسَبَّلَةٍ .. هُدِمَ. ويُنْدَبُ أَنْ يُرَشَّ الْقَبْرُ بِمَاءٍ، وَيُوضَعَ عَلَيْهِ حَصَىً، وَعِنْدَ رَأْسِهِ حَجَر أَوْ خَشَبَةٌ، وَجَمْعُ الأَقَارِبِ في مَوْضِعٍ، === الدفن في غير هذين الوقتين أفضلُ، بشرط: ألا يخاف من تأخيره بالليل إلى النهار ومن وقت الكراهة إلى غيرها تغيرا. (ويكره تجصيص القبر) أي: تبييضه (والبناء) عليه (والكتابة عليه) للنهي عن ذلك، ولا بأس بتطيين القبر، نص عليه (١). (ولو بني في مقبرة مسبلة .. هدم) (٢) لما فيه من التضييق على الناس، قال الشافعي: وإن كان البناء في ملكه، فإن لم يكن محظورًا .. لم يكن مختارًا. وبناء القبور بالآجرّ ونحوه مكروه أيضًا؛ كما اقتضاه كلام الحضرمي شارح "التنبيه". (ويندب أن يرش القبر بماء) للاتباع (٣)؛ حفظا للتراب أن ينهار، وتفاؤلًا بتبريد المضجع. وخرج بالماء: ماء الورد فإنه يكره؛ لأنه إضاعة مال، ويكره أيضًا: أن يطلى بالخَلوق. (ويوضع عليه حصىً، وعند رأسه حجر أو خشبة) للاتباع (٤). (وجمع الأقارب في موضع) لأنه أسهل على الزائر.

стр. 462

وَزِيَارَةُ الْقُبُورِ لِلرِّجَالِ، وَتُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ، وَقِيلَ: تَحْرُمُ، وَقِيلَ: تُباحُ، ويُسَلِّمُ الزائِرُ وَيَقْرَأُ وَيَدْعُو. وَيَحْرُمُ نَقْلُ الْمَيِّتِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ -وَقِيلَ: يُكْرَهُ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوِ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ نَصَّ عَلَيْهِ. === (وزيارة القبور للرجال) بالإجماع، كما نقله في "شرح المهذب" (١)، ويستحب الوضوء لزيارة القبور، كما قاله القاضي الحسين في "شرح الفروع"، (وتكره للنساء) لأنها مظنة لطلب بكائهن، ورفع أصواتهن، لما فيهن من رقة القلوب، وكثرة الجزع، وقلة احتمال المصائب. ويستثنى: زيارة قبره ﷺ على ما دلّ عليه كلامهم في الحج حيث قالوا: يستحب لكل من حج: أن يزور قبره ﷺ ، وألحق الدَّمَنْهُوري به قبور الأنبياء، والشهداء، والصالحين. (وقيل: تحرم) لحديث: "لَعَنَ الله زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ" صححه الترمذي (٢)، (وقيل: تباح) إذا لم يخش محذورًا؛ لأنه ﷺ مرّ بامرأة عند قبر تبكي على صبي، فقال لها: "اِتَّقِي الله وَاصْبِرِي" (٣)، فلو كانت الزيارة حراما .. لنهاها عنها. (ويسلّم الزائر) للاتباع (٤)، (ويقرأ ويدعو) له عقب القراءة، رجاءَ الإجابة، ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة. (ويحرم نقل الميت) قبل دفنه من بلد (إلى بلد آخر) لأن فيه تأخير دفنه، وتعريضًا لهتك حرمته، ولو أوصى بنقله .. لم تنفذ وصيته، (وقيل: يكره) إذ لم يرد على تحريمه دليل. (إلا أن يكون بقرب مكة أوالمدينة أو بيت المقدس) أي: فإنه ينقل إليها؛ لفضلها (نصّ عليه) وهذا ظاهر إن لم يوجب النقلُ تغيرًا.

стр. 463

وَنَبْشُهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لِلنَّقْلِ وَغَيْرِهِ حَرَامٌ إِلَّا لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ دُفِنَ بلَا غُسْلٍ، أَوْ في أَرْضٍ أَوْ ثَوبٍ مَغْصُوبَيْنِ، أَوْ وَقَعَ فِيهِ مالٌ، أَوْ دُفِنَ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ، لَا لِلَتكفِينِ في الأَصَحِّ === ولو كان بقرب قرية أهلها صالحون .. فلا يبعد أن يلتحق بالأماكن الثلاثة، قاله المحب الطبري، وقال أيضًا: إنه لو أوصى بنقله من بلد موته إلى الأماكن الثلاثة .. لزم تنفيذُ وصيته، وعزاه إلى بعض أصحابنا باليمن، قال الأَذْرَعي: وليكن الفرض عند القرب وأمن التغير، لا مطلقًا. (ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام) لأن فيه هتكًا لحرمة الميت (إلا لضرورة بأن دفن بلا غسل) ولا تيمم بشرطه؛ لأنه واجب فاستدرك عند فوته، ومحله: ما لم يتغير، قال الماوردي: بالنتن، وقال القاضي أبو الطيب: بالتقطع. (أو في أرض أو ثوب مغصوبين) ليصل المستحق إلى حقه، والكفن الحرير كالمغصوب، قال في "زيادة الروضة": وفيه نظر، وينبغي القطع فيه بعدم النبش (١). (أو وقع فيه) أي: في القبر (مال) وإن قلّ؛ لأن تركه إضاعةُ مالك، (أو دفن لغير القبلة) استدراكا للواجب؛ إذ التوجيه للقبلة واجب على الأصحِّ، ومحله: ما لم يتغير، فإن تغير .. لم ينبش. (لا للتكفين في الأصح) لأن غرض التكفين الستر، وقد حصل بالتراب مع ما في النبش من الهتك، والثاني: ينبش؛ كالغسل بجامع الوجوب. وينبش أيضًا في صور: منها: أن يبتلع في حياته مالًا لغيره، ثم مات، وطلب صاحبه الرد .. شقّ جوفه ورد، قال في "العدة": إلا أن يضمن الورثةُ مثلَه أو قيمته، فلا ينبش على الأصحِّ، قاله في "أصل الروضة"، وقال في "شرح المهذب": ما في "العدة" غريب، والمشهور: إطلاق الشق من غير تفصيل، ولو بلع مالك نفسه ومات .. لم يخرج على الأصح في "زيادة الروضة" (٢)، ومنها: لو دفنت المرأة وفي بطنها جنين ترجى حياتُه .. نبشت وشقّ جوفها، ومنها: لو قال: إن ولدت ذكرًا .. فأنت طالق طلقة، أو أنثى .. فطلقتين، فولدت ميتا ودفن وجهل حاله، فالأصحُّ من

стр. 464

وَيُسَنُّ أَنْ تَقِفَ جَمَاعَةٌ بَعْدَ دَفْنِهِ عِنْدَ قَبْرِهِ سَاعَةً يَسْأَلُونَ لَهُ التَّثْبِيتَ، وَلِجِيرَانِ أَهْلِهِ تهيِئَةُ طَعَامٍ يُشْبِعُهُمْ يَوْمَهُمْ وَلَيْلَتَهُمْ، وَيُلَحُّ عَلَيْهِمْ في الأَكْلِ، وَيَحْرُمُ تَهْيِئَتُهُ لِلنَّائِحَاتِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === "زوائد الروضة" في الطلاق: نبشه (١)، ومنها: أن يلحقه سيل أو نداوة، فينبش لينقل على الأصحِّ في "شرح المهذب" (٢). (ويسن أن تقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت) (٣) لأنه ﵇ كان إذا فرغِ من دفن الميت .. وقف عليه وقال: "اسْتَغْفِرُوا لأَخِيكُمْ وَاسْأَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ؛ فَإِنَّهُ الآن يُسْأَل" رواه أبو داوود، وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد (٤). ويستحب تلقين الميت عند دفنه، لحديث ورد فيه (٥)، قال في "الروضة": والحديث وإن كان ضعيفًا لكنه اعتضد بشواهد من الأحاديث "الصحيحة" ولم يزل أهل الشام على العمل به من العصر الأول، وفيهم من يقتدى به، ولا يلقن الطفل ونحوه (٦). (ولجيران أهله) ولأقاربه الأباعد (تهيئة طعام يشبعهم يومهم وليلتهم) لقوله ﵇ لَمَّا جاء قتل جعفر: "اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا، فَقَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ" صححه الحاكم (٧)، ولو كان الميت في بلد آخر .. فالمخاطَب جيرانُ أهله؛ كما دلّ عليه كلامه. (ويلح عليهم في الأكل) استحبابًا؛ لأنه ربما تركوه استحياء، أو لفرط الجزع. (ويحرم تهيئته للنائحات، والله أعلم) لأنه إعانة على معصية، وأما إصلاح أهل الميت طعامًا، وجمع الناس عليه .. فهو بدعة غير مستحبة. * * *

стр. 465

كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان إِنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ في النَّعَمِ -وَهِيَ: الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ- لَا الْخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ === (كتاب الزكاة) هي لغة: النمو والبركة، يقال: زكا الزرع: إذا نما، ويطلق على المدح؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلى التطهير؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها عن الأدناس، وفي الشرع: اسم لقدر من مال مخصوص، يُصرف لطائفة مخصوصة، على أوصاف مخصوصة، وسمي بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجه، ويُطهِّر مُخرجَه من الإثم، ويَمدحه حين يشهد له بصحة الإيمان. والأصل في وجوبها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ومن السنة: حديث: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" (١)، وغير ذلك مما يأتي مُفرَّقا. (باب زكاة الحيوان) بدأ به؛ اقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لأنس ﵄، وقد أخرجه البخاري بطوله مُفرَّقا (٢). (إنما تجب منه في النعم، وهي: الإبل والبقر) الأهلية (والغنم) أما وجوبها في هذه الثلاثة .. فمجمع عليه، وأما عدم الوجوب فيما عداها .. فعلى الأصل (لا الخيل والرقيق) إذا لم تكن للتجارة (٣)؛ لحديث: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" متفق عليه (٤)، (والمتولد من غنم وظباء) لأنها لا تُسمّى غنمًا، وإنما

стр. 466

وَلَا شَيْءَ في الإِبِلِ حَتَّى تبلُغَ خَمْسًا، فَفِيهَا: شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ: شَاتَانِ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ: ثَلَاثٌ، وَعِشْرِينَ: أَرْبَعٌ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلسِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَلسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ، وَإِحْدَى وَسِتِّينَ: جَذَعَةٌ، وَسِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتسْعِينَ: حِقَّتَانِ، وَمِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ في كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَكُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّة. وَبِنْتُ الْمَخَاضِ: لَهَا سَنَةٌ، === وجب الجزاء فيه على المحرم؛ تغليظًا، والزكاةُ مبنية على التخفيف. (ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسًا) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ (١) مِنَ الإبِلِ صَدَقَة" متفق عليه (٢). (ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وخمس عشرة ثلاث، وعشرين أربع، وخمس وعشرين بنت مخاض، وست وثلاثين بنت لبون، وست وأربعين حقة، وإحدى وستين جذعة، وست وسبعين بنتا لبون، وإحدى وتسعين حقتان، ومئة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين حقة) لكتاب الصديق ﵁ في ذلك. وقوله: (ثم في كل أربعين ... ) إلى آخره قد يقتضي أن استقامة الحساب بذلك إنما يكون فيما بعد مئة وإحدى وعشرين، ولشى كذلك، بل يتغير الواجب بزيادة تسع، ثم بزيادة عشر؛ ففي مئة وثلاثين بنتا لبون وحقة، وفي مئة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مئة وخمسين ثلاث حقاق، وهكذا أبدًا، ولو أخرج بنتي لبون عن الحقة في ستة وأربعين، أو أخرج حقتين، أو بنتي لبون بدلًا عن الجذعة في إحدى وستين .. جاز على الصحيح في "زيادة الروضة" (٣) لأنهما يجزئان عما زاد. (وبنت المخاض: لها سنة) ودخلت في الثانية؛ لأن أمها آن لها أن تحمل مرة

стр. 467

واللَّبُونِ: سَنَتَانِ، وَالْحِقَّةُ: ثَلَاثٌ، وَالْجَذَعَةُ: أَرْبَع. وَالشَّاةُ الْوَاجبَةُ: جَذَعَةُ ضَأْنٍ لَهَا سَنَة -وَقِيلَ: سِتةُ أَشْهُرٍ- أَوْ: ثَنِيَّةُ مَعْزٍ لَهَا سَنَتَانِ، وَقِيلَ: سَنَةٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ، === أخرى، فتصير ماخضًا؛ أي: حاملًا؛ كما قاله الجوهري (١). (واللبون: سنتان) وطعنت في الثالثة، سميت بذلك؛ لأن أمها قد آن لها أن تضع ثانيًا، ويصير لها لبن. (والحقة: ثلاث) وطعنت في الرابعة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن تُركَب وتَحمل، وأن يَطرُقها الفحلُ، ويقال: للذكر حِقّ؛ لأنه استحق أن يَطرُق. (والجذعة: أربع) وطعنت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها تُجذع مُقدَّم أسنانها؛ أي: تسُقطها، وقيل: لتكامل أسنانها. وهذا آخر أسنان الزكاة، وهو نهاية الحسن من حيث الدَّرُّ والنسلُ. (والشاة الواجبة) فيما دون خمس وعشرين (جذعة ضأن لها سنة، وقيل: ستة أشهر (وقيل: إن المتولد بين شاتين يُجذع لستة أشهر إلى سبعة، وبين هَرِمين لثمانية. (أو ثنية معز لها سنتان، وقيل: سنة) ووجه عدم إجزاء ما دون هذين السِّنَّين الإجماع، وغلط من قال: يجزئ هنا ما ينطلق عليه اسمُ شاة؛ كما قاله الدارمي. (والأصح: أنه مخير بينهما) أي: بين الضأن والمعز. (ولا يتعين غالب غنم البلد) لحديث: "في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ" (٢)، والشاة تطلق على الضأن والمعز. نعم؛ لا يجوز الانتقال عن غنم البلد إلى غنم بلد آخر إلا إذا كان مساويًا لها في القيمة، أو أعلى منها، فإذا كان بمكة .. فشاة مكية، أو ببغداد .. فبغدادية ضأنية أو ماعزة، والثاني: يتعين غالب غنم البلد؛ كالكفارة، والثالث: يتعين نوع غنم

стр. 468

وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَكَذَا بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ الْمَخَاضِ .. فَأبْنُ لَبُونٍ، === المُزكِّي، وقيل: يجوز من غير غنم البلد مطلقًا، قال في "شرح المهذب": وهو قوي دليلًا شاذّ نقلًا (١). (وأنه يجزئ الذكر) أي: الجذع من الضأن، والثنيّ من المعز؛ كالأضحية؛ لصدق اسم الشاة عليه؛ فإن (الهاء) فيه ليست للتأنيث، والثاني: لا؛ كالشاة المخرجة من أربعين من الغنم، وقيل: إن تمحضت إبلُه ذكورًا .. جاز، وإلا .. فلا. (وكذا بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين) وإن نقصت قيمته عن قيمة الشاة؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فعما دونها أولى، والثاني: لا يجزئ عن خمس إن نقصت قيمتُه عن قيمة شاة، ولا عن عشر إن نقصت عن قيمة شاتين وهكذا، نظرًا إلى أن الشاة أصل، والبعيرَ بدل عنها، والثالث: لا يجزئ في العشر إلا حيوانان: شاتان، أو بعيران، أو شاة وبعير، ولا في الخمسة عشر إلا ثلاثة، ولا في العشرين إلا أربعة. وقوله: (بعير الزكاة) من زياداته على "المحرر" (٢) واحترز به: عمّا لا يجزئ فيها، فلو كان ابن سنة إلا يومًا .. لم يُجْزِ، كما قاله في "الدقائق" (٣). قال في "شرح المهذب": ولا بدّ أن يكون أنثى (٤)؛ أي: فلا يجزئ ابن اللبون هنا وإن أجزأ هناك في حالة (فإن عدم بنت المخاض) بأن لم تكن في إبله حالة الإخراج (فابن لبون) وإن نقصت قيمته عنها؛ للنص فيه (٥). ولا يكلف شراء بنت مخاض وإن قدر عليها، بخلاف الكفارة؛ لأن الزكاة مبنية على التخفيف، بخلافها.

стр. 469

وَالْمَعِيبَةُ كَمَعْدُومَةٍ. وَلَا يُكَلَّفُ كَرِيمَةً لكِنْ تَمْنَعُ ابْنَ لَبُونٍ في الأَصَحِّ. وَيُؤْخَذُ الْحِقُّ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ في الأَصَحِّ === والمغصوبة والمرهونة كالمعدومة؛ كما في "شرح المهذب" عن الدارمي وغيره (١). ويجزئ الخنثى من أولاد اللبون على الأصحِّ، ولا يجزئ الخنثى من أولاد المخاض قطعًا. ولو عدم بنت المخاض وعنده ابن لبون وبنت لبون؛ فإن أخرج ابن اللبون .. جاز، وإن أخرج بنت اللبون من غير جبران .. جاز، فإن أراد أخذ الجبران .. لم يجز في الأصحِّ؛ لاستغنائه عنه، ولو فقد ابن اللبون مع بنت المخاض .. اشترى ما شاء منهما، وقيل: يتعين شراء بنت المخاض؛ لأن استواءهما في العلم كاستوائهما في الوجود. (والمعيبة كمعدومة) لأنها غير مجزئة؛ فيجوز إخراج ابن اللبون مع وجودها. (ولا يكلف كريمةً) أي: إذا كانت إبلُه مهازيلَ، وعنده بنت مخاض كريمةٌ؛ لقوله ﷺ لمعاذ: "إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" متفق عليه (٢). (لكن تمنع) الكريمة (ابن لبون في الأصح) لوجود بنت مخاض مجزئة في ماله، والثاني: لا تمنع؛ لأنه لا يلزمه إخراجُها، فهي كالمعدومة. (ويؤخذ الحق عن بنت مخاض) عند فقدها؛ لأنه أولى من ابن اللبون، (لا عن بنت لبون في الأصح) بخلاف ابن اللبون حيث أجزأ عن بنت المخاض؛ لورود النص ثَمَّ، وليس هذا في معناه؛ لأن زيادة سنّ ابن اللبون علي بنت المخاض زيادةٌ توجب اختصاصه بقوة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع. والتفاوت بين بنت اللبون والحِقّ لا يوجب اختصاص الحِقّ بهذه القوة، بل هي موجودة فيهما جميعًا، والثاني: يؤخذ؛ قياسًا على أخذ ابن اللبون عن بنت المخاض.

стр. 470

وَلَوِ اتّفَقَ فَرْضَانِ كَمِئَتَيْ بَعِيرٍ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، بَلْ هُنَّ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ وُجِدَ بِمَالِهِ أَحَدُهُمَا .. أُخِذَ، وَإِلَّا .. فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ -وَقِيلَ: يَجِبُ الأَغْبَطُ لِلْفُقَرَاءِ- وإِنْ وَجَدَهُمَا .. فَالصَّحِيحُ: تَعَيُّنُ الأَغْبَطِ، === (ولو اتفق فرضان كمئتي بعير .. فالمذهب: أنه لا يتعين أربع حقاق، بل هنّ، أو خمس بنات لبون) لقوله ﵊: "فَإِذَا كَانَتْ مِئَتينِ .. فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيُّ السِّنَّيْنِ وُجِدَتْ .. أُخِذَتْ" رواه أبو داوود (١). وفي قول: تتعين الحقاق؛ لأن تغيير الواجب بالسنّ أكثر من تغييره بالعدد، فكان الاعتبار بالسن أولى، ألا ترى أن الشارع ترقى في نُصُبها إلى منتهى الكمال في الأسنان، وهي الجذعة، ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة فيه، والطريق الثاني: القطع بالأول، وتأويل الثاني على ما إذا لم توجد الحقاق. (فإن وجد بماله أحدهما أخذ) وإن كان المفقود أغبط، وأمكن تحصيله؛ للحديث السالف، (وإلا) أي: وإن لم يوجد مسألة واحد منهما، أو وجدا مَعيبين (فله تحصيل ما شاء) من النوعين، فإنه إذا حصل أحدهما .. صار واجدًا له دون الآخر، فيجزئه. (وقيل: يجب الأغبط) أي: تحصيله (للفقراء) (٢) لأن استواءهما في العدم كاستوائهما في الوجود، وعند وجودهما يجب إخراج الأغبط؛ كما سيأتي. (وإن وجدهما) بصفة الإجزاء (فالصحيح: تعين الأغبط) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وَالثَّاني -خرجه ابن سُرَيج-: أن المالك بالخيار؛ كما يتخير في الجبران بين الشاة والدراهم، وعند فقد الواجب بين الصعود والنزول، لكن يستحب له إخراج الأغبط إلا أن يكون ولي يتيم ونحوه، فيراعي حظَّه. والمراد بـ (الأغبط): ما كان فيه مصلحة للفقراء؛ إما لزيادة القيمة، أو لغير ذلك؛ كاحتياجهم إلى الحِقاق؛ لحرث أو حمل ونحوهما؛ كاتبه عليه الرافعي في أثناء الفصل (٣).

стр. 471

وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إِنْ دَلَّسَ أَوْ قَصَّرَ السَّاعِي، وَإِلَّا .. فَيُجْزِئُ. وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ قَدْرِ التَّفَاوُتِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِهِ. وَمَنْ لَزِمَهُ: بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ .. دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَما. أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَدِمَهَا .. دَفَعَ بنْتَ مَخَاضٍ مَعَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَما، أَوْ حِقَّةً وَأَخَذَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا === (ولا يجزئ غيره) أي: غير الأغبط (إن دلس) المالك، بأن أخفى الأغبط (أو قصر الساعي) بأن أخذه مع العلم، أو أخذه بلا اجتهاد ونظرٍ في أن الأغبط ماذا؟ (وإلا .. فيجزئ) عن الزكاة، ويحسب منها؛ للمشقة الحاصلة في الردّ، والثاني: يجزئ مطلقًا؛ لأنه يجزئ عند الانفراد فكذا عند الاجتماع، والثالث: لا يجزئ مطلقًا؛ لأنه ظَهَرَ أن المأخوذ غير المأمور به. (والأصح: وجوب قدر التفاوت) أي: إذا قلنا: إنه يجزئ .. فيجب التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر نقصه؛ فإذا كانت قيمة الحقاق أربع مئة، وقيمةُ بنات اللبون أربعَ مئة وخمسين، وأخذ الحقاق .. فالتفاوت خمسون، والثاني: لا يجب، بل يستحب؛ لأن المُخرَج محسوب عن الزكاة، فلا يجب معه شيء آخر؛ كما إذا أدّى اجتهادُ الساعي إلى أخذ القيمة؛ بأن كان حنفيًّا، فإنه لا يجب شيء. (ويجوز إخراجه دراهم) لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المشاركة، والمراد: نقد البلد دراهم كان أو دنانير، (وقيل: يتعين تحصيل شقص به) أي: بالتفاوت، لأن العدول في الزكاة إلى غير جنس الواجب ممتنع عندنا، فعلى هذا: يجب أن يشتري به من جنس الأغبط؛ لأنه الأصل، وقيل: من جنس المُخرَج؛ لئلا يتبعض الواجب، فلو كان التفاوت يسيرًا لا يحصل به شِقْص .. دفع النقد؛ للضرورة. (ومن لزمه بنت مخاض فعدمها، وعنده بنت لبون .. دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا، أو) لزمه (بنت لبون فعدمها .. دفع بنت مخاض مع شاتين، أو عشرين درهمًا، أو حقة وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) هكذا رواه البخاري عن أنس في كتاب

стр. 472

وَالْخِيَارُ في الشَّاتينِ وَالدَّرَاهِمِ: لِدَافِعِهَا، وَفِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ: لِلْمَالِكِ في الأَصَحِّ إِلَّا أَنْ تكُونَ إِبلُهُ مَعِيبَةً. وَلَهُ صُعُودُ دَرَجَتَيْنِ وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ، === أبي بكر ﵄ (١). ومحل جواز دفع بنت اللبون عن بنت المخاض إذا عدمها وأخذ الجبران: ما إذا لم يكن عنده ابن لبون، فإن كان عنده .. امتنع ذلك على الأصحِّ. وقوله: (فعدمها) أي: في ماله وإن أمكنه تحصيلها، واحترز بذلك: عما إذا وجدها .. فإن النزول ممتنع، وكذا الصعود إلا ألا يطلب جبرانًا؛ لأنه خَيْر، وصفة هذه الشاة صفةُ الشاة المخرجة فيما دون خمس وعشرين من الإبل في جميع ما سبق، والمراد بالدراهم: النُّقْرَةُ الخالصة. (والخيار في الشاتين والدراهم لدافعها) سواء كان المالك أو الساعي؛ لحديث أبي بكر في ذلك. (وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح) لأنهما شُرعا تخفيفًا عليه حتى لا يُكلَّف الشراء، فناسب تخييره، والثاني: إن الاختيار إلى الساعي، ونص عليه في "الأم" (٢)؛ ليأخذ ما هو الأحظّ للفقراء. ومحل الخلاف: فيما إذا دفع المالك غير الأغبط، فإن دفعه .. لزم الساعي قبولُه قطعًا. (إلا أن تكون إبله معيبة) فلا يفوض إلى خيرته، بل إلى الساعي، وقضية كلامه: أنه لا خيرة للمالك حينئذ مطلقًا، وليس كذلك، بل له الخيرة في النزول، وفي الصعود إذا لم يأخذ جبرانًا، وإنما الممتنع الصعود مع طلب الجبران؛ لأن الجبران المذكور للتفاوت بين السنين السليمين، ومعلوم أن التفاوت بين المعيبين دون ذلك، فقد تزيد قيمة الجبران المأخوذ على المعيب المدفوع. (وله صعود درجتين، وأخذ جبرانين) كما لو وجب عليه بنت لبون فصعد إلى

стр. 473

وَنزولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ جُبْرَانَيْنِ بشَرْطِ تَعَذُّرِ دَرَجةٍ في الأَصَحِّ. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ جُبْرَانٍ مَعَ ثنَيّةٍ بَدَلَ جَذَعة عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَتُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ لِجُبْرَانَيْنِ === الجذعة عند فقد بنت اللبون والحقة. (ونزول درجتين مع جبرانين) كما إذا أعطى بدل الحقة بنت مخاض؛ لأن ذلك في معنى ما ثبت في الحديث (١) (بشرط تعذر درجة في الأصح) فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة، أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون؛ لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد، فأشبه ما لو صعد أو نزل مع إمكان أداء الواجب، والثاني: يجوز؛ لأن الموجود الأقرب ليس واجبَه، فوجوده كعدمه. نعم؛ لو سعد ورضي بجبران واحد .. جاز قطعًا، وحكمُ الصعود والنزول بثلاث درجات كدرجتين على ما مرّ؛ مثل: أن يعطي عن جذعة بنت مخاض، أو عكسه. (ولا يجوز أخذ جبران مع ثنية) وهي التي لها خمس سنين وطعنت في السادسة (بدل جذعة) عند عدمها (على أحسن الوجهين) لأنها ليست من أسنان الزكاة، فأشبه ما لو أخرج عن بنت المخاض فصيلًا، وهو: ما له دون سنة، فإن أخرج الثنية ولم يطلب جبرانا .. جاز؛ لأنه زاد خيرًا. (قلت: الأصح عند الجمهور: الجواز، والله أعلم) لأنها أعلى منها بعام، فجاز؛ كالجذعة مع الحقة. (ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) عن جبران واحد؛ لأن الخبر يقتضي التخيير بين شاتين وعشرين درهمًا، فلا تثبت خيرة ثالثة؛ كما لا تجوز في الكفارة الواحدة أن يطعم خمسة، ويكسوَ خمسة، ولو كان المالك هو الآخذ، ورضي بالتبعيض .. جاز، فإنه حقُّه، وله إسقاطه أصلًا. (وتجزئ شاتان وعشرون لجبرانين) كما يجوز إطعام عشرة مساكين في كفارة يمين، وكسوة عشرة في أخرى.

стр. 474

وَلَا شَيْءَ في الْبَقَرِ حَتَّى تبلُغَ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا: تبِيع ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ في كُلِّ ثَلَاثِينَ: تبِيع، وَكُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّة لَهَا سَنَتَانِ. وَلَا الْغَنَمِ حَتَّى تبلُغَ أَرْبَعِينَ فَشَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ، وَفِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ، وَمِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاث، وَأَرْبَعِ مِئَةٍ: أَرْبَعٌ، ثُمَّ في كُلِّ مِئَةٍ: شَاةٌ. فصلٌ [في بيان كيفية الإخراج] إِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمَاشِيَةِ .. أُخِذَ الْفَرْضُ مِنْهُ، === (ولا شيء في البقر حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع ابن سنة) ودخل في الثانية، سمي بذلك؛ لأنه يتبع أمّه في المَسْرَح، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه؛ أي: يساويها, ولو أخرج تبيعة .. أجزأت؛ لأنه زاد خيرًا. (ثم في كلّ ثلاثين تبيع، و) في (كلّ أربعين مسنة لها سنتان) ودخلت في الثالثة، سميت بذلك؛ لتكامل أسنانها؛ لأنه ﵊ بعث معاذًا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعًا، ومن كلّ أربعين مُسنَة، رواه الترمذي وحسنه (١). ولا جبران في زكاة البقر والغنم؛ لعدم وروده، ولو أخرج عن أربعين تبيعين .. أجزأه على الأصحِّ. (ولا) شيء في (الغنم حتى تبلغ أربعين فشاة جذعة ضأن، أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين شاتان، ومئتين وواحدة ثلاث، وأربع مئة أربع، ثم في كل مئة شاةٌ) لحديث أنس في ذلك، رواه البخاري (٢). * * * (فصل: إن اتحد نوع الماشية) بأن كانت إبَلُه كلُّها أَرْحَبِيّة أو مَهْرِيَّة، أو بقره كلُّها عِرابًا أو جواميسَ، أو غنمه كلُّها ضأنًا أو معزًا ( .. أخذ الفرض منه) لأنه المالك المشترك.

стр. 475

فَلَوْ أَخَذَ عَنْ ضَأْنٍ مَعْزًا أَوْ عَكْسُهُ .. جَازَ في الأَصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْقِيمَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ كَضَأْنٍ وَمَعْزٍ .. فَفِي قَوْلٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا .. فَالأَغْبَطُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَلَاثُونَ عَنْزًا وَعَشْرُ نَعَجَاتٍ .. أُخِذَ عَنْزٌ أَوْ نَعْجَة بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبُعِ نَعْجَةٍ. وَلَا تُؤْخَذُ مَرِيضَة، وَلَا مَعِيبَةٌ === (فلو أخذ عن ضأن معزًا، أو عكسه) أي: أخذ جذعة ضأن عن أربعين من المعز، أو ثنيةَ معز عن أربعين من الضأن ( .. جاز في الأصح بشرط رعاية القيمة) لاتفاق الجنس؛ كالمَهْرِيَّة مع الأَرْحَبيَّة، والثاني: المنع، كالبقر عن الغنم. وتصحيح أخذ الضأن عن المعزَ، وبالعكس كالمستثنى ممّا تقدم أولًا، وعبارة "الروضة" و"أصلها" و"شرح المهذب" تقتضي تصحيح المنع؛ فإنهما جزما به أولًا، فقالا: إن اتحد نوعُ الماشية .. أُخذ الفرضُ منه، ثم حكيا الخلافَ عن "التهذيب" وأنه صحح الجواز (١)، وكلام "التنبيه" يُفهم المنعَ أيضًا، وأقره عليه في "التصحيح" (٢). (وإن اختلف) النوع (كضأن ومعز) من الغنم، وكالأَرْحَبيّة والمَهْرِيَّة من الإبل، والجواميس مع العِراب من البقر ( .. ففي قول: يؤخذ من الَأكثر) وإن كان الأحظّ خلافه؛ اعتبارًا بالغلبة، كما نظرنا إلى الغالب في المُركَّب من الحرير وغيره. (فإن استويا .. فالأغبط) كما في اجتماع الحِقاق وبنات اللبون. (والأظهر: أنه يخرج ما شاء) من النوعين (مُقسطًا عليهما بالقيمة) رعاية للجانبين، والخيرةُ في إخراج أحد النوعين للمالك؛ كما اقتضاه كلام المصنف، وقيل: للساعي، وقال المتوفي: إنه المذهب. (فإذا كان ثلاثون عنزًا وعشر نعجات .. أُخذ عنز أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة) فإذا قيل مثلًا: قيمةُ عنزٍ مجزئةٍ دينار، وقيمة نعجة مجزئة ديناران .. أخرج عنزًا أو نعجة قيمتُها دينار وربع، وعلى القول الأول يخرج المعز. (ولا تؤخذ مريضة، ولا معيبة) لحديث: "لَا تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَة، وَلَا ذَاتُ

стр. 476

إِلَّا مِنْ مِثْلِهَا، وَلَا ذَكَر إِلَّا إِذَا وَجَبَ، وَكَذَا لَوْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا في الأَصَحِّ -وَفِي الصِّغَارِ: صَغِيرَة في الْجَدِيدِ- وَلَا رُبَّى، === عَوَارٍ، وَلَا تيسُ الْغَنَمِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ" رواه البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر (١). (إلا من مثلها) إذ لو أخذ غيره .. لأجحف برب المال، وإذا كان البعض أردأ من بعض .. أخرج الوسط؛ جمعًا بين الحقين، والمعيب هنا: ما يُردُّ به المبيع على الأصحِّ. (ولا ذكر) لأن النص ورد بالإناث (إلا إذا وجب) كابن لبون في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض، والتبيع في ثلاثين من البقر، (وكذا لو تمحضت ذكررًا في الأصح) كما يجوز أخذ المريضة والمعيبة من مثلها. فعلى هذا: يؤخذ في ست وثلاثين ابنُ لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض. والثاني: لا يؤخذ إلا أنثى؛ لورود النص بالأنثى، لكن لا تؤخذ أنثى تؤخذ من الإناث (٢)، بل تُقوَّم ماشيتُه بتقدير الأنوثة، وتُقوَّم الأنثى المأخوذةُ منها، وتعرف نسبتها من الجملة، ثم تُقوَّم ماشيتُه المذكور، وتؤخذ منها أنثى قيمُتها ما تقتضيه النسبة. (وفي الصغار صغيرة في الجديد) كالمريضة في المِراض، والقديم: لا تؤخذ إلا كبيرة، لكن دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة؛ لعموم الأخبار. ويتصور كون الماشية صغيرةً مع حولان الحول: بأن تموت الأمهات في أثناء الحول، وبأن يملك أربعين من صغار المعز، ويمضىَ عليها حول فتجبَ فيها الزكاة وإن لم تبلغ سنّ الإجزاء؛ لأن واجبها: ما له سنتان. (ولا) تؤخذ (رُبَّى) وهي الحديثة العهد بالنتاج، سميت رُبَّى؛ لأنها تُربِّي ولدها.

стр. 477

وَأَكُولَةٌ، وَحَامِلٌ، وَخِيارٌ إِلَّا بِرِضا الْمَالِكِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ أَهْلُ الزكَاةِ في مَاشِيَة .. زَكَّيَا كَرَجُلٍ، وَكَذَا لَوْ خَلَطَا مُجَاوَرَةً بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ في الْمَشْرَعِ، وَالمَسْرَحِ، وَالمراحِ، وَمَوْضِعِ الْحَلَبِ، === (وأَكُولة) وهي المُسمّنة للأكل. (وحامل وخيار) لأن هؤلاء من كرائم الأموال، وقد ورد النهي عنها (١) (إلا برضا المالك) في الجميع؛ لتطوعه بالزيادة. (ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية) بإرث، أو شراء، أو غيرهما ( .. زكيا كرجل) لأن خُلطة الجوار تفيد ذلك، كما سيأتي، فخُلطة الأعيان أولى، وتسمى هذه الخُلطة: خُلطة شيوع وخُلطة أعيان؛ لأن كلّ عين مشتركة. (وكذا لو خلطا مجاورة) بالإجماع؛ كما نقله الشيخ أبو حامد، وتسمى هذه خُلطةَ جوار وخُلطةَ أوصاف. وقوله: (أهل الزكاة) قَيْدٌ في الخُلطتين، فلو كان أحدُ المالين موقوفًا أو لذمّي أو لبيت المال .. لم تؤثر الخُلطة شيئًا، بل يعتبر نصيب من هو من أهل الزكاة إن بلغ نصابًا زكّاه بزكاة المنفرد، وإلا .. فلا زكاة، (بشرط ألا يتميز في المَشْرَع) وهو: الموضع الذي تشرب منه. (والمسرح) وهو: موضع رعيها؛ كما فسره في "التحرير" (٢)، وفسراه في "الشرح" و"الروضة" بالموضع الذي تجتمع فيه، ثم تساق إلى المرعى (٣)، وكلّ منهما يشترط اتحاده. (والمراح) بضم الميم، وهو: موضع مبيتها، (وموضع الحلب) بفتح (اللام)، وحكي إسكانها، وهو: المكان الذي تحلب فيه؛ لأنه إذا تميز مال كلّ واحد بشيء مما ذكر .. لم يصيرا كَمَالٍ واحد. والقصد بالخلطة: أن يصير المالان كمال واحد؛ لتخفّ المؤنة، قال الرافعي في

стр. 478

وَكَذَا الرَّاعِي وَالْفَحْلُ في الأَصَحِّ، لَا نِيَّةُ الْخُلْطَةِ في الأَصَحِّ === "الشرح الصغير": وليس المقصود ألا يكون لها إلا مشرع أو مرعى أو مراح واحد بالذات، بل لا بأس بتعددها, ولكن ينبغي ألا تختص ماشية هذا بمَسرح ومُراح، وماشية ذاك بمسرح ومُراح. انتهى. وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ألّا يتميز)، لكن كان الأصوب أن يقول: (يتميز أحدهما عن الآخر) أو (يتميز المالان)، وبه عبر في "المحرر" (١)، وإلا .. فالمال المختلط متميز عن غيره بالضرورة، وأفهم إيراد المصنف: أنه لا يشترط اتحاد الحالب، ولا المِحلب بكسر الميم، وهو: الإناء الذي يحلب فيه، وهو الأصحُّ. (وكذا الراعي والفحل في الأصح) لحديث: "وَالْخَلِيطَانِ: مَا اجْتَمَعَا في الْفَحْلِ وَالْحَوْضِ وَالراعِي" رواه الدارقطني بإسناد ضعيف (٢). ومعنى اتحاد الراعي: ألا يختص أحدهما براع، ولا بأس بتعدد الرعاة قطعًا، ومعنى اتحاد الفعل: أن تكون مرسلة بين ماشيتهما. ومقابل الأصحِّ: أنه لا يشترط اتحاد الراعي والفحل؛ لأن الافتراق فيهما لا يرجع إلى نفس المال. نعم؛ يشترط على هذا: اتحاد موضع الإنزاء. ومحل الخلاف في اشتراط اتحاد الفعل: إذا اتحد النوع، فإن اختلف؛ كضأن ومعز .. لم يشترط بلا خلاف؛ للضرورة، قاله في "شرح المهذب" (٣)، وهذه الشروط المذكورة مختصة بخُلطة الجوار. (لا نية الخُلطة في الأصح) لأن المقتضي لتأثير الخُلطة وهو خفة المؤنة حاصلٌ؛ نوى أو لم ينو، والثاني: تشترط؛ لأن الخُلطة مُغيِّرة لمقدار الزكاة، فلا بد من قصده؛ دفعًا لضرره في الزيادة وضرر الفقراء في النقصان. وأهمل شروطًا أخر، وهي: دوام الخلطة سنة إن كان المالك حوليًّا، وكون

стр. 479

وَالأَظْهَرُ: تأثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ: النَّاطُورُ، وَالْجَرِينُ، وَالدُّكَّانُ، وَالْحَارِسُ، وَمَكَانُ الْحِفْظِ .. وَنَحْوُهَا. وَلِوُجُوبِ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ شَرْطَانِ: === مجموع المالين نصابًا فأكثر، وكون المالين من جنس واحد. (والأظهر؛ تأثير خلطة الثمر، والزرع، والنقد، وعرض التجارة) لأن المقتضي لتأثير الخلطة في الماشية هو خفة المؤنة، وذلك موجود؛ كما سيأتي، والثاني: أنها لا تؤثر؛ لأن المواشي فيها أوقاص، فالخُلطة فيها تنفع المالك تارة، والمساكين أخرى، ولا وقصَ في المعشّرات، فلو أثبتنا فيها الخلطة .. لتمحضت ضررًا في حق أرباب الأموال، [وذلك فيما إذا خلط دون النصاب بمثله] (١). (بشرط ألا يتميز الناطور، والجرين والدكان، والحارس، ومكان الحفظ، ونحوها) كالماء الذي تشرب منه، والحرّاث، والمتعهّد، وجذّاذ النخل، والميزان, والوزّان، والكيّال، والحمّال (٢)، واللقّاط، والنقّاد، والمُنادي، والمطالِب بالأثمان. قال المنكت: ولم أر من صرح باشتراط شيء من ذلك، وإنما ذكره الرافعي وغيره في معرض التعليل، فقالوا: لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي كذلك يرتفقان بها في غيرها باتحاد الجرين ... إلى آخره، وأسقطه من "الروضة"، فلم يذكره لا شرطًا، ولا تعليلًا (٣). انتهى. والناطور -بالطاء المهملة-: حافظ النخل والشجر، وحكي إعجامُها، والجرين -بجيم مفتوحة-: موضع تجفيف الثمار، وقيل غيرُ ذلك، قاله في "الدقائق" (٤). (ولوجوب زكاة الماشية شرطان) مضافان لما مرّ؛ من كونها نصابًا من النعم، ولما يأتي؛ من كمال الملك، وإسلام المالك وحريته.

стр. 480

مُضِيُّ الْحَوْلِ في مِلْكِهِ، لكِنْ مَا نتُجَ مِنْ نِصَابٍ يُزَكَّى بِحَوْلهِ، وَلَا يُضَمُّ الْمَمْلُوكُ بِشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ في الْحَوْلِ، === (مضي الحول في ملكه) لحديث: "لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" رواه أبو داوود، ولم يضعفه (١)، ويعضده إجماع التابعين والفقهاء عليه؛ كما قاله الماوردي (٢) وإن خالف فيه بعض الصحابة. (لكن ما نتج من نصاب يزكى بحوله) أي: بحول الأصل؛ لأن الحول إنما اعتبر لتكامل النماء الحاصل، والنتاج نماء في نفسه، وفي "الموطأ" عن عمر ﵁ أنه قال لساعيه: (اعتدّ عليهم بالسخلة) (٣)، فعلى هذا: إذا كان عنده مئة وعشرون من الغنم، فولدت واحدةٌ منها سخلةً قبل الحول بلحظة، والأمهات كلّها باقية .. لزمه شاتان. واحترز بقوله: (نتُج) عن المستفاد بشراء وغيره؛ كما سيأتي، وبقوله: (من نصاب) عما نتج من دونه؛ كعشرين شاة نَتجت عشرين، فحولُها من حين تمام النصاب. نعم؛ يشترط: كون النتاج ملكًا لمالك النصاب بالسبب الذي ملك به النصاب، فلو أوصى يحمل لشخص .. لم يضم النتاج لحول الوارث، وكذا لو أوصى الموصى له بالحمل به قبل انفصاله لمالك الأمهات، ثم مات، ثم حصل النتاج .. لم يُزكَّ بحول الأصل، نقله في "الكفاية" عن المتولي وأقرّه (٤). (ولا يضم المملوك بشراء وغيره في الحول) لأن الدليل قام على اشتراط الحول، خرج النتاج لما سبق، فيبقى ما عداه على الأصل. واحترز بقوله: (في الحول) عن النصاب، فإنه يضمّ إليه فيه على المذهب: لبلوغه بالكثرة احتمال المواساة فإذا ملك ثلاثين من البقر في أول المحرم، ثم ملك

стр. 481

فَلَوِ ادَّعَى النِّتَاجَ بَعْدَ الْحَوْلِ .. صُدِّقَ، فَإِنِ اتُّهِمَ .. حُلِّفَ. وَزَالَ مِلْكُهُ في الْحَوْلِ فَعَادَ أَوْ بَادَلَ بِمِثْلِهِ .. اسْتَأْنَفَ. وَكَوْنُهَا سَائِمَة، === عشرة أخرى في أول رجب .. لزمه في أول المحرم السنة الثانية تبيع، وفي أول رجب منها ربع مسنة، وفي أول المحرم السنة الثالثة ثلاثة أرباع مسنة، وفي أول رجب منها ربع مسنة، وهكذا أبدًا. (فلو ادعى) المالك (النتاج بعد الحول .. صدق) لأن الأصل عدمُ الحدوث قبل ذلك، والأصل أيضًا: عدم الوجوب. (فإن اتهم .. حُلِّف) ندبا؛ احتياطًا لحق الفقراء. (ولو زال ملكه في الحول فعاد، أو بادل بمثله) لا لقصد التجارة ( .. استأنف) لأنه ملك جديد، فلا بدّ له من حول؛ للحديث السالف (١). (و) الشرط الثاني: (كونها سائمة) أي راعية؛ لثبوت ذلك في الغنم والإبل (٢)، وألحق البقر بهما قياسًا، ولأن مؤنتها لما توفرت .. احتملت المواساة، بخلاف المعلوفة. وشمل إطلاقه: ما لو أسامها في كلأ مملوك له، وفيها وجهان في "زوائد الروضة" و"شرح المهذب" عن "البيان" بلا ترجيح (٣)، ورجح السبكي الوجوبَ إن لم تكن له قيمة، أو كانت يسيرة، وسقوطَها إن كانت له قيمة يُعدُّ مثلها كلفة في مقابلة نمائها. وفي "فتاوى القفال": إن اشترى كلأ فرعته في مكانها .. فسائمة، فلو جَزَّه وأطعمها إياه في المرعى أو البلد .. فمعلوفة، ولو رعاها ورقًا تناثر .. فسائمة، فلو جمع وقدم لها .. فمعلوفة، واستحسنه في "المهمات" وقال: (ينبغي الأخذ به) (٤).

стр. 482

فَإِنْ عُلِفَتْ مُعْظَمَ الْحَوْلِ .. فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا .. فَالأَصَحّ: إِنْ عُلِفَتْ قَدْرًا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلَا ضَرَرٍ بينٍ .. وَجَبَتْ، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ سَامَتْ بنَفْسِهَا أَوْ اعْتَلَفَتِ السَّائِمَةُ، أَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ في حَرْثٍ وَنَضْحٍ وَنَحْوه .. فَلَا زَكَاةَ في الأصَحِّ. === (فإن عُلفت معظمَ الحول .. فلا زكاة) لأن الغلبة لها تأثير في الأحكام، (وإلا) أي: وإن لم تُعلَف معظمَ الحول ( .. فالأصح: إن عُلفت قدرًا تعيش بدونه بلا ضرر بين .. وجبت) زكاتها؛ لخفة المؤنة. (وإلا) أي: وإن كانت لا تعيش في تلك المدة بدونه، أو تعيش ولكن بضرر بين ( .. فلا) زكاة؛ لظهور المؤنة، والثاني: تجب مطلقًا، ولا يؤثر إلا ما زاد على النصف، والثالث: لا تجب مطلقًا، بل يبطل السوم بما يتموّل من العلف وإن قلّ؛ لأن رفق السوم لم يتكامل، وقيد صاحب "العدة"، وغيره الخلاف بما إذا لم يقصد قطع السوم، فإن قصده .. انقطع قطعًا، قال الرافعي: ولعله الأقرب (١)، قال السبكي: وحكاه الروياني عن النصّ، لكنه استغربه، وزعم أن البَنْدَنِيجي قال: إنه المذهب، وذلك يقتضي إثبات خلاف. انتهى. قال الإسنوي: وقد صرح الجرجاني في "الشافي" بأن الخلاف جار مع نية القطع (٢). (ولو سامت بنفسها، أو اعتلفت السائمة، أو كانت عواملَ في حرث ونضح ونحوه .. فلا زكاة في الأصح) الخلاف في المسألة الأولى والثانية مبني على الخلاف في أنه هل يعتبر القصد في السوم والعلف أم لا؟ وقضية التصحيح في المسألتين: اشتراط قصد السوم دون العلف، وأما في الثالثة .. فلقوله ﷺ : "لَيْسَ في الْبقَرِ الْعَوَامِلِ شَيْء"، رواه الدارقطني بإسناد صحيح (٣)، ولأنها مُعَدّة لاستعمال مباح، فأشبهت ثيابَ البدن.

стр. 483

وَإِذَا وَرَدَتْ مَاءً .. أُخِذَتْ زَكَاتُهَا عِنْدَهُ، وَإِلَّا .. فَعِنْدَ بُيُوتِ أَهْلِهَا. وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ في عَدَدِهَا إِنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِلَّا .. فَتُعَدُّ عِنْدَ مَضِيقٍ. === ووجه مقابله: أن السوم بلا عمل موجب، فمع العمل أولى؛ لانضمام رفق العمل إلى رفق السوم. (وإذا وردت ماء .. أُخذت زكاتُها عنده) لحديث: "تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ"، رواه الإِمام أحمد (١)، ولأنه أسهل على المالك والساعي، وأقرب إلى الضبط من المرعى. (وإلا .. فعند بيوت أهلها) لحديث: "لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهِمْ"، رواه أبو داوود بإسناد حسن (٢). (ويُصدّق المالكُ في عددها إن كان ثقة) لأنه أمين، (وإلا) أي: وإن لم يكن ثقة، أو قال: (لا أعرف عددها) ( .. فتعدّ عند مَضِيق) لأنه أسهل لعدّها، وأبعد عن الغلط. * * *

стр. 484

باب زكاة النبات تَخْتَصُّ بالْقُوتِ، وَهُوَ مِنَ الثِّمَارِ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ، وَمِنَ الحَبِّ: الْحِنْطَةُ وَالشعِيرُ وَالأرُزُّ وَالْعَدَسُ وَسَائِرُ الْمُقْتَاتِ اخْتِيَارًا. وَفِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ في الزَّيْتُونِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالْقُرْطِمِ، وَالْعَسَلِ. وَنصَابُهُ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ، === (باب زكاة النبات) الأصل في الباب: الإجماع وما يأتي من الكتاب والسنة. (تختص بالقوت) لأنه الصالح من النبات للمواساة. (وهو من الثمار: الرطب، والعنب) خاصة، فلا زكاة في التين، والخَوْخ وغيرهما. (ومن الحب: الحنطة، والشعير، والأرز، والعدس، وسائر المقتات اختيارًا) كالحمِّص، والبَاقِلَاء، والذُّرَة، وغيرها؛ لأن النبي ﷺ أخذ الزكاة في كثير منها، وألحقوا به الباقي؛ لشمول معنى الاقتيات والادخار. واحترز بقيد الاختيار: عمّا يؤكل في الجَدْب اضطرارًا من حبوب البوادي؛ كحبّ الحَنْظَل، وحبّ الغاسُول وغيرهما، فلا زكاة فيها؛ كما لا زكاة في الوحشيات من الظباء. وأبدل "التنبيه" وغيره قيد الاختيار بما يستنبته الآدميون (١)؛ لأن ما لا يستنبتونه ليس فيه شيء يقتات اختيارا. (وفي القديم: تجب في الزيتون، والزعفران، والورس، والقِرطِم، والعسل) لآثار عن الصحابة في ذلك، وحكى في "الرونق" قولين في الموز والبَلُّوط، ووقع في "العجالة" اللوز بدل الموز، وهو تحريف (٢). (ونصابه: خمسة أوسق) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" متفق عليه (٣).

стр. 485

وَهِيَ: أَلْفٌ وَسِتُّ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثَانِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَاثنانِ وَأَرْبَعُونَ وَسِتَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ؛ لِأنَّ الأَصَحَّ: أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ: مِئَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَما وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاع دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: بِلَا أَسْبَاعٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُعْتبَرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إِنْ تَتَمَّرَ أوْ تَزَبَّبَ، === (وهي: ألف وست مئة رطل بغدادية) لأن الوَسْق ستون صاعًا بالإجماع، فالخمسة الأوسق ثلاث مئة صاع، والصاع أربعة أمداد، وذلك ألف ومئتا مدّ، والمدّ رطل وثلث، فيكون الحاصل ما ذكره المصنف، وإنما قدر بالبغدادي؛ لأنه الرطل الشرعي؛ كما قاله المحب الطبري. والأصحُّ: اعتبار المكيال لا الوزن إذا اختلفا. (وبالدمشقي: ثلاث مئة وستة وأربعون رطلا وثلثان) لأن الرطل الدمشقي ست مئة درهم، ورطلَ بغداد مئة وثلاثون درهمًا عند الرافعي، فيكون المدّ مئة وثلاثة وسبعين درهمًا وثلث درهم، والصاع ست مئة وثلاثة وتسعون وثلث، فاضرب ست مئة وثلاثة وتسعين وثلثًا في ثلاث مئة، واجعل كلّ ست مئة رطلًا، فيحصل من مجموع ذلك ما ذكره المصنف (١). (قلت: الأصح) في زنة الأوسق بالرطل الدمشقي (ثلاث مئة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل؛ لأن الأصح: أن رطل بغداد: مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم) أي: فإذا ضرب ذلك في ألف وست مئة وقسم على الرطل الدمشقي .. بلغ ذلك. (وقيل: بلا أسباع، وقيل: وثلاثون، والله أعلم) وهذا الأخير هو ما قواه الرافعي. (ويعتبر) بلوغه خمسةَ أوسق حالةَ كونه (تمرًا، أو زبيبًا إن تتمر أو تزبب) لقوله

стр. 486

وَإِلَّا .. فَرُطَبًا وَعِنَبًا، وَالْحَبُّ مُصَفىً مِنْ تِبْنِهِ، وَمَا ادُّخِرَ في قِشْرِهِ -كَالأَرُزِّ وَالْعَلَسِ- فَعَشَرَةُ أَوْسُقٍ. وَلَا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ، === ﵇: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" رواه مسلم (١)، فاعتبر الأوسق من التمر. (وإلا) أي: وإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب ( .. فرطبًا وعنبًا) أي: فيُوسق رطبًا وعنبًا، وتخرج الزكاة أيضًا منه؛ لأن ذلك أكملُ أحواله، وكذا لو كان يجفّ إلا أن جافّه رديء .. فحكمه كذلك. (والحب مصفّى من تبنه) لأنه الذي يوسق وتجب فيه الزكاة. (وما ادخر في قشره) الذي لا يؤكل معه (كالأرز، والعلس فعشرة أوسق) لأن خالصهُ يجيء منه خمسة أوسق، قال ابن الرفعة: ولو كان خالص دون العشرة من ذلك خمسةَ أوسق .. كان ذلك نصابًا (٢). والمراد: القشرة العليا من الأَرُزّ، أما السفلى، وهي الحمراء .. ففي "الحاوي" عن ابن أبي هريرة أنه لا تجب الزكاة حتى تبلغ عشرة أوسق؛ كالعلس، قال: وقال سائر أصحابنا: لا تأثير لهذه القشرة، فإذا بلغ خمسةَ أوسق .. تجب الزكاة، قال في "شرح المهذب": وما نقله عن سائر الأصحاب ضعيف (٣)، قال الأَذْرَعي: بل هو المذهب الظاهر، والشاذّ إنما هو قول ابن أبي هريرة. وإنما قيدت كلامه بالقشر الذي لا يؤكل معه احترازًا عما يدخر في قشره ويؤكل معه؛ كالذُّرَة، فإن قشره يدخل في الحساب، فإنه طعام وإن كان قد يزال؛ كما تقشر الحنطة. (ولا يكمل جنس بجنس) كالتمر مع الزبيب، والحنطة مع الشعير؛ لاختصاص كلّ باسم وطبع؛ قياسًا على الماشية.

стр. 487

وَيُضَمُّ النَّوْعُ إِلَى النَّوْعِ، وَيُخْرِجُ مِن كُلٍّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ .. أُخْرِجَ الْوَسَطُ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إِلَى الْحِنْطَةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَالسُّلْتُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقِيلَ: شَعِير، وَقِيلَ: حِنْطَةٌ. وَلَا يُضَمّ ثَمَرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ إِلَى آخَرَ. ويُضَمُّ ثَمَرُ الْعَامٍ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ طَلَعَ الثَّاِني بَعْدَ جَدَادِ الأَوَّلِ .. لمْ يُضَمَّ. وَزَرْعَا الْعَامِ يُضَمَّانِ، === (ويضم النوع إلى النوع) كالحنطة المصرية مع الشامية، والتمر المَعْقِلي مع البَرْني؛ لاشتراكهما في الاسم، (ويخرج من كلّ بقسطه) لأنه الأصل، ولا مشقة في ذلك. (فإن عسر) لكثرة الأنواع وقلة الحاصل من كلّ نوع ( .. أخرج الوسط) من الأنواع، لا أعلاها ولا أدناها؛ رعاية للجانبين. (ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها) والعلس قوت صنعاء اليمن. (والسلت جنس مستقلّ) فلا يضمّ إلى غيره، (وقيل: شعير) فيضمّ إليه؛ لشبهه به في برودة الطبع، (وقيل: حنطة) فيضمّ إليها؛ لشبهه بها لونًا ومَلاسة. (ولا يضمّ ثمر عام وزرعه إلى آخر) في تكميل النصاب ولو فرض اطّلاع ثمر العام الثاني قبل جَداد الأول بالإجماع. (ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه) لاختلاف الأنواع والبلاد بالإجماع؛ كما نقله ابن الصباغ، والمراد بالعام: أربعة أشهر؛ كما نقله في "الكفاية" عن الأصحاب (١). (وقيل: إن طلع الثاني بعد جَداد الأول .. لم يضمّ) لحدوثه بعد انصرام الأول، فأشبه ثمرة العام الثاني، وهذا ما جزم به الماوردي، وقال: من قال بالضم .. فقد أخطأ نصّ المذهب، وجهل عادةَ الثمر، وقال الإِمام: إنه لا خلاف فيه، وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"، ولم يرجح في "الكبير" شيئًا (٢). (وزرعا العام يُضَمّان) وإن اختلفت زراعتُه في الفصول؛ لما مرّ، ويتصور ذلك

стр. 488

وَالأَظْهَرُ: اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا في سَنَةٍ وَوَاجِبُ مَا شَرِبَ بِالْمَطَرِ أَوْ عُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْع: الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ بِمَاءٍ اشْتَرَاهُ: نِصْفُهُ، وَالْقَنَوَاتُ كَالْمَطَرِ عَلى الصَّحِيحِ. وَمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءً: ثَلَاثةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا .. فَفِي قَوْلٍ: يُعْتبَرُ هُوَ، وَالأَظْهَرُ: يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ، وَقِيلَ: بِعَدَدِ السَّقَيَاتِ === في الذُّرَة؛ لأنها تزرع في الربيع والصيف والخريف. (والأظهر: اعتبار وقوع حصاديهما في سنة) بأن يكون بين حَصيد الأول والثاني أقلّ من اثني عشر شهرًا؛ لأن الحصاد هو المقصود، وعنده يستقر الوجوب، والثاني: اعتبار زرعهما في سنة؛ لأن الزراعة هي الأصل، والحصادَ ثمرتُه. (وواجب ما شرب بالمطر أو عروقه لقربه من الماء) وهو البعل (من ثمر أو زرع: العشر، وما سُقي بنضح أو دولاب، أو بماء اشتراه: نصفُه) بالإجماع، والمعنى فيه: كثرة المؤنة وخفتها؛ كما في المعلوفة والسائمة. والنضح: هو السقي من بئر أو نهر بحيوان، كبعير، ويسمى هذا الحيوان: ناضحًا. (والقنوات كالمطر على الصحيح) لأن مؤنة القناة تتحمل لعمارة القرية، والأنهارَ إنما تحفر لإحياء الأرض، فإذا تهيأت .. وصل الماء إلى الزرع بطبعه مرة بعد أخرى، بخلاف السقي بالنواضح ونحوها، فإن المؤنة للزرع نفسه، والثاني: يجب فيها نصف العشر؛ لمؤنة عمارتها. (وما سقي بهما) أي: بماء السماء والنضح (سواءً: ثلاثة أرباعه) عملًا بالتقسيط. (فإن غلب أحدهما .. ففي قول: يعتبر هو) ترجيحًا لجانب الغلبة (والأظهر: يُقسَّط) لأنه القياس، فإن كان ثلثاه بماء السماء، وثلثُه بالنضح .. وجب خمسة أسداس العشر؛ ثلثا العشر للثلثين، وثلث نصف العشر للثلث (باعتبار عيش الزرع) والثمر (ونمائه) لأنه المقصود، (وقيل: بعدد السَّقَيات) المفيدة دون غيرها؛ لأن المؤنة تكثر بكثرة السَّقَيات، فإذا كانت المدّة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانيةَ

стр. 489

وَتَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ. وَيُسَنُّ خَرْصُ الثَّمَرِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى مَالِكِهِ، === أشهر، واحتاج في ستة أشهر زمنَ الشتاء والربيع إلى سَقْيتين، فسُقي بماء السماء، وفي شهرين زمنَ الصيف إلى ثلاث سَقَيات، فسُقي بالنضح؛ فإن اعتبرنا عدد السَّقَيات .. فعلى قول التوزيع: يجب خمسا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب: يجب نصف العشر، وإن اعتبرنا المدّة .. فعلى قول التوزيع: يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب: يجب العشر. ولو سُقي بهما جميعًا، وجهل المقدار .. وجب ثلاثة أرباع العشر على الصحيح، وقيل: يجب نصف العشر؛ لأن الأصل براءة الذمة ممّا زاد. (وتجب ببدوّ صلاح الثمر، واشتداد الحبّ) لأنه حينئذ يقتات، وقبله كالخُضْراوات. نعم؛ لا يجب الإخراج، بل لا يجوز إلا بعد التصفية والجفاف. وسيأتي في البيع ضابط بدوّ الصلاح، وأن حصوله في البعض كافٍ، والمراد: بدوّ اشتداده، ولا يشترط تناهيه. (ويسن خرص الثمر إذا بدا صلاحه على مالكه) لأنه ﵇ أَمر أن يُخرص العنبُ كما يُخرص النخلُ، وتُؤخذ زكاتُه زبيبًا كما تُؤخذ صدقةُ النخل تمرًا، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب (١). واستثنى الماوردي من الخرص: نخيل البصرة، ونقل عن إجماع الصحابة وعلماء الأمصار: أنه لا يجوز خرصها؛ لكثرتها، وللمؤنة في خرصها، وتبعه الروياني (٢). والمراد بالثمر: الرطب والعنب، واحترز به: عن الحبّ، فإنه لا يخرص؛ لعدم إمكان الوقوف على ما فيه؛ لاستتاره، ولأنه لا يؤكل غالبًا وهو رطب، بل بعد جفافه وتصفيته، والثمار تؤكل بُسْرًا ورطبًا وعنبًا، فاحتيج إلى خرصها؛ ليتمكن المالك من التصرف فيها، وينضبط حقّ الفقراء.

стр. 490

وَالْمَشْهُورُ: إِدْخَالُ جَمِيعِهِ فِي الْخَرْصِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي خَارِصٌ، وَشَرْطُهُ: الْعَدَالَةُ، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ فِي الأَصَحِّ. فَإِذَا خَرَصَ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَنْقَطِعُ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرِ، وَيَصِيرُ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِيُخْرِجَهُمَا بَعْدَ جَفَافِهِ، وَيُشْتَرَطُ: التَّصرِيحُ بِتَضْمِينهِ وَقَبُولِ الْمَالِكِ عَلَى الْمَذْهَبِ، === واحترز بقوله: (بدا صلاحه) عمّا قبل ذلك، فإن الخرص لا يأتي فيه؛ إذ لا حقّ للفقراء فيه حينئذ، ولا ينضبط المقدار؛ لكثرة العاهات قبل بدو الصلاح. وكيفية الخرص: أن يطوف بالنخلة، ويرى جميع عناقيدها، ويقول: عليها من الرطب كذا، ويجيء منه تمرًا كذا، ثم يفعل كذلك بنخلة بعد نخلة إن اختلف النوع؛ فإن اتحد .. جاز أن يخرص الجميع رطبًا ثم تمرًا. (والمشهور: إدخال جميعه في الخرص) لعموم الأدلة المقتضية لوجوب العشر أو نصفه، والثاني: أنه يُترك لرب الحائط قدرُ ما يأكله هو وأهله - لا يخرص عليه -؛ ليكون ذلك في مقابلة قيامه بحفظ الثمار وتجفيفها. (وأنه يكفي خارص) واحد؛ كالحاكم؛ لأنه يجتهد، ويعمل، والثاني: يشترط اثنان؛ كالشاهد. (وشرطه: العدالة) لأن الفاسق لا يقبل قوله على غيره، ويشترط أيضًا: أن يكون عالمًا بالخرص؛ لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه. (وكذا الحرية والذكورة في الأصح) لأنه ولاية، وليس الرقيق والمرأة من أهلها، والثاني: لا يشترطان؛ كما في الكيّال والوزّان. (فإذا خرص .. فالأظهر: أن حقَّ الفقراء ينقطع من عين الثمر، ويصير في ذمّة المالك التمر والزبيب؛ ليخرجهما بعد جفافه) لأن الخرص يبيح له التصرفَ في الجميع، وذلك يدلّ على انقطاع حقّهم عنه، والثاني: لا ينتقل حقّهم إلى ذمّته، بل يبقى متعلقًا بالعين كما كان؛ لأنه ظنّ وتخمين، فلا يؤثر في نقل حقّ إلى الذمة، والقول الأول يُعبَّر عنه بأن الخرص تضمين، والثاني: أنه عبرة؛ أي: لاعتبار القدر. (ويشترط: التصريح بتضمينه، وقبول المالك على المذهب) بناء على الأظهر؛

стр. 491

وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الْخَرْصِ. فَإِذَا ضَمِنَ .. جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي جَمِيعِ الْمَخْرُوصِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ، وَلَوِ ادَّعَى هَلَاكَ الْمَخْرُوصِ بَسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ، أَوْ ظَاهِرٍ عُرِفَ .. صُدِّقَ بيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الظَّاهِرُ .. طُولبَ بِبينَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ بِيَمِينهِ فِي الْهَلَاكِ بِهِ === لأن الحقّ ينتقل من العين إلى الذمة، فلا بدّ من رضاهما؛ كالبائع والمشتري، فإن لم يضمنه أو ضمنه فلم يقبله .. بقي حقّ الفقراء كما كان، والمُضمِّن: هو الساعي أو الإمام (١)، (وقيل: ينقطع) حقّ الفقراء (بنفس الخرص) لأن التضمين لم يرد في الحديث. قال في "الكفاية": واختلفوا في كيفية التضمين، فقال ابن سُرَيج: يقول: (أقرضتك نصيب الفقراء من الرطب بما يجيء منه من التمر)، وقال الشيخ أبو حامد: يقول: (خذه بكذا، وكذا تمرًا)، وقال البغوي: يقول: (ضمنتك إياه بكذا) (٢)، وليس هذا التضمين على حقيقة الضمان؛ لأنه لو تلفت الثمار جميعها بآفة سماوية، أو سرقت من الشجر أو الجَرِين قبل الجفاف بلا تفريط .. فلا شيء عليه قطعًا؛ لفوات الإمكان. (فإذا ضمن .. جاز تصرفه في جميع المخروص بيعًا وغيره) لأنه ملكه، ولا تعلق لأحد فيه. (ولو ادعى هلاك المخروص بسبب خفي؛ كسرفة، أو ظاهر) كحريق (عرف) دون عمومه أو عرف عمومه، ولكن اتُّهم في هلاك الثمار به ( .. صدق بيمينه) في دعوى التلف بذلك السبب، فإن عرف الظاهر وعمومه، ولم يتهم .. صدق بلا يمين، واليمين هنا مستحبة على الأصحِّ (٣). (فإن لم يعرف الظاهر .. طولب ببينة) على وقوعه (على الصحيح) لسهولة إقامتها، والثاني: لا؛ لأنه أمين، (ثم يُصدَّق بيمينه في الهلاك به) أي: بذلك

стр. 492

وَلَوِ ادَّعَى حَيْفَ الْخَارِصِ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ .. لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ بِمُحْتَمِلٍ .. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ. === السبب؛ لاحتمال سلامة ماله بخصوصه، فلو اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرّض لسبب .. قال الرافعي: فالمفهوم من كلام أصحابنا: قبوله مع اليمين (١)، وبه جزم المصنف في آخر الوديعة (٢). (ولو ادعى حَيْفَ الخارص) أي: إخباره عمدًا بزيادة على ما عنده، قليلًا كان أو كثيرًا، (أو غَلَطَه بما يبعد) أي: لا يقع عادة، كالثلث أو الربع ( .. لم يُقبل) أما الحَيْفُ .. فقياسًا على دعوى الجَوْر على الحاكم، وأما الغلط بما يبعد .. فللعلم ببطلانه عادةً. (أو بمحتمل) بفتح الميم ( .. قُبل في الأصح) لما نبه عليه من التعليل، والثاني: لا؛ لعدم تحققه. ومحل الخلاف: إذا كان المدعى به نقصًا يقع بين الكيلين؛ كالوَسْق في المئة، أما إذا ادعى شيئًا محتمَلًا، وهو فوق ذلك؛ كخمسة أوسق في مئة .. فإنه يقبل جزمًا ويحطّ عنه الزائد، كما قاله الرافعي (٣)، ومحله أيضًا: إذا كان المخروص تالفًا؛ فإن كان موجودًا .. أعيد كيله وعمل به. * * *

стр. 493

باب زكاة النّقد نِصَابُ الْفِضَّةِ: مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَالذَّهَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ عُشْرٍ. وَلَا شَيْءَ فِي الْمَغْشُوشِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا. وَلَوِ اخْتَلَطَ إِنَاءٌ مِنْهُمَا وَجُهِلَ أَكْثَرُهُمَا === (باب زكاة النقد) (نصاب الفضة: مئتا درهم، والذهب: عشرون مثقالًا) بالإجماع، وهذا المقدار تحديد (بوزن مكة) لقوله ﵇: "الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح (١). والمراد بالدرهم: الدرهم الشرعي، زِنته ستة دوانق، كلُّ عشرة منها سبعةُ مثاقيلَ. (وزكاتهما: ربع عشر) لحديث: "وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ" رواه البخاري (٢)، والرقة: الفضة، وقيل: الفضة والذهب. وروى ابن حبان والحاكم أنه ﷺ قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ" (٣)، ويجب فيما زاد على النصاب وإن قلّ بحسابه؛ كما صرح به في "المحرر" (٤)، والفرق بينه وبين المواشي: ضرر المشاركة. (ولا شيء في المغشوش) أي: المخلوط بما هو أدون منه؛ كذهب بفضة، وفضة بنحاس (حتى يبلغ خالصه نصابًا) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ" متفق عليه (٥). فإذا بلغت فضة الدراهم المغشوشة مثلًا نصابًا .. أخرج قدر الواجب فضةً خالصة، أو أخرج من المغشوش ما يعلم أنه يشتمل على قدر الواجب. (ولو اختلط إناء منهما) أي: من الذهب والفضة (وجهل أكثرهما) أي: عينه،

стр. 494

زُكِّيَ الأَكْثَرُ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ مُيِّزَ. وَيُزَكَّى الْمُحَرَّمُ مِنْ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ، لَا الْمُبَاحُ فِي الأَظْهَرِ، === مع علمه قدر الأكثر؛ بأن كان وزنه ألفًا مثلًا، وأحدهما ست مئة، والآخر أربع مئة ( .. زُكّي الأكثر ذهبًا وفضة) فيزكي في مثالنا عن ست مئة ذهبًا وعن ست مئة فضة، وحينئذ تبرأ ذمته بيقين، ولا تكفي تزكيةُ الأكثر ذهبًا، والأقلِّ فضة؛ لأن الذهب لا يجزئ عن الفضة؛ كعكسه. (أو مُيّز) بالسبك بالنار، ويكفي سبك جزء منه، ليقاس به الباقي عند تساوي الأجزاء، قال الرافعي: قال الأئمة: ويقوم مقام التمييز بالنار الامتحانُ بالماء، وذلك: بأن يَجعل في إناء ماءً ثم يُلقي فيه قدرَ المخلوط من ذهب خالص -وهو ألف في مثالنا- ويعلّم ارتفاع الماء، ثم يخرجه ويضع مثله فضةً، ويُعلّم موضع ارتفاعه، وهذه العلامة تكون فوق الأولى؛ لأن جِرْم الذهب أثقل (١). فالألف من الفضة أكبر جِرْمًا من الألف من الذهب، فيزيد ارتفاع الماء بسبب ذلك، ثم يخرج ويوضع فيه المخلوط؛ فإن كان ارتفاعُه إلى علامة الذهب أقربَ .. فالأكثر ذهبًا وإلا .. ففضةً. (ويُزكَّى المحرّم من حلي وغيره) كالأواني بالإجماع (لا المباح في الأظهر) لأنه معدّ لاستعمال مباح، فأشبه العوامل من الإبل والبقر. نعم؛ المكروه؛ كالضبة الكبيرة للحاجة [وكذا الصغيرة للزينة .. ] (٢) يزكّى، والثاني: أن الزكاة تجب في المباح أيضًا؛ لحديث فيه، ادُّعي نسخُه أو تأويله (٣). وعلى الأول: يستثنى: ما لو مات عن حلي مباح، فمضى عليه حولٌ قبل علم وارثه .. فإنه تلزمه به زكاته؛ كما قاله في "البحر "؛ لأنه لم ينو إمساكَه لقصد استعمال مباح، وذكر عن والده احتمالَ وجه فيه؛ إقامةً لنية مورثه مقام نيته (٤).

стр. 495

فَمِنَ الْمُحَرَّمِ: الإِنَاءُ، وَالسِّوَارُ وَالْخِلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ، فَلَوِ اتَّخَذَ سِوَارًا بِلَا قَصْدٍ أَوْ بِقَصْدِ إِجَارَتهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ .. فَلَا زَكَاةَ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَقَصَدَ إِصْلَاحَهُ === (فمن المحرم: الإناء) للرجال والنساء؛ لما مر في الطهارة (والسوار، والخلْخال للُبْس الرجل) والخنثى كالرجل سواء من الذهب أو الفضة؛ لأنه ينافي شهامة الرجال. (فلو اتخذ سوارًا بلا قصد) أصلًا (أو بقصد إجارته لمن له استعماله .. فلا زكاة في الأصح) وجه الأصح في الأولى: أن الصياغة للاستعمال غالبًا، والظاهر: إفضاؤها إليه، ووجه مقابله: أن اسم الزكاة منوط باسم الذهب والفضة. خرج عنه: ما قصد به الاستعمال لغرض تزيين النساء لأزواجهن، فيبقى ما عداه على الأصل. ووجه الأصحِّ في الثانية: القياس على اتخاذ العوامل من المواشي، ووجه مقابله: أنه معدّ للنماء فأشبه ما إذا اشترى حليًّا ليتجر فيه. واحترز بقوله: (بلا قصد) عمّا إذا قصد اتخاذه كنزًا .. فإن الصحيح: وجوب الزكاة فيه. (وكذا لو انكسر الحلي) كسرًا يتوقف استعمالُه على الإصلاح باللحّام، ولم يحتج إلى صياغة جديدة، (وقصد إصلاحه) أي: فلا زكاة أيضًا في الأصحِّ وإن دام أحوالًا؛ لدوام صورة الحلي، وقصدِ إصلاحه، والثاني: تجب، لتعذر الاستعمال. واحترز بقوله: (وقصد إصلاحه) عمّا إذا قصد جعلَه تِبْرًا أو دراهم، أو قصد كنزه .. فإن الزكاة تجب فيه جزمًا، وعمّا إذا لم يقصد شيئًا .. فإن أولى الوجهين في "الشرح الصغير"، والأرجح في "أصل الروضة": أنه يجب قطعًا، لكن في "الشرح الكبير" في أول كلامه: تصحيحُ عدم الوجوب، وقال في "المهمات": إنه الصواب، ففي "الحاوي": أنه المنصوص، وفي "البيان": أنه الجديد، وقال البَنْدَنِيجي: إنه مقتضى نصّه في "الأم" (١).
следующие страницы →