← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وَالْغَنِيمَةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِنِ اخْتَارَ الْغَانِمُونَ تَمَلُّكَهَا وَمَضَى بَعْدَهُ حَوْلٌ، وَالْجَمِيعُ صِنْفٌ زَكَوِيّ، وَبَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ شَخْصٍ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَهُ الْمَجْمُوعُ فِي مَوْضِعِ ثبُوتِ الْخُلْطَةِ .. وَجَبَتْ زَكَاتُهَا، وَإِلَّا .. فَلَا. وَلَوْ أَصْدَقَهَا نِصَابَ سَائِمَةٍ مُعَيَّنًا .. لَزِمَهَا زَكَاتُهُ إِذَا تَمَّ حَوْلٌ مِنَ الإِصْدَاقِ. وَلَوْ أَكْرَى دَارًا أَرْبَعَ سِنِينَ بِثَمَانِينَ دِينَارًا وَقَبَضَهَا .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ إِلَّا زَكَاةَ مَا اسْتَقَرَّ، فَيُخْرِجُ عِنْدَ تَمَامِ السَّنَةِ الأُولَى زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ، === ويجري الخلاف في اجتماع حقّ الله تعالى مطلقًا مع الدين، فيدخل في ذلك الحج، وجزاء الصيد، والكفارة، والنذر " كما صرح به في "شرح المهذب" (١). نعم؛ يستثنى: اجتماع الجزية والدين، فإن الأصحَّ: استواؤهما، مع أن الجزية حقّ الله تعالى. (والغنيمة قبل القسمة) وبعد الحيازة (إن اختار الغانمون تملّكها، ومضى بعده حولٌ، والجميع صنفٌ زكويّ، وبلغ نصيب كلّ شخص نصابًا، أو بلغه المجموع في موضع ثبوت الخُلطة .. وجبت زكاتها) كسائر الأموال، (وإلا) أي: وإن لم يختاروا التملك، أو اختاروا ولم يمض حول، أو مضى وهي أصناف، أو صنف غير زكوي، أو لم يبلغ نصيب كل واحد نصابًا، ولم يوجد شرط الخُلطة ( .. فلا) زكاة؛ لعدم المِلك، أو ضعفه عند عدم اختيار التملّك، بدليل أنها تسقط بمجرد الإعراض، ولعدم معرفة كلّ واحد ما يحصل له، وما مقداره عند تعدد الأصناف. (ولو أصدقها نصاب سائمة مُعيَّنًا) وعلمت بسومها ( .. لزمها زكاته إذا تمّ حولٌ من الإصداق) سواء استقر بالدخول والقبض أم لا؛ لأنها ملكته بالعقد. وخرج بالمعين: ما في الذمة، لأن ما في الذمة لا يتصف بالسوم؛ كما مرّ. (ولو أكرى دارًا أربع سنين بثمانين دينارًا، وقبضها .. فالأظهر: أنه لا يلزمه أن يخرج إلا زكاة ما استقرَّ) لضعف المِلك قبل الاستقرار، لتعرضه للسقوط بانهدام الدار. (فيُخرج عند تمام السنة الأولى زكاةَ عشرين لسنة) وهو نصف دينار؛ لأنها التي استقرَّ عليها مِلكه الآن.

стр. 527

ولِتَمَامِ الثَّانيَةِ زَكَاةَ عِشْرِينَ لِسَنَةٍ، وَعِشْرِينَ لِسِنَتَيْنِ، وَلِتَمَامِ الثَّالِثَةِ زَكَاةَ أَرْبَعِينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِثَلَاثِ سِنِينَ، وَلِتَمَامِ الرَّابِعَةِ زَكَاةَ سِتِّينَ لِسَنَةٍ وَعِشْرِينَ لِأرْبَعٍ، وَالثَّانِي: يُخْرِجُ لِتَمَامِ الأُولَى زَكَاةَ الثَّمَانِينَ. === (ولتمام الثانية زكاةَ عشرين لسنة، وعشرين لسنتين) لأنه استقرَّ مِلكه على أربعين دينارًا، وكانت في مِلكه سنتين، ففيها ديناران، فيسقط منها ما أخرجه في السنة الأولى، وهو نصف دينار فيبقى عليه دينار ونصف. (ولتمام الثالثة زكاةَ أربعين لسنة، وعشرين لثلاث سنين) لأنه استقرَّ مِلكه على ستين ثلاثَ سنين، وفيها أربعة دنانير ونصف، فيسقط منها ما أخرجه في الحولين، وهو ديناران فيبقى عليه ديناران ونصف. (ولتمام الرابعة زكاةَ ستين لسنة، وعشرين لأربع) لأنه استقرَّ مِلكه على الثمانين، وكان يملكها أربع سنين، وفيها ثمانية دنانير، فيسقط منها ما أخرجه قبل ذلك، وهو أربعة دنانير ونصف، فيخرج الباقي وهو ثلاثة ونصف. (و) القول (الثاني: يُخرج لتمام الأولى زكاةَ الثمانين) لأنه ملكها مِلكًا تامًّا؛ بدليل أنه لو كانت الأجرة جارية .. حلَّ له وطؤها، واحتمال سقوطها بالانهدام لا يقدح؛ كما في الصداق قبل الدخول. وفرق الأول بين الأجرة والصداق: بأن الأجرة تجب في مقابلة المنافع، فينفسخ العقد بفواتها، والصداقَ ليس في مقابلتها؛ بدليل استقراره بموتها قبل الدخول. وقضية حكايته الخلاف في الإخراج: أن الوجوب ثابت قطعًا، وهو المرجَّح، ومنهم من طرده في الوجوب. وقوله: (وقبضها) ذكره لأجل الخلاف فقط، فإنه إذا لم يقبضها؛ فإن كانت في الذمة .. ففيها الخلاف في الدين، وإن كانت معينة .. فكالمبيع قبل القبض، والصحيح في الحالتين: وجوب الزكاة. ومحل ما ذكره: إذا كان الإخراج من غيره؛ فإن كان من عينه .. نقص الواجب في السنة الثانية وما بعدها بقدر واجب ما أخرجه، ولا يخفى أن المثال فيما إذا كانت أجرة السنتين متساوية، فإن كانت متفاوتة .. زاد القدر المستقرّ في بعض السنين، ونقص في بعضها.

стр. 528

فَصْلٌ [في أداء الزكاة] تَجِبُ الزَّكَاةُ عَلَى الْفَوْرِ إِذَا تَمَكَّنَ، وَذَلِكَ بِحُضُورِ الْمَالِ وَالأَصْنَافِ. وَلَهُ أَنْ يُؤَدِّيَ بِنَفْسِهِ زَكَاةَ الْمَالِ الْبَاطِنِ، وَكَذَا الظَّاهِرُ عَلَى الْجَدِيدِ، وَلَهُ التَّوْكِيلُ، === (فصل: تجب الزكاة) أي: أداؤها (على الفور إذا تمكَّن) بعد الحول (وذلك) أي: التمكن (بحضور المال والأصناف) للأمر بإيتاء الزكاة، مع حاجة المستحقين الدالة على الطلب، فيتحقق الوجوب في الحال. نعم؛ لو أخَّر لانتظار قريب أو جار أو أحوج أو أصلح .. جاز على الأصحِّ، بشرط: عدم شدة ضرر الحاضرين، لكن يضمن إن تلف المال على الأصحِّ. ويشترط في إمكان الأداء أيضًا: ألَّا يكون مشتغلًا بشيء يهمه من أمر دينه أو دنياه، قاله البغوي، وأقرَّاه (١). (وله أن يؤدي بنفسه زكاة المال الباطن) وهو النقد، والعرض، والركاز، وزكاة الفطرة بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" (٢). (وكذا الظاهر) وهو المواشي، والزروع، والثمار، والمعادن (على الجديد) قياسًا على الباطن، والقديم: وجوب الدفع إلى الإمام أو نائبه؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وظاهره: الوجوب، وإذا لزم الأخذ .. لزم المالك الدفع، وخالف الباطن؛ لأن للناس غرضًا في إخفاء أموالهم، ولا ينبغي تفويت ذلك عليهم، والظاهر لا يطلب إخفاؤه، ولا فرق في جريان الخلاف بين العادل وغيره على الأصح. ومحل الخلاف: إذا لم يطلب الإمام، فإن طلب .. وجب الدفع إليه بلا خلاف؛ كما في "الروضة"، و"شرح المهذب" (٣). (وله التوكيل) في التفرقة حيث يجوز له التفرقة بنفسه؛ لأنه حقّ مالي فجاز التوكيل في أدائه؛ كحقوق الآدميين.

стр. 529

وَالصَّرْفُ إِلَى الإِمَامِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الصَّرْفَ إِلَى الإِمَامِ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَائِرًا. وَتَجِبُ النِّيَّةُ، فَيَنْوِي: (هَذَا فَرْضُ زَكَاةِ مَالِي)، أَوْ (فَرْضُ صَدَقَةِ مَالِي)، وَنَحْوَهُمَا، وَلَا يَكْفِي: (فَرْضُ مَالِي)، === وقضية إطلاقه: جواز توكيل الكافر والصبي، وهو كذلك؛ كما صرح به الرافعي في (الأضحية)، لكن ذكر الروياني في "البحر" أنه يشترط في الكافر والصبي: تعيين المدفوع إليه، وذكر البغوي مثله في الصبي، ولم يتعرض للكافر (١). (والصرف إلى الإمام) لأنه نائب المستحقين، فجاز الدفع إليه؛ كولي اليتيم. (والأظهر: أن الصرف إلى الإمام أفضل) لأنه أعرف بالمستحقين، وأقدر على التفرقة، (إلا أن يكون جائرًا) فالأفضل: أن يفرق بنفسه؛ لأن الجائر قد لا يعطيها لمستحقها، والثاني: الأفضل: الصرف إليه مطلقًا، والثالث: الأفضل: تفرقته بنفسه مطلقًا؛ ليخص الأقارب ونحوهم، وينال أجر التفريق. ومحل الخلاف: في الأموال الباطنة؛ أما الظاهرة .. فدفعها إلى الإمام إذا كان عادلًا أفضلُ قطعًا؛ للخروج من الخلاف، وقيل: على الخلاف، وصحح في "شرح المهذب" استحباب صرف الظاهر إليه وإن كان جائرًا (٢). (وتجب النية) للخبر المشهور (٣)، والاعتبار فيها بالقلب (فينوي: هذا فرض زكاة مالي، أو فرض صدقة مالي ونحوهما) كزكاة مالي المفروضة، أو الصدقة المفروضة. وقضية كلامه: اشتراط نية الفرضية مع نية الزكاة، وليس كذلك، بل الصحيح في "الروضة": القطع بعدم الاشتراط؛ لأنها لا تكون إلا فرضًا، وبهذا خالفت الصلاة (٤). (ولا يكفي فرض مالي) لأن ذلك يصدق على الكفارة، والنذر، وغيرهما،

стр. 530

وَكَذَا الصَّدَقَةُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَالِ، وَلَوْ عَيَّنَ .. لَمْ يَقَعْ عَنْ غَيْرِهِ. وَتلزَمُ الْوَليَّ النّيَّةُ إِذَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الصَبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَتَكْفِي نِيَّةُ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ الصَّرْفِ إِلَى الْوَكِيلِ فِي الأَصَحِّ، === (وكذا الصدقة في الأصح) لصدقها على صدقة التطوع، والثاني: يكفي؛ لأنها قد عُهدت في القرآن لأداء الزكاة؛ كقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. وقوله: (الصدقة) كذا في "الشرحين" و"الروضة" و"الكفاية" (١)، لكن في "شرح المهذب": لو نوى الصدقة فقط .. لم يجزه على المذهب، وبه قطع الجمهور، وحكى الرافعي فيه وجها ضعيفًا، ولو نوى صدقة ماله، أو صدقة المال .. فوجهان: أصحهما: لا يجزيه (٢). والفرق بين المسألتين: أن الصدقة تطلق على غير المال؛ لقوله ﷺ : "فَكُلُّ تَكْبيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَة" (٣). (ولا يجب تعَيين المال) المخرج عنه؛ كالكفارات، فلو كان له خَمس من الإبل، وأربعون شاة، فأخرج شاة ناويًا للزكاة، ولم يعين بقلبه أحد النوعين .. جاز، وعَيَّنه لما شاء. (ولو عين .. لم يمع عن غيره) ولو بان المعين تالفًا؛ لأنه لم ينو ذلك الغير؛ فإن نوى أنه إن بان ذلك المعيَّن تالفًا فعن غيره .. وقع عن ذلك الغير. (وتلزم الولي النية إذا أخرج زكاة الصبي والمجنون) لأن النية واجبة، وقد تعذرت من المالك، فقام بها وليه؛ كالإخراج، والسفيه ملحق بهما؛ كما جزم به في "شرح المهذب"، وادعى الاتفاق عليه (٤). (وتكفي نية الموكل عند الصرف إلى الوكيل في الأصح) أي: عن نية الوكيل عند الصرف إلى المستحقين؛ لوجود النية من المخاطب بالزكاة مقارنة لفعله، والثاني: لا؛ كالحج.

стр. 531

وَالأَفْضَلُ أَنْ يَنْوِيَ الْوَكيلُ عِنْدَ التَّفرِيقِ أَيْضًا. وَلَوْ دَفَعَ إِلَى السُّلْطَانِ .. كَفَتِ النّيَّةُ عِنْدَهُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ .. لَمْ يُجْزِ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ نَوَى السُّلْطَانُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تلزَمُ السُّلْطَانَ النِّيَّةُ إِذَا أَخَذَ زَكَاةَ الْمُمْتَنِعِ، وَأَنَّ نِيَّتَهُ تَكْفِي === وفرق الأول: بأن العبادة في الحج فعلُ النائب فوجبت النية منه، وهي هنا بمال المُوكِّل فكفت نيته، ولو عزل مقدار الزكاة، ونوى عند العزل .. جاز في الأصحِّ، ولو نوى الموكِّل وحده عند تفرقة الوكيل .. جاز قطعًا، وكذا لو لم ينو الموكل، لكن فوَّض النية إلى الوكيل فنوى إذا كان الوكيل أهلًا للنية لا كافرًا وصبيًّا. (والأفضل: أن ينوي الوكيل عند التفريق أيضًا) للخروج من هذا الخلاف. (ولو دفع إلى السلطان .. كلفت النية عنده) وإن لم ينو السلطان عند الصرف؛ لأنه نائب المستحقين، فالدفع إليه كالدفع إليهم. (فإن لم ينو) عند الدفع إليه ( .. لم يُجْزِ على الصحيح وإن نوى السلطان) لأنه نائب المستحقين، ولو دفع المالك إليهم بلا نية .. لم يُجز فكذا نائبهم، والثاني: يجزيه؛ لأن العادة فيما يأخذه الإمام ويفرقه على الأصناف إنما هو الفرض، فأغنت هذه القرينة عن النية، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، [وظاهر نص "المختصر"] (١)، وقطع به كثير من العراقيين (٢)، وحينئذ فلا يحسن التعبير بـ (الصحيح). (والأصح: أنه تلزم السلطانَ النيةُ إذا أخذ زكاة الممتنع، وأن نِيَّته) أي: السلطان (تكفي) عن نية الممتنع؛ لأنَّ الممتنع مقهور يقوم غيره مقامه في إعطاء المستحقين، فقام مقامه في وجوب النية، وفي الاكتفاء بها؛ كولي المحجور عليه، والثاني: لا يلزمه، ولا تكفي، لأن التقصير من المالك في تركه ما يعتدّ به، فإن أراد براءة ذمته بما أخذ له .. فينوي. ومحل الخلاف: في الاكتفاء بنية السلطان في إسقاط الفرض باطنًا، أما الاكتفاء ظاهرًا بمعنى أنه لا يطالب بها ثانيًا .. فلا خلاف فيه. * * *

стр. 532

فصلٌ [في تعجيل الزكاة] لَا يَصِحُّ تَعْجِيلُ الزَّكَاةِ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ، وَيَجُوزُ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلَا تُعَجَّلُ لِعَامَيْنِ فِي الأَصَحِّ === (فصل: لا يصح تعجيل الزكاة على مِلك النصاب) لفقد سبب الوجوب وهو المال الزكوي، فأشبه أداء الثمن قبل البيع، وهذا في الزكاة العينية، أما زكاة التجارة؛ كما إذا اشترى عَرْضًا قيمته مئة، فعجل عن مئتين، وحال الحول، وهو يساويها .. فإنه يجوز في الأصحِّ، لأن النصاب في التجارة معتبر بآخر الحول. ولو ملك مئة وعشرين شاة، فعجّل عنها شاتين، ثم حدثت سخلة قبل الحول .. فالأكثرون على ما صرح به في "الشرح الصغير"، واقتضاه كلام "الكبير": أنه لا يجزئ عن النصاب الذي كمل الآن، لما ذكرناه، وعموم كلام المصنف يدلّ عليه، وقيل: يجوز، وجزم به في "الحاوي الصغير" (١) لأن النتاج في أثناء الحول بمثابة الموجود في أوله. (ويجوز قبل الحول) أي: بعد انعقاده وقبل تمامه؛ لأن العباس سأل رسول الله ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تَحِلّ، فرخص له في ذلك، قال الحاكم: صحيح الإسناد (٢). ولأنه حقّ وجب بسببين، وهما: النصاب والحول، فجاز تقديمه على أحدهما، كتقديم كفارة اليمين على الحنث، فإن المخالفين قد وافقوا عليها. (ولا تُعجَّل لعامين) فصاعدًا (في الأصح) لأن زكاة السنة الثانية لم ينعقد حولها، والتعجيل قبل انعقاد الحول لا يجوز؛ كالتعجيل قبل إكمال النصاب، والثاني: يجوز، لأنه روي أنه ﵇ تسلف صدقة عامين، وأجاب البيهقي بأنه

стр. 533

وَلَهُ تَعْجِيلُ الْفِطْرَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ، وَالصَّحِيحُ: مَنْعُهُ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهِ، وَلَا الْحَبِّ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ، === مرسل، وبأنه محمول على أنه تسلف مرتين (١). وما صححه نقل الرافعي عن الأكثرين منهم معظم العراقيين، وصاحب "التهذيب"، لكن نقل في "المهمات" تصحيح الجواز عن الأكثرين وعن النص، وبسط ذلك بسطًا شافيًا، ثم قال: ولم أظفر بأحد صحح المنع إلا البغوي بعد الفحص البليغ والتتبع الشديد، قال: وقد حصل في كلام الرافعي هنا اختلاط في حال التصنيف، وانعكاس في النقل، وكان الصواب أن يقول: والأكثرون على تصحيح الجواز، ومنهم معظم العراقيين. انتهى (٢). وإذا جوزنا .. فشرطه: أن يبقى بعد التعجيل نصاب كامل؛ كما إذا ملك اثنين وأربعين شاة فعجّل شاتين، فإن لم يبق؛ كما إذا ملك أربعين، أو إحدى وأربعين فعجّل منها شاتين .. فالأصحُّ: المنع. (وله تعجيل الفطرة من أول رمضان) لأن التقديم بيوم أو يومين جائز باتفاق المخالف، فألحق الباقي به قياسًا بجامع إخراجها في جزء منه. (والصحيح: منعه قبله) لأنه تقديم على السببين، وهما: رمضان والفطر، والثاني: يجوز؛ لأن وجود المخرج نفسه سبب. وأجاب أبو الطيب بأن ما له ثلاثة أسباب لا يجوز تقديمه على اثنين منها؛ بدليل كفارة الظهار، فإن سببها الزوجية، والظهار والعود، ومع ذلك لا يقدم على الأخيرين. (وأنه لا يجوز إخراج زكاة الثمر قبل بدوّ صلاحه، ولا الحبّ قبل اشتداده) لأن وجوبها بسبب واحد، وهو إدراك الثمار، فيمتنع التقديم عليه، والثاني: يجوز؛ كزكاة المواشي، والنقود قبل الحول.

стр. 534

وَيَجُوزُ بَعْدَهُمَا. وَشَرْطُ إِجْزَاءِ الْمُعَجَّلِ: بَقَاءُ الْمَالِكِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ إِلَى آخِرِ الْحَوْلِ، وَكَوْنُ الْقَابِضِ فِي آخِرِ الْحَوْلِ مُسْتَحِقًّا، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ عَنِ الاسْتِحْقَاقِ فِي أَثناءِ الْحَوْلِ .. لَمْ يُجْزِئْهُ، === ومحل الخلاف: فيما بعد ظهوره، أما قبله .. فيمتنع قطعًا. (ويجوز بعدهما) أي: بعد بدوّ الصلاح واشتداد الحبّ؛ لثبوت الوجوب وإن لم يلزم الإخراج، فهو تعجيل على وجوب الإخراج لا على أصل الوجوب؛ فهو أولى بالإجزاء من تعجيل الزكاة قبل الحول، والثاني: لا يجوز؛ للجهل بالقدر. (وشرط إجزاء المعجَّل: بقاء المالك أهلًا للوجوب إلى آخر الحول) فلو مات، أو تلف ماله، أو باعه .. لم يكن المعجَّل زكاة، ويشترط أيضًا: بقاء المال إلى آخر الحول. واعلم: أنه قد يبقى المال وأهلية المالك، لكن تتغير صفة الواجب؛ كما لو عجَّل بنت مخاض عن خمس وعشرين، فتوالدت قبل الحول حتى بلغت ستًّا وثلاثين (١) .. فلا يجزئ المعجَّل على الأصحِّ وإن صارت أيضًا بنت لبون في يد القابض، بل يستردها ويعيدها، أو يعطي غيرها. (وكون القابض في آخر الحول مُستحِقًا) فلو خرج عن الاستحقاق؛ بأن تبين استحقاق الزكاة عند الحول لغيره؛ لحصول المال المؤدَّى عنه ببلد غير بلده عند الحلول؛ كأموال التجار أهل الأسفار، أو بخروجه عن الأهلية بموت، أو ردة .. لم يكن المدفوع مجزئًا؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، والقبضُ السابق إنما يقع عن هذا الوقت. (وقيل: إن خرج عن الاستحقاق في أثناء الحول .. لم يجزئه) كما لو لم يكن عند الأخذ من أهله، ثم صار عند تمام الحول من أهله، والأصحُّ: الإجزاء؛ اكتفاء بالأهلية في طرفي الوجوب والأداء، وهنا حالة الأخذ غير متعد بخلاف تلك، وقد يفهم أنه لا بدّ من العلم بكونه مستحقًا في آخر الحول، فلو غاب عند الحول ولم تُعلم حياتُه، أو احتياجه .. لم يجزئه، لكن في "فتاوى الحَنَّاطي": الظاهر: الإجزاء،

стр. 535

وَلَا يَضُرُّ غِنَاهُ بِالزَّكَاةِ. وَإِذَا لَمْ يَقَعِ الْمُعَجَّلُ زَكَاةً .. اسْتَرَدَّ إِنْ كَانَ شَرَطَ الاسْتِرْدَادَ إِنْ عَرَضَ مَانِعٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَالَ: (هَذِهِ زَكَاتِي الْمُعَجَّلَةُ فَقَطْ) .. اسْتَرَدَّ، === وهو أقرب الوجهين في "البحر"، ولم يصرح الشيخان بالمسألة. (ولا يضر غناه بالزكاة) المعجلة إما لكثرتها، أو توالدها ودَرِّها، أو التجارة فيها؛ لأنا إنما أعطيناه الزكاة ليستغني، فلا يصير ما هو المقصود مانعًا من الإجزاء، فإن استغنى بغيرها .. بان فساد القبض؛ لخروجه عن الأهلية عند الوجوب، ولو استغنى بالزكاة وبغيرها .. لم يضرّ أيضًا، ولو استغنى بزكاة أخرى معجلة أو غير معجلة .. قال الفارقي: فكما لو استغنى بغير الزكاة. (وإذا لم يقع المعجَّل زكاةً .. استردَّ إن كان شَرَطَ الاسترداد إن عرض مانع) لأنه مال دفعه عمّا يستحقه القابض في المستقبل، فإذا عرض ما يمنع الاستحقاق .. استردّ؛ كما إذا عجَّل أجرة الدار، ثم انهدمت في المدة. وأفهم: أنه ليس له الاسترداد قبل عروض المانع، وهو كذلك؛ لأنه تبرع بالتعجيل، فلم يكن له الرجوعُ فيه؛ كمن عجَّل دينًا مؤجَّلًا. (والأصح: أنه إن قال: هذه زكاتي المعجَّلة فقط .. استردّ) لأنه عيَّن الجهة، فإذا بطلت .. رجع؛ كما سبق في تعجيل الأجرة، والثاني: لا؛ لأن العادة جارية بأن المدفوع إلى الفقير لا يستردّ؛ فكأنه ملكه بالجهة المعينة إن وجد شرطها، وإلا .. كان صدقة. وكان ينبغي التعبير بـ (المذهب)، فإن الصحيح في "شرح المهذب" وغيره هو: القطع بالأول (١). وقوله: (هذه زكاتي) يقتضي: أن محلّ الخلاف فيما إذا دفع المالك بنفسه، أما إذا فرق الإمام .. فيستردّ قطعًا إذا ذكر التعجيل، ولا حاجة إلى شرط الرجوع، وهو كذلك. والخلاف جار فيما إذا لم يصرح بالتعجيل، ولكن علم به القابض، والأصحُّ: الاسترداد أيضًا.

стр. 536

وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلتَّعْجِيلِ وَلَمْ يَعْلَمْهُ الْقَابِضُ .. لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَأَنَّهُمَا لَوِ اخْتَلَفَا فِي مُثْبِتِ الاسْتِرْدَادِ .. صُدِّقَ الْقَابِضُ بِيَمِينِهِ. وَمَتَى ثبَتَ وَالْمُعَجَّلُ تَالِفٌ .. وَجَبَ ضَمَانُهُ، وَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ قِيمَةِ يَوْمِ الْقَبْضِ، === (وأنه إن لم يتعرض للتعجيل، ولم يعلمه القابض .. لم يستردّ) لتفريط الدافع، والثاني: يسترد؛ لأنه لم يقع الموقع، والثالث: إن كان المعطي هو الإمام .. رجع، وإن كان هو المالك .. فلا؛ لأن الإمام يعطي مال الغير، فلا يمكن وقوعه تطوعًا، ولا تهمة أيضًا في استرداده، بخلاف المالك، وهذا هو المنصوص، وصححه في "الكفاية"، واقتضى كلام الرافعي: أن الأكثرين عليه (١). واحترز بقوله: (ولم يعلمه القابض) عما إذا علمه، وقد تقدم. (وأنهما لو اختلفا في مُثبِت الاسترداد) وهو التصريح بالرجوع عند عروض مانع، أو في ذكر التعجيل على الوجه الأصح ( .. صدق القابض بيمينه) لأن الأصل عدمُ الاشتراط، والغالب: كون الأداء في الوقت، والثاني: وهو الأصحُّ في "شرح المهذب": تصديق الدافع؛ لأنه أعرف بقصده، والمعتمد: ما في "الكتاب"، بل ما وقع في "شرح المهذب" عُدَّ من سبق القلم. (ومتى ثبت) الاسترداد (والمعجَّل تالف .. وجب ضمانه) لأنه قبضه لغرض نفسه، ويضمنه بالمثل إن كان مثليًّا، وبالقيمة إن كان مُتقوَّمًا، وصحح السبكي: أنه يضمن الحيوان بالمثل الصوري، وعزاه إلى ظاهر النص، وفي "البحر" عن الماوردي: أن محل الخلاف: إذا خرج الدافع عن أهلية الوجوب، فإن خرج القابض .. وجب المثل الصوري قطعًا؛ لأن الاسترداد هاهنا ليدفعه إلى مُستحِقه، قال الأَذْرَعي: والأصحُّ: أنه لا فرق بينهما. (والأصح: اعتبار قيمة يوم القبض) لأن ما زاد عليها حصل في ملك القابض، فلا يضمنه، والثاني: يوم التلف؛ لأنه وقت انتقال الحقّ إلى القيمة، والثالث: أقصى القيم، والرابع: يوم الرجوع.

стр. 537

وَأَنَّهُ إِنْ وَجَدَهُ نَاقِصًا .. فَلَا أَرْشَ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَرِدُّ زِيَادَةً مُنْفَصِلَة. وَتَأْخِيرُ خِيرُ الزَّكَاةِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ يُوجبُ الضَّمَانَ وَإِنْ تلَفَ الْمَالُ، وَلَوْ تلَفَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ .. فَلَا، وَلَوْ تلَفَ بَعْضُهُ .. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَغْرَمُ قِسْطَ مَا بَقِيَ. وإِنْ أَتْلفَهُ بَعْدَ الْحَوْلِ وَقَبْلَ التَّمَكُّنِ .. لَمْ تَسْقُطِ الزَّكَاةُ. === (وأنه إن وجده ناقصًا .. فلا أرش) له؛ لأنه حدث في ملكه، فلا يضمنه، والثاني: نعم؛ لأن جملته مضمونة، فكذلك جزؤه. ومحل الخلاف: في نقص الصفة؛ كالمرض، والهُزال، أما نقص الجزء؛ كتلف شاة من شاتين .. فإنه يرجع ببدل التالف قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب"، و"الكفاية" (١). (وأنه لا يستردّ زيادة منفصلة) بناء على أنه ملكه الآخذ ملك قرض، وأن القرض يُملك بالقبض، والثاني: يستردها؛ بناء على الوقف، وإنّا تبَينا عدم الملك. وتعبيره بـ (الأصح) يقتضي: إثبات الخلاف وقوّته، وعبر في "الروضة" بالمذهب الذي قطع به الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي (٢)، وقيل: وجهان. واحترز بـ (المنفصلة) عن المتصلة؛ كالثمن، فإنها تتبع الأصل. (وتأخير الزكاة بعد التمكن) وهو حضور المال والأصناف؛ كما مر (يوجب الضمان وإن تلف المال) أو أتلف؛ لتقصيره بحبس الحقّ عن مُستحِقّه، والمراد بـ (الضمان) هو: إخراج ما كان يخرجه قبل التلف، لا ضمان المتلفات. (ولو تلف قبل التمكن) بلا تفريط ( .. فلا) لعدم التقصير. (ولو تلف بعضُه .. فالأظهر: أنه يَغْرَم قسط ما بقي) فإذا كان نصابًا؛ كخمسة أبعرة، فتلف واحد بعد الحول وقبل التمكن .. سقط ما يخصه، ووجب أربعة أخماس شاة؛ بناء على أن التمكن شرط في الضمان، والثاني: لا يلزمه شيء؛ بناء على أن التمكن شرط في الوجوب؛ كما لو نقص النصاب في الحول. (وإن أتلفه) المالك (بعد الحول وقبل التمكن .. لم تسقط الزكاة) لأنه متعدٍّ بإتلافه.

стр. 538

وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ تَعَلُّقَ الشَّرِكَةِ، وَفِي قَوْلٍ: تَعَلّقَ الرَّهْنِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالذِّمَّةِ، فَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا .. فَالأَظْهَرُ: بطْلَانهُ فِي قَدْرِهَا، وَصِحَّته فِي الْبَاقِي. === (وهي تتعلق بالمال تعلُّقَ الشركة) لأنها تجب بصفة المال من الجودة والرداءة، وتؤخذ من عينه قهرًا عند الامتناع كما يقسم المشترك قهرًا عند الامتناع منها. وإنما جاز الإخراج من غيره على خلاف قاعدة المشتركات رفقًا بالمالك، وتوسيعا عليه؛ لكونها وجبت مجانا على سبيل المواساة. (وفي قول: تعلق الرهن) أي: يكون الواجب في ذمّة المالك، والنصابُ مرهون به؛ لأنه لو امتنع من الأداء ولم نجد الواجبَ في ماله .. باع الإمام بعضَه وشرى واجبه؛ كما يباع المرهون في الدين. (وفي قول: بالذمة) ولا تعلق لها بالعين؛ كالفطرة، وقضية إطلاقه: جريان الخلاف وإن كان الواجبُ من غير جنس المال؛ كالشاة الواجبة في الإبل، وهو أصحٌّ الطريقين، والثاني: القطع بتعلقها بالذمة. (فلو باعه قبل إخراجها .. فالأظهر: بطلانه في قدرها) تفريعًا على قول الشركة؛ لأن بيع مِلك الغير من غير مُسوِّغ باطلٌ، (وصحته في الباقي) بناء على الصحة في تفريق الصفقة. والخلاف هنا مُفرَّع على الأقوال السَّالفة: فإن قلنا: بقول الشركة .. فالأصحٌّ: ما ذكره المصنف، وإن قلنا: تعلق رهن .. فالأظهر: الصحة مطلقًا؛ لأن هذه العُلْقة ثبتت بغير اختيار المالك، وليست لمعين، فسومح فيها بما لا يسامح به في الرهن، وإن قلنا: إنها في الذمة، والمال خِلْوٌ منها .. صحّ. وإذا فرعنا على قول الشركة؛ فإن كان قدر الزكاة جزءًا معلومًا؛ كالمعشرات، والنقدين .. كان كمن باع عبدًا له نصفُه، وإن لم يكن كذلك؛ كأن باع أربعين شاة .. فهو كما لو باع عبده وعبدَ غيره، قاله الرافعي (١). واستشكله السبكي، وقال: ينبغي أن يبنى على أن الواجب مُشاع أو مبهم، فعلى

стр. 539

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الأول: يكون كما لو باع عبدًا له نصفُه، وعلى الثاني: لا يصحّ البيع في شيء؛ لأن المملوك منها غير معين. انتهي وهذا كله في بيع الجميع؛ كما أشار إليه بقوله: (فلو باعه)، فأما إذا باع بعضه؛ فإن لم يبق قدر الزكاة .. فهو كما لو باع الجميع، وإن بقي قدرها إما بنية صرفه إلي الزكاة، وإما بغيرها وفرّعنا علي قول الشركة .. ففي صحّة البيع وجهان: أقيسهما: البطلان، كذا نقلاه عن ابن الصباغ، ثم قالا: إنهما مبنيان علي أن الواجب شائع، أو حيوان مبهم، فإن قلنا بالأول .. بطل، أو بالثاني .. صح (١). وهذا كله في زكاة الأعيان، أما زكاة التجارة .. فيصح بيع الكلّ بعد وجوب الزكاة على الأصحِّ؛ لأن متعلق هذه الزكاة هو القيمة، وهي لا تفوت بالبيع، والله أعلم. * * *

стр. 540

كتابُ الصِّيام يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِإِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ، أَوْ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ. وَثُبُوتُ رُؤْيَتِهِ بِعَدْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: عَدْلَانِ === (كتاب الصيام) هو لغة: الإمساك، ومنه ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا، وفي الشرع: إمساك مخصوص من شخص مخصوص عن شيء مخصوص في زمن مخصوص. (يجب صوم رمضان) بالإجماع (بإكمال شعبان ثلاثين، أو رؤية الهلال) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، والمراد بالشهادة هنا: العلم، والعلم إما بالرؤية، وإما باستكمال شعبان؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: "صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ .. فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ" رواه البخاري (١)، والمراد: رؤيته في الجملة بشرطه الآتي. (وثبوت رؤيته بعدل) لأن ابن عمر رآه فأخبر رسول الله صلي الله عليه وسلم بذلك، فصام، وأمر الناس بصيامه، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان (٢)، (وفي قول: عدلان) كهلال شوال، وسائر الشهادات. ومحل ثبوته بواحد: إنما هو بالنسبة للصوم فقط، فلا يقع الطلاق والعتق المعلَّقان به، ولا تحلّ الآجال المعلَّقة به، قاله البغوي، وبحث فيه الرافعي (٣).

стр. 541

وَشَرْطُ الْوَاحِدِ: صِفَةُ الْعُدُولِ فِي الأَصَحِّ، لَا عَبْدٍ وَامْرَأَةٍ. وَإِذَا صُمْنَا بِعَدْلٍ وَلَمْ نَرَ الْهِلَالَ بَعْدَ ثَلَاثِينَ .. أَفْطَرْنَا فِي الأَصَحِّ وَإِنْ كَانَتِ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً. وَإِذَا رُئِيَ بِبَلَدٍ .. لَزِمَ حُكْمُهُ الْبَلَدَ الْقَرِيبَ دُونَ الْبَعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَالْبَعِيدُ: مَسَافَةُ الْقَصْرِ، وَقِيلَ: بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ === (وشرط الواحد: صفة العدول في الأصحِّ: لا عبد وامرأة) مثار الخلاف: أن هذا من باب الشهادة، وهو الأصحُّ، فلا يكفي قولهما فيه، أو من باب الرواية، فيكفي. وقوله: (وشرط الواحد: صفة العدول) بعد قوله: (بعدل) فيه رِكَّة؛ فإن العدل من كانت فيه صفة العدول، وما زعمه من أن العبد والمرأةَ ليسا عدلين ممنوعٌ؛ إذ العدل: من لم يرتكب كبيرة، ولا أصرَّ على صغيرة. نعم؛ ليسا من أهل قبول الشهادة. (وإذا صمنا بعدل، ولم نر الهلال بعد ثلاثين .. أفطرنا في الأصح وإن كانت السماء مُصحِيةً) لإكمال العدد؛ كما لو صمنا بعدلين، والثاني: لا؛ لأن الفطر يؤدي إلي إثبات شوال بقول واحد، وهو ممتنع. وأجاب الأول: بأن الشيء قد يثبت ضمنًا ولا يثبت مقصودًا؛ كما في شهادة النساء، لا يثبت بها النسب والميراث مقصودًا، ويثبتان ضمنًا للولادة. (وإذا رُئي ببلد .. لزم حكمُه البلدَ القريب) قطعًا؛ لأنهما كبلد واحد (دون البعيد في الأصح) قياسًا علي أوقات الصلاة؛ فإنَّ لكلّ بلد حكمَه من الطوالع والغوارب؛ كطلوع الشمس وغروبها، والثاني: تلزم البعيد أيضًا؛ لأن الهلال واحد والخطابَ شاملٌ. (والبعيد: مسافة القصر) لأن الشرع علّق بها كثيرًا من الأحكام، واعتبار المطالع يُحوج إلي حساب، وتحكيم المنجِّمين، وقواعدُ الشرع تأباه. (وقيل: باختلاف المطالع، قلت: هذا أصح، والله أعلم) وبه أجاب جمهور العراقيين والصَّيْدَلاني وغيرهم؛ لأن أمر الهلال لا تعلُّق له بمسافة القصر؛ فعلي هذا: لو شكّ في اتفاقهما .. لم يجب الصوم علي الذين لم يروا؛ لأن الأصل عدم الوجوب.

стр. 542

وَإِذَا لَمْ نُوجِبْ عَلَي الْبَلَدِ الآخَرِ، فَسَافَرَ إِلَيْهِ مِنْ بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُمْ فِي الصَّوْمِ آخِرًا. وَمَنْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الآخَرِ إِلَي بَلَدِ الرُّؤْيَةِ .. عَيَّدَ مَعَهُمْ وَقَضَي يَوْمًا. وَمَنْ أَصْبَحَ مُعَيِّدًا فَسَارَتْ سَفِينَتُهُ إِلَي بَلْدَةٍ بَعِيدَةٍ أَهْلُهَا صِيَامٌ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُمْسِكُ بَقِيَّةَ الْيَوْمِ. === (وإذا لم نوجب علي البلد الآخر، فسافر إليه من بلد الرؤية (١) .. فالأصح: أنه يوافقهم في الصوم آخرًا) وإن كان قد أتمَّ ثلاثين؛ لأنه بالانتقال إلي بلدهم صار واحدًا منهم، فيلزمهم حكمهم، والثاني: يفطر؛ لأنه التزم حكم البلد الأول، فيستمرّ عليه (٢). (ومن سافر من البلد الآخر إلي بلد الرؤية .. عيَّد معهم) ولو كان صام ثمانيةً وعشرين فقط، بأن كان رمضانُ أيضًا عندهم ناقصًا، فوقع عيدُه معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ بناءً علي أنَّ للمنتقِل حكمَ المنتقَل إليه، (وقضي يومًا) إذا كان تعييده معهم في التاسع والعشرين من صومه؛ كما في "الشرحين"، و"المحرر"، و"الروضة" (٣)؛ لأن الشهر لا يكون ثمانية وعشرين، بخلاف ما إذا عيَّد معهم يوم الثلاثين .. فإنه لا قضاء؛ لأنه يكون تسعةً وعشرين. (ومن أصبح معيِّدًا، فسارت سفينته إلي بلدة بعيدةٍ أهلُها صِيام .. فالأصح: أنه يمسك بقية اليوم) وجوبًا؛ بناء علي أن لكلّ بلد حكمَ نفسه، وأن للمنتقَل إليه حكمَه لا حكم المنتقل عنه، وهذا ما قاله الشيخ أبو محمد، واستبعده الإمام والغزالي من حيث إنه لم يرد فيه أثر، وتجزئة اليوم الواحد بإمساك بعضه دون بعض بعيدة (٤)، وهذا الاستبعاد هو المقابِل للأصح في كلام المصنف. * * *

стр. 543

فَصْلٌ [في أركان الصوم] النِّيَّةُ شَرْطٌ لِلصَّوْمِ، وَيُشْتَرَطُ لِفَرْضِهِ التَّبْيِيتُ. === (فصل: النية شرط للصوم) لما سبق في الوضوء، ومحلها: القلب، والمراد بالشرط هنا: ما لا بدّ منه، لا المعني المصطلح عليه؛ لأن النية هنا ركن داخل في الماهية؛ كما صرح به الرافعي، وعبارة "المحرر": (ولا بدّ من النية في الصوم) (١). وكلام المصنف قد يوهم أنه لو تسحّر ليقوي علي الصوم .. لم يكن ذلك نية، وبه صرح أبو المكارم في "العدة"، وعن أبي العباس الروياني: أنه لو تسحَّر للصوم، أو شرب لدفع العطش نهارًا، أو امتنع من الأكل والشرب؛ مخافةَ الفجر .. كان ذلك نيةً للصوم، قال الشيخان: وهذا هو الحقّ إن خطر بباله الصوم بالصفات التي يشترط التعرض لها؛ لأنه إذا تسحَّر ليصوم صومَ كذا .. فقد قصده (٢). (ويشترط لفرضه التبييت) لحديث: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ .. فَلَا صِيَامَ لَهُ" صححه الدارقطني والخطابي والبيهقي (٣)، وفي لفظ: "مَنْ لَمْ يُبَيِّت" رواه الدارقطني، وقال: رجاله كلّهم ثقات (٤). والمراد بقوله: "لَا صِيَامَ": نفي الصحة؛ لأنه الحقيقة، لا نفي الكمال. ولا بدّ من التبييت لكلّ يوم، وقد يفهم هذا من قوله بعد: (صوم غد)، وكلام المصنف قد يخرج الصبي المميز، فإنه لا فرض عليه، والذي في "شرح المهذب" تبعًا للروياني وغيره أنه كالبالغ في ذلك (٥).

стр. 544

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصْفُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَضُرُّ الأَكْلُ وَالْجِمَاعُ بَعْدَهَا، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا نَامَ ثُمَّ تَنَبَّهَ. وَيَصِحُّ النَّفْلُ بِنِيَّةٍ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي قَوْلٍ، === (والصحيح: أنه لا يشترط النصف الأخير من الليل) لإطلاق التبييت في الحديث، ولما فيه من المشقة، والثاني: يشترط؛ لأن الأصل وجوبُ اقتران النية بأول العبادة؛ وهو طلوع الفجر، فلما سقط ذلك .. أوجبنا النصف الأخير؛ كما في أذان الصبح، وغسل العيد. (وأنه لا يضرّ الأكل والجماع بعدها) وكذا غيرهما من المنافيات؛ لأن الله تعالي أحلَّ الأكل إلي طلوع الفجر، ولو كان يبطل النية .. لما جاز أن يأكل إليه؛ لأنه يبطل النية، ومقابله غلط بالاتفاق؛ كما قاله في "شرح المهذب" (١). (وأنه لا يجب التجديد إذا نام ثم تنبَّه) ليلًا؛ لما سبق، بل أولى؛ لعدم منافاة النوم الصوم، والثاني: يجب؛ تقريبًا للنية من العبادة بقدر الوسع، أما إذا استمرّ النوم إلي الفجر .. لم يضرّ قطعًا. (ويصحّ النفل بنية قبل الزوال) لأنه ﵇ دخل على عائشة ﵂ يومًا، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ غَدَاءٍ" قالت: لا، قال: "فَإِنِّي إِذَنْ أَصُومُ"، رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح (٢). والغداء: اسم لما يؤكل قبل الزوال، والذي يؤكل بعده يسمى: عَشاء. ويستثنى: صوم الصبي رمضان، فإنه نفل، ولا بدّ فيه من التبييت؛ كما مرّ. (وكذا بعده في قولٍ) إن لم تتصل آخر نيته بالغروب؛ تسويةً بين أجزاء النهار؛ كما في النية ليلًا، أما إذا اتصلت نيته بالغروب .. فلا يصح قطعًا، قاله البَنْدَنيجي، والصحيح: عدم الصحة؛ لخلوّ معظم العبادة عن النية، بخلاف ما قبل الزوال، وللمعظم تأثير إدراكًا وفواتًا؛ كما في إدراك المسبوق الركعة.

стр. 545

وَالصَّحِيحُ: اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرْضِ، === وإذا نوى في أثناء النهار وجوزناه .. انعطفت النية علي ما مضي، وكان صائمًا من أول النهار علي الصحيح. (والصحيح: اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) أي: الخلوّ عن أكل، وجماع، واستقاءة، وحيض، وجنون، وكفر، وإلا .. لم يحصل مقصود الصوم، وهو خلوّ النفس عن الموانع في اليوم بكماله، والثاني: أنه لا يشترط ذلك؛ لأن الصوم إذا كان محسوبًا من وقت النية .. كان بمثابة جزء من الليل. ومحل الخلاف: إذا قلنا: إنه صائم من وقت النية، أما إذا قلنا بالأصح: أنه صائم من أول النهار .. فلا بدّ من اجتماع شرائط الصوم من أول النهار جزمًا. (ويجب التعيين في الفرض) بأن ينوي كلَّ ليلة أنه صائم غدًا عن رمضان، أو عن نذر، أو كفارة؛ لأنه عبادةٌ مضافةٌ إلي وقت؛ فوجب التعيين في نيتها؛ كالصلوات الخمس. وخرج بـ (الفرض): النفل؛ فإنه يصحّ بنية مطلقة؛ كما أطلقه الأصحاب، واستثني ابن أبي الدم: صوم الصبي، فلا بدّ فيه من التعيين؛ كالتبييت. قال في "شرح المهذب": وينبغي: اشتراط التعيين في الصوم الراتب؛ كعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة من شوال؛ كرواتب الصلاة (١)، والحق الإسنوي بذلك ما له سبب؛ كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمامُ؛ كما في نظيره من الصلاة أيضًا. ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو تيقن أن عليه صوم يوم وشك في كونه قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً .. ينوي الصوم الواجب، ويجزئه، واغتفر التردّد، حكاه في "شرح المهذب" عن رواية صاحب "البيان" عن الصَّيْمَري، وأقره (٢).

стр. 546

وَكَمَالُهُ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ للهِ تَعَالَي. وَفِي الأَدَاءِ وَالْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إِلَي اللهِ تَعَالَي الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إِنْ كَانَ مِنْهُ، فَكَانَ مِنْهُ === (وكماله) أي: كمال التعيين؛ كما قاله في "المحرر" (١) (في رمضان: أن ينوي صوم غدٍ عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالي) لأنه إذا نوى كذلك .. صحت نيته بالاتفاق، والتعرض للغد قد يكون بخصوصه، وقد يكون بإدخاله في عموم؛ فإنه لو نوى في أول ليلة من رمضان صوم رمضان .. صحت لليوم الأول على الأصحِّ. واحترز بـ (الأداء): عن القضاء، وبـ (الفرض): عن النفل، وبـ (رمضان): عن النذر والكفارة، وبـ (هذه السنة): عن سنة أخري إلا أن فرض غيرها لا يكون إلا قضاء، وقد خرج بقيد الأداء، وبقيد الغد. (وفي الأداء والفرضية والإضافة إلي الله تعالي الخلافُ المذكور في الصلاة) كذا ذكره الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة"، وظاهره: أن يكون الأصحُّ: اشتراط الفرضية، دون الأداء والإضافة (٢)، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم اشتراط الفرضية، وحكاه عن تصحيح الأكثرين (٣). وفرِّق بين البابين: بأن صوم البالغ رمضانَ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر قد تكون نفلًا في حقّ من صلاها ثانيًا، قال في "المهمات": والفتوي علي ما في "شرح المهذب" (٤). (والصحيح: أنه لا يشترط تعيين السنة) لأن تعيين اليوم وهو الغد يغني عنه، والثاني: يشترط؛ ليمتاز عما يأتي به في سنة أخري. (ولو نوى ليلةَ الثلاثين من شعبان صومَ غدٍ عن رمضان إنْ كان منه، فكان منه ..

стр. 547

لَمْ يَقِعْ عَنْهُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ؛ مِنْ عَبْدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ. وَلَوْ نوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ .. أَجْزَأَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ .. === لم يقع عنه) وكذا إن يقل، ولم ينو إن كان منه؛ لأن النية ليست جازمة. (إلا إذا اعتقد) أي: ظنّ (كونه منه بقول من يثق به؛ من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء) لأن غلبة الظنّ هنا كاليقين؛ كما في أوقات الصلاة. وقضية كلامه؛ كـ "الشرحين" و"الروضة": أن الصبي الواحد لا يجوز اعتماده، بل لا بدّ من جمع منهم، لكن في موضعين من "شرح المهذب" أنه يكفي الاعتماد عليه، قال في "المهمات": والفتوي على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه (١). وليس المراد بالرشد هنا المرادَ به في قوله: (شرط العاقد: الرشد)، بل المراد: ألَّا يُجرَّب عليه الكذب، قال في "المهمات": ولا يبعد [اعتبار] اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، والظاهر: أن الرشد قيد في الصبيان، ويحتمل عوده إلي الباقي (٢). وقد استشكل ما ذكروه هنا من صحة الصوم اعتمادًا علي قول من ذكر، مع تفسيرهم يوم الشك باليوم الذي يتحدث برؤيته فيه مَنْ لا يعتمد قوله؛ من عبيد وصبيان ونساء وفسقة، فإن مقتضاه: تحريم صومه. وجمع بينهما: بأن الكلام هنا فيما إذا تبين كونه من رمضان، وهناك فيما إذا لم يتبين شيء، فليس الاعتماد علي هؤلاء في الصوم، بل في النية فقط؛ فإذا نوي اعتمادًا علي قولهم، ثم تبَّين ليلًا كونُ غدٍ من رمضان .. لا يحتاج إلي تجديد نية أخرى، ألا تراهم لم يذكروا هذا فيما يثبت به الشهر، وإنما ذكروه فيما يعتمد عليه في النية. (ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صومَ غد إن كان من رمضان .. أجزأه إن كان منه) لأن الأصل: بقاؤه.

стр. 548

وَلَوِ اشْتَبَهَ .. صَامَ شَهْرًا بِالاجْتِهَادِ، فَإِنْ وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ .. أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الأَصَحِّ، فَلَوْ نَقَصَ وَكَانَ رَمَضَانُ تَامًّا .. لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ .. لَزِمَهُ صَوْمُهُ، وَإِلَّا .. فَالْجَدِيدُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَلَوْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاعِ دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا .. صَحَّ إِنْ تَمَّ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ الْحَيْضِ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ === (ولو اشتبه) رمضان علي أسير، أو محبوس، أو نحوهما ( .. صام شهرًا بالاجتهاد) كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت. (فإن وافق ما بعد رمضان .. أجزأه) قطعًا، وغايته: أنه أوقع القضاء بنية الأداء (وهو قضاء على الأصح) لوقوعه بعد الوقت، والثاني: أنه أداء؛ لأن العذر قد يَجعل غيرَ الوقت وقتًا؛ ، كما في الجمع بين الصلاتين. وفائدة الخلاف: ذكرها المصنف بقوله: (فلو نقص) الشهر الذي صامه بالاجتهاد (وكان رمضان تامًّا .. لزمه يوم آخر) بناء على أنه قضاء، وعلى مقابله: لا يلزمه شيء، ولو انعكس الحال؛ فإن قلنا: إنه قضاء .. فله إفطارُ اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء .. فلا. (ولو غَلِط بالتقديم وأدرك رمضان .. لزمه صومه) لتمكنه منه في وقته. (وإلا) أي: وإن لم يدرك رمضان ( .. فالجديد: وجوب القضاء) لأنه أتى بالعبادة قبل الوقت فلا تجزئه؛ كما في الصلاة، والقديم: المنع؛ كالحجيج إذا وقفوا العاشرَ غلطًا. وبناهما جماعةٌ على ما إذا وافق ما بعده هل يكون قضاء أو أداء؟ إن قلنا: قضاء .. لم يجزه هنا؛ لأن القضاء لا يسبق الأداء، وإن قلنا: أداء .. أجزأه. ولو أدرك بعضَ رمضان .. لزمه صوم ما أدرك منه قطعًا، وفي قضاء ما مضى القولان. (ولو نوت الحائض صومَ غد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع ليلًا .. صحّ إن تمَّ في الليل أكثر الحيض) لأنها جازمة بأنَّ غدها كلَّه طهر. (وكذا قدر العادة في الأصح) لأن الظاهر استمرارُ عادتها؛ فقد بنت نيتها على

стр. 549

فَصْلٌ [في شرط الصوم] شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِمْسَاكُ: عَنِ الْجِمَاع، وَالاسْتِقَاءَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ .. بَطَلَ. وَلَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ .. فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ === أصل صحيح، والثاني: لا يصح؛ لأنها قد تختلف، فإن لم يتم أكثر الحيض في الليل، ولم تكن لها عادة أصلًا، أو كان لها عادة مختلفة .. لم يصحّ الصوم؛ لأنها لم تجزم بالنية ولا بنتها على أصل. * * * (فصل: شرط) صحة (الصوم: الإمساك عن الجماع) بالإجماع، والمراد بالشرط: ما لا بدّ منه، لا الشرط الاصطلاحي؛ كما مرّ في النية. (والاستقاءة) لحديث: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صائِمٌ .. فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ .. فَلْيَقْضِ" صححه ابن حبان، وغيره (١). (والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه .. بطل) بناء على أن العلة في البطلان نفسُ الاستقاءة، ووجه مقابله: البناء على أن العلة في البطلان فيه رجوعُ شيء مما خرج وإن قلَّ. (ولو غلبه القيء .. فلا بأس) للحديث المارّ، (وكذا لو اقتلع نُخامةً) من الباطن (ولفظها في الأصح) لأن الحاجة إليه تتكرر، فرخص فيه، والثاني: يفطر به؛ كالاستقاءة، ورجح في "الروضة"، و"شرح المهذب" القطع بالأول (٢). واحترز بقوله: (ولفظها) عما إذا بقيت في محلّها، فإنه لا يفطر، وعما إذا ابتلعها بعد أن خرجت إلى الظاهر، فإنه يفطر. (ولو نزلت من دماغه، وحصلت في حدّ الظاهر من الفم) بأن انصبت من الدماغ

стр. 550

فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الْجَوْفَ .. أَفْطَرَ فِي الأَصَحِّ. وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إِلَى مَا يُسَمَّي جَوْفًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ تُحِيلُ الْغِذَاءَ أَوِ الدَّوَاءَ === في الثقبة النافذة من الدماغ إلى أقصى الفم فوق الحلقوم ( .. فليقطعها من مجراها، وليمُجَّها، فإن تركها مع القدرة فوصلت الجوف .. أفطر في الأصح) لتقصيره، والثاني: لا؛ لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما أمسك عن الفعل، قال ابن الصلاح: ولعله أقرب (١). أما إذا لم تحصل النخامة في حدّ الظاهر .. فلا مبالاة بها، وكذا إذا حصلت فيه ولم يقدر على مَجِّها. وأشار بقوله: (من مجراها) إلى أنه لو ردّها إلي أقصي الفم، أو ارتدت إليه، ثم ابتلعها .. أنه يفطر لا محالة. والمراد بالباطن: مخرج (الهاء) و (الهمزة)، وبـ (الظاهر): مخرج (الخاء) المعجمة، وأما مخرج المهملة .. فقال الرافعي تبعًا للغزالي: إنه من الباطن، وقال المصنف: إنه من الظاهر (٢). (وعن وصول العين إلى ما يُسمَّي جوفًا) ولو حبة سمسم؛ لأن الصوم هو الإمساكُ عن كلّ ما يصل إلى الجوف، وفاعل هذا ما أمسك. واحترز بـ (العين): عن الأثر؛ كالريح بالشم، وحرارة الماء وبرودته، وبـ (الجوف): عما لو داوى جراحة على لحم الساق والفخذ، فوصل الدواء إلى داخل المخ أو اللحم، أو غرز فيه حديدة، فإنه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف. (وقيل: يشترط مع هذا: أن تكون فيه) أي: في الجوف (قوةٌ تحيل الغذاء أو الدواء) لأن ما لا تحيله لا تغتذي به النفسُ ولا ينتفع به البدن؛ فأشبه الواصلَ إلى غير الجوف، والصحيح: عدم الاشتراط؛ قياسًا على الحلق، فإنه يفطر بالوصول إليه، مع كونه لا يحيل.

стр. 551

فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: بَاطِنُ الدِّمَاغٍ وَالْبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالْمَثَانَةِ مُفَطِّرٌ بِالاسْتِعَاطِ أَوِ الأَكْلِ أَوِ الْحُقْنَةِ، أَوِ الْوُصُولِ مِنْ جَائِفةٍ وَمَأْمُومَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الأُذُنِ وَالإِحْلِيلِ مُفَطِّرٌ فِي الأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْوَاصِلِ: كَوْنُهُ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوح، فَلا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بِتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ، وَلَا الاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بِحَلْقِهِ، وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ، فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أَوْ بَعُوضَةٌ، أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ .. لَمْ يُفْطِرْ. وَلَا يُفْطِرُ بِبِلْعِ رِيقِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ، أَوْ بَلَّ خَيْطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إِلَى فمِهِ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ === (فعلى الوجهين: باطن الدماغ والبطن والأمعاء) وهي المصارين، (والمثانة) وهي مَجْمَع البولِ (مفطِّرٌ بالاستعاط أو الأكل أو الحُقنة، أو الوصول من جائفةٍ ومأمومةٍ ونحوهما) لأنه جوف محيل، وفي كلامه لفّ ونشر؛ فالاستعاط للدماغ، والأكل للبطن، والحُقنة للأمعاء وللمثانة أيضًا؛ فإن البول يعالج بها؛ كما يعالج بها الغائط، والوصول من الجائفة والمأمومة يعود إلى الجميع. (والتقطير في باطن الأذن والإحليلِ مفطِّرٌ في الأصح) بناء على الوجه الأول، وهو اعتبار كلّ ما يسمّى جوفًا، والثاني: لا؛ بناء على مقابله؛ لعدم قوة الإحالة. (وشرط الواصل: كونُهُ من منفذ مفتوح، فلا يضرّ وصول الدهن بتشرب المسامِّ) وهي ثقب البدن، (ولا الاكتحال وإنْ وجدَ طعمَهُ بحلقه) كما لا يضرّ الانغماس بالماء وإن وجد أثره في باطنه، ولا يكره الاكتحال سواء تنخمه أم لا. والمنفذ بفتح الفاء: كالمدخل والمخرج؛ كذا ضبطه المصنف بخطه (١). (وكونه بقصد، فلو وصل جوفَه ذباب، أو بعوضة، أو غبار الطريق، وغربلة الدقيق .. لم يفطر) وإن أمكن اجتناب ذلك بإطباق الفم أو غيره؛ لما فيه من المشقة الشديدة، بل لو فتح فاه عمدًا حتي وصل الغبار إلي جوفه .. لم يفطر علي الصحيح. (ولا يُفطر ببلع ريقه من مَعدِنه) بالإجماع، ومعدن الريق: هو الموضع الذي فيه قراره، ومنه ينبع، وهو الحنك الأسفل تحت اللسان. (فلو خرج عن الفم ثم ردَّه وابتلعه، أو بلَّ خيطًا بريقه، وردّه إلي فمه وعليه رطوبة

стр. 552

تَنْفَصِلُ، أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا .. أَفْطَرَ. وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ .. لَمْ يُفْطِرْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَوِ الاسْتِنْشَاقِ إِلَي جَوْفِهِ .. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ بَالَغَ .. أَفْطَرَ، وإِلَّا .. فَلَا === تنفصلُ) وابتلعها، (أو ابتلع ريقه مخلوطًا بغيره) كأن فتل خيطًا مصبوغًا، وتغيَّر به ريقه، (أو متنجسًا) وإن لم يكن مختلطًا بشيء؛ كما إذا دَمِيت لثتُه فبصق حتي صفي ريقه، ثم ابتلعه صافيًا ( .. أفطر) أما في الأولى .. فلأنه خرج عن معدنه وصار كالأعيان الخارجة، وأما في الثانية .. فلأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة المَعدِن، وأما في الثالثة .. فلأنه أجنبي غير الريق (١). (ولو جمع رِيقه فابتلعه .. لم يفطر في الأصح) كابتلاعه متفرقًا من مَعْدِنه، والثاني: يفطر؛ لتيسر الاحتراز عنه. واحترز بقوله: (جمعه): عما لو اجتمع بلا قصد؛ فإنه لا يضرُّ قطعًا. (ولو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه) المعروف، أو دماغه ( .. فالمذهب: أنه إن بالغ .. أفطر) لأنه منهي عنه؛ كما مرَّ في الوضوء، (وإلا .. فلا) لوصوله بغير اختياره. واعلم: أن المسألة علي قولين، وفي محلّهما طرق: أصحها: في "المحرر": أنهما فيما إذا لم يبالغ، فإن بالغ .. أفطر قطعًا، والثانية: فيما إذا بالغ، وإلا .. لم يفطر قطعًا، وصححها: في "الشرحين" (٢)، والثالثة: أنهما جاريان في الحالين؛ فلهذا عبر المصنف بـ (المذهب). هذا كله في المضمضة والاستنشاق المشروعين، فإن سبقه من رابعةٍ .. فالمختار في "الروضة": الجزم بالإفطار للنهي عنها (٣). وغسل الفم من النجاسة؛ كالمضمضة، قال الرافعي: والمبالغة هنا للحاجة ينبغي

стр. 553

وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ .. لَمْ يُفْطِرْ إِنْ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، وَلَوْ أُوجِرَ مُكْرَهًا .. لَمْ يُفْطِرْ، فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّي أَكَلَ .. أَفْطَرَ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا .. لَمْ يُفْطِرْ إِلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. === أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة، وجزم به في "الشرح الصغير"، وقال في "شرح المهذب": هو متعين (١). (ولو بقي طعامٌ بين أسنانه فجرى به ريقه .. لم يفطر إن عَجَز عن تمييزه ومجِّه) لأنه معذور فيه غير مفرط، فإن لم يعجز .. أفطر؛ لتقصيره. واحترز بقوله: (فجرى): عمَّا إذا ابتلعه قصدًا؛ فإنه يفطر قطعًا. (ولو أُوجِر مكرهًا .. لم يفطر) لانتفاء الفعل والقصد منه، والإيجار: صب الماء في حلقه، وحكم سائر المفطرات حكم الإيجار. (فإن أكره حتى أكل) أو شرب ( .. أفطر في الأظهر) لأنه حصل من فعله لدفع الضرر عن نفسه فأفطر به؛ كما لو أكل لدفع الضرر والجوع. (قلت: الأظهر: لا يفطر، والله أعلم) لأن حكم اختياره ساقط، بخلاف من أكل خوفًا علي نفسه، فأشبه الناسي، بل هو أولى منه؛ لأنه مخاطب بالأكل؛ لدفع ضرر الإكراه عن نفسه، والناسي ليس مخاطبًا بأمرٍ ولا نهي. (ولو أكل ناسيًا .. لم يفطر) لحديث: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ .. فَلْيُتِمَّ صوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ" متفق عليه (٢)، وفي "صحيح ابن حبان" وغيره: "وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ" (٣). (إلا أن يُكثر في الأصح) لأن النسيان مع الكثرة نادر، ولهذا تبطل الصلاة بالكلام الكثير ناسيًا، قال في "الأنوار": والكثير كثلاث لقم (٤)، (قلت: الأصح: لا يفطر، والله أعلم) لعموم الحديث المارّ.

стр. 554

وَالْجِمَاعُ كَالأَكْلِ عَلَي الْمَذْهَبِ. وَعَنِ الاسْتِمْنَاءِ، فَيُفْطِرُ بِهِ، وَكَذَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ، لَا الْفِكْرِ والنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ. وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، وَالأَوْلَى لِغَيْرِهِ تَرْكُهَا. قُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ === والفرق بينه وبين الصلاة: أن المصلي مُشتغل بأفعال وأقوال تُذكِّره أنه في الصلاة، فيندر وقوع ذلك منه، بخلاف الصائم. (والجماع كالأكل علي المذهب) في أنه لا يفطر بالنسيان؛ كغيره من المفطرات، والطريق الثاني: أنه على القولين في جماع المحرم ناسيًا. وفرق الأول: بأن المحرم له هيئةٌ يتذكر بها الإحرام، فإذا نسي .. كان مُقصِّرًا، بخلاف الصائم. (وعن الاستمناء) أي: شرط الصوم: الإمساك عن الجماع وعن الاستمناء، وهو: استخراج المني بغير الجماع (فيفطر به) لأن الإيلاج من غير إنزال مبطلٌ، فالإنزال بنوع شهوة أولى. ولو حكَّ ذكره لعارض فأنزل .. فالأصحُّ في "شرح المهذب": أنه لا يفطر (١)؛ لأنه متولد من سبب مباح، قال الأَذْرَعي: فلو علم من نفسه أنه إذا حكَّه أنزل .. فالقياس: الفطر، وأما إذا احتلم .. فإنه لا يفطر إجماعًا؛ لأنه مغلوب. (وكذا خروج المنيِّ بلمس وقُبلة ومضاجعة) لأنه إنزال بمباشرة. نعم؛ الخنثى لا يفطر بإنزاله من إحدى فرجيه؛ لاحتمال الزيادة، فإن أنزل من فرجيه .. أفطر. (لا الفكر والنظرِ بشهوة) لأنه إنزال بغير مباشرة؛ فأشبه الاحتلام. (وتكره القُبلة لمن حرَّكت شهوتَه) بحيث يخاف الإنزال؛ خوفًا منه، فإنه يفطر، (والأولى لغيره: تركُها) حسمًا للباب؛ إذ قد يظنها غيرَ محركة وهي محركة، لكن لا تكره؛ لضعف احتمال أدائها إلى الإنزال. (قلت: هي كراهة تحريم في الأصح، والله أعلم) لأن فيه تعريضًا لإفساد

стр. 555

وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ. وَالاحْتِيَاطُ أَلَّا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَيَحِلُّ بِالاجْتِهَادِ فِي الأَصَحِّ، وَيَجُوزُ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ. قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ بِاجْتِهَادٍ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا وَبَانَ الْغَلَطُ .. بَطَلَ صوْمُهُ، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ. === العبادة، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" (١)، والثاني: أنها تنزيه؛ لأن الأصل: عدم الإنزال. والمباشرةُ باليد والمعانقة لهما حكمُ القبلة. (ولا يُفطر بالفصد والحجامة) لأنه ﵇ احتجم وهو صائم مُحرِم، رواه البخاري (٢)، وأما حديث: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" (٣) .. فمنسوخ؛ كما قاله الشافعي في "الأم" (٤). نعم؛ الأولى: تركهما؛ لأنهما يضعفانه. (والاحتياط: ألَّا يأكل آخرَ النهار إلا بيقين) لقوله ﵇: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٥). (ويحل بالاجتهاد) بوِرْدٍ ونحوه (في الأصح) كوقت الصلاة، والثاني: لا؛ لإمكان الصبر إلى اليقين. ويجب إمساك جزء من الليل؛ ليتحقق غروب الشمس. (ويجوز إذا ظن بقاءَ الليل) بالاجتهاد؛ لأن الأصل بقاؤه، (قلت: وكذا لو شك، والله أعلم) لأن الأصل: بقاء الليل. (ولو أكل باجتهاد أولًا أو آخرًا، وبان الغلط .. بطل صومه) لتحققه خلافَ ما في ظنّه، ولا عبرة بالظن البيِّن خطؤه. (أو بلا ظنّ) بأن هجم، وهو جائز في آخر الليل، حرامٌ في آخر النهار (ولم يَبِنِ

стр. 556

الْحَالُ .. صَحَّ إِنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ، وَبَطَلَ فِي آخِرِهِ. وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ .. صَحَّ صَوْمُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُجَامِعًا فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ .. بَطَلَ. === الحالُ .. صحَّ إن وقع في أوله، وبطل في آخره) عملًا بالأصل فيهما؛ إذ الأصل بقاءُ الليل في الأولى، وبقاءُ النهار في الثانية. (ولو طلع الفجر) الصادق (وفي فمه طعامٌ فلفظه .. صحّ صومه) لأنه لو وضعه في فيه نهارًا، ولم يَصل إلى حلقه .. لا يفطر، فأولى إذا كان الوضعُ ليلًا. واحترز بقوله: (لفظه): عمَّا إذا ابتلع منه شيئًا باختياره؛ فإنه يفطر. ولو سبقه إلى جوفه .. فالأصحُّ من "زوائد الروضة": عدم فطره (١). (وكذ لو كان مُجامعًا، فنزع في الحال) لأن النزع ترك؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، فنزعه، وسواء أنزل حالة النزع أم لا؛ لتولده من مباح. وإتيان المصنف بـ (فاء) التعقيب بعد طلوع الفجر يعرفك أن صورة المسألة: أن يعلم بالفجر أول طلوعه، فينزع علي الفور، وخرج بذلك: ما لو مضي زمنٌ بعد الطلوع، ثم علم به؛ فإنه يبطل صومه في هذه الصورة علي المذهب. فلو مكث في هذه الصورة .. لم تجب عليه الكفارة؛ لأن مكثه مسبوق ببطلان صومه، بخلاف ما إذا طلع الفجر، وعلم به بمجرد الطلوع، ومكث .. فإنه تلزمه الكفارة علي المذهب. (فإن مكث .. بطل) لوجود المنافي، وظاهر عبارة "الكتاب"، و"الروضة" و"أصليهما": أن الصوم انعقد ثم بطل (٢)، واختاره السبكي. لكن الأصحّ في "شرح المهذب": أنه لم ينعقد أصلًا، ونقله الإمام عن معظم الأئمة (٣). * * *

стр. 557

فصْلٌ [شرط صحة الصوم من حيث الفاعل والوقت] شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ. وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ الْمُسْتَغْرِقُ عَلَي الصَّحِيحِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ === (فصل: شرط) صحة (الصوم: الإسلام) فلا يصحّ من الكافر بالإجماع، (والعقل) فلا يصحّ من غير مميز؛ لفقدان النية، (والنقاء عن الحيض والنفاس) بالإجماع (جميعَ النهار) وهو قيد في الأربعة، فلو طرأ في أثناء النهار ردة، أو جنون، أو حيض، أو نفاس .. بطل صومه؛ كما لو جُنَّ في خلال صلاته. وقد يفهم: أنها لو ولدت ولم تر دمًا .. أنه لا يبطل الصوم، لكن الأصحّ في "شرح المهذب"، و"التحقيق": بطلانه (١). قال في "شرح المهذب": وعدم البطلان قوي؛ فإن المعتمد في الغُسل: كونه منيًّا منعقدًا، وخروجُه بلا مباشرة لا يُبطل الصومَ، ومال إليه ابن الرفعة (٢). (ولا يضر النوم المُستغرِق علي الصحيح) لبقاء أهلية الخطاب، والثاني: يضر؛ كالإغماء. وفرق الأول: بأن النائم ثابت العقل؛ فإنه إذا نبه .. انتبه، وله حكم المستيقظ؛ فإنه لا تسقط ولايته على ماله، بخلاف المغمي عليه؛ فإن استيقظ لحظة .. صح؛ إجماعًا. (والأظهر: أن الإغماء لا يضرّ إذا أفاق لحظةً من نهاره) أيَّ لحظة كانت؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، والثاني: يضر مطلقًا؛ كالحيض، والثالث: عكسه؛ كالنوم، والرابع: إن أفاق في أوله .. صحَّ، وإلا .. فلا، وصححه الغزالي، ومال إليه ابن الصلاح (٣)، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه. وسُكْرُ بعض النهار كإغماء بعضه.

стр. 558

وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ، وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ صَامَهُ .. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ === (ولا يصح صوم العيد) الأضحي والفطر، بالإجماع، (وكذا التشريقُ في الجديد) وهي ثلاثة بعد يوم النحر؛ للنهي عن صيامها، كما رواه أبو داوود (١). والقديم: أنه يجوز للمتمتع العادمِ للهدي صومُها عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحجّ؛ لما رواه البخاري عن ابن عمر وعائشة ﵃ أنهما قالا: (لم يرُخَّص في أيّام التشريق أنْ يُصمْنَ إلّا لمن لم يجد الهَدْي) (٢)، واختاره في "الروضة"، و"تصحيح التنبيه" (٣)، وصححه ابن الصلاح. (ولا يحلّ التطوع يومَ الشك بلا سبب) لقول عمار بن ياسر: (مَن صام يومَ الشَّك .. فقد عصَي أبا القاسم)، صححه الترمذي وابن حبان (٤). وظاهر عبارته: التحريم، وبه صرح في "أصل الروضة"، وعبارة الرافعي: لا يجوز، وعبر الأكثرون بالكراهة، وظاهرها: كراهة التنزيه، وبه صرح الماوردي والجرجاني، وحكي عن ظاهر نصّ "البويطي" (٥). وكلام المصنف قد يوهم أنه لا يحرم الصوم بلا سبب إذا انتصف شعبان، والأصحُّ في "شرح المهذب": التحريم (٦). (فلو صامه .. لم يصح في الأصح) كيوم العيد، والثاني: يصح، لقبوله الصوم في الجملة. (وله صومه عن القضاء والنذر) والكفارة من غير كراهة؛ مسارعةً إلى براءة ذمته، ولأن له سببًا، فجاز؛ كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة، (وكذا لو وافق عادةَ

стр. 559

تَطَوُّعِهِ، وَهُوَ: يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ، أَوْ عَبيدٌ، أَوْ فَسَقَةٌ. وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ. وَيُسَنُّ تَعْجيلُ الْفِطْرِ عَلَي تَمْرٍ، وَإِلَّا .. فَمَاءٍ، === تطوعه) لقوله ﵇: "لَا تقدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" متفق عليه (١). (وهو) أي: يوم الشك (يومُ الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناسُ برؤيته) ولم يعلم من رآه (أو شهد بها صبيان، أو عبيد، أو فسقة) وظنّ صدقهم؛ كما قاله الرافعي (٢)، وقد تقدم الجمع بين هذا وبين جواز اعتماد هؤلاء في تبييت النية. (وليس إطباق الغيم بشك) لأنا تعبدنا فيه بإكمال العدة؛ كما تقدم أول الكتاب (٣). (ويسن تعجيل الفطر) إذا تحقق الغروب؛ لقوله ﵇: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" متفق عليه (٤) (على تمر، وإلا .. فماءٍ) لحديث: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا .. فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ .. فَعَلَي الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ" صححه الترمذي، وابن حبان (٥). قال المحب الطبري: ومن هو بمكة يستحب له الفطر علي ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر .. فحسن. ومقتضى تعبير المصنف: أن السنة لا تحصل إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع، وأقله: ثلاث، قال في "المهمات": ونصّ عليه في "حرملة"؛ كما نقله القاضي أبو الطيب، فقال: يستحب: أن يفطر على تمرات، أو حسوات من ماء (٦).

стр. 560

وَتأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ، وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ، === (وتأخير السحور) ففي "صحيح ابن حبان": أنه من سنن المرسلين (١)، ولأن تأخيره أقرب إلى حصول الحكمة في مشروعيته، وهو التقوِّي على العبادة، ولم يصرح المصنف باستحباب السحور، وقد صرح به في "المحرر" (٢)، واستحبابه مجمعٌ عليه. وذكر في "شرح المهذب": أنه يحصل بكثير المأكول وقليله، وبالماء (٣)، ففي "صحيح ابن حبان": "تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةِ مَاءٍ" (٤)، ويدخل وقته بنصف الليل؛ كما ذكره الرافعي في (الأيمان)، وذكره في "شرح المهذب" هنا (٥). (ما لم يقع في شك) بأن يخشي طلوع الفجر؛ لحديث: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" (٦). (وليصُنْ لسانه عن الكذب، والغيبة) ونحوهما؛ كالشتم، والنميمة؛ لحديث: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بهِ .. فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" (٧). قال في "الدقائق": قول "المنهاج": (ولْيَصُنْ) هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذلك (٨)، قال الأَذْرَعي: ولا شك فيه؛ لأن ذلك واجبٌ على كلّ أحد، ويتأكد في حقّ الصائم، وعدَّا في "الشرح"، و"الروضة" تبعًا لجماعةٍ ذلك من السنن، قال الإسنوي: (وينبغي تأويله علي الحالة التي يجوز تعاطي هذه الأشياء فيها؛ كالكذب للحاجة، والغيبة للتظلم، ونحوه) (٩). نعم؛ قد يجب الكذب لخلاص مظلوم من ظالم، أو لغير ذلك، وكذلك الغيبة؛

стр. 561

وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعِلْكِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)، وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ وَتلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، === كإخباره عن مساويء الخاطب، وعيوب المبيع، وغيرهما؛ فيرد ذلك على المصنف. (ونفسَه عن الشهوات) من المسموعات، والمبصرات، والمشمومات، والملابس، ونحوه؛ لأنه سرُّ الصوم، ومقصوده الأعظم؛ لتنكسر نفسه عن الهوى، وتقوى على التقوي بكفّ جوارحه عن تعاطي ما يشتهيه. قال في "الدقائق": (ولا يمتنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكنَّ الأول أمرُ إيجاب، والثاني استحبابٍ) انتهي (١). (ويستحب: أن يغتسل عن الجنابة) والحيض، والنفاس (قبل الفجر) ليؤدي العبادة على الطهارة، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه (٢). ولو طهرت الحائض ليلًا، ونوت الصومَ، واغتسلت في النهار .. صحَّ صومها. ويكره للصائم دخولُ الحمام، قاله المَحاملي والجرجاني (٣). (وأن يحترز عن الحجامة) والفصد؛ للاختلاف فيهما كما مر، (والقُبلة) هذه المسألة مكررة، وقد تقدم كراهتها، بل تحريمها، (وذَوْق الطعام) خوف الوصول إلي حلقه، (والعِلك) لأنه يجمع الريق ويعطش، وليخرج من خلاف من فطَّر الصائم به. (وأن يقول عند فطره: "اللهم؛ لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت") للاتباع، رواه أبو داود مرسلًا، وأسنده الدارقطني مرفوعًا، لكن بسند ضعيف (٤). (وأن يُكثر الصدقةَ، وتلاوةَ القرآن في رمضان) أما الصدقة .. فلأن الحسنات فيه

стр. 562

وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ. فَصْلٌ [في شروط وجوب صوم رمضان] شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَإِطَاقَته. وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطَاقَ === مضاعفة، ولما فيه من تفطير الصائم، وأما التلاوة .. ففي "الصحيحين": (أن جبريلَ ﵇ كان يلقي النبي صلي الله عليه وسلم في كلِّ سنة في رمضان حتي ينسلخ، فيعرض عليه النبي صلي الله عليه وسلم القرآن) (١). (وأن يعتكف) فيه؛ لأنه أقرب إلى صيانة النفس (لا سيَّما في العشر الأواخر منه) رجاءَ مصادفةِ ليلة القدر؛ إذ هي منحصرةٌ فيه عندنا. وكان الأولى أن يقول: (وأن يكثر الصدقة، والتلاوة، والاعتكاف) لأن الاعتكاف مستحبّ مطلقًا، لكنه يتأكد في رمضان؛ كالصدقة، والتلاوة. * * * (فصل: شرط وجوب صوم رمضان: العقل، والبلوغ) فلا يجب على صبي، ومجنون؛ لرفع القلم عنهما. نعم؛ يرد السكران المأثوم؛ لأنه غير عاقل، ومع ذلك يجب عليه، ولا يصح منه، خلافًا للقفال. (وإطاقته) فلا يلزم العاجز بمرض، أو كِبَرٍ بالإجماع، ولا يشترط لوجوبه الإسلام، فإن المرتد يجب عليه قطعًا، وكذا علي الكافر الأصلي على الصحيح. (ويؤمر به الصبي لسبع إذا أطاق) وميزَّ، ويُضرَب على تركه لعشر؛ ليتمرن عليه؛ كالصلاة، والصبية كالصبي. قال المحب الطبري: إنما ضرب على الصلاة؛ للحديث، والصومُ فيه مشقة ومكابدة، بخلاف الصلاة، فلا يصح الإلحاق، فالأولى: أن يؤمر به ليعتاده، ولا يعاقب على تركه.

стр. 563

ويُبَاحُ تَرْكُهُ: لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَللْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ .. أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ .. فَلَا. وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَا الْفِطْرَ .. جَازَ، فَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ .. حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ .. قَضَيَا، وَكَذَا الْحَائِضُ، ... === (ويباح تركه للمريض إذا وَجد به ضررًا شديدًا) بالنصِّ والإجماع، (وللمسافر سفرًا طويلًا مباحًا) لما مر في (باب صلاة المسافر). (ولو أصبح صائمًا فمرض .. أفطر) لوجود المعني المحوج إلي الفطر من غير اختياره، ولا يجوز له الفطر حتى ينوي به الخروجَ من الصوم؛ كالمحصر يريد التحلل، قاله صاحب "البيان" والمحب الطبري (١)، وقال: إن فائدةَ اقترانها بالفطر: تمييزُ الفطر المباح من غيره. (وإن سافر .. فلا) يفطر؛ تغليبًا لحكم الحضر؛ لأنه الأصل؛ كالصلاة إذا شرع فيها ثم سافر. (ولو أصبح المسافر والمريض صائمين، ثم أرادا الفطرَ .. جاز) لأن المقتضي للترخص قائمٌ، وقيل: لا يجوز؛ كما لو نوى الإتمام .. ليس له القصر. وفرق الأول: بأن تدارك ما شَرَع فيه واجبٌ بالقضاء، بخلاف القصر، وعلي الأصح: لا كراهة في ذلك على الأصح في "شرح المهذب" (٢). (فلو أقام) المسافر (وشُفي) المريض ( .. حَرُمَ الفطر علي الصحيح) لانتفاء المبيح، والثاني: لا يحرم؛ اعتبارًا بأول اليوم، ولهذا لو أصبح صائمًا ثم سافر .. لم يكن له الفطر، وهذا إذا قلنا: إنه يفطر في المسالة التي قبلها؛ كما جزم به المصنف، أما إذا قلنا: لا يفطر .. فهنا أولي، قاله صاحب "المعين". (وإذا أفطر المسافر والمريض .. قضيا) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ التقدير: فأفطر فعدة، (وكذا الحائض) بالإجماع،

стр. 564

وَالْمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ. وَيَجبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الأَصْلِيِّ وَالصِّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَلَوْ بَلَغَ بِالَنَّهَارِ صَائِمًا .. وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ. وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ .. فَلَا قَضَاءَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الأَصَحِّ، === (والمفطر بلا عذر) لأنه إذا وجب على المعذور .. فغيره أولى، (وتارك النية الواجبة) (١) عمدًا أو سهوًا؛ لأنه لم يصم؛ إذ صحته متوقفة عليها. (ويجب قضاء ما فات بالإغماء) لأنه نوع مرض (والردةِ) لأنه التزم الوجوب بالإسلام، وقدر على الأداء؛ فهو كالمحدث (دون الكفر الأصلي) بالإجماع؛ لما في وجوبه من التنفير عن الإسلام. (والصبي والمجنون) (٢) لرفع القلم عنهما، ولو ارتدّ ثم جنّ، أو سكر ثم جنّ .. فالأصحُّ في "شرح المهذب" في الأولى: قضاء الجميع، وفي الثانية: أيام السكر؛ لأن حكم الردة مستمرٌّ، بخلاف السكر (٣). (ولو بلغ بالنهار صائمًا .. وجب إتمامه بلا قضاء) لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة، فلزمه الإتمام؛ كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه، وعلى هذا: لو جامع بعد البلوغ .. لزمته الكفارة، وقيل: يستحب إتمامه، ويجب القضاء. (ولو بلغ فيه مفطرًا، أو أفاق، أو أسلم .. فلا قضاء في الأصح) لعدم التمكن من زمنٍ يسع الأداءَ؛ كما لو أدرك من أول الوقت ركعة ثم جنّ، والثاني: يجب القضاء؛ لأنهم أدركوا أجزاءً من وقت الفرض، ولا يمكن فعله إلا بيوم فيكمل؛ كما يصوم في الجزاء عن بعض مدٍّ يومًا، وقيل: لا يلزم المجنون قطعًا، ويلزم الكافر قطعًا؛ لتعدِّيه، بخلاف المجنون، قال ابن الصلاح: وهو متجه. (ولا يلزمهم) يعني: هؤلاء الثلاثة (إمساكُ بقية النهار في الأصح) لأنهم أفطروا

стр. 565

وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّي بِالْفِطْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا وَمَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا .. فَكَذَا فِي الْمَذْهَبِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ === لعذر، فأشبهوا المسافر والمريض، والثاني: يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت الإمساك، وإن لم يدركوا وقت الصوم. (ويلزم) الإمساك (من تعدى بالفطر) عقوبة له، ومعارضة لتقصيره (أو نسي النية) من الليل؛ لأن نسيانه يُشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة، فهو ضربٌ من التقصير. (لا مسافرًا ومريضًا زال عذرُهما بعد الفطر) لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر؛ كما لو قصر المسافر، ثم أقام والوقت باق. نعم؛ يستحب؛ لحرمة الوقت. (ولو زال قبل أن يأكُلا، ولم ينويا ليلًا .. فكذا في المذهب) أي: لا يلزمهما الإمساكُ؛ لأن تارك النية مفطر حقيقة، فكان كما لو أكل، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ حرمةً لليوم؛ كما لو لم يصلّ المسافر حتى أقام .. يلزمه الإتمام، وأصحُّهما: لا؛ لما سلف. وقوله: (قبل أن يأكلا) تعبير ناقص، فلو قال: (قبله) أي: قبل الفطر .. لكان أخصر وأعم. وإذا طهرت الحائض والنفساء في أثناء النهار .. لم يلزمهما الإمساكُ على الصحيح. (والأظهر: أنه يلزم) الإمساك (من أكل يوم الشك، ثم ثبت كونه من رمضان) لأن صومه واجب عليه إلا أنه كان لا يعرفه، فإذا بان له .. لزمه الإمساك، والثاني: لا؛ لأنه أفطر بعذر؛ فأشبه المسافر إذا قدم بعد الإفطار. وأجاب الأول: بأن المسافر يباح له الأكلُ مع العلم بأنه من رمضان، بخلاف يوم الشك، أما إذا ثبت كونه منه قبل الأكل، ولم يكن نوى .. فالأكثرون على ما دلّ عليه كلام "الكفاية" على القطع بالوجوب، لكن الذي في "أصل الروضة" عن "التتمة"
следующие страницы →