← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعِلْكِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)، وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ وَتلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ، === كإخباره عن مساويء الخاطب، وعيوب المبيع، وغيرهما؛ فيرد ذلك على المصنف. (ونفسَه عن الشهوات) من المسموعات، والمبصرات، والمشمومات، والملابس، ونحوه؛ لأنه سرُّ الصوم، ومقصوده الأعظم؛ لتنكسر نفسه عن الهوى، وتقوى على التقوي بكفّ جوارحه عن تعاطي ما يشتهيه. قال في "الدقائق": (ولا يمتنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكنَّ الأول أمرُ إيجاب، والثاني استحبابٍ) انتهي (١). (ويستحب: أن يغتسل عن الجنابة) والحيض، والنفاس (قبل الفجر) ليؤدي العبادة على الطهارة، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه (٢). ولو طهرت الحائض ليلًا، ونوت الصومَ، واغتسلت في النهار .. صحَّ صومها. ويكره للصائم دخولُ الحمام، قاله المَحاملي والجرجاني (٣). (وأن يحترز عن الحجامة) والفصد؛ للاختلاف فيهما كما مر، (والقُبلة) هذه المسألة مكررة، وقد تقدم كراهتها، بل تحريمها، (وذَوْق الطعام) خوف الوصول إلي حلقه، (والعِلك) لأنه يجمع الريق ويعطش، وليخرج من خلاف من فطَّر الصائم به. (وأن يقول عند فطره: "اللهم؛ لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت") للاتباع، رواه أبو داود مرسلًا، وأسنده الدارقطني مرفوعًا، لكن بسند ضعيف (٤). (وأن يُكثر الصدقةَ، وتلاوةَ القرآن في رمضان) أما الصدقة .. فلأن الحسنات فيه

стр. 562

وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ. فَصْلٌ [في شروط وجوب صوم رمضان] شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَإِطَاقَته. وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطَاقَ === مضاعفة، ولما فيه من تفطير الصائم، وأما التلاوة .. ففي "الصحيحين": (أن جبريلَ ﵇ كان يلقي النبي صلي الله عليه وسلم في كلِّ سنة في رمضان حتي ينسلخ، فيعرض عليه النبي صلي الله عليه وسلم القرآن) (١). (وأن يعتكف) فيه؛ لأنه أقرب إلى صيانة النفس (لا سيَّما في العشر الأواخر منه) رجاءَ مصادفةِ ليلة القدر؛ إذ هي منحصرةٌ فيه عندنا. وكان الأولى أن يقول: (وأن يكثر الصدقة، والتلاوة، والاعتكاف) لأن الاعتكاف مستحبّ مطلقًا، لكنه يتأكد في رمضان؛ كالصدقة، والتلاوة. * * * (فصل: شرط وجوب صوم رمضان: العقل، والبلوغ) فلا يجب على صبي، ومجنون؛ لرفع القلم عنهما. نعم؛ يرد السكران المأثوم؛ لأنه غير عاقل، ومع ذلك يجب عليه، ولا يصح منه، خلافًا للقفال. (وإطاقته) فلا يلزم العاجز بمرض، أو كِبَرٍ بالإجماع، ولا يشترط لوجوبه الإسلام، فإن المرتد يجب عليه قطعًا، وكذا علي الكافر الأصلي على الصحيح. (ويؤمر به الصبي لسبع إذا أطاق) وميزَّ، ويُضرَب على تركه لعشر؛ ليتمرن عليه؛ كالصلاة، والصبية كالصبي. قال المحب الطبري: إنما ضرب على الصلاة؛ للحديث، والصومُ فيه مشقة ومكابدة، بخلاف الصلاة، فلا يصح الإلحاق، فالأولى: أن يؤمر به ليعتاده، ولا يعاقب على تركه.

стр. 563

ويُبَاحُ تَرْكُهُ: لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَللْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ .. أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ .. فَلَا. وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَا الْفِطْرَ .. جَازَ، فَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ .. حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ .. قَضَيَا، وَكَذَا الْحَائِضُ، ... === (ويباح تركه للمريض إذا وَجد به ضررًا شديدًا) بالنصِّ والإجماع، (وللمسافر سفرًا طويلًا مباحًا) لما مر في (باب صلاة المسافر). (ولو أصبح صائمًا فمرض .. أفطر) لوجود المعني المحوج إلي الفطر من غير اختياره، ولا يجوز له الفطر حتى ينوي به الخروجَ من الصوم؛ كالمحصر يريد التحلل، قاله صاحب "البيان" والمحب الطبري (١)، وقال: إن فائدةَ اقترانها بالفطر: تمييزُ الفطر المباح من غيره. (وإن سافر .. فلا) يفطر؛ تغليبًا لحكم الحضر؛ لأنه الأصل؛ كالصلاة إذا شرع فيها ثم سافر. (ولو أصبح المسافر والمريض صائمين، ثم أرادا الفطرَ .. جاز) لأن المقتضي للترخص قائمٌ، وقيل: لا يجوز؛ كما لو نوى الإتمام .. ليس له القصر. وفرق الأول: بأن تدارك ما شَرَع فيه واجبٌ بالقضاء، بخلاف القصر، وعلي الأصح: لا كراهة في ذلك على الأصح في "شرح المهذب" (٢). (فلو أقام) المسافر (وشُفي) المريض ( .. حَرُمَ الفطر علي الصحيح) لانتفاء المبيح، والثاني: لا يحرم؛ اعتبارًا بأول اليوم، ولهذا لو أصبح صائمًا ثم سافر .. لم يكن له الفطر، وهذا إذا قلنا: إنه يفطر في المسالة التي قبلها؛ كما جزم به المصنف، أما إذا قلنا: لا يفطر .. فهنا أولي، قاله صاحب "المعين". (وإذا أفطر المسافر والمريض .. قضيا) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ التقدير: فأفطر فعدة، (وكذا الحائض) بالإجماع،

стр. 564

وَالْمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ. وَيَجبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الأَصْلِيِّ وَالصِّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَلَوْ بَلَغَ بِالَنَّهَارِ صَائِمًا .. وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ. وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ .. فَلَا قَضَاءَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الأَصَحِّ، === (والمفطر بلا عذر) لأنه إذا وجب على المعذور .. فغيره أولى، (وتارك النية الواجبة) (١) عمدًا أو سهوًا؛ لأنه لم يصم؛ إذ صحته متوقفة عليها. (ويجب قضاء ما فات بالإغماء) لأنه نوع مرض (والردةِ) لأنه التزم الوجوب بالإسلام، وقدر على الأداء؛ فهو كالمحدث (دون الكفر الأصلي) بالإجماع؛ لما في وجوبه من التنفير عن الإسلام. (والصبي والمجنون) (٢) لرفع القلم عنهما، ولو ارتدّ ثم جنّ، أو سكر ثم جنّ .. فالأصحُّ في "شرح المهذب" في الأولى: قضاء الجميع، وفي الثانية: أيام السكر؛ لأن حكم الردة مستمرٌّ، بخلاف السكر (٣). (ولو بلغ بالنهار صائمًا .. وجب إتمامه بلا قضاء) لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة، فلزمه الإتمام؛ كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه، وعلى هذا: لو جامع بعد البلوغ .. لزمته الكفارة، وقيل: يستحب إتمامه، ويجب القضاء. (ولو بلغ فيه مفطرًا، أو أفاق، أو أسلم .. فلا قضاء في الأصح) لعدم التمكن من زمنٍ يسع الأداءَ؛ كما لو أدرك من أول الوقت ركعة ثم جنّ، والثاني: يجب القضاء؛ لأنهم أدركوا أجزاءً من وقت الفرض، ولا يمكن فعله إلا بيوم فيكمل؛ كما يصوم في الجزاء عن بعض مدٍّ يومًا، وقيل: لا يلزم المجنون قطعًا، ويلزم الكافر قطعًا؛ لتعدِّيه، بخلاف المجنون، قال ابن الصلاح: وهو متجه. (ولا يلزمهم) يعني: هؤلاء الثلاثة (إمساكُ بقية النهار في الأصح) لأنهم أفطروا

стр. 565

وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّي بِالْفِطْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا وَمَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا .. فَكَذَا فِي الْمَذْهَبِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ === لعذر، فأشبهوا المسافر والمريض، والثاني: يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت الإمساك، وإن لم يدركوا وقت الصوم. (ويلزم) الإمساك (من تعدى بالفطر) عقوبة له، ومعارضة لتقصيره (أو نسي النية) من الليل؛ لأن نسيانه يُشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة، فهو ضربٌ من التقصير. (لا مسافرًا ومريضًا زال عذرُهما بعد الفطر) لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر؛ كما لو قصر المسافر، ثم أقام والوقت باق. نعم؛ يستحب؛ لحرمة الوقت. (ولو زال قبل أن يأكُلا، ولم ينويا ليلًا .. فكذا في المذهب) أي: لا يلزمهما الإمساكُ؛ لأن تارك النية مفطر حقيقة، فكان كما لو أكل، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ حرمةً لليوم؛ كما لو لم يصلّ المسافر حتى أقام .. يلزمه الإتمام، وأصحُّهما: لا؛ لما سلف. وقوله: (قبل أن يأكلا) تعبير ناقص، فلو قال: (قبله) أي: قبل الفطر .. لكان أخصر وأعم. وإذا طهرت الحائض والنفساء في أثناء النهار .. لم يلزمهما الإمساكُ على الصحيح. (والأظهر: أنه يلزم) الإمساك (من أكل يوم الشك، ثم ثبت كونه من رمضان) لأن صومه واجب عليه إلا أنه كان لا يعرفه، فإذا بان له .. لزمه الإمساك، والثاني: لا؛ لأنه أفطر بعذر؛ فأشبه المسافر إذا قدم بعد الإفطار. وأجاب الأول: بأن المسافر يباح له الأكلُ مع العلم بأنه من رمضان، بخلاف يوم الشك، أما إذا ثبت كونه منه قبل الأكل، ولم يكن نوى .. فالأكثرون على ما دلّ عليه كلام "الكفاية" على القطع بالوجوب، لكن الذي في "أصل الروضة" عن "التتمة"

стр. 566

وَاِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، بخِلَافِ النَّذْر وَالْقَضَاءِ. فَصْلٌ [في فدية الصوم الواجب] مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ .. فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ .. لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْجَدِيدِ، === من غير اعتراض عليه أن محل القولين: فيما إذا بان أنه منه قبل الأكل، فأما بعده؛ فإن قلنا هناك: لا يجب الإمساك .. فهنا أولى، وإلا .. فوجهان، أصحُّهما: الوجوب (١). (وإمساك بقية اليوم من خواصِّ رمضانَ، بخلاف النذر والقضاء) لانتفاء شرف الوقت؛ كما لا كفارة فيها، كذا جزما به، ونقل في "شرح المهذب" اتفاق الأصحاب عليه، قال الإسنوي: لكن نصَّ في "البويطي" على الإمساك في الجميع (٢). * * * (فصل: من فاته شيء من رمضان، فمات قبل إمكان القضاء) بأن استمرَّ مرضه أو سفره المباح إلى موته ( .. فلا تدارك له) بالفدية، ولا بالقضاء عنه (ولا إثم) لأنه فرضٌ لم يتمكن منه إلي الموت، فسقط حكمه؛ كالحج، هذا إذا كان الفوات بعذر، أما غير المعذور، وهو المُتعدِّي بالفطر .. فإنه يأثم، ويتدارك عنه بالفدية، صرَّح به الرافعي في (باب النذر) في نذر صوم الدهر، وجعله أصلًا، وقاس عليه (٣)، وأشار إليه هنا بتمثيله بالمريض والمسافر (٤). (وإن مات بعد التمكن .. لم يَصُم عنه وليه) أي: لا يصح صومُه عنه (في الجديد) لأن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت؛

стр. 567

بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْم مُدُّ طَعَامٍ، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَالْوَليُّ: كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، === كالصلاة، ولا فرق في هذا القسم بين فواته بعذر أو بغيره. (بل يُخرَج من تركته لكلِّ يوم مدُّ طعام) من غالب قوت بلده؛ لحديث فيه رواه الترمذي، لكن قال: إن الأصحَّ: وقفه على ابن عمر، ورواه البيهقي عن فتوى عائشة وابن عباس ﵃ (١)، ونقله الماوردي عن إجماع الصحابة (٢). والقديم: أنه لا يتعين الإطعام، بل يجوز أيضًا للولي أن يصوم عنه، بل يُستحبُّ له ذلك؛ كما قاله في "شرح مسلم" لحديث: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ .. صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" متفق عليه (٣). ونقل البَنْدَنيجي أنَّ الشافعي نصَّ عليه في "الأمالي" أيضًا، فقال: إن صحَّ الحديث .. قلت به، و"الأمالي" من كتبه الجديدة. واستثنى بعضهم من إطلاق الخلاف: ما إذا مات مرتدًا، فإنه يتعين الإطعام، ولا يجوز الصوم. (وكذا النذر والكفارة) بأنواعها فيجييء فيهما القولان في رمضان؛ لعموم الأدلة المارة، وقيَّد في "الحاوي الصغير" الكفارة بكفارة القتل (٤)، واستغرب. (قلت: القديم هنا أظهر) من جهة الدليل؛ للحديث السابق وغيره من الأحاديث الصحيحة، قال السبكي بعد كلام بسطه: ويتعيَّن أن يكون هو المفتي به. (والولي: كلّ قريب على المختار) لأن الوليَّ مشتقٌ من الولْي -بإسكان اللام- وهو: القرب، فيحمل عليه ما لم يدلّ دليل على خلافه، واختاره أيضًا ابن الصلاح، وصاحب "الذخائر"، وجزم به القاضي أبو الطيب في "تعليقه". وقيل: المراد به: الوارث، وبه جزم الماوردي في آخر (كتاب الوصايا)، وقال

стр. 568

وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِاِذْنِ الْوَليِّ .. صَحَّ، لَا مُسْتَقِلًّا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ .. لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الاعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ. وَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفْسَيْهِمَا .. وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ، === الرافعي: إنه الأشبه (١)، وقيل: العاصب، وقيل: من له ولاية المال. (ولو صام أجنبيٌّ) على هذا القول (بإذن الولي .. صحّ) بأجرة ودونها؛ كالحج (لا مستقلًا في الأصح) لأنه لم يرد، والثاني: يصح؛ كما يوفي دينه بغير إذنه. (ولو مات وعليه صلاة، أو اعتكاف .. لم يُفعل عنه، ولا فديةَ) لعدم ورودها، (وفي الاعتكاف قولٌ) في "البويطي": أنه يعتكف عنه وليه، وفي رواية: يطعم عنه وليه، قال البغوي: ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة، فيطعم عن كلّ صلاة مُدًّا (٢) (والله أعلم). وإذا قلنا: بالإطعام في الاعتكاف .. فقال الجويني: يقابل كلّ يوم وليلة بمدّ، واستشكله الإمام: بأن كلَّ لحظة عبادة تامة؛ فإن قيس على الصوم .. فالليل خارج عن الاعتبار (٣). (والأظهر: وجوب المدّ على من أفطر للكبر) لكونه شيخًا هرمًا تلحقه مشقةٌ شديدةٌ، روي ذلك عن جمع من الصحابة ﵃، ولا مخالف لهم، فيجب عن كلّ يوم مدٌّ إذا كان موسرًا، والثاني: المنع؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر، فأشبه المسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض. وفرق الأول: بأن الشيخ لا يتوقع زوال عذره، بخلافهما، وفي معنى الكبير: المريض الذي لا يُرجى برؤه. (وأما الحامل والمرضع؛ فإن أفطرتا خوفًا على نفسيهما) من حصول ضرر بالصوم؛ كالضرر الحاصل للمريض ( .. وجب القضاءُ بلا فدية) كالمريض،

стр. 569

أَوْ عَلَى الْوَلَدِ .. لَزِمَتْهُمَا الْفِدْيَةُ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَي هَلَاكٍ، === وسواء تضرر الولدُ معهما أم لا. (أو على الولد .. لزمتهما الفدية في الأظهر) مع القضاء (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قال ابن عباس: (إنها منسوخة إلا في حقّ الحامل والمرضع عند الخوف، فإنهما يفطران ويفديان عن كلّ يوم طعامَ مسكين) رواه البيهقي (٢)، والثاني: لا يلزمهما؛ كالمسافر والمريض، لأن فطرهما لعذر، والثالث: يجب على المرضع دون الحامل، لأن فطرها لمعنى فيها؛ كالمريض. وتعبيره بـ (الولد) أحسن من تعبير "التنبيه" بولديهما (٣)؛ لأن المتبرعة كالأم وإن لم تتعين، ذكره في "زيادة الروضة"، وكذا صحح فيها: أن المستأجرة لو خافت على الولد المستأجرة لإرضاعه .. أفطرت، ووجبت الفدية، وهل تجب الفدية عليها أم على المستأجِر؟ فيه احتمالان للقاضي؛ كدم التمتع، قال في "شرح المهذب": ولعل الأصحَّ: أنها عليها، بخلاف دم التمتع، فإنه على المستأجِر في الأصحِّ؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع، فإنه من تمام الحج الواجب عليه (٤). ويستثنى من كلام المصنف: المتحيرة إذا أفطرت للإرضاع، لا فدية عليها على الصحيح للشكّ، ذكره في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" في (باب الحيض) (٥). (والأصح: أنه يُلحَق بالمرضع) في إيجاب الفدية مع القضاء (مَنْ أفطر لإنقاذ مُشرف على هلاك) بغرق وغيره، من آدمي معصوم، أو حيوان محترم بجامع الإفطار بسبب الغير، فلو أفطر لتخليص ماله .. فلا فدية عليه؛ كما صرح به القفال؛ لأنه لم

стр. 570

لَا الْمُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّي دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ .. لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَالأَصَحُّ: تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ، === يرتفق به إلا شخص واحد، بخلاف الحيوان المحترم؛ فإنه يرتفق به شخصان، والثاني: لا يلتحق بها؛ لأن إيجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حقّ المرضع والحامل على التوقيف، والفطر في هذه الحالة واجب إذا لم يمكن تخليصه إلا به. (لا المتعدِّي بفطر رمضانَ بغير جماع) فإنه لا يلتحق في وجوب الفدية بالحامل على الأصحِّ؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، والأصل: عدمه، وأيضًا حيث وجبت الفديةُ إنما وجبت جابرةً لما وقع من الخلل، وحرمته أعظم من أن تجبرها الفدية، وصحح في "شرح المهذب" القطع به (١)، والثاني: تلزمه الفدية؛ لأنها واجبة على الحامل والمرضع مع العذر، فهو أولى منهما، وقرَّب الإمام الخلاف من الخلاف في تعمد ترك الأبعاض، هل يقتضي سجود السهو؟ لكن الصحيح: أنه يسجد (٢). (ومن أخَّر قضاءَ رمضان مع إمكانه حتى دخل رمضان آخر .. لزمه مع القضاء لكلّ يوم مدّ) لأن ستة من الصحابة ﵃ قالوا بذلك (٣)، ولا يعرف لهم مخالف؛ كما قاله الماوردي (٤). والمراد بالإمكان: عدم العذر؛ فإذا كان مسافرًا أو مريضًا .. فلا فدية عليه بهذا التأخير؛ لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز، فتأخير القضاء أولى. (والأصح: تكرره بتكرر السنين) لأن الحقوق المالية لا تتداخل، والثاني: لا تتكرر؛ كالحدود. ومحل الخلاف: إذا لم يكن أخرج الفدية؛ فإن أخرجها، ثم لم يقض حتى دخل رمضان آخر .. وجبت ثانيًا بلا خلاف، وهكذا حكم العام الثالث فصاعدًا، ذكره

стр. 571

وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَمَاتَ .. أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ وَمُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ. وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ: لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَجِنْسُهَا: جِنْسُ الْفِطْرَةِ. === البغوي والخوارزمي وغيرهما (١)، قال الإسنوي: وهو واضح؛ لأن الحدود بعد إقامتها تقتضي التكرار عند الفعل ثانيًا بلا خلاف، مع أنها أخفّ مما نحن فيه؛ بدليل أنه يكفي العدد منها حَدٌّ واحد قطعًا. (وأنه لو أخر القضاءَ مع إمكانه فمات .. أُخرج من تركته لكلّ يوم مدّان: مُدٌّ للفوات ومُدٌّ للتأخير) لأن كلًّا منهما موجبٌ عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع، والثاني: يكفي مُدٌّ واحد؛ لأن الصوم قد فات، والفوات يقتضي مدًّا واحدًا؛ كالشيخ الهرم. ومحل الخلاف: إذا قلنا بالجديد، فإن قلنا: بالقديم، وهو صوم الولي وصام .. وجبت فدية واحدة للتأخير. (ومَصرِف الفدية: للفقراء والمساكين) دون غيرهما من الأصناف الثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ والفقير أسوأ حالًا منه. (وله صرف أمداد إلى شخص واحد) بخلاف المدّ الواحد؛ فإنه لا يجوز صرفه إلى شخصين؛ لأن كلَّ مُدٍّ بمثابة كفارة تامة، ويفارق زكاةَ الفطر، فإنه يجوز صرف صاع إلى مئة مسكين مثلًا، وجزاء الصيد فيه احتمالان للقفال في "فتاويه" أحدهما: إلحاقه بالفدية، فلا ينقص كلّ مسكين عن مدّ، والثاني: أنه يجوز النقص؛ لأن الغرامة قد تكون أقلّ منه. (وجنسُها: جنس الفطرة) على ما سبق بيانه بما فيه من خلاف ووفاق، ويعتبر في المدّ الذي نوجبه هنا وفي الكفارات: أن يكون فاضلًا عن قوته؛ كزكاة الفطر، قاله القفال في "فتاويه". * * *

стр. 572

فَصْلٌ [في موجب كفارة الصوم] تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ، ... === (فصل: تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع (١) أثم به بسبب الصوم) لحديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلي رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ ". قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: "هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قال: لا، قال: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قال: لا، قال: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي ﷺ بعَرَق فيه تمر، وهو الزِّنْبيل، قال: "تَصَدَّقْ بِهَذَا" قال: على أفقر منا؟ ! فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" متفق عليه (٢). وفي رواية أبي داوود: (أتي بعَرَق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا) (٣)، قال البيِهقي: وهي أصحّ من رواية من روى فيه (عشرين صاعًا) (٤)، وهو إجماع إلا من شذَّ. والقيود المذكورة سيشرحها المصنف، وكان ينبغي أن يقيد الصومَ بصوم نفسه؛

стр. 573

وَلَا كَفَّارَةَ: عَلَى نَاسٍ، وَلَا مُفْسِدِ غَيْرِ رَمَضَانَ، أَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَانَ نَهَارًا، === ليخرج ما لو جامع المسافر ونحوه امرأته ففسد صومها؛ فإنه لا كفارة عليه بإفساده على الأظهر، ويرد على عكس الضابط: إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام .. فإن الأصحَّ في "شرح المهذب": أن الصوم لم ينعقد، فالجماع لم يُفسد صومًا، ومع ذلك تجب الكفارة (١). (ولا كفارةَ على ناسٍ) لأن صومه لم يفسد بذلك، وهذا محترز قوله: (بإفساد)، بل لا كفارة أيضًا على الصحيح وإن جعلناه مفسدًا، لعدم الإثم. (ولا مفسدِ غيرِ رمضان) من نذر، أو قضاء، أو كفارة؛ لأن النصَّ وردَ في رمضان، وهو مخصوص بفضائل لا يشاركه غيرُه فيها، فلا يصح قياس غيره عليه، وهذا ما احترز عنه بقوله: (من رمضان). (أو بغير جماع) كالأكل وغيره؛ لأن النصَّ ورد في الجماع، وغيرُه ليس في معناه، وهذا ما احترز عنه بقيد (الجماع). (ولا مسافرٍ جامع بنية الترخص) لأنه لم يأثم؛ لوجود القصد مع الإباحة. (وكذا بغيرها في الأصح) لأن الإفطار مباحٌ له؛ فيصير شبهة في درء الكفارة، والثاني: يلزمه؛ لأن الرخصة لا تحصل بدون قصدها، والمريض في ذلك كالمسافر، وهذا محترز قوله: (أثم به) كذا قيل: وفيه نظر؛ فإنه إذا لم ينو .. يأثم؛ كما صرح به في "التتمة"، ونقله المحب الطبري عن الأصحاب، واقتضاه كلام الرافعي (٢)؛ فتردُ هذه على الضابط. نعم؛ يمكن الاحتراز به عن جماع الصبي. (ولا على من ظنّ الليلَ فبان نهارًا) وذلك بأن ظنّ بقاء الليل، أو دخوله فجامع، ثم بان خلافه؛ لانتفاء الإثم، قال الإمام: ومن أوجب الكفارة على الناسي

стр. 574

وَلَا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، وَلَا مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا. وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ، === بالجماع .. يقول مثله هنا؛ لتقصيره في البحث (١). وفي "الشرح" و"الروضة": ينبغي أن يكون عدم وجوب الكفارة فيما إذا ظنّ دخول الليل مفرعًا على تجويز الإفطار، والحالة هذه، وإلا .. فتجب الكفارة؛ وِفاءً بالضابط المذكور (٢). (ولا من جامع بعد الأكل ناسيًا، وظن أنه أفطر به) لأنه وطيء وهو يعتقد أنه غير صائم. وقوله: (ناسيًا) متعلق بـ (الأكل). (وإن كان الأصح: بطلان صومه) بهذا الجماع؛ كما لو جامع على ظنّ بقاء الليل فبان خلافه، والثاني: لا يبطل؛ كما لو سلّم من ركعتين من الظهر ناسيًا، وتكلم عامدًا .. لا تبطل صلاته. أما إذا علم أنه لا يفطر به، ثم جامع في يومه .. فيفطر، وتجب الكفارة قطعًا. (ولا مَنْ زنى ناسيًا) للصوم، هذا ذكره الغزالي، فتبعه في "المحرر"، ولا حاجة إليه؛ لأنه داخل في قوله السابق: (ولا كفارة على ناسٍ)، فعدم الكفارة عليه؛ لعدم فطره لا جَرَمَ أن الرافعي في "الشرح" فرَّعه على القول بأن الجماع ناسيًا مُفسدٌ (٣)، وحينئذ فيكون بيانًا لما احترز عنه بقوله: (بسبب الصوم)؛ لأن الإثم بسبب الزنا خاصة. (ولا مسافرٍ أفطر بالزنا مُترخِّصًا) لأن الفطر جائزٌ له، وإثمه بسبب الزنا لا بسبب الصوم. (والكفارة على الزوج عنه) دونها؛ لأنه ﵇ لم يأمر بها زوجة المجامع

стр. 575

وَفِي قَوْلٍ: عَنْهُ وَعَنْهَا، وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَي. وَتلزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ === أهلَه مع مشاركتها له في السبب (١)؛ لأنه جاء في رواية: (هلكت وأهلكت) (٢)، ولو وجب عليها .. لبينَّه؛ كما في الرجل، (وفي قول: عنه وعنها) أي: يلزمهما كفارة واحدة ويتحملها الزوج؛ لمشاركتها له في السبب؛ كما هو ظاهر الخبر. ومحل هذا القول: إذا لم يكونا من أهل الصيام، فإن كانا من أهله؛ لكونهما معسرين أو مملوكين .. لزم كلّ واحد صومُ شهرين؛ لأن العبادة البدنية لا تتحمل، وإن كان من أهل العتق والإطعام، وهي من أهل الصيام .. فالأصحُّ: أنه يجزيء عنها إلا أن تكون أمة؛ فإنه لا يجزيء العتق عنها على الصحيح. ومحله أيضًا: إذا كانت زوجة؛ كما يرشد إليه قوله: (على الزوج)، أما الموطوءة بالشبهة والمزني بها .. فلا يتحمل عنها قطعًا، ولو كان الزوج مجنونًا .. لم يلزمها شيء على القول الأول، ويلزمها على الثاني؛ لأن الزوج ليس أهلًا للتحمل. (وفي قول: عليها كفارة أخري) قياسًا على الرجل؛ لتساويهما في السبب، ولأنها عقوبة، فاشتركا فيها؛ كحد الزنا، وهذا في غير المتحيرة، أما هي .. فلا كفارة عليها على الأصحِّ في "زيادة الروضة" في (باب الحيض) (٣). ومحل هذا القول والذي قبله: إذا كانت المرأة صائمة، ومكَّنت طائعة عالمة، فإن كانت مفطرة، أو نائمة صائمة .. فلا كفارة عليها قطعًا، ولا يبطل صومها. ومحلهما أيضًا: إذا وطئت في قبلها، فإن وطئت في الدبر .. فلا كفارة عليها وفاقًا، نقله ابن الرفعة عن القاضيين أبي الطيب وأبي علي البَنْدَنيجي ثم قال: (وكذا حكم إتيان الرجل في الدبر) (٤). (وتلزم من انفرد برؤية الهلال وجامع في يومه) لهتكه حرمةَ يومٍ من رمضان عنده بالجماع.

стр. 576

وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ .. لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ. وَحُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا الْمَرَضُ عَلَي المَذْهَبِ. وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الإِفْسَادِ عَلَي الصَّحِيحِ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ .. فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، === (ومن جامع في يومين .. لزمه كفارتان) لأن كلَّ يوم عبادة منفردة، فلا تتداخل كفارتاهما؛ كحجتين إذا جامع فيهما، فإن تكررَ الجماعُ في يوم واحد .. فلا تعدد. (وحدوث السفر بعد الجماع لا يُسقط الكفارة) لأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر، فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة. (وكذ المرض على المذهب) لهتكه حرمة صوم اليوم بذلك، والثاني: يسقط؛ لأن حدوث المرض يبيح الفطر؛ فتبيَّن به أن الصوم لم يقع واجبًا، وهذه هي الطريقة الصحيحة، والطريقة الثانية: القطع بالأول؛ كالسفر. وحدوثُ الجنون، والموت، والحيض، والنفاس يسقطها على الأظهر، وصورة طروء الحيض والنفاس مُفرَّعةٌ على قول الوجوب عليها. (ويجب معها) أي: مع الكفارة (قضاءُ يومِ الإفساد على الصحيح) لأنه إذا وجب على المعذور؛ فعلي غيره أولى، وروي أبو داوود أنه ﵇ أمر به الأعرابي (١)، والثاني: لا يجب؛ لانجبار الخلل الحاصل بالكفارة، والثالث: إن كفَّر بالصوم .. دخل فيه القضاء، وإلا .. لم يدخل؛ لاختلاف الجنس. قال الإمام: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاءُ إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمل الزوج؛ لأن الكفارة إذا كانت صومًا .. لم يتحملها على القول بإيجابها على المرأة، فالقضاء أولى (٢). (وهي) يعني: كفارة الوقاع في رمضان (عتق رقبة، فإن لم يجد .. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع .. فإطعام ستين مسكينًا) للحديث المارّ (٣)، وهذه الخصال الثلاث صفتها مذكورة في (كتاب الظهار).

стр. 577

فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيعِ .. اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ .. فَعَلَهَا. وَالأَصحُّ: أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ؛ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتهِ إِلَى عِيَالِهِ === (فلو عجز عن الجميع .. استقرَّت في ذمته في الأظهر) لأنه ﵇ أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه (١)، فدلَّ على أنها ثابتة في الذمة مع العجز، والثاني: لا، بل تسقط؛ كزكاة الفطر، ولأنه ﵇ لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم. وأجيب عنه: بأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ولو قدر على البعض. قال الدارمي في "الاستذكار": إن قلنا: إذا لم يقدر على الكلّ فهو في ذمته .. فههنا أولى، وإن قلنا: يسقط .. فوجهان: أحدهما: يسقط، فلا يخرج شيئًا، والثاني: لا يسقط، فعلى هذا وجهان: أحدهما: يخرج ما معه، ولا شيء عليه، والثاني: يكون في ذمته الباقي. (فإذا قدر على خصلةٍ .. فعلها) كما لو كان قادرًا عليها حال الوجوب. (والأصح: أن له العدولَ عن الصوم إلى الإطعام؛ لشدّة الغُلْمة) أي: الحاجة إلى النكاح؛ لأن حرارة الصوم وشدة الغُلْمة قد يفضيان به إلى الوقاع ولو في يوم واحد من الشهرين، فيقتضي استئنافهما، وهو حرج شديد، وفي الحديث: (وهل أُتيت إلا من الصوم) (٢)، والثاني: لا؛ لأنه قادر على الصوم، فلم يجز العدول عنه؛ كصوم رمضان. (وأنه لا يجوز للفقير صرفُ كفارته إلى عياله) كالزكوات، وسائر الكفارات، والثاني: يجوز؛ لأنه ﵇ قال للمجامع: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" (٣). وأجيب عنه بأجوبة؛ منها: أنه ليس في الحديث ما يدلّ على وقوع التمليك، وإنما أراد أن يملكه ليكفر به؛ فلمَّا أخبره بحاله .. تصدق به عليه. * * *

стр. 578

باب صوم التَّطوُّع يُسَنُّ: صَوْمُ الاثنيْنِ، وَالْخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ، ... === (باب صوم التطوع) التطوع: ما ليس بفرض من العبادات. (يسن: صوم الاثنين، والخميس) لأنه ﵇ كان يتحرى صومَهما، وقال: "إِنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن (١)، والمراد: عرضها على الله تعالى. (وعرفة) لأنه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ" كما رواه مسلم (٢). قال الإمام: والمكفَّر: الصغائر دون الكبائر (٣)، قال صاحب "الذخائر": وهذا منه تحكّم يحتاج إلى دليل، والحديث عام، وفضل الله واسعٌ لا يُحجر. قال الماوردي: وللتكفير تأويلان: أحدهما: الغفران، والثاني: العصمة حتى لا يعصي (٤). ويستثنى: الحاج؛ فإن فطره لعرفة مستحبّ؛ تأسيًا، وتقويًا على الدعاء. نعم؛ لو أخَّر وقوفه إلى الليل لعذر، أو غيره .. استحب له صومه؛ كما قاله المصنف في "نكت التنبيه". ويستحب أيضًا: صوم ثامن ذي الحجة؛ احتياطًا لعرفة، قاله المتولي وغيره. (وعاشوراء) لأنه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ" كما رواه مسلم (٥). (وتاسوعاء) لقوله ﵇: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ .. لأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ"، فمات قبله، رواه مسلم (٦)، والمعنى فيه: مخالفة اليهود؛ فإنهم يصومون العاشر.

стр. 579

وَأَيَّامِ الْبِيضِ، وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ الْجُمُعَةِ، === ويستحب أيضًا: صوم الحادي عشر؛ كما نصَّ عليه في "الأم"، و"الإملاء". (وأيام البيض) أي: أيام الليالي البيض، وهي: الثالث عشر وتالياه؛ للأمر بصومها في "النسائي" (١)، وقيل: الثاني عشر بدل الخامس عشر، قال في "الروضة": والاحتياط: صومهما معًا (٢). ويستثنى من ذلك: ذو الحجة؛ فإن صوم ثالث عشره حرام، فهل يسقط في هذا الشهر، أو يعوّض عنه السادس عشر؛ قال شيخنا: فيه احتمال، ولم أر من تعرض لذلك. (وستةٍ من شوال)، ففي "صحيح مسلم": "مَنْ صَامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ .. كَانَ كَصيَامِ الدَّهْرِ" (٣). والمعنى فيه: أن الحسنة بعشرة أمثالها، وإنما اختصت السِّتة بشوال؛ لأن المراد: صيام الدهر فرضًا فتفضَّل الشارع علينا ووسَّع، فجعل أن من بادر عقب رمضان فأتى بالستة من شوال .. يكون ثوابُه عليها ثواب الفرض لرمضان، وحينئذ فيحصل ثواب الدهر فرضًا بما ذكره، ونفلًا بالثلاثة المأتي بها في كلّ شهر. (وتتابُعها أفضل) عقب العيد؛ لما في التأخير من الآفات. (ويكره إفراد الجمعة) للنهي عنه (٤)، والمعني في استحباب فطره: التقوي على الوظائف المطلوبة فيه، وإنما زالت الكراهة بصوم يوم معه؛ لأنه يجبر ما حصل من النقص. ومحل كراهة إفراده: ما إذا لم يوافق عادة له، ذكره في "شرح المهذب"، لكنه مثَّله بأن يَنْذُر صومَ يوم شفاء مريضه، أو قدوم زيد أبدًا، فوافق يوم جمعة (٥). واعترضه الإسنوي: بأن الكلام في صومه نفلًا، وهو في هذا المثال فرض،

стр. 580

وَإِفْرَادُ السَّبْتِ، وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرَ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ، وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ === فالصواب: تمثيله بما إذا كان عادته صوم يوم وفطر يوم، فوافق صوم يوم جمعة (١). (وإفرادُ السبت) للنهي عنه أيضًا (٢)، قال البيهقي في "فضائل الأوقات": وكأن هذا النهي إن صحَّ إنما هو لإفراده بالصوم؛ تعظيمًا له، فيكون فيه تشبيه باليهود. انتهى (٣). وقال الحليمي في "منهاجه": كأن المعنى في كراهته: أن الصوم إمساك، وتخصيصه بالإمساك عن الاشتغال من عوائد اليهود (٤). وقضية هذا المعنى: كراهة إفراد الأحد أيضًا؛ لأن النصاري تُعظّمه، وصرَّح به ابن يونس في "النبيه" (٥)، وصاحب "الشامل الصغير"، قال في "البحر": ولا يكره إفراد يوم عيد من أعياد أهل الملل بالصوم؛ كالنيروز والمهرجان (٦). (وصوم الدهر غيرَ العيد والتشريق مكروهٌ لمن خاف به ضررًا، أو فَوت حقّ) لما في "صحيح مسلم": "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ" (٧). (ومستحب لغيره) للأدلة الدالة على استحباب الصوم، والحديث المار محمولٌ على الحالة الأولى، وهذا التفصيل ذكره الجمهور، وأطلق البغوي الكراهة، والغزالي الاستحباب، وتبعه "الحاوي الصغير"، وحيث قلنا إن صوم الدهر

стр. 581

وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ .. فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلَا قَضَاءَ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ .. حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الأَصَحِّ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ === مستحبٌ .. فصوم يوم، وفطر يوم أفضل؛ كما قاله في "التتمة"، وصححه في "شرح مسلم" (١). (ومن تلبَّس بصوم تطوع أو صلاته .. فله قطعهما) أما الصوم .. فلقوله ﵇: "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ .. صَامَ، وَإِنْ شَاءَ .. أَفْطَرَ"، قال الحاكم: صحيح الإسناد (٢). وأما الصلاة .. فبالقياس على الصوم. نعم؛ قطعهما لغير عذر مكروه، وللعذر غير مكروه، ومن العذر أن يشقّ على الضيف أو المضيف صومُه، فإن الفطر في هذه الحالة مستحبٌّ. (ولا قضاء) أما في الصوم .. فلما رواه أبو داوود: إن أم هانيء كانت صائمةً صومَ تطوع، فخيرها رسول الله ﷺ بين أن تفطر بلا قضاء، وبين أن تتم صومَها (٣). وأما في الصلاة .. فبالقياس عليه، وكذا حكمُ سائر التطوعات، خلا العمرة والحج في الأمرين المذكورين. (ومن تلبس بقضاء) عن واجب ( .. حرم عليه قطعُه إن كان على الفور، وهو صوم من تعدَّى بالفطر) حتى لا يجوز التأخير بعذر السفر؛ كما نقلاه عن البغوي، وأقرَّاه؛ تداركًا لما وقع من الإثم، وجوازُ قطعه ينافي وجوبَه على الفور (٤). (وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح؛ بأن لم يكن تعدَّى بالفطر) لأنه قد تلبس بالفرض، ولا عذر له في الخروج، فلزمه إتمامه؛ كما لو شرع في الصلاة في أول

стр. 582

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الوقت، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" (١)، والثاني: لا يحرم؛ لأنه متبرع بالشروع فيه، فأشبه المسافرَ يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه. ويرد على ضبطه الفور بالتعدي: قضاء يوم الشك؛ فإن قضية ما في "شرح المهذب" عن المتولي وغيره: أن قضاءه على الفور (٢)، وما لو ضاق وقته؛ بأن لم يبق من شعبان إلا ما يسع القضاء؛ فإنه يجب القضاء على الفور سواء فات بعذر أم لا. * * *

стр. 583

كتابُ الاعتكاف هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ، وَفِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، === (كتاب الاعتكاف) هو في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، خيرًا كان أو شرًّا، وفي الشرع: إقامة مخصوصة. والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالي: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ والسنة مستفيضة به، وهو من الشرائع القديمة. (هو مستحبٌّ كلَّ وقت) بالإجماع. (وفي العشر الأواخر من رمضان أفضلُ) لمحافظته ﵊ عليه إلى وفاته (١)، ولأنه أفضل أعشاره (لطلب ليلة القدر) فيحييها بالصلاة، والقراءة، وكثرة الدعاء، فإنها أفضل ليالي السنة، قال الله تعالي: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ أي: خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وفي الصحيح: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا، وَاحْتِسَابًا .. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٢). ولو شهد العشاءَ والصبح في جماعة .. فقد أخذ بحظِّه منها؛ كذا نقله في "زوائد الروضة" عن نصه في القديم (٣). وظاهر كلام المصنف: انحصارها في العشر الأخير، وهو المنصوص، وعليه الجمهور، وأنها تلزم ليلة معينة لا تنتقل، وقال المزني إنها منتقلة في ليالي العشر جمعًا بين الأحاديث، قال في "الروضة": وهو قوي، وقال في "شرح المهذب": إنه الظاهر المختار، لكن المذهب الأول (٤).

стр. 584

وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي أَوِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ === (وميلُ الشافعي ﵀ إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين) أما الحادي .. فلما في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: "اعْتكفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ أَلْتَمِسُ هَذ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتكفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ .. فَلْيَعْتَكِفْ"، فاعتكف الناس، قال: "وَإِنِّي أُرِيْتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ فِي صبِيحَتِهَا فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ"، فأصبحوا من ليلة إحدي وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجدُ، فأبصرتُ الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وأرنبة أنفه فيها الماء والطين (١). وأما الثالث .. فلما رواه مسلم عن عبد الله بن أُنيس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي فِي صَبيحَتِهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ"، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسولَ الله صلي الله عليه وسلم، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه (٢). وما ذكره المصنف هو نصُّ "المختصر" (٣)، والذي قاله الأكثرون: أن ميله إلى أنها ليلة الحادي والعشرين لا غير، وقال الشيخ أبو حامد والبَنْدَنيجي: إنه مذهب الشافعي، وللعلماء فيها نحو من عشرين قولًا، ذكرها القاضي عياض (٤)، وغيره (٥).

стр. 585

وَإِنَّمَا يَصِحُّ الاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْجَامِعُ أَوْلَى. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا، وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ === (وإنما يصح الاعتكاف في المسجد) ولو على سطحه؛ لأنه ﵇ وأصحابه حتى نساءه لم يعتكفوا إلا فيه؛ ولقوله تعالي: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وجه الدلالة: أن ذكر (المساجد) لا جائزٌ أن يكون لأجل أنها شرطٌ في منع مباشرة المعتكف؛ لأن غير المعتكف ممنوع من المباشرة في المساجد، فلا فائدة لذكر الاعتكاف إلا ليكون المسجدُ شرطًا لصحته، وأيضًا المعتكف ممنوع من المباشرة في المساجد، وحالَ خروجه لقضاء الحاجة ونحوها؛ فتعين أن يكون ذكرها لاشتراط صحة الاعتكاف. قال الحليمي في "منهاجه": وإنما اختص بالمسجد؛ لأن الإقامة فيه عونٌ على ما يراد من العبادة؛ إذ هو مبني لها (١)، قال صاحب "الخصال": وليس شيء من العبادات يفتقر إلى المسجد إلا الطواف، والاعتكاف. (والجامع أولى) لكثرة الجماعة، والاستغناءِ به عن الخروج للجمعة، وخروجًا من خلاف من اشترطه، ويتعين الجامع فيما إذا نذر اعتكافَ مدة متتابعة تتخللها جمعة، وهو من أهلها، ولم يشترط الخروج لها؛ لأن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح. ويستثنى من كون الجامع أولى: ما إذا كان قد عيَّن غيرَ الجامع؛ فالمعيَّن أولى إذا لم يحتج إلى الخروج إلى الجمعة. (والجديد: أنه لا يصحّ اعتكاف المرأة في مسجد بيتها، وهو المُعتزَل المُهَيَّأ للصلاة) لأنه ليس بمسجد؛ بدليل جواز تغييره، ومكثِ الجنب فيه. والقديم: الصحة؛ لأنه مكانُ صلاتها؛ كما أن المسجد مكانُ صلاة الرجل، لكن الفرق: أن الصلاة لا تختص بموضع، بخلاف الاعتكاف.

стр. 586

وَلَوْ عَيَّنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي نَذْرِهِ الاعْتِكَافَ .. تَعَيَّنَ، وَكَذَا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ وَالأَقْصَى فِي الأَظْهَرِ، وَيَقُومُ الْمَسْجدُ الْحَرَامُ مَقَامَهُمَا وَلَا عَكْسَ، وَيَقُومُ مَسْجدُ الْمَدِينَةِ مَقَامَ الأَقْصَى وَلَا عَكْسَ === (ولو عيَّن المسجدَ الحرام في نذره الاعتكافَ .. تعين) لتعلق النسك به، وزيادة فضله؛ لتضاعف الصلاة فيه. وفي المراد بـ (المسجد الحرام) خلاف؛ فقيل: إنه الكعبة والمسجد حولها، وجزم به في (باب استقبال القبلة) من "شرح المهذب"، وقيل: إنه الكعبة، وما في الحجر من البيت، وهو اختيار صاحب "البيان" (١)، وقيل: جميع بقاع الحرم. (وكذا مسجد المدينة والأقصى في الأظهر) لأنهما مسجدان تُشدُّ إليهما الرحال، فأشبها المسجدَ الحرام، والثاني: لا؛ لأنهما لا يتعلق بهما نسك، بخلافه، فأشبها بقيةَ المساجد، وأفهم أنه لو عيَّن مسجدًا غير الثلاثة .. لم يتعين، وفيه وجه. نعم؛ المعيَّن أولى، ولو شرع فيه .. لم يجز له الانتقال إلى غيره، ونقل ابن يونس شارح "التعجيز" عن البغوي أنه الحق بمسجد المدينة جميع مساجد النبي ﷺ ، قال الأَذْرَعي: ولم أره في كتبه، وما أحقَّ مسجدَ قباء بالإلحاق؛ لما في فضله. (ويقوم المسجد الحرام مقامهما) لأنه أفضل منهما (ولا عكس) لأنهما دونه في الفضل. (ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى) لأنه أفضل منه، فإنه صحَّ أن الصلاة فيه بألف صلاة، رواه أحمد، وابن ماجه (٢). والصلاة في الأقصى بخمس مئة؛ كما رواه ابن عبد البر في "تمهيده"، وقال البزار: إسناده حسن (٣)، وروي أيضًا: أن الصلاة فيه بألف (٤)، (ولا عكس) لما سبق.

стр. 587

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الاعْتِكَافِ لُبْثُ قَدْرٍ يُسَمَّى عُكُوفًا، وَقِيلَ: يَكْفِي الْمُرُورُ بِلَا لُبْثٍ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُكْثُ نَحْوِ يَوْمٍ. يَبْطُلُ بِالْجِمَاعِ، وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ: أَنَّ الْمُبَاشَرَةَ بِشَهْوَةٍ - كَلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ - تبطِلُهُ إِنْ أَنْزَلَ، وَإِلَّا .. فَلَا === (والأصح: أنه يشترط في الاعتكاف لُبْث قدرٍ يسمَّى عُكوفًا) لأن مادة لفظة (الاعتكاف) تقتضيه، وقد ذكر الرافعي ضابط ذلك عن الإمام ولم يخالفه، فقال: بأن يزيد على أقلّ ما يكفي في الطمأنينة، ولا يكفي قدرها، ولا يجب السكون، بل يكفي التردد (١). وقوله: (والأصح) يرجع إلى جملتين: إحداهما: أصل اللبث، والثانية: قدره، ومقابل الأولى: قوله: (وقيل: يكفي المرور بلا لبث)، ومقابل الثانية: قوله: (وقيل: يشترط مكث نحو يوم). (وقيل: يكفي المرور بلا لُبْث) كالوقوف بعرفة، (وقيل: يشترط مُكث نحوِ يومٍ) لأن ما دون ذلك معتادٌ في الحاجة التي تَعِنُّ في المسجد، فلا يصلح للقُرَب، وليل: لا بدّ من يوم. (ويبطل بالجماع) إذا كان عامدًا مختارًا، عالمًا بالتحريم؛ لمنافاته، وهذا بالنسبة للمستقبل، أما الماضي .. فكذلك إن كان منذورًا متتابعًا، فيستأنفه، وإن لم يكن متتابعًا .. لم يبطل ما مضى، سواء كان منذورًا أم نفلًا. (وأظهر الأقوال: أن المباشرة بشهوة - كلمس وقُبلة - تبطله إن أنزل، وإلا .. فلا) لما سبق في (الصوم)، والثاني: يبطل مطلقًا؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ﴾، والثالث: لا مطلقًا؛ كالحج، وعلى كلّ قول هي حرامٌ؛ للآية. وإيلاج الرجل في قبل خنثى كالمباشرة بشهوة بغير جماع، وكذا إيلاج الخنثى في قبل خنثى أو دبره، أو في امرأة أو رجل؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في (باب الأحداث) (٢).

стр. 588

وَلَوْ جَامَعَ نَاسِيًا .. فَكَجِمَاع الصَّائِمِ. وَلَا يَضُرُّ التَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ وَالْفِطْرُ، بَلْ يَصِحُّ اعْتِكَافُ اللَّيْلِ وَحْدَهُ. وَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافَ يَوْمٍ هُوَ فِيهِ صَائِمٌ ... لَزِمَهُ. وَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتكفَ صَائِمًا أَوْ يَصُومَ مُعْتكفًا .. لَزِمَاهُ، === قال شيخنا: وهو مستثنى من إطلاقهم بطلان الاعتكاف بالجماع، ورُدَّ: بأن هذا ليس بجماع. واحترز بـ (المباشرة): عمَّا إذا نظر أو تفكر فأنزل .. فإنه لا يبطل، وبـ (الشهوة): عمَّا إذا قبَّل بقصد الإكرام ونحوه، أو بلا قصد .. فإنه لا يبطل أيضًا. (ولو جامع ناسيًا .. فكجماع الصائم) وقد مرَّ، ولو جامع جاهلًا بالتحريم .. فكنظيره من الصوم. (ولا يضرّ التطيّب والتزيّن) بالاغتسال، وقصّ الشارب ونحوه، ولبسِ الثياب الحسنة؛ لأنه لم يُنقل أنه ﵇ تركه، ولا أمر بتركه، والأصل: بقاؤه على الإباحة. (والفطرُ، بل يصحّ اعتكافُ الليل وحده) لأن عمر ﵁ قال: يا رسول الله؛ إني نذرتُ في الجاهليةِ أن أعتكفَ ليلةً في المسجدِ الحرام، قال: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" متفق عليه (١)، وصحح الحاكم: "لَيْسَ عَلَى الْمُعْتكفِ صِيَامٌ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ"، وقال: إنه على شرط مسلم (٢)، ولأن الأصل: عدمُ اشتراطه، وفي قول قديم: إن الصوم شرطٌ في صحته، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء (٣). (ولو نذر اعتكافَ يومٍ هو فيه صائمٌ .. لزمه) اعتكاف اليوم في حال الصوم قطعًا، لأنه به أفضل؛ فإذا التزمه بالنذر .. لزمه؛ كالتتابع، وليس له إفرادُ أحدهما عن الآخر قطعًا، وسواء أكان الصوم عن رمضان أم غيره؛ لأنه لم يلتزم بهذا النذر صومًا، وإنما نذر الاعتكافَ بصفة، وقد وجدت. (ولو نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفًا .. لزماه) أي: الاعتكاف

стр. 589

وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ جَمْعِهِمَا. وَيُشْتَرَطُ نِيَّةُ الاعْتِكَافِ، وَيَنْوِي فِي النَّذْرِ الْفَرْضِيَّةَ، وَإِذَا أَطْلَقَ .. كَفَتْهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ طَالَ مُكْثُهُ، لكِنْ لَوْ خَرَجَ وَعَادَ .. احْتَاجَ إِلَى الاسْتِئْنَافِ. وَلَوْ نَوَى مُدَّةً === والصوم؛ عملًا بالتزامه، فلا يكفيه أن يعتكف في رمضان ونحوه مما وجب صومُه قبل ذلك أو بعده. (والأصح: وجوب جمعهما) لما سبق، والثاني: لا؛ لأنهما عبادتان مختلفتان، فأشبه ما إذا نذر أن يصلي صائمًا، أو يعتكف مصليًا .. فإنهما يلزمان، ولا يلزم الجمع، وفرق الأول: بأن الصوم والاعتكافَ متقاربان؛ لأن كلَّ واحد منهما كفّ وإمساكٌ، بخلاف الصلاة؛ فإنها أفعالٌ لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف، والثالث: يجب الجمع في الأولى دون الثانية؛ لأن الاعتكاف لا يصلح وصفًا للصوم، والصومَ يصلح وصفًا للاعتكاف؛ لأنه مستحبٌّ فيه. (ويشترط نية الاعتكاف) لأنه عبادة، وكان ينبغي أن يقول: (ولا بدّ من النية) كما عبَّرا به في "الشرحين" و"الروضة" (١)؛ فإن النية ركنٌ لا شرط. (وينوي في النذر الفرضيةَ) ليمتاز عن التطوع، ولو نوى كونه عن نذره .. أجزأه عن ذكر الفرض، قاله في "الذخائر". (وإذا أطلق) أي: نوى الاعتكافَ، ولم يُعيّن مدة ( .. كفته نيتُه وإن طال مُكثه) لشمول النية المطلقة لذلك، (لكن لو خرج وعاد .. احتاج إلى الاستئناف) أي: استئناف النية في حصول هذه العبادة، سواء أخرج لقضاء الحاجة أم لغيره؛ لأن ما مضى عبادةٌ تامة انتهت بالخروج، وهو يريد اعتكافًا جديدًا، قال في "التتمة": هذا إذا لم يَعْزِم عند الخروج على العود إذا قُضِيتْ حاجتهُ؛ فإن عزم على ذلك .. كانت هذه العزيمةُ قائمةً مقام النية، وصوَّبه في "شرح المهذب"، لكنّ الرافعي استشكله: بأن اقتران النية بأول العبادة شرطٌ، وجرى عليه في "الروضة" (٢). (ولو نوى مدَّة) لاعتكاف تطوع، أو منذور غير متتابع؛ كنذر أيام غير معيَّنة

стр. 590

فَخَرَجَ فِيهَا وَعَادَ: فَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ .. لَزِمَهُ الاسْتِئْنَافُ، أَوْ لَهَا .. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ .. اسْتَأْنَفَ، وَقِيلَ: لَا يَسْتَأنِفُ مُطْلَقًا. وَلَوْ نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً، فَخَرَجَ لِعُذْرٍ لَا يَقْطَعُ التّتابُعَ .. لَمْ يَجِبِ اسْتِئْنَافُ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ لِغَيْرِ الْحَاجَةِ وَغُسْلِ الْجَنَابَةِ .. وَجَبَ. وَشَرْطُ الْمُعْتكفِ: الإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ === (فخرج فيها وعاد؛ فإن خرج لغير قضاء الحاجة .. لزمه الاستئنافُ) لصحة الاعتكاف إن أراده بعد العود؛ لقطعه الأول بالخروج لغير قضاء الحاجة، وأما العود .. فلا يلزمه؛ لأن له قطعَ التطوع متى شاء، ولا قضاء عليه، (أولها .. فلا) لأنه لا بدّ منه؛ فهو كالمستثنى عند النية. والمراد بـ (الحاجة) هو: البول والغائط. (وقيل: إن طالت مدةُ خروجه .. استأنف) لتعذر البناء، وإن قصرت .. فلا؛ لإمكان البناء، (وقيل: لا يستأنف مطلقًا) لأن النية شملت جميعَ المدة بالتعيين. (ولو نذر مدةً متتابعه، فخرج لعذر لا يقطع التتابعَ) كالأكل، وقضاءِ الحاجة، والخروجِ ناسيًا، ونحو ذلك ( .. لم يجب استئنافُ النية) عند العود؛ لشمولها جميعَ المُدَّة، وتجب المبادرة إلى العود عند زوال العذر، فلو أخَّر عالمًا ذاكرًا مختارًا .. انقطع التتابعُ، وتعذَّر البناء. (وقيل: إن خرج لغير الحاجة، وغُسل الجنابة .. وجب) استئناف النية؛ لخروجه عن العبادة بما عرض من الأعذار مما عنه بدّ، بخلاف الخروج للحاجة ونحوها مما لا بدَّ منه. واحترز بقوله: (لا يقطع التتابع): عمَّا يقطعه؛ فمانه يجب استئنافُ النية قطعًا. (وشرط المعتكف: الإسلام) لأن النية لا بدّ منها، ونية الكافر لا تصحّ، (والعقلُ) فلا يصحّ من مجنون، ومُبَرْسَم؛ لأنه ليس من أهل العبادة؛ كالصوم، وكذا لا يصحّ من سكران، ومغمى عليه ونحوهما؛ إذ لا نية لهم. (والنَّقاءُ عن الحيض) والنفاس (والجنابةِ) لأن المكث في المسجد في هذه الحالة حرامٌ، ولا يجوز للعبد أن يعتكف بغير إذن سيده، ولا المرأة بغير إذن زوجها.

стр. 591

وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُعْتكفُ أَوْ سَكِرَ .. بَطَلَ، وَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُ مَا مَضَى مِنِ اعْتِكَافِهِمَا الْمُتَتَابِعِ. وَلَوْ طَرَأَ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ .. لَمْ يَبْطُلْ مَا مَضَى إِنْ لَمْ يَخْرُجْ ويُحْسَبُ زَمَنُ الإِغْمَاءِ مِنَ الاعْتِكَافِ دُونَ الْجُنُونِ، أَوْ الْحَيْضُ .. وَجَبَ الْخُرُوجُ، === (ولو ارتدّ المعتكف أو سَكِر .. بَطَل) الاعتكاف في زمن الردة والسكر؛ لعدم أهليتهما والحالةُ هذه، (والمذهب: بطلان ما مضى من اعتكافهما المتتابعِ) حتى يحتاج إلى استئنافه؛ لأن ذلك أشدّ وأقبح من الخروج من المسجد، وقيل: لا يبطل في المسألتين حتى يبنيان، وقيل: يبني المرتد؛ لأنه لا يمنع من المسجد، ولهذا يجوز استتابته فيه، ولا يبني السكران؛ لأنه يمنع منه؛ للآية، وهذا هو المنصوص فيهما، وقيل: يبني السكران دون المرتد؛ لأن السُّكر كالنوم، والردة تنافي العبادة. والمراد بـ (البطلان): عدم البناء عليه لا حبُوطُه بالكلية. (ولو طرأ جنون أو إغماءٌ .. لم يبطل ما مضى إن لم يخرج) لأنه معذور بما عرض، كذا علله الرافعي (١). وقضيته: أنه لو طرأ ذلك بسبب لا يعذر فيه .. انقطع، وبه صرَّح في "الكفاية" نقلًا عن البَنْدَنيجي، وقال: إنه يكون كالسكران (٢). وكان ينبغي ترك التقييد بعدم الخروج؛ لاستواء حكمهما، فإنه إذا خرج - إن لم يمكن حفظه في المسجد - .. لم يبطل أيضًا؛ كما لو حُمل العاقلُ مكرهًا، وإن أمكن بمشقة .. فكالمريض إذا خرج، والصحيح فيه أيضًا: أنه لا ينقطع تتابعه. (ويُحسب زمنُ الإغماء من الاعتكاف) كما في الصائم إذا أغمي عليه النهار، (دون الجنون) لأن العبادةَ البدنيةَ لا تصحّ منه. (أو الحيض) أي: ولو كان الطارئ هو الحيضَ، أو النفاس ( .. وجب الخروج) لتحريم المكث عليهما، وفي حكمهما: كلّ ما لا يمكن معه المكثُ في المسجد؛ من النجاسات وغيرها.

стр. 592

وَكَذَا الْجَنَابَةُ إِنْ تَعَذَّرَ الْغُسْلُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِنْ أَمْكَنَ .. جَازَ الْخُرُوجُ، وَلَا يَلْزَمُ، وَلَا يُحْسَبُ زَمَنُ الْحَيْضِ وَلَا الْجَنَابَةِ. فَصْلٌ [في حكم الاعتكاف المنذور] إِذَا نَذَرَ مُدَّةً مُتَتَابِعَةً .. لَزِمَهُ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَجِبُ التّتابُعُ بِلَا شَرْطٍ، === (وكذا الجنابة) باحتلام ونحوه مما لا يبطل الاعتكاف (إن تعذَّر الغسل في المسجد) للضرورة إليه، (فإن أمكن .. جاز الخروج) ولا يُكلَّف الغسلَ في المسجد؛ فإن الخروج أقرب إلى المروءة، وصيانة للمسجد، (ولا يلزم) الخروج لأجل الغسل، بل له فعلُه في المسجد؛ كما اقتضاه كلام الشيخين، وصحح ابن الرفعة تبعًا للإمام تعيُّن الخروج (١). قال السبكي: إن فرض في الاغتسال مكثٌ وإن قلَّ .. فيظهر ما قاله الإمام، وإن فرض بغير مكث؛ كما لو كان في المسجد نهرٌ يَخُوضه الجنب، وهو خارجٌ، فترتفع جنابته في مروره .. فيتجه في هذه الصورة ما قاله الشيخان. (ولا يُحسَب زمنُ الحيض ولا الجنابة) من الاعتكاف إذا اتفق المكث معهما في المسجد لعذر أو غيره؛ لأنه حرام، وإنما يباح للضرورة، وهل يبطل بالحيض ما سبق، أو يجوز البناء عليه؟ فيه تفصيل ذكره آخر الباب. * * * (فصل: إذا نذر مدّة متتابعة .. لزمه) كما لو شرط التتابعَ في الصوم (والصحيح: أنه لا يجب التتابع بلا شرط) لأن الأسبوع، والعشرة أيام مثلًا صادق على المتتابع منها والمتفرق، فلا يجب أحدهما بخصوصه إلا بدليل، والثاني: يجب، كما لو حلف لا يُكلِّم فلانًا شهرًا؛ فإنه يكون متتابعًا. وفرَّق الأول: بأن المقصود من اليمين هو الهِجران، ولا يتحقق بدون التتابع. وقضية كلامه: أنه إذا لم يشترط التتابع .. لا يجب وإن نواه، وهو الأصحُّ عند

стр. 593

وَأَنَّهُ لَوْ نَذَرَ يَوْمًا .. لَمْ يَجُزْ تَفْرِيقُ سَاعَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ مُدَّةً كَأُسْبُوعٍ وَتَعَرَّضَ لِلتَّتَابُعِ وَفَاتتهُ .. لَزِمَهُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ .. لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الْقضَاءِ. وَإِذَا ذَكَرَ التَّتَابُعَ وَشَرَطَ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ .. صَحَّ الشَّرْطُ فِي الأَظْهَرِ، === الشيخين تبعًا للبغوي (١)؛ كأصل النذر لا يلزم بالنية، وقطع الإمام والغزالي بالوجوب (٢)؛ لأن مطلق اللفظ يحتمله وهو كتنزيل النية مع الكتابة منزلة الصريح، وهذا ما صححه الروياني، ولم يورد صاحب "الذخائر" سواه، وصوَّبه في "المهمات" (٣)، واختاره السبكي. (وأنه لو نذر يومًا .. لم يجز تفريقُ ساعاته) لأن المفهوم من لفظ اليوم إنما هو المتصل، قال الخليل: اليوم: اسم لما بين طلوع الفجر وغروب الشمس (٤)، والثاني: يجوز، تنزيلًا للساعات من اليوم منزلةَ الأيام من الشهر، وقيل: إن نوى اليوم متتابعًا .. لم يجزه، وإن أطلق .. أجزأه. ومحل الخلاف: إذا غاير بين الساعات، أما لو أتى بساعة معينة من يوم ثم أتى بها بعينها من آخر إلى أن استكمل ساعات اليوم .. فإنَّهُ لا يجزئ جزمًا؛ كما قاله القاضي حسين في "تعليقه"، وكلام المصنف يقتضيه، فإنه في هذه الصورة لم يفرق ساعات وإنما كرر ساعة من اليوم. (وأنه لو عينَّ مدةً؛ كأسبوع) معين، كهذا الأسبوع أو هذه السنة (وتعرض للتتابع، وفاتته .. لزمه التتابعُ في القضاء) لتصريحه به، والثاني: لا؛ لأن التتابع يقع ضرورةً، فلا أثر لتصريحه به. (وإن لم يتعرضَّ له .. لم يلزمه في القضاء) قطعًا؛ لأن التتابع فيه لم يقع مقصودًا، بل من ضرورة تعين الوقت؛ فأشبه التتابعَ في صوم رمضان. (وإذا ذكر) الناذر (التتابعَ، وشرط الخروج لعارض .. صحَّ الشرط في الأظهر)

стр. 594

وَالزَّمَانُ الْمَصْرُوفُ إِلَيْهِ لَا يَجِبُ تَدَارُكُهُ إِنْ عَيَّنَ المُدَّةَ كَهَذَا الشَّهْرِ، وَإِلَّا .. فَيَجِبُ. وَيَنْقَطِعُ التّتابُعُ بِالْخُرُوجِ بِلَا عُذْرٍ. وَلَا يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، === لأن الاعتكاف إنما لزمه بالتزامه، فيجب بحسب الالتزام؛ فإن عينَّ نوعًا أَو فردًا؛ كقوله: أَخرُج لعيادة المرضى، أو لعيادة زيد .. خرج له دون غيره، وإلا .. جاز لكل مهم ديني؛ كالجمعة، والعيادة، أو دنيوي مباح؛ كلقاء الأمير، والقاضي، واقتضاء الغريم، والثاني: لا يصحّ الشرط؛ لأنه مخالف لمقتضاه، فبطل؛ كما لو شرط الخروج للجماع. وقوله: (لعارض) احترز به: عمَّا لو قال: إلا أن يبدو لي، فإن الشرط باطل على الأصح. (والزمان المصروف إليه) أي: لذلك العارض (لا يجب تداركُه إن عيَّن المدة؛ كهذا الشهر) لأن المنذور من الشهر إنما هو اعتكاف ما عدا العارض، (وإلا) أي: وإن لم يعيّن مدة؛ كشهر أو عام ( .. فيجب) تداركه؛ لتتم المدة الملتزمة، وتكون فائدة الشرط: تنزيل ذلك العارض منزلةَ قضاء الحاجة في أن التتابع لا ينقطع به. (وينقطع التتابع بالخروج بلا عذر) وإن قلَّ زمنه؛ لمنافاته اللبث. (ولا يضرّ إخراجُ بعض الأعضاء) لأنه لا يسمى خارجًا، وفي "الصحيحين" أنه ﷺ كان يدني رأسه الشريفَ إلى عائشة فترجِّله (١) وهو معتكف في المسجد (٢). وقضية كلامه: أنه لو أخرج إحدى رجليه .. أنه لا يضرّ مطلقًا، وهو ما أطلقه الرافعي (٣)، وقال البغوي في "فتاويه": إنا نراعي التي اعتمد عليها؛ أي: جعل ثقلَه عليها بحيث لو زالت .. لسقط، قال الإسنوي: وهو الصواب، قال: وسكت عما لو اعتمد عليهما على السواء، وفيه نظر (٤).

стр. 595

وَلَا الْخُرُوجُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَلَا يَجِبُ فِعْلُهَا فِي غَيْرِ دَارِهِ، وَلَا يَضُرُّ بُعْدُهَا إِلَّا أَنْ يَفْحُشَ فَيَضُرُّ فِي الأَصَحِّ === (ولا الخروجُ لقضاء الحاجة) بالإجماع؛ لأنه ضروري، وإذا خرج لا يُكلَّف الإسراعَ، بل يمشي على سجيته. وفي معنى قضاء الحاجة: الخروج لغسل الجنابة، وإزالة النجاسة؛ كرُعاف ونحوه، وإذا خرج لقضاء الحاجة .. فله أن يتوضأ بعد قضاء حاجته خارج المسجد تبعًا، مع أنه لا يجوز الخروج له منفردًا إن كان تجديدًا، وكذا عن حدث على الأصحِّ إذا أمكنه في المسجد. (ولا يجب فعلُها في غير داره) وإن أمكن؛ بأن كان في المسجد سقاية، أو كان بجنب المسجد دار صديق له يمكنه دخولُها؛ لما فيه من المشقة، وسقوط المروءة، ويزداد بيت الصديق بالمنَّة. (ولا يضرّ بُعدها) مراعاةً لما سبق من المشقة والمنَّة. نعم؛ لو كان له داران يجوز الذهاب إلى كلّ منهما لو انفردت .. تعينَّت القربى منهما في الأصحِّ. (إلا أن يَفحُش) البعد (فيضرُّ في الأصح) لأنه قد يحتاج في عوده أيضًا إلى البول، فيمضي يومه في الذهاب والإياب. نعم؛ لو لم يجد في طريقه موضعًا، أو كان لا يليق بحاله أن يدخل غير داره .. فإنه لا يضرُّ فُحش البعد؛ كما في "الشرح" و"الروضة" (١). والثاني: لا يضر هذا الفحش؛ لما مرَّ من مشقة الدخول لقضاء الحاجة في غير بيته. وضابط الفحش - كما قاله البغوي -: أن يذهب أكثر الوقت في التردد إليها (٢). ولا يجوز الخروج لغسل الجمعة والعيد والنوم على الأصحِّ، ذكره الخوارزمي في "الكافي"، ويجوز الخروج للأكل، لا للماء على الأصحِّ فيهما.

стр. 596

وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ .. لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ. وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَا بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الاعْتِكَافِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ .. انْقَطَعَ فِي الأَظْهَرِ، === (ولو عاد مريضًا في طريقه .. لم يضُرَّ ما لم يَطل وقوفُه) بل اقتصر على السلام والسؤال، (أو يَعدلْ عن طريقه) لقول عائشة ﵂: (إني كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة) رواه مسلم (١). والمرجع في الطول وغيره إلى العرف، ولو وقف في الاستئذان على المريض، قال البغوي: بطل اعتكافه (٢). وحكم زيارة القادم في الطريق: حكمُ عيادة المريض، ولو صلّى في طريقه على جنازة، ولم ينتظرها، ولم يعدل إليها .. جاز. (ولا ينقطع التتابعُ بمرض يُحوِج إلى الخروج) إذا خرج؛ لأن الحاجة داعية إليه؛ كالخروج لقضاء الحاجة، وفيه قول أنه ينقطع؛ لأن المرض ليس بضروري ولا غالبٍ، بخلاف قضاء الحاجة، وهذا القول ذكره في "المحرر" (٣)، وأهمله المصنف. والمحوج إلى الخروج: هو الذي يخاف منه تلويث المسجد؛ كالإسهال، وإدرار البول، أو يشقّ معه المقام فيه؛ كالمحوج إلى الفراش، والخادم، وتردد الطبيب. وأما الذي لا يحوج إلى الخروج؛ كالصُّداع، والحُمَّى الخفيفة .. فإنه ينقطع تتابعه بخروجه. (ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) بأن كانت لا تخلو عن الحيض غالبًا، بل تبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها، والنفاسُ كالحيض. (فإن كانت بحيث تَخْلُو عنه .. انقطع في الأظهر) لإمكان الموالاة بشروعها عقب الطهر، والثاني: لا ينقطع؛ لأن جنس الحيض مما يتكرر في الجملة، فلا يؤثر في التتابع؛ كقضاء الحاجة.

стр. 597

وَلَا بِالْخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الْرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ لِلأَذَانِ فِي الأَصَحِّ === (ولا بالخروج ناسيًا على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسيًا، وقيل: ينقطع؛ لأن اللبث مأمور به، والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات، ولأن مشاهدة مكان الاعتكاف مذكرة للاعتكاف؛ فيبعد معها النسيان بخلاف الصائم. ومحل القطع بعدم الانقطاع: إذا تذكر عن قربٍ؛ فإن طال .. ففيه وجهان؛ كالوجهين في بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسيًا، والجاهل والمكره بغير حَقّ كالناسي. (ولا بخروج المؤذن الراتبِ إلى مَنارة) بفتح الميم (منفصلة عن المسجد للأذان) قريبة منه مبنية له (في الأصح) لأنها مبنية للمسجد معدودة من توابعه، وقد اعتاد الراتب صعودَها، وألف الناس صوته؛ فيعذر فيه، ويجعل زمن الأذان كالمستثنى من اعتكافه، والثاني: ينقطع مطلقًا؛ للاستغناء عنها بسطح المسجد فيؤذن عليه، وقيل: إن كان غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته .. انقطع، وإلا .. فلا، حكاه في "الكفاية" (١). واحترز المصنف بـ (المنارة): عمَّا لو دخل المؤذن المُعتكِف إلى حجرة مُهيَّأة للسكنى بقرب المسجد، وبابُها إلى المسجد .. فإنه يبطل اعتكافه قطعًا؛ كما صرح به الإمام، قال: وإنما قلنا ما قلناه في المنارة؛ لأنها مبنية لإقامة شعار المسجد (٢). وبـ (الراتب): عن غيره، فإنه ينقطع، وفيه وجه هو ظاهر نصّ "المختصر": أنه لا ينقطع (٣)، وأوله الجمهور على الراتب، أو على ما إذا كانت المنارة في الرَّحَبة. وبـ (المنفصلة) عن منارة بابها في المسجد أو رَحَبته .. فلا يضرّ صعودها مطلقًا.

стр. 598

وَيجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ بِالأَعْذَارِ إِلَّا أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. === (ويجب قضاءُ أوقات الخروج بالأعذار) المارة؛ لأنه غير معتكف فيها (إلا أوقاتَ قضاء الحاجة) لأن حكم الاعتكاف منسحب عليها، ولهذا لو جامع في ذلك الزمن من غير مكث بأن كان في هودج أو في وقفة لطيفة؛ بأن أولج ثم نزع .. بطل اعتكافه في الأصحِّ، وأيضًا زمن الخروج لقضاء الحاجة مستثنىً لا بدَّ منه. وما ذكره من قضاء جميع ما عدا أوقات قضاء الحاجة ذكره الرافعي في كتبه، فتابعه المصنف، قال الإسنوي: ولم أعلم أحدًا قال بذلك بعد الفحص عنه، بل يستثنى أيضًا: خروج المؤذن للأذان، والجنبِ للاغتسال، والمحدثِ للوضوء حيث جوَّزناه ونحو ذلك، بخلاف الحيض، وا لنفاس، والعدة، والمرض، والجهاد، وانهدام المسجد إلى بنائه، وغير ذلك مما يطول زمنه. انتهى (١). * * *

стр. 599

(كتاب الحج) === (كتاب الحج) هو لغة: القصد؛ كما قاله الجوهري (١)، وقال الخليل: كثرة القصد إلى من يُعَظَّم (٢)، وشرعًا: قصد الكعبة للنسك الآتي بيانُه. والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع. قال القاضي الحسين: والحج من الشرائع القديمة؛ روي أن آدم ﵇ لما حجَّ .. قال له جبريل: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة (٣). وفي "شرح التعجيز" لمؤلفه: أن أول من حجَّ آدمُ ﵇ (٤)، وأنه حجَّ أربعين سنة من الهند ماشيًا (٥)، وقيل: ما من نبي إلَّا حجَّه (٦)، وقال أبو إسحاق: لم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيتَ (٧). وحكى بعضُ مَنْ ألف في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبا على الشرائع قبلنا؟ وادَّعى أن الصحيح: أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، واستغرب.

стр. 600

هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ === والأحاديث في فضل الحج، وعِظم شأنه، وتمحيصه الذنوبَ .. أكثرُ من أن تُحصر (١). قال القاضي الحسين هنا: وهو أفضل العبادات؛ لأنه يشتمل على المال والبدن (٢). (هو فرض) أي: مفروض بالإجماع، وفُرِضَ سنة خمس، كما جزم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي (٣)، وقيل: سنة ست، وصححه الشيخان في (كتاب السير) (٤)، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: قبل الهجرة. (وكذا العمرة في الأظهر) لما رواه أصحاب "السنن الأربعة" عن أبي رَزين
следующие страницы →