← Фикх шафии

Фикх шафии · id 132962

بداية المحتاج في شرح المنهاج

بدر الدين ابن قاضي شهبة

Полный текст (2 451 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وَلَوْ عَادَ مَرِيضًا فِي طَرِيقِهِ .. لَمْ يَضُرَّ مَا لَمْ يَطُلْ وُقُوفُهُ أَوْ يَعْدِلْ عَنْ طَرِيقِهِ. وَلَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ بِمَرَضٍ يُحْوِجُ إِلَى الْخُرُوجِ، وَلَا بِحَيْضٍ إِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الاعْتِكَافِ، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ تَخْلُو عَنْهُ .. انْقَطَعَ فِي الأَظْهَرِ، === (ولو عاد مريضًا في طريقه .. لم يضُرَّ ما لم يَطل وقوفُه) بل اقتصر على السلام والسؤال، (أو يَعدلْ عن طريقه) لقول عائشة ﵂: (إني كنت لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارّة) رواه مسلم (١). والمرجع في الطول وغيره إلى العرف، ولو وقف في الاستئذان على المريض، قال البغوي: بطل اعتكافه (٢). وحكم زيارة القادم في الطريق: حكمُ عيادة المريض، ولو صلّى في طريقه على جنازة، ولم ينتظرها، ولم يعدل إليها .. جاز. (ولا ينقطع التتابعُ بمرض يُحوِج إلى الخروج) إذا خرج؛ لأن الحاجة داعية إليه؛ كالخروج لقضاء الحاجة، وفيه قول أنه ينقطع؛ لأن المرض ليس بضروري ولا غالبٍ، بخلاف قضاء الحاجة، وهذا القول ذكره في "المحرر" (٣)، وأهمله المصنف. والمحوج إلى الخروج: هو الذي يخاف منه تلويث المسجد؛ كالإسهال، وإدرار البول، أو يشقّ معه المقام فيه؛ كالمحوج إلى الفراش، والخادم، وتردد الطبيب. وأما الذي لا يحوج إلى الخروج؛ كالصُّداع، والحُمَّى الخفيفة .. فإنه ينقطع تتابعه بخروجه. (ولا بحيض إن طالت مدة الاعتكاف) بأن كانت لا تخلو عن الحيض غالبًا، بل تبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها، والنفاسُ كالحيض. (فإن كانت بحيث تَخْلُو عنه .. انقطع في الأظهر) لإمكان الموالاة بشروعها عقب الطهر، والثاني: لا ينقطع؛ لأن جنس الحيض مما يتكرر في الجملة، فلا يؤثر في التتابع؛ كقضاء الحاجة.

стр. 597

وَلَا بِالْخُرُوجِ نَاسِيًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَا بِخُرُوجِ الْمُؤَذِّنِ الْرَّاتِبِ إِلَى مَنَارَةٍ مُنْفَصِلَةٍ عَنِ الْمَسْجِدِ لِلأَذَانِ فِي الأَصَحِّ === (ولا بالخروج ناسيًا على المذهب) كما لا يبطل الصوم بالأكل ناسيًا، وقيل: ينقطع؛ لأن اللبث مأمور به، والنسيان ليس بعذر في ترك المأمورات، ولأن مشاهدة مكان الاعتكاف مذكرة للاعتكاف؛ فيبعد معها النسيان بخلاف الصائم. ومحل القطع بعدم الانقطاع: إذا تذكر عن قربٍ؛ فإن طال .. ففيه وجهان؛ كالوجهين في بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسيًا، والجاهل والمكره بغير حَقّ كالناسي. (ولا بخروج المؤذن الراتبِ إلى مَنارة) بفتح الميم (منفصلة عن المسجد للأذان) قريبة منه مبنية له (في الأصح) لأنها مبنية للمسجد معدودة من توابعه، وقد اعتاد الراتب صعودَها، وألف الناس صوته؛ فيعذر فيه، ويجعل زمن الأذان كالمستثنى من اعتكافه، والثاني: ينقطع مطلقًا؛ للاستغناء عنها بسطح المسجد فيؤذن عليه، وقيل: إن كان غيره من المؤذنين له صوت مثل صوته .. انقطع، وإلا .. فلا، حكاه في "الكفاية" (١). واحترز المصنف بـ (المنارة): عمَّا لو دخل المؤذن المُعتكِف إلى حجرة مُهيَّأة للسكنى بقرب المسجد، وبابُها إلى المسجد .. فإنه يبطل اعتكافه قطعًا؛ كما صرح به الإمام، قال: وإنما قلنا ما قلناه في المنارة؛ لأنها مبنية لإقامة شعار المسجد (٢). وبـ (الراتب): عن غيره، فإنه ينقطع، وفيه وجه هو ظاهر نصّ "المختصر": أنه لا ينقطع (٣)، وأوله الجمهور على الراتب، أو على ما إذا كانت المنارة في الرَّحَبة. وبـ (المنفصلة) عن منارة بابها في المسجد أو رَحَبته .. فلا يضرّ صعودها مطلقًا.

стр. 598

وَيجِبُ قَضَاءُ أَوْقَاتِ الْخُرُوجِ بِالأَعْذَارِ إِلَّا أَوْقَاتَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. === (ويجب قضاءُ أوقات الخروج بالأعذار) المارة؛ لأنه غير معتكف فيها (إلا أوقاتَ قضاء الحاجة) لأن حكم الاعتكاف منسحب عليها، ولهذا لو جامع في ذلك الزمن من غير مكث بأن كان في هودج أو في وقفة لطيفة؛ بأن أولج ثم نزع .. بطل اعتكافه في الأصحِّ، وأيضًا زمن الخروج لقضاء الحاجة مستثنىً لا بدَّ منه. وما ذكره من قضاء جميع ما عدا أوقات قضاء الحاجة ذكره الرافعي في كتبه، فتابعه المصنف، قال الإسنوي: ولم أعلم أحدًا قال بذلك بعد الفحص عنه، بل يستثنى أيضًا: خروج المؤذن للأذان، والجنبِ للاغتسال، والمحدثِ للوضوء حيث جوَّزناه ونحو ذلك، بخلاف الحيض، وا لنفاس، والعدة، والمرض، والجهاد، وانهدام المسجد إلى بنائه، وغير ذلك مما يطول زمنه. انتهى (١). * * *

стр. 599

(كتاب الحج) === (كتاب الحج) هو لغة: القصد؛ كما قاله الجوهري (١)، وقال الخليل: كثرة القصد إلى من يُعَظَّم (٢)، وشرعًا: قصد الكعبة للنسك الآتي بيانُه. والأصل فيه: الكتاب، والسنة، والإجماع. قال القاضي الحسين: والحج من الشرائع القديمة؛ روي أن آدم ﵇ لما حجَّ .. قال له جبريل: إن الملائكة كانوا يطوفون قبلك بهذا البيت سبعة آلاف سنة (٣). وفي "شرح التعجيز" لمؤلفه: أن أول من حجَّ آدمُ ﵇ (٤)، وأنه حجَّ أربعين سنة من الهند ماشيًا (٥)، وقيل: ما من نبي إلَّا حجَّه (٦)، وقال أبو إسحاق: لم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا وقد حجَّ البيتَ (٧). وحكى بعضُ مَنْ ألف في المناسك وجهين في أنه هل كان واجبا على الشرائع قبلنا؟ وادَّعى أن الصحيح: أنه لم يجب إلا على هذه الأمة، واستغرب.

стр. 600

هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْعُمْرَةُ فِي الأَظْهَرِ === والأحاديث في فضل الحج، وعِظم شأنه، وتمحيصه الذنوبَ .. أكثرُ من أن تُحصر (١). قال القاضي الحسين هنا: وهو أفضل العبادات؛ لأنه يشتمل على المال والبدن (٢). (هو فرض) أي: مفروض بالإجماع، وفُرِضَ سنة خمس، كما جزم به الرافعي في الكلام على أن الحج على التراخي (٣)، وقيل: سنة ست، وصححه الشيخان في (كتاب السير) (٤)، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل: قبل الهجرة. (وكذا العمرة في الأظهر) لما رواه أصحاب "السنن الأربعة" عن أبي رَزين

стр. 601

وَشَرْطُ صِحَّتِهِ: الإِسْلَامُ، فَلِلْوَليِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَا يُمَيِّزُ، وَالْمَجْنُونِ، === العُقَيلي أنه أتى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظَّعن، قال: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ" صححه الترمذي وابن حبان والحاكم (١). قال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجودَ منه، ولا أصحّ. والثاني: أنها سنة؛ لحديث جابر ﵁: أنه ﵇ سئل عن العمرة أواجبة أم لا؟ قال: "لَا، وَأَنْ تَعْتَمِرَ فَهُوَ أَفْضَلُ" رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح (٢). قال المصنف: ولا تغترَّ بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على ضعفه، قال: والمحفوظ كما قاله البيهقي: وقفه على جابر (٣). (وشرطُ صحته) أي: صحة ما ذكر من الحج والعمرة (الإسلام) فلا يصحّ من الكافر، ولا للكافر أصليًّا كان، أو مرتدًا؛ لعدم أهليته للعبادة. (فللولي) أي: ولي المال (أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز) لما رواه مسلم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ لقي رَكْبًا بالروحاء، فرفعت امرأةٌ إليه صبيًّا، وقالت: يا رسول الله؛ هل لهذا حجّ؟ قال: "نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ"، وفي "سنن أبي داود": (فأخذت بعَضُده، وأخرجته من محِفَّتها) (٤)، ومعلوم أن من يؤخذ بعَضُده، ويخرج من المِحفَّة يكون صغيرًا جدًّا. (والمجنون) قياسًا على الصبي. وأفهم: أنه لا يجوز لغير الولي الإحرام عنه؛ كالأم والأخ ونحوهما، وهو الصحيح، وأجابوا عما يوهمه الحديث المذكورُ من جواز إحرام الأم عنه: باحتمال أنها كانت وصية.

стр. 602

وَإِنَّمَا تَصِحُّ مُبَاشَرَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ. وَإِنَّمَا يَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الإِسْلَامِ بِالْمُبَاشَرَةِ إِذَا بَاشَرَهُ الْمُكَلَّفُ الْحُرُّ، فَيُجْزِئُ حَجُّ الْفَقِيرِ دُونَ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ === نعم؛ لو أذن الولي لمن يحرم عنه .. جاز على الأصحِّ في "زيادة الروضة". ولا يشترط كونُ الولي حلالًا، ولا أن يكون حجّ عن نفسه، ولا حضور الصبي، ومواجهته بالإحرام على الأصحِّ. قال في "شرح المهذب": وكيفية الإحرام عن الصبي؛ كما قاله الأصحاب: أن ينوي جعله محرمًا" (١)، وحيث صار الصبي محرمًا فما أمكن صدوره منه لا يكفي فيه فعلُ الولي، بل لا بدّ من استصحابه معه، فيطوف به، ويسعى، ويأتي بالرَّمَل على الجديد، ويُحضره المواقفَ كلَّها. والتقييد بـ (غير المميز) يفهم: أنه لا يجوز له الإحرام عن المميز، وهو ما نقل تصحيحَه في "شرح مسلم" عن الأصحاب (٢)، وقال الأَذْرَعي: إنه الصحيح الذي اقتضى كلام الجمهور، ونص الشافعي الجزم به، لكنّ الأصح في "أصل الروضة": أنه يصحّ إحرامه عنه (٣). وتقييد المصنف بـ (الصبي)، و (المجنون) يُفهم: أنه لا يصحّ الإحرام عن المغمى عليه، وهو كذلك. (وإنما تصح مباشرتُه من المسلم المُميِّز) كسائر العبادات البدنية، ويشترط: إذن الولي للصبي، فإن لم يأذن له واستقلّ بالإحرام .. لم يصحّ على الأصحِّ؛ لأنه يفتقر إلى المال، وهو محجور عليه فيه. (وإنما يقع عن حَجَّة الإسلام) وعمرته (بالمباشرة إذا باشره المكلَّفُ الحرُّ، فيجزئ حجُّ الفقير) كما لو تكلَّف المريض حضورَ الجمعة، أو الغني خطرَ الطريق، وحج. والمراد: المكلف من حيثُ الجملةُ لا المكلف بالحج، (دون الصبي والعبد) بالإجماع.

стр. 603

وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الإِسْلَامُ وَالتَّكْلِيفُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالاسْتِطَاعَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ: - أَحَدُهُمَا: اسْتِطَاعَةُ مُبَاشَرَةٍ، وَلَهَا شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وُجُودُ الزَّادِ وَأَوْعِيَتِهِ، وَمُؤْنَةِ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِبَلَدِهِ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ .. لَمْ تشتَرَطْ نَفَقَةُ الإِيَابِ، === نعم؛ لو بلغ، أو عَتَقَ قبل الوقوف بعرفة، أو قبل فراقها في وقت الوقوف .. أجزأهما عن حجة الإسلام؛ لإدراكهما معظمَ العبادة، كمن أدرك الركوع. نعم؛ لو كان سعى عقب طواف القدوم .. لزمه إعادتُه على الأصحِّ؛ لوقوعه في حال النقصان، وإن كَمَلَا بعد الوقوف وعادا إليه في وقته .. أجزأهما، وإلا .. فلا على الأصحِّ. ووقوع العتق والبلوغ في أثناء العمرة على هذا التفصيل أيضًا، والطواف فيها كالوقوف في الحجِّ. (وشرط وجوبه: الإسلامُ، والتكليف، والحرية، والاستطاعة) بالإجماع. نعم؛ المرتد يجب عليه وإن كان كافرًا؛ لالتزامه إياه بالإسلام، وفائدة الوجوب عليه: أنه لو استطاع في ردته وتمكن، ثم تلف المالُ في الردة، أو بعد الإسلام وقبل التمكن، ثم استفاد مالًا آخر ومات قبل التمكن .. فإنه يُقضى عنه من تركته. وإذا اجتمعت هذه الشروط .. وجب مرة على التراخي؛ خلافا للأئمة الثلاثة. (وهي نوعان: أحدهما: استطاعةُ مباشرةٍ، ولها شروط: أحدها: وجود الزَّاد وأوعيتِه) حتى السُّفْرة؛ كما قاله القاضي الحسين، (ومؤنةِ ذهابه وإيابه) لما روي: أنه ﷺ لمَّا سئل عن (السبيل) المذكور في الآية، قال: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، قال في "شرح المهذب": لكنه حديث ضعيف وإن حسَّنه الترمذي وصححه الحاكم (١). (وقيل: إن لم يكن له ببلده أهلٌ وعشيرة .. لم تشترط نفقةُ الإياب) لأن البلاد كلَّها بالنسبة إليه سواء، والصحيح: الأول؛ لما في الغربة من الوحشة.

стр. 604

فَلَوْ كَانَ يَكْسِبُ مَا يَفِي بِزَادِهِ وَسَفَرُهُ طَوِيلٌ .. لَمْ يُكَلَّفِ الْحَجَّ، وَإِنْ قَصُرَ وَهُوَ يَكْسِبُ فِي يَوْمٍ كِفَايَةَ أَيَّامٍ .. كُلِّفَ === والأهل: كلّ من تلزمه نفقتُه؛ كالزوجة، والقريبِ، والعشيرةُ: الأقارب من قبل الأب أو الأم. ولو قال المصنف: (أهل أو عشيرة) كما في "الروضة" (١) .. لكان أولى؛ لأن وجود أحدهما كافٍ في الجزم باشتراط نفقة الإياب؛ خلافًا لما تقتضيه عبارة "الكتاب"، و"أصله" (٢). ولو قال: (لم تشُترط مؤنةُ الإياب) .. لكان أحسن؛ ليتناول الراحلة ونحوَها. (فلو كان يكسب ما يفي بزاده) وغيره من المؤن (وسفرُه طويل .. لم يكلَّف الحجّ) لأنه قد ينقطع عن الكسب لعارض، وبتقدير ألَّا ينقطع .. فالجمعُ بين تعب السفر والكسب مشقةٌ عظيمة. (وإن قصُر) بأن كان على دون مرحلتين من مكة (وهو يكسب في يوم كفاية أيام .. كُلِّف) لانتفاء المشقة. قال المنكت: (ولم أرَ من ضبطها، ويتبادر إلى الفهم: أن أقلَّها ثلاثة، واستنبط الإسنوي من تعليل الرافعي - عدم اللزوم فيما إذا كان يكسب كلَّ يوم ما يكفي ذلك اليومَ خاصة .. بأنه ينقطع عن كسبه في أيام الحجّ، فيتضرر - أنها ستة، وهي أيام الحجّ من الثامن إلى آخر الثالث عشر) (٣). ولو كان يقدر أن يَكْسِب في الحضر ما يُقدَّر أن يكفيه لذلك وللحج .. فهل يجب عليه الاكتسابُ؟ قال الإسنوي: لم يُصرِّحوا به، غير أنَّا نقول: إن كان على دون مسافة القصر .. وجب؛ لأنهم إذا أوجبوا عليه مع وقوعه في السفر .. ففي الحضر أولى، وإن كان طويلًا .. فيتجه أيضًا الوجوب؛ لانتفاء المحذورات السابقة. انتهى، وفيه نظر.

стр. 605

الثَّانِي: وُجُودُ الرَّاحِلَةِ لِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ مَرْحَلَتَانِ، فَإِنْ لَحِقَهُ بِالرَّاحِلَةِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ .. اشْتُرِطَ وُجُودُ مَحْمِلٍ، وَاشْتُرِطَ شَرِيكٌ يَجْلِسُ فِي الشِّقِّ الآخَرِ === (الثاني: وجودُ الراحلة) ببيع أو استئجار (لمن بينه وبين مكة مرحلتان) للحديث المار (١)، وسواء قدر على المشي أم لا. ومراد الفقهاء بـ (الراحلة): كلّ ما يركب من الإبل، ذكرًا كان أو أنثى، قال المحب الطبري: وفي معنى (الراحلة): كلّ حَمُولة اعتيد الحملُ عليها في طريقه؛ من بِرْذَوْن، أو بغل، أو حمار. (فإن لحقه بالراحلة مشقةٌ شديدة .. اشترط وجودُ محمِل) دفعًا للضرر، وضابط هذه المشقة؛ كما نقله في "الكفاية" عن الجويني: أن يلحقه من المشقة بين المَحِمل والراحلة ما يلحقه بين المشي والركوب (٢). ولو شقّ عليه ركوب المَحمِل .. اعتبر في حقه الكَنِيسة؛ كما نقلاه عن "الشامل"، وأقرّاه (٣). والمَحمِل: هو الخشبة التي يركب فيها، والكنيسة: أعوادٌ مرتفعة في جوانب المَحمِل يكون عليها ستر دافع للحرّ والبرد. ومحلّ التقييد: في الرجل، أما المرأة .. فيشترط المَحمِل في حقها مطلقًا؛ لأنه أسترُ لها؛ كذا نقلاه في "الشرح"، و"الروضة"، و"شرح المهذب" عن المَحاملي وغيره من العراقيين، وأقرَّاه (٤). (واشتُرط شريك يَجلس في الشقّ الآخر) وإن قدر على المَحمِل بتمامه، وعلّله في "الوسيط" بأن بذل الزيادة خسرانٌ لا مقابل له (٥)، قال في "المهمات": (ومقتضى هذا التعليل: أن ما يحتاج إليه في سفره؛ من الزاد وغيره يقوم مقام الشريك، وكذا

стр. 606

وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ قَوِيٌّ عَلَى الْمَشْيِ .. يَلْزَمُهُ الْحَجُّ، فَإِنْ ضَعُفَ .. فَكَالْبَعِيدِ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فَاضِلَيْنِ عَنْ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَعَبْدٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِخِدْمَتِهِ، === الأمتعة المُستأجِرُ على حملها، وكلام كثير من المختصرات يقتضي تعيِّنَ الشريك، وليس توجيهه ببعيد) (١). (ومن بينه وبينها دون مرحلتين، وهو قوي على المشي .. يلزمه الحجّ، فإن ضعف .. فكالبعيد) للمشقة على الضعيف دون القوي. وخرج بـ (المشي): الحَبْوُ؛ فإنه لا يلزمه وإن أمكن على الأصحِّ. (ويشترط: كون الزاد والراحلة) اللائقين (فاضلين عن دينه) حالًّا كان أو مؤجلًا، أما الحالّ .. فلأن وجوبه ناجز، والحجَّ متراخ، ولو رضي صاحب الحقّ بالتأخير .. لم يجب أيضًا؛ لأن المنية قد تخترمه، فتبقى ذمته مرتهنة، وأما المؤجل .. فلأنه قد يحلّ بالموت، أو بانقضاء الأجل، ولا يجد ما يقضي به الدين لو صَرف ما معه إلى الحج. وشمل إطلاقه دين الله؛ كالنذر، والكفارة، ودين الآدمي، ويؤخذ من اشتراط كونهما فاضلين عن دينه: اشتراطُ كونهما فاضلين عن دَسْت ثوب يليق به؛ إذ ذلك مقدم على الدين. (ومؤنة من عليه نفقتهم مدّةَ ذهابه وإيابه) لئلا يضيَّعوا. (والأصح: اشتراط كونه فاضلًا عن مسكنه، وعبدٍ يَحتاج إليه لخدمته) لزمانته، ومنصبه؛ ، كما يبقيان في الكفارة، وعلى هذا: لو كان معه نقا يريد صرفه إليهما .. مُكِّن منه، والثاني: لا يشترط، بل يباعان، ونصَّ عليه في "الأم" (٢)؛ لأن الاستطاعة مفسرة في الخبر بالزاد والراحلة، وهذا واجد لهما. والفرق بين الحج والكفارة: أن العتق في الكفارة له بدلٌ معدول إليه، بخلاف الحجّ.

стр. 607

وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ صَرْفُ مَالِ تِجَارَتهِ إِلَيْهِمَا. الثَّالِثُ: أَمْنُ الطَّرِيقِ، === ومحلّ الخلاف: إذا كانت الدار مستغرقة لحاجته، وكانت سكنى مثله، والعبد يليق به، فأما إذا أمكن بيع بعض الدار، ووَفَى ثمنُه بمؤنة الحج، أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله، ولو أبدلهما .. لوَفَى التفاوتُ بمؤنة الحج .. فإنه يلزمه ذلك. وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق في اعتبار المسكن، والخادم بين المرأة المكفية بإسكان الزوج وإخدامه، وبين غيرها. وسببه: أن الزوجيّة قد تنقطع فتحتاج إليهما، وكذلك المسكن للمُتفقِّهة الذين يسكنون بيوتَ المدارس، والصوفيةِ المعتادين الرُّبُطَ والخوانق، وفيه نظر؛ لأنه غير محتاج إليهما الآن، وتتوقع الحاجة في المستقبل، فأشبه رأسَ مال التجارة، ويمكن أن يقال هذا أيضًا في المزوجة. واقتصاره على هذه الشروط يوهم أن الحاجة إلى النكاح، وحاجةَ الفقيه إلى كتبه لا يمنعان الوجوبَ، وهو في التزويج كذلك على الأصحِّ في "الروضة"، وأما الكتب .. فلا، بل الصواب كما قاله في "شرح المهذب": أنها تبُقَّى له، إلا أن يكون له من كلّ كتاب نسختان (١)، وذكر ابن الأستاذ في "شرح الوسيط" أن خَيْلَ الجندي وسلاحَه ككتب الفقيه. (وأنه يلزمه صرفُ مال تجارته إليهما) أي: للزاد والراحلة؛ كما يلزمه صرفه في دَينه، ويخالف المسكن والخادم، فإنه يحتاج إليهما في الحال، وما نحن فيه يتخذ ذخيرةً للمستقبل، والثاني: لا؛ لئلا يلتحق بالمساكين، ويجري الخلاف في الأملاك التي ينفق من رَيْعها. وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يكون له كسبٌ أم لا، قال الإسنوي: وفيه بعد. (الثالث: أمنُ الطريق) في كلّ مكان بحسب ما يليق به؛ لأن خوفه ينفي استطاعة السبيل، والمراد بالأمن: الأمن العام، فلو كان الخوف في حَقّه وحده .. قضى من

стр. 608

فَلَوْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ سَبُعًا أَوْ عَدُوًّا أَوْ رَصَدِيًّا وَلَا طَرِيقَ سِوَاهُ .. لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ رُكُوبِ الْبَحْرِ إِنْ غَلَبَتِ السَّلَامَةُ، === تركته؛ كما نقله البُلْقيني عن النصّ، وجزم في "الكفاية" بأنه إذا كان الخوف في حقّ الواحد، والنفر القليل .. لم يمنع الوجوب (١)، ولا بدّ من اشتراط رُفْقة تخرج معه وقت العادة إن احتاج إليها. (فلو خاف على نفسه، أو ماله) وإن قلَّ (سَبُعًا، أو عدوًّا، أو رَصَديًّا) وهو الذي يَرقُب الناس في الطريق؛ لأخذ شيء منهم، مسلما كان أو كافرًا، (ولا طريق سواه .. لم يجب الحج) لحصول الضرر. ومحل ما ذكره في الرصدي: إذا كان الحاجّ هو الباذل؛ فإن بذل الإمام، أو نائبه .. وجب الحجّ؛ كذا نقله المحبُّ الطبري في "شرح التنبيه" عن "التجربة النظامية"، وقضيته: أن الأجنبي ليس كذلك، قال في "المهمات": وهو القياس؛ لما فيه من المنَّة (٢). (والأظهر: وجوب ركوب البحر إن غلبت السلامةُ) كما يجب السير في البرّ حينئذ؛ فإن غلب الهلاك .. حرم الركوب قطعًا، وإن استوى الأمران .. لم يجب، ويحرم على الصحيح في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" (٣)، والثاني: لا يجب مطلقًا؛ لما فيه من الخوف والخطر، والثالث: يجب مطلقًا؛ لإطلاق الأدلة هذا كلّه إذا لم يكن في البرّ طريق، فإن كان .. لزمه الحج قطعًا. نعم؛ لو امتنع سلوك البرّ لعارض، كجدبٍ، وعَطشٍ .. فجزم الجُوْريُّ بأنه لا يجب ركوب البحر، بل ينتظر زوالَ العارض، قالا: وليست الأنهار العظيمةُ؛ كجَيْحون في حكم البحر على الصحيح؛ لأن المقام فيها لا يطول، والخطر فيها لا يعظم، كذا أطلقاه (٤).

стр. 609

وَأَنَّهُ تَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْبَذْرَقَةِ. وَيُشْتَرَطُ: وُجُودُ الْمَاءِ وَالزَّادِ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُعْتَادِ حَمْلُهُ مِنْهَا بِثَمَنِ الْمِثْلِ، وَهُوَ الْقَدْرُ اللَّائِقُ بِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ === وقال الأَذْرَعي: كان التصوير فيما إذا كان يقطعها عرضًا، أما لو كان السيرُ فيهما طولًا .. فهي في كثير من الأوقات كالبحر وأخطر، ولو كان البحر مغرقًا أو كان قد اغتَلَم وهاج .. حرم ركوبه لكلّ سفر. (وأنه تلزمه أجرة البَذْرَقة) لأنها أُهْبَة من أُهَب الطريق مأخوذة بحقّ، فكانت كأجرة الدليل إذا لم يعرفوا الطريقَ إلا به. والبَذْرَقة: بذال معجمة ومهملة: الخُفارة: لفظةٌ عجميَّة معرَّبة، والمراد: أنه إذا وجد من يأخذ أجرة المثل ويُخفره؛ بحيث يأمن معه في غالب الظنّ .. وجب استئجاره على الأصحِّ، والثاني: لا يجب؛ لأنه خُسران لدفع الظلم، فأشبه التسليم إلى الظالم، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وقالا في "الشرح" و"الروضة": إنه أظهر عند الإمام، لكن حكى في "الكفاية" الثاني عن النص، قال: وبه قال سائر العراقيين، والقاضي الحسين، وقال في "المهمات": إن به الفتوى (١). وقضية كلام الكتاب: أن الخلاف قولان، وليس كذلك، بل هو وجهان؛ كما في "الشرحين"، و"الروضة"، و"شرح المهذب" (٢). (ويشترط: وجود الماء والزاد في المواضع المعتادِ حملُه منها بثمن المثل، وهو القدر اللائق به في ذلك الزمان والمكان) حتى لو كان عام جَدْب، وخلا بعض المنازل عن أهلها، أو انقطعت المياه .. لم يلزمه الحجّ؛ لعظم المؤنة في حمله، وكذا لو وجدهما بأكثر من ثمن المثل؛ لما فيه من الإجحاف. (وعلفِ الدابة في كلّ مرحلةٍ) لأن المؤنة تعظم في حمله أيضًا، قال في "شرح

стр. 610

وَفِي الْمَرْأَةِ: أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا زَوْجٌ، أَوْ مَحْرَمٌ أَوْ نِسْوَةٌ وثِقَاتٌ، === المهذب": وينبغي اعتبار العادة، كالماء (١)، قال الأَذْرَعي وغيره: وهو متعين، وإلا .. لمَا لزم آفاقيًّا الحجُّ أصلًا. (وفي المرأة: أن يخرج معها زوج، أو محرم) بنسب أو غيره (أو نسوةٌ ثقات) لأن سفرها وحدها حرام وإن كانت في قافلة؛ كما صرحا به الأحاديث الصحيحة؛ لخوف استمالتها وخديعتها، وفي الصحيح: اعتبار الزوج أو المَحرم (٢)، وأما النسوة الثقات .. فلأنهن إذا كثرن انقطعت الأطماعُ عنهنّ، بخلاف غير الثقات. وظاهر كلامه: اشتراط ثلاث نسوة غيرها، قال الإسنوي: (وهو بعيد لا معنى له، بل المتجه: الاكتفاء باجتماع أقل الجمع، وهو ثلاث، وأيُّ معنى لاشتراط الأربعة بخصوصها، وأيُّ دليل يدل عليه؟ ! ) (٣) وقال الأَذْرَعي: قضية كلام الأكثرين: الاكتفاءُ بالمرأتين؛ لأنهن يصرن ثلاثًا، واعتبار النسوة شرط للوجوب، أما الجواز .. فيجوز لها الخروج لأداء الحجّ مع المرأة الثقة على الصحيح في شرحي "المهذب" و"مسلم" (٤)، وعبارة "شرح مسلم": (فلو وجدت امرأة واحدة ثقة .. لم يلزمها، لكن يجوز لها الخروج معها، هذا هو الصحيح). انتهى (٥). وهذا كلّه في حجّ الفرض؛ أما النفل .. فليس لها الخروج له، ولا لغيره من الأسفار مع النساء الخلَّص على الأصحِّ المنصوص. قال الإسنوي: ولا شكّ أن لها الهجرة من بلاد الكفر وحدها، ولا يشترط في سفر المرأة مع المرأة ملازمتها إياها، بل لو مشت قدام القافلة أو بعدها بعيدةً .. فإنه يكفي؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن الشيخ أبي حامد وأقره (٦). وأورد على المصنف عبد المرأة، فإنه يكفي في الوجوب خروجه معها، كما صرح

стр. 611

وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ مَحْرَمٍ لإِحْدَاهُنَّ، وَأَنَّهُ يَلْزَمُهَا أُجْرَةُ الْمَحْرَمِ إِذَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِهَا. الرَّابِعُ: أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ بِلَا مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ === به المرعشي في "ترتيب الأقسام"، وابن أبي الصيف في "نكته"، مع كونه ليس محرمًا لها بدليل انتقاض الوضوء بمسه، لكنه كالمحرم في النظر إليها، والخلوة بها. وتقييده النسوة بالثقات قد يقتضي اشتراطَ بلوغهن؛ لأن الصبي ليس بثقة؛ كما صرحوا به في مواضع، وهل ذلك شرط أيضًا في المحرم والزوج أم يجري فيه الخلاف في الاكتفاء بالمميز في مساكنة المعتدة؟ قال الإسنوي: فيه نظر، ويشترط في الخنثى المشكل: وجود محرم من الرجال أو النساء، لا الأجنبيات (١). (والأصح: أنه لا يشترط وجودُ محرم لإحداهن) لما تقدم من انقطاع الأطماع عنهن عند كثرتهن، والثاني: يشترط؛ لأنه قد ينوبهن أمر فيستعنَّ به، والزوج على هذا كالمحرم؛ كما صرح به في "شرح المهذب" (٢). (وأنه يلزمها أجرةُ المحرم إذا لم يخرج إلا بها) إذا كانت أجرةَ المثل؛ كأجرة البَذْرَقة، وأولى باللزوم؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنىً فيها فأشبه مؤنةَ المَحْمِل المحتاج إليه، والثاني: المنع، وأجرة الزوج كالمحرم؛ كما صرَّح به في "الحاوي الصغير" (٣)، وفي أجرة النسوة نظرٌ للإسنوي (٤)، فلو امتنع المحرم من الخروج بالأجرة .. لم يُجبَر جزمًا، وكذا الزوج. نعم؛ لو كان قد أفسد حجّها ووجب عليه الإحجاج بها .. لزمه ذلك بلا أجرة (٥)، قاله الأذرعي، وكذا لو كان عبدُها محرمًا لها .. فلها إجبارُه قطعًا. (الرابع: أن يثبت على الراحلة) أو المَحْمِل ونحوه (بلا مشقة شديدة) فإن لم يثبت أصلًا، أو كان يثبت، ولكن بمشقة شديدة؛ لكبر أو مرض .. فقد انتفت استطاعة المباشرة.

стр. 612

وَعَلَى الأَعْمَى الْحَجُّ إِنْ وَجَدَ قَائِدًا، وَهُوَ كَالْمَحْرَمِ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ. وَالْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ كَغَيْرِهِ، لكِنْ لَا يُدْفَعُ الْمَالُ إِلَيْهِ، بَلْ يَخْرُجُ مَعَهُ الْوَلِيُّ أَوْ يَنْصِبُ شَخْصًا لَهُ. - النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ تَحْصِيلِهِ بِغيْرِهِ، فَمَنْ مَاتَ وَفِي ذِمَّتِهِ حَجٌّ .. وَجَبَ الإِحْجَاجُ عَنْهُ مِنْ تَرِكَتِهِ === (وعلى الأعمى الحجُّ إن وجد قائدًا) مع ما سبق؛ لاستطاعته حينئذ (وهو) أي: القائد (كالمَحرم في حقِّ المرأة) فيأتي فيه ما سبق، ويشترط في مقطوع اليدين والرجلين مع ما سبق: وجودُ مُعِين له. (والمحجور عليه بسفه كغيره) في وجوب الحجّ؛ لأنه مكلّف (لكن لا يُدفَع المال إليه) لئلا يُبذِّره (بل يَخرُج معه الولي) إن شاء؛ لينفق عليه في الطريق بالمعروف، ويكون قوَّامًا عليه، (أو يَنصِب شخصًا له) ثقةً ينوب عنه ولو بأجرة مثله إن لم يجد متبرعًا كافيًا. وأهمل من الشروط خامسًا، وهو: أن يبقى من الزمان بعد وجود الشروط السابقة ما يتمكن فيه من السَّيْر لأدائه على العادة، حتى لو احتاج بعد اليسار إلى أن يقطع في كلّ يوم، أو في بعض الأيام أكثرَ من مرحلة .. لم يجب الحجّ؛ كما نقله الرافعي عن الأئمة (١)، لكن قال ابن الصلاح: إن ذلك شرط لاستقراره في ذمته؛ ليجب قضاؤه من تركته لو مات، وليس شرطًا لأصل وجوب الحجّ؛ فإنه وجب بمجرد الاستطاعة؛ كما تجب الصلاةُ بأول الوقت، ويستقرّ بالإمكان (٢)، وردّه عليه في "زيادة الروضة"، وقال: إن الصواب: ما قاله الرافعي (٣). (النوع التاني: استطاعةُ تحصيله بغيره، فمن مات وفي ذمته حجّ) أي: حجة الإسلام أو غيرها، وكذا العمرة ( .. وجب الإحجاج عنه من تركته) لأن امرأة قالت: يا رسول الله؛ إن أمي ماتت ولم تحجّ قطّ أفأحج عنها؟ قال: "حُجِّي عَنْهَا" رواه مسلم (٤)، وفي

стр. 613

وَالْمَعْضُوبُ الْعَاجِزُ عَنِ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ إِنْ وَجَدَ أُجْرَةَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ .. لَزِمَهُ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا فَاضِلَةً عَنِ الْحَاجَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِيمَنْ حَجَّ بِنَفسِهِ، === "البخاري" مثلُه (في النذر) (١). وقوله: (من تركته) ليس في "المحرر"، ولا بُدَّ منه؛ فإنه إذا لم يخلف تركة .. لا يجب على الوارث، ولا في بيت المال. ولا بدّ من التمكن من الأداء بعد الوجوب، فلو أخر بعد الوجوب فمات أو جُنَّ، أو تلف ماله قبل تمام حجّ الناس .. لم يُقضَ من تركته على الأصحِّ. واستثني من إطلاقه: ما لو لزمه الحجّ، ثم ارتد، ومات مرتدًا .. فإنه لا يقضى من تركته على الصحيح، أو الصواب؛ لأنه لو صحّ .. لوقع عنه، وقد يقال: خرج ذلك بقوله: (من تركته)؛ لأن المرتد [إذا مات على الردّة] .. لا تركة له (٢). (والمعضوبُ العاجز عن الحجّ بنفسه) حالًّا أو مآلًا؛ لزَمَنٍ أو كِبَرٍ أو غيرهما (إن وجد أجرةَ مَنْ يحجّ عنه بأجرة المثل .. لزمه) لأنه مستطيع بغيره؛ لأن الاستطاعة كما تكون بالنفس تكون ببذل الأموال وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يُحسن البناء: فلان يستطيع بناء داره، وإذا صدق أنه مستطيع .. وجب عليه؛ للآية. وفي "الصحيحين" من حديث ابن عباسٍ ﵄: أن امرأة من خَثْعَم قالت: يا رسول الله؛ إن فريضةَ الله على عباده في الحجّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؛ قال: "نَعَمْ"، وذلك في حجّة الوداع (٣). ويستثنى: المعضوب إذا كان بمكة، أو بينه وبينها دون مسافة القصر .. فإنه لا يجوز له الاستنابةُ؛ لأن المشقة لا تكثر، حكاه في "شرح المهذب" عن المتولي، وأقرَّه (٤). (ويشترط كونها) أي: الأجرة (فاضلةً عن الحاجات المذكورة فيمن حجَّ بنفسه،

стр. 614

لكِنْ لَا تُشْتَرَطُ نَفَقَةُ الْعِيَالِ ذَهَابًا وَإِيَابًا. وَلَوْ بَذَلَ وَلَدُهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ مَالًا لِلأُجْرَةِ .. لَمْ يَجِبْ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ بَذَلَ الْوَلَدُ الطَّاعَةَ .. وَجَبَ قَبُولُهُ، === لكن لا تشترط نفقةُ العيال ذهابًا وإيابًا) لأنه إذا لم يفارق أهلَه .. يمكنه تحصيلُ نفقتهم، ونفقتُه كنفقتهم، كما حكاه ابن الرفعة عن البَنْدَنيجي (١). ويشترط: أن تكون فاضلة عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار. ولو عبّر المصنف بـ (المؤنة) بدل (النفقة) .. لكان أشمل. (ولو بذل) أي: أعطى (ولدُه، أو أجنبي مالًا للأجرة .. لم يجب قبولُه في الأصح) للمنة، والثاني: يجب، لحصول الاستطاعة، والخلاف في الأجنبي مترتب على الابن وأولى بألا يجب، قاله في "البيان" (٢). والأبُ كالابن أو كالأجنبي؟ فيه احتمالان للإمام، ورجح الرافعي منهما الأولَ (٣). ولو استأجر المطيع إنسانًا للحج عن المطاع المعضوب، وكان المطيع ولدًا .. لزم المطاع الحجّ؛ كما نقله في "شرح المهذب" عن تصحيح المتولي، وأقره (٤)، وكلام "الكتاب" قد يُفهم خلافَه. (ولو بذل الولدُ الطاعة) بنفسه ( .. وجب قبوله) وهو إذنه له في الحجّ؛ لحصول الاستطاعة، وسواء أكان الولد ذكرًا أم أنثى، من أولاد الصلب أم غيرهم، وهذا إذا كان الولد راكبًا؛ فإن كان ماشيًا .. لم يجب قبوله على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" (٥)؛ لأن مشي ولدِه يشقّ عليه. وحكمُ التعويل على الكسب أو السؤال حكمُ المشي؛ كما ذكره في "الحاوي الصغير" (٦)، وليس في "الشرحين"، و"الروضة" تصريحٌ بما قاله، وإنما رجّحا

стр. 615

وَكَذَا الأَجْنَبِيُّ فِي الأَصَحِّ. === عدمَ الوجوب فيهما إذا انضمّا إلى المشي (١). (وكذا الأجنبيُّ في الأصح) لحصول الاستطاعة؛ كالولد، والثاني: لا؛ لكون الولد بَضْعَة منه، فنفسه كنفسه، بخلاف غيره، والأخ في ذلك كالأجنبي، وكذا الأب على الأصحِّ. وشرط الباذل: أن يكون موثوقًا به، مؤديًا لفرضه، وألا يكون معضوبًا. وكلامه قد يُفهم عدَم وجوب سؤال الابن إذا تَوسَّم الأبُ فيه الطاعةَ، والأصحُّ المنصوص: اللزوم. * * *

стр. 616

بابُ المواقيت وَقْتُ - إِحْرَامِ الْحَجِّ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَفِي لَيْلَةِ النَّحْرِ وَجْهٌ. فَلَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ .. انْعَقَدَ عُمْرَةً عَلَى الصَّحِيحِ. وَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْت لإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ === (باب المواقيت) هي: جمع ميقات، ومعناه لغةً: الحدُّ، والمراد به ههنا: زمان العبادة ومكانُها. (وقت إحرام الحج: شوال وذو القَعْدة وعشرُ ليال) بالأيام بينها (من ذي الحِجة) كذا فسر به ابن عباس، قولَه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ كما نقله ابن عطية وغيره (١)، والمراد: وقت الإحرام به؛ لأن فعله لا يحتاج إلى شهر. (وفي ليلة النحر وجهٌ) لأن الليالي تبع للأيام، ويوم النحر لا يصحّ فيه الإحرام، فكذلك ليلته، وفي قول: إنَّ ذا الحِجَّة كلَّه وقتٌ للإحرام، وهو شاذ. (فلو أحرم به في غير وقته .. انعقد عمرةً) مجزئة عن عمرة الإسلام (على الصحيح) سواء كان عالمًا أو جاهلًا؛ لأن الإحرام شديد التعلق، فإذا لم يَقبل الوقتُ ما أحرم به .. انصرف إلى ما يقبله، وأيضًا فإنه إذا بطل قصد الحجّ .. بقي مطلق الإحرام، والعمرةُ تنعقد بمجرد الإحرام؛ بدليل الإطلاق، فانصرف إليها، والثاني: لا ينعقد عمرةً، بل يتحلل بعمل عمرة، ولا يكون ذلك مجزئًا عن عمرة الإسلام، كما لو فاته الحجّ؛ لأن كلَّ واحد من الزمانين ليس وقتًا للحج. ومحل ما ذكره: إذا كان حلالًا؛ فإن أحرم بعمرة ثم بحجّ في غير أشهره .. لم ينعقد إحرامه حجًّا؛ لكونه في غير أشهره، ولا عمرةً؛ لأن العمرة لا تدخل على العمرة، ذكره القاضي أبو الطيب، قال السبكي: وهو ظاهر. (وجميع السنة وقتٌ لإحرام العمرة) لوروده في الأحاديث الصحيحة في أوقات مختلفة (٢).

стр. 617

وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ لِلْحَجِّ فِي حَقِّ مَنْ بِمَكَّةَ: نَفْسُ مَكَّةَ، وَقِيلَ: كُلُّ الْحَرَمِ، وَأَمَّا غَيْرُهُ .. فَمِيقَاتُ الْمُتَوَجِّهِ مِنَ الْمَدِينَةِ: ذُو الْحُلَيْفَةِ، وَمِنَ ألشَّامِ وَمِصْرَ وَالْمَغْرِبِ: الْجُحْفَةُ، وَمِنْ تِهَامَةِ الْيَمَنِ: يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدِ الْيَمَنِ وَنَجْدِ الْحِجَازِ: قَرْنٌ، وَمِنَ الْمَشْرِقِ: ذَاتُ عِرْقٍ === نعم؛ المحرم بالحج إذا تحلل التحللين، وعكف بمنى للرمي .. فإن عمرته لا تنعقد؛ لاشتغاله بالرمي والمبيت، نصَّ عليه الشافعي (١)، واتفق عليه الأصحاب، ومنه يؤخذ امتناع حجتين في عام واحد، وهو إجماع، كما نقله القاضي أبو الطيب. ويستحب: الإكثار من الاعتمار لا سيِّما في رمضان، فإن عمرة في رمضان .. تعدل حجة مع النبي ﷺ ؛ كما صححه الحاكمُ على شرط الشيخين (٢). وحكي عن نجم الدين الطبري قاضي مكة أنه حكى ثلاثة أوجه في الطواف والاعتمار أيُّهما أفضلُ؟ ثالثها: إن استغُرِقَ زمانُ الاعتمار بالطواف .. فالطواف أفضل، وإلا .. فالاعتمار. (والميقات المكاني للحج) وإن قَرنَ (في حقّ مَنْ بمكة) آفاقيًّا أو غيره (: نفسُ مكة) لحديث ابن عباس الآتي، (وقيل: كلُّ الحرم) لأن مكة وسائرَ الحرم في الحرمة سواء، فلو فارق بنيان مكة، ثم أحرم في الحرم، ولم يرجع إلى مكة إلا بعد الوقوف .. كان مسيئًا على الوجه الأول دون الثاني. (وأما غيره .. فميقات المتوجه من المدينة: ذو الحُليفة، ومن الشام ومصر والمغرب: الجُحْفة، ومن تِهامة اليمن: يلملم، ومن نجد اليمن ونجد الحجاز: قَرْن، ومن المشرق: ذات عِرْق) لما في "الصحيحين" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة ذا الحُليفة، ولأهل الشام الجُحْفة، ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، وقال: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتىَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ .. فَمِنْ حَيْثُ

стр. 618

وَالأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ الْمِيقَاتِ، وَيَجُوزُ مِنْ آخِرِهِ. وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا لَا يَنْتَهِي إِلَى مِيقَاتٍ: فَإِنْ حَاذَى مِيقَاتًا === أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ" (١). وروى النسائي أنه ﵇ وقَّت لأهل الشام ومصر الجُحْفَة، ولأهل العراق ذات عِرْق، وصححه ابن السكن (٢). وأما المغرب .. ففي رواية مرسلة أخرجها الشافعي، وقد وصلها مرة في حديث آخر، لكن مع الشك في رفعه (٣). واختلفوا في أن ذات عِرْق ميقاتٌ بالنصّ، أو باجتهاد عمر ﵁، ونقلا في "الشرح"، و"الروضة" عن ميل الأكثرين أنه بالنصّ، وقال في "شرح المهذب": إنه الصحيح عند جمهور الأصحاب، لكن في "شرح المسند" للرافعي: أن مذهب الشافعي: أنه باجتهاد عمر ﵁، وقال المصنف في "شرح مسلم": إنه الصحيح، وهو ما نصّ عليه في "الأم" (٤). ويستثنى من إطلاق المصنف: الأجير، فإن عليه أن يُحرم من ميقات الميت، أو المستأجر الذي يحجّ عنه، وإن مرّ بغير ذلك الميقات .. أحرم من موضع بإزائه إذا كان أبعد من ذلك الميقات من مكة، حكاه في "الكفاية" عن الفوراني، وأقره، وفي "التهذيب"، و"البسيط"، و"الذخائر" نحوُه (٥). (والأفضل: أن يحرم من أول الميقات) ليقطع الباقي محرمًا (ويجوز من آخره) لصدق الاسم عليه، واستثنى السبكي من ذلك: ذا الحليفة، وقال: ينبغي أن يكون الإحرام فيها من عند المسجد الذي أحرم من عنده رسول الله ﷺ قطعًا. (ومن سلك طريقًا) في البرّ أو البحر (لا ينتهي إلى ميقات؛ فإن حاذى ميقاتًا ..

стр. 619

أَحْرَمَ مِنْ مُحَاذَاتِهِ، أَوْ مِيقَاتينِ .. فالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ مُحَاذَاةِ أَبْعَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يُحَاذِ .. أَحْرَمَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ. وَمَنْ مَسْكَنُهُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمِيقَاتِ .. فَمِيقَاتهُ مَسْكَنُهُ. وَمَنْ بَلَغَ مِيقَاتًا غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا، ثُمَّ أَرَادَهُ .. فَمِيقَاتُهُ مَوْضِعُهُ، === أحرم من مُحاذاته) اتباعًا لعمر ﵁، فإنه وقَّت ذات عِرْق لأهل الكوفة والبصرة؛ اعتبارًا بقَرْن؛ لأنه يحاذيهما، كما رواه البخاري (١)، ولم يخالفه أحد. فإن اشتبه عليه موضع المحاذاة .. اجتهد. (أو ميقاتين .. فالأصح: أنه يُحرم من محاذاة أبعدِهما) عن مكة، وهو الأقرب إليه، وليس له الانتظار إلى الوصول إلى محاذاة الأقرب؛ كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذا الحليفة ليحرم من الجُحْفة، والثاني: أنه يتخير؛ إن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما؛ لأنه لم يمرّ على ميقات منصوص عليه فتركه، وقد أحرم محاذيًا لميقات. (وإن لم يحاذ .. أحرم على مرحلتين من مكة) لأنه لا شيء من المواقيت أقلُّ مسافة من هذا القدر، قاله الإمام تخريجًا لا نقلًا (٢). والمراد بعدم المحاذاة: في علمه لا في نفس الأمر؛ لأن المواقيت تعمّ جهات مكة، فلا بدّ أن يحاذي أحدها. (ومن مسكنه بين مكة والميقات .. فميقاته مَسكنُه) قريةً كانت أو حِلَّةً أو منزلًا منفردًا؛ لقوله ﵇ في الحديث المار بعد ذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ .. فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" (٣). (ومن بلغ ميقاتًا غيرَ مريد نُسُكًا، ثم أراده .. فميقاته موضعُه (ولا يُكلَّف العودَ؛ للحديث المار: "هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" (٤)، فدلّ على أن وجوب الإحرام من تلك المواقيت خاصّ بمن أراد

стр. 620

وَإِنْ بَلَغَهُ مُرِيدًا .. لَمْ تَجُزْ مُجَاوَزَتُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، فَإِنْ فَعَلَ .. لَزِمَهُ الْعَوْدُ لِيُحْرِمَ مِنْهُ === النسك، وإذا لم يجب عليه الإحرام منها .. وجب من موضعه؛ لأنه الآن دون الميقات، فدخل في عموم قوله: "فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ .. فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ" (١). وفُهِمَ من قوله: (فميقاته موضعه) أنه لو جاوز موضعه غير محرم .. يلزمه دم، وهو كذلك. (وإن بلغه مريدًا .. لم تجز مجاوزتُه بغير إحرام) للحديث السابق، والمراد: مجاوزته إلى جهة الحرم، أما إذا جاوزه يمينًا أو شمالًا، وأحرم من مثل ميقات بلده أو أبعد .. جاز، قاله الماوردي، ومثَّله بالعراقي ينزل ذات عِرْف، ويعرج إلى ذي الحليفة، ولو عكس المدني .. لم يجز، وعليه دم؛ كذا نقله في "المهمات" معترضًا به على إطلاقهم (٢). قال في "التوسط": إذا أخذ عن يمين الميقات أو يساره .. لم يُقَل: جاوزه، وعبارة الماوردي: يعرج (٣)؛ فانتقاد مثل هذا غفلة. (فإن فعل .. لزمه العود ليُحرم منه) لأن الإحرام منه كان واجبًا عليه فتركه، وقد أمكنه تداركُه، فيأتي به، وإذا عاد .. فلا دم عليه. وكلامه يوهم تعين العود إليه، وليس كذلك، بل لو عاد إلى مثل مسافته من ميقات آخر .. جاز، قاله ابن المَرْزُبان والماوردي والإمام وغيرهم، قال الإسنوي: (ويؤيده أن المفسد لمَّا أوجبوا عليه القضاءَ من الميقات الذي أحرم منه في الأداء .. قالوا: إنه يجوز له تركه، والإحرام من مثل مسافته من موضع آخر، حتى ادعى في "زيادة الروضة" عدمَ الخلاف) (٤). ويوهم أيضًا: وجوب تأخير الإحرام إليه، قال الإسنوي: وليس كذلك، بل إذا قلنا: بأن العود بعد الإحرام مُسقط للدم، وهو الصحيح - كما سيأتي - .. فله أن

стр. 621

إِلَّا إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفًا، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ .. لَزِمَهُ دَمٌ، وَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ .. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ عَادَ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ .. سَقَطَ الدَّمُ، وَإِلَّا .. فَلَا === يحرم، ثم يعود إلى الميقات محرمًا؛ لأن المقصود قطعُ المسافة محرمًا (١). (إلا إذا ضاق الوقت، أو كان الطريق مَخُوفًا) فلا يلزمه العود، لخوف الضرر، ويريق دمًا، وكذلك الحكم لو خاف الانقطاع عن الرُّفقة، أو على ماله لو تركوه، أو كان به مرض شاقّ؛ لما ذكرناه. (فإن لم يَعُد .. لزمه دم) لقول ابن عباس: (من نسي من نسكه شيئًا أو تركه .. فليهرق دمًا) رواه مالك في "الموطأ" (٢). وشرط وجوب الدم: أن يحرم إما بالعمرة مطلقًا، وإما بالحج في تلك السنة؛ فإن لم يحرم أصلًا .. لم يلزمه شيء؛ لأن الدم إنما يجب لنقصان النسك، ولا يجب بدلًا عن النسك، حكاه في "المهمات" عن الماوردي وغيره (٣). وإن أحرم بالحج بعد انقضاء تلك السنة .. لم يلزمه شيء أيضًا؛ كما حكاه في "شرح المهذب" عن الدارمي، وفي "الكفاية" عن القاضي الحسين والبغوي (٤). والفرق بين الحج والعمرة: أن إحرام هذه السنة لا يصلح لحجّ سنة قابلة، بخلاف العمرة، فإنه لا يتأقت وقت إحرامها. وقد يستثنى من إطلاقه: ما لو مرّ العبد بالميقات غيرَ محرم مريدًا للنسك، ثم عَتَقَ قبل الوقوف .. فإنه لا دم عليه على الصحيح. (وإن أحرم ثُمَّ عاد .. فالأصح: أثه إن عاد قبل تلبسه بنُسُك .. سقط الدم) لقطعه المسافةَ من الميقات محرمًا، وأداء المناسك بعده. (وإلا .. فلا) أي: وإن لم يعد إلا بعد تلبسه بنسك .. لم يسقط، سواء كان ذلك النسك ركنًا؛ كالوقوف، أو سنةً؛ كطواف القدوم؛ لتأدية ذلك النسك بإحرام ناقص.

стр. 622

وَالأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ الْمِيقَاتِ. قُلْتُ: الْمِيقَاتُ أَظْهَرُ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ === وكان ينبغي التعبير بالمذهب؛ فإن الخلاف طريقان، الذي قطع به الجمهور: التفصيل المذكور. وقيل: قولان، وقيل: وجهان، وجه عدم السقوط تأكدُ الإساءة؛ لإنشاء الإحرام من غير موضعه، وحيث سقط الدم بالعود لا تكون المجاوزة حرامًا على الأصحِّ في "البيان"، وحكاه عنه في "شرح المهذب"، وأقره (١)، وبه جزم الروياني. وقال المَحاملي في "التجريد": شرطُ انتفاء التحريم: أن تكون المجاوزة بنية العود، قال في "المهمات": ولا بدّ منه. وظاهر كلام المصنف يقتضي: أن الدم وجب، ثم سقط بالعود، وهو وجهٌ في "الحاوي"، وصحح - أعني: الماوردي - أنه لا يجب إلا بفوات العود (٢). (والأفضل: أن يُحرم من دُوَيْرةِ أهله) لأنه أكثر عملًا، ولأن عمر وعليًّا ﵄ فسرا إتمام الحج والعمرة في الآية الكريمة بأن يحرم بهما من دُوَيْرة أهله (٣). (وفي قول: من الميقات) تأسيًا به ﷺ ، فإنه أحرم في حجة الوداع منه بالإجماع، وكذا في عمرة الحديبية؛ كما رواه البخاري في (كتاب المغازي) (٤)، ولأنه أقلّ تغريرًا بالعبادة؛ لما في المحافظة على واجبات الإحرام من المشقة. (قلت: الميقات أظهر، وهو الموافق للأحاديث الصحيحة، والله أعلم) ونقله في "شرح المهذب" عن تصحيح الأكثرين والمحققين (٥)، بل أطلق جماعة: الكراهة على تقديم الإحرام على الميقات.

стр. 623

وَمِيقَاتُ الْعُمْرَةِ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الْحَرَمِ: مِيقَاتُ الْحَجِّ، وَمَنْ بِالْحَرَمِ: يَلْزَمُهُ الْخُرُوجُ إِلَى أَدْنَى الْحِلِّ وَلَوْ بِخَطْوَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَأَتىَ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ .. أَجْزَأَتْهُ فِي الأَظْهَرِ وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَلَوْ خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ بَعْدَ إِحْرَامِهِ .. سَقَطَ الدَّمُ عَلَى الْمَذْهَبِ === (وميقات العمرة لمن هو خارجَ الحرم: ميقاتُ الحج) لقوله ﵇ في الحديث المار: "مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" (١). (ومن بالحرم) مكيًّا وغيره (: يلزمه الخروج إلى أدنى الحِلِّ ولو بخُطوة) من أيِّ جهةٍ شاء من جهات الحرم؛ لأنه ﵇ أرسل عائشة بعد قضاء الحج إلى التنعيم فاعتمرت (٢)، فلو لم يكن الخروج واجبًا .. لاعتمرت مكانها؛ لضيق الوقت. وقوله: (ولو بخطوة) قد يوهم أن الخُطوة أقلُّ ما يكفي، وليس كذلك، فلو قال: (ولو بقليل)، أو اكتفى بقوله: (إلى أدنى الحلّ) .. لكان أولى. (فإن لم يخرج، وأتى بأفعال العمرة .. أجزأته في الأظهر) لانعقاد إحرامه، وإتيانه بعده بالواجبات (وعليه دم) لتركه الإحرام من الميقات، والثاني: لا يجزئه؛ لأن العمرة أحدُ النسكين، فيشترط فيه الجمع بين الحلّ والحرم؛ كما في الحاج؛ فإنه لا بدّ له من عرفة، وهي من الحلّ. وقال في "الأم" بعد ذكره القولين: إن هذا أشبههما (٣)، وعلى القولين: فإحرامه منعقد، ونقل الإمام الاتفاق عليه (٤)؛ وحينئذ فيبقى على إحرامه حتى يخرج إلى الحلّ، ثم يطوف ويسعى ويحلق، وقيل: القولان في انعقاده، وهو مؤولٌ. (فلو خرج إلى الحِلِّ بعد إحرامه) وقبل الطواف والسعي ( .. سقط الدم على المذهب) ولا يتخرج على الخلاف المارّ في عود مَنْ جاوز الميقات إليه محرمًا؛ لأن المسيء من انتهى إلى ميقات مريدًا للنسك، ثم جاوزه، ولم يوجد هنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، وهذا ما أورده الجمهور.

стр. 624

وَأَفْضَلُ بِقَاعِ الْحِلِّ الْجِعْرَانَةُ، ثُمَّ التَّنْعِيمُ، ثُمَّ الْحُدَيْبِيَةُ. === والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف المذكور؛ فعلى المذهب: الواجب خروجُه إلى الحدّ قبل الأعمال إما في ابتداء الإحرام وإما بعده، بل نصَّ المحاملي في "المجموع"، والجرجاني في "التحرير" على أنه يستحب فعلُه قبل الخروج، واستُغرب. وعلى القول بعدم سقوطِ الدم فالواجبُ: الخروج في ابتداء الإحرام. وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين خروجه إلى الحلّ للنسك، أو لشغل، وبه قال القفال والبغوي. وتعبيره بالسقوط: أرأد به عدمَ الوجوب، وعبارة "المحرر": (لم يلزمه دم)، وعبارة "البيان": (لا شيء عليه) (١). (وأفضل بقاع الحِلِّ الجِعْرانة) لمن أراد الاعتمار؛ لإحرامه ﵇ منها، متفق عليه (٢)، (ثم التنعيم) لأنه ﵇ أمر عائشة بالاعتمار منه؛ كما مر (٣)، (ثم الحُدَيبية) لأنه ﵇ صلَّى بها، وأراد المدخل لعمرته منها بعد أن أحرم بها من ذي الحليفة فصُدَّ؛ كما رواه البخاري في غزوة الحديبية (٤). وليس التفضيل المذكور لبعد المسافة، وإنما قدَّم الأصحابُ ما فعله، ثم ما أمر به، ثم ما همَّ به؛ أي: من سلوك تلك الطريق لا همّه بالإحرام؛ لما مرّ من أنه أحرم بذي الحليفة (٥). ويستحب لمن أحرم من بلده، أو من مكة: أن يَخرج عقب إحرامه، ولا يمكث بعده؛ كما نقله الشيخ أبو حامد عن النصِّ. * * *

стр. 625

بابُ الإحرام يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا؛ بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا؛ بِأَلَّا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الإِحْرَامِ، وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ: الإِطْلَاقُ. فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ .. صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالأَعْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ .. فَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ عُمْرَةً، فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ. وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ، === (باب الإحرام) الإحرام: هو الدخول في حجّ أو عمرة، أو فيهما، أو فيما يصلح لهما، ولأحدهما، وهو المطلق. (ينعقد معينًا؛ بأن ينوي حجًّا أو عمرة أو كليهما) بالإجماع (ومطلقًا؛ بألا يزيد على نفس الإحرام) لأنه أحد ما قيل في إحرامه ﷺ . (والتعيين أفضل) لأنه أقرب إلى الإخلاص، وليعرف ما يدخل عليه، (وفي قول: الإطلاق) ليتمكن من صرفه إلى ما يخاف فوته. (فإن أحرم مطلقًا في أشهر الحجّ .. صرفه بالنية) لا باللفظ (إلى ما شاء من النسكين أو إليهما ثمَّ اشتغل بالأعمال) ولا يجزئ العمل قبل الصرف بالنية، ومحل صرفه لما شاء منهما: إذا صلح الوقت لهما، فلو ضاق الوقت، وخاف فوت الحج، أو فات .. صرفه إلى العمرة، قاله الروياني (١). (وإن أطلق في غير أشهره .. فالأصح: انعقاده عمرة، فلا يصرفه إلى الحجّ في أشهره) لأن الوقت لا يقبل غير العمرة، والثاني: ينعقد مبهمًا، فله صرفه إلى حجّ أو قران في أشهره، فإن صرفه إلى الحجّ قبل أشهره .. كان كمن أحرم بالحج قبل أشهره، فينعقد عمرةً. (وله أن يحرم كإحرام زيد) لأن أبا موسى أهلّ بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله

стр. 626

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا .. انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا - وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ عَدَمَ إِحْرَامِ زَيْدٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ - وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا .. انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِهِ بِمَوْتهِ .. جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ. === عليه وسلم فلما قدم أخبره، فقال: "أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ"، وكذا فعل علي ﵁، وكلاهما في "الصحيحين" (١). نعم؛ لو علق على إحرام زيد في المستقبل، أو على طلوع الشمس، ونحوه .. ففيه وجهان، وميل الرافعي إلى الجواز (٢). (فإن لم يكن زيد محرمًا .. انعقد إحرامه مطلقًا) لأنه قصدُ الإحرام بصفة خاصة، فإذا بطلت الصفة .. بقي أصلُ الإحرام، (وقيل: إن علم عدمَ إحرام زيد .. لم ينعقد) كما لو علَّق، فقال: إن كان محرمًا .. فقد أحرمت، فلم يكن محرمًا، والفرق على الأول: أنه هنا جازم بالإحرام، بخلاف ما إذا علَّق. (وإن كان زيد محرمًا .. انعقد إحرامُه كإحرامه) من حجّ، أو قران، أو عمرة، أو إطلاق؛ لحديث أبي موسى المارّ، وقد يوهم كلامه: أنه لو أحرم زيد بعمرة بنية التمتع أنه يلزم عمرًا التمتع وليس كذلك، بل تلزمه العمرة فقط. ويستثنى من إطلاقه: ما إذا كان إحرام زيد فاسدًا .. فإنه ينعقد إحرامه مطلقًا على الأصحِّ في "زيادة الروضة" و"شرح المهذب" (٣). (فإن تعذر معرفةُ إحرامه بموته) أو جنونه، أو غيبته ( .. جعل نفسه قارنًا) بأن ينوي القران (وعمل أعمالَ النسكين) ولا يتحرى على المذهب؛ لأنه لا سبيل إلى الاطلاع على نية الغير. * * *

стр. 627

فَصْلٌ [في ركن الإحرام] الْمُحْرِمُ يَنْوِي وَيُلَبِّي، فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ .. لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ .. انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُسَنُّ: الْغُسْلُ لِلإِحْرَامِ، فَإنْ عَجَزَ .. تَيَمَّمَ، === (فَصْلٌ: المحرم ينوي) لحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١)، (ويلبي) مقترنًا بنيته؛ لنقل الخلف عن السلف لها، والنية محلّها القلب، وكيفيتها المستحبة: أن يقول بقلبه ولسانه: (نويت الحجّ، وأحرمت به لله ، لبيك اللهم لبيك ... ) إلى آخر التلبية، ولا تجب هنا نيةُ الفرضية جزمًا؛ لأنه لو نوى النفل .. لوقع عن الفرض، فلا فائدة في الإيجاب، ويستحب: استقبال القبلة عند الإحرام. (فإن لبَّى بلا نية .. لم ينعقد إحرامُه) لأن الأعمال بالنيات، (وإن نوى ولم يلبِّ .. انعقد على الصحيح) كالطهارة والصوم في عدم اشتراط اللفظ مع النية، والثاني: لا ينعقد؛ لإطباق الأمة عليها عند الإحرام، وكالصلاة لا تنعقد إلا بالنية والتكبير. (ويسن الغسل للإحرام) تأسيًا به ﵇؛ كما رواه الترمذي وحسنه (٢). بل يكره تركه؛ كما نصَّ عليه في "الأم" (٣)، وسواء في ذلك الحاجّ والمعتمر، والرجل والمرأة، والبالغ والصبي، والحائض والنفساء؛ لأن حكمته: التنظيف. ويندب أيضًا: أن يتنظف للإحرام بإزالة الشعور، والأظفار، والأوساخ، وغسل الرأس بسِدْر ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تقديم هذه الأمور على الغسل؛ كما في غسل الميت (٤). ويندب أيضًا: أن يُلبِّد الرجل شعره بصبغ ونحوه؛ لئلا يتولد فيه القمل، ويكون ذلك بعد الغسل. (فإن عَجَز .. تيمم) لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فاذا تعذر أحدهما .. بقي

стр. 628

وَلِدُخُول مَكَّةَ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ، وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلإِحْرَامِ، === الآخر، ولأنه ينوب عن الغسل الواجب؛ فالمندوب أولى. ولو ذكر المصنف هذه المسألة عقب جميع الأغسال الآتية .. لكان أولى؛ لشمول الحكم لكلّها. (ولدخول مكة) حلالًا كان أو محرمًا؛ للاتباع؛ أما في حال الإحرام .. فهو في "البخاري" (١)، وأما حال كونه حلالًا .. فذكره الشافعي في "الأم"، وقال: كان ذلك عام الفتح (٢). نعم؛ يستثنى: ما إذا خرج من مكة، فأحرم بالعمرة من مكان قريب؛ كالتنعيم، واغتسل لإحرامه، ثم أراد دخول مكة .. فلا يستحب الغسل، بخلاف ما إذا أحرم من مكان بعيد؛ كالجعرانة والحديبية، قاله الماوردي (٣)، وذكر الخفاف في "الخصال": أنه يستحب أيضًا: الغسل لدخول الحرم. (وللوقوف بعرفة، وبمزدلفة) على المشعر الحرام (غداةَ النحر، وفي أيام التشريق للرمي) لأنها مواضع اجتماع، فأشبه غسل الجمعة، ولا يستحب لرمي جمرة العقبة؛ اكتفاءً بما قبله (٤). (وأن يطيب بدنه للإحرام) للاتباع، متفق عليه (٥)، وسواء في استحبابه الذكر والأنثى، وفي قول: لا يستحب للمرأة؛ كذهابها إلى الجمعة، والفرق على الأول: أن زمان الجمعة ومكانها ضيقان، فلا يمكنها تجنب الرجال، بخلاف الإحرام. وتستثنى: المُحِدَّة؛ فلا يجوز لها أن تتطيب، وفي تحريم الطيب على المبتوتة وجهان؛ فعلى الجواز: ينبغي ألا يستحب لها.

стр. 629

وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ .. لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الأَصَحِّ، === (وكذا ثوبُه في الأصح) كالبدن، والثاني: المنع؛ لأن الثوب ينزع ويلبس، وإذا نزعه ثم أعاده .. كان كما لو استأنف لبسَ ثوب مطيب، فليحترز من ذلك على الوجه المصحح. وقضية كلامه: أن الخلاف في الاستحباب، والذي في "الشرحين"، و"الروضة" أنه في الجواز، وقال في "شرح المهذب": أنه لا يندب جزمًا، وأغرب المتولي فحكى فيه خلافًا، قال ابن الرفعة: وسبق المتولي القاضي الحسين، وصححه الإمام (١). وقال المصنف في "مناسكه الكبرى": الأولى: أن يقتصر على تطييب بدنه دون ثيابه، وأن يكون بالمسك، والأفضل: أن يخلطه بماء الورد أو نحوه؛ ليذهب جرْمه، وهذا الخلاف فيمن قصد تطييب الثوب، أما مَنْ طيب بدنه فتعطر ثوبُه .. فلا بأَس به قطعًا" (٢). (ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) كما في البدن، وفي "الصحيحين": عن عائشة ﵂: كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مَفرِق رسول الله ﷺ ، وهو محرم (٣)، والوبيص: بـ (الصاد) المهملة: البريق. ويستثنى: ما إذا لزمها الإحدادُ بعد الإحرام. (ولا بطيب له جِرْم) للحديث المذكور (لكن لو نزع ثوبه المطيبَ ثم لبسه .. لزمه الفدية في الأصح) كما لو أخذ الطيب من بدنه ثم رده إليه، والثاني: لا؛ لأن العادة في الثوب أن يخلع ويلبس، فجعل عفوًا.

стр. 630

وَأَنْ تَخْضِبَ الْمَرْأَةُ لِلإِحْرَامِ يَدَيْهَا - وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ - وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ === (وأن تَخْضِب المرأة للإحرام يديها) إلى الكوعين بالحِنَّاء، وكذلك وجهها، خليةً كانت أو مزوجة، شابة أو عجوزًا، لما روي عن ابن عمر ﵄: أن ذلك من السنة (١)، والمعنى فيه: ستر لونها، وإنما يستحب التعميم دون التطريف والتنقيش، والتسويد. واحترز بالمرأة: عن الرجل؛ فإنه يحرم عليه ذلك إلا لضرورة؛ كما قاله في (باب العقيقة) من "الروضة": والخنثى كالرجل؛ كما قاله في "شرح المهذب" هنا (٢)؛ للاحتياط. (ويتجردُ الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب (وغيرها؛ كالنعال والخفاف، إذ ليس للمحرم لبس المخيط؛ كما سيأتي، وهذا التجرد واجب؛ كما جزم به الرافعي في "الشرح الكبير"، والمصنف في "شرح المهذب" (٣)، لكن قضية كلام "الشرح الصغير" و"المحرر" و"الروضة": أنه مندوب، وصرح به في "المناسك" (٤). ولفظة: (يتجرد) في كلام "الكتاب": إن قرئت بفتح (الدال) .. وافق أصلَه، وإن قرئت بضمها .. وافق الأولَ، ونقل عن أصل المصنف الضمّ، وفي الوجوب نظر؛ لأنه قبل الإحرام لم يحصل سبب الوجوب، وإنما إذا أحرم .. وجب عليه النزع، فلا يكون عاصيًا في نزعه، ويؤيده: جواز الإيلاج على المذهب لمن علَّق الطلاق بالوطئ، وقد ذكر الرافعي (في الصيد) أنه لا خلاف في أنه لا يجب عليه إزالتُه عن ملكه قبل الإحرام، ووافقه المصنف عليه (٥)، مع أن المدرك في المسألتين واحد. (ويلبسَ إزارًا ورداء) للاتباع (٦) (أبيضين) ندبًا؛ لما مرّ في الكفن، ويستحب:

стр. 631

وَنَعْلَيْنِ، ويُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ: يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ === أن يكونا جديدين؛ فإن لم يكونا .. فنظيفين، ويكره المصبوغ، (ونعلين) للأمر به (١)، وهما التاسومة. (ويصليَ ركعتين) للاتباع متفق عليه (٢)، ويقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (الإخلاص). قالا: ولو كان إحرامه في وقت فريضة .. أغنت عنهما، وفي "الكفاية" عن القاضي: أن السنة الراتبة كذلك (٣). (ثم الأفضل: أن يُحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجَّه لطريقه ماشيًا) لأنه ﵇ كان إذا وضع رجله في الغَرْز، وانبعثت به راحلتُه قائمةً .. أهلَّ من ذي الحليفة، متفق عليه (٤). ومعنى (انبعثت): استوت قائمة، وفي "مسلم" من حديث جابر: أمرنا رسول الله ﷺ لمَّا أهللنا أن نحرم إذا توجهنا (٥). (وفي قول: يحرم عقب الصلاة) جالسًا؛ لحديث ابن عباس: أنه ﵇ أهل في دُبُر الصلاة، رواه أبو داود، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٦)، وفي قول: إنهما سواء. ويستثنى: الإمام؛ فإنه يستحب له أن يخطب يوم السابع بمكة، ويستحب: أن يحرم قبل الخطبة، قاله الماوردي (٧)، مع أن سيره لأداء النسك إنما يكون في اليوم

стр. 632

وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صوْتهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِهِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُفْقَةٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَفِي الْقَدِيمِ: تسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ، === الذي بعده، قال الأَذْرَعي: لكن إطلاق غيره ينازعه، وقال في "شرح المهذب": ما قاله الماوري غريب، ومحتمل (١). (ويستحب إكثار التلبية) لأنه ﵇ لزم تلبيته: (لبيك اللهم لبيك ... ) إلى آخره، رواها مسلم (٢)، ولأنها شعار الحج. (ورفع صوته بها) بحيث لا يجهد نفسه، ولا يقطع صوته (في دوام إحرامه) للأمر به، صححه الترمذي وابن حبان (٣). واستثنى الشيخ أبو محمد: التلبيةَ المقترنة بالإحرام، فإنه لا يجهر بها، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره (٤)، وقول المصنف: (في دوام إحرامه) قد يشير إليه. ويستحب للملبي: إدخال إصبعيه في أذنيه عند التلبية، ذكره ابن حبان في "صحيحه" (٥)، واستدل له بفعل موسى ﵇، وهذا كلّه في الرجل، أما المرأة .. فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها، والخنثى كالمرأة. (وخاصةً عند تغاير الأحوال، كركوب ونزول، وصعود وهبوط، واختلاط رِفْقة) ونحوها؛ كإقبال الليل والنهار، والفراغ من الصلاة؛ اقتداءً بالسلف الصالح في ذلك. (ولا تستحب في طواف القدوم) لأنه جاء فيه أدعية وأذكار خاصة، فصار كطواف الإفاضة والوداع، (وفي القديم: تستحب فيه بلا جَهْر) لإطلاق الأدلة، والخلاف فيه جارٍ في السعي بعده.

стр. 633

وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ .. قَالَ: (لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ) .. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ .. صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، === واحترز بـ (طواف القدوم): عن طواف الإفاضة والوداع، فلا يستحب فيهما قطعًا. (ولفظها: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك") للاتباع، متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄ (١). ويستحب: ألا يزيد على هذه الكلمات، وأن يكررها، فإن زاد .. لم يكره، كذا قالاه (٢)، لكن نصَّ في "الأم" على أنه يستحب مع ما سلف: (لبيك إله الحقّ)، وهذه الزيادة أخرجها النسائي، وصححها ابن حبان (٣). ويستحب: أن يقف وقفةً لطيفة عند قوله: (والملك). والأفصح: كسر الهمزة من (إن) على الاستئناف، ويجوز فتحها على معنى لأن. والمشهور: نصب (النعمة)، ويجوز رفعها. (وإذا رأى ما يعجبه) أو يهمه ( .. قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة") للاتباع، كما رواه الشافعي في "الأم" بسند صحيح (٤)، والمعنى: أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة. ومن لا يحسن التلبيةَ بالعربية يلبي بلسانه. (وإذا فرغ من تلبيته .. صلَّى على النبي ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ معناه: لا أُذكَر إلا تُذكَر معي.

стр. 634

وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ. === (وسأل الله تعالى الجنةَ ورضوانه، واستعاذ به من النار) للاتباع؛ كما رواه الدارقطني والبيهقي (١)، لكن الجمهور - كما قاله في "شرح المهذب" - ضعفوا الحديث (٢). * * *

стр. 635

بابُ دخول مكة الأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوىً، وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ، === (باب دخول مكة) زادها الله شرفًا مكة أفضل الأرض عندنا خلافًا لمالك في تفضيل المدينة. ومحل الخلاف: في غير موضع قبر النبي ﷺ ، أما هو .. فهو أفضلُ الأرض بالإجماع؛ كما نقله القاضي عياض (١)، وبيت خديجة الذي بمكة أفضل موضع منها بعد المسجد الحرام، قاله المحب الطبري (٢). (الأفضل: دخولها قبل الوقوف) للاتباع (٣)، ومحله: ما لم يخش فوتَ الوقوف. (وأن يغتسل داخلُها من طريق المدينة بذي طَوىً) للاتباع، متفق عليه (٤)، والداخل من غير طريق المدينة يغتسل من نحو مسافته. وطوى: مثلث الطاء، والفتح أجود، وسمي بذلك: لاشتماله على بئر مطوية بالحجارة؛ يعني: مبنية بها، والطّيُّ: البناء. (ويدخلها من ثنية كَداء) بفتح الكاف والمد، وإذا خرج .. خرج من ثنية كُدىً بالضم والقصر؛ للاتباع (٥). وقضيته: اختصاصُ استحباب الدخول منها بالداخل من طريق المدينة، وهو ما جزم به في "المحرر"، ونقله في "الشرح الكبير" عن الأصحاب، قالوا: وإنما
следующие страницы →