← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132963

النكت على صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (606 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

وهو إمام كبير، له تصانيف في الحديث والفقه، من رؤساء أصحاب ابن عُيَيْنَة، وصحب الشافعي، وأخذ عنه الفقه، ورافقه في طلب الحديث، وفِي الرحلة إلَى مصر، ورجع بعد وفاته إلَى مكة فأقام بِها إلَى أن مات سنة تسع عشرة ومائتين. وقدم المصنف الرواية عن الحُميدي؛ لأنه قرشي مكي، وشيخه ابن عُيينة مكي، إشارة إلَى العمل بقوله ﷺ : "قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَقَدَّمُوهَا" (١)، وإشعارًا بأفضلية مكة عَلى غيرها من البلاد، ولأن ابتداء الوحي كَانَ منها؛ فناسب أن يبدأ بالرواية عن أهلها في أول بدء الوحي، ومن ثَمَّ ثنى بالرواية عن مالك؛ لأنه فقيه الحجاز مع سُفيان، ولأن المدينة تلو مكة في الفضل، وقرينتها في نزول الوحي. قوله: (عن سفيان) كذا [٢٦/ ب] في رواية أبي ذر، ولغيره: "ثَنا سفيان"، وهو ابن عُيينة بن أبي عمران أبو مُحَمَّد الهلالي الكوفي نزيل مكة، قالَ الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.

стр. 142

وكان سفيان يقول: إنه سمع من سبعين من التابعين، وهو آخر من روى عن الزُّهْري من الثقات، مات في رجب سنة ثمانٍ وتسعين ومائتين، فبدأ البُخَاريّ [به] (١). قوله: (ثَنا يَحيى بن سعيد الأنصاري) اسم جده: قيس بن عمرو، وهو من صغار التابعين، وشيخه مُحَمَّد بن إبراهيم التَّيْمي من آل الصديق، وهو تابعي وسط، وشيخه علقمة بن وقاص الليثي تابعي كبير. ففي الإسناد عَلى هذا ثلاثة من التابعين، روى بعضهم عن بعض، وَعَلى رواية أبي ذر يكون اجتمع في الإسناد أكثر الصيغ، وهي: التحديث والإخبار والسماع والعنعنة. قوله: (سمعت عمر بن الخطاب عَلى المنبر يقول). قَالَ مُحَمَّد بن إسماعيل التَّيْمي: لما كَانَ الكتاب معقودًا عَلى أخبار النبي ﷺ ، طلب المصنف تصديره بأول شأن الرسالة، وهو الوحي، ولم ير أن يقدم عليه شيئًا، لا خطبة ولا غيرها، بل أورد حديث الأعمال بالنيات بدلًا من الخطبة. قُلْتُ: ولهذه النُّكْتَة اختار سياق هذه الطريق؛ لأنها تضمنت أن عمر خطب بهذا الحديث عَلى المنبر، فلما صَلُحَ أن يدخل في خطبة الناس (٢) كَانَ صالحًا أن يكون في خطبة الدفاتر، فكأنه قالَ: هذا كتاب قصدت به جمع حديث رسول الله ﷺ ، وقد قَالَ: "إنما الأعمال بالنيات"، فإن كُنْتُ قصدتُ به وجه الله فَسَيُجزيني عليه ويُنْتَفع به، وإن كُنْتُ قصدتُ به غَرضًا من أغراض الدُّنْيَا فسيجازيني بنيتي؛ ولهذه النكتة حذف الجملة الدالة عَلى التزكية المحضة، وهي قوله: "فمن كانت هجرته إلَى الله ورسوله فهجرته إلَى الله ورسوله". وبقي الجملة المفردة، وهي قوله: "فهجرته إلَى ما هاجر إليه"، نبه عَلى ذَلِكَ بعض حفاظ الأندلس، وهو دقيق، وقد بسطته في الشرح الكبير (٣).

стр. 143

وإذ تقرر أنه أقام هذا الحديث بدلًا من الخطبة [٢٧/ أ]، ومن حق الخطبة أن يذكر المصنف فيها اصطلاحه، وكان من رأيه تجويز الرواية بالمعنى، والاختصار من الحديث، والاقتصار عَلى دلالة الإشارة غالبًا؛ فاستعمل جميع ذَلِكَ في هذا الحديث. فإن قيل: ولِمَ لَم يبدأ الخطبة بالْحَمد؟ فالجواب: إن المقصود من الحمد: ذكر الله، وقد وجد بالبسملة، وكذا بالآية الأخرى الَّتِي في الترجمة. قوله: (إنّما الأعمالُ بالنيات) هذا التركيب يُفيد الحصر بلا خلاف بين المحققين، والحصرُ: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه. وإنما اختلفوا في "إنَّما" هل تُفيد الحصر أو تأكيد الإثبات؟ وَعَلى إفادته؛ هل تُفيد النفي بالمنطوق أو بالمفهوم؟ إلَى غير ذَلِكَ من المباحث. والمختار: أنها تُفيد الحصر، لكن قد يصحبها قرائن تدل عَلى إفادتها حصرًا مخصوصًا. والأعمال: جمع عمل، وهي في مقابلة الأقوال، والمراد: إعمال البدن؛ لأن النية عمل القلب، وليس بمرادٍ لئلا يلزم الدور. والنيات: جمع نية، وهي: انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع أو دفع ضر حالًا ومآلًا. قاله القاضي ناصر الدين البَيْضَاوي، قَالَ: وهذا اللفظ متروك الظاهر؛ لأن الذوات غير منتفية، فيعني أن تقدير: "إنَّما الأعمال بالنيات": لا عمل إلا بنية، والفرض أن ذات العمل الخالي عن النية موجودة، قَالَ: فالمراد نفي أحكامها كالصحة والفضيلة، قَالَ: والحملُ عَلى نفي الصحة أولَى؛ لأنه أشبه بنفي الشيء بنفسه، ولأن اللفظ يدل عليه بالتصريح عَلى نفي الذوات، وبقيت دلالته بالتبع عَلى نفي الصفات. قُلْتُ: وهذا المحل يحتمل البسط، وقد أكثر الحُذَّاق من الكلام فيه، فاقتصرتُ عَلى كلام هذا القاضي لجودته وتحقيقه. واستدل الطيبي عَلى صحة ما ذهب إليه من أن المقدَّر الصحة؛ بأن التقدير لو

стр. 144

كَانَ بـ: "مستقر" أو "حاصل"؛ لكان بيانًا للغة، والنبي ﷺ بُعث لبيان الشرع، فرجح جانب الحمل عَلى تقدير الصحة، ويتقوى أيضًا بأن "إنما" لا يخاطب بِها إلا من عنده تردد في الشيء، والذين خوطبوا بذلك هم أهل اللسان، فتعين أنهم إنما خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قِبَل الشارع، وهو [٢٧/ب] الشرع، فتعين الحمل عَلى الشرع، والله أعلم. وهذا كله إذا أحدث الأعمال عَلى عمومها، فأما إذا قُلْت: المراد بالأعمال هنا: الأعمال الشرعية دون غيرها؛ فيصح تقدير: "تستقر وتوجد"، ونحو ذلِكَ. قوله: (وإنَّما لكل امرئ ما نَوى) هذا تأكيد للجملة الأولى ومقولها، ويحتمل أن يُراد من الأولَى: أن الأعمال لا تكون مسقطة للقضاء إلا إذا قارنتها النية، ومن الثانية: أنها إنما تكون مقبولة إذا قارنها الإخلاص. وَقَالَ الخَطَّابي: أفادت هذه الجملة تعيين العمل بالنية الجازمة، والأولَى أفادت أن الأعمال لا تعتبر إلا إذا كانت بنية. قوله: (فمن كانت هجرته إلَى دنيا يُصيبها) هو بالقصر بلا تنوين، والهجرة في الأصل: الترك، والمراد بِها هنا: ترك الوطن، وكان واجبًا عَلى من أسلم أن يُهاجر إلَى النبي ﷺ ، مفارقًا دار قومه، فلما فُتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجًا انقطعت هذه الهجرة، وبقيت الهجرة من دار الكفر عَلى حالها، وللهجرة معانٍ أُخَرُ ليست مرادة هنا، وسَيُشَار إلَى شيء منها بعد. وقد قدمنا النُّكتة في حذفه أحد وجهي التقسيم، وهو قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله"، فلم يجئ في شيء من الروايات، وغلط الشارح الدَّاوُودِي ومن تبعه في إثباتها، والله أعلم. قوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) ظاهره اتحاد الشرط والجزاء، وتغايرهما متعين، والجواب: أن تغايرهما لا يتعين باللفظ بل في المعنى، وحينئذٍ فيقدر أو يؤول، كما في قوله تعالَى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان: ٧١].

стр. 145

وأولَى ما قُدِّر في الحديث ما قَالَ أبو الفتح القُشَيري: فمن كانت هجرته لشيء نية وقصدًا فهجرته حكمًا وشرعًا. ويعرب قوله: "نية" عَلى التمييز لا عَلى الحال؛ إذ الحال في مثل هذا لا يُحذف، بخلاف التمييز فإنه يجوز حذفه إذا دلت عليه القرينة، أو يُحمل عَلى إرادة المعهود كقوله: * أنا أبو النجم وشعري شعري * إذ يؤول عَلى إقامة السبب مقام المسبب لاشتهار السبب، والله أعلم. وسنذكر في [٢٨/ أ] كتاب الإيمان بقايا من فوائد هذا الحديث إن شاء الله تعالَى.

стр. 146

٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂: أَن الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ﵁ سَأَل رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! كيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحْيَانًا يَأْتِيني مِثلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ -وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ- فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُني فَأَعِي مَا يَقُولُ". قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَلَقَدْ رَأَيْته يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ في الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِن جَبِينه لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. قوله: (حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف) هو: التِّنِّيسِيُّ، وهو من أَجَلِّ مَن يروي المُوَطَّأ عن مَالك. قوله: (أن الحارث بن هشام) هو: المَخْزُومِيُ ﵁، وهو أخو أبي جَهْل -لعنه الله-. قوله: (سأل) يُحتمل أنْ تكون عائشة حضرته إذْ سَأل عن ذَلِكَ، ويُحتمل أن يكون الحارث أخبرها بذلك وأَوْرَدته في هذه السِّياقة بصورة الإرسال فيُحكم له بِحُكم الوَصْل؛ لأنه عَلى الأول ظاهر الاتصال، وَعَلى الثاني مُرْسَلُ صحابيٍّ، وقد ثبت الثاني في مسند أحْمَد (١)، ومُعجم البَغَوي وغيرهما. قوله: (أحيانًا) مَنْصوب عَلى الظَّرْف. قوله: (يأتيني مثل صَلْصَلَة الجَرَس). يريد: أنه صَوت مُتَدارك يسمعه ولا يَتَبَيَّنه أول ما يَقْرعُ سمعه، ثم يفهمه بعد، ولهذا عَبَّر عنه بالشدة؛ لأنه يَشْغله عن حواسه، وفي حديث عُمر عند أبي داود (٢): "كُنَّا

стр. 147

نَسْمَعُ عِنْدَهُ مِثْلَ دَوِيِّ النَّحْلِ"، والفرق بينهما: أن الأول بالنسبة إلَى النبي ﷺ ، والثاني بالنسبة للصَّحابة، فافْتَرق النسبة بحسب المَقَامين. والصَّلْصَلة في الأصل: صوتُ وَقع الحديث بعضه عَلى بعض، ثم أُطْلِقت عَلى كل صوت له طَنِينٌ، وشبهه به نَظرًا إلَى مُماثلة الصوت مع قَطع النظر عن مُتعلقاته، وإلا فصوت الجَرَس نفسه يكره حسه. قوله: (فيُفْصَم) بضم أوله عَلى البناء عَلى مَا لَمْ يُسَمَّ فاعله، ولغير أبي ذَرٍّ بفتح أوله وكسر الصاد، أي: يَقْلِع، والفَصْم: القطع من غير بَينُونة بخلاف القَصْم بالقاف. قوله: (وَعَيْت) بفتح العين؛ أي: فَهِمْت، وهو مأخوذ من الوِعَاء؛ أي: جمعته كما يُجمع الشيء في الوِعَاء، وحَصَل من المجموع أنه لا يَفْهَمه ابتداء حَتى يُلْقِي إليه بالَهُ كُلَّه، وأنه لا يُقْلَع عنه إلا وقد فَهِم ما جاء به. ولم يتعرض في هذه الصورة لكيفية حامل الوحي؛ لأن السُّؤال إنما وَقَع عن الوحي نفسه، وإنما ذَكره في الثاني لتحقق أنه يشبه كلام الإنس. قوله: (رجلًا) أي: على مثال رجل، ومعناه: أن الملك ظهر للنبي ﷺ بتلك الصورة تأنيسًا. والزائد عَلى خلقه، إما أن يحتجب، وإما أن يضمحل ثم يعود [٢٨/ ب]، وأشار إلَى ذلِكَ ابن عبد السلام، والأول أولى. قوله: (فأعي ما يقول). وَقَالَ في الأول: "وقد وعيت ما قَالَ"؛ لأن الوعي حصل في الأول عقب المكالمة قبل الفَصْم، وفِي الثاني حصل حال المُكالمة، ولا يتصور قبلها. فإن قيل: بقي من صفات الوحي أشياء لم تُذكر: كالرؤيا الصالحة، والإلهام، والنَّفْث في الرُّوع، والكلام بلا واسطة كما في ليلة الإسراء، ومجيء الملك في صورته الَّتِي خُلق عليها؟ فالجواب: أن السؤال غير وارد؛ إذ لا صيغة حصر هنا، وَعَلى تقدير ذَلِكَ يجوز أن يكون في الرؤيا أيضًا لا يخرج في مجيئه بالوحي عن الصفتين المذكورتين، وأما ما عدا

стр. 148

ذَلِكَ فوقوعه نادر، وغالبه لم يتكرر فلم يذكره، أو أن المراد بالسؤال عن الوحي السؤال عن الموحى وهو القرآن، ومجيء الملك بالقرآن لا يخرج عن تلك الصفتين، والله أعلم. قوله: (قالت عائشة) هو معطوف عَلى الإسناد الأول بغير أداة عطف، وهو جائز كما قَالَ ابن مالك، وقد أكثر المصنف في هذا الكتاب من استعماله، وقد أخرجه مالك في "الموطأ" كذلك (١)، وأفرده مُسْلِم (٢) بالسياق مع أنه بسند الَّذِي قبله عنده أيضًا، فانتفى أن يكون من تعاليق البُخَاريّ كما جوزه الكرماني. وكلام عائشة هذا يؤيد ما روت عنه ﷺ من الشدة؛ لأن سيل العرق في اليوم الشديد البرد يدل عَلى حمل ثقل عظيم، كما قَالَ تعالَى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. وفي حديث عائشة أيضًا أنها في قصة الإفك: "فأخذه ما كَانَ يأخذه من البُرَحَاء" (٣)، وهو بضم الموحدة وفتح الراء والحاء المهملة، وهو: البُهْرُ (٤) بضم الموحدة وإسكان الهاء، والعرق مثل الَّذِي يحصل للمحموم. وفي حديث عبادة بن الصامت: "كَانَ إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وترَبَّد وجهه" (٥). وهو بالراء وتشديد الموحدة؛ أي: تغير لونه. وفِي حديث يَعْلَى بن أمية: "فرأيته وهو يَغَطّ" (٦).

стр. 149

وكل ذَلِكَ حيث لا يأتي الملك في صورة الرجل، أما حيث يأتي في صورة الرجل فلا؛ ففي حديث أبي هريرة في سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام أنه أتى في صورة أعرابي (١)، وفِي حديث أم سلمة أنها رأت جبريل في صورة دِحْيَة (٢)، إلَى غير ذَلِكَ من الأحاديث. وللحُميدي في "مسنده" (٣)، عن ابن عيينة، عن هشام في حديث الباب [٢٩/ أ]: "ويأتيني أحيانًا في مثل صورة الفتى فينبذه إلَيَّ فأعيه وهو أهونه عليَّ"، فتبين موقع أفعل في قوله: "وهو أشده عليَّ". وفي هذا الحديث من الفوائد: أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين، وأن الصحابة كانوا يسألون النبي ﷺ عن الأمور الَّتِي لا تُدرك بالحس فيخبرهم بِها ولا ينكر ذَلِكَ عليهم. قوله: (ليتفصد) بالفاء، أي: يسيل منه العرق كما يسيل الدم بالفصد، ومن قاله بالقاف فقد صحف. و (عرقًا): منصوب عَلى التمييز. * تنبيه: قَالَ الإسماعيلي: كَانَ المناسب أن يقدم الحديث الذِي بعد هذا؛ لأنه أليق بالترجمة. وأقول: لا أثر للتقديم والتأخير هنا ولو لم تظهر المناسبة، فضلًا عن أنّا قدمنا أنه أراد البداءة بالتحديث عن إمامي الحجاز، فبدأ بمكة وثنى بالمدينة، ولا يلزم أن تتعلق جَميع أحاديث الباب ببدء الوحي، بل يكفي أن يتعلق بذلك وبما يتعلق به وبما يتعلق بالآية أيضًا، فاندفع الاعتراض.

стр. 150

ثم ظهر لي جوابٌ آخر، وهو أن الأحاديث تتعلق بلفظ الترجمة وبما اشتملت عليه الترجمة، ولما كانت الترجمة اشتملت عَلى الآية الكريمة، وهي قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]. كَانَ تقديم ما يتعلق بالآية الكريمة، فهو صفة الوحي وصفة حامله، إشارة إلَى أن الوحي إلَى الأنبياء لا تباين فيه، فحسن إيراد هذا الحديث عقب حديث "الأعمال بالنيات" الَّذِي تقرر أنه يتعلق بالآية أيضًا تعلقا قويًّا، والله الموفق.

стр. 151

٣ - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمنينَ، أَنهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ في النَّوْمِ، فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجعُ إِلَى خَدِيْجَةَ، فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ في غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. قَالَ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّني حَتَى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُم أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: مَا أَنا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّني الثَّانِيَةَ حَتَى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ". فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂ فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي". فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي". فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَالله مَا يَحْزُنُكَ اللهُ أَبَدًا، إِنكَ لتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ -وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ في الْجَاهِلِيَّةِ، وَكانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكانَ شَيْخًا كبِيرًا قَدْ عَمِيَ- فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا ترى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ الله عَلَى مُوسَى ﷺ ، يَا لَيْتَنيَ فِيهَا جَذَعٌ، لَيْتَني أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ ". قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِن يُدْرِكْني يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ. قوله: (حَدَّثنَا يَحيى بن بكير) هو: يحيى بن عبد الله بن بُكَير، نُسب إلَى جَدِّه لشهرته بذلك، وهو من كبار حفاظ المصريين، وأثبت الناس في الليث بن سعد الفَهْمي فقيه المصريين.

стр. 152

و (عُقَيْل) بالضم عَلى التصغير، وهو من أثبت الرواة عن ابن شهاب: وهو أبو بكر مُحَمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زُهْرَة الفقيه، نسب إلَى جد جدِّه لشهرته. (الزُّهْرِي) نُسب إلَى جَدِّه الأعلى زُهْرَة بن كِلَاب، وهو من رهط آمنة أم النبي ﷺ ، اتفقوا عَلى إمامته وإتقانه. قوله [٢٩/ ب]: (من الوحي) يحتمل أن تكون تبعيضية؛ أي: من أقسام الوحي، ويحتمل أن تكون بيانية، ورجحه القزاز. و(الرؤيا الصالِحة) وقع في رواية مَعْمَر، ويونس عند المصنف (١): "الصادقة" وهي الَّتِي ليس فيها ضِغْث، وبدئ بذلك ليكون تَمهيدًا وتوطئة لليقظة، ثم مهد له في اليقظة أيضًا رؤية الضوء، وسماع الصوت، وسلام الحجر. قوله: (في النوم) لزيادة الإيضاح، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لجواز إطلاقها مَجازًا. قوله: (مثل فلق الصبح) نصب "مثل" عَلى الحال؛ أي: شبيهة (٢) ضياء الصبح. قوله: (حبب) لم يسم فاعله لعدم تَحقق الباعث عَلى ذَلِكَ، وإن كَانَ كُلٌّ من عند الله، أو لينبه عَلى أنه لم يكن من باعث البشر، أو يكون ذَلِكَ من وحي الإلهام. و(الْخَلاء) بالمد: الخُلوة، والسر فيه: أن في الخلوة فراغ القلب لما يتوجه له. و(حراء) بالمد وكسر أوله، كذا في الرواية وهو صحيح، وفِي رواية الأصِيلي بالفتح والقصر، وقد حكي أيضًا، وحكي فيه غير ذَلِكَ جوازًا لا رواية، وهو: جبل معروف بمكة. و(الغار) نقب في الجبل، وجمعه: "غِيرَان". قوله: (فيتحنث) هِيَ بمعنى: يَتَحَنَّف؛ أي: يتبع الحَنِيفِيَّة، وهي: دين إبراهيم، والفاء

стр. 153

تبدل ثاء في كثير من كلامهم، وقد وقع في رواية ابن هشام في "السيرة": "يتحنف" (١) بالفاء، والتحنث: إلقاء الحنث (٢)، وهو الإثم، كما قيل: يتأثم ويتحرج ونحوهما. قوله: (وهو التعبد) هذا مدرج في الخبر، وهو من تفسير الزهري كما جزم به الطَّيِّبي، ولم يذكر دليله. نعم؛ في رواية المؤلف من طريق يونس عنه في التفسير (٣) ما يدل عَلى الإدراج. قوله: (الليالي ذوات العدد) متعلق بقوله: يتحنث، وإبهام العدد لاختلافه، وهو بالنسبة إلَى المدد الَّتِي يتخللها مَجيئه إلَى أهله، وإلا فأصلُ الخلوة قد عُرفت مدتها وهي شهر، وذلك الشهر كَانَ رمضان، رواه ابن إسحاق كما بينته في الشرح الكبير (٤). و"الليالي" منصوبة عَلى الظرف. و"ذوات" منصوبة أيضًا، وعلامة النصب فيها كسر التاء. و"ينزع" بكسر الزاي، أي: يرجع وزنًا ومعنى، ورواه المؤلف بلفظه [٣٠/أ] في التفسير (٥). قوله: (لمثلها) أي: الليالي. و"التزود": استصحاب الزاد، ويتزود معطوف عَلى يتحنث. و"خديجة": هِيَ أم المؤمنين بنت خُويلد بن أسد بن عبد العُزَّى بن قُصَيّ، يأتي أخبارها في مناقبها. قوله: (حَتَّى جاءه الحق) أي: الأمر، وفِي التفسير (٦): "حَتَّى فجئه الحق" بكسر الجيم، أي: بغتة. قوله: (فجاءه) هذه الفاء تُسمى التفسيرية وليست التعقيبية، لأن مَجيء الملك ليس

стр. 154

بعد مجيء الوحي حَتَّى تعقب به، بل هو تفسير، ولا يلزم من هذا (١) أن يكون من باب تفسير الشيء بنفسه، بل التفسير عين المفسر به من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل. قوله: (ما أنا) "ما" نافية؛ إذ لو كانت استفهامية لم يصلح دخول الباء عليها، وإن حكي عن الأخفش جوازه فهو شاذ، و"الباء" زائدة لتأكيد النفي؛ أي: ما أُحْسِن القراءة، فلما قَالَ ذلكَ ثلاثًا، قيل له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي: لا تقرؤه بقوتك ولا بِمعرفتك، لكن بحول ربك وإعانته، فهو معلمك كما خلقك، وكما نزع عنك علق الدم ومغمز الشيطان في الصغر، وعلَّم أُمَّتك حَتى صارت تكتب بالقلم بعد أن كانت أُمِّيَّة. فإن قيل: فَلِمَ كرر ذَلِكَ؟ أجاب أبو شامة: بأنه يحتمل أن يكون قوله أولًا: "ما أنا بقارئ" عَلى الامتناع، وثانيًا: عَلى الإخبار بالنفي المحض، وثالثًا: عَلى الاستفهام، ويؤيده أن في رواية أبي الأسود في مغازيه عن عروة أنه قَالَ: "كيف أقرأ". قوله: (فغطني) بغين معجمة وطاء مهملة، وفِي رواية الطبري (٢): بتاء مثناة من فوق، كأنه أراد: ضَمَّني وعَصَرني، والغَطُّ: حبس النفس، ومنه: غَطَّه في الماء، أو: أراد غمني: ومنه: الخنق، ولأبي داود الطيالسي في "مسنده" بسند حسن: "فأخذ بحلقي" (٣). قوله: (حَتَّى بلغ مني الجهد) روي بالفتح والنصب (٤)؛ أي: بلغ الغط مني غايةَ وِسْعِي، وروي بالضم والرفع (٥)؛ أي: بلغ مني الجُهد مبلغه. وقوله: (أرسلني) أي: أطلقني، ولم يذكر الغط هنا في المرة الثالثة، وهو ثابت عند المؤلف في التفسير (٦).

стр. 155

قوله: (فرجع بِها) أي: بالآيات أو بالقصة. قو له: (فزمَّلُوه) أي: لَفُّوه، والرَّوْع -بالفتح-: الفزع. قوله: (لقد خشيت عَلى نفسي) دل هذا مع قوله: "يرجف [٣٠/ ب] فؤاده" (١) عَلى انفعال حصل له من مجيء الملك، ومن ثَمَّ قَالَ: زملوني. والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بِها عَلى اثني عشر قولًا: أولها: الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة، جاء مصرحًا به في عدة طرق أوضحتها في الشرح الكبير، وأبطله أبو بكر ابن العربي، وحُقَّ له أن يبطل. ثانيها: الهاجس، وهو باطل أيضًا؛ لأنه لا يستقر، وهذا استقر وحصلت بينهما المراجعة. ثالثها: الموت من شدة الرعب. رابعها: الوحي. خامسها: دوام الوحي. سادسها: العجز عن حمل أعباء النبوة. سابعها: العجز عن النظر إلى الملك من الرعب. ثامنها: عدم الصبر عَلى أذى قومه. تاسعها: أن يقتلوه. عاشرها: مفارقة الوطن. حادي عشرها: تكذيبهم إيّاه. ثاني عشرها: تعييرهم إيّاه. وأولَى هذه الأقوال بالصواب، وأسكنها من الارتياب: الثالث واللذان بعده، وما عداها فهو معترض، والله الموفق. قوله: (فقالت له خديجة: كلا) معناها: النفي والإبعاد.

стр. 156

و (يَحْزُنك) بفتح أوله والحاء المهملة والزاي المضمومة والنون: من الحُزْن، ولغير أبي ذر بضم أوله والخاء المعجمة والزاي المكسورة ثم الياء الساكنة: من الخِزْي، ثم استدلت عَلى ما أقسمت عليه (١) من نفي ذَلكَ أبدًا بأمر استقراري (٢)، ووصفته بمكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلَى الأقارب أو إلَى الأجانب وإمّا بالبدن أو بالمال، وإما عَلى من يستقل بأمره أو من لمَّا يستقل، وذلك كله مَجموع فيما وصفته به (٣). و(الكَلّ) -بفتح الكاف-: هو من لا يستقل بأمره، كما قَالَ تعالَى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]. وقولها: (وتكسب المعدوم) في رواية الكُشْمَيْهني: "ويُكسِبُ" بضم أوله، وعليها قالَ الخطابي: الصواب: المعدم (٤) بلا واو؛ أي: الفقر؛ لأن المعدوم لا يكسب. قُلْتُ: ولا يمتنع أن يطلق عَلى المعدم (٥) المعدوم؛ لكونه كالمعدوم الميت الَّذِي لا تصرف له، والكسب: هو الاستفادة، فكأنها قالت إذا رغب غيرك أن يستفيد مالًا موجودًا رغبت أنت أن تستفيد رجلًا عاجزًا فتعاونه. وقَالَ قاسم بن ثابت في "الدلائل": قوله: "يكسب المعدوم" معناه: ما يعدمه (٦) [٣١/ أ] غيره ويعجز عنه يصيبه (٧) هو ويكسبه، قالَ أعرابي (٨): كَانَ أكسبهم لمعدوم، وأعطاهم لمحروم، وأنشد في وصف ذئب: * كسوب المعدوم (٩) من كَسْبِ وَاحدٍ * أي: مما يكسبه وحده. انتهى

стр. 157

ولغير الكُشْمَيْهَني: "ويكسب" بفتح أوله، قَالَ القاضي عِيَاض: وهذه الرواية أصح. قُلْتُ: قد وجهنا الأولَى وهذه الراجحة، ومعناها تعطي الناس ما لا يجدونه (١) عند غيرك، فحذف أحد المفعولين، يقال: كسبت الرجل مالًا وأكسبته بمعنى، وقيل: معناه يكسب المال المعدوم ويصيب منه ما لا يصيب غيرك، وكانت العرب تتمادح بكسب المال لاسيما قريشًا، وكان النبي ﷺ قبل البعثة مَحظوظًا في التجارة، وقصته في ذَلِكَ مع خديجة مشهورة. وإنّما يصح هذا المعنى هناك إذا ضم إليه ما يليق به من أنه كَانَ مع إفادته للمال يجود به في الوجوه الَّتِي ذكرت من المكرمات. وقولها: (وتُعين عَلى نوائب الحق) هِيَ كلمة جامعة لإيراد ما تقدم ولما لَم (٢) يتقدم. وفي رواية المصنف في التفسير (٣) من طريق يونس، عن الزُّهري من الزيادة: "وتصدق (٤) في الحديث"، وهي من أشرف الخصال. وفِي رواية هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصة: "وتؤدي الأمانة" (٥). وفي هذه القصة من الفوائد: استحباب تأنيس من نزل به أمر بذكر تيسيره عليه وتهوينه لديه، وأن من نزل به أمر استحب له أن يُطْلع عليه من يثق بصحبته وصحة رأيه. قوله: (فانطلقتُ به) أي: مضيت معه، فالباء للمصاحبة. و(ورقة) بفتح الراء. قوله: (ابن عم خديجة) هو بنصب ابن (٦) وتُكتب بألف، وهو بدل من ورقة، أو صفة، أو بيان، ولا يجوز جره فإنه يصير صفة لعبد العُزى وليس كذلك، ولا كتبه بغير ألف؛ لأنه لم يقع عليه بين علمين.

стр. 158

قوله: (تَنَصَّر) أي: صار نصرانيًّا، وكان قد خرج هو وزيد بن عمرو بن نُفَيل لما كرها عبادة الأوثان إلَى الشام وغيرها يسألونَ عن الدين، فأما ورقة فأعجبه دين النصرانية فتنصر، وكان لقي من الرهبان عَلى دين عيسى ولم يبدل، ولهذا أخبر بشأن النبي ﷺ [٣١/ ب] والبشارة به، إلَى غير ذلِكَ مما أفسده أهل التبديل. وأما زيد بن عمرو فسيأتي خبره في المناقب (١) إن شاء الله تعالَى. قوله: (فكان يكتب الكتاب العبراني ويكتب من الإنجيل بالعبرانية). وفِي رواية يونس (٢) ومعمر: "ويكتب من الإنجيل بالعربية" (٣)، ولِمسلم: "وَكَانَ يكتب الكتاب العربي" (٤)، والجميع صحيح؛ لأن ورقة يعلم اللسان العبراني والكتابة العبرانية، فكان يكتب الكتاب العبراني كما كَانَ يكتب الكتاب العربي، لتمكنه من الكتابتين واللسانين، ووقع لبعض الشراح هنا خبط فلا يعرج عليه، وإنما وصفَتْه بكتابة الإنجيل دون حفظه؛ لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن منتشرًا كنشر (٥) حفظ القرآن الَّذِي خُصَّت به هذه الأمة، فلهذا جاء في صفتها: "أناجيلها صدورها". قوله: (يا ابن عم) هذا النداء عَلى حقيقته، ووقع في مُسْلِم: "يا عم" وهو وَهْمٌ؛ لأنه وإن كَانَ صحيحًا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد، فلا يحمل عَلى أنها قالت ذَلِكَ مرتين، فتعين الحمل عَلى الحقيقة، وإنما جوزنا ذَلِكَ فيما مضى في العبراني والعربي؛ لأنه من كلام الراوي في وصف ورقة واختلفت المخارج، فأمكن التعدد، وهذا الحكم يطرد في جَميع ما يشبهه. وقالت في حق النبي ﷺ : "اسمع من ابن أخيك"؛ لأن والده عبد الله بن عبد المطلب وورقة في عدد النسب إلَى قُصي بن كِلَاب الَّذِي يَجتمعان فيه سواء، فكان من هذه الحقيقة في درجة أخوته، أو قالته عَلى سبيل التوفيق له عليه.

стр. 159

وفيه إرشاد إلَى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه من يعرِّف بقدره من يكون أقرب منه إلَى المسئول، وذلك مستفاد من قول خديجة لورقة: اسمع من ابن أخيك، أرادت بذلك: أن يتأهب لسماع كلام النبي ﷺ ، وذلك أبلغ في التعظيم. قوله: (ماذا ترى؟ ) فيه حذف يدل عليه سياق الكلام، وقد صرح به في "دلائل النبوة" لأبي نُعيم بسند حسن إلَى عبد الله بن شداد في هذه القصة قَالَ: "فأتت به ورقة ابن عمها فأخبرته بالذي رأى" (١). قوله: (هذا الناموس الَّذِي نَزَّل الله عَلى مُوسَى). وللكُشْمَيْهَني: "أنزل الله"، وفِي التفسير: "أُنزِل" (٢) عَلى البناء للمفعول. وأشار بقوله هذا إلَى الملك الَّذِي ذكره النبي ﷺ [٣٢/أ] في خبره ونزله منزلة القريب لقرب ذكره. (والناموس): صاحب السر كما جزم به المؤلف في أحاديث الأنبياء (٣)، وزعم ابن ظفر وغيره أن الناموس: صاحب الخير (٤)، والجاسوس: صاحب سر الشر، والأول الصحيح الَّذِي عليه الجمهور، وقد سوَّى بينهما رؤبة بن العجاج أحد فصحاء العرب، والمراد بالناموس هنا: جبريل ﵇. وقوله: (عَلى موسى) ولم يقل: عَلى عيسى مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى مشتمل عَلى أكثر الأحكام بخلاف عيسى، وكذلك النبي ﷺ ، أو لأن موسى بُعث بالنقمة عَلى فرعون ومن معه بخلاف عيسى، وكذلك وقعت النقمة عَلى يد النبي ﷺ بفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل بن هشام ومن معه ببدر، أو قاله تَحقيقًا للرسالة؛ لأن نزول جبريل عَلى موسى متفق عليه بين أهل الكتابين بخلاف عيسى فإن كثيرًا من اليهود يُنكرونَ نبوته.

стр. 160

وأمَّا ما تحمل (١) له السُّهَيْلي من أن ورقة كَانَ عَلى اعتقاد النصارى في عدم نبوة عيسى ودعواهم أنه أحد الأقَانِيم فهو مُحال لا يعرج عليه في حق ورقة وأشباهه ممن لم يدخل في التبديل ولم يأخذ عمن بدَّل، عَلى أنه قد ورد عند الزُّبَيْر بن بَكَّار من طريق عبد الله بن مُعاذ، عن الزُّهري في هذه القصة أن ورقة قَالَ: "ناموس عيسى"، والأصح ما تقدم، وعبد الله بن معاذ ضعيف. نعم؛ في "دلائل النبوة" لأبي نُعيم بإسناد حسن إلَى هشام بن عروة، عن أبيه في هذه القصة: أن خديجة أولًا أتت ابن عمها ورقة فأخبرته، فقال: لئن كنت صدقتني إنه ليأتيه (٢) ناموس عيسى الَّذِي لا يُعَلِّمه بنو إسرائيل أبناءهم. فعلى هذا فكان ورقة يقول تارة: ناموس عيسى، وتارة: ناموس موسى، فعند إخبار خديجة له بالقصة قَالَ لَها: ناموس عيسى، بحسب ما هو فيه من النصرانية، وعند إخبار النبي ﷺ له قَالَ له: ناموس موسى للمناسبة الَّتِي قدمناها، وكلٌّ صحيح، والله أعلم. قوله: (يا ليتني فيها جذع). كذا رواية الأصِيلي، وعند الباقين: "يا ليتني فيها جَذَعًا" بالنصب عَلى أنه خبر كَانَ المقدرة، قاله الخطابي، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالَى: ﴿انْتَهُوا [٣٢/ب] خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وَقَالَ ابن بري: التقدير هنا: يا ليتني جعلت فيها جذعًا، وقيل: النصب عَلى الحال إذا جعلت فيها خبر ليت، والعامل في الحال ما يتعلق به الخبر من معنى الاستقرار، قاله السُّهَيْلي، فضمير "فيها" يعود عَلى أيام الدعوة. والجذع -بفتح الجيم والذال المعجمة-: هو الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون عند ظهور الدعاء إلَى الإسلام شابًا ليكون أمكن لنصره، ولهذا تبين سر وصفه بكونه كَانَ كبيرًا أعمى.

стр. 161

قوله: (إذ يُخرجك) قَالَ ابن مالك: فيه استعمالٌ "إذ" في المستقبل كـ"إذا"، وهو صحيح؛ وغفل عنه أكثر النحاة، وهو كقوله تعالَى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]. هكذا ذكره ابن مالك، وأقره عليه غير واحد. وتعقبه شيخنا شيخ الإسلام بأن النحاة لم يغفلوه، بل منعوا وروده، وأولوا ما ظاهره ذَلِكَ، وقالوا في مثل هذا: استعمل الصيغة الدالة عَلى المعنى لتحقق وقوعه فأنزلوه منزلته، ويقوي ذَلكَ هنا أن في رواية البُخَاريّ في التعبير: "حين يُخرجك قومك" (١). وعند التحقيق ما ادعاه ابن مالك فيه ارتكاب مجاز، وما ذكره غيره فيه ارتكاب مجاز، ومجازهم أولَى؛ لما ينبني عليه من أن إيقاع المستقبل في صورة المضي تحقيقًا لوقوعه أو استحضارًا للصورة الآتية في هذه دون تلك. وفيه دليل عَلى جواز تمني المستحيل إذا كَانَ في فعل خير؛ لأن ورقة تمنى أن يعود شابًّا وهو مستحيل عادة، ويظهر لي أن التمني ليس مقصودًا عَلى بابه، بل المراد من هذا: التنبيه عَلى صحة ما أخبره به، والتنويه بقوة تصديقه فيما يجيء به. قوله: (أوَ مُخْرِجيَّ هُمْ) بفتح الواو وتشديد الياء وفتحها، جمع: مُخْرج، و"هُمْ" مبتدأ مؤخر، و"مُخرجيّ" خبر مقدم، قاله ابن مالك، واستبعد النبي ﷺ أن يُخرجوه؛ لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج؛ لِمَا اشتمل عليه من مكارم الأخلاق الَّذِي تقدم من خديجة وصفتها (٢)، وقد استدل ابن الدُّغُنَّة (٣) بمثل تلك الأوصاف عَلى أن أبا بكر لا يُخرج. قوله: (إلا عُودِي) وفِي رواية يونس في التفسير: "إلا أوذي" (٤)، فذكر ورقة أن العلة في ذَلِكَ مَجيئه لهم بالانتقال عن [٣٣/أ] مألوفهم؛ ولأنه علم من الكتب أنهم لا يجيبونه إلَى ذَلِكَ؛ وأنه يلزمه لذلك مُنَاوَأتهم ومنابذتهم، فتنشأ العداوة من ثَمَّ. وفيه دليل عَلى أن المجيب يقيم الدليل عَلى ما يجيب به إذا اقتضاه المقام.

стр. 162

قوله: (وإن يُدركني يومك). "إن" شرطية، والَّذِي بعدها مجزوم، زاد في رواية يونس في التفسير: "حَيًّا" (١)؛ ولأبي إسحاق: "إن أدركت ذَلكَ اليوم"، يعني: يوم الإخراج. قوله: (مؤزَّرًا). بالهمزة؛ أي: قويًا، مأخوذ من الأَزْر: وهو القوة، وأنكر القزاز أن يكون في اللغة مُؤَزَّر من الأَزْر، وَقَالَ ابن شامة: يحتمل أن يكون من الإِزَار، أشار بذلك إلَى تشميره في نصرته. قَالَ الأخطل: قوم إذا حاربوا شدوا (٢) مآزرهم ... . . . . . البيت قوله: (ثم لَم ينشب). بفتح الشين المعجمة؛ أي: لم يَلْبَث (٣)، وأصل النُّشُوب: التعلق؛ أي: لم يتعلق بشيء من الأمور حَتَّى مات، وهذا بخلاف ما في السيرة لابن إسحاق: أن ورقة كَانَ يمر ببلال وهو يُعَذَّب، وذلك يقتضي أنه تأخر إلَى زمن الدعوة، وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام، فإن تمسكنا بالترجيح فما في الصحيح أصح، وإن لحظنا الجمع أمكن أن يُقال: الواو في قوله: "وفتر الوحي" ليست للترتيب، فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكرًا بعد ذَلِكَ في أمر من الأمور، فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلَى علمه لا إلَى ما هو الواقع. وفتور الوحي عبارة عن تأخره مدة من الزمان، وكان ذَلِكَ ليذهب ما كَانَ ﷺ وجده من الرَّوْع، وليحصل له التَّشَوُّف (٤) إلَى العَوْد، فقد روى المؤلف في التعبير (٥) من طريق معمر ما يدل عَلى ذَلكَ.

стр. 163

* فائدة: وقع في تاريخ أحمد بن حنبل، عن الشعبي: أن مدة فترة الوحي كانت ثلاث سنين، وبه جزم ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وَعَلى هذا فابتداء النبوة بالرؤيا وقع من شهر مولده وهو ربيع الأول، وابتداء وحي اليقظة وقع في بدء رمضان، وليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين وهي ما بين نزول ﴿اقْرَأْ﴾، و ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط.

стр. 164

٤ - قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله الأَنْصَارِيَّ، قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي، فَقَالَ- في حَدِيثِهِ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إِلى قَوْلهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ". تَابَعَهُ عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، وَأَبُو صَالِحٍ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: "بَوَادِرُهُ". قوله: (قَالَ ابن شهاب: وَأَخْبَرَنِي أبو سلمة). إنّما أتى بحرف العطف ليعلم أنه معطوف عَلى ما سبق، فكأنه قَالَ [٣٣/ ب]: أَخْبَرَنِي عروة بكذا، وَأَخْبَرَني أبو سلمة بكذا، وأبو سلمة هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وأخطأ من زعم أن هذا معلق. ودل قوله عن فترة الوحي وقوله (الملك الَّذِي جاءني بحراء) عَلى تأخر نزول: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، عن ﴿اقْرَأْ﴾، ولما خلت رواية يحيى بن أبي كثير الآتية في التفسير (١) عن أبي سلمة، عن جابر، عن هاتين الجملتين أشكل الأمر، فجزم ابن حزم بأن ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ أول ما نزل، ورواية الزُّهْري هذه الصحيحة ترفع ذَلِكَ الإشكال. قوله: (فرعبت منه) بضم الراء وكسر العين، وللأَصِيلي بفتح الراء وضم العين؛ أي: فزعت، دل عَلى بقية بَقيت معه من الفَزَع الأول ثم زالت بالتدريج. قوله: (فقلت: زملوني زملوني) وفي رواية كريمة: "زملوني" مرة واحدة، وفِي رواية يونس في التفسير: "فقلت: دثروني" (٢)، فنزلت ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]؛ أي:

стр. 165

حذر من العذاب من لم يؤمن بك، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]؛ أي: عَظِّم، ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ أي: من النجاسة، وقيل: الثياب: النفس، ويطهرها اجتناب النقائص، ﴿وَالرُّجْزَ﴾ هنا: الأوثان، كما سيأتي من تفسير الراوي عند المؤلف في التفسير (١)، والرجز في اللغة: العذاب، وسمى الأوثان هنا رجزًا؛ لأنها سببه. قوله: (فحمي الوحي) أي: جاء كثيرًا، وفيه مطابقة لتعبيره عن تأخره بالفتور؛ إذ لَم ينته إلَى انقطاع كلي فيوصف بالضد، وهو البرد. قوله: (وتتابع) تأكيد معنوي، وفِي رواية الكُشْميْهَني وأبي الوَقْت: "وتواتر"، والتواتر: مجيء الشيء يتلو بعضه بعضًا من غير خلل. قوله: (تابعه) الضمير يعود عَلى يحيى بن بكير (٢)، ومتابعة عبد الله بن يوسف عن الليث هذه عند المؤلف في قصة موسى (٣)، وفيه من اللطائف قوله: عن الزهري سمعت عروة. قوله: (وأبو صالِح) هو عبد الله بن صالح كاتب الليث، وقد أكثر البُخَاري عنه من المعلقات، وعلق عن الليث جملة كثيرة من أفراد أبي صالِح عنه، ورواية عبد الله بن صالح، عن الليث لهذا الحديث أخرجها يعقوب بن سفيان في "تاريخه"، عنه مقرونًا بيحيى بن بكير، ووهم من زعم أنه أبو صالح عبد الغفار بن داود الحَرَّاني. قوله: (وتابعه هلال بن رداد) بدالين مهملتين الأولى مثقلة، وحديثه في الزهريات [٣٤/ أ] للذهلي. قوله: (وَقَالَ يونس) يعني: ابن يزيد الأَيْلي. و(مَعْمَر) هو ابن راشد. (بوادره) يعني: أن يونس ومعمرًا رويا هذا الحديث عن الزهري فوافقا عُقَيْلًا

стр. 166

عليه، إلا أنهما قالا بدل قوله: "يرجف فؤاده": "ترجف بوادره" (١)، والبوادر: جمع بادرة، وهي اللحمة الَّتِي بين المنكب والعنق، تضطرب عند فزع الإنسان، فالروايتان مستويتان في أصل المعنى؛ لأن كلًّا منهما دال عَلى الفزع، وقد بيَّنا ما في رواية يونس ومعمر من المخالفة لرواية عُقَيْل غير هذا في أثناء السياق، والله الموفق.

стр. 167

٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكان مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾، قَالَ: جَمعهُ لَكَ صَدْركَ وَتَقْرَأَهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾: ثُمَّ إِنّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ كمَا قَرَأهُ. قوله: (ثَنَا موسى بن إسماعيل) هو أبو سلمة التَّبُوذَكي، وكان من حُفَّاظ البصريين. (ثَنَا أبو عوانة) هو الوَضَّاح بن عبد الله اليَشْكُري مولاهم البصري، كَانَ كتابه في غاية الإتقان. و(موسى بن أبي عائشة) لا يُعرف اسم أبيه، وقد تابعه عَلى بعضه عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير. قوله: (كَانَ مِما يعالج) (١) المعالجة: محاولة الشيء بمشقة؛ أي: كَانَ العلاج ناشئًا من تحريك الشفتين؛ أي: مبدأ العلاج منه و (ما) موصولة، وأُطلقت عَلى من يعقل مجازًا، هكذا قرره الكرماني وفيه نظر، لأن الشدة حاصلة له قبل التحريك، والصواب ما قاله ثابت السَّرَقُسْطي: أن المراد كَانَ كثيرًا ما يفعل ذلكَ، وورودهما في هذا كثير، ومن حديث الرؤيا: كَانَ مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا" (٢).

стр. 168

ومنه قول الشاعر: وأنا مِمَّا يضرب الكَبْشَ ضَرْبةً ... على وجهِه يُلقي اللِّسَانَ مِنَ الفَم قُلْتُ: ويؤيده أن رواية المصنف في التفسير من طريق جرير، عن موسى بن أبي عائشة لفظها: كَانَ رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي فكان مما يحرك به لسانه وشفتيه (١)، فأتى بهذا اللفظ مُجردًا عن تقدم العلاج الَّذِي قدره الكرماني، فظهر ما قاله ثابت. ووجهة ما قَالَ غيره: أن (من) إذا وقع بعدها (ما) كانت بمعنى: ربما، وهي تُطلق عَلى الكثير كما تُطلق عَلى القليل، وفِي كلام سيبويه مواضع من هذا، منها قوله: اعْلَم (٢) أنهم مما يحذفون كذا، والله أعلم. ومنه حديث البراء: "كنا إذا صلينا خلف النبي ﷺ مما يحب أن يكون عن يمينه" الحديث (٣). ومنه حديث سمرة: "كَانَ رسول الله ﷺ [٣٤/ ب] إذا صَلَّى الصبح مما يقول لأصحابه: "من رأى منكم رؤيا". قوله: (فقَالَ ابن عباس: فأنا أحركهما) جملة معترضة بالفاء، وفائدة هذا: زيادة البيان بالوصف عَلى القول، وعبر في الأول بقوله: كما كَانَ يحركهما، وفِي الثاني: برأيت؛ لأن ابن عباس لم ير النبي ﷺ في تلك الحالة؛ لأن سورة القيامة مكية باتفاق، بل الظاهر أن نزول هذه الآيات كَانَ في أول الأمر، وإلى هذا جنح البُخَاريّ في إيراده هذا الحديث في بدء الوحي، ولم يكن ابن عباس إذ ذاك وُلِد؛ لأنه وُلِدَ قبل الهجرة بثلاث سنين، لكن يجوز أن يكون النبي ﷺ أخبره بذلك بَعْدُ، أو بعض الصحابة أخبره أنه شاهد النبي ﷺ ، والأول هو الصواب؛ فقد ثبت ذَلكَ صريحًا في مسند أبي داود الطيالسي، قَالَ: ثنَا أبو عوانة بسنده (٤)، وأما سعيد بن جبير فرأى ذَلِكَ من (٥) ابن عباس بلا نزاع.

стр. 169

قوله: (فحرك شفتيه)، وقوله: (فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ [القيامة: ١٦]). لا تنافِي بينهما، لأن تحريك الشفتين بالكلام يلزم منه تحريك اللسان؛ لأنه الأصل في النطق؛ إذ الأصل حركة الفم، وكل من الحركتين ناشئ عن ذَلِكَ، وقد مضى أن في رواية جرير في التفسير: "يُحرك به لسانه وشفتيه" (١)، فجمع بينهما، وكان النبي ﷺ في ابتداء الأمر إذا لُقِّن القرآن نازع جبريل القراءة ولم يصبر حَتَّى يتمها، مسارعة إلَى الحفظ؛ لئلا يتفلت منه شيء، قاله (٢) الحسن وغيره. وفِي رواية الطبري، عن الشعبي: "عجل يتكلم به من حبه إيّاه" (٣)، وكلا الأمرين مراد، فأمر بأن ينصت حَتى يقضى إليه وحيه (٤)، ووُعد بأنه آمِنٌ من تفلته منه بالنسيان أو غيره، ونحوه قوله تعالَى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]. أي: بالقراءة. قوله: (جَمعه لك صدرك) كذا في أكثر الروايات، وفِي رواية كريمة والحَمَّوي: "جمعه لك في صدرك"، وهو توضيح للأول، وهذا من تفسير ابن عباس، وَقالَ في تفسير: ﴿فَاتَّبِعْ﴾ [الحجر: ١٨]، أي: فاستمع وأنصت، وفِي تفسير: ﴿بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]؛ أي: علينا أن تقرأه. ويحتمل أن يُراد بالبيان بيان مجملاته، وتوضيح مشكلاته، فيستدل به عَلى جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب كما هو [٣٥/ أ] الصحيح في الأصول، والكلام عَلى تفسير الآيات المذكورة أخرته إلَى كتاب التفسير فهو موضعه.

стр. 170

٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الله، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح وَحَدَّثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، وَمَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكونُ في رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ في كلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ الله ﷺ أَجْوَدُ بالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. قوله: (حَدَّثَنَا عَبْدَان) هو: عبد الله بن عُثْمان المَرْوَزِي. (أنا عبد الله) هو: ابن المبارك. (أنا يونس) هو: ابن يزيد الأَيْلِي. قوله: (أنا يونس، ومعمر نَحوه) أي: أن عبد الله بن المبارك حدث به عَبْدَان، عن يونس وحده، وحدث به بشر (١) بن مُحَمَّد، عن يونس ومعمر معًا، أما باللفظ فعن يونس، وأما بالمعنى فعن معمر. قوله: (عبيد الله) هو: ابن عبد الله بن عُتبة (٢) بن مسعود الآتي في الحديث الَّذِي بعده. قوله: (أجودَ الناس) بنصب أجود؛ لأنها خبر كَانَ، وقدَّم ابن عباس هذه الجملة عَلى ما بعدها -وإن كانت لا تتعلق بالقرآن- عَلى سبيل الاحتراز من مفهوم ما بعدها. قوله: (وكان أجودُ ما يكون) هو برفع أجود، هكذا في أكثر الروايات، وأجود: اسم كَانَ، وخبره محذوف، وهو نَحو: أَخْطَب ما يكون الأمير في يوم الجمعة، أو هو مرفوع عَلى أنه مبتدأ مضاف إلَى المصدر، وهو ما يكون وما تصدر به، وخبره: "في رمضان"، والتقدير: أجود أكوان رسول الله ﷺ في رمضان، وإلى هذا جنح البُخَاريّ في تبويبه في كتاب الصيام، إذ قَالَ: "باب: أجود ما كَانَ النبي ﷺ يكون في رمضان".

стр. 171

وفِي رواية الأَصِيلي: (أجودَ) بالنصب عَلى أنه خبر كَانَ، وتعقب بأنه يلزمه منه أن يكون خبرها اسمها، وأجيب بجعل اسم كَانَ ضمير النبي ﷺ و"أجود" خبرها، والتقدير: وكان رسول الله ﷺ مدة كونه في رمضان أجود منه في غيره. قَالَ النووي: الرفع أشهر والنصب جائز، وذكر أنه سأل ابن مالك عنه فخَرَّج الرفع من ثلاثة أوجه، والنصب من وجهين، وذكر ابن الحاجب في أماليه للرفع خَمسة أوجه، توارد مع ابن مالك منها في وجهين وزاد ثلاثة، ولم يعرج عَلى النصب. قُلْتُ: ويرجح الرفع وروده بدون "كَانَ" عند المؤلف في الصوم. قوله: (فيدارسه القرآن). قيل: الحكمة فيه أن مدارسة القرآن تجدد له العهد لمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود، والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي [٣٥/ ب] لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة، وأيضًا فرمضان موسم الخيرات، لأن نعم الله عَلى عباده فيه زائدة عَلى غيره، فكان النبي ﷺ يؤثر متابعة سنة الله تعالَى في عباده. قوله: (فلرسول الله) اللام للابتداء وزيدت على المبتدأ تأكيدًا، وهي جواب قسم مقدر. و(المرسلة)، أي: المطلقة؛ يعني: أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. وَقَالَ النووي: في الحديث فوائد؛ منها: الحث عَلى الجود في كل وقت والزيادة منها في رمضان وعند الاجتماع بأهل الصلاح، وفيه زيارة الصلحاء وأهل الفضل وتكرار ذلِكَ إذا كَانَ المزور لا يكرهه، واستحباب الإكثار من القراءة في رمضان، وكونها أفضل من سائر الأذكار؛ إذ لو كَانَ الذكر أفضل أو مساويًا لفعلاه، فإن قيل: المقصود تَجويد الحفظ، قلنا: الحفظ كَانَ حاصلًا والزيادة فيه خصل ببعض المجالس، وأنه يجوز أن يُقال: رمضان من غير إضافة، وغير ذَلِكَ مما يظهر بالتأمل. قُلْتُ: فيه إشارة إلى أن ابتداء نزول القرآن كَانَ في رمضان، فكان جبريل يتعاهده في كل سنة فيعارضه بما نزل عليه، فلما كَانَ العام الَّذِي توفي فيه عارضه به مرتين كما ثبت في الصحيح عن فاطمة ﵍، وبهذا يجاب من سأل عن مناسبة إيراد هذا الحديث في هذا الباب، والله الموفق للصواب.

стр. 172

٧ - حَدَّثَنا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ ابْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ في رَكْب مِنْ قُرَيْشٍ -وَكانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ- في الْمُدَّةِ الَّتِي كانَ رَسُولُ الله ﷺ مَادَّ فِيهَا أبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتوْهُ وَهُمْ بإيلِيَاءَ فَدَعَاهُمْ في مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: أَيُكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أُدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَني فَكَذِّبُوهُ. قَالَ: فَوَالله لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَيَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ. ثُمَّ كانَ أَوَّلَ مًا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هو فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سُخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ في مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هو فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنه سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ: بمَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ، وَالصِّلَةِ. فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكرْتَ أَنهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ في نَسَبِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟

стр. 173

فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ: رَجُلٌ تَأَسَّى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا. فَقُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى الله. وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ يُخَالِطُ بَشَاشَةَ الْقُلُوب. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ. وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلاةِ، وَالصِّدْقِ، وَالْعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُوُل حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُ أَنهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَني أَعْلَمُ أَني أَخْلُصُ إِلَيْهِ لتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ الله ﷺ الَّذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله وَرَسُولهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرَيسِيِّينَ، وَ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ،

стр. 174

وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إِنهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلي الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاطُورِ صَاحِبَ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلُ سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ أَنّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاطُورِ: وَكانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ في النُجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِني رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ في النُّجُومِ مُلْكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هو أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مُلْكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِب لَهُ بِرُوميَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ في الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى آتَاهُ كتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْيَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَبِي ﷺ وَأَنهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ في دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ في الْفَلَاحِ وَالرَّشَدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتبايِعُوا لهَذَا النَّبِيَّ، فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِنّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا له وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَيُونُسُ، وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. قوله: (حَدَّثَنَا أبو اليمان) في رواية الأصيلي وكريمة: "حَدَّثَنَا الحكم بن نافع"، وهو هو كما قَالَ.

стр. 175

(أنا شعيب) ابن أبي حَمزة دينار الحمصي، وهو من أثبات أصحاب الزهري. قوله: (أن أبا سفيان) هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. قوله: (هرقل) هو ملك الروم، وهرقل اسمه، وهو بكسر الهاء وفتح الراء، ولقبه: قَيْصَر، كما يلقب ملك الفرس: كِسْرَى، ونحوه. قوله: (في ركب) جمع راكب، كصحب وصاحب: وهم أولو الإبل، العشرة فما فوقها. والمعنى: أرسل إلَى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب: وذلك لأنه كَانَ كبيرهم، فلذلك خصه بالذكر، وكان عدد الركب ثلاثين رجلًا، رواه الحاكم في "الإكليل"، ولابن السكن [٣٦/ أ]: "نَحو من عشرين"، وسُمِّيَ منهم: المغيرة بن شعبة في "مصنف ابن أبي شيبة" (١) بسند مرسل، وفيه نظر؛ لأنه كَانَ إذ ذاك مسلمًا. قوله: (وكانوا تُجَّارًا) بضم التاء وتشديد الجيم، أو كسرها والتخفيف جمع تاجر. قوله: (في المدة) يعني: مدة الصلح بالحديبية، وسيأتي شرحها في المغازي، وكانت في سنة ست، وكانت مدتها عشر سنين كما في السيرة، ولأبي نُعيم في مسند عبد الله بن دينار: كانت أربع سنين، والأول أشهر، لكنهم نقضوا، فغزاهم في سنة ثَمان وفتح مكة. و(كفار قريش) بالنصب مفعول معه. قوله: (فأتوه) (٢). تقديره أرسل إليهم في طلب إتيان الركب فجاء الرسول بطلب إتيانهم فأتوه؛ كقوله تعالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠]. أي: فضرب فانفجرت، ووقع عند المؤلف في الجهاد (٣): أن الرسول وجدهم ببعض الشام. وفِي رواية أبي نُعيم في "الدلائل" تعيين الموضع وهو غزة، قَالَ: وكانت وجه متجرهم، وكذا رواه ابن إسْحَاق في "المغازي" عن الزهري.

стр. 176

قوله: (بإيلياء) بِهمزة مكسورة، بعدها ياء أخيرة ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم ياء أخيرة، ثم ألف مهموزة، وحكى البَكري فيها القصر، قيل: معناه بيت الله، وفِي الجهاد عند المؤلف (١): أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حِمْص إلَى إيلياء شكرًا لله، زاد ابن إسحاق، عن الزهري: أنه كَانَ يُبْسَط له البُسُط ويوضع عليها الرياحين فمشى عليها (٢)، ونَحوه لأحمد من حديث ابن أخي الزُّهري عن عَمَّه (٣). وكان سبب ذَلِكَ ما رواه الطَبَري (٤)، وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ملخصها: أن كسرى أغْزَى جيشه بلاد هرقل فخربوا كثيرًا من بلاده، ثم استبطأ كسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره عَلى ذلكَ فباطن هرقل، واصطلح معه عَلى كسرى، وانهزم عنه بجيوش فارس، فمشى هرقل إلَى بيت المقدس شكرًا لله عَلى ذلكَ، واسم الأمير المذكور شهر براز، واسم الغير الَّذِي أراد كسرى تأميره فرحان. قوله: (فدعاهم في مَجلسه). أي: في حال كونه في مجلسه، وللمصنف في الجهاد: "فأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فإِذَا هو جَالسٌ في مَجْلس ملكه وعليه تاج" (٥). قوله: (وحولَه) بالنصب لأنه ظرف مكان. قوله: (عظماء) جمع عظيم [٣٦/ ب]، ولابن السكن: "فأُدْخِلت عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان". و(الروم) من ولد عيص بن إسْحَاق بن إبراهيم ﵇ عَلى الصحيح، ودخل فيهم طوائف من العرب من تَنُّوخ وبَهْرَاء وسَلِيح وغيرهم من غَسَّان، كانوا سكانًا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم.

стр. 177

قوله: (ثم دعاهم) مقتضاه أنه أمر بإحضارهم، فلما حضروا استدناهم؛ لأنه ذكر أنه دعاهم فتنزل عَلى هذا، ولم يقع تكرار ذَلِكَ إلا في هذه الرواية. و(التَّرْجُمَان) بفتح التاء المثناة وضم الجيم، ويَجوز ضم التاء إتباعًا، ورجحه النووي في "شرح مُسْلِم"، ويجوز فتح الجيم حكاهُ الجوهري في رواية الأصيلي وغيره. "بترجمانه": يعني أرسل إليه رسولًا أحضره صحبته، والترجمان: وهو المعبر عن لغة بلغة، وهو مُعَرَّب، وقيل: عربي. قوله: (فقال: أيكم أقرب نسبًا؟ ) أي: قَالَ الترجمان عَلى لسان هرقل، وإنما كَانَ أبو سفيان أقرب؛ لأنه من بني عبد مناف، وقد أوضح ذلِكَ المصنف في الجهاد بقوله: "قَالَ: ما قرابتك منه؟ قُلْتُ: هو ابن عمي، قَالَ أبو سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري" (١). انتهى وعبد مناف: الأب الرابع للنبي ﷺ [وكذا] (٢) لأبي سفيان، وأطلق عليه ابن عم؛ لأنه نزل كلًّا منها منزلة جده؛ فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم أبيه: ابن عبد شمس بن عبد مناف. وإنما خص هرقل الأقرب؛ لأنه أَحْرَى بالاطلاع عَلى أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، وظهر ذلِكَ في سؤاله بعد ذلِكَ: "كيف نسبه فيكم؟ ". وقوله: (بهذا الرجل) ضمن "أقرب" معنى "أوصل" (٣) فعَدَّاه بالباء، ووقع في رواية مسلم: "من هذا الرجل؟ " (٤)، وهو عَلى الأصل.

стр. 178

وقوله: (وهو الَّذِي يزعم) في رواية ابن إسحاق عن الزهري: "يدعي" (١)، وزعم: قَالَ الجوهري -وحكاه أيضًا ثعلب وجماعة-: هِيَ بمعنى قَالَ، كما ستأتي في قصة ضِمَام في كتاب العلم. قُلْتُ: وهو كثير، ويأتي في موضع الشك غالبًا. قوله: (واجعلوهم عند ظهره) أي: لئلا تستحيوا أن تواجهوه بالتكذيب إن كذب [٣٧/أ]، وقد صرح بذلك الواقدي في روايته. وقوله: (إن كَذَبني) بتخفيف الذال، أي: إن نَقَل إليَّ الكذب. قوله: (قَالَ) أي: أبو سفيان، وسقط لفظ "قَالَ" من رواية كريمة وأبي الوقت فأشكل ظاهره، وبإثباتها يزول الإشكال. قوله: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا) أي: ينقلوه. (لكذبت عليه)، وللأصيلي: "عنه"، أي: عن الإخبار بحاله. وفيه دليل عَلى أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف. وفِي قوله: "يأثروا" دون قوله: "يكذبوا" دليل عَلى أنه كَانَ واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ ، لكنه ترك ذَلِكَ استحياءً وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا (٢) فيصير عند سامعي ذَلِكَ كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: "فوالله لو قد كذبت ما ردُّوا علي، ولكنني كنت امرأ سيدًا أتكرم عن الكذب وعلمت أنه أيسر (٣) ما في ذَلِكَ إن أنا كذبتُ أن يَحفظوا ذَلِكَ عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه" (٤).

стр. 179

قوله: (ثم كانَ أول) هو بالنصب عَلى الخبر، وبه جاءت الرواية، ويَجوز رفعه عَلى الاسمية. قوله: (كيف نسبه فيكم؟ ) أي: ما حال نسبه؟ أهو من أشرافكم أم لا؟ فقال: "هو فينا ذو نسبٍ"، والتنوين فيه للتعظيم، وأشكل هذا عَلى بعض الشارحين وهذا وجهه. قوله: (فهل قَالَ هذا القول منكم أحد قط قبله). وللكشميهني والأصيلي بدل "قبله" "مثله"، فقوله: (منكم) أي: من قومكم؛ يعني: قريشًا أو العرب، ويستفاد من أن الشفاهي تعم؛ لأنه لم يُرِد المخاطبين فقط، وكذا قوله بعد: "فهل قاتلتموه"، وقوله: "بماذا يأمركم". واستعمل "قط" بغير أداة النفي وهو نادر، ومنه قول عمر: "صلينا أكثر ما كنا قط وآمنه ركعتين" (١)، ويحتمل أن يقال: إن النفي مضمن فيه، فكأنه قَالَ: هل قَالَ هذا القول أحدٌ أو لَم يقله أحد قط؟ قوله: (فهل كَانَ من آبائه ملك) ولكريمة والأصيلي ولأبي الوقت: "من" بزيادة "من" الجارة، ولابن عساكر بفتح "مَن" و"مَلَك" فعل ماضٍ، والجارة أرجح؛ لسقوطها من رواية أبي ذر، والمعنى في الثلاثة واضح [٣٧/ب]. قوله: (فأشراف الناس اتبعوه؟ ) فيه إسقاط هَمزة الاستفهام وهو قليل، وقد ثبت للمصنف في التفسير ولفظه: "أيتبعه أشراف الناس؟ " (٢)، والمراد بالأشراف هُنَا: أهل النَّخْوَة والتَّكَبر منهم لا كل شريف، حَتَّى لا يَرِد مثل أبي بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال. ووقع في رواية أبي إسحاق: "تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث فأما ذَوُو الأسنان (٣) والشرف فما تبعه منهم أحد" (٤).

стр. 180

قوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه، وأخرج بهذا من ارتد مكرهًا، أو لا لسُخطٍ لدين الإسلام، بل لرغبة في غيره لَحَظٍّ نفساني، كما وقع لعبيد الله بن جَحش. قوله: (هل كنتم تتهمونه بالكذب) أي: عَلى الناس، إنما عدل إلَى السؤال عن التهمة عن السؤال عن نفس الكذب تقريرًا لَهم عَلى صدقه؛ لأن التهمة إذا اتفقت انتفى سببها، ولهذا عقب بالسؤال عن الغدر. قوله: (ولَم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا). أي: أنتقصه به، عَلى أن التنقيص هنا أمر نسبي، وذلك أن من يقطع بعدم غدره أرفع مرتبة ممن يجوز وقوع ذَلكَ منه في الجملة، وقد كَانَ معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر، وذلك لما كَانَ الأمر مغيبًا لأنه مستقبل أمن أبو سفيان أن يُنسب في ذَلِكَ إلَى الكذب، ولهذا أورده عَلى التردد، ومن ثَمَّ لَم يُعَرِّج هرقل عَلى هذا القدر منه، وقد صرح ابن إسحاق في روايته عن الزهري بذلك بقوله: قَالَ: "فوالله ما التفت إليها مني" (١). قوله: (سجال) بكسر أوله أي: نَوْب، والسجل: الدلو. و(الحرب): اسم جنس، ولهذا جعل خبره اسم جمع. و(ينال) أي: يصيب، فكأنه شَبه المحاربين بالمُسْتَقِيَيْنِ يسقي هذا دلو وهذا دلو (٢)، وأشار أبو سفيان بذلك إلَى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد، وقد صَرَّح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله: "فيوم بيوم بدر، والحرب سجال" (٣). ولم يرد عليه النبي ﷺ ذَلكَ، بل نطق النبي ﷺ بذلك في حديث أوس بن حُذيفة الثقفي لما كَانَ يحدث وفد ثقيف (٤).
следующие страницы →