قوله: (بإيلياء) بِهمزة مكسورة، بعدها ياء أخيرة ساكنة، ثم لام مكسورة، ثم ياء أخيرة، ثم ألف مهموزة، وحكى البَكري فيها القصر، قيل: معناه بيت الله، وفِي الجهاد عند المؤلف (١): أن هرقل لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حِمْص إلَى إيلياء شكرًا لله، زاد ابن إسحاق، عن الزهري: أنه كَانَ يُبْسَط له البُسُط ويوضع عليها الرياحين فمشى عليها (٢)، ونَحوه لأحمد من حديث ابن أخي الزُّهري عن عَمَّه (٣).
وكان سبب ذَلِكَ ما رواه الطَبَري (٤)، وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة ملخصها: أن كسرى أغْزَى جيشه بلاد هرقل فخربوا كثيرًا من بلاده، ثم استبطأ كسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره عَلى ذلكَ فباطن هرقل، واصطلح معه عَلى كسرى، وانهزم عنه بجيوش فارس، فمشى هرقل إلَى بيت المقدس شكرًا لله عَلى ذلكَ، واسم الأمير المذكور شهر براز، واسم الغير الَّذِي أراد كسرى تأميره فرحان.
قوله: (فدعاهم في مَجلسه).
أي: في حال كونه في مجلسه، وللمصنف في الجهاد: "فأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فإِذَا هو جَالسٌ في مَجْلس ملكه وعليه تاج" (٥).
قوله: (وحولَه) بالنصب لأنه ظرف مكان.
قوله: (عظماء) جمع عظيم [٣٦/ ب]، ولابن السكن: "فأُدْخِلت عليه وعنده بطارقته والقسيسون والرهبان".
و(الروم) من ولد عيص بن إسْحَاق بن إبراهيم ﵇ عَلى الصحيح، ودخل فيهم طوائف من العرب من تَنُّوخ وبَهْرَاء وسَلِيح وغيرهم من غَسَّان، كانوا سكانًا بالشام، فلما أجلاهم المسلمون عنها دخلوا بلاد الروم فاستوطنوها، فاختلطت أنسابهم.
стр. 177
قوله: (ثم دعاهم) مقتضاه أنه أمر بإحضارهم، فلما حضروا استدناهم؛ لأنه ذكر أنه دعاهم فتنزل عَلى هذا، ولم يقع تكرار ذَلِكَ إلا في هذه الرواية.
و(التَّرْجُمَان) بفتح التاء المثناة وضم الجيم، ويَجوز ضم التاء إتباعًا، ورجحه النووي في "شرح مُسْلِم"، ويجوز فتح الجيم حكاهُ الجوهري في رواية الأصيلي وغيره.
"بترجمانه": يعني أرسل إليه رسولًا أحضره صحبته، والترجمان: وهو المعبر عن لغة بلغة، وهو مُعَرَّب، وقيل: عربي.
قوله: (فقال: أيكم أقرب نسبًا؟ ) أي: قَالَ الترجمان عَلى لسان هرقل، وإنما كَانَ أبو سفيان أقرب؛ لأنه من بني عبد مناف، وقد أوضح ذلِكَ المصنف في الجهاد بقوله: "قَالَ: ما قرابتك منه؟ قُلْتُ: هو ابن عمي، قَالَ أبو سفيان: ولم يكن في الركب من بني عبد مناف غيري" (١). انتهى
وعبد مناف: الأب الرابع للنبي ﷺ [وكذا] (٢) لأبي سفيان، وأطلق عليه ابن عم؛ لأنه نزل كلًّا منها منزلة جده؛ فعبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ابن عم أبيه: ابن عبد شمس بن عبد مناف.
وإنما خص هرقل الأقرب؛ لأنه أَحْرَى بالاطلاع عَلى أموره ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره، ولأن الأبعد لا يؤمن أن يقدح في نسبه بخلاف الأقرب، وظهر ذلِكَ في سؤاله بعد ذلِكَ: "كيف نسبه فيكم؟ ".
وقوله: (بهذا الرجل) ضمن "أقرب" معنى "أوصل" (٣) فعَدَّاه بالباء، ووقع في رواية مسلم: "من هذا الرجل؟ " (٤)، وهو عَلى الأصل.
стр. 178
وقوله: (وهو الَّذِي يزعم) في رواية ابن إسحاق عن الزهري: "يدعي" (١)، وزعم: قَالَ الجوهري -وحكاه أيضًا ثعلب وجماعة-: هِيَ بمعنى قَالَ، كما ستأتي في قصة ضِمَام في كتاب العلم.
قُلْتُ: وهو كثير، ويأتي في موضع الشك غالبًا.
قوله: (واجعلوهم عند ظهره) أي: لئلا تستحيوا أن تواجهوه بالتكذيب إن كذب [٣٧/أ]، وقد صرح بذلك الواقدي في روايته.
وقوله: (إن كَذَبني) بتخفيف الذال، أي: إن نَقَل إليَّ الكذب.
قوله: (قَالَ) أي: أبو سفيان، وسقط لفظ "قَالَ" من رواية كريمة وأبي الوقت فأشكل ظاهره، وبإثباتها يزول الإشكال.
قوله: (فوالله لولا الحياء من أن يأثروا) أي: ينقلوه.
(لكذبت عليه)، وللأصيلي: "عنه"، أي: عن الإخبار بحاله.
وفيه دليل عَلى أنهم كانوا يستقبحون الكذب إما بالأخذ عن الشرع السابق أو بالعرف.
وفِي قوله: "يأثروا" دون قوله: "يكذبوا" دليل عَلى أنه كَانَ واثقًا منهم بعدم التكذيب أن لو كذب؛ لاشتراكهم معه في عداوة النبي ﷺ ، لكنه ترك ذَلِكَ استحياءً وأنفة من أن يتحدثوا بذلك بعد أن يرجعوا (٢) فيصير عند سامعي ذَلِكَ كذابًا، وفي رواية ابن إسحاق التصريح بذلك، ولفظه: "فوالله لو قد كذبت ما ردُّوا علي، ولكنني كنت امرأ سيدًا أتكرم عن الكذب وعلمت أنه أيسر (٣) ما في ذَلِكَ إن أنا كذبتُ أن يَحفظوا ذَلِكَ عني، ثم يتحدثوا به، فلم أكذبه" (٤).
стр. 179
قوله: (ثم كانَ أول) هو بالنصب عَلى الخبر، وبه جاءت الرواية، ويَجوز رفعه عَلى الاسمية.
قوله: (كيف نسبه فيكم؟ ) أي: ما حال نسبه؟ أهو من أشرافكم أم لا؟ فقال: "هو فينا ذو نسبٍ"، والتنوين فيه للتعظيم، وأشكل هذا عَلى بعض الشارحين وهذا وجهه.
قوله: (فهل قَالَ هذا القول منكم أحد قط قبله).
وللكشميهني والأصيلي بدل "قبله" "مثله"، فقوله: (منكم) أي: من قومكم؛ يعني: قريشًا أو العرب، ويستفاد من أن الشفاهي تعم؛ لأنه لم يُرِد المخاطبين فقط، وكذا قوله بعد: "فهل قاتلتموه"، وقوله: "بماذا يأمركم".
واستعمل "قط" بغير أداة النفي وهو نادر، ومنه قول عمر: "صلينا أكثر ما كنا قط وآمنه ركعتين" (١)، ويحتمل أن يقال: إن النفي مضمن فيه، فكأنه قَالَ: هل قَالَ هذا القول أحدٌ أو لَم يقله أحد قط؟
قوله: (فهل كَانَ من آبائه ملك) ولكريمة والأصيلي ولأبي الوقت: "من" بزيادة "من" الجارة، ولابن عساكر بفتح "مَن" و"مَلَك" فعل ماضٍ، والجارة أرجح؛ لسقوطها من رواية أبي ذر، والمعنى في الثلاثة واضح [٣٧/ب].
قوله: (فأشراف الناس اتبعوه؟ )
فيه إسقاط هَمزة الاستفهام وهو قليل، وقد ثبت للمصنف في التفسير ولفظه: "أيتبعه أشراف الناس؟ " (٢)، والمراد بالأشراف هُنَا: أهل النَّخْوَة والتَّكَبر منهم لا كل شريف، حَتَّى لا يَرِد مثل أبي بكر وعمر وأمثالهما ممن أسلم قبل هذا السؤال. ووقع في رواية أبي إسحاق: "تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث فأما ذَوُو الأسنان (٣) والشرف فما تبعه منهم أحد" (٤).
стр. 180
قوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه، وأخرج بهذا من ارتد مكرهًا، أو لا لسُخطٍ لدين الإسلام، بل لرغبة في غيره لَحَظٍّ نفساني، كما وقع لعبيد الله بن جَحش.
قوله: (هل كنتم تتهمونه بالكذب) أي: عَلى الناس، إنما عدل إلَى السؤال عن التهمة عن السؤال عن نفس الكذب تقريرًا لَهم عَلى صدقه؛ لأن التهمة إذا اتفقت انتفى سببها، ولهذا عقب بالسؤال عن الغدر.
قوله: (ولَم تمكني كلمة أدخل فيها شيئًا).
أي: أنتقصه به، عَلى أن التنقيص هنا أمر نسبي، وذلك أن من يقطع بعدم غدره أرفع مرتبة ممن يجوز وقوع ذَلكَ منه في الجملة، وقد كَانَ معروفًا عندهم بالاستقراء من عادته أنه لا يغدر، وذلك لما كَانَ الأمر مغيبًا لأنه مستقبل أمن أبو سفيان أن يُنسب في ذَلِكَ إلَى الكذب، ولهذا أورده عَلى التردد، ومن ثَمَّ لَم يُعَرِّج هرقل عَلى هذا القدر منه، وقد صرح ابن إسحاق في روايته عن الزهري بذلك بقوله: قَالَ: "فوالله ما التفت إليها مني" (١).
قوله: (سجال) بكسر أوله أي: نَوْب، والسجل: الدلو.
و(الحرب): اسم جنس، ولهذا جعل خبره اسم جمع.
و(ينال) أي: يصيب، فكأنه شَبه المحاربين بالمُسْتَقِيَيْنِ يسقي هذا دلو وهذا دلو (٢)، وأشار أبو سفيان بذلك إلَى ما وقع بينهم في غزوة بدر وغزوة أحد، وقد صَرَّح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله: "فيوم بيوم بدر، والحرب سجال" (٣). ولم يرد عليه النبي ﷺ ذَلكَ، بل نطق النبي ﷺ بذلك في حديث أوس بن حُذيفة الثقفي لما كَانَ يحدث وفد ثقيف (٤).
стр. 181
قوله: (بِماذا يأمركم) يدل عَلى أن الرسول ﷺ [٣٨/أ] من شأنه أن يأمر قومه.
قوله: (يقول: اعبدوا الله وحده) فيه أن للأمر صيغة معروفة؛ لأنه أتى بقول: "اعبدوا" في جواب "ما يأمركم" وهو من أحسن الأدلة في هذه المسألة؛ لأن أبا سفيان من أهل اللسان، وكذلك الراوي عنه ابن عباس، بل هو من أفصحهم، وقد رواه عنه مُقرًّا له.
قوله: (ولا تشركوا به شيئًا) وسقطت الواو من رواية المستملي، فيكون تأكيدًا لقوله: "وحده".
قوله: (واتركوا ما يقول آباؤكم) هِيَ كلمة جامعة لترك ما كانوا عليه في الجاهلية، وإنما ذكر الآباء تنبيهًا عَلى عذرهم في مُخالفتهم له؛ لأن الآباء قدوة عند الفريقين؛ أي: عبدة الأوثان والنصارى.
قوله: (ويأمرنا بالصلاة والصدق) وللمصنف (١) في رواية: "الصدقة" بدل "الصدق"، ورجحها شيخنا شيخ الإسلام (٢)، ويقويها رواية المؤلف في التفسير: "الزكاة" (٣)، واقتران الصلاة بالزكاة معتاد في الشرع، ويرجحها أيضا ما تقدم من أنهم كانوا يستقبحون الكذب، فَذكْر ما لم يألفُوه أولَى.
قُلْتُ: وفي الجملة؛ ليس الأمر بذلك ممتنعًا كما في أمرهم بوفاء العهد وأداء الأمانة وقد كانا من مألوف عقلائهم، وقد ثبتا عند المؤلف في الجهاد (٤) من رواية أبي ذر عن شيخه الكشميهني، والسرخسي، قَالَ: "بالصلاة والصدق والصدقة".
وفِي قوله: "يأمرنا" بعد قوله: "يقول: اعبدوا الله" إشارة إلَى المغايرة بين الأمرين لما ترتب عَلى مخالفها؛ إذ مُخالف الأول كافر، والثاني مِمَّن قَبِلَ الأولَ عاصٍ.
قوله: (وكذلك الرسل تبعث في نسب قومها).
стр. 182
الظاهر أن إخبار هرقل بذلك بالجزم كَانَ عن العلم المقرر عنده في الكتب السالفة.
قوله: (لقلت: رجل تأسَّى بقول) كذا للكشميهني، ولغيره: "يتأسى" بتقديم الياء المثناة من تحت، وإنما لم يقل: "فقلت" إلا في هذا وفي قوله: "هل كَانَ من آبائه من مَلِك؟ " لأن هذين المقامين مقام فكر ونظر؛ بخلاف غيرهما من الأسئلة فإنها مقام نقل.
قوله: (فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه) هو معنى قول أبي سفيان: "بل ضعفاؤهم"، ومثل ذلك يتسامح به لاتحاد المعنى. [٣٨/ ب]
وقول هرقل: (وهم أتباع الرسل) فمعناه: أن أتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة، لا أهل الاستكبار الذين أصرُّوا عَلى الشقاق بغيًا وحسدًا كأبي جهل وأشياعه إلَى أن أهلكهم الله تعالَى، وأنقذ بعد حين من أراد سعادتهم منهم.
قوله: (وكذلك الإيمان) أي: أمر الإيمان؛ لأنه يظهر نورًا ثم لا يزال في زيادة حَتَى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وصيام وغيرهما، ولهذا نزلت في آخر سِني النبي ﷺ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]، ومنه: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]. وكذا جرى لأتباع النبي ﷺ ، لم يزالوا في زيادة حَتَى كمل بهم ما أراد الله من إظهار دينه وتمام نعمته، فله الحمد والمنة.
قوله (حين يُخالط بشاشةَ القلوب) هكذا روي بالنصب، والقلوب: مضاف، أي: يخالط الإيمان انشراح الصدر، وروي: "بشاشةُ القلوب" بالضم، والقلوب مفعول؛ أي: يخالط بشاشة الإيمان -وهو شرحه- القلوب التِي يدخل فيها. زاد المصنف في الإيمان (١) [لا يسخطه أحد] (٢)، وزاد ابن السكن في روايته في "معجم الصحابة": "يزداد به عَجَبًا وفرحًا"، وفي رواية ابن إسحاق: "وكذلك حلاوة الإيمان لا تدخل قلبًا فتخرج منه" (٣).
قوله: (وكذلك الرسل لا تغدر) لأنها لا تطلب حظ الدنيا الَّذِي ينال طالبه بالغدر بخلاف من طلب الآخرة، ولم يعرج هرقل عَلى الدسيسة الَّتِي دسها أبو سفيان كما تقدم.
стр. 183
وسقط من هذه الرواية إيراد تقدير السؤال العاشر والَّذِي بعده وجوابه، وقد ثبت الجميع في رواية المؤلف الَّتِي في الجهاد (١)، وسيأتي الكلام عليه ثَمَّ إن شاء الله تعالَى.
* فائدة:
قَالَ المَازِري: هذه الأشياء الَّتِي سأل عنها هرقل ليست قاطعة عَلى النبوة، إلا أنه يحتمل أنها كانت عنده علامات عَلى هذا الشيء بعينه، لأنه قَالَ بعد ذلِكَ: "قد كنت أعلم أنه خارج، ولم كن أظن أنه منكم"، وما أورده احتمالًا جزم به ابن بَطَّال، وهو ظاهر.
قوله: (فذكرت أنه يأمركم) ذكر ذَلكَ بالاقتضاء، لأنه ليس في كلام أبي سفيان [٣٩/أ] ذكر الأمر بل صيغته.
وقوله: (وينهاكم عن عبادة الأوثان) مستفاد من قوله: "ولا تشركوا به شيئًا واتركوا مما يقول آباؤكم"؛ لأن مقولهم الأمر بعبادة الأوثان.
قوله: (أخلص) بضم اللام، أي: أصل، يقال: خلص إلَى كذا؛ أي: وصل.
قوله: (لتجشمت) بالجيم والشين المعجمة، أي: تكلفت الوصول إليه، وهذا يدل عَلى أنه كَانَ يتحقق أنه لا يسلم من القتل إن هاجر إلى النبي ﷺ ، واستفاد ذَلكَ بالتجربة في قصة ضغاطر الَّذِي أظهر لَهم إسلامه فقتلوه، لكن لم يفطن هرقل لقوله ﷺ في الكتاب إليه: "أسلم تَسْلَم"، وحمل الجزاء عَلى عمومه في الدُّنْيَا والآخرة لو أسلم لسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله .
وقوله: (لغسلت عن قدميه) مبالغة في العبودية له والخدمة، وفي رواية عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان: "لو علمت أنه هو لمشيت إليه حَتَّى أقبل رأسه وأغسل قدميه" (٢)، وهي تدل عَلى أنه كَانَ بقي عنده بعض شك، وزاد فيها: "ولقد رأيتُ جبهته يتحادرُ عرقها من كرب الصحيفة"، يعني: لما قرئ عليه كتاب النبي ﷺ .
وفي اقتصاره عَلى ذكر غسل القدمين إشارة منه إلَى أنه لا يطلب منه -إذا وصل
стр. 184
إليه [سالِمًا] (١) - لا ولاية ولا منصبًا، وإنما يطلب ما يحصل له به البركة.
وقوله: (وليبلغن ملكه ما تحت قدمي) أي: بيت المقدس، وكنى بذلك لأنه موضع استقراره، أو أراد الشام كله لأن دار ملكه كانت حمص، ومِمَّا يقوي أن هرقل آثر ملكه عَلى الإيمان وتمادى عَلى الضلال أنه حارب المسلمين في غزوة مُؤتَة سنة ثَمان بعد هذه القصة بدون السنتين، ففي مغازي ابن إسحاق: "وبلغ المسلمين لما نزلوا مَعَان من أرضَ الشام أن هرقل نزل في مائة ألف من المشركين"، فحكى كيفية الواقعة، وكذا روى ابن حبان في صحيحه، عن أنس، أن النبي ﷺ كتب إليه أيضًا من تبوك يدعوه، وأنه قارب الإجابة ولم يجب.
فدَلَّ ظاهر ذَلكَ عَلى استمراره [٣٩/ ب] عَلى الكفر، لكن يحتمل مع ذَلكَ أنه كَانَ يُضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه وخوفًا من أن يقتله قومه، لكن في "مسند أَحْمَد": أنه كتب من تبوك إلَى النبي ﷺ : ["إني مُسْلِم"] (٢). فقال النبي ﷺ : كذب، بل هو عَلى نصرانيته". فعلى هذا إطلاق صاحب "الاستيعاب" أنه آمن، أي: أظهر التصديق، لكنه لم يستمر عليه ويعمل بِمقتضاه، بل شح بملكه وآثر الفانية عَلى الباقية، والله الموفق.
قوله: (ثم دعا) أي: من وكل ذَلِكَ إليه، ولهذا عَدَّى الكتاب بالباء.
قوله: (دِحْيَة) هو ابن خَلِيفة الكَلْبي، صحابي جليل، كَانَ أحسن الناس وجهًا، وأسلم قديمًا، وبعثه النبي ﷺ في آخر سنة ستٍّ بعد أن رجع من الحديبية بكتابه إلَى هرقل، وكان وصوله في المحرم سنة سبعٍ، قاله الواقدي، ومات دحية في خلافة معاوية.
و(بُصْرَى) بضم أوله والقصر: مدينة بين المدينة ودِمشق، وقيل: هِيَ حُورَان.
وعظيمها: هو الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّاني، وفِي "الصحابة" لابن السكن: أنه أرسل بكتاب النبي ﷺ إلَى هرقل مع عَدِي بن حاتم، وكان عَدِي إذ ذاك نصرانيًّا، فوصل به هو ودحية معًا.
قوله: (من مُحَمَّد) فيه: السنة أن يبدأ الكاتب (٣) بنفسه وهو قول الجمهور، بل
стр. 185
حكى فيه النحاس إجْمَاع الصحابة، والحق إثبات الخلاف.
وفيه: أن "مِن" الَّتِي لابتداء الغاية تأتي في غير الزمان والمكان، كذا قاله أبو حَيَّان، والظاهر أنها هنا لَم تخرج عن ذَلِكَ لكن بارتكاب مَجاز.
قوله: (عظيم الروم) فيه عدول عن ذكره بالملك أو الإمرة؛ لأنه معزول بحكم الإسلام، لكنه لم يُخْله من إكرام لمصلحة التألف.
قوله: (سلام عَلى من اتبع الهدى) في رواية المصنف في الاستئذان (١): "السلام" بالتعريف، وقد ذُكرت في قصة موسى وهارون مع فرعون (٢)، وظاهر السياق أنها من جملة ما أمرا به أن يقولاه.
فإن قيل: كيف يُبدأ الكافر بالسلام؟
فالجواب: أن المفسرين قالوا ليس المراد من هذا التحية، إنما معناه سَلِم من عذاب الله من أسلم، ولهذا جاء بعده: ﴿أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [طه: ٤٨]. وكذا جاء في بقية هذا الكتاب: "فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسِيِّين"، فمحصل الجواب: أنه لم يبدأ الكافر [٤٠/أ] بالسلام، وهذا وإن كَانَ اللفظ يُشعر به لكنه لم يدخل في المراد؛ لأنه ليس ممن اتبع الهدى، فلم يُسَلِّم عليه.
قوله: (بدعاية الإسلام) هو بكسر الدال من قولك: دعا يدعو دعاية، نَحو: شكا يشكو شكاية، ولمسلم: "بداعية (٣) الإسلام" (٤)، أي: بالكلمة الداعية إلَى الإسلام: وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله، والباء موضع إلَى.
وقوله: (أسلم تسلم) غاية في البلاغة، وفيه نوع من البديع وهو الجناس الاشتقاقي.
قوله: (يؤتك) جواب ثانٍ للأمر، وفِي الجهاد للمؤلف: "أسلم يؤتك" (٥) بتكرار
стр. 186
"أسلم"، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن يكون الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه كما في قوله تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦].
وإعطاؤه الأجر مرتين لكونه كَانَ مؤمنًا بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ ، وهو موافق لقوله تعالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية [القصص: ٥٤]. وسيأتي التصريح بذلك في موضعه في حديث الشَّعْبي في كتاب العلم (١) إن شاء الله تعالَى.
ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إسلامه، ومن جهة أن إسلامه يكون سببًا لإسلام أتباعه.
واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام (٢) أن كل من دان بدين أهل الكتاب كَانَ في حكمهم في الذبائح والمناكحة؛ لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، وهم ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قَالَ له ولقومه: "يا أهل الكتاب"، فدل عَلى أن لهم حكم أهل الكتاب، خلافًا لمن خص ذَلِكَ بالإسرائيليين، أو بمن علم أن سلفه ممن دخل في اليهودية أو النصرانية بعد التبديل، والله أعلم.
قوله: (فإن توليت) أي: أعرضت عن الإجابة إلَى الدخول في الإسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازًا في الإعراض عن الشيء، وهو استعارة تَبَعِيَّة.
قوله: (الأريسيين) هو جَمع أريسي، وهو منسوب إلى أريس بوزن فعيل، بفتح أوله مُخففًا، وقد نقلت همزته ياء كما جاءت به رواية الأصيلي وأبي ذر وغيرهما، قَالَ ابن سِيدَه: الأريس [٤٠/ ب]: الأَكَّار، أي: الفلاح عند ثعلب، وعند كراع: الأريس، هو: الأمير، وَقَالَ الجوهري: هِيَ لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذَلِكَ.
لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد جاء مصرحًا به في رواية ابن إسحاق، عن الزُّهري بلفظ: "فإن عليك إثم الأَكَّارين" (٣). زَادَ البَرْقَاني في روايته: "يعني الحراثين"، ويؤيده أيضًا ما
стр. 187
في رواية المدائني من طريق مرسلة: "فإن عليك إثم الفلاحين"، قَالَ الخطابي: أراد أن عليه إثم الضعفاء والأتباع إذ لم يسلموا تقليدًا له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر.
قُلْتُ: وفي الكلام حذف دل عليه المعنى، وهو: فإن عليك مع إثمك إثم الأريسيين؛ لأنه إذا كَانَ عليه إثم الأتباع بسبب أنهم تبعوه عَلى استمرار الكفر فلأن يكون عليه إثم نفسه أولَى، وهذا يُعد من مفهوم الموافقة.
ولا يعارض هذا قوله تعالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن وزر الإثم لا يتحمله غيره، ولكن الفاعل المتسبب والمتلبس بالسيئات يتحمل من وجهين: جهة فعله، وجهة تسببه.
وقد ورد تفسير الأريسيين بمعنى آخر، قَالَ الليث بن سعد، عن يونس فيما رواه الطبراني في "الكبير" (١) من طريقه: "الأريسيون: العَشَّارون"، يعني: أهل المَكْس، والأول أظهر، وهذا إن صحَّ أنه المراد فالمعنى: المبالغة في الإثم، ففي الصحيح في المرأة الَّتِي اعترفت بالزنا: "لقد تابت توبة لو تابها صاحب مَكْسٍ لقبلت" (٢).
قوله: (ويا أهل الكتاب. . . إلى آخره) وهكذا وقع بإثبات الواو في أوله، وذكر القاضي عياض أن الواو ساقطة من رواية الأَصِيلي وأبي ذر، وَعَلى ثبوتها فهي داخلة عَلى مقدر معطوف عَلى قوله: "أدعوك"، فالتقدير: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالًا لقول الله تعالَى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ﴾.
* فائدة:
قيل: في هذا دليل عَلى جواز قراءة الجنب للآية أو الآيتين، وبإرسال بعض القرآن إلى أرض العدو، وكذا بالسفر به. وأغرب ابن بَطَّال فادعى أن ذَلِكَ [٤١/ أ] نُسخ بالنهي عن السفر بالقرآن إلَى أرض العدو، ويحتاج إلَى إثبات التاريخ بذلك.
ويحتمل أن يُقال: إن المراد بالقرآن في حديث النهي عن السفر به: المصحف، وسيأتي الكلام عَلى ذلِكَ في موضعه، وأما الجنب فيحتمل أن يقال: إما لم يقصد التلاوة جاز.
стр. 188
عَلى أن في الاستدلال بذلك من هذه القصة نظرًا؛ فإنها واقعة عين لا عموم فيها، فتُقيد الجوازَ عَلى ما إذا وقع احْتِياج إلَى ذَلِكَ كالإبلاغ والإنذار، كما في هذه القصة، وأما الجواز مطلقًا حيث لا ضرورة فلا يتجه.
وقد اشتملت هذه الجملة القليلة الَّتِي تضمنها الكتاب عَلى الأمر بقوله: "أسلم"، والترغيب بقوله: "تسلم"، و"يؤتك"، والزجر بقوله: "فإن توليت"، والترهيب بقوله: "فإن عليك"، والدلالة بقوله: "يا أهل الكتاب"، وفي ذَلِكَ من الدلالة (١) ما لا يخفى، وكيف لا وهو كلام من أوتي جوامع الكلام ﷺ .
قوله: (فلما قَالَ ما قَالَ) يحتمل أن يُشير بذلك إلَى الأسئلة والأجوبة، ويحتمل أن يشير بذلك إلَى القصة الَّتِي ذكرها ابن النَّاطُور بَعْدُ، والضمائر كلها تعود عَلى هرقل.
و(الصَّخب): اللغط، وهو: اختلاط الأصوات في المخاصمة، زاد في الجهاد: "فلا أدري ما قالوا" (٢).
قوله: (فقلت لأصحابي) حين خلوت بهم (٣).
قوله: (أَمِر) هو بفتح الهمزة وكسر الميم أي: عَظُمَ، وسيأتي في تفسير سبحان (٤).
و"ابن أبي كبشة" أراد به النبي ﷺ ؛ لأن أبا كبشة أحد أجداده، وعادة العرب إذا انتقصت نسبت إلَى جد غامض.
قَالَ أبو الحسن النسابة الجرجاني: هو جد وهب جد النبي ﷺ لأمه، وهذا فيه نظر؛ لأن وهبًا جد النبي ﷺ اسم أمه عاتِكَة بنت الأَوْقَص بن مُرَّة بن هلال، ولم يقل أحد من أهل النسب: أن الأَوْقَص يكنى أبا كَبْشَة.
стр. 189
وقيل: هو جد عبد المطلب لأمه، وفيه نظر أيضًا؛ لأن أم عبد المطلب سَلْمَى بنت عمرو بن زيد الخَزْرَجي، ولم يقل أحد من أهل النسب: أن عمرو بن زيد يكنى أبا كَبْشَة.
وقيل: هو أبوه من الرضاعة، واسمه الحارث بن عبد العُزَّى، قاله أبو الفتح الأزدي وابن مَاكولا.
وَقَالَ ابن قتيبة والخطابي: هو رجل من خُزاعة [٤١/ ب] خالف قريشًا في عبادة الأوثان فعبد الشِّعْرَى، فنسبوه إليه للاشتراك في مطلق المخالفة، وكذا قَالَ الزبير، قَالَ: واسمه وَجْز بن عامر بن غالب.
قوله: (إنه يَخافه) هو بكسر الهمزة استئنافًا تعليليًّا لا بفتحها؛ لثبوت اللام في الرواية الأخرى.
قوله: (ملك بني الأصفر) هم الروم، يقال: إن جدهم رُوم بن عِيص تزوج بنت ملك الحبشة، فجاء لون ولده بين البياض والسواد، فقيل له: الأصفر، وَقَالَ ابن هشام في التيجان: إنما لُقِّبَ الأصفر لأن جدته سارة زوج إبراهيم الخليل حَلَّته الذهب.
قوله: (فما زلت موقنًا) زاد في حديث عبد الله بن شداد، عن أبي سفيان: "فما زلتُ مرعوبًا من مُحَمَّد حَتَّى أسلمت" أخرجه الطبراني (١).
قوله: (حَتَّى أدخل الله عليَّ الإسلام) أي: فأظهرت ذَلِكَ اليقين، وليس المراد أن ذَلِكَ اليقين ارتفع.
قوله: (وكان ابن الناطور) هو بالطاء المهملة، وفي رواية الحَمَّوي بالظاء المعجمة، وهو بالعربية: حارس البُستان، ووقع في رواية الليث، عن يونس: "ابن ناطورا" (٢). بزيادة ألف في آخره، فعلى هذا هو اسم أعجمي.
стр. 190
* تنبيه:
الواو في قوله: "وكان" عاطفة، والتقدير: عن الزهري: أَخْبَرَنِي عُبيد الله فذكر الحديث، ثم قَالَ الزُّهري: وكان ابن النَّاطور يُحدِّث، فذكر هذه القصة، فهي موصولة إلَى ابن النَّاطور، لا معلقة كما زعم بعض من لا عناية له بهذا الشأن، وكذلك أغرب بعض المغاربة فزعم أن قصة ابن الناطور مروية بالإسناد المذكور عن أبي سفيان عنه، وكأنه لما رآها لا تصريح فيها بالسماع حملها عَلى ذَلِكَ، وقد بين أبو نُعيم في "دلائل النبوة" أن الزهري قَالَ: لقيته بدمشق في زمن عبد الملك بن مروان، وأظنه لم يتحمل عنه ذَلِكَ إلا بعد أن أسلم، وإنما وصفه بكونه سُقُفًّا؛ لينبه عَلى أنه كَانَ مطلعًا عَلى أسرارهم، عالِمًا بحقائق أخبارهم.
قوله: (صاحب إيلياء) أي: أميرها، وهو منصوب عَلى الاختصاص والحال، أو مرفوع عَلى الصفة، وهي رواية أبي ذر، والإضافة الَّتِي فيه تقوم مقام التعريف، وقول من زعم أنها في تقدير الانفصال في مقام المنع.
"وهرقل" معطوف عَلى "إيلياء"، وأطلق عليه الصحبة له: إما بمعنى التبع، وإما بمعنى الصداقة، ومنه استعمال صاحب في معنيين مجازي وحقيقي؛ لأنه بالنسبة [٤٢/أ] إلَى إيلياء أمير، وذلك مَجاز، وبالنسبة إلَى هرقل تابع، وذاك حقيقة.
وقوله (سقفًّا) بضم السين والقاف، كذا في رواية غير أبي ذر، وهو منصوب عَلى أنه خبر كَانَ، و"يحدث" خبر بعد خبر، وفي رواية الكُشْميهني: "سُقِف" بكسر القاف عَلى ما لم يسم فاعله، وفِي رواية المُسْتَمْلي والسرخسي مثله لكن بزيادة ألف في أوله.
والأُسْقُف والسُّقُف: قيل إنه لفظ أعجمي ومعناه: رئيس دين النصارى، وقيل: عربي وهو الطويل في انحناء، وقيل ذَلِكَ للرئيس؛ لأنه يتخاشع، وَقَالَ بعضهم: لا نظير له في وزنه إلا الأسْرُب، وهو الرصاص، لكن حكى ابن سِيده ثالثًا: وهو الأُسْكُف للصانع، ولا يرد الأُتْرُج لأنه جمع والكلام في المفرد.
قوله: (حين قدم إيلياء) يعني: في هذه الأيام، وهي عند غلبة جنوده عَلى جنود
стр. 191
فارس وإخراجهم، وكان ذَلِكَ في السنة الَّتِي اعتمر فيها النبي ﷺ عمرة الحُدَيْبية، وبلغ المسلمين نصرة الروم عَلى فارس ففرحوا، وقد ذكر التّرمِذيَ وغيره القصة مستوفاة في تفسير قوله تعالَى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ (١) [الروم: ٤، ٥]. وفِي أول الحديث في الجهاد (٢) عند المؤلف الإشارة إلَى ذَلِكَ.
قوله: (خبيث النفس) أي: رديء النفس غير طيبها، أي: مهمومًا، وقد تستعمل في كسل النفس، وفِي الصحيح: "لا يقولن أحدكم خَبُثَت نَفسي" (٣)، كأنه كره اللفظ.
والمراد بالخطاب: المسلمون، وأما استعمال ذَلِكَ في حق هرقل فغير ممتنع، وصرح في رواية ابن إسحاق بقولهم له: "لقد أصبحت مهمومًا" (٤).
وَ (البَطَارقة) جَمع بِطْريق، بكسر أوله: وهم خواص دولة الروم.
قوله: (حَزَّاءً) بالمهملة وتشديد الزاي آخره همزة منونة، أي: كاهنًا، يقال: حزا بالتخفيف يحزو حزوًا أي: تكهن.
وقوله: (ينظر في النجوم) إن جعلتها خبرًا ثانيًا [صح] (٥)؛ لأنه كَانَ ينظر في الأمرين، وإن جعلتها تفسيرًا للأول فالكهانة تارة تستند إلَى إلقاء الشياطين، وتارة تستفاد من أحكام النجوم، وكان كل من الأمرين في الجاهلية شائعًا ذائعًا إلَى أن أظهر الله الإسلام، فانكسرت شوكتهم، وأبطل الشرعُ الإعتماد عليهم.
стр. 192
وكان ما اطلع عليه هرقل من ذَلِكَ بمقتضى حساب [٤٢/ ب] المنجمين: أنهم زعموا أن المولد النبوي كَانَ بقران العلويين ببرج العقرب، وهُمَا يقترنان في كل عشرين سنة مرة إلَى أن تستوفي الثالثة بروجها في ستين سنة، فكان ابتداء العشرين الأولى المولد النبوي في القران المذكور، وعند تَمام العشرين الثانية مجيء جبريل بالوحي، وعند تَمام الثالثة فتح خيبر وعمرة القضية الَّتِي جرَّت فتح مكة وظهور الإسلام، وفِي تلك الأيام رأى هرقل ما رأى.
وَمِن جملة ما ذكروه أيضًا أن برج العقرب مائي، وهو دليل مُلْكِ القوم الذين يختتنون، فكان ذَلِكَ دليلًا عَلى انتقال المُلْكِ إلَى العرب، وأما اليهودُ فليسوا مرادًا هنا؛ لأن هذا لمن سينتقل إليه الملك لا لمن انقضى ملكه.
فإن قيل: كيف ساغ للبخاري إيراد هذا الخبر المشعر بتقوية [أمر] (١) المنجمين، والاعتماد عَلى ما يدل عليه أحكامهم؟
فالجواب: أنه لم يقصد ذَلِكَ، بل قصد أن يبين أن البشارات بالنبي ﷺ جاءت من كل طريق، وَعَلى لسان كل فريق من كاهن أو منجم أو مبطل إنسي أو جني، وهذا غاية ما [يشير إليه] (١) عالم، أو يحتج به محتج.
قوله: (مُلْك الختان) بضم الميم وإسكان اللام، وللكُشميهني بفتح الميم وكسر اللام.
قوله: (قد ظهر) أي: غلب، يعني: دله نظره عَلى أن ملك الختان قد غلب، وهو كما قَال؛ لأن تلك الأيام كَانَ ابتداء ظهور النبي ﷺ ، إذ صالح كفار مكة بالحديبية، وأنزل الله عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]؛ إذ فتح مكة سببه نقض قريش العهد الَّذِي كَانَ بينهم بالحُديبية، ومقدمة الظهور ظهور.
стр. 193
قوله: (من هذه الأمة) أي: من أهل هذا العصر، وإطلاق الأمة عَلى أهل العصر كلهم فيه تَجَوُّز، وهذا بخلاف قوله بعد هذا: "ملك هذه الأمة قد ظهر"، فإن مراده به العرب خاصة، والحصر في قولهم: "إلا اليهود" هو بمقتضى علمهم؛ لأن اليهود كانوا بإيلياء -وهي بيت المقدس- كثيرين تحت الدولة مع الروم، بخلاف العرب فإنهم وإن كَانَ منهم من هو تَحت طاعة ملك الروم كآل غَسَّان لكنهم كانوا ملوكًا برأسهم.
قوله: (فلا يهمنك) بضم أوله من أهمَّ: أثار الهم.
وقوله [٤٣/أ]: (شأنهم) أي: أَمْرهُم.
و(مداين) جمع مدينة، قَالَ أبو علي الفارسي: من جعله فعيلة من قولك: مدن بالمكان أي: أقام به؛ همزه كقبائل، ومن جعله مفعلة من قولك: دين؛ أي: ملك؛ لم يهمزه كمعايش. انتهى
وما ذكره في معايش هو المشهور، وقد روى خارجة عن نافع القارئ الهمز في معايش، وَقَالَ القزاز: من همزها توهمها من فعلية لشبهها بِها في اللفظ.
قوله: (فبينما هم عَلى أمرهم) أي: في هذه المشورة.
قوله: (أتي برجل لم يسم من أحضره).
و(ملك غسان) هو صاحب بُصْرَى الَّذِي قدمنا ذكره، وأشرنا إلَى أن ابن السكن روى أنه أرسل مِن عنده عَدي بن حاتِم، فيحتمل أن يكون هو المذكور، والله أعلم.
قوله: (عن خبر رسول الله ﷺ ) فَسَّر ذَلِكَ ابن إسحاق في روايته فقال: "خرج بين أَظْهُرِنا رجل يزعم أنه نبي، فقد اتَّبعَه ناس وخالفه ناس، فكانت بينهم مَلاحمُ في مَواطنَ فتركتهم وهم عَلى ذَلِكَ" (١)، فبين ما أُجْمل في حديث الباب؛ لأنه مُوهِمٌ أن ذَلِكَ كَانَ في أوائل ما ظهر النبي ﷺ .
قوله: (هُم يَخْتَتِنُون) في رواية الأصيلي: "مختتنون" بالميم، والأول أفيد وأشمل.
قوله: (هذا مُلك هذه الأمة قد ظهر).
стр. 194
كذا لأكثر الرواة بالضم والسكون، والقَابِسي بالفتح ثم الكسر، ولأبي ذر عن الكُشْميهني وحده: "يملك" فعل مضارع، قَالَ القاضي: أظنها ضمة الميم اتصلت بِها فتصحفت، ووجهه السهيلي في أماليه: بأنه مبتدأ وخبر، أي: هذا المذكور يملك هذه الأمة، وقيل: بجواز أن يكون "يملك" نعتًا، أي: هذا رجل يملك هذه الأمة، وَقَالَ شيخنا: يجوز أن يكون المحذوف هو الموصول عَلى رأي الكوفيين، أي: هذا الَّذِي يملك، وهو نظير قوله:
* وَهذَا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ (١) *
عَلى أن الكوفيين يجوِّزون استعمال اسم الإشارة بمعنى الاسم الموصول، فيكون التقدير: الَّذِي يملك، من غير حذف.
قُلْتُ: لكن اتفاق الرواية عَلى حذف الياء في أوله دَالٌّ عَلى ما قَالَ القاضي فيكون شاذًا، عَلى أني رأيت في أصل معتمد وعليه علامة السَّرْخسي: بباء موحدة في أوله، وتوجيهها أقرب من توجيه الأول [٤٣/ ب]؛ لأنه حينئذٍ تكون الإشارة بهذا إلَى ما ذكره من نظيره في حكم النجوم، والباء متعلقة بـ"ظهر"، أي: هذا الحكم ظهر بملك هذه الأمة الَّتِي تختتن.
قوله: (برُومِية) بالتخفيف: وهي مدينة معروفة للروم.
و(حمص) مجرور بالفتحة مُنِعَ صرفه للعلمية (٢) والتأنيث، ويحتمل أن يجوز صرفه.
قوله: (فلم يَرِم) أي: لَم يبرح.
(حَتَّى أتاه كتاب من صاحبه) وفِي رواية ابن إسحاق: أن هرقل أرسل دِحْيَة إلَى
стр. 195
ضَغَاطر الرومي، وَقَالَ: إنه في الروم أجوز قولًا مني، وإن ضغاطر المذكور أظهر إسلامه وألقى ثيابه الَّتِي كانت عليه ولبس ثيابًا بيضًا، وخرج عَلى الروم فدعاهم إلَى الإسلام، وشهد شهادة الحق، فقاموا إليه فضربوه حَتَّى قتلوه، قَالَ: فلما خرج دِحْيَة إلَى هرقل قَالَ له: قد قُلْتُ لك إنا نخافهم عَلى أنفسنا، فضغاطر كَانَ أعظم عندهم مني.
قُلْتُ: فيحتمل أن يكون هو صاحب رُومِية الَّذِي أبهم هنا، لكن يُعكر عليه ما قيل: إن دِحْية لم يَقْدِم عَلى هرقل بهذا الكتاب المكتوب في سنة الحُدَيْبية، وإنما قدم عليه بالكتاب المكتوب في غروة تَبُوك، فعلى هذا يحتمل أن يكون وقعت لضغاطر قصتان: أحدهما الَّتِي ذكرها ابن النَّاطُور، وليس فيها أنه أسلم، ولا أنه قُتل، والثانية الَّتِي ذكرها ابن إسحاق فإن فيها قصته مع دِحْيَة وأنه أسلم فقُتل، والله أعلم.
قوله: (وسار هرقل إلى حمص) لأنها كانت دار ملكه كما قدمناه، وكانت في زمانِهم أعظم من دِمِشْق، وكان فتحها عَلى يد أبي عُبيدة بن الجراح سنة ست عشرة بعد هذه القصة بعشر سنين.
وقوله: (وأنه نبي) يدل عَلى أن هرقل وصاحبه أقرا بنبوة نبينا ﷺ ، لكن هرقل كما ذكرنا لم يستمر عَلى ذَلِكَ بخلاف صاحبه.
قول: (فأذن) هو بالقصر من الإذن، وفِي رواية المستملي وغيره بالمد، ومعناه: أعلم.
و(الدَّسْكَرة) بسكون المهملة: القصر الذي حوله بيوت، وكأنه دخل القصر ثم أغلقه وفتح أبواب البيوت الَّتِي حوله، وأذن للروم في دخولها، ثم اطلع عليهم فخاطبهم، وإنما فعل ذَلِكَ خشية أن يثبوا به كما وثبوا بضغاطر.
قوله: (والرَّشَد) بفتحتين.
(وأن يثبت ملككم) لأنهم إن تَمادوا عَلى الكفر كَانَ سببًا لذهاب ملكهم (١) كما عَرِف هو ذَلِكَ [٤٤/ أ] من الأخبار السابقة.
стр. 196
قوله: (فتبايعوا) بالموحدة والمثناة من تحت، وللكُشْمَيْهني بمثناتين ثم موحدة، وللأَصيلي: "فنُبَايع" بنون وموحدة.
(لِهذا النبي) كذا لأبي ذر، والباقين بحذف اللام.
قوله: (فحاصوا) بمهملتين أي: نفروا، وشبههم بالحُمُر دون غيرها من الوحوش؛ لِمناسبة الجهل وعدم الفطنة، بل هم أضل.
قوله: (وأيس) في رواية الكُشْمَيهني، والأَصيلي: "ويئس" بياءين تحتانيتين وهُمَا بِمعنى (١)، والأول معلوم من الثاني.
قوله: (من الإيمان) أي: إيمانهم لما أظهروه، وإيمانه لأنه شح بملكه كما قدمناه، وكان يحب أن يطيعوه فيستمر ملكه ويُسلم ويُسلموا بإسلامه، وإلا فقد كَانَ قادرًا عَلى أن يفر عنهم ويترك ملكه رغبة فيما عند الله، والله الموفق.
قوله: (آنفًا) أي قرينًا، وهو منصوب عَلى الحال.
قوله: (فكان ذَلِكَ آخر شأن هرقل).
أي: فيما يتعلق بهذه القصة المتعلقة بدعائه إلَى الإيمان خاصة؛ لأنه انقضى أمره حينئذٍ ومات، أو أنه أطلق الآخرية بالنسبة إلَى ما في علمه، وهذا أوجه؛ لأن هرقل قد وقعت له قصص أخرى بعد ذَلِكَ: منها ما أشرنا إليه من تَجهيزه الجيوش إلَى مُؤْتَة، ومن تجهيزه الجيوش أيضًا إلَى تَبُوك، ومكاتبة النبي ﷺ له ثانية، وإرساله إلَى النبي ﷺ بذهبٍ فقسمه بين أصحابه، وهو في رواية ابن حبان الَّتِي أشرنا إليها قبل.
وفِي المسند من طريق سعيد بن أبي راشد التَّنُّوخي رسول هرقل قَالَ: قدم رسول الله ﷺ تبوك، فبعث دِحْيَة إلَى هِرقل، فلما جاءه الكتاب دعا قسيسي الروم وَبطَارِقَتَها. . . فذكر الحديث، قَالَ: فتحيروا حَتَّى [إن] (٢) بعضهم خرج من بُرْنُسه، فقال: اسكتوا، فإنما أردت أن أعلم تمسككم بدينكم (٣).
стр. 197
وروى ابن إسحاق، عن خالد بن يسار، عن رجل من قدماء أهل الشام: أن هرقل لما أراد الخروج من الشام إلَى القُسْطَنْطينية عرض عَلى الروم أمورًا: إما الإسلام، وإما الجزية، وإما أن يصالح النبي ﷺ عَلى الشام ويبقي لهم ما دون الدَّرْب، فأبوا، وأنه انطلق حَتَّى إذا أشرفَ عَلى الدَّرْب استقبلَ أرض الشام، ثم قَالَ: السلام عليكم أرض سُورية -يعني: الشام- تسليم المودع، ثم [٤٤/ ب] ركض حَتَّى دخل القُسْطَنْطِينية (١).
واختلف الإخباريون هل هو الَّذِي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر أو أبيه، والأظهر أنه هو.
* تنبيه:
لما كَانَ أمر هرقل في الإيمان عند كثير من الناس مستبهمًا؛ لأنه يحتمل أن يكون عدم تصريحه بالإيمان للخوف عَلى نفسه، ويحتمل أن يكون استمر عَلى الشك حَتَّى مات كافرًا، وَقَالَ الراوي في آخر القصة: "فكان ذَلِكَ آخر شأن هرقل"، ختم البُخَاريّ هذا الباب الذِي استفتحه بحديث الأعمال بالنيات، كأنه قَالَ: إن صدقت نيته انتفع بها في الجملة، وإلا فقد خاب وخسر، فظهرت مناسبة إيراد قصة ابن النَّاطُور في بدء الوحي لمناسبتها حديث الأعمال المصدَّر الباب به، ويؤخذ للمصنف من آخر لفظ في القصة براعة الاختتام، وهو واضح مما قررناه.
فإن قيل: ما مناسبة حديث أبي سفيان في قصة هرقل ببدء الوحي؟
والجواب: أنها تضمنت كيفية حال الناس مع النبي ﷺ في ذَلِكَ الابتداء، ولأن الآية المكتوب بِها إلَى هرقل ملتئمة مع الآية الَّتِي في الترجمة، وهي قوله تعالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ الآية [النساء: ١٦٣]. وَقَالَ تعالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية [الشورى: ١٣]. فبان أنه أوحى إليهم كلهم أن أقيموا الدين، وهو معنى قوله تعالَى: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤].
стр. 198
* خاتمة:
أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصَّائغ الدمشقي، قَالَ: حَدَّثنِي سيف الدين فُلَيْح المنصوري، قَالَ: أرسلني الملك المنصور قَلَاون إلى ملك الغرب بهدية، فأرسلني ملك الغرب إلَى ملك الفِرِنْج في شفاعة فقبلها، وعرض علي الإقامة عنده فامتنعت، فقال لي: لأتحفنك بتحفة سنية، فأخرج لي صندوقًا مصفحًا بذهب، فأخرج منه مقلمة ذهب، فأخرج منها كتابًا قد زالت أكثر حروفه، فقال: هذا كتاب نبيكم إلَى جدي قَيْصر، مازلنا نتوارثه إلَى الآن، وأوصانا آباؤنا أنه مادام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ ونعظمه، ونكتمه عن النصارى ليدوم لنا الملك. انتهى
ويؤيد هذا ما روي أن النبي ﷺ لما جاءه جواب هرقل قَالَ: "ثبت مُلكه" (١). والله أعلم.
قوله: (رواه صالح بن كيسان، ويونس، ومعمر، عن الزهري).
قَالَ الكرماني: يحتمل ذَلِكَ وجهين:
أن يروي البُخَاريّ عن [٤٥/ أ] الثلاثة بالإسناد المذكور، كأنه قَالَ: أنا أبو اليمان، قَالَ: أنا الثلاثة، عن الزهريّ، وأن يروي عنهم بطريق آخر.
كما أن الزهري يحتمل أيضًا في رواية الثلاثة أن يروي لهم عن عبيد الله، عن ابن عباس، وأن يروي لَهم عن غيره. هذا ما يحتمل اللفظ، وإن كَانَ الظاهر الاتحاد.
قُلْتُ: هذا الظاهر كَافٍ لمن شم أدنى رائحة من علم الإسناد، والاحتمالات العقلية المجردة لا مدخل لَها في هذا الفن، وأما الاحتمال الأول فأشد بعدًا؛ لأن أبا اليمان لم يلحق صالح بن كيسان، ولا سمع من يونس، وهذا أمر يتعلق بالنقل المحض، فلا يلتفت إلَى ما عداه، ولو كَانَ من [أهل] (٢) النقل لاطلع عَلى كيفية رواية الثلاثة لهذا الحديث بخصوصه فاستراح من هذا التردد.
стр. 199
وقد أوضحت ذَلِكَ في كتابي: "تغليق التعليق" (١)، وأشير إليه هنا إشارة مفهمة: فرواية صالح -وهو ابن كيسان- أخرجها المؤلف في كتاب الجهاد (٢) بتمامها من طريق إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسَان، عن الزُّهْري، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، وفيها من الفوائد الزوائد ما أشرتُ إليه في أثناء الكلام عَلى هذا الحديث من قبل، ولكنه انتهى عند قول أبي سفيان: "حَتَّى أدخل الله عَلَيَّ الإسلام"، زاد هنا: و"أنا كاره"، ولم يذكر قصة ابن النَّاطُور. وكذا أخرجه مُسْلِم (٣) بدونها من رواية إبراهيم المذكور.
ورواية يونس -وهو ابن يزيد الأَيْلِي- عن الزُّهْري بهذا الإسناد أيضًا أخرجها المؤلف في الجهاد (٤) مُختصرة من طريق الليث، وفي الاستئذان (٥) مُختصرة أيضًا من طريق ابن المبارك كلاهما، عن يونس، عن الزهري بسنده بعينه، ولم يسقه بتمامه، وقد ساقه بتمامه الطبراني (٦) من طريق عبد الله بن صالح، عن الليث، وذكر فيه قصة ابن النَّاطُور.
ورواية مَعْمَر، عن الزهري كذلك ساقها المؤلف بتمامها في التفسير (٧)، وقد أشرنا إلَى بعض فوائد زوائد فيما مضى أيضًا، وذكر فيه من قصة ابن النَّاطُور قطعة مُختصرة عن الزُّهري ولم يسمه (٨).
стр. 200
فقد ظهر لك أن الثلاثة عند المصنف عن [غير] (١) أبي اليمان، وأن الزهري إنما رواه لأصحابه بسند واحد عن شيخ واحد وهو عُبيد الله بن عبد الله، ولو احتمل أن يرويه لهم أو لبعضهم [٤٥/ ب] عن شيخ آخر لكان ذَلِكَ اختلافًا قد يُفضي إلَى الاضطراب الموجب للضعف، فلاح فساد ما ذكره من الاحتمال، والله الموفق والهادي إلَى الصواب، لا إله إلا هو.
стр. 201
٢ - كتاب الإيمان
١ - باب: قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ". وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ .
قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾، ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، وَقَوْلُهُ: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، وَالْحُبُّ في الله وَالْبُغْضُّ في الله مِنَ الإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسنَنًا، فَمَنِ اسْتكْمَلَهَا اسْتكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتكْمِلْهَا لَمْ يَسْتكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ﷺ : ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَر: لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ في الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾ أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وَإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ سَبِيلًا وَسُنَّةً.
قوله: (كتاب الإيْمَان) هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا كتاب الإيمان. وكتاب: مصدر، يقال: كتب يكتب كتابة وكتابًا، ومادة كتب دالة عَلى الجمع والضم، ومنها الكتيبة والكِتَابَة، استعملوا ذَلِكَ فيما يجمع أشياء من الأبواب والفصول الجامعة للمسائل، والضم فيه بالنسبة إلَى المكتوب من الحروف حقيقة، وبالنسبة إلَى المعاني المرادة منها مَجاز.
стр. 202
و"الباب": موضوعه المدخل، فاستعماله في المعاني مَجاز.
و"الإيمان" لغة: التصديق.
وشرعًا: تصديق الرسول فيما جاء به عن ربه.
وهذا القدر متفق عليه، ثم وقع الاختلاف: هل يشترط مع ذَلِكَ مزيد أمر من جهة إبداء هذا التصديق باللسان المعبر عما في القلب؛ إذ التصديق من أفعال القلوب، أو من جهة العمل بما صدق به من ذلك كفعل المأمورات وترك المنهيات كما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالَى؟
والإيمان فيما قيل: مشتق من الأمن، وفيه نظر؛ لتباين مدلولي الأمن والتصديق إلا إن لُوحِظ فيه معنًى مَجازيُّ، فيقال أمنه إذا صدقه، أي: أَمَّنَه التكذيب.
ولم يستفتح المصنف بدء الوحي بكتاب؛ لأن المقدمة لا تُسْتَفْتَح بمَا يُستفتح به غيرها؛ لأنها تنطوي عَلى ما يتعلق بما بعدها، واختلفت الروايات في تقديم البسملة عَلى "كتاب" أو تأخيرها، ولكلِّ وجه، والأول ظاهر، ووجه الثاني -وعليه أكثر الروايات- أنه جعل الترجمة قائمة مقام تسمية السورة، والأحاديث المذكورة بعد البسملة كالآيات مُسْتَفْتَحة بالبسملة.
قوله: (باب قول النبي ﷺ : بُنيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْس).
سقط لفظ "باب" من رواية الأَصِيلي، وقد وَصَل الحديث بَعْدُ تامَّا. واقتصاره عَلى طرفه من (١) تسمية الشيء باسم بعضه، والمراد باب هذا الحديث.
قوله: (وهو) أي: الإيمان (قول وفعل، ويزيد وينقص)، وفِي رواية الكُشْمَيْهَني: "قول وعمل"، وهو اللفظ الوارد عن السلف الذين أطلقوا ذَلِكَ، ووهم ابن التِّين فظن أن قوله: "وهو" إلَى آخره مرفوع لما رآه (٢) معطوفًا، وليس ذَلِكَ مراد المصنف، وإن كَانَ ذَلِكَ ورد بإسناد ضعيف [٤٦/أ].
стр. 203
* والكلام هنا في مقامين:
أحدهما: كونه قولًا وعملًا.
والثاني: كونه يزيد وينقص.
فأمَّا القول، فالمراد به: النطق بالشهادتين.
وأما العمل، فالمراد به: ما هو أعم من عمل القلب والجوارح، ليدخل الاعتقاد والعبادات، ومراد من أدخل ذَلِكَ في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلَى ما عند الله تعالَى.
* فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان، وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص كما سيأتي.
* والمرجئة قالوا: هو اعتقاد ونطق فقط.
* والكَرَّامِيَّة قالوا: هو نطقٌ فقط.
* والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والإعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله.
وهذا كله -كما قلنا- بالنظر إلى ما عند الله أما بالنظر إلَى ما عندنا فالإيمان هو: الإقرار فقط، فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدُّنْيَا ولم يُحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل عَلى كفره: كالسجود للصنم، فإن كَانَ الفعل لا يدل عَلى الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلَى إقراره، ومن نفى عنه الإيمان فبالنظر إلَى كماله، ومن أطلق عليه الكفر فبالنظر إلَى أنه فَعَلَ فِعْلَ الكافر، ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته، وأثبتت المعتزلة الواسطة فقالوا: الفاسق لا مؤمن ولا كافر.
وأمَّا المقام الثاني: فذهب السَّلف إلَى أن الإيمان يزيد وينقص، وأنكر ذَلِكَ أكثر المتكلمين، فقالوا: متى قَبِل ذَلِكَ كَانَ شكًّا.
قَالَ الشيخ محي الدين (١): والأظهر المختار أن التصديق يزيد وينقص بكثرة
стр. 204
النظر ووضوح الأدلة، ولهذا كَانَ إيمان الصِّدَّيقين أقوى من إيمان غيرهم، بحيث لا يعتريه الشبهة.
ويؤيده أن كل أحد يعلم أن ما في قلبه يتفاضل، حَتَّى أنه يكون في بعض الأحيان أعظم يقينًا وإخلاصًا وتوكلًا منه في بعضها، وكذلك في التصديق والمعرفة بحسب ظهور البراهين وكثرتها، وما نُقل عن السلف صرح به عبد الرزاق في "مصنفه" عن سفيان الثَّوْرِي، ومالك بن أنس، والأَوْزَاعِيّ، وابن جُرَيْج، وَمعْمَر وغيرهم [٤٦/ ب]، وهؤلاء فقهاء الأمصار في عصرهم.
وكذا نقله أبو القاسم اللالَكَائي في كتاب "السنة" عن الشافعي، وَأَحْمَد بن حَنْبَل، وإسحاق بن رَاهَويْه، وأبي عُبيد وغيرهم من الأئمة، وروى بسنده الصحيح عن البُخَاري قَالَ: لقيتُ أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيتُ أحدًا منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (١).
وأطنب ابن أبي حاتم واللالكائي في نقل ذلك بالأسانيد عن جَمع كثير من الصحابة والتابعين.
وَقَالَ الحاكم في مناقب الشافعي: ثَنَا أبو العباس الأَصَم: أنا الربيع، قَالَ: سمعتُ الشافعي يقول: "الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص".
ثم شرع المصنف يستدل لذلك بآيات من القرآن مصرحة بالزيادة، وبثبوتها يثبت المقابل، فإن كل قابل للزيادة قابل للنقصان ضرورة.
قوله: (والحب في الله والبغض في الله من الإيمان).
هو لفظ حديث أخرجه أبو داود من حديث أبي أمامة (٢)، والترمذي من حديث معاذ بن أنس (٣)، وسيأتي عند المصنف: "آية الإيمان حب الأنصار" (٤)، واستدل بذلك
стр. 205
عَلى أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الحب والبغض يتفاوتان.
قوله: (وكتب عمر بن عبد العزيز إلَى عدي بن عدي) أي: ابن عُمَيرة الكِنْدي، وهو تابعي من أولاد الصحابة، وكان عامل عمر بن عبد العزيز عَلى الجزيرة، فلذلك كتب إليه، والتعليق المذكور وصله أَحْمَد بن حنبل، وأبو بكر بن أبي شيبة في"كتاب الإيمان" (١) لَهما من طريق عيسى بن عاصم: حَدَّثنِي عَدِي بن عَدِي، قَالَ: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز: أما بعد: فإن للإيمان فرائض وشرائع. . . إلَى آخره.
قوله: (إن للإيْمان فرائض) كذا ثبت في معظم الروايات باللام، و"فرائض" بالنصب عَلى أنها اسم إنَّ، وفِي رواية ابن عساكر: "فإن الإيمانَ فرائضُ" عَلى أن "الإيمان" اسم إِنَّ و"فرائضُ" خبرها، وبالأول جاء الموصول الَّذِي أشرنا إليه.
قوله: (فرائض) أي: أعمال مفروضة.
(وشرائع) أي: عقائد دينية.
(وحدودًا) أي: منهيات ممنوعة.
(وسُننًا) أي: مندوبات.
قوله: (فإن أعش فسأبينها) أي أبين تفاريعها لا أصولها؛ لأن أصولها كانت معلومة لهم مُجملة، عَلى تجويز تأخير البيان عن وقت الخطاب، إذ الحاجة هنا [٤٧/ أ] لم تتحقق، والغرض من هذا الأثر أن عمر بن عبد العزيز كَانَ ممن يقول بأن الإيمان يزيد وينقص، حيث قَالَ: "استكمل"، و"لم يستكمل".
قَالَ الكرماني: وهذا عَلى إحدى الروايتين، وأما عَلى الرواية الأخرى فقد يمنع ذَلِكَ؛ لأنه جعل الإيمان غير الفرائض.
قُلْتُ: لكن آخر كلامه يُشعر بذلك، وهو قوله: "فمن استكملها" أي: الفرائض وما معها "فقد استكمل الإيمان" وبهذا تتفق الروايتان، فالمراد أنها من المكملات؛ لأن الشارع أطلق عَلى مكملات الإيمان إيمانًا.
стр. 206
قوله: (وَقَالَ إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾).
أشار إلَى تفسير سعيد بن جبير، ومُجاهد وغيرهما لهذه الآية، فروى ابن جرير بسنده الصحيح إلَى سعيد قَالَ: "قوله: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]؛ أي: يزداد يقيني" (١)، وعن مُجاهد قَالَ: "لأزداد إيْمَانًا إلَى إيماني" (٢)، وإذا ثبت ذَلِكَ عن إبراهيم مع أن نبينا قد أمر باتباع ملته كَانَ كأنه ثبت عن نبينا ﷺ ذَلِكَ، وإنما فَصَل المصنف بين هذه الآية وبين الآيات الَّتِي قبلها؛ لأن الدليل يؤخذ من تلك بالنصِّ، ومن هذه بالإشارة، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ معاذ) هو ابن جبل، وصرح بذلك الأصِيلي، والتعليق المذكور وصله أَحْمَد (٣)، وأبو بكر أيضًا بإسنادٍ صحيح (٤)، وفِي رواية لهما: كَانَ معاذ بن جبل يقول للرجل من إخوانه: "اجلس بنا نؤمن ساعة، فيجلسان فيذكران الله تعالَى ويحمدانه" (٥)، ووجه الدلالة منه ظاهر؛ لأنه لا يحمل عَلى أصل الإيمان لكونه كَانَ مؤمنًا، وأي مؤمن؟ ! وإنما يُحمل على إرادة أنه يزداد إيمانًا بذكر الله تعالَى.
وَقَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي: لا تعلق فيه للزيادة؛ لأن معاذا إنما أراد تجديد الإيمان؛ لأن العبد يؤمن في أول مرة فرضًا، ثم يكون أبدًا مُجددًا كلما نظر أو فكر.
وما نفاه أولًا أثبته آخرًا؛ لأن تجديد الإيمان إيمان.
قوله (وَقَالَ ابن مسعود: اليقين الإيْمان كله) هذا التعليق طرف من أثر وصله الطبراني بسند صحيح، وبقيته: "والصبر نصف الإيمان" (٦). وأخرجه أبو نُعيم في "الحلية" والبيهقي في "الزهد" من حديثه مرفوعًا (٧)، ولا يثبت رفعه.
وجرى المصنف عَلى عادته في الاقتصار عَلى ما يدل بالإشارة، وحذف ما يدل
стр. 207
بالصراحة؛ إذ لفظ النصف صريح في التجزئة، وفِي "الإيمان" [٤٧/ ب] لأحمد من طريق عبد الله بن عُكَيْم، عن ابن مسعود أنه قَالَ: كَانَ يقول: "اللَّهُمَّ زدنا إيمانًا ويقينًا وفقهًا" (١)، وإسناده صحيح، وهذا أصرح في المقصود، ولم يذكره المصنف لما أشرت إليه.
قوله: (وقال ابن عمر. . . إلى آخره).
المراد بالتقوى: وقاية النفس عن الشرك والأعمال السيئة، والمواظبة عَلى الأعمال الصالحة، وبهذا التقرير يصح استدلال المصنف.
وقوله: (حاك) بالمهملة والكاف الخفيفة، أي: تردد، ففيه إشارة إلَى أن بعض المؤمنين بلغ كُنْهَ الإيمان وحقيقتَه، وبعضهم لم يبلغ.
وقد ورد معنى قول ابن عمر عند مُسْلِم من حديث النوَّاس مرفوعًا (٢)، وعند أَحْمَد من حديث وابصة (٣)، وحَسَّنَ الترمِذيّ من حديث عطية السَّعْدي قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لا يكون الرجل من المتقين حَتَّى يدع ما لا بأس به حذرًا لِما به البأس" (٤). وليس فيها شيء عَلى شرط المصنف، فلهذا اقتصر عَلى أثر ابن عمر.
قوله: (وَقَالَ مُجاهد) وصل هذا التعليق عَبْد بن حُمَيد في تفسيره، والمراد أن الَّذِي تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة هو شرع للأنبياء كلهم.
* تنبيه:
قَالَ شيخنا شيخ الإسلام: وقع في أصل الصحيح في جَميع الروايات في أثر مُجاهد هذا تصحيف قَلَّ من تعرض لبيانه، وذلك أن لفظه: "وَقَالَ مجاهد: ﴿شَرَعَ لَكُمْ﴾: أوصيناك يا مُحَمَّد وإياه دينًا واحدًا"، والصواب: أوصاك يا مُحَمَّد وأنبياءه، كذا أخرجه عَبْد ابن حُمَيْد، والفِرْيابي، والطبري، وابن المُنْذر في تفاسيرهم وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد
стр. 208
مجاهد الضمير لنوح وحده مع أن في السياق ذكر جماعة. انتهى
ولا مانع من الإفراد في التفسير وإن كانَ لفظ الآية بالجمع عَلى إرادة المخاطب والباقون تَبَعٌ، وإفراد الضمير لا يمتنع؛ لأن نوحًا أُفرد في الآية فلم يتعين التصحيف، وغاية ما ذكَر من مَجيء التفاسير بخلاف لفظه أن يكون مذكورًا عند المصنف بالمعنى، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ ابن عباس) وصل هذا التعليق عبد الرزاق في "تفسيره" بسند صحيح.
و(المنهاج): السبيل؛ أي: الطريق الواضح.
و(الشرعة)، و"الشريعة" بمعنى، وقد شرع أي: سنَّ، فعلى هذا فيه لَفٌّ ونَشْر غير مرتب.
فإن قيل: هذا يدل عَلى اختلاف [٤٨/ أ] والَّذِي قبله عَلى اتحاد.
أجيب: بأن ذَلِكَ في الأصول وهذا في الفروع وهو الذِي يدخله النسخ.
стр. 209
٢ - باب: دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
٨ - حَدَّثنَا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُنيَ الإِسْلام عَلَى خَمْسٍ: شَهادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإيِتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ".
قوله: (دعاؤكم إيمانكم).
قَالَ النووي: يقع في كثير من النسخ هنا باب، وهو غلط فاحش، وصوابه حذفه، ولا يصح إدخال باب هنا؛ إذ لا تعلق له هنا.
قُلْتُ: ثبت باب في كثير من الروايات المتصلة، منها رواية أبي ذر، ويُمكن توجيهه، لكن قَالَ الكرماني إنه وقف عَلى نسخة مسموعة عَلى الفَربري بحذفه، وَعَلى هذا فقوله: "دعاؤكم إيمانكم" من قول ابن عباس، وعطفه عَلى ما قبله كعادته في حذف أداة العطف حيث ينقل التفسير، وقد وصله ابن جرير من قول ابن عباس، قَالَ في قوله: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، قَالَ: يقول: لولا إيمانكم.
أخبر الله الكفار أنه لا يعبأ بهم، ولولا إيمان المؤمنيِن لم يعبأ بهم أيضًا، ووجه الدلالة للمصنف: أن الدعاء عمل، وقد أطلقه عَلى الإيمان، فيصبح إطلاق أن الإيمان عمل، وهذا تفسير ابن عباس.
وَقَالَ غيره: الدعاء هنا مصدر مضاف إلَى المفعول، والمراد: دعاء الرسول الخلق إلَى الإيمان، فالمعنى: ليس لكم عند الله إلا أن يدعوكم الرسول فيؤمن من آمن ويكفر من كفر، فقد كذبتم أنتم فسوف يكون العذاب لازمًا لكم.
قوله: (حنظلة بن أبي سفيان).
هو قرشي مكي، من ذرية صفوان بن أمية الجُمَحي.
стр. 210
و (عكرمة بن خالد) هو ابن سعيد بن العاصي بن هشام بن المغيرة المخزومي، [وهو ثقة متفق عليه، وفِي طبقته عكرمة بن خالد بن سلمة بن هشام بن المغيرة المخزومي] (١)، وهو ضعيف ولم يُخرج له البخاري، نبهت عليه لشدة التباسه، ويفترقان بشيوخهما، ولم يرو الضعيف عن ابن عمر.
زاد مُسْلِم في روايته عن حنظلة قَالَ: سمعتُ عكرمة بن خالد يحدث طاووسًا أن رجلا قالَ لعبد الله بن عمر: ألا تغزو؟ ! فقال: إني سمعتُ. . . فذكره الحديث (٢).
* فائدة:
اسم الرجل السائل حكيم، ذكره البيهقي.
قوله: (عَلى خَمس) أي: دعائم، صَرَّحَ به عبد الرزاق في روايته (٣)، وفي رواية لمسلم: "عَلى خَمسة" (٤)؛ أي: أركان.
فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية عَلى الشهادة؛ إذ لا يصح شيء منها إلا بعد وجودها، فكيف يضم مبني إلَى مبني عليه في مسمى واحد؟
أجيب: بأن المجموع غير من حيث الانفراد، عين من حيث الجمع، ومثاله البيت من الشّعْر [٤٨/ ب] يجعل عَلى خَمسة أعمدة: أحدها أوسط والبقية أركان، فمادام الأوسط قائمًا فمسمى البيت موجودًا، ولو سقط مهما سقط من الأركان، فإذا سقط الأوسط سقط مسمى البيت، فالبيت بالنظر إلَى مجموعه شيء واحد، وبالنظر إلَى أفراده أشياء، وأيضًا فبالنظر إلَى أُسِّه وأركانه، الأُسُّ أصل، والأركان تبع وتكملة.
* تنبيهات:
أحدها: لم يذكر الجهاد لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال، ولهذا جعله ابن عمر جواب السائل، وزاد في رواية عند عبد الرزاق في آخره: "وإن
стр. 211
الجهاد من العمل الحسن" (١).
وأغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كَانَ أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وفيه نظر، بل هو خطأ؛ لأن فرض الجهاد كَانَ قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلكَ، والحج بعد ذَلِكَ عَلى الصحيح.
ثانيها: قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" وما بعدها مخفوض عَلى البدل من "خمس"، ويجوز الرفع عَلى حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو عَلى حذف المبتدأ والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله.
فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة [و] (٢) غير ذَلِكَ مما تضمنه سؤال جبريل.
أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جَميع ما ذكر من المعتقدات. وَقَالَ الإسماعيلي ما مُحصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأتُ الحمد، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدت برسالة مُحَمَّد، وتريد جَميع ما ذكر، والله أعلم.
ثالثها: المراد بـ"إقام الصلاة": المداومة عليها، أو مُطلق الإتيان بها، والمراد بـ"إيتاء الزكاة": إخراج جزء من المال عَلى وجهٍ مَخصوص.
رابعها: اشترط ابن البَاقِلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد عَلى الرسالة، ولم يُتَابع، مع أنه إذا دقق فيه بَانَ وجهه، ويزداد اتجاهًا إذا فرقها، فليُتَأمل.
خامسها: يُستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحة إسلام من باشر ما ذكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصح [٤٩/ أ] منه، وهذا العموم مَخصوص بقوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] عَلى ما تقرر في موضعه.
стр. 212
سادسها: وقع هنا تقديم الحج عَلى الصوم، وعليه بنى البُخَاريّ ترتيبه، لكن وقع في مُسْلِم من رواية سعد بن عُبَيدة، عن ابن عمر بتقديم الصوم عَلى الحج، قَالَ: "فقال رجل: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعت من رسول الله ﷺ " (١). انتهى
ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة الَّتِي في البُخَاريّ مروية بالمعنى إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر عَلى الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذَلِكَ ثم نسيه.
ويبعد ما جوَّزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ﷺ عَلى الوجهين ونسي أحدهما عند رده عَلى الرجل، ووجه بُعْده: أن تطرق النسيان إلَى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلَى الصحابي، كيف وفِي رواية مُسْلِم (٢) من طريق حنظلة بتقديم الصوم عَلى الحج، فتنويعه دال عَلى أنه روي بالمعنى، ويؤيده ما وقع عند البُخَاريّ في التفسير (٣) بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال: إن الصحابي سمعه عَلى ثلاثة أوجه، هذا مستبعد، والله أعلم.
* فائدة:
اسم الرجل المذكور: يزيد بن بشر السَّكْسَكِي، ذكره الخطيب البغدادي رَحِمَهُ الله تَعَالَى.
стр. 213
٣ - باب: أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ.
قوله: (باب أمور الإيمان)، وللكُشْمَيْهني: "أمر الإيمان" بالإفراد عَلى إرادة الجنس، والمراد: بيان الأمور الَّتِي هِيَ الإيمان والأمور الَّتِي للإيمان.
قوله: (وقول الله) بالخفض، ووجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب يظهر من الحديث الَّذِي رواه عبد الرزاق (١) وغيره من طريق مُجاهد: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلَى آخرها، ورجاله ثقات، وإنما لم يسقه المؤلف لأنه ليس عَلى شرطه، ووجهه: أن الآية حصرت التقوى عَلى أصحاب هذه الصفات، والمراد: المتقون من الشرك والأعمال السيئة، فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون، والجامع بين الآية والحديث: أن الأعمال مع انضمامها إلَى التصديق داخلة في مسمى البر، كما هيَ داخلة في مسمى الإيمان.
فإن قيل: ليس في المتن ذكر التصديق؟
أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه [٤٩/ ب] مُسْلِم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الَّذي يذكر أصله وإن لم يسقه تامًا.
стр. 214
قوله: (قد أفلح المؤمنون) ذكره بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير: وقول الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، وثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرًا لقوله المتقون، أي: المتقون هم الموصوفون بقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى آخرها.
وكأن المؤلف أشار إلَى إمكان عد الشُّعَب من هاتين الآيتين وشبههما، ومن ثَمَّ ذكر ابن حبان أنه عد كل طاعة عدها الله في كتابه من الإيمان وكل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان، وحذف المكرر، فبلغت تسعًا وسبعين (١).
стр. 215
٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيُمَانُ ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ".
قوله: (بضع) بكسر أوله، وحُكي الفتح لغة، وهو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلَى التسع، كما جزم به القزاز، وَقَالَ ابن سِيْدَه: إلَى العشر، وقيل: من واحد إلَى تسعة، وقيل: من اثنين إلَى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع.
ويرجح ما قاله القزاز ما رواه الترمِذيّ (١) بسندٍ صحيح أن قريشًا قالوا ذَلِكَ لأبي بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعًا (٢).
* تنبيه:
وقع في بعض الروايات: "بضعة" بتاء التأنيث ويحتاج إلَى تأويل.
قوله: (وستون) لم تَختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلف في ذَلِكَ، وتابعه يحيى الحِمَّاني -بكسر المهملة وتشديد الميم-، عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عوانة من طريق بِشْر بن عُمَر، عن سليمان بن بلال، فقال: "بضع وستون أو بضع وسبعون"، وكذا وقع التردد فيه في رواية مُسْلِم من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار (٣)، ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه فقالوا: "بضع وسبعون" (٤)، من غير شك، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريقه: "ست وسبعون أو سبع وسبعون".