الجهاد من العمل الحسن" (١).
وأغرب ابن بطال فزعم أن هذا الحديث كَانَ أول الإسلام قبل فرض الجهاد، وفيه نظر، بل هو خطأ؛ لأن فرض الجهاد كَانَ قبل وقعة بدر، وبدر كانت في رمضان في السنة الثانية، وفيها فرض الصيام والزكاة بعد ذلكَ، والحج بعد ذَلِكَ عَلى الصحيح.
ثانيها: قوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" وما بعدها مخفوض عَلى البدل من "خمس"، ويجوز الرفع عَلى حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا الله، أو عَلى حذف المبتدأ والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا الله.
فإن قيل: لم يذكر الإيمان بالأنبياء والملائكة [و] (٢) غير ذَلِكَ مما تضمنه سؤال جبريل.
أجيب: بأن المراد بالشهادة تصديق الرسول فيما جاء به، فيستلزم جَميع ما ذكر من المعتقدات. وَقَالَ الإسماعيلي ما مُحصله: هو من باب تسمية الشيء ببعضه، كما تقول: قرأتُ الحمد، وتريد جميع الفاتحة، وكذا تقول مثلًا: شهدت برسالة مُحَمَّد، وتريد جَميع ما ذكر، والله أعلم.
ثالثها: المراد بـ"إقام الصلاة": المداومة عليها، أو مُطلق الإتيان بها، والمراد بـ"إيتاء الزكاة": إخراج جزء من المال عَلى وجهٍ مَخصوص.
رابعها: اشترط ابن البَاقِلاني في صحة الإسلام تقدم الإقرار بالتوحيد عَلى الرسالة، ولم يُتَابع، مع أنه إذا دقق فيه بَانَ وجهه، ويزداد اتجاهًا إذا فرقها، فليُتَأمل.
خامسها: يُستفاد منه تخصيص عموم مفهوم السنة بخصوص منطوق القرآن؛ لأن عموم الحديث يقتضي صحة إسلام من باشر ما ذكر، ومفهومه أن من لم يباشره لا يصح [٤٩/ أ] منه، وهذا العموم مَخصوص بقوله تعالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ [الطور: ٢١] عَلى ما تقرر في موضعه.
стр. 212
سادسها: وقع هنا تقديم الحج عَلى الصوم، وعليه بنى البُخَاريّ ترتيبه، لكن وقع في مُسْلِم من رواية سعد بن عُبَيدة، عن ابن عمر بتقديم الصوم عَلى الحج، قَالَ: "فقال رجل: والحج وصيام رمضان، فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج، هكذا سمعت من رسول الله ﷺ " (١). انتهى
ففي هذا إشعار بأن رواية حنظلة الَّتِي في البُخَاريّ مروية بالمعنى إما لأنه لم يسمع رد ابن عمر عَلى الرجل لتعدد المجلس، أو حضر ذَلِكَ ثم نسيه.
ويبعد ما جوَّزه بعضهم أن يكون ابن عمر سمعه من النبي ﷺ عَلى الوجهين ونسي أحدهما عند رده عَلى الرجل، ووجه بُعْده: أن تطرق النسيان إلَى الراوي عن الصحابي أولى من تطرقه إلَى الصحابي، كيف وفِي رواية مُسْلِم (٢) من طريق حنظلة بتقديم الصوم عَلى الحج، فتنويعه دال عَلى أنه روي بالمعنى، ويؤيده ما وقع عند البُخَاريّ في التفسير (٣) بتقديم الصيام على الزكاة، أفيقال: إن الصحابي سمعه عَلى ثلاثة أوجه، هذا مستبعد، والله أعلم.
* فائدة:
اسم الرجل المذكور: يزيد بن بشر السَّكْسَكِي، ذكره الخطيب البغدادي رَحِمَهُ الله تَعَالَى.
стр. 213
٣ - باب: أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ.
قوله: (باب أمور الإيمان)، وللكُشْمَيْهني: "أمر الإيمان" بالإفراد عَلى إرادة الجنس، والمراد: بيان الأمور الَّتِي هِيَ الإيمان والأمور الَّتِي للإيمان.
قوله: (وقول الله) بالخفض، ووجه الاستدلال بهذه الآية ومناسبتها لحديث الباب يظهر من الحديث الَّذِي رواه عبد الرزاق (١) وغيره من طريق مُجاهد: أن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن الإيمان، فتلا عليه: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] إلَى آخرها، ورجاله ثقات، وإنما لم يسقه المؤلف لأنه ليس عَلى شرطه، ووجهه: أن الآية حصرت التقوى عَلى أصحاب هذه الصفات، والمراد: المتقون من الشرك والأعمال السيئة، فإذا فعلوا وتركوا فهم المؤمنون الكاملون، والجامع بين الآية والحديث: أن الأعمال مع انضمامها إلَى التصديق داخلة في مسمى البر، كما هيَ داخلة في مسمى الإيمان.
فإن قيل: ليس في المتن ذكر التصديق؟
أجيب: بأنه ثابت في أصل هذا الحديث كما أخرجه [٤٩/ ب] مُسْلِم وغيره، والمصنف يكثر الاستدلال بما اشتمل عليه المتن الَّذي يذكر أصله وإن لم يسقه تامًا.
стр. 214
قوله: (قد أفلح المؤمنون) ذكره بلا أداة عطف، والحذف جائز، والتقدير: وقول الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]، وثبت المحذوف في رواية الأصيلي، ويحتمل أن يكون ذكر ذلك تفسيرًا لقوله المتقون، أي: المتقون هم الموصوفون بقوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ إلى آخرها.
وكأن المؤلف أشار إلَى إمكان عد الشُّعَب من هاتين الآيتين وشبههما، ومن ثَمَّ ذكر ابن حبان أنه عد كل طاعة عدها الله في كتابه من الإيمان وكل طاعة عدها رسول الله ﷺ من الإيمان، وحذف المكرر، فبلغت تسعًا وسبعين (١).
стр. 215
٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيُمَانُ ابْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ".
قوله: (بضع) بكسر أوله، وحُكي الفتح لغة، وهو عدد مبهم مقيد بما بين الثلاث إلَى التسع، كما جزم به القزاز، وَقَالَ ابن سِيْدَه: إلَى العشر، وقيل: من واحد إلَى تسعة، وقيل: من اثنين إلَى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع.
ويرجح ما قاله القزاز ما رواه الترمِذيّ (١) بسندٍ صحيح أن قريشًا قالوا ذَلِكَ لأبي بكر، وكذا رواه الطبري مرفوعًا (٢).
* تنبيه:
وقع في بعض الروايات: "بضعة" بتاء التأنيث ويحتاج إلَى تأويل.
قوله: (وستون) لم تَختلف الطرق عن أبي عامر شيخ شيخ المؤلف في ذَلِكَ، وتابعه يحيى الحِمَّاني -بكسر المهملة وتشديد الميم-، عن سليمان بن بلال، وأخرجه أبو عوانة من طريق بِشْر بن عُمَر، عن سليمان بن بلال، فقال: "بضع وستون أو بضع وسبعون"، وكذا وقع التردد فيه في رواية مُسْلِم من طريق سُهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار (٣)، ورواه أصحاب السنن الثلاثة من طريقه فقالوا: "بضع وسبعون" (٤)، من غير شك، ولأبي عوانة في "صحيحه" من طريقه: "ست وسبعون أو سبع وسبعون".
стр. 216
ورجح البيهقي رواية البخاري؛ لأن سليمان لم يشك، وفيه نظر لما ذكرنا من رواية بشر بن عمر عنه فتردد أيضًا، لكن يرجح بأنه المُتَيقَّنُ وما عداه مشكوك فيه، وأما رواية التّرمِذيّ (١) بلفظ: "أربع وستون" فمعلولة، وَعَلى صحتها لا تخالف رواية البُخَاريّ، وترجيح رواية: "بضع وسبعون" لكونها زيادة ثقة لا يستقيم؛ إذ الَّذِي زادها لم يستمر عَلى الجزم بها لاسيما مع اتحاد المخرج [٥٠/أ]، وبهذا تبين شفوف نظر البخاري.
قوله (شُعْبَة) بالضم أي: قطعة، والمراد: الخصلة أو الجزء.
قوله: (والْحَياء) هو بالمد، وهو في اللغة: تَغَيُّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وفِي الشرع: خُلُقٌ يبعث عَلى اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولهذا جاء في الحديث الآخر: "الْحَياء خَيْر كله" (٢).
فإن قيل: الحياء من الغرائز فكيف جُعِل شُعْبة من الإيمان؟
أجيب: بأنه قد يكون غريزة وقد يكون تَخلقًا، ولكن استعماله عَلى وفق الشرع يحتاج إلَى اكتساب وعلم ونية، فهو من الإيمان لهذا، ولكونه باعثًا عَلى فعل الطاعة، وحاجزًا عن فعل المعصية، ولا يقال: رُبَّ حياء يمنع عن قول الحق أو فعل الخير؛ لأن ذَلِكَ ليس شرعيًّا.
فإن قيل: لِمَ أفرده بالذكر هنا؟
أجيب: بأنه كالداعي إلَى باقي الشُّعب، إذ الحَيِيُّ يخاف فضيحة الدُّنْيَا والآخرة فيأتمر وينزجر، والله الموفق.
* فائدة:
قَالَ القاضي عياض: تَكلَّف جماعة حصر هذه الشُّعب بطريق الاجتهاد، وفِي الحكم
стр. 217
بكون ذَلِكَ هو المراد صعوبةٌ، ولا يقدح عدم معرفة ذَلِكَ عَلى التفصيل في الإيمان. انتهى
ولم يتفق من عد الشعب عَلى نَمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان، لكن لم نقف عَلى بيانها من كلامه، وقد لخصت مما أوردوه وما أذكره، وهو أن هذه الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن:
* فأعمال القلب: فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل عَلى أربع وعشرين خصلة:
١ - الإيمان بالله ويدخل فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده بأن ليس كمثله شيء، واعتقاد حُدُوث ما دونه.
٢ - والإيمان بملائكته.
٣ - وكتبه.
٤ - ورسله.
٥ - والقدر خيره وشره.
٦ - والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه المساءلة في القبر، والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار.
٧ - ومحبة الله.
٨ - والحب والبغض فيه.
٩ - ومحبة النبي ﷺ ، واعتقاد تعظيمه، ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته.
١٠ - والإخلاص، ويدخل فيه ترك الرياء والنفاق.
١١ - والتوبة.
١٢ - والخوف.
١٣ - والرجاء.
١٤ - والشكر.
١٥ - والوفاء.
١٦ - والصبر.
١٧ - والرضا بالقضاء.
١٨ - والتوكل.
١٩ - والرحمة.
٢٠ - والتواضع، ويدخل فيه توقير الكبير ورحمة الصغير [٥٠/ ب].
стр. 218
٢١ - وترك التكبر (١) والعجب.
٢٢ - وترك الحسد.
٢٣ - وترك الحقد.
٢٤ - وترك الغضب.
* وأعمال اللسان: وتشتمل عَلى سبع خصال:
١ - التلفظ بالتوحيد.
٢ - وتلاوة القرآن.
٣ - وتعلم العلم.
٤ - وتعليمه.
٥ - والدعاء.
٦ - والذكر ويدخل فيه الاستغفار.
٧ - واجتناب اللغو.
* وأعمال البدن: وتشتمل عَلى ثمانٍ وثلاثين خصلة:
* منها: ما يختص بالأعيان؛ وهي خَمس عشرة خصلة:
١ - التطهر حسًا وحكمًا، ويدخل فيه اجتناب النجاسات.
٢ - وستر العورة.
٣ - والصلاة فرضًا ونفلًا.
٤ - والزكاة كذلك.
٥ - وفك الرقاب.
٦ - والجود، ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف.
٧ - والصيام فرضًا ونفلًا.
٨ - والحج والعمرة كذلك.
٩ - والطواف.
١٠ - والاعتكاف.
١١ - والتماس ليلة القدر.
١٢ - والفرار بالدين، ويدخل فيه الهجرة من دار الشرك.
١٣ - والوفاء بالنذر.
١٤ - والتحري في الأيمان.
١٥ - وأداء الكفارات.
* ومنها: ما يتعلق بالأتباع؛ وهي ست خصال:
١ - التعفف بالنكاح.
стр. 219
٢ - والقيام بحقوق العيال.
٣ - وبر الوالدين، وفيه اجتناب العقوق.
٤ - وتربية الأولاد.
٥ - وصلة الرحم.
٦ - وطاعة السادة، أو الرفق بالعبيد.
* ومنها: ما يتعلق بالعامة؛ وهي سبع عشرة خصلة:
١ - القيام بالإِمْرَة مع العدل.
٢ - ومتابعة الجماعة.
٣ - وطاعة أولي الأمر.
٤ - والإصلاح بين الناس، ويدخل فيه قتال الخوارج والبُغَاة.
٥ - والمعاونة عَلى البر، ويدخل فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٦ - وإقامة الحدود.
٧ - والجهاد، ومنه المرابطة.
٨ - وأداء الأمانة، ومنه أداء الخُمُس.
٩ - والقرض مع وفائه.
١٠ - وإكرام الجار.
١١ - وحسن المعاملة، وفيه جمع المال من حله.
١٢ - وإنفاق المال في حقه، وفيه ترك التبذير والإسراف.
١٣ - ورد السلام.
١٤ - وتشميت العاطس.
١٥ - وكف الضرر عن الناس.
١٦ - واجتناب اللهو.
١٧ - وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خصلة، ويُمكن عدها تسعًا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلَى بعض مما ذكر، والله أعلم.
* تنبيه:
في الإسناد رواية الأقران، وهي رواية عبد الله بن دينار عن أبي صالح، لأنهما تابعيان، فإن وجدت رواية أبي صالح عنه صار من المْدَبَّج، ورجاله من سليمان إلَى منتهاه من أهل المدينة، وقد دخلها الباقون.
стр. 220
٤ - باب: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ
١٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي السَّفَرِ، وَإِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَقَالَ أَبُو مُعَاوِيَة: حَدَّثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
قوله: (باب) سقط من رواية الأصِيلي، وكذا أكثر الأبواب، وهو [٥١/ أ] منون، ويجوز فيه الإضافة إلَى جملة الحديث، لكن لم تأت به الرواية.
قوله: (المسلم) استعمل لفظ الحديث ترجمة من غير تصرف فيه.
قوله: (أبي إياس) اسمه ناهيه بالنون وبين الهاءين ياء أخيرة، وقيل: اسمه عبد الرحمن.
قوله: (أبي السَّفَر) اسمه سعيد بن مُحَمَّد كما تقدم.
و(إسماعيل) مجرورًا بالفتحة عطفا عليه، والتقدير: كلاهما عن الشعبي.
و(عبد الله بن عمرو) هو ابن العاص صحابي ابن صحابي.
قوله: (المسلم) قيل: الألف واللام فيه للكمال، نَحو: زيد الرجل؛ أي: الكامل في الرجولية، وتعقب بأنه يستلزم أن من اتصف بهذا خاصة كَانَ كاملًا، أو يُجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان.
قَالَ الخَطَّابي: المراد أفضل المسلمين من جَمع إلَى أداء حقوق الله أداء حقوق المسلمين. انتهى
وإثبات اسم الشيء عَلى معنى إثبات الكمال له مستفيض في كلامهم، ويحتمل أن يكون المراد بذلك: أن يُبَيِّن علامة المسلم الَّتِي يُستدل بِها عَلى إسلامه، وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده، كما ذكر مثله في علامة المنافق.
стр. 221
ويحتمل أن يكون المراد بذلك: الإشارة إلَى حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأولى أن يحسن معاملة ربه، من باب التنبيه بالأدنى عَلى الأعلى.
* تنبيه:
ذِكْر المسلمين هنا خرج مخرج الغالب، لأن محافظة المسلم عَلى كف الأذى عن أخيه المسلم أشد تأكيدًا؛ ولأن الكفار بصدد أن يُقَاتلوا وإن كَانَ فيهم من يجب الكف عنه، والإتيان بجمع التذكير للتغليب، فإن المسلمات يدخلن في ذَلِكَ.
وخص اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عما في النفس، وكذا اليد؛ لأن أكثر الأفعال بِها، والحديث عام بالنسبة إلَى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يُمكنه القول في الماضين والموجودين والحادثين بعدُ، بخلاف اليد.
نعم؛ يُمكن أن تشارك اللسان في ذَلِكَ بالكتابة، وإن أثرها في ذَلِكَ لعظيم.
وفي التعبير باللسان دون القول نكتة؛ فيدخل فيه من أخرج لسانه عَلى سبيل الاستهزاء، وفي ذكر اليد دون غيرها من الجوارح نكتة؛ ليدخل فيه اليد المعنوية كالاستيلاء عَلى حق الغير [٥١ / ب] بغير حق.
* فائدة: فيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق وهو كثير.
قوله (والْمُهَاجِر) هذه الهجرة ضربان ظاهرة وباطنة:
فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان.
والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن.
وكان المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا عَلى مجرد التحول من دارهم حَتَّى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلِكَ قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذَلِكَ بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نَهى الله عنه. فاشتملت هاتان الجملتان عَلى جوامع من معاني الحِكَم والأحكام.
стр. 222
* تنبيه:
هذا الحديث من أفراد البُخَاري عن مُسْلِم بخلاف جميع ما تقدم من الأحاديث المرفوعة، عَلى أن مسلمًا أخرج معناه من وجه آخر (١)، وزاد ابن حبان، والحاكم في "المستدرك" من حديث أنس صحيحًا: "والْمُؤمن من أَمِنَهُ الناس" (٢)، وكأنه اختصره هنا لتضمنه معناه، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ أبو معاوية: ثَنَا داود) هو ابن أبي هند، وكذا في رواية ابن عساكر.
(عن عامر). وهو الشَّعْبي المذكور في الإسناد الموصول.
وأراد بهذا التعليق: بيان سماعه له من الصحابي، والنكتة فيه: رواية وُهَيْب بن خالد له، عن داود، عن الشّعْبي، عن رجل، عن عبد الله بن عَمْرو، حكاه ابن منده (٣)، فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذَلِكَ عن عبد الله ثم لقيه فسمعه منه، [ونبه] (٤) بالتعليق الآخر عَلى أن عبد الله الَّذِي أُهمل في روايته هو عبد الله بن عمرو الَّذي بُيِّن في رواية رفيقه.
والتعليق عن أبي معاوية وصله إسحاق بن رَاهَويه في "مسنده" عنه، وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" من طريقه، ولفظه: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: ورب هذه البَنيَّة لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "المهاجر من هجر السيئات، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده" (٥)، فعلم أنه ما أراد إلا أصل الحديث.
والمراد بالناس هنا: المسلمون كما في الحديث الموصول، فهم الناس حقيقة، ويُمكن حمله عَلى عمومه عَلى إرادة شرط وهو: "إلا بحق" [٥٢/ أ]، وإرادة هذا الشرط متعينة عَلى كل حال، والله أعلم.
стр. 223
٥ - باب: أَيُّ الإسْلَامِ أَفْضَلُ
١١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ اِبْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الإِسْلَامِ أفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ".
قوله: (بَاب) هو منون، وفيه ما في الذي قبله.
قوله: (ثَنَا أَبو بُرْدة).
هو بُرَيْد بالموحدة والراء مصغر، وشيخه جده، وافقه في كنيته لا في اسمه.
و(أبو موسى) هو الأشعري.
قوله: (قالوا) رواه مُسْلِم، والحسن بن سفيان، وأبو يعلى في مسنديهما، عن سعيد ابن يحيى شيخ البُخَاريّ بإسناده هذا بلفظ: "قلنا" (١)، ورواه ابن منده من طريق حسين بن مُحَمَّد القَبَّاني أحد الحفاظ عن سعيد بن يحيى هذا بلفظ: "قُلْت" (٢). فتعين أن السائل أبو موسى ولا تخالف بين الروايات؛ لأنه في هذه صَرَّحَ، وفي رواية مُسْلِم أراد نفسه ومن معه من الصحابة؛ إذ الراضي بالسؤال في حكم السائل، وفي رواية البُخَاريّ أبْهَم وإياهم أراد.
وقد سأل هذا السؤال أيضًا أبو ذر رواه ابن حبان (٣)، وعُمَيْر بن قَتَادة رواه الطبراني (٤).
قوله: (أي الإسلام).
إن قيل: الإسلام مفرد، وشرط "أي": أن تدخل عَلى متعدد.
стр. 224
أجيب: بأن فيه حذفًا تقديره: أي ذوي الإسلام أفضل، ويؤيده رواية مُسْلِم: "أي المسلمين أفضل" (١).
والجامع بين اللفظين: أن أفضلية المسلم حاصلة بهذه الخصلة، وإذا ثبت أن بعض خصال المسلمين المتعلقة بالإسلام أفضل من بعض حصل مراد المصنف بقبول الزيادة والنقصان، فتظهر مناسبة هذا الحديث والَّذِي قبله لما قبلهما من تعداد أمور الإيمان. إذ الإيمان والإسلام عنده مترادفان.
[فإن] (٢) قيل: لِمَ جرد أفضل هنا عن العمل؟
أجيب: بأن الحذف عند العلم به جائز، والتقدير: "من غيره".
* تنبيه:
هذا الإسناد كله كوفيون، ويحيى بن سعيد المذكور اسم جده أَبان بن سعيد بن العاصي بن سعيد بن العاصي بن أمية الأمَوي، ونسبه المصنف قرشيًّا بالنسبة الأعَمَيَّة، يكنى أبا أيوب، وفِي طبقته يحيى بن سعيد القَطَّان، وحديثه في هذا الكتاب أكثر من حديث الأموي، وليس له ابن يروي عنه يسمى سعيدًا فافترقا.
وفي الكتاب ممن يقال له يحيى بن سعيد اثنان أيضًا، لكن من طبقة فوق طبقة هذين، وهما: يحيى بن سعيد الأنصاري السابق [٥٢ / ب] في حديث "الأعمال" أول الكتاب، ويحيى بن سعيد التيمي أبو حَيَّان، ويمتاز عن الأنصاري بالكنية، والله الموفق.
стр. 225
٦ - باب: إِطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرو ﵄، أَنّ رَجُلًا سَأَل النَّبيَّ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
قوله: (باب) هو منون، وفيه ما في الذي قبله.
قوله: (من الإسلام) للأصيلي: "من الإيمان"؛ أي: من خصال الإيمان، ولما استدل المصنف عَلى زيادة الإيمان ونقصانه بحديث الشُّعَب؛ تتبع ما ورد في القرآن والسنن الصحيحة من بيانها فأورده في هذه الأبواب تصريحًا وتلويحًا، وترجم هنا بقوله: "إطعام الطعام"، ولم يقل: "أَيُّ الإسلام خير؟ " كما في الَّذِي قبله؛ إشعارًا باختلاف المقامين وتعدد السؤالين كما سنقرره.
قوله: (ثَنَا عَمرو بن خالد) هوَ الحراني وهو بفتح العين، وصَحَّف من ضمها.
قوله: (الليث) هو ابن سعد، فقيه أهل مصر.
(عن يزيد) هو ابن حبيب الفقيه أيضًا.
قوله: (أن رجلًا) لم أعرف اسمه، وقد قيل: إنه أبو ذر.
قوله: (أيّ الإسلام خير؟ ) فيه ما في الَّذِي قبله من السؤال، والتقدير: أي خصال الإسلام؟ وإنما لم أختر تقدير خصال في الأول فرارًا من كثرة الحذف، وأيضًا فتنويع التقدير يتضمن جواب مَنْ سأل.
فقال: السؤالان بمعنى واحد والجواب مختلف.
فيقال له: إذا لاحظت هذين التقديرين بان الفرق، ويمكن التوفيق بأنهما متلازمان؛ إذ الإطعام مستلزم لسلامة اليد، والسلام لسلامة اللسان، قاله الكرماني. وكأنه أراد في الغالب. ويحتمل أن يكون الجواب اختلف لاختلاف السؤال عن الأفضلية، إن لوحظ بين لفظ: "أفضل" ولفظ: "خير" فرق.
стр. 226
وَقَالَ الكرماني: الفضل: بمعنى كثرة الثواب في مقابلة القلة. والخير: بمعنى النفع في مقابلة الشر، فالأول من الكمية، والثاني من الكيفية فافترقا.
واعترض بأن الفرق لا يتم إلا إذا اختص كل منهما بتلك المقولة، أما إذا كَانَ كل منهما يُعقل تَأَتَّيه في الأخرى فلا، وكأنه بنى عَلى أن لفظ "خير" اسم، لا أفعل تفضيل.
وعَلى تقدير اتحاد السؤالين جوابٌ مشهورٌ، وهو الحمل عَلى اختلاف حال السائلين أو السامعين، فيمكن أن يراد في الجواب الأول: تحذير من خُشِي منه الإيذاء بيد أو لسان فأرشد إلَى [٣٥/ أ] الكف. وفِي الثاني: ترغيب من رُجِي فيه النفع العام بالفعل والقول فأرشد إلَى ذَلِكَ.
وخَصَّ هاتين الخصلتين بالذكر لمسيس الحاجة إليهما في ذلِكَ الوقت؛ لما كانوا فيه من الجهد، ولمصلحة التأليف، ويدل عَلى ذَلِكَ أنه ﵊ حث عليهما أول ما دخل المدينة، كما رواه الترمِذيّ وغيره مصححًا من حديث عبد الله ابن سلام (١).
قوله: (تطعم) هو في تقدير المصدر، أي: "أن تطعم"، ومثله: "تسمع بالمُعَيْدِيِّ" (٢)، وذكر الطعام ليدخل فيه الضيافة وغيرها.
قوله: (وتقرأ) بلفظ مضارع القراءة، بمعنى: يقول، قَالَ أبو حاتم السَّجِسْتَاني: تقول: اقرأ ﵇، ولا تقول: أقرئه السلام، فإذا كَانَ مكتوبًا، قُلْتَ: أقرئه السلام؛ أي: اجعله يقرؤه.
قوله: (ومن لَمْ تَعرف) أي: لا تَخُص به أحدًا تَكبرًا أو تصنعًا، بل تعظيمًا لشعار الإسلام ومراعاة لأخوة المسلم.
فإن قيل: اللفظ عام فيدخل الكافر والمنافق والفاسق؟
стр. 227
أجيب: بأنه خُص بأدلة أخرى، أو أن النهي متأخر، وكان هذا عامَّا لمصلحة التأليف، وأما من شُكَّ فيه فالأصل البقاء عَلى العموم حَتَّى يثبت الخصوص.
* تنبيهان:
الأول: أخرج مُسْلِم من طريق عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب بهذا الإسناد نظير هذا السؤال (١)، لكن جعَل الجواب كالذي في حديث أبي موسى، فادعى ابن منده فيه الاضطراب (٢).
وأجيب: بأنهما حديثان اتحد إسنادهما، وافق أحدهما حديث أبي موسى، ولثانيهما شاهد من حديث عبد الله بن سلام كما تقدم.
الثاني: هذا الإسناد كله مصريون، والَّذِي قبله -كما ذكرنا- كوفيون، والَّذِي بعده من طريقيه بصريون، فوقع له التسلسل في الأبواب الثلاثة عَلى الولاء، وهو من اللطائف.
стр. 228
٧ - باب: مِنَ الإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ
١٣ - حَدَّثنَا مُسدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَعَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ".
قوله: (باب من الإيْمان) قَالَ الكرماني: قدم لفظ الإيمان بخلاف أخواته، حيث قَالَ: إطعام الطعام من الإيمان، إما للاهتمام بذكره أو للحصر، كأنه قَالَ: المحبة المذكورة ليست إلا من الإيمان.
قُلْتُ: وهو توجيه حسن إلا أنه يَرِدُ عليه أن الَّذِي بعده أليق بالاهتمام والحصر معًا، وهو [٥٣/ ب] قوله: "باب حب الرسول من الإيمان"، فالظاهر أنه أراد التنويع في العبارة، ويُمكن أنه اهتم بذكر حب لرسول فقدمه، والله أعلم.
قوله: (يَحيى) هو ابن سعيد القَطَّان.
قوله: (وعن حسين المعلم) هو ابن ذَكْوَان، وهو معطوف عَلى شُعبة، فالتقدير: عن شعبة وحسين كلاهما عن قتَادة، وإنما لم يجمعهما؛ لأن شيخه أفردهما، فأورده المصنف معطوفا اختصارًا؛ ولأن شعبة قالَ: عن قتادة، وَقَالَ حسين: حَدَّثَنَا قتادة.
وأغرب بعض المتأخرين فزعم أن طريق حسين معلقة، وهو غلط، فقد رواه أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق إبراهيم الحربي، عن مُسَدّد شيخ المصنف، عن يحيي القَطَّان، عن حُسين المُعَلَّم (١).
وأبدى الكرماني -كعادته بحسب التجويز العقلي- أن يكون تعليقًا أو معطوفًا عَلى قتادة، فيكون شعبة رواه عن حُسين عن قَتَادة إلَى غير ذَلِكَ مِمَّا يَنْفِر عنه من مارس شيئًا من علم الإسناد، والله المستعان.
стр. 229
* تنبيه:
المتن المساق هنا لفظ شُعْبَة، وأما لفظ حُسين من رواية مُسَدَّد الَّتِي ذكرناها فهو: "لا يؤمن عبد حَتَّى يُحب لأخيه ولجاره". وللإسماعيلي من طريق رَوْح، عن حُسين: "حَتَّى يُحب لأخيه المسلم ما يُحب لنفسه من الخير". فبَيَّن المراد بالأخوة، وعَيَّن جهة الحب.
وزاد مُسْلِم في أوله عن أبي خَيْثَمة، عن يحيى القَطَّان: "والَّذِي نفسي بيده" (١). وأما طريق شعبة فصرح أَحْمَد والنسائي في روايتهما بسماع قتادة له من أنس، فانتفت تُهمة تَدْلِيسِهِ (٢).
قوله: (لا يؤمن) أي: من يدَّعي الإيمان، وللمُسْتَمْلِي: "أحدكم"، وللأَصِيلي: "أحد"، ولابن عَسَاكِر: "عبد"، وكذا لمسلم عن أبي خَيْثَمة (٣).
والمراد بالنفي: كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء عَلى معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان.
فإن قيل: فيلزم أن يكون من حَصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا وإن لَم يأت ببقية الأركان؟
أجيب: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: "لأخيه المسلم" ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صَرَّحَ ابن حبان من رواية ابن أبي عَدِي، عن حُسين المُعَلِّم بالمراد، ولفظه: "لا يَبلغ عبد حقيقة [٥٤/أ] الإيمان" (٤).
ومعنى الحقيقة هنا: الكمال، ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، وبهذا يتم استدلال المصنف عَلى أنه يتفاوت، وأن هذه الخصلة من شُعَب الإيمان، وهي داخلة في التواضع عَلى ما سنقرره.
стр. 230
قوله: (يُحب) بالنصب؛ لأن "حَتى" جارة، و"أن" بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع، فتكون "حَتَّى" عاطفة، فلا يصح المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبة.
قوله: (ما يُحب لنفسه) أي: من الخير كما تقدم عن الإسماعيلي، وكذا هو عند النَّسَائي (١)، وكذا عند ابن منده من رواية هَمَّام عن قَتَادة أيضًا (٢).
و(الخير): كلمة جامعة تعم الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة: إرادة ما يعتقده خيرًا، قَالَ النووي: المحبة: الميل [إلَى] (٣) ما يوافق المحب، وقد يكون بحواسه كحسن الصورة، أو بفعله إما لذاته كالفضل والكمال، وإما لإحسانه كجلب نفع أو دفع ضر. انتهى ملخصًا.
والمراد بالميل هنا: الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا: أن يحب أن يحصل لأخيه نظير ما حصل له لا عينه، سواء أكان ذَلِكَ في الأمور المحسوسة أو المعنوية، وليس المراد: أن يحصل لأخيه ما حصل له مع سلبه عنه ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجَوْهَر أو العَرَض لِمَحِلَّيْن مُحَال.
وَقَالَ أبو الزَّنَاد بن سَرَّاج: ظاهر هذا الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثله فقد دخل في جملة المفضولين.
قُلْتُ: أقر القاضي عِيَاض هذا، وفيه نظر؛ إذ المراد الزَّجْر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث عَلى التواضع، فلا يُحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة.
* فائدة:
قَالَ الكرماني: ومن الإيمان أيضًا: أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فتَرَكَ التنصيص عليه اكتفاء، والله أعلم.
стр. 231
٨ - باب: حُبُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الإِيمَانِ
١٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمانِ، قَالَ: أَخْبرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ".
قوله: (باب حب الرسول).
اللام فيه للعهد، والمراد: سيدنا رسول الله ﷺ بقرينة قوله: "حَتَى أكون [٥٤/ ب] أحب"، وإن كانت محبة جميع الرسل من الإيمان، لكن الأحبية مختصة بسيدنا رسول الله ﷺ .
قوله: (شعيب) هو ابن أبي حَمزة الحِمْصِي، واسم أبي حَمْزَة: دِينار، وقد أكثر المصنف من تَخريج حديثه عن الزُّهْرِي وَأَبي الزِّنَاد.
ووقع في "غرائب مالك" للدارقطني إدخال رجل وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث، وهي زيادة شاذة، فقد رواه الإسْمَاعيلي بدونها من حديث مالك ومن حديث إبراهيم بن طَهْمَان، وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرَّازي، عن أبي اليَمَان شيخ البُخَاري هذا الحديث مصرحًا فيه بالتحديث في جَميع الإسناد (١)، وكذا للنسائي من طريق علي بن عَيَّاش، عن شُعَيْب (٢).
قوله: (والَّذِي نفسي بيده) فيه جواز الحلف عَلى الأمر المهم توكيدًا وإن لم يكن هناك مُسْتَحْلِف.
قوله: (يؤمن) أي: إيمانًا كاملًا.
стр. 232
قوله: (أحب) هو أفعل بمعنى المفعول، وهو مع كثرته عَلى خلاف القياس، وفصل بينه وبين مَعْمُوله بقوله: "إليه"؛ لأن الممتنع الفصل بأجنبي.
قوله: (من والده وولده) قدَّم الوالد للأكثرية؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس، وفِي رواية النّسَائي من حديث أنس تقديم الولد عَلى الوالد (١)، وذلك لمزيد الشَّفقة، ولم تختلف الروايات في ذَلِكَ في حديث أبي هريرة هذا، وهو من أفراد البُخاري عن مُسْلِم.
стр. 233
١٥ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْن عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبِ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
ح وَحَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَده وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
قوله: (أَخْبَرَنَا يعقوب بن إبراهيم).
هو الدَّوْرَقي، والتفريق بين "حَدَّثنَا" و"أنا" (١) لا يقول به المصنف كما يأتي في العلم (٢)، وقد وقع في رواية أبي ذر: "ثَنَا يعقوب".
قوله: (وَحدَّثَنَا آدم) عطف الإسناد الثاني عَلى الأول قبل أن يسوق المتن فأوهم استواءهما، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة، لكن زاد فيه: "والناس أجمعين"، ولفظ عبد العزيز مثله إلا أنه قَالَ كما رواه ابن خُزَيْمَة في "صحيحه" عن يعقوب شيخ البُخَاريّ بهذا الإسناد: "من أهله وماله"، بدل: "من والده وولده"، وكذا لمسلم من طريق ابن عُلَيَّة (٣)، وكذا للإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن عبد العزيز ولفظه: "لا يؤمن الرجل" وهو أشمل من جهة، و"أحدكم" أشمل [من جهة] (٤)، وأشمل [٥٥/أ] منها رواية الأصيلي: "لا يؤمن أحد".
فإن قيل: فسياق عبد العزيز مغاير لسياق قَتَادة، وصنيع البُخَاري يوهم اتحادهما في المعنى وليس كذلك؟
فالْجَواب: أن البُخَاريّ يصنع مثل هذا نظرًا إلَى الحديث لا إلَى خصوص ألفاظه، واقتصر عَلى سياق قَتَادة لموافقته لسياق حديث أبي هريرة.
стр. 234
ورواية شُعبة، عَنْ قَتَادة مأمون فيها من تَدْلِيس قَتَادة؛ لأنه كَانَ لا يسمع منه إلا ما سمعه، وقد وقع التصريح في هذا الحديث في رواية النّسَائي (١).
وذكر الولد والوالد أدخل في المعنى؛ لأنهما أعز عَلى العاقل من الأهل والمال، بل ربما يكونان أعز من نفسه، ولهذا لم يذكر النفس أيضًا في حديث أبي هريرة.
وهل تدخل الأم في لفظ الوالد؟
إن أريد به من له الولد فنعم، أو يقال: اكتفى بذكر أحدهما كما يكتفى عن أحد الضدين بالآخر، ويكون ما ذكر عَلى سبيل التمثيل، والمراد: الأَعِزة، كأنه قَالَ: أحب إليه من أَعِزَّته.
وذكر "الناس" بعد "الوالد والولد" من عطف العام عَلى الخاص، وهو كثير.
وهل تدخل النفس في عموم قوله: "والناس أجمعين"؟
الظاهر: دخوله، وقيل: إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم، وهو بعيد، وقد وقع التنصيص بذكر النفس في حديث عبد الله بن هشام كما سيأتي (٢).
والمراد بالْمحَبَّةِ هْنَا: حب الاختيار لا حب الطبع، قاله الخَطَّابي، وَقالَ النووي: فيه تلميِح إلَى قضية النفس الأَمارة والمطْمئنة، فإن من رجح جانب المطمئنة كَانَ حبه للنبي ﷺ راجحًا، ومن رجح جانب الأمارة كَانَ حكمه بالعكس.
وفِي كلام القاضي عياض أن ذَلكَ شرط في صحة الإيمان؛ لأنه حمل المحبة على معنى التعظيم والإجلال، وتعقَّبه صاحب المُفْهم بأن ذَلِكَ ليس مرادًا هنا؛ لأن اعتقاد الأعظمية ليس مستلزمًا للمحبة؛ إذ قد يجد الإنسان إعظام شيء مع خلوه من محبته. قَالَ: فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذَلِكَ الميل لم يكمل إيمانه، وإلى هذا يوميء قول عمر الَّذِي رواه المصنف في الأيمان والنذور من حديث عبد الله بن هشام: أن عمر
стр. 235
ابن الخطاب قَالَ للنبي ﷺ : لأنت يا رسول الله أحبُّ إليَّ من [كل] (١) شيء إلا من نفسي. فقال: "لا [٥٥/ ب]؛ والَّذِي نفسي بيده حَتَّى أكون أحب إليك من نفسك". فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إليَّ من نفسي. فقال: "الآن يا عُمَر" (٢). انتهى
فهذه المحبة ليست باعتقاد الأعظمية فقط فإنها حاصلة لعمر قبل ذَلكَ قطعًا.
ومن علامة الحب المذكور: أن يعرض المرء عَلى نفسه أن لو خُيِّر بين فَقْد غَرَض من أغراضه أو فَقْد رؤية النبي ﷺ أن لو كانت ممكنة، فإن كَانَ فقدها أن لو كانت ممكنة أشد عليه من فَقْد شيء من أغراضه؛ فقد اتصف بالأحبية المذكورة، ومن لا فلا.
وليس ذلِكَ محصورًا في الوُجُود والفَقْد، بل يأتي مثله في نُصرة سنته، والذَّب عن شريعته، وقمع مُخالفيها، ويدخل فيه باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفِي هذا الحديث إيماء إلَى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تُعرف به، وذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه وإما غيرها، أما نفسه فإذا حقق الأمر فيه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب، وأما غيره فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما عَلى وجوهه المختلفة حالا ومآلًا.
فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول ﷺ الذِي أخرجه من ظلمات الكفر إلَى نور الإيمان إما بالمباشرة وإما بالسبب؛ علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبدي في النعيم السَّرْمَدِي، وعلم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره؛ لأن النفع الذِي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، ولكن الناس يتفاوتون في ذلكَ بحسب استحضار ذلكَ والغفلة عنه، ولا شك أن حظ الصحابة ﵃ من هذا المعنى أتم؛ لأن هذا ثمرة المعرفة، وهم بِها أعلم، والله الموفق.
стр. 236
٩ - باب: حَلاوة الإيمَانِ
١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْد الْوَهَّابِ الثَّقَفِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أيوبُ، عَنْ أَبِي قِلابةَ، عَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلاثٌ مَن كُن فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُوله أَحَبَّ إِلَيْهِ مِما سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّه إلَّا لله، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ كما يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ في النَّارِ".
قوله: (باب حلاوة الإيمان) مقصود المصنف أن الحلاوة من ثمرات الإيمان, ولما قدم أن محبة الرسول من الإيمان أردفه بما يوجد حلاوة ذَلِكَ.
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن المثنَّى) هو أبو موسى العَنَزِي -بفتح النُّون بعدها زاي-.
(قَالَ: حَدَّثنا عبد الوهَّاب) [٥٦/أ] هو ابن عبد المجيد.
(قَالَ: ثَنَا أَيُّوب) هو ابن أبي تَمِيمَة السَّختِيَاني بفتح السين المهملة عَلى الصحيح، وحكي ضمها وكسرها.
(عن أبي قِلابة) بكسر القاف وبباء موحدة.
قوله: (ثلاث) هو مبتدأ والجملة الخبر، وجاز الابتداء بالنكرة؛ لأن التنوين عِوَض المضاف إليه، فالتقدير: ثلاث خصال، ويحتمل في إعرابه غير ذلِكَ.
قوله: (كُنَّ) أي: حَصَلْنَ، فهي تامة.
وفِي قوله: "حلاوة الإيمان" استعارة تخييلية، شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو، وأثبت له لازم ذلِكَ الشيء وأضافه إليه، وفيه تلميح إلَى قصة المريض والصحيح؛ لأن المريض (١) يجد طعم العسل مُرَّا والصحيح يذوق حلاوته عَلى ما هِيَ عليه، وكلما نقصت الصحة شيئًا ما نقص ذوقه بقدر ذلكَ، فكانت هذه الاستعارة من أوضح ما يقوي استدلال المصنف عَلى الزيادة والنقص.
стр. 237
قوله: (أحب إليه) منصوب، قَالَ البيضاوي: المراد بالحب هُنَا: الحب العقليّ الَّذِي هو إتيان ما يقتضي العقل السليم رجحانه وإن كَانَ عَلى خلاف هوى النفس، كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله، فإذا تأمل أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلَّا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان جانب ذَلِكَ؛ تَمرن عَلى الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويَلْتَذُ بذلك التِذَاذًا عقليا، إذ الالتذاذ العقليّ إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك، وعبر الشارع عن هذه الحالة بالحلاوة؛ لأنها أظهرت اللذات المحسوسة.
قَالَ: وإنما جعل هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان؛ لأن المرء إذا تأمل أن المنعم بالذات هو الله وأن لا مانح ولا مانع سواه في الحقيقة، وأن ما عداه وسائط، وأن الرسول هو الّذِي يبين له مراد ربه؛ اقتضى ذَلِكَ أن يتوجه بكليته نَحوه، فلا يحب إلَّا ما يحب، ولا يُحب من أحب إلَّا من أجله، وأن يتيقن أن جُملة ما وعد وأوعد حق تيقنًا يخيل إليه الموعود كالواقع، فيحسب أن مجالس الذكر رياض الجنة، وأن العود إلى الكفر إلقاء في النَّار. انتهى ملخصًا.
وشاهد [٥٦/ب] الحديث من القرآن قوله تعالَى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾، إلى أن قَالَ: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم هدد عَلى ذَلِكَ وتوعد بقوله: ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة: ٢٤].
* فائدة:
فيه إشارة إلى التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، فالأول من الأول، والآخر من الثاني.
وَقَالَ الشيخ مُحيي الدين النووي: هذا حديث عظيم، أصل من الدين، ومعنى حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشاق في الدين، وإيثار ذلِك عَلى أعراض الدُّنْيَا، ومحبة العبد لله بفعل طاعته وترك مُخالفته وكذلك الرسول، وإنما قَالَ: "مما سواهُمَا"، ولم يقل: "ممن" ليعم من يعقل ومن لا يعقل.
стр. 238
وَقَالَ: وفيه دليل عَلى أنَّه لا بأس بهذه التثنية، وأما قوله للذي خطب فقال: "ومن يعصهما": "بئس الخَطيب أَنْتَ" (١)؛ فليس من هذا؛ لأن المراد في الخطب الإيضاح، وأما هنا فالمراد الإيجاز من اللفظ ليُحفظ، ويدل عليه [أن] (٢) النَّبِيّ ﷺ حيث قاله في موضع آخر قَالَ: "ومن يعصهما فلا يضر إلَّا نفسه" (٣).
واعترض بأن هذا الحديث إنما ورد أَيضًا في حديث خطبة النكاح.
وأجيب: بأن المقصود في خطبة النكاح أَيضًا الإيجاز فلا نقض، وثَم أجوبة أخرى: منها: دعوى الترجيح، فيكون خبر المنع أولَى؛ لأنَّه عام والآخر يحتمل الخصوصية، ولأنَّهُ ناقل والآخر مبني عَلى الأصل، ولأنَّهُ قول والآخر فعل.
ورُدَّ بأن احتمال التخصيص في القول أَيضًا حاصل وليس فيه صيغة عموم أصلًا.
ومنها: دعوى أنَّه من الخصائص، فيمتنع من غير النَّبِي ﷺ ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذَلِكَ، وإلى هذا مال ابن عبد السلام.
ومنها: دعوى التفرقة بوجه آخر: وهو أن كلامه ﷺ هنا جملة واحدة، فلا يحسن إقامة الظاهر فيها مقام المُضْمر، وكلام الَّذِي خطب جملتان لا تكره إقامة الظاهر فيهما مقام المضمر.
وتعقب هذا بأنه لا يلزم من كونه لا يُكره إقامة الظاهر فيهما مقام المُضمر أن تُكره إقامة المُضْمر فيهما مقام الظاهر، فما وجه الرّد عَلى الخَطيب مع أنَّه هو ﷺ جمع كما تقدم.
ويُجاب: بأن قصة الخَطيب -كما قلنا- ليس فيها صيغة عموم، بل هِيَ واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلِكَ المجلس من يُخشى عليه توهم [٥٧/ أ] التسوية كما تقدم.
стр. 239
ومن محاسن الأجوبة في الجمع بين حديث الباب وقصة الخَطيب: أن تثنية الضمير هنا للإيماء إلَى أن المُعتبر هو المجموع المركب من المَحَبَّتين لا كل واحدة منهما، فإنَّها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فمن يدعي حب الله مثلًا ولا يحب رسوله لا ينفعه ذَلكَ، ويُشير إليه قوله تعالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فأوقع متابعته مكتنفة بين قطري محبة العباد لله ومحبة الله للعباد.
وأمَّا أمر الخَطيب بالإفراد؛ فلأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم، يُشير إليه قوله تعالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]. فأعاد ﴿وَأَطِيعُوا﴾ في الرسول ولم يعده في أولي الأمر؛ لأنهم لا استقلال لهم في الطاعة كاستقلال الرسول. انتهى ملخصًا من كلام البيضاوي والطيبي. وهنا أجوبة أخرى لم أذكرها؛ لأنها [لا] (١) ترتضى، والله أعلم.
قوله: (وأن يُحب المرء) قَالَ يحيى بن مُعاذ: حقيقة الحب في الله ألَّا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء.
قوله: (وأن يكره أن يعود في الكفر) زاد أبو نُعيم في "المستخرج" من طريق الحسن بن سُفْيَان، عن مُحَمَّد [بن] (٢) المُثَنى شيخ المصنف: "بَعد إذ أنقذه الله"، وكذا هو في طريق أخرى للمصنف (٣)، والإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداء بأن يولد عَلى الإِسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلَى نور الإيمان, كما وقع لكثير من الصَّحَابَة، وَعَلى الأول فيحتمل قوله: "يعود" عَلى معنى الصَّيْرورة بخلاف الثاني فإن العود فيه عَلى ظاهره.
فإن قيل: فلِمَ عَدَّى "العود" بـ"في" ولَم يعده بـ"إِلَى"؟
стр. 240
فالجواب: أنَّه ضمنه معنى الاستقرار، كأنه قَالَ: يستقر فيه، ومثله قوله تعالَى: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ٨٩].
* تنبيه:
هذا الإسناد كله بصريون، وأخرجه المصنف بعد ثلاثة أبواب من طريق شُعبة، عن قَتادة، عن أنس (١)، واستدل به عَلى فضل من أكره عَلى الكفر فترك التقِية إلى أن قُتِل، وأخرجه من هذا الوجه في الأدب في فضل الحب في الله، ولفظ هذه الرواية: "وَحَتى أن يقذف في النَّار أحب إليه من أن يرجع إلَى [٥٧/ب] الكفر بعد إذ أنقذه الله منه" (٢). وهي أبلغ من لفظ حديث الباب؛ لأنَّه سَوى فيه بين الأمرين، وهنا جعل الوقوع في نار الدُّنْيَا أوْلَى من الكفر الذِي أنقذه الله بالخروج منه من نار الأخرى، وكذا رواه مُسْلِم من هذا الوجه (٣)، وصرح النَسَائي في روايته والإسماعيلي بسماع قتادة له من أنس (٤)، والله الموفق.
وأخرجه النَسَائي من طريق طَلْق بن حَبِيب، عن أنس، وزاد فيه في الخصلة الثَّانية ذكر البغض في الله ولفظه: "وأن يُحب في الله ويبغض في الله" (٥). وقد تقدم للمصنف في ترجمة: "والحب في الله والبغض في الله من الإيمان" (٦)، وكأنه أشار بذلك إلى هذه الرواية, والله أعلم.
стр. 241
١٠ - باب: عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ
١٧ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْد الله بْنُ عَبْدِ الله بْنِ جَبْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أنسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأنصارِ، وآيَةُ النفاقِ بُغْضُ الأنصَارِ".
قوله: (باب) هو منوَّن، ولما ذكر في الحديث السابق ألَّا يحب إلا لله عقبة بما يُشير إليه من أن حب الأنصار كذلك؛ لأن محبة من يحبهم من حيث هذا الوصف وهو النصرة إنما هو لله تعالَى، فهم وإن دخلوا في عموم قوله: "لا يُحب إلا لله" لكن التنصيص بالتخصيص دليل العناية.
قوله: (حَدَّثَنَا أبو الوليد) هو الطيَالسي.
قوله: (جبر) بفتح الجيم وسكون الموحدة، وهو ابن عَتِيك الأَنْصَارِيّ، وهذا الراوي ممن وافق اسمه اسم أَبيه.
قوله: (آية الإيْمان) هو بهمزة ممدوة، وياء تحتانية مفتوحة، وهاء تأنيث، والإيمان مجرور بالإضافة، هذا هو المعتمد في ضبط هذه الكلمة في جَميع الروايات في الصحيحين والسنن والمستخرجات والمسانيد.
والآية: العلامة، كما ترجم به المصنف، ووقع في "إعراب الحديث" لأبي البقاء العُكْبري: "إنه الإيمان" (١). بهمزة مكسورة ونون مشددة وهاء، والإيمان مرفوع، وإعرابه: فقال: "إن" للتأكيد، و"الهاء" ضمير الشأن، و"الإيمان" مبتدأ وما بعده خبر، ويكون التقدير: [إن] (٢) الشأن الإيمان حب الأنصار، وهذا تصحيف منه، ثم فيه نظر من جهة المعنى؛ لأنَّه يقتضي حصر الإيمان في حب الأنصار وليس كذلك.
стр. 242
فإن قيل: واللفظ المشهور أَيضًا يقتضي الحصر، وكذا ما أورده المصنف في فضائل الأنصار من حديث البراء بن عازب: "الأنصار لا يحبهم إلَّا مؤمن" (١).
فالجواب عن الأول: أن العلامة كالخاصة تطرد ولا تنعكس [٥٨/ أ]، وإن أُخِذ من طريق المفهوم فهو مفهوم لقب لا عبرة به.
والجواب عن الثاني: أن غايته ألَّا يقع حب الأنصار إلَّا لمؤمن، وليس فيه نفي الإيمان عمن لم يقع منه ذلِكَ، بل فيه أن غير المؤمن لا يحبهم.
فإن قيل: فعلى الشق الثاني، هل يكون من أبغضهم منافقًا وإن صَدَّق وأقر؟
فالجواب: أن ظاهر اللفظ يقتضيه؛ لكنه غير مُراد، فيحمل عَلى تقييد البغض بالجهة، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة وهي كونهم نصروا رسول الله ﷺ أَثر ذَلِكَ في تصديقه، فيصح أنَّه منافق، ويُقَرب هذا الحمل زيادة أبي نُعيم في "المستخرج" في حديث البراء: "من أحب الأنصار فبحبي أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضي أبغضهم" (٢).
ويحتمل أن يُقال: إن اللفظ خرج عَلى معنى التحذير فلا يُرَاد ظاهره، ومن ثَمَّ لم يقابل الإيمان بالكفر الذِي هو ضده، بل قابله بالنفاق، إشارة إلى أن الترغيب والترهيب إنما خوطب به من يُظهر الإيمان, أما من يُظهر الكفر فلا؛ لأنَّه مرتكب ما هو أشد من ذَلِكَ.
قوله: (الأنصار) هو جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نَصِير كأشراف وشريف. واللام: للعهد؛ أي: أنصار رسول الله ﷺ ، والمراد: الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذَلِكَ يعرفون ببني قَيْلَة -بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة-، وهي الأم التِي تجمع القبيلتين، فسماهم النَّبِيّ ﷺ : الْأَنصار، فصار ذَلِكَ علمًا عليهم، وأُطْلق أيضًا عَلى أولادهم وحلفائهم ومواليهم.
وخصوا بهذه المنقبة العُظْمَى لِمَا فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النَّبِي
стр. 243
- ﷺ ومن معه، والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، وإيثارهم إيّاهم في كثير من الأمور عَلى أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجبًا لمعاداتهم جَميع الفرق الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض؛ فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب في حبهم، حَتَّى جعل ذلِكَ آية الإيمان والنفاق تنويهًا بعظيم فضلهم وتنبيهًا عَلى كريم فعلهم، وإن كَانَ من شاركهم [٥٨/ب] في معنى ذلِكَ مشاركًا لهم في الفضل المذكور كل بقسطه.
وقد ثبت في "صحيح مُسْلِم" عن علي: أن النَّبِي ﷺ قَالَ له: "لا يُحبك إلَّا مؤمن، ولا يُبغضك إلَّا منافق" (١). وهذا جارٍ باطراد في أعيان الصَّحَابَة، لتحقق مشترك الإكرام، لما لَهم من حسن الغناء في الدارين.
قَالَ صاحب "المُفْهم": وأما الحروب الواقعة بينهم فإن وقع من بعضهم بُغْض لبعض، فذاك من غير هذه الجهة، بل للأمر الطارئ الذِي اقتضى المخالفة؛ ولذلك لم يحكم بعضهم عَلى بعض بالنفاق، وإنما كَانَ حالهم في ذَلِكَ حال المجتهدين في الأحكام: للمصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، والله أعلم.
стр. 244
١١ - باب
١٨ - حَدَّثنا ابو الْيَمانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أبو إِدْرِيس، عَائذُ الله بْنُ عَبْدِ الله، أَن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ -وَكانَ شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَحَدُ النُقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبةِ- أَن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَة مِنْ أصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي عَلَى أَلَّا تُشْرِكُوا بِالله شَيْئًا، وَلا تَسرقُوا، وَلا تَزنوا، وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ، وَلا تَأتوا بِبُهْتَانٍ تَفْترونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُم وَأَرْجُلِكُمْ، وَلا تَعْصُوا في مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى الله، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ في الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ، فَهُوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ". فَبَايعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ.
قوله: (باب) كذا هو في روايتنا بلا ترجمة، وسقط من رواية الأصِيلي أصلًا, فحديثه عنده من جملة الترجمة الَّتِي قبله، وَعَلى روايتنا فهو متعلق بِها أَيضًا؛ لأن الباب إذا لم يذكر له ترجمة خاصة يكون بمنزلة الفَصْل مما قبله مع تعلقه به، كصنيع مصنفي الفقهاء.
ووجه التعلق: أنَّه لما ذَكر الْأَنصار في الحديث الأول أشار في هذا إلى ابتداء السبب في تلقيبهم بالأنصار؛ لأن أول ذَلِكَ كَانَ ليلة العقبة لَمَّا توافقوا مع النَّبِيّ ﷺ عند عقبة مِنى في الموسم؛ كما سيأتي شرح ذَلِكَ إن شاء الله تعالَى في "السيرة النبوية" من هذا الكتاب، وقد أخرج المصنف حديث هذا الباب في مواضع أخرى من "باب: من شهد بدرًا" (١) , لقوله فيه: "وكان شهد بدرًا"، وفي "باب: وفود الْأَنصار" (٢)؛ لقوله فيه: "وهو أحد النقباء"، وأورده هنا لتعلقه بما قبله كما بيناه.
стр. 245
ثم إن في متنه ما يتعلق بمباحث الإيمان من وجهين آخرين:
أحدهما: اجتناب المناهي من الإيمان كامتثال الأوامر.
وثانيهما: أنَّه تضمن الرد عَلى من يقول أن مرتكب الكبيرة كافر أو مُخلد في النَّار، كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالَى.
قوله: (عائذ الله) هو اسم علم، وأبوه عبد الله بن عمرو الخَوْلاني صحابي، وهو من حيث الرواية تابعي كبير، وقد ذكر في الصَّحَابَة؛ لأن له رُؤية، وكان مولده عام حُنين، والإسناد كله شاميون.
قوله: (وكان شهد بدرًا) يعني: حضر الوَقْعة المشهورة الكائنة بالمكان المعروف بِبَدْر، وهي أول واقعة قاتل النَّبِي ﷺ فيها المشركين، وسيأتي ذكرها في [٥٩/أ] المَغَازي، ويُحتمل أن يكون قائل ذلِكَ أبو إدريس، فيكون متصلًا إذا حُمل عَلى أنَّه سَمع ذلكَ من عُبَادة، أو الزُّهْرِيّ فيكون منقطعًا، وكذا قوله: "وهو أحد النقَبَاء".
قوله: (أن رسول الله ﷺ ) سقط قبلها من أصل الرواية لفظ: "قَالَ"، وهو خبر أنَّ؛
لأن قوله: "وكان" وما بعدها مُعْتَرَض، وقد جرت عادة كثير من أهل الحديث بحذف "قَالَ" خطأ، لكن حيث يتكرر في مثل: "قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ "، ولابد عندهم مع ذَلِكَ من النُّطق بِها، وقد ثبت في رواية المُصنف لهذا الحديث بإسناده هذا في "باب: مَنْ شَهِدَ بَدرًا" (١). فلعلها سقطت هنا ممن بعده. ولأحمد عن أبي اليَمَان بهذا الإسناد: "أن عُبَادة حدثه" (٢).
قوله: (وحوله) بِفَتح اللام عَلَى الظَّرْفية.
و(العِصَابَة) بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لَها مِنْ لَفْظِها، وقد جمعت عَلى عَصَائب وعُصْب.
стр. 246
قوله: (بايعوني) زاد في "باب: وُفُود الأنْصَار": "تَعَالوا بَايعوني" (١)، والمُبَايعة: عبارة عن المُعَاهدة، سُميت بذلك تشبيهًا بالمُعَاوضة المالية، كما في قوله تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة ١١١].
قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) قَالَ مُحَمَّد بن إسماعيل التَّيمي وفيه: خُص القتل بالأولاد؛ لأنَّه قتل وقطيعة رَحِم، فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنَّهُ كَانَ شائعًا فيهم؛ وهو وَأد البنات أو قَتْل البنين خَشْية الإِمْلاق، أو خصهم بالذكر؛ لأنهم بصدد ألا يدفعوا عن أنفسهم.
قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البُهْتَان: الكذب الَّذِي يُبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالإفتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بِهما؛ إذ كانت هِيَ العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصَّنَائع: الأيادي، وقد يعاقب الرَّجل بجناية قولية، فيقال: هذا مما كسبت يداك.
ويُحتمل أن يكون المراد: لا تَبْهتوا النَّاس كِفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا، كما يُقال: قُلْتُ كذا بين يَدَي فلان، قَالَ الخطابي وفيه نظر لذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا وليس بمانع.
ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل: القلب؛ لأنَّه هو الَّذِي يترجم اللسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء، فإن المعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تزَوِّرونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم.
وَقَالَ أبو مُحَمَّد بن أبي حَمزة: يحتمل [٥٩/ب] أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي: في الحال، وقوله: "وأرجلكم" أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل.
وَقَالَ غيرِه: أصل هذا كَانَ في بيعة النساء وكُني بذلك، كما قاله الهَرَوي في "الغريبين" عن نِسْبة المرأة الولد الذِي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لَمَّا استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلَى حَمله عَلى غير ما ورد فيه أولًا، والله أعلم.
стр. 247
قوله: (ولا تعصوا) للإسماعيلي في: "باب: وفود الْأَنصار" (١): "ولا تعصوني"، وهو مُطابق للآية.
و(المعروف): ما عُرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا.
قوله: (فمن وَفى منكم) أي: ثَبَت بالعهد، و"وَفى" بالتخفيف، وفِي رواية بالتشديد وهُما بمعنى.
قوله: (فأجره عَلى الله) أَطلق هذا عَلى سبيل التفخيم؛ لأنَّه لما ذَكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أَثبت ذِكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في رواية الصُّنَابحي عن عُبَادة في هذا الحديث في الصحيحين (٢) بتعيين العوضين فقال: "بالجنة".
وعَبر هنا بلفظ: "عَلى" للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعين حَمله عَلى غير ظاهره للأدلة القاطعة عَلى أنَّه لا يجب عَلى الله شيء، وسيأتي في حديث مُعَاذ في حَق الله عَلى العباد (٣) تَقرير هذا.
فإن قيل: لِمَ اقتصر عَلى المنهيات ولم يَذكر المأمورات؟
فالجواب: أنَّه لم يُهملها، بل ذكرها عَلى طريق الإجمال في قوله: "ولا تعصوا في معروف"؛ إذ العصيان مُخالفة الأمر، والحِكمة في التنصيص عَلى كثير من المنهيات دون المأمورات: أن الكَفَّ أَيْسر من إنشاء الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد مُقدم عَلى اجْتِلاب المصالح، والتَّخَلي عن الرذائل قبل التَّحَلي بالفضائل.
قوله: (ومن أصاب من ذَلِكَ شيئًا فعوقب) زاد أحْمَد (٤) في روايته: "به".
стр. 248
قوله: (فهو) أي: العقاب.
(كَفَّارة) زاد أَحْمَد: "له" (١)، وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المَشيئة من كتاب التوحيد، وزاد "وطُهُور" (٢).
قَالَ النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]. فالمرتد إذا قُتل عَلى ارتداده لا يكون القتل له كفارة.
قُلْتُ: وهذا بناء عَلى أن قوله: "من ذَلِكَ شيئًا" يتناول جَميع ما ذُكر وهو ظاهر.
وقد قيل: يُحتمل أن يكون المراد ما ذُكر بعد الشِّرك بقرينة أن المُخاطب بذلك المسلمون فلا يَدخل حَتَّى يحتاج إلى إخراجه، ويُؤيده رواية مُسْلِم من طريق [٦٠/أ] أبي الأشْعَث، عن عُبَادة في هذا الحديث: "ومن أتى منكم حَدًّا" (٣). إذ القتل عَلى الشرك لا يُسمى حَدًّا.
لكن يُعكر عَلى هذا القائل أن الفاء في قوله: "فَمَنْ" لترتيب ما بعدها عَلى ما قبلها، وخِطَاب المسلمين بذلك لا يَمنع تحريز وقوعه منهم, وما ذكر في الحَدِّ عُرْفي حادث، فالصواب ما قَالَ النووي.
وَقَالَ الطيبي: المراد بالشرك: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرياء، ويدل عليه تنكير شيئًا، أي: شركًا أيا ما كَانَ.
وتُعقب: بأن عُرف الشارع إذا أَطلق الشِّرك إنما يريد به ما يُقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الآيات والأحاديث حيث لا يُراد به إلَّا ذَلكَ.
ويُجاب: بأن طَلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز؛ فما قاله مُحتمل وإن كَانَ ضعيفا, ولكن يغلب عليه أَيضًا أنَّه عَقب الإصابة بالعقوبة في الدُّنْيَا، والرياء لا عقوبة فيه، فَوَضح أن المراد: الشرك، وأنه مَخصوص.
стр. 249
وَقَالَ القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، فاستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وَقف لحديث أبي هريرة، أن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لا أَدْري الحُدود كفارة لأهلها أم لا". لكن حديث عُبادة أصح إسنادًا، ويُمكن معنى عَلى طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولًا قبل أن يُعْلِمه الله ثم أعْلَمه بعد ذلكَ.
قُلْتُ: حديث أبي هُريرة أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والبزار من رواية مَعْمَر، عن ابن أبي ذئب، عن سَعيد المَقْبري، عن أبي هُريرة، وهو صحيح عَلى شرط الشيخين (١)، وقد أخرجه أحْمَد، عن عبد الرزَّاق، عن مَعْمَر (٢)، وذكر الدَّارقطني أن عبد الرَّزَّاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن مَعْمَر فأرسله.
قُلْتُ: وقد وصله آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذِئب أخرجه الحاكم (٣) أَيضًا فقويت رواية مَعْمَر، وإذا كَانَ صحيحًا فالجمع الَّذِي جمع به القاضي حَسَن.
لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كَانَ بمكة ليلة العَقَبة، بَايع الْأَنصار رسول الله ﷺ البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلِكَ بسبع سنين عام خَيْبَر، فكيف يكون حديثه متقدمًا؟ !
وقالوا في الجواب عنه: يُمكن أن يكون أبو هريرة ما سَمعه من النَّبِي ﷺ ، وإنما سمعه من صحابي آخر كَانَ سَمعه من النَّبِي ﷺ قديمًا ولَم [٦٠/ب] يسمع من النَّبِي ﷺ بعد ذَلِكَ أن الحُدود كَفَّارة كما سمعه عبادة، وفِي هذا تعسف، ويُبطله أن أَبا هريرة صَرَّح بسماعه، وأن الحُدود لَم تكن نَزلت إذ ذَاك.
стр. 250
والحق عندي: أن حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق عَلى حديث عُبَادة، والمُبَايعة المذكورة في حديث عبادة عَلى الصفَة المذكورة لَم تقع ليلة العَقبة، وإنما نَصُّ بيعة العَقَبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المَغَازي: أن النَّبِي ﷺ قَالَ لمن حَضَرَ من الْأَنصار: "أبايعكم عَلى أن تَمْنَعوني مِما تَمْنَعونَ منه نساءكم وأبناءكم". فبايعوه عَلى ذَلِكَ، وَعَلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب من حديث عُبَادة أَيضًا قَالَ: "بايعنا رسول الله ﷺ عَلى السمع والطاعة في العُسْر والْيُسْر والْمَنْشَط والْمَكْرَه". الحديث (١).
فهذه البيعة الأولَى، ثم صَدَرَت مُبايعات أخرى سَتُذْكَرُ في كتاب الأحكام -إن شاء الله- منها هذه البَيْعَة، وإنما وَقَعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية الَّتِي في المُمْتَحنة وهي قوله تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢].
ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحُدَيْبَية بلا خلاف، والدَّليل عَلى ذَلِكَ عند البُخَاري في كتاب الحدود من طريق سُفيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري في حديث عُبَادة هذا: أن النَّبِي ﷺ لَمَّا بايعهم قرأ الآية كلها (٢)، وعنده في تفسير المُمْتَحَنة من هذا الوجه قَالَ: "قرأ آية النساء" (٣).
ولمُسلم من طريق مَعْمَر, عن الزهري "فَتَلا علينا آية النساء: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] (٤).
وللنسائي من طريق الحارث بن فُضَيْل، عن الزُّهْرِي: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "ألا تبايعوني عَلى مَا بَايَع عليه النِّسَاء: ألا تُشركوا باللهِ شيئًا" الحديث (٥).