قوله: (بايعوني) زاد في "باب: وُفُود الأنْصَار": "تَعَالوا بَايعوني" (١)، والمُبَايعة: عبارة عن المُعَاهدة، سُميت بذلك تشبيهًا بالمُعَاوضة المالية، كما في قوله تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة ١١١].
قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) قَالَ مُحَمَّد بن إسماعيل التَّيمي وفيه: خُص القتل بالأولاد؛ لأنَّه قتل وقطيعة رَحِم، فالعناية بالنهي عنه آكد؛ ولأنَّهُ كَانَ شائعًا فيهم؛ وهو وَأد البنات أو قَتْل البنين خَشْية الإِمْلاق، أو خصهم بالذكر؛ لأنهم بصدد ألا يدفعوا عن أنفسهم.
قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البُهْتَان: الكذب الَّذِي يُبهت سامعه، وخص الأيدي والأرجل بالإفتراء؛ لأن معظم الأفعال تقع بِهما؛ إذ كانت هِيَ العوامل والحوامل للمباشرة والسعي، وكذا يسمون الصَّنَائع: الأيادي، وقد يعاقب الرَّجل بجناية قولية، فيقال: هذا مما كسبت يداك.
ويُحتمل أن يكون المراد: لا تَبْهتوا النَّاس كِفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا، كما يُقال: قُلْتُ كذا بين يَدَي فلان، قَالَ الخطابي وفيه نظر لذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا وليس بمانع.
ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأيدي والأرجل: القلب؛ لأنَّه هو الَّذِي يترجم اللسان عنه؛ فلذلك نسب إليه الافتراء، فإن المعنى: لا ترموا أحدًا بكذب تزَوِّرونه في أنفسكم ثم تبهتون صاحبه بألسنتكم.
وَقَالَ أبو مُحَمَّد بن أبي حَمزة: يحتمل [٥٩/ب] أن يكون قوله: "بين أيديكم" أي: في الحال، وقوله: "وأرجلكم" أي: في المستقبل؛ لأن السعي من أفعال الأرجل.
وَقَالَ غيرِه: أصل هذا كَانَ في بيعة النساء وكُني بذلك، كما قاله الهَرَوي في "الغريبين" عن نِسْبة المرأة الولد الذِي تزني به أو تلتقطه إلى زوجها، ثم لَمَّا استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلَى حَمله عَلى غير ما ورد فيه أولًا، والله أعلم.
стр. 247
قوله: (ولا تعصوا) للإسماعيلي في: "باب: وفود الْأَنصار" (١): "ولا تعصوني"، وهو مُطابق للآية.
و(المعروف): ما عُرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا.
قوله: (فمن وَفى منكم) أي: ثَبَت بالعهد، و"وَفى" بالتخفيف، وفِي رواية بالتشديد وهُما بمعنى.
قوله: (فأجره عَلى الله) أَطلق هذا عَلى سبيل التفخيم؛ لأنَّه لما ذَكر المبايعة المقتضية لوجود العوضين أَثبت ذِكر الأجر في موضع أحدهما، وأفصح في رواية الصُّنَابحي عن عُبَادة في هذا الحديث في الصحيحين (٢) بتعيين العوضين فقال: "بالجنة".
وعَبر هنا بلفظ: "عَلى" للمبالغة في تحقق وقوعه كالواجبات، ويتعين حَمله عَلى غير ظاهره للأدلة القاطعة عَلى أنَّه لا يجب عَلى الله شيء، وسيأتي في حديث مُعَاذ في حَق الله عَلى العباد (٣) تَقرير هذا.
فإن قيل: لِمَ اقتصر عَلى المنهيات ولم يَذكر المأمورات؟
فالجواب: أنَّه لم يُهملها، بل ذكرها عَلى طريق الإجمال في قوله: "ولا تعصوا في معروف"؛ إذ العصيان مُخالفة الأمر، والحِكمة في التنصيص عَلى كثير من المنهيات دون المأمورات: أن الكَفَّ أَيْسر من إنشاء الفعل؛ لأن اجتناب المفاسد مُقدم عَلى اجْتِلاب المصالح، والتَّخَلي عن الرذائل قبل التَّحَلي بالفضائل.
قوله: (ومن أصاب من ذَلِكَ شيئًا فعوقب) زاد أحْمَد (٤) في روايته: "به".
стр. 248
قوله: (فهو) أي: العقاب.
(كَفَّارة) زاد أَحْمَد: "له" (١)، وكذا هو للمصنف من وجه آخر في باب المَشيئة من كتاب التوحيد، وزاد "وطُهُور" (٢).
قَالَ النووي: عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦]. فالمرتد إذا قُتل عَلى ارتداده لا يكون القتل له كفارة.
قُلْتُ: وهذا بناء عَلى أن قوله: "من ذَلِكَ شيئًا" يتناول جَميع ما ذُكر وهو ظاهر.
وقد قيل: يُحتمل أن يكون المراد ما ذُكر بعد الشِّرك بقرينة أن المُخاطب بذلك المسلمون فلا يَدخل حَتَّى يحتاج إلى إخراجه، ويُؤيده رواية مُسْلِم من طريق [٦٠/أ] أبي الأشْعَث، عن عُبَادة في هذا الحديث: "ومن أتى منكم حَدًّا" (٣). إذ القتل عَلى الشرك لا يُسمى حَدًّا.
لكن يُعكر عَلى هذا القائل أن الفاء في قوله: "فَمَنْ" لترتيب ما بعدها عَلى ما قبلها، وخِطَاب المسلمين بذلك لا يَمنع تحريز وقوعه منهم, وما ذكر في الحَدِّ عُرْفي حادث، فالصواب ما قَالَ النووي.
وَقَالَ الطيبي: المراد بالشرك: الشِّرك الأصغر؛ وهو الرياء، ويدل عليه تنكير شيئًا، أي: شركًا أيا ما كَانَ.
وتُعقب: بأن عُرف الشارع إذا أَطلق الشِّرك إنما يريد به ما يُقابل التوحيد، وقد تكرر هذا اللفظ في الآيات والأحاديث حيث لا يُراد به إلَّا ذَلكَ.
ويُجاب: بأن طَلب الجمع يقتضي ارتكاب المجاز؛ فما قاله مُحتمل وإن كَانَ ضعيفا, ولكن يغلب عليه أَيضًا أنَّه عَقب الإصابة بالعقوبة في الدُّنْيَا، والرياء لا عقوبة فيه، فَوَضح أن المراد: الشرك، وأنه مَخصوص.
стр. 249
وَقَالَ القاضي عياض: ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات، فاستدلوا بهذا الحديث، ومنهم من وَقف لحديث أبي هريرة، أن النَّبِي ﷺ قَالَ: "لا أَدْري الحُدود كفارة لأهلها أم لا". لكن حديث عُبادة أصح إسنادًا، ويُمكن معنى عَلى طريق الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولًا قبل أن يُعْلِمه الله ثم أعْلَمه بعد ذلكَ.
قُلْتُ: حديث أبي هُريرة أخرجه الحاكم في "المستدرك"، والبزار من رواية مَعْمَر، عن ابن أبي ذئب، عن سَعيد المَقْبري، عن أبي هُريرة، وهو صحيح عَلى شرط الشيخين (١)، وقد أخرجه أحْمَد، عن عبد الرزَّاق، عن مَعْمَر (٢)، وذكر الدَّارقطني أن عبد الرَّزَّاق تفرد بوصله، وأن هشام بن يوسف رواه عن مَعْمَر فأرسله.
قُلْتُ: وقد وصله آدم بن أبي إياس، عن ابن أبي ذِئب أخرجه الحاكم (٣) أَيضًا فقويت رواية مَعْمَر، وإذا كَانَ صحيحًا فالجمع الَّذِي جمع به القاضي حَسَن.
لكن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة هذا كَانَ بمكة ليلة العَقَبة، بَايع الْأَنصار رسول الله ﷺ البيعة الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلِكَ بسبع سنين عام خَيْبَر، فكيف يكون حديثه متقدمًا؟ !
وقالوا في الجواب عنه: يُمكن أن يكون أبو هريرة ما سَمعه من النَّبِي ﷺ ، وإنما سمعه من صحابي آخر كَانَ سَمعه من النَّبِي ﷺ قديمًا ولَم [٦٠/ب] يسمع من النَّبِي ﷺ بعد ذَلِكَ أن الحُدود كَفَّارة كما سمعه عبادة، وفِي هذا تعسف، ويُبطله أن أَبا هريرة صَرَّح بسماعه، وأن الحُدود لَم تكن نَزلت إذ ذَاك.
стр. 250
والحق عندي: أن حديث أبي هريرة صحيح وهو سابق عَلى حديث عُبَادة، والمُبَايعة المذكورة في حديث عبادة عَلى الصفَة المذكورة لَم تقع ليلة العَقبة، وإنما نَصُّ بيعة العَقَبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره من أهل المَغَازي: أن النَّبِي ﷺ قَالَ لمن حَضَرَ من الْأَنصار: "أبايعكم عَلى أن تَمْنَعوني مِما تَمْنَعونَ منه نساءكم وأبناءكم". فبايعوه عَلى ذَلِكَ، وَعَلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه، وسيأتي في هذا الكتاب من حديث عُبَادة أَيضًا قَالَ: "بايعنا رسول الله ﷺ عَلى السمع والطاعة في العُسْر والْيُسْر والْمَنْشَط والْمَكْرَه". الحديث (١).
فهذه البيعة الأولَى، ثم صَدَرَت مُبايعات أخرى سَتُذْكَرُ في كتاب الأحكام -إن شاء الله- منها هذه البَيْعَة، وإنما وَقَعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية الَّتِي في المُمْتَحنة وهي قوله تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢].
ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحُدَيْبَية بلا خلاف، والدَّليل عَلى ذَلِكَ عند البُخَاري في كتاب الحدود من طريق سُفيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْري في حديث عُبَادة هذا: أن النَّبِي ﷺ لَمَّا بايعهم قرأ الآية كلها (٢)، وعنده في تفسير المُمْتَحَنة من هذا الوجه قَالَ: "قرأ آية النساء" (٣).
ولمُسلم من طريق مَعْمَر, عن الزهري "فَتَلا علينا آية النساء: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] (٤).
وللنسائي من طريق الحارث بن فُضَيْل، عن الزُّهْرِي: أن رسول الله ﷺ قَالَ: "ألا تبايعوني عَلى مَا بَايَع عليه النِّسَاء: ألا تُشركوا باللهِ شيئًا" الحديث (٥).
стр. 251
وللطبراني من وجه آخر، عن الزُّهْرِي بهذا الإسناد: "بايعنا رسول الله ﷺ عَلى مَا بَايع عليه النساء يوم فتح مكة" (١).
ولمسلم من طريق أبي الأَشْعث، عن عُبَادة في هذا الحديث: "أخَذَ علينا رسول الله ﷺ كَما أَخَذَ عَلى النساء" (٢). فهذه أدلة صَريحة في أن هذه البَيْعة إنما صَدرت بعد نزول الآية، بل بعد صُدور البَيْعة، بل بعد فتح مكة، وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة.
ويُؤيد هذا ما رواه ابن أبي خَيْثَمة، عن أَبيه، عن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الطُّفَاوي، عن أَيُّوب، عن عَمرو بن شُعيب، عن أَبيه، عن جده قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ [٦١/أ]: "أبايعكم عَلى ألَّا تُشركوا باللهِ شيئًا" (٣). فذكر نَحو حديث عُبَادة، ورجاله ثقات، وقد قَالَ إسحاق بن رَاهَويْه: إذا صح الإسناد إلى عَمرو بن شُعيب فهو كأيوب، عن نافع، عن ابن عمر. انتهى
وإذا كَانَ عبد الله بن عمرو أحد من حَضَر هذه البيعة، وليس هو من الْأَنصار، ولا ممن حصر بيعتهم بمنى، وصح تغاير البيعتين: بيعة الْأَنصار ليلة العقبة وهي قبل الهجرة إلى المدينة، وبَيْعة أخرى وقعت بعد فتح مكة وشهدها عبد الله بن عَمرو وكان إسلامه بعد الهجرة.
وإنما حَصَل الالتباس من جهة أن عُبَادة بن الصامِت حضر البيعتين معًا، وكانت بَيْعَة العَقَبة من أَجل ما يُمتدح به، فكان يذكرها إذا حدث تَنْويهًا بسابقته، فلما ذكر هذه البيعة التِي صَدرت عَلى مثل بيعة النساء عقب ذلِكَ تَوهم من لم يقف عَلى حقيقة الحال أن البَيْعة الأولى وقعت على ذلكَ.
ونَظِيره ما وقع في الصحيحين أَيضًا من طريق الصُّنَابحي، عَن عُبَادة قَالَ: "إنِّي من النقَبَاء الذين بَايعوا رسول الله ﷺ وَقَالَ: "بَايعناه عَلى ألَّا نُشْرِكَ بالله شيئًا" (٤). الحديث.
стр. 252
فظاهر هذا اتحاد البيعتين, ولكن المراد عَلى ما قَدَّرْتُه أن قوله: "إنِّي من النُّقَبَاء الذين بايعوا -أي: ليلة العقبة- عَلى الإيواء والنَّصْر"، وما يتعلق بذلك ثم قَالَ: "بَايعناه" إلى آخره؛ أي: في وقت آخر، ويُشير إلَى هذا الإتيان بالواو العاطفة في قوله: "وَقَالَ: بايعناه"، وعليك بِرَدِّ ما أتى مِن الروايات مُوهمًا بأن هذه البيعة كانت ليلة العَقَبة إلَى هذا التأويل الَّذِي نَهَجتُ طريقه فيرتفع بذلك الإشكال، ولا يبقى بين حديثي أبي هريرة وعُبَادة تعارض، ولا وجه بعد ذَلِكَ للتوقف في كون الحُدود كَفارة.
واعلم أن عُبَادة بن الصَّامِت لم ينفرد برواية هذا المعنى، بل رَوَى ذلك علي بن أبي طالب، وهو في الترمِذي وصححه الحاكم وفيه: "وَمَنْ أَصَابَ ذَنْبًا فَعُوقب به في الدُّنْيَا؛ فالله أكرَم من أن يُثَنِّي بالعُقُوبة عَلى عبده في الآخرة" (١).
وهو عند الطَّبَرانِيّ (٢) بإسناد حسن من حديث أبي تَمِيمَة الهُجَيْمي.
ولأحمد من حديث خُزَيْمَة بن ثابت بإسناد حسن ولفظه: "مَن أصابَ ذنبًا أقيم عليه حَدُّ [٦١/ ب] ذَلِكَ الذنب فهو كَفَّارته" (٣).
وللطبراني عن ابن عمر مرفوعًا: "مَا عُوقِبَ رجل عَلى ذنب إلَّا جَعله الله له كَفَّارة لما أَصَاب من ذَلِكَ الذنب" (٤). وإنما أطلت في هذا الموضع؛ لأنني لم أر من أَزَال اللَّبس فيه عَلى الوجه المرضي، والله الهادي.
قوله: (فعوقب به) قَالَ ابن التين: يريد بالقطع في السرِقَة، والجلد أو الرجم في الزنا، قالَ: وأما قتل الولد فليس له عُقوبة معلومة، إلَّا أن يريد قتل النفس فكنى عنه.
стр. 253
قُلْتُ: في رواية الصُّنَابحي، عن عُبَادة في هذا الحديث: "ولا تَقتلوا النفس الَّتِي حَرَّم الله إلَّا بالحقِّ" (١). ولكن قوله في حديث الباب "فعُوقب به" أعم من أن تكون العقوبة حدًّا أو تعزيزًا.
قَالَ ابن التين: وحكي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو إرداع لغيره، وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم؛ لأنَّه لم يصل إليه حق.
قُلْتُ: بل وصل إليه حق وأي حق، فإن المقتول ظُلمًا تُكفر عنه ذنوبه بالقتل، كما ورد في الخبر الذِي صححه ابن حِبَّان وغيره: "إن السيف مَحَّاءٌ للخطايا" (٢)، وعن ابن مسعود قَالَ: "إذا جاء القتل مَحَا كل شيء" رواه الطَّبْرَانِي (٣)، وله عن الحسن بن عليّ نَحوه (٤)، وللبزار عن عائشة مرفوعًا: "لَّا يمر القتل بذنب إلَّا مَحاه، فلولا القتل [ما] (٥) كفرت ذنوبه" (٦). وأي حق يصل إليه أعظم من هذا, ولو كَانَ حد القتل إنما شُرع للإرداع فقط لم يشرع العفو عن القاتل.
قوله: (فهو إلَى الله) قَالَ المازري: فيه رد عَلى الخَوَارج الذين يُكفرون بالذنوب، ورد عَلى المعتزلة الذين يوجبونَ تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة لأن النَّبِي ﷺ أخبر بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لابد أن يعذبه.
وَقَالَ الطيبي: فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار عَلى أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه.
стр. 254
قُلْتُ: أما الشق الأول فواضح، وأما الثاني: فالإشارة إليه إنما تُستفاد من الحمل عَلى غير ظاهر الحديث وهو متعين.
* تنبيه:
زاد في رواية الصُنَابحي، عن عُبَادة في هذا الحديث: "ولا ننتَهب" (١)، وهو مما يتمسك به في أن هذه البيعة متأخرة؛ لأن الجهاد عند بيعة العقبة لم يكن فُرِضَ، والمراد بالانتهاب: ما يقع بعد [٦٢/أ] القتال في المغانِم.
وزاد في روايته أَيضًا: "ولا نعصي بالجنة إن فعلنا ذَلِكَ، فإن غَشَينا من ذَلِكَ شيئًا كَانَ قضاء ذَلِكَ إلَى الله"، أخرجه المصنف في باب وفود الْأَنصار عن قُتَيْبة، عن الليث، ووقع عنده: "ولا نقضي" -بقاف وضاد معجمة- وهو تصحيف، وقد تكلف بعض النَّاس في تخريجه وَقَالَ: نهاهم عن ولاية القضاء. ويبطله أن عُبَادة ولي قضاء فلسطين زمن عمر ﵄.
وقيل: إن قوله: "بالجنة" متعلق بـ"نقضي"؛ أي: لا نقضي بالجنة لأحد معين.
قُلْتُ: لكن يبقى قوله: "إن فعلنا ذَلِكَ" بلا جواب، ويُكتفى في ثبوت دعوى التصحيف فيه رواية مُسْلِم (٢)، عن قتيبة -بالعين والصاد المهملتين-، وكذا للإسماعيلي عن الحسن بن سُفيان، ولأبي نُعيم من طريق موسى بن هارون كلاهُمَا عن قتيبة، وكذا هو عند البُخَاري أيضًا في هذا الحديث في الديات عن عبد الله بن يوسف، عن الليث في معظم الروايات (٣)، لكن عند الكشميهني بالقاف والضاد أَيضًا وهو تصحيف كما بيناه.
وقوله: "بالجنة" إنما هو متعلق بقوله في أوله: "بايعناه"، والله أعلم.
стр. 255
١٢ - باب: مِنَ الدِّين الْفِرَارُ مِن الْفِتَنِ
١٩ - حَدَّثنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَ أنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبعُ بهَا شَعَفَ الجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ".
قوله: (باب: من الدين الفرار من الفتن) عَدَل المصنف عن الترجمة بالإيمان مع كونه يترجم لأبواب الإيمان مراعاة للفظ الحديث، ولَمَّا كانَ الإيمان والإِسلام عنده مترادفين في عرف الشرع، وَقَالَ الله تعالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؛ صح إطلاق الدين في موضع الإيمان.
قوله: (حَدَّثَنَا عبد الله بن مَسْلَمة) هو القَعْنَبِي أحد رواة "الموطأ"، نُسب إلَى جده قَعْنَب، وهو بصري أقام بالمدينة مدة.
قوله: (عن أَبيه) هو عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن الحارث بن أبي صَعْصَعة، فسقط الحارث من الرواية, واسم أبي صَعْصعة: عمرو بن زيد بن عوف الأَنْصَارِيّ ثم المَازني هلك، في الجاهلية، وشهد ابنه الحارث أُحدًا واستُشهد باليمامة.
قوله: (عن أبي سعيد) اسمه سعد عَلى الصحيح، وقيل: سِنَان بن مالك بن سِنَان، استُشهد أبوه بأحد، وكان هو من المكثرين، وهذا الإسناد كله مدنيون، وهو من أفراد البُخَاري عن مُسْلِم [٦٢/ ب].
قوله: (يوشك) بكسر الشين المعجمة؛ أي: يقرب.
قوله: (خَيْرَ) بالنصب عَلى الخبر، و"غَنَم" الاسم، وللأصيلي برفع "خير" ونصب "غنمًا" عَلى الخبرية، ويجوز رفعهما عَلى الابتداء والخبر، ويقدر في "يكون" ضمير الشأن. قاله ابن مالك، [لكن] (١) لم تجئ به الرواية.
стр. 256
قوله: (يَتّبع) بتشديد التاء، ويجوز إسكانها، و"شَعَف" بفتح المعجمة والعين المهملة جمع شَعَفة، كأكم وأَكَمة؛ وهو رءوس الجبال.
قوله: (ومواقع القطر) بالنصب عطفًا عَلى شَعَف؛ أي: بطون الأودية، وخصهما بالذكر؛ لأنهما مظانُّ المَرْعَى.
قوله: (يفر بدينه) أي: بسبب دينه، و"من" ابتدائية.
قالَ الشيخ النووي: في الاستدلال بهذا الحديث للترجمة نظر؛ لأنَّه لا يلزم من لفظ الحديث عدَّ الفرار دينًا، وإنما هو صيانة للدين، قَالَ: فلعله لَما رآه صيانة للدين أطلق عليه اسم الدين.
قَالَ غيره: إن أريد بـ"من" كونها جنسية أو تبعيضية فالنظر متجه، وإن أريد كونها ابتدائية. أي: الفرار من الفتنة منشؤه الدين؛ فلا يتجه النظر.
وهذا الحديث قد ساقه المصنف أَيضًا في كتاب الفتن (١)، وهو أليق المواضع به، والكلام عليه يُسْتَوفى هناك إن شاء الله تعالَى.
стр. 257
١٣ - باب: قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "أنا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ "
وَأَن الْمَعْرِفَةَ فِعلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]
٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنّا لَسْنَا كهَيْئتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِن اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ في وَجْهِهِ ثُم يَقُولُ: "إِن أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَهِ أنا".
قوله: (باب قول النَّبِي ﷺ ) هو مضاف بلا تردد.
قوله: (أنا أعلمكم) كذا في رواية أبي ذر، وهو لفظ الحديث الّذِي أورده في جَميع طرقه، وفي رواية الأصيلي: "أعرفكم"، وكأنه مذكور بالمعنى حملًا عَلى ترادفهما، وهو ظاهر هنا، وعليه عمل المصنف.
قوله: (وأنّ المعرفة) بفتح أن، والتقدير: باب بيان أن المعرفة، وورد بكسرها، وتوجيهه ظاهر.
قوله: (لقول الله تعالَى) مراده: الاستدلال بهذه الآية عَلى أن الإيمان بالقول وحده لا يتم إلَّا بانضمام الاعتقاد إليه، والاعتقاد فعل القلب.
وقوله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: بما استقر فيها، والآية وإن وردت في الأيمان -بالفتح- فالاستدلال بها في الإيمان -بالكسر- واضح للاشتراك في المعنى؛ إذ مدار الحقيقة فيهما عَلى عمل القلب؛ وكأن المصنف لمح بتفسير زيد بن أَسْلم, فإنَّه قَالَ في قوله تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ قَالَ: هو كقول الرَّجل: إن فعلت كذا فأنا [٦٣/أ] كافر، قَالَ: لا يؤاخذه الله بذلك حَتَّى يعقد به قلبه.
стр. 258
فظهرت المناسبة بين الآية والحديث، وظهر وجه دخولهما في مباحث الإيمان, فإن فيه دليلًا عَلى بطلان قول الكَرَّامية: إن الإيمان قول فقط، ودليلًا عَلى زيادة الإيمان ونقصانه؛ لأن قوله ﷺ : "أنا أعلمكم بالله" ظاهر في أن العلم بالله درجات، وأن بعض النَّاس فيه أفضل من بعض، وأن النَّبِي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته وما بأحكامه وما يتعلق بذلك، فهذا هو الإيمان حقًا.
* فائدة:
قَالَ إمام الحرمين: أجْمَع العلماء عَلى وجوب معرفة الله تعالَى، واختلفوا في أول واجب، فقيل: المعرفة، وقيل: النظر.
وَقَالَ المقترح: لا اختلاف؛ فإن أول واجب خطابا ومقصودًا المعرفة، وأول واجب اشتغالًا وأداء القَصْد إلَى النظر، وفِي نقل الإجماع نظر كبير ومنازعة طويلة، حَتَّى نقل جَماعة الإجماع في نقيضه، واستدلوا بإطباق أهل العصر الأول عَلى قبول الإِسلام ممن دخل فيه من غير تنقيب، والآثار في ذَلِكَ كثيرة جدًا.
وأجابَ الأولون عن ذَلِكَ بأن الكفار كانوا يذبون عن دينهم ويقاتلون عليه، فرجوعهم عنه دليل عَلى ظهور الحق لهم، ومقتضى هذا أن المعرفة المذكورة يكتفى فيها بأدنى نظر بخلاف ما قرروه، ومع ذَلِكَ فقول الله تعالَى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]. وحديث: "كل مولود يولد عَلى الفطرة" (١)؛ ظاهران في دفع هذه المسألة من أصلها.
وقد نقل القدوة أبو مُحَمَّد بن أبي جَمرة، عن أبي الوليد البَاجي، عن أبي جعفر السِّمناني -وهو من كبار الأشاعرة- أنَّه سمعه يقول: إن هذه المسألة من مسائل المُعتزلة بقيت في المذهب، والله المستعان.
стр. 259
وَقَالَ النووي: في الآية دليل عَلى المذهب الصحيح أن أفعال القلوب يُؤاخذ بها إذا استقرت، وأما قوله ﷺ : "إن الله تَجاوز لأمتِي عما حدثت به أنفسها ما لَم تكلم به أو تعمل" (١). فمحمول عَلى ما إذا لم يستقر.
قُلْتُ: ويُمكن أن يستدل لذلك من عموم قوله: "أو تعمل"؛ لأن [٦٣/ ب] الاعتقاد هو عمل القلب.
قوله: (حَدَّثنا مُحَمَّد بن سلام) هو بتخفيف اللام عَلى الصحيح، وَقَالَ صاحب "المطالع": هو بتشديدها عند الأكثر، وتعقبه النووي بأن أكثر العلماء [عَلى] (٢) أنَّه بالتخفيف، وقد روي ذَلِكَ عنه نفسه، وهو أخبر بأبيه، فلعله أراد بالأكثر مشايخ بلده.
قوله: (أنا عَبْدَة) هو ابن سليمان الكُوفيّ، وفِي رواية الأصيلي: "ثَنَا".
قوله: (عن هشام) هو ابن عُروة بن الزُّبَيْر بن العَوَّام.
قوله: (إذا أمرهم أمرهم) كذا في معظم الروايات، ووقع في بعضها: "أمرهم" مرة واحدة، وعليه شَرَح القاضي أبو بكر ابن العربي، وهو الَذي وقع في طرق هذا الحديث الَّتِي وقفت عليها من طريق عَبْدة، وكذا من طريق ابن نمير وغيره عن هشام عند أَحْمَد (٣)، وكذا ذكره الإسماعيلي من رواية أبي أسامة، عن هشام ولفظه: "كانَ إذا أمر النَّاس بالشيء".
قالوا: والمعنى: كَانَ إذا أمرهم بما يسهل عليهم دون ما يشق، خشية أن يعجزوا عن الدوام عليه وعَمِل هو بنظير ما يأمرهم به من التَّخفيف طلبوا منه التكليف بما يشق؛ لاعتقادهم احتياجهم إلَى المبالغة في العمل لرفع الدرجات [دونه، فيقولون: لسنا كهيئتك، فيغضب من جهة أن حصول الدرجات] (٤) لا توجب التقصير في العمل، بل
стр. 260
توجب الازدياد شكرًا للمنعم الوهَّاب، كما قَالَ في الحديث الآخر: "أحب العمل إلَى الله أدومه" (١).
وَعَلى مقتضى ما وقع في هذه الرواية من تكرير "أمرهم" يكون المعنى: كَانَ إذا أمرهم بعمل من الأعمال أمرهم بما يطيقون الدوام عليه، فـ"أمرهم" الثَّانية جواب الشرط، و"قالوا" جواب ثان.
قوله: (كهيئتك) أي: ليس حالنا كحالك، وعبر بالهيئة تأكيدًا.
* وفِي هذا الحديث فوائد:
الأولَى: أن الأعمال الصالِحة تُرَقِّي صاحبها إلى المراتب السنِية من رفع الدرجات ومحو الخطيئات؛ لأنَّه ﷺ لم ينكر عليهم استدلالهم ولا تعليلهم من هذه الجهة، بل من الجهة الأخرى.
الثَّانية: أن العبد إذا بلغ الغاية في العبادة وثمراتها كَانَ ذَلِكَ أدعى له إلَى المواظبة عليها، استبقاء (٢) للنعمة واستزادة لها بالشكر عليها.
الثالثة: الوقوف عند ما حد الشارع من عزيمة ورخصة، واعتقاد أن الأخذ بالأرفق الموافق للشرع أولى من الأشق المخالف له.
الرابعة: أن الأولى في العبادة القصد والملازمة لا المبالغة المفضية إلَى الترك، كما جاء في الحديث الآخر: "المُنْبَتُّ -أي: المُجِدُّ في السير- لا أرضًا قطع ولا ظَهْرًا أبقَى" (٣).
الخامسة: التنبيه [عَلى] (٤) شدة رغبة الصَّحَابَة في العبادة، وطلبهم الازدياد من الخير.
стр. 261
السادسة: [٦٤/أ] مشروعية الغضب عند مُخالفة الأمر الشرعي، والإنكار على الحاذق المتأهل لفهم المعنى إذا قصر في الفهم، تحريضًا له عَلى التيقظ.
السابعة: جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المُبَاهاة والتعاظُم.
الثامنة: بيان أن لرسول الله ﷺ رتبة الكمال الإنساني؛ لأنَّه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى بقوله: "أعلمكم" وإلى الثَّانية بقوله: "أتقاكم"، ووقع عند أبي نُعيم: "وأعلمكم بالله لأنا" بزيادة لام التأكيد.
وهذا الحديث من أفراد البُخَاري عن مسلم، وهو من غرائب الصحيح لا أعرفه إلَّا من هذا الوجه، فهو مشهور عن هشام، فرد مُطلق من حديثه عن أَبيه، عن عائشة، والله أعلم.
стр. 262
١٤ - باب: مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعودَ في الْكُفْرِ كَمَا يَكرَهُ أَنْ يُلْقَى في النارِ مِن الإِيمان
٢١ - حَدَّثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَس ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "ثَلاث مَنْ كُن فِيهَّ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيَمانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولَّهَ أَحَب إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُما، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ في الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كَما يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى في النارِ".
قوله: (باب من كره) يجوز فيه التنوين والإضافة، وَعَلى الأول "من" مبتدأ، و"من الإيمان" خبره.
وقد تقدم الكلام عَلى حديث الباب، ومطابقة الترجمة له ظاهرة مما تقدم, وإسناده كلهم بصريون، وجرى المصنف عَلى عادته في التبويب عَلى ما يُستفاد من المتن. مع أنَّه غاير الإسناد هنا إلَى أنس، و"من" في المواضع الثلاثة موصولة بخلاف التِي بعد "ثلاث" فإنَّها شرطية.
стр. 263
١٥ - باب: تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ في الأَعْمَالِ
٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَني مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيىَ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كانَ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا فَيُلْقَوْنَ في نَهَرِ الْحَيَاءِ أَوِ الْحَيَاةِ، -شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في جَانِبِ السَّيْلِ، أَلمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيةً".
قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا عَمْرو: "الْحَيَاة". وَقَالَ: "خَردَلٍ مِنْ خَيْرٍ".
قوله: (باب تفاضل أهل الإيْمان في الأعمال) "في" ظرفية، ويحتمل أن تكون سببية؛ أي: التفاضل الحاصل بسبب الأعمال.
قوله: (حَدَّثَنَا إسماعيل) هو ابن أبي أُوَيْس عبد الله بن عبد الله الأَصْبَحي المدنِيُّ، ابن أخت مالك، وليس هو في "الموطأ"، قَالَ الدارقطني: وهو غريب صحيح.
قوله: (يدخل) للدارقطني من طريق إسماعيل، وغيره: "يُدخل الله"، وزاد من طريق مَعْنٍ: "يدخل من يشاء في رحمته". وكذا [له] (١)، وللإسماعيلي من طريق ابن وهب.
قوله: (مثقال حبَّة) بفتح الحاء، هو إشارة إلى ما لا أقل منه، قَالَ الخطابي: هو مثل ليكون عِيَارًا في المعرفة لا في الوزن؛ لأن ما يشكل في العقول يُرَدُّ إلى المحسوس ليفهم، وَقَالَ إمام الحرمين: الوزن للصحف المشتملة عَلى الأعمال، ويقع وزنها عَلى قدر أجور الأعمال، وَقَالَ غيره يجوز أن تجسد الأعراض فتوزن، وما ثبت من أمور الآخرة بالشرع لا دخل للعقل فيه.
стр. 264
والْمُرَاد بحبة الخَرْدَل هنا: ما زاد من الأعمال عَلى أصل التوحيد، كقوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا من قَالَ لا إله [٦٤/ ب] إلَّا الله، وعمل من الخير ما يزن ذرة" (١)، ومحل بسط هذا يقع في الكلام عَلى حديث الشفاعة حيث ذكره المصنف في كتاب الرقاق (٢).
قوله: (في نَهر الحياء) كذا في هذه الرواية بالمد، ولكريمة وغيرها بالقصر، وعليه المعنى؛ لأن المراد: كل ما تحصل به الحياة، والحيا بالقصر: هو المطر، وبه تحصل حياة النبات، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدودة الذِي هو بمعنى: الخجل.
قوله: (الْحِبَّة) بكسر أوله، قَالَ أبو حنيفة الدِّينوري: الحبة: جمع بذور النبات، واحدتها: حَبة بالفتح وأما الحب: فهو الحنطة والشعير، واحدتها: حَبة بالفتح أيضًا، وإنما افترقا في الجمع. وَقَالَ أبو المعالي في "المنتهى": الحبة بالكسر: بذور الصحراء مما ليس بِقُوت.
قوله: (وهيب) أي: ابن خالد.
(حَدَّثنا عمرو) أي: ابن يحيى المَازِني المذكور.
قوله: (الحياة) بالخفض عَلى الحكاية، ومراده: أن وهيبًا وافق مالكًا في روايته لِهذا الحديث عن عمرو بن يحيى بسنده، وجزم بقوله: "في نهر الحياة"، ولم يشك كما شك مالك.
* فائدة:
أخرج مُسْلِم (٣) هذا الحديث من رواية مالك فأبهم الشاك وقد تَفَسَّر هنا.
قوله: (وَقَالَ: خردل من خير) هو عَلى الحكاية أيضًا، أي: وَقَالَ وُهَيْب في روايته: "مثقال حبَّة من خردل من خير"، فخالف مالكًا أَيضًا في هذه الكلمة، وقد ساق المؤلف
стр. 265
حديث وهيب هذا في كتاب الرقاق (١)، عن موسى بن إسماعيل، عن وُهَيْب وسياقه أتم من سياق مالك لكنه قَالَ: "من خردل من إيمان" كرواية مالك، فاعترض عَلى المصنف بهذا, ولا اعتراض عليه، فإن أَبا بكر بن أبي شَيْبَة أخرج هذا الحديث في "مُسْنده" عن عَفَّان بن مُسْلِم، عَن وُهَيْب فقال: "من خردل من خير"، كما علقه المصنف، فتبين أنَّه مراده لا لفظ موسى، وقد أخرج مُسْلِم عن أبي بكر هذا، لكن لم يسق لفظه.
ووجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهر، وأراد بإيراده: الرد عَلى المرجئة؛ لما فيه من بيان ضرر المعاصي مع الإيمان, وَعَلى المعتزلة في أن المعاصي موجبة للخلود.
стр. 266
٢٣ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْل، أنهُ سَمِعَ أبا سعيد الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "بَيْنَا أنا نَائِم رَأَيْتُ النَاسَ يُعْرَضُونَ عَليَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثدِيَّ، وَمنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْن الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فما أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الدينَ".
قوله: (حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عبيد الله) هو أبو ثابت المدنِيُّ، وأبوه بالتصغير.
قوله: (عن صالح) هو ابن كَيْسَان، تابعي جليل.
قوله: (عن أبي أُمامة بن سَهْل) هو ابن حُنَيْف كما ثبت في رواية الأَصِيلي، وأبو أمَامة مختلف [٦٥/ أ] في صحبته، ولم يصح له سماع، وإنما ذُكر في الصَّحَابَة لشرف الرؤية، ومن حيث الرواية يكون في الإسناد ثلاثة من التابعين، أو تابعيان وصحابيان، ورجاله كلهم مدنيون كالذي قبله، والكلام عَلى المتن يأتي في كتاب التعبير، ومطابقته للترجمة ظاهر من جهة تأويل القُمُص بالدين، وقد ذكر أنَّهم متفاضلون في لبسها، فدل عَلى أنَّهم متفاضلون في الإيمان.
وقوله: (الثُّدِيَّ) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة وتشديد الياء التحتانية، جمع ثَدْي بفتح أوله وإسكان ثانيه والتخفيف، وهو مذكر عند معظم أهل اللغة، وحُكي أنَّه مؤنث، والمشهور أنَّه يُطلق في الرَّجل والمرأة، وقيل: يختص بالمرأة، وهذا الحديث ردَّه، ولعل قائل هذا يدَّعي أنَّه أطلق في الحديث مجازًا، والله أعلم.
стр. 267
١٦ - باب: الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ
٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَن ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُل مِنَ الأنصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ في الْحَيَاءِ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ فإِنّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ".
قوله: (باب) هو منون، ووجه كون الحياء من الإيمان تقدم مع بقية مباحثه في باب أمور الإيمان, وفائدة إعادته هنا أنَّه ذكر هناك بالتبعية وهنا بالقصد مع فائدة مغايرة الطريق.
قوله: (حَدَّثَنَا عبد الله بن يوسف) هو التِّنيسي نزيل دمشق، ورجال الإسناد سواه من أهل المدينة.
(قَالَ: أنا)، وللأصِيلي: "حَدثَنَا مالك", ولكريمة: "بن أنس"، والحديث في "الموطأْ" (١).
قوله: (عن أَبيه) هو عبد الله بن عُمر بن الخَطَّاب.
قوله: (مر عَلى رجل) لمسلم من طريق معمر: "مر برجل" (٢)، و"مر" بمعنى: اجتاز، يعَدِّى بـ"عَلى" وبـ"الباء"، ولم أعرف اسم هذين الرجلين الواعظ وصاحبه.
وقوله: (يعظ) أي: ينصح أو يخوف أو يُذكَر كذا شرحوه، والأَوْلَى أن يشرح بما جاء عند المصنف في الأدب من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سَلَمة، عن ابن شهاب، ولفظه: "يعاتب أخاه في الحياء، يقول: إنك لتستحي حَتَّى كأنه يقول: قد أضربك" (٣). انتهى
стр. 268
و (في) سببية، فكأن الرَّجل كَانَ كثير الحياء، فكان ذَلكَ يمنعه عن استيفاء حقوقه، فعاتبه أخوه عَلى ذلكَ؛ فقال له النَّبِي ﷺ : "دعه" أي: اتركه عَلى هذا الخُلُق السِّنِي، ثم زاده في ذَلكَ ترغيبًا لحكمة أنَّه من الإيمان, وإذا كانَ الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه جَبَر له ذلكَ تحصيل أجر ذَلِكَ الحق، لاسيما إن كَانَ المتروك له مستحقًا.
وَقَالَ ابن قتيبة: معناه: أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان, فسمي إيمانًا [٦٥/ ب]، كما يُسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وحاصله: أن إطلاق كونه من الإيمان مجاز، والظاهر أن الناهي ما كَانَ يعرف أن الحياء من مكملات الإيمان, فلهذا وقع التأكيد، وقد يكون التأكيد من جهة أن القضية في نفسها مما يهتم به وإن لم يكن هناك منكر.
стр. 269
١٧ - باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾
٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو رَوْح الْحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْن مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّث، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلاة، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلُامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ".
قوله: (باب) هو منون في الرواية, والتقدير: [هذا] (١) باب في تفسير قوله تعالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة: ٥]. وتجوز الإضافة؛ أي: بابُ تفسير قوله، وإنما جُعل الحديث تفسيرًا للآية؛ لأن المراد بالتوبة في الآية: الرجوع عن الكفر إلَى التوحيد، ففسره قوله ﷺ : "حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله"، وبين الآية والحديث مناسبة أخرى؛ لأن التخْلِيَة في الآية والعِصْمَة في الحديث بمعنى واحد.
قوله: (حَدَّثَنَا عبد الله بن مُحَمَّد) زاد ابن عساكر: "المُسْنَدي"، وهو بفتح النُّون كما مضى. (قَالَ: حَدَّثَنَا أبو رَوح) هو بفتح الراء.
قوله: (الحَرَمِي) هو بفتح المهملتين، وللأصِيلي: "حَرَمِي"، وهو اسم بلفظ النسب تثبت فيه الألف واللام وتُحذف مثل مَكَي بن إبراهيم الآتي بعد.
وَقَالَ الكِرْمَاني: أبو رَوْح كنيته، واسمه: نَابت، والحَرَمي نسبته. كذا قالَ، وهو خطأ من وجهين:
أحدهما: في جعله اسمه نسبته.
والثاني: في جعله اسم جده اسمه.
стр. 270
وذلك أنَّه حرَمي بن عمارة بن أبي حَفْصة، واسم أبي حفصة نَابت، وكأنه أتى في كلام بعضهم: "واسمه نابت"، فظن أن الضمير يعود عَلى حَرَمي؛ لأنَّه المتحدث عنه وليس كذلك، بل الضمير يعود عَلى أبي حَفْصَة، لأنَّه الأقرب، وأكد ذلِكَ عنده وروده في هذا السند: "الحَرَمي" بالألف واللام، وليس هو منسوبًا إلى الحَرَم بحال؛ لأنَّه بصري الأصل والمولد والمنشأ والمسكن والوفاة، ولم يضبط نابتا كعادته فكأنه ظنه بالمثلثة كالجادة، والصحيح: أن أوله نون.
قوله: (عن واقد بن مُحَمَّد) زاد الأَصِيلي: "يعني: ابن زيد بن عبد الله بن عُمَر"، فهو من رواية الأبناء عن الآباء وهو كثير، لكن رواية الشخص عن أَبيه عن جده أقل، ووَاقد هنا روى عن أَبيه عن جد أَبيه.
وهذا الحديث غريب الإسناد تفرد بروايته شُعْبَة عن وَاقد، قاله ابن حبان (١)، وهو عن شُعبة عَزِيز، تفرد بروايته عنه حَرَمي هذا وعبد الملك بن الصَّبَّاح، وهو عَزِيز [٦٦/أ] عن حرمي، تفرد به عنه المُسْنَدي، وإبراهيم بن مُحَمَّد بن عَرْعَرَة، ومن جهة إبراهيم أخرجه أبو عَوَانة، وابن حِبَّان (٢)، والإسماعيلي، وغيرهم، وهو غريب عن عبد الملك، تفرد به عنه أبو غَسَّان مالك بن عبد الواحد شيخ مُسْلِم، فاتفق الشيخان عَلى الحكم بصحته مع غرابته، وليس هو في مسند أَحْمَد عَلى سعته.
وقد استبعد قوم صحته بأن الحديث لو كَانَ عند ابن عمر لما ترك أباه يُنَازع أَبا بكر في قتال مانعي الزكاة، ولو كانوا يعرفونه لما كَانَ أبو بكر يُقر عمر عَلى الاستدلال بقوله ﵊: "أمرتُ أن أقاتل النَّاس حَتَّى يقولوا: لا إله إلَّا الله". وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس؛ إذ قَالَ: "لأقاتلن من فَرَّقَ بين الصلاة والزكاة" (٣)؛ لأنها قرينتها في كتاب الله.
стр. 271
والجواب: أنَّه لا يلزم من كون الحديث المذكور عند ابن عمر أن يكون استحضره في تلك الحالة، ولو كَانَ مستحضرا له فقد يحتمل ألَّا يكون حضر المناظرة المذكورة، ولا يمتنع أن يكون ذكره لهما بعد، ولم يستدل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة بالقياس فقط، بل أخذه أَيضًا من قوله ﵊ في الحديث الذى رَوَاهُ: "إلَّا بحق الإِسلام"، قَالَ أبو بكر: والزكاة حق الإِسلام.
ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أَيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالَى- في كتاب الزكاة (١).
وفِي القصة دليل عَلى أن السنة قد تخفى عَلى بعض أكابر الصَّحَابَة ويطلع عليها آحادهم، ولهذا لا يلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سُنَّة تخالفها , ولا يقال: كيف خَفِي ذا عَلى فلان، والله الموفق.
قوله: (أُمِرْتُ) أي أمرني الله؛ لأنَّه لا آمر لرسول الله ﷺ إلَّا الله، وقياسه في الصحابي إذا قَالَ: "أمرت"، فالمعنى: أمرني رسول الله ﷺ ؛ من حيث إنهم مجتهدون، وإذا قاله التابعي احتمل، والحاصل: أن [مَن] (٢) اشتهر بطاعة رئيس إذا قَالَ ذَلِكَ فُهم منه أن الآمر له ذلِكَ الرئيس.
قوله: (أنْ أقاتِل) أي: بأن أقاتل، وحذف الجار من "أن" كثير.
قوله: (حَتَّى يشهدوا) جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر، فمقتضاه: أن من شهد [٦٦/ ب] وأقام وآتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام.
والجواب: بأن الشهادة بالرسالة يتضمن التصديق بما جاء به؛ مع أن نص الحديث وهو قوله: "إلَّا بحق الإِسلام" يدخل فيه جَميع ذَلِكَ.
فإن قيل: فَلِمَ لَمْ يَكْتَفِ به ونص عَلى الصلاة والزكاة؟
стр. 272
فالجواب: أن ذَلِكَ لعظمهما والاهتمام بأمرهما؛ لأنهما أُمَّا العبادات البدنية والمالية.
قوله: (ويقيموا الصلاة) أي: يداوموا عَلى الإتيان بِها بشروطها، من قامت السوق: إذا نفقت، وقامت الحرب: إذا اشتد القتال، أو المراد بالقيام: الأداء تعبيرًا عن الكل بالجزء؛ إذ القيام بعض أركانها، والمراد بالصلاة: المفروض منها لا جنسها، فلا تدخل سجدة التلاوة مثلًا وإن صدق اسم الصلاة عليها.
وَقَالَ الشيخ محيي الدين: في هذا الحديث أن من ترك الصلاة عَمْدًا يُقتل، ثم ذكر اختلاف المذاهب في ذلِكَ.
* وسَأَلَ (١) الكرمانيُّ هنا عن حكم تارك الزكاة؟
وأجاب: بأن حكمهما واحد لاشتراكهما في الغاية؛ وكأنه أراد في المُقَاتلة، أما في القتل فلا، والفرق: أن الممتنع من إيتاء الزكاة يُمكن أن تؤخذ منه قهرًا بخلاف الصلاة، فإن انتهى إلى نصب القتال ليمنع الزكاة قُوتل، وبهذه الصورة قاتل الصديق مانعي الزكاة, ولم يُنقل أنَّه قتل أحدًا منهم صبرًا، وَعَلى هذا ففي الاستدلال بهذا الحديث عَلى قتل تارك الصلاة نظر؛ للفرق بين صيغة أُقَاتل وأَقْتُل، والله أعلم.
وقد أطْنَبَ ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" في الإنكار عَلى من استدل بهذا الحديث عَلى ذَلِكَ، وقالَ: لا يلزم من إباحة المُقَاتلة إباحة القتل؛ لأن المقاتلة مُفَاعلة تستلزم وقوع القتال من الجانبين، ولا كذلك القتل.
قوله: (فإذا فعلوا ذَلِكَ) فيه التعبير بالفعل عما بعضه قول، إما عَلى سبيل التغليب، وإما عَلى إرادة المعنى الأعم؛ إذ القول فعل اللسان.
قوله: (عصموا) أي: منعوا، والعصمة: مأخوذة من العصام، وهو الخيط الَّذِي تُشد به فم القربة ليمنع سيلان الماء.
قوله: (وحسابهم عَلى الله) أي: في أمر سرائرهم، ولفظة "عَلى" مشعرة بالإيجاب، وظاهرها غير مراد، فإما أن تكون بمعنى اللام، أو عَلى سبيل التشبيه؛ أي: هو كالواجب عَلى الله في تحقق [٦٧/أ] الوقوع.
стр. 273
وفيه دليل عَلى قبول الأعمال الظاهرة، والحكم بما يقتضيه الظاهر، والاكتفاء في قبول الإيمان بالاعتقاد الجازم خلافًا لمن أوجب تعلُّم الأدلة -وقد تقدم ما فيه-.
ويؤخذ منه: ترك تكفير أهل البدع المقرين بالتوحيد الملتزمين للشرائع، وقبول توبة الكافر من كُفره، من غير تفصيل بين كفر ظاهر أو باطن.
فإن قيل: مقتضى الحديث قتال كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مُؤَدِّي الجزية والمعاهد؟
* فالجواب من أوجه:
أحدها: دعوى النسخ، بأن يكون الإذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخرًا عن هذه الأحاديث، بدليل أنَّه متأخر عن قوله تعالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥].
ثانيها: أن يكون من العام الَّذِي خُصَّ منه البعض؛ لأن المقصود من الأمر: حصول المطلوب، فإذا تخلف البعضُ لدليل لم يَقْدَح في العموم.
ثالثها: أن يكون من العام الَّذِي أريد به الخاص، فيكون المراد بالنَّاس في قوله: "أقاتل النَّاس" أي: المشركين غير أهل الكتاب، ويدل عليه رواية النسَائي بلفظ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ المشركين" (١).
فإن قيل: إذا تم هذا في أهل الجزية لم يتم في المُعَاهِدين ولا في من منع الجزية.
أجيب: بأن المُمْتَنَع في ترك المقاتلة رفعها لا تأخيرها مدة كما في الهُدنة ومقاتلة من امتنعَ من أداء الجزية بدليل الآية.
رابعها: أن يكون المراد بما ذكر من الشهادة وغيرها: التعبير عن إعلاء كلمة الله وإذعان المخالفين، فيحصل في بعضٍ بالقتل، وفي بعض بالجزية، وفي بعضٍ بالمعاهدة (٢).
خامسها: أن يكون المراد بالقتال: هو، أو ما يقوم مقامه من جزية أو غيرها.
стр. 274
سادسها: أن يقال: الغرض من ضَرْب الجزية: اضطرارهم إلَى الإِسلام، وسببُ السببِ سبب، فكأنه قَالَ: حَتَّى يسلموا أو يلتزموا ما يؤديهم إلى الإِسلام، وهذا حسنٌ، ويأتي فيه ما في الثالث، وهُمَا أحسن الأجوبة، والله أعلم.
стр. 275
١٨ - باب: مَنْ قَالَ: إِنّ الإِيمَانَ هو الْعَمَلُ
لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، عَنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالا: حَدَّثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثنا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللهِ". قِيلَ: ثُمّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌ مبرورٌ".
قوله: (باب من قَالَ) هو مضاف حتمًا.
قوله: (الإيْمان هو العمل) مطابقة الآيات والحديث لما ترجم له بالاستدلال بالمجموع عَلى المجموع؛ لأن كل واحد منهما دال بمفرده عَلى بعض الدعوى.
فقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]. عام في الأعمال [٦٧/ ب]، وقد نقل جَماعة من المفسرين هنا أن قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ معناه: تؤمنون، فيكون خاصًّا، وقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]. خاص بعمل اللسان عَلى ما نقل المؤلف، وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١]. عام أَيضًا.
وقوله في الحديث: "إيْمان بالله"، في جواب: "أي العمل أفضل؟ " ذلكَ عَلى أن الاعتقاد والنطق من جملة الأعمال.
فإن قيل: الحديث يدل عَلى أن الجهاد والحج ليسا من الإيمان لما تقتضيه ثُمَّ من المغايرة والترتيب.
فالجواب: أن المراد بالإيمان هنا: التصديق، وهذه حقيقته، والإيمان -كما تقدم- يُطلق عَلى الأعمال البدنية؛ لأنها مكملاته.
стр. 276
قوله (أورثتموها) أي صُيِّرَت لكم إرْثًا، وأطلق الإرث مجازًا عن الإعطاء لتحقق الاستحقاق. و"ما" في قوله: "بما" إما مصدرية؛ أي: بعملكم، وإما موصولة؛ أي: بالذي كنتم تعملونه، والباء للملابسة أو للمقابلة.
فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وحديث: "لن يدخل أحدكم الجنة بعمله" (١).
فالجواب: أن المنفي في الحديث دخولها بالعمل المجرد عن القبول، والمثبت في الآية دخولها بالعمل المتقبل، والقبول إنما يحصل برحمة الله، فلم يحصل الدخول إلَّا برحمة الله وقيل في الجواب غير ذَلكَ كما سيأتي عند إيراد الحديث المذكور.
قوله: (وَقَالَ عدة) أي: جماعة من أهل العلم، منهم أنس بن مالك، رُويِّنا حديثُهُ مرفوعًا في الترمِذي وغيره، وفِي إسناده ضعف (٢)، ومنهم ابن عمر، رُوِّينا حديثه في التفسير للطبري والدعاء للطبراني (٣)، ومنهم مُجاهد، رُويناه عنه في تفسير عبد الرَّزّاق وغيره (٤).
قوله: (لنسألنهم. . . إلى آخره).
قَالَ النووي: معناه عن أعمالهم كلها؛ أي: التِي يتعلق بِها التكليف، وتخصيص ذَلِكَ بالتوحيد دعوى بلا دليل.
стр. 277
قُلْتُ: لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. فيدخل فيه المسلم والكافر، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف، بخلاف باقي الأعمال ففيها الخلاف، فمن قَالَ: إنهم مُخاطبونَ يقول: إنهم مسئولون عن الأعمال كلها، ومن قَالَ: إنهم غير مُخاطبين يقول إنما يُسألون عن التوحيد فقط، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه، فحمل الآية عليه أولَى، بخلاف الحمل [٦٨/أ] عَلى جميع الأعمال؛ لما فيه من الاختلاف، والله أعلم.
قوله: (وَقَالَ) أي: الله . ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ [الصافات: ٦١] أي: الفوز العظيم، ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ أي: في الدُّنْيَا، والظاهر: أن المصنف تأولها بما تأول به الآيتين المتقدمتين؛ أي: فليؤمن المؤمنون، أو يُحمل العمل عَلى عمومه؛ لأن من آمن لابد أن يُقبل، ومن قُبل فمن حقه أن يعمل، ومن عمل لابد أن ينال، فإذا وصل قَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.
* تنبيه:
يحتمل أن يكون قائل ذلِكَ المؤمن الَّذِي رأى قرينه، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله: ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: ٦٠]. والَّذِي بعده ابتداء من قول الله ، لا حكاية عن قول المؤمن، ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل، والله أعلم.
قوله: (حَدَّثَنَا أَحْمَد بن يونس) هو: أحْمَد بن عبد الله بن يونس اليَرْبُوعي الكُوفيّ، نُسِبَ إلى جده.
قوله: (سئل) أبهم السائل، وهو أبو ذر الغفاري، وحديثه في العتق (١).
قوله: (قيل: ثم ماذا؟ قَالَ: الجهاد) وقع في مسند الحارث بن أبي أسامة، عن إبراهيم بن سعد: "ثم جهاد"، فواخى بين الثلاثة في التنكير بخلاف ما عند المصنف.
وَقَالَ الكرماني: الإيمان لا يتكرر كالحج، والجهاد قد يتكرر، فالتنوين للإفراد الشخصي، والتعريف للكمال؛ إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كَانَ أفضل.
стр. 278
وتعقب عليه بأن التنكير من جُملة وُجوهه: التعظيم، وهو يُعطي الكمال، وبأن التعريف من جُملة وجوهه: العهد، وهو يُعطي الإفراد الشخصي، فلا يُسَلَّم الفرق.
قُلْتُ: وقد ظهر من رواية الحارث الَّتِي ذكرتها أن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة؛ لأن مخرجه واحد، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة، والله الموفق.
قوله: (حج مبرور) أي: مقبول، ومنه: بَرَّ حَجُّك، وقيل: المبرور: الذِي لا يُخالطه إثم، وقيل: الذِي لا رياء فيه.
* فائدة:
قالَ النووي: ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان, وفِي حديث أبي ذر لم يذكر الحج وذكر العتق (١)، وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة، ثم البر، ثم الجهاد (٢)، وفِي الحديث المتقدم ذكر السلامة من اليد واللسان.
قَالَ العلماء: اختلاف الأجوبة في ذَلِكَ باختلاف الأحوال واحتياج [٦٨/ ب] المخاطبين، وذكر ما لا يعلمه السائل والسامعون وترك ما علموه، ويمكن أن يقال: إن لفظة "مِن" مرادة كما يقال: فلان أعقل النَّاس، والمراد: من أعقلهم، ومنه حديث: "خيركم خيركم لأهله" (٣)، ومن المعلوم أنَّه لا يصير بذلك خير النَّاس.
فإن قيل: لِمَ قدم الجهاد وليس بركن عَلى الحج وهو ركن؟
فالجواب: أن يقال: الحج قاصر غالبًا، ونفع الجهاد متعدٍّ غالبًا، أو كَانَ ذَلِكَ حيث كَانَ الجهاد فَرْض عين، ووقوعه فرض عين إذ ذاك متكرر، فكان أهم منه فَقُدِّم، والله أعلم.
ومناسبة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث إن المسلم يُطلق عَلى من أظهر الإِسلام وإن لم يُعلم باطنه؛ لأنَّه إن لم تصدُق عليه الحقيقة الشرعية فاللغوية حاصلة.
قوله: (عن سعد) هو: ابن أبي وقَّاص كما صرَّح به الإسماعيلي في روايته، وهو والد عامر الراوي عنه كما وقع في الزكاة عند المصنف من رواية صالح بن كيسان قَالَ فيها: "عن عامر بن سعد، عن أَبيه" (١)، واسم أبي وقَّاص: مالك، وسيأتي تمام نسبه في مناقب سعد إن شاء الله تعالَى.
قوله (أعطى رهطًا) الرهط عدد من الرجال ثلاثة إلى عشرة، قَالَ القزَّاز: وربما جاوزوا ذلِكَ قليلًا، ولا واحد له من لفظه، ورهط الرَّجل: بنو أبيه الأدنى، وقيل: قبيلته. وللإسماعيلي من طريق ابن أبي ذئب: "أنَّه جاءه رهط فسألوه فأعطاهم فترك رجلًا منهم".
قوله: (وسعدٌ جالس) فيه تَجريد.
وقوله (٢): (هو أعجبهم إليّ) فيه التفات، ولفظه في الزكاة: "أعطى رهطًا وأنا جالس"، فساقه بلا تَجريد ولا التفات، وزاد فيه [٦٩/أ]: "فقمت إلَى رسول الله ﷺ فساررته" (٣)، وغفل بعضهم فعزا هذه الزيادة إلى مُسْلِم فقط، والرجل المتروك اسمه جُعَيْل بن سُرَاقة الضَّمْرِي سماه الوَاقِدي في "المغازي".
قوله: (ما لك عن فلان) يعني: أيُّ سبب لعدو لك عنه إلَى غيره؟ ولفظ: "فلان" كناية عن اسمٍ أُبهم بعد أن ذُكر.
قوله: (فوالله) فيه القسم في الإخبار عَلى سبيل التأكيد.
قوله: (لا أُرَاه) وقع في روايتنا من طريق أبي ذر وغيره بضم الهمزة هنا وفِي الزكاة (٤)، وكذا هو في رواية الإسماعيلي وغيره.
стр. 281
وَقَالَ الشيخ محيي الدين: هو بفتحها، أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها فيصير بمعنى: أظنه؛ لأنَّه قَالَ بعد ذَلكَ: "غلبني ما أعلم منه". انتهى
ولا دلالة فيما ذكر عَلى تعيين الفتح؛ لجواز إطلاق العلم عَلى الظن الغالب، ومنه قوله تعالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
سلمنا؛ لكن لا يلزم من إطلاق العلم ألَّا تكون مقدماته ظنية، فيكون نظريًا لا يقينيًّا وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب "المفهم" في شرح مُسْلِم فقال: الرواية بضم الهمزة.
واسْتَنْبَطَ منه جواز الحلف عَلى غلبة الظن؛ لأن النَّبِي ﷺ ما نَهاه عن الحلف، كذا قاله، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنَّه أقسم عَلى وجدان الظن، وهو كذلك، ولم يقسم عَلى أن الأمر المظنون كما ظن.
قوله: (فقال: أو مسلمًا) هو بإسكان الواو لا بفتحها، فقيل: هِيَ للتنويع، وَقَالَ بعضهم: هِيَ للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معًا لأنَّه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية ابن الأعرابي في "معجمه" في هذا الحديث فقال: "لا تقل: مؤمن، قل: مُسْلِم"، فوضح أنها للإضراب وليس معناه الإنكار، بل المعنى: أن إطلاق المسلم عَلى من لم يُخْبَر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإِسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين مُلخصًا، وتعقَّبه الكرماني بأنه يلزم منه ألَّا يكون الحديث دالًا عَلى ما عُقد له الباب، ولا يكون لرد الرسول ﷺ عَلى سعد فائدة، وهو تعقب مردود.
وقد بيَّنا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل، ومحصل القصة: أن النَّبِي ﷺ [٦٩/ب] كَانَ يوسع العطاء لمن أظهر الإِسلام تألُفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المُؤَلفة وترك جُعَيْلًا وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه؛ خاطبه سعد في أمره؛ لأنَّه كَانَ يرى أن جُعَيْلًا أحق منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع أكثر من مرة، فأرشده النَّبِي ﷺ إلى أمرين:
أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْل مع كونه أحب إليه ممن أعطى؛ لأنَّه لو ترك إعطاء المؤلَّف لم يؤمن ارتداده، فيكون من أهل النَّار.
стр. 282
ثانيهما: إرشاده إلَى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر.
فوضح بهذا فائدة رد الرسول ﷺ عَلى سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كَانَ أحد الجوابين عَلى طريق المشورة بالأولى، والآخر عَلى طريق الاعتذار.
فإن قيل: كيف لم يقبل شهادة سعد لِجُعَيْل بالإِيْمان، ولو شهد له بالعدالة لقبل، وهي تستلزم الإيْمان؟
فالجواب: أن كلام سعد لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حَتى ولو كَانَ بلفظ الشهادة لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأولى رد شهادته، بل السياق يرشد إلى أنَّه قَبِل قَولَه فيه، بدليل أنَّه اعتذر إليه.
ورُوِّينا في "مسند" محَمد بن هارون الرُّويَاني وغيره بإسناد صحيح إلَى أبي سلام الجيْشَاني، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قَالَ له: "كيف [ترى] (١) جُعَيْلًا؟ " قَالَ: قُلْتُ: كشكله من النَّاس، يعني: المهاجرين. قَالَ: "فكيف ترى فلانًا؟ " قَالَ: قُلْت: سيدًا من سادات النَّاس. قَالَ: "فجعيل خير من ملء الأرض من فلان". قَالَ: قلتُ: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع؟ ! قَالَ: "إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به". فهذه منزلة جُعَيْل المذكور عند النَّبِي ﷺ كما ترى، وظهرت بهذا الحكمة في حرمانه وإعطاء غيره، وأن ذَلِكَ لمصلحة التأليف كما قررناه.
* وفِي حديث الباب من الفوائد:
التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإِسلام، وترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَص عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا وإن [٧٠/أ] تعرض له بعض الشارحين، نعم؛ هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النص.
* وفيه الرد عَلى غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان.
* وفيه جواز تصرف الإِمام في مال المصالح وتقديم الأهم فالأهم وإن خفي وجه ذَلِكَ عَلى بعض الرعية.
стр. 283
* وفيه جواز الشفاعة فيما يعتقد الشافع جوازه , وتنبيه الصغير للكبير عَلى ما يظن أنَّه ذهل عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلَى مفسدة.
* وفيه أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحة لا ينكر عليه، بل يبين له وجه الصواب، وأن الإسرار بالنصيحة أولَى من الإعلان، كما تقدمت الإشارة إليه أن في كتاب الزكاة: "فقمت فساررته"، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة.
* وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عتب عَلى الشافع إذا رُدَّت شفاعته لذلك.
* وفيه استحباب ترك الإلحاح في السؤال، كما استنبطه المؤلف منه في الزكاة، وسيأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالَى.
قوله: (إنِّي لأعطي الرَّجل) حذف المفعول الثاني للتعميم؛ أي: أيَّ عطاء كَانَ.
قوله: (أعجب إليَّ) في رواية الكُشميهني: "أحب"، وكذا لأكثر الرواة، ووقع عند الإسماعيلي بعد قوله: "أحب إليَّ منه": "وما أعطيه إلَّا مَخافة أن يكبه الله" .. إلى آخره، ولأبي داود من طريق معمر: "إنِّي أعطي رجالًا وأدع من هو أَحَب إليَّ منهم، لا أعطيه شيئًا مخافة أن يكبوا في النَّار عَلى وجوههم" (١).
قوله: (أن يَكُبه) هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أكب الرَّجل: إذا أطرق، وكبه غيره: إذا قلبه، وهذا عَلى خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقُصِر، وقد ذكر المؤلف هذا في كتاب الزكاة فقال: يقال: أكب الرَّجل: إذا كَانَ فعله غير واقع عَلى أحد، فإذا وقع الفعل قُلْتُ: كبه وكببته (٢)، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها: أَنْسَل ريش الطائر وَنَسَلْته، وأنزَفت البئر وَنَزفْتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي: كبه وأكبه معًا، والله أعلم.
стр. 284
قوله: (رَوَاهُ يونس) يعني: ابن يزيد الأَيْلِي، وحديثه موصول [٧٠/ ب] في كتاب "الإيمان" لعبد الرَّحْمَن بن عمر الزُّهْرِيّ الملقب رُستَه بضم الراء وإسكان السين المهملتين، وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحة، ولفظه قريب من سياق الكُشْمَيهني.
قوله: (وصالِح) يعني: ابن كَيْسَان، وحديثه موصول عند المؤلف في كتاب الزكاة (١)، وفيه من اللطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم: صالح، والزهري، وعامر.
* تنبيه:
ليس فيه إعادة السؤال ثانيًا ولا الجواب عنه.
قوله: (ومعمر) يعني: ابن راشد، وحديثه عند أَحْمَد بن حَنْبل، والحميدي وغيرهما عن عبد الرَّزّاق عنه، وَقَالَ فيه "إنه أعاد السؤال ثلاثًا" (٢).
ورَواه مُسْلم (٣)، عن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر، عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْرِيّ، ووقع في إسناده وَهْمٌ منه أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عُيَيْنة، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ بزيادة مَعْمَر بينهما، وكذا حدث به ابن [أبي] (٤) عمر شيخ مُسْلِم في "مسنده" عن ابن عيينة، وكذلك أخرج أبو نُعيم في "مُستخرجه" من طريقه، وزعم أبو مسعود في "الأطراف" أن الوهم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدّث به مسلمًا، لكن لم يتعين الوهم في جهته.
وحمله الشيخ محيي الدين عَلى أن ابن عيينة حدَّث به مرة بإسقاط مَعْمَر ومرة بإثباته، وفيه بُعد؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات مَعْمَر، ولم يوجد بإسقاطه إلَّا عند مُسْلِم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدمناه، وقد أوضحت ذلِكَ بدلائله في كتابي "تغليق التعليق".
стр. 285
وفِي رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر من الزيادة: "قَالَ الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل".
وقد استشكل هذا بالنظر إلَى حديث سؤال جبريل فإن ظاهره مخالفه، ويُمكن أن يكون مراد الزُّهري: أن المرء يُحْكَمُ بإسلامه ويُسمى مسلمًا إذا تلفظ بالكلمة؛ أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنًا إلا بالعمل، وهو يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل عَلى صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل فهو الشرعي المراد بقوله تعالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قوله: (وابن أخي الزهري، عن الزهري) يعني: أن الأربعة المذكورين رووا هذا الحديث عن الزهري بإسناده كما رَوَاهُ شُعيب عنه، وحديث ابن أخي الزهري عند مُسْلِم وساق فيه السؤال والجواب [٧١ / أ] ثلاث مرات، وَقَالَ في آخره: "خشية أن يُكَب" (١) عَلى البناء للمفعول.
وفِي رواية ابن أخي الزهري لطيفة وهي رواية أربعة من بني زُهْرَة: هو، وعمه، وعامر، وأبوه عَلى الولاء.