وَقَالَ الشيخ محيي الدين: هو بفتحها، أي: أعلمه، ولا يجوز ضمها فيصير بمعنى: أظنه؛ لأنَّه قَالَ بعد ذَلكَ: "غلبني ما أعلم منه". انتهى
ولا دلالة فيما ذكر عَلى تعيين الفتح؛ لجواز إطلاق العلم عَلى الظن الغالب، ومنه قوله تعالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠].
سلمنا؛ لكن لا يلزم من إطلاق العلم ألَّا تكون مقدماته ظنية، فيكون نظريًا لا يقينيًّا وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب "المفهم" في شرح مُسْلِم فقال: الرواية بضم الهمزة.
واسْتَنْبَطَ منه جواز الحلف عَلى غلبة الظن؛ لأن النَّبِي ﷺ ما نَهاه عن الحلف، كذا قاله، وفيه نظر لا يخفى؛ لأنَّه أقسم عَلى وجدان الظن، وهو كذلك، ولم يقسم عَلى أن الأمر المظنون كما ظن.
قوله: (فقال: أو مسلمًا) هو بإسكان الواو لا بفتحها، فقيل: هِيَ للتنويع، وَقَالَ بعضهم: هِيَ للتشريك، وأنه أمره أن يقولهما معًا لأنَّه أحوط، ويَرُدُّ هذا رواية ابن الأعرابي في "معجمه" في هذا الحديث فقال: "لا تقل: مؤمن، قل: مُسْلِم"، فوضح أنها للإضراب وليس معناه الإنكار، بل المعنى: أن إطلاق المسلم عَلى من لم يُخْبَر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن؛ لأن الإِسلام معلوم بحكم الظاهر، قاله الشيخ محيي الدين مُلخصًا، وتعقَّبه الكرماني بأنه يلزم منه ألَّا يكون الحديث دالًا عَلى ما عُقد له الباب، ولا يكون لرد الرسول ﷺ عَلى سعد فائدة، وهو تعقب مردود.
وقد بيَّنا وجه المطابقة بين الحديث والترجمة قبل، ومحصل القصة: أن النَّبِي ﷺ [٦٩/ب] كَانَ يوسع العطاء لمن أظهر الإِسلام تألُفًا، فلما أعطى الرهط وهم من المُؤَلفة وترك جُعَيْلًا وهو من المهاجرين مع أن الجميع سألوه؛ خاطبه سعد في أمره؛ لأنَّه كَانَ يرى أن جُعَيْلًا أحق منهم لما اختبره منه دونهم، ولهذا راجع أكثر من مرة، فأرشده النَّبِي ﷺ إلى أمرين:
أحدهما: إعلامه بالحكمة في إعطاء أولئك وحرمان جُعَيْل مع كونه أحب إليه ممن أعطى؛ لأنَّه لو ترك إعطاء المؤلَّف لم يؤمن ارتداده، فيكون من أهل النَّار.
стр. 282
ثانيهما: إرشاده إلَى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر.
فوضح بهذا فائدة رد الرسول ﷺ عَلى سعد، وأنه لا يستلزم محض الإنكار عليه، بل كَانَ أحد الجوابين عَلى طريق المشورة بالأولى، والآخر عَلى طريق الاعتذار.
فإن قيل: كيف لم يقبل شهادة سعد لِجُعَيْل بالإِيْمان، ولو شهد له بالعدالة لقبل، وهي تستلزم الإيْمان؟
فالجواب: أن كلام سعد لم يخرج مخرج الشهادة، وإنما خرج مخرج المدح له، والتوسل في الطلب لأجله، فلهذا نوقش في لفظه، حَتى ولو كَانَ بلفظ الشهادة لما استلزمت المشورة عليه بالأمر الأولى رد شهادته، بل السياق يرشد إلى أنَّه قَبِل قَولَه فيه، بدليل أنَّه اعتذر إليه.
ورُوِّينا في "مسند" محَمد بن هارون الرُّويَاني وغيره بإسناد صحيح إلَى أبي سلام الجيْشَاني، عن أبي ذر، أن رسول الله ﷺ قَالَ له: "كيف [ترى] (١) جُعَيْلًا؟ " قَالَ: قُلْتُ: كشكله من النَّاس، يعني: المهاجرين. قَالَ: "فكيف ترى فلانًا؟ " قَالَ: قُلْت: سيدًا من سادات النَّاس. قَالَ: "فجعيل خير من ملء الأرض من فلان". قَالَ: قلتُ: ففلان هكذا وأنت تصنع به ما تصنع؟ ! قَالَ: "إنه رأس قومه فأنا أتألفهم به". فهذه منزلة جُعَيْل المذكور عند النَّبِي ﷺ كما ترى، وظهرت بهذا الحكمة في حرمانه وإعطاء غيره، وأن ذَلِكَ لمصلحة التأليف كما قررناه.
* وفِي حديث الباب من الفوائد:
التفرقة بين حقيقتي الإيمان والإِسلام، وترك القطع بالإيمان الكامل لمن لم يُنَص عليه، وأما منع القطع بالجنة فلا يؤخذ من هذا صريحًا وإن [٧٠/أ] تعرض له بعض الشارحين، نعم؛ هو كذلك فيمن لم يثبت فيه النص.
* وفيه الرد عَلى غلاة المرجئة في اكتفائهم في الإيمان بنطق اللسان.
* وفيه جواز تصرف الإِمام في مال المصالح وتقديم الأهم فالأهم وإن خفي وجه ذَلِكَ عَلى بعض الرعية.
стр. 283
* وفيه جواز الشفاعة فيما يعتقد الشافع جوازه , وتنبيه الصغير للكبير عَلى ما يظن أنَّه ذهل عنه، ومراجعة المشفوع إليه في الأمر إذا لم يؤد إلَى مفسدة.
* وفيه أن من أشير عليه بما يعتقده المشير مصلحة لا ينكر عليه، بل يبين له وجه الصواب، وأن الإسرار بالنصيحة أولَى من الإعلان، كما تقدمت الإشارة إليه أن في كتاب الزكاة: "فقمت فساررته"، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة.
* وفيه الاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة في ترك إجابته، وأن لا عتب عَلى الشافع إذا رُدَّت شفاعته لذلك.
* وفيه استحباب ترك الإلحاح في السؤال، كما استنبطه المؤلف منه في الزكاة، وسيأتي تقريره هناك إن شاء الله تعالَى.
قوله: (إنِّي لأعطي الرَّجل) حذف المفعول الثاني للتعميم؛ أي: أيَّ عطاء كَانَ.
قوله: (أعجب إليَّ) في رواية الكُشميهني: "أحب"، وكذا لأكثر الرواة، ووقع عند الإسماعيلي بعد قوله: "أحب إليَّ منه": "وما أعطيه إلَّا مَخافة أن يكبه الله" .. إلى آخره، ولأبي داود من طريق معمر: "إنِّي أعطي رجالًا وأدع من هو أَحَب إليَّ منهم، لا أعطيه شيئًا مخافة أن يكبوا في النَّار عَلى وجوههم" (١).
قوله: (أن يَكُبه) هو بفتح أوله وضم الكاف، يقال: أكب الرَّجل: إذا أطرق، وكبه غيره: إذا قلبه، وهذا عَلى خلاف القياس؛ لأن الفعل اللازم يتعدى بالهمزة، وهذا زيدت عليه الهمزة فقُصِر، وقد ذكر المؤلف هذا في كتاب الزكاة فقال: يقال: أكب الرَّجل: إذا كَانَ فعله غير واقع عَلى أحد، فإذا وقع الفعل قُلْتُ: كبه وكببته (٢)، وجاء نظير هذا في أحرف يسيرة منها: أَنْسَل ريش الطائر وَنَسَلْته، وأنزَفت البئر وَنَزفْتها، وحكى ابن الأعرابي في المتعدي: كبه وأكبه معًا، والله أعلم.
стр. 284
قوله: (رَوَاهُ يونس) يعني: ابن يزيد الأَيْلِي، وحديثه موصول [٧٠/ ب] في كتاب "الإيمان" لعبد الرَّحْمَن بن عمر الزُّهْرِيّ الملقب رُستَه بضم الراء وإسكان السين المهملتين، وقبل الهاء مثناة من فوق مفتوحة، ولفظه قريب من سياق الكُشْمَيهني.
قوله: (وصالِح) يعني: ابن كَيْسَان، وحديثه موصول عند المؤلف في كتاب الزكاة (١)، وفيه من اللطائف رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض وهم: صالح، والزهري، وعامر.
* تنبيه:
ليس فيه إعادة السؤال ثانيًا ولا الجواب عنه.
قوله: (ومعمر) يعني: ابن راشد، وحديثه عند أَحْمَد بن حَنْبل، والحميدي وغيرهما عن عبد الرَّزّاق عنه، وَقَالَ فيه "إنه أعاد السؤال ثلاثًا" (٢).
ورَواه مُسْلم (٣)، عن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر، عن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عن الزُّهْرِيّ، ووقع في إسناده وَهْمٌ منه أو من شيخه؛ لأن معظم الروايات في الجوامع والمسانيد عن ابن عُيَيْنة، عن مَعْمَر، عن الزُّهْرِيّ بزيادة مَعْمَر بينهما، وكذا حدث به ابن [أبي] (٤) عمر شيخ مُسْلِم في "مسنده" عن ابن عيينة، وكذلك أخرج أبو نُعيم في "مُستخرجه" من طريقه، وزعم أبو مسعود في "الأطراف" أن الوهم من ابن أبي عمر، وهو محتمل لأن يكون الوهم صدر منه لما حدّث به مسلمًا، لكن لم يتعين الوهم في جهته.
وحمله الشيخ محيي الدين عَلى أن ابن عيينة حدَّث به مرة بإسقاط مَعْمَر ومرة بإثباته، وفيه بُعد؛ لأن الروايات قد تضافرت عن ابن عيينة بإثبات مَعْمَر، ولم يوجد بإسقاطه إلَّا عند مُسْلِم، والموجود في مسند شيخه بلا إسقاط كما قدمناه، وقد أوضحت ذلِكَ بدلائله في كتابي "تغليق التعليق".
стр. 285
وفِي رواية عبد الرزاق، عن مَعْمَر من الزيادة: "قَالَ الزهري: فنرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل".
وقد استشكل هذا بالنظر إلَى حديث سؤال جبريل فإن ظاهره مخالفه، ويُمكن أن يكون مراد الزُّهري: أن المرء يُحْكَمُ بإسلامه ويُسمى مسلمًا إذا تلفظ بالكلمة؛ أي: كلمة الشهادة، وأنه لا يسمى مؤمنًا إلا بالعمل، وهو يشمل عمل القلب والجوارح، وعمل الجوارح يدل عَلى صدقه، وأما الإسلام المذكور في حديث جبريل فهو الشرعي المراد بقوله تعالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].
قوله: (وابن أخي الزهري، عن الزهري) يعني: أن الأربعة المذكورين رووا هذا الحديث عن الزهري بإسناده كما رَوَاهُ شُعيب عنه، وحديث ابن أخي الزهري عند مُسْلِم وساق فيه السؤال والجواب [٧١ / أ] ثلاث مرات، وَقَالَ في آخره: "خشية أن يُكَب" (١) عَلى البناء للمفعول.
وفِي رواية ابن أخي الزهري لطيفة وهي رواية أربعة من بني زُهْرَة: هو، وعمه، وعامر، وأبوه عَلى الولاء.
стр. 286
٢٠ - باب: السَّلَامِ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ: الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.
٢٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ, قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ, عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ, عَنْ أَبِي الْخَيْرِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
قوله: (باب) هو منون.
وقوله: (السلام من الإسلام) زاد في رواية كريمة: "إفشاء السلام"، والمراد بالإفشاء: نشره سرًا أو جهرًا، وهو مُطابق للمرفوع في قوله: "عَلى من عَرَفْت ومن لَم تعْرِف". وبيان كونه من الإسلام تقدم في "باب: إطعام الطعام" (١) مع بقية فوائده.
وغاير المصنف بين شيخيه اللذين حَدَّثاه عن الليث مراعاة للإتيان بالفائدة الإسنادية، وهي تكثير الطرق حيث يحتاج إلَى إعادة المتن، فإنه لا يعيد الحديث الواحد في موضعين عَلى صورة واحدة.
فإن قيل: كَانَ يمكنه أن يَجمع الحكمين في ترجمة واحدة ويُخرج الحديث عن شيخيه معًا.
أجاب الكرماني: باحتمال أن يكون كل من شيخيه أورده في معرض غير المعرض الآخر، وهذا ليس بطائل؛ لأنه يبقى السؤال بحاله؛ إذ لا يمتنع معه أن يجمعهما المصنف ولو كَانَ سمعهما مفترقين.
والظاهر من صنيع البُخَاريّ أنه يقصد تعديد شُعب الإيمان كما قدمناه, فخص كل
стр. 287
شُعبة بباب تنويهًا بذكرها، وقَصْد التنويه يحتاج إلَى التأكيد، فلذلك غاير بين الترجمتين.
قوله: (وَقَالَ عَمَّار) هو ابن ياسر أحد السابقين الأولين، وأثره هذا أخرجه أَحْمَد ابن حنبل في كتاب "الإيمان" من طريق سُفْيَان الثوري (١).
وَرَوَاهُ يعقوب بن شَيْبَة في "مسنده" من طريق شُعْبَة، وزُهَير بن معاوية وغيرهما كلهم عن أبي إسحاق السبيعي، عن صِلَة بن زُفَر، عن عَمَّار، ولفظ شُعْبَة: "ثلاث من كُن فيه فقد استكمل الإيمان" (٢). وهو بالمعنى، وهكذا رُويناه في "جامع مَعْمَر" عن أبي إسحاق، وكذا حدَّث به عبد الرزاق في "مصنفه" عن مَعْمَر (٣).
وحدَّث به عبد الرزاق بأخرة فرفعه إلَى النبي ﷺ ، كذا أخرجه البزار في "مسنده" (٤)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٥) كلاهما عن الحسن بن عبد الله الكوفي، وكذا رَوَاهُ البَغَوي في "شرح السنة"، من طريق أَحْمَد بن كَعْب الوَاسِطي، وكذا أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه". عن مُحَمَّد بن الصَّبَّاح الصَّنْعَاني ثلاثتهم عن عبد الرزاق مرفوعًا، واستغربه البزار. وَقَالَ أبو زرعة: هو خطأ.
قُلْتُ: وهو معلول من حيث [٧١ / ب] صناعة الإسناد؛ لأن عبد الرزاق تَغَيَّر بأخرة، وسماع هؤلاء منه في حال تَغيُّره، إلا أن مثله لا يُقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع، وقد رُوِّيناه مرفوعًا من وجه آخر عن عمار، أخرجه الطبراني في "الكبير" (٦)، وفي إسناده ضعف، وله شواهد أخرى بينتها في "تغليق التعليق".
стр. 288
قوله: (ثلاث) أي: خصالٌ ثلاث، وإعرابه نظير ما مر في قوله: "ثلاث من كُنَّ فيه".
و(العالَم) بفتح اللام، والمراد به هنا: جميع الناس.
و(الإقتار): القلة.
قالَ أبو الزناد بن سراج وغيره: إنما كَانَ من جمع الثلاث مستكملًا للإيمان؛ لأن مداره عليها؛ لأن العبد إذا اتصف بالإنصاف لم يترك لمولاه حقًّا واجبًا عليه إلا أداه، ولم يترك شيئًا مما نَهاه عنه إلا اجتنبه، وهذا يجمع أركان الإيمان، وبذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق والتواضع وعدم الإحتقار، ويحصل به التآلف والتحابب، والإنفاق من الإقتار يتضمن غاية الكرم؛ لأنه إذا أنفق مع الاحتياج كَانَ مع التوسع أكثر إنفاقًا، والنفقة أعم من أن تكون عَلى العيال واجبة أو مندوبة، أو عَلى الضيف والزائر، وكونه من الإقتار يستلزم الوثوق بالله والزهد في الدُّنْيَا، وقصر الأمل، وغير ذَلكَ من مهمات الآخرة.
وهذا التقرير يقوي أن يكون الحديث مرفوعًا؛ لأنه يشبه أن يكون كلام من أوتي إليه جوامع الكلم، والله أعلم.
стр. 289
٢١ - باب: كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ
فِيهِ عَنْ أبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِي ﷺ
٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَبِيُّ ﷺ : "أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ بِكُفْرِهِنَّ". قِيلَ: أيكْفُرْنَ بِالله؟ قَالَ: "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيرًا قَطُّ".
قوله: (باب: كفران العشير، وكفر دون كفر).
قَالَ القاضي أبو بكر [بن] (١) العربي في شرحه: مراد المصنف أن يبين أن الطاعات كما تُسمى إيمانًا كذلك المعاصي تُسمى كفرًا، لكن حيث يُطلق عليها الكفر لا يُراد به الكفر المخرج من الملة. قَالَ: وخصَّ كُفْرَان العَشِير من بين أنواع الذنوب لدقيقة بديعة، وهي قوله ﷺ : "لَو أَمَرْتُ أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوجِها" (٢)، فقرن حق الزوج عَلى الزوجة بحق الله فإذا كفرت المرأة حق زوجها وقد بلغ من حقه عليها هذه الغاية كَانَ ذَلكَ دليلًا عَلى تهاونها بحق الله, فلذلك أطلق عليها الكفر، لكنه كُفر لا يُخرج عن الملة.
وأمَّا قول المصنف: "وكفر دون كفر" فأشار بذلك إلَى أثر رَوَاهُ أَحْمَد في كتاب "الإيمان" من طريق عطاء بن أبي رباح وغيره (٣).
стр. 290
وقوله: (فيه أبو سعيد) [٧٢ / أ]؛ أي: يدخل في الباب حديث رَوَاهُ أبو سعيد، وفِي رواية كريمة: "فيه عن أبي سعيد"، أي: مروي عن أبي سعيد.
وفائدة هذا: الإشارة إلَى أن للحديث طريقًا غير الطريق المساقة، وحديث أبي سعيد أخرجه المؤلف في الحيض وغيره من طريق عِيَاض بن عبد الله عنه، وفيه قوله ﷺ للنساء: "تصدقن فإني رأيتُكن أكثر أهل النار"، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قَالَ: "تكثرن اللعن وتكفرن العشير". الحديث (١).
ويحتمل أن يريد بذلك: حديث أبي سعيد أيضًا: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس" (٢)، قاله القاضي أبو بكر المذكور. والأول أظهر وأجرى عَلى مألوف المصنف، ويعضده إيراده لحديث ابن عباس بلفظ: "ويكفرن العشير".
والعشير: الزوج، قيل له: عشير، بمعنى: معاشر، مثل: أكِيل، بمعنى: مُؤَاكل، وحديث ابن عباس المذكور طرف من حديث طويل أورده المصنف في باب صلاة الكسوف بهذا الإسناد تامًّا (٣)، وسيأتي الكلام عليه ثمَّ.
* وننبه هنا عَلى فائدتين:
إحداهُمَا: أن البُخَارىّ يذهب إلَى جواز تقطيع الحديث إذا كَانَ ما يفصله منه لا يتعلق بما قبله ولا بما بعده تعلقا يُفضي إلَى فساد المعنى، فصنيعه لذلك يوهم من لا يحفظ الحديث أن المختصر غير التام، لاسيما إذا كَانَ ابتداء المختصر من أثناء التام، كما وقع في هذا الحديث، فإن أوله هنا قوله ﷺ : "أُرِيت النار" إلَى آخر ما ذكر منه، وأول التام عن ابن عباس قَالَ: "خُسفت الشمس عَلى عهد رسول الله ﷺ "، فذكر قصة
стр. 291
صلاة الكسوف، ثم خطبة النبي ﷺ ، وفيها القدر المذكور هنا.
فمن أراد عد الأحاديث التِي اشتمل عليها الكتاب يظن أن هذا الحديث حديثان أو أكثر لاختلاف الابتداء، وقد وقع في ذَلكَ من حَكى أن عِدَّته بغير تكرار أربعة آلاف أو نَحوها كابن الصلاح والشيخ مُحيي الدين ومن بعدهما، وليس الأمرُ كذلك، بل عدته عَلى التحرير ألفا حديث وخمسمائة حديث وثلاثة عشر حديثًا كما بينت ذَلِكَ مفصلًا في مقدمة الشرح الكبير.
الفائدة الثانية: تقرر أن البُخَاريّ لا يعيد الحديث [٧٢ / ب] إلا لفائدة، لكن تارة يكون في المتن، وتارة يكون في الإسناد، وتارة فيهما، وحيث تكون في المتن خاصة لا يعيده بصورته بل يتصرف فيه، فإن كثرت طرقه أوْرَد لكل باب طريقًا، وإن قَلَّت اختصر المتن أو الإسناد، وقد وقع ذَلِكَ في هذا الحديث، فإنه أورده هنا عن عبد الله بن مسلمة -وهو القَعْنبي- مختصرًا مقتصرًا عَلى مقصود الترجمة كما تقدمت الإشارة إليه من أن الكفر يُطلق عَلى بعض المعاصي، ثم أورده في الصلاة في باب من صلى وقُدَّامه نار بهذا الإسناد بعينه (١)، لكنه لما لم يغاير اقتصر عَلى مقصود الترجمة منه فقط، ثم أورده في صلاة الكسوف بهذا الإسناد فساقه تامًّا (٢)، ثم أورده في بدء الخلق في ذكر الشمس والقمر عن شيخ غير القَعْنَبي مقتصرًا عَلى موضع الحاجة (٣)، ثم أورده في عِشْرَة النساء عن شيخ غيرهما عن مالك أيضًا (٤)، وَعَلى هذه الطريقة يُحمل جَميع تصرفه، فلا يوجد في كتابه حديث عَلى صورة واحدة في موضعين فصاعدًا، والله الموفق.
وسيأتي الكلام عَلى ما تضمنه حديث الباب من الفوائد حيث ذكره تامًّا إن شاء الله تعالَى.
وقوله: (إلا بالشرك) أي: أن كل معصية توجد من ترك واجب أو فعل مُحرم فهي من أخلاق الجاهلية، والشرك أكبر المعاصي، ولهذا استثناه.
ومحصل الترجمة: أنه لما قَدَّم أن المعاصي يُطلق عليها الكفر مجازًا عَلى إرادة كفر النِّعْمَة لا كفر الجَحْد أراد أن يُبين أنه كفر لا يُخرج عن الملة، خلافًا للخوارج الذين يُكَفِّرون بالذنوب، ونص القرآن يرد عليهم، وهو قوله تعالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ , ١١٦]. فَصَيَّر ما دون الشرك تحت إمكان المغفرة، والمراد بالشرك في هذه الآية: الكفر؛ لأن من جحد نبوة مُحَمَّد ﷺ مثلًا كَانَ كافرًا ولو لم يجعل مع الله إلهًا آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف، وقد يرد الشرك ويراد به ما هو أخص [٧٣ / أ] من الكفر، كما في قوله تعالَى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١].
واستدل المؤلف أيضًا عَلى أن المؤمن إذا ارتكبَ معصية لا يكفر بأن الله أبقى عليه اسم الإيمان، فقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، ثم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
واستدل أيضًا بقوله ﷺ : "إذا التقى المسلمان بسيفيهما"، فسماهما مُسْلِمَيْنِ مع التوعد بالنار، والمراد هُنَا: إذا كانت المقاتلة بغير تأويل سائغ.
واستدل أيضًا بقوله ﷺ لأبي ذر: "فيك جاهلية"، أي: خصلة جاهلية، مع أن منْزلة أبي ذر من الإيمان في الذروة العالية، وإنما وَبَّخه بذلك عَلى عظيم منزلته عنده تحذيرًا له عن معاودة مثل ذَلِكَ؛ لأنه وإن كَانَ معذورًا بوجهٍ من وجوه العذر لكن وقوع ذَلِكَ من مثله يُسْتَعْظَم أكثر ممن هو دونه.
وقد وضح بهذا وجه دخول الحديثين تحت الترجمة، وهذا عَلى مقتضى هذه الرواية رواية أبي ذر عن مشايخه، لكن سقط حديث أبي بكرة من رواية المُسْتَملي، وأما رواية الأصيلي وغيره فأفرد فيها حديث أبي بكرة بترجمة: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجرات: ٩] , وكل من الروايتين جمعًا وتفريقًا حسنٌ.
والطائفة: القطعة من الشيء، يُطلق عَلى الواحد فما فوقه عند الجمهور.
стр. 294
وأما اشتراط حضور أربعة في رجم الزاني مع قوله تعالَى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ﴾ [النور: ٢]، فالآية واردة في الجلد ولا اشتراط فيه، والاشتراط في الرجم بدليل آخر.
وأما اشتراط ثلاثة في صلاة الخوف مع قوله تعالَى: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، فذلك لقوله تعالَى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]. فذكره بلفظ الجمع وأقله ثلاثة عَلى الصحيح.
قوله: (حَدَّثَنا أيوب) هو السَّخْتياني.
و(يونس) هو ابن عُبَيْد.
(عن الحسن) هو ابن أبي الحسن البصري.
و(الأحنف بن قيس) مخضرم، وقد رأى النبي ﷺ لكن قبل إسلامه، وكان رئيس بني تَميم في الإسلام، وبه يُضرب المثل في الحِلْم.
وقوله: (ذهبت لأنصر هذا الرجل) يعني: عليًّا، كذا هو في مُسْلِم من هذا الوجه (١)، وقد أشار إليه المؤلف في الفتن، ولفظه: "أريد نُصرة ابن عم رسول الله ﷺ " (٢)، زاد الإسماعيلي في روايته: "يعني: عليًّا".
و(أبو بكرة) بإسكان الكاف هو الصحابي المشهور، وكان الأَحْنَف أراد أن يخرج بقومه إلَى علي بن أبي طالب ليقاتل معه يوم الجَمَل فنهاه أبو بكرة فرجع، وحمل أبو بكرة الحديث عَلى عمومه في كل مُسْلِمَيْنِ التقيا بسيفيهما حسمًا للمادة، وإلا فالحق أنه محمول عَلى ما إذا كَانَ القتال منهما بغير تأويل سائغ كما قدمناه, ويُخَص ذلِكَ من عموم الحديث المتقدم بدليله الخاص في قتال أهل البَغْي، وقد رجع الأَحْنف عن رأي أبي بكرة في ذَلِكَ، وشهد مع عَليٍّ باقي حروبه، وسيأتي باقي الكلام عَلى حديث أبي بكرة في كتاب الفتن إن شاء الله تعالَى.
стр. 295
ورجال إسناده كلهم بصريون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: أيوب، والحسن، والأَحْنَف.
قوله: (عن واصل) هو: ابن حَيَّان، وللأصيلي: "هو الأحْدَب"، وللمصنف في العتق: "حَدَّثنَا وَاصِلٌ الأَحْدَب" (١).
قوله: (عن المَعْرُور) وفي العتق: "سمعت المعرور بن سُويد" (٢)، وهو بمهملات ساكن العين.
قوله: (بالرَّبذة) هو بفتح الراء والموحدة والمعجمة موضع بالبادية، بينه وبين المدينة ثلاث مَراحل.
قوله: (وعليه حُلَّة، وَعَلى غلامه حُلَّة) هكذا رَوَاهُ أكثر أصحاب شُعْبَة عنه، لكن في رواية الإسماعيلي من طريق مُعَاذ، عن شُعْبَة: "أتيتُ أبا ذر فإذا حلة عليه منها ثوب وَعَلى عبده منها ثوب"، وهذا يوافق ما في اللغة أن الحُلَّة: ثوبان من جنس واحد، ويؤيده ما في رواية الأعمش، عن المَعْرور عند المؤلف في الأدب بلفظ: "رأيتُ عليه بُرْدًا وَعَلى غلامه بُرْدًا، فقلتُ: لو أخذت هذا فلبسته كانت حُلَّة" (٣).
وفي رواية مُسْلِم: "فقلنا: يا أبا ذر، لو جمعت بينهما كانت حُلَّة" (٤).
ولأبي داود: "فقال القوم: يا أبا ذر، لو أخذت الَّذِي عَلى غلامك فجعلته مع الَّذِي عليك لكانت حُلَّة" (٥).
стр. 296
فهذا موافق لقول أهل اللغة؛ لأنه ذكر [أن] (١) الثوبين يصيران بالجمع حُلَّة، ولو كَانَ كما في الأصل عَلى كل واحد منهما حُلَّة لكان إذا جمعهما يَصير عليه حُلَّتان.
ويُمكن الجمع بين الروايتين: بأنه كَانَ عليه بُرْد جيد تحته ثوب خَلِق من جنسه وَعَلى غلامه كذلك، وكأنه قيل له: لو أخذت البُرْد الجيد فأضفته إلَى البُرْد الجيد الَّذِي عليك، وأعطيت الغلام البُرْد الخَلِق بدله لكانت حُلَّة جيدة فتلتئم بذلك الروايتان، ويحمل قوله في حديث الأَعْمَش: "لكانت حلة"، أي: كاملة الجودة، فالتنكير فيه للتعظيم، والله أعلم.
وغلام أبي ذر المذكور لم يُسم، ويحتمل أن يكون أبا مُرَاوح مولَى أبي ذر، وحديثه عنه في الصحيحين (٢).
قوله: (فسألته) أي: عن السبب في إلباسه غلامه نظير لبسه؛ لأنه عَلى خلاف المألوف، فأجابه بحكاية القصة التِي كانت سببًا لذلك.
قوله: (ساببت) في رواية الإسماعيلي: "شاتمت"، وفِي الأدب للمؤلف: وكانَ بيني وبين رجل كلام" (٣). وزاد مُسْلِم: "من إخواني" (٤)، وقيل: إن الرجل المذكور هو بلال المؤذن مولَى أبي بكر، روى ذَلِكَ الوليد بن مُسْلِم منقطعًا.
قوله: (فعيرته بأمه) أي: نسبته إلَى العار، زاد في الأدب: "وكانت أمه أعجمية فنلت منها" (٥)، وفِي رواية: "قُلْتُ له: يا ابن السوداء" (٦)، والأعجمي: من لا يفصح باللسان
стр. 297
العربي، سواء كَانَ عربيًّا أو عجميًّا، والفاء في "فعيرته" قيل: هِيَ تفسيرية، كأنه بَيَّن أن التعيير هو السب، والظاهر أنه وقع بينهما سباب وزاد عليه التعيير فتكون عاطفة، ويدل عليه رواية مُسْلِم: "قَالَ: أعيرته بأمه فقلت: من سب الرجال سبوا أباه وأمه" (١).
ويظهر لي: أن ذلِكَ كَانَ من أبي ذر قبل أن يعرف [تحريمه] (٢)، فكانت الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده، فلهذا قَالَ كما عند المؤلف في الأدب: "قُلْتُ: عَلى ساعتي هذه من كبر السن؟ ! قَالَ: نعم" (٣)، كأنه تعجب من خفاء ذلِكَ عليه مع كبر سنه، فذكر له وجه كون هذه الخصلة مذمومة شرعًا، فكان بعد ذَلكَ يساوي غلامه في الملبوس وغيره آخذًا بالأحوط، وإن كَانَ لفظ الحديث يقتضي اشتراط [المواساة لا] (٤) المساواة، وسنذكر ما يتعلق ببقية ذَلكَ في كتاب العتق حيث ذكره المصنف (٥) إن شاء الله تعالَى.
стр. 298
٢٣ - بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ
٣٢ - حَدَّثَنَا أبو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ.
قَالَ: وَحَدَّثَني بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، قَالَ: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ؟ فَأنزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
قوله: (باب ظلم دون ظلم) "دون": يحتمل أن تكون بمعنى: غير؛ أي: أنواع الظلم متغايرة، أو بمعنى الأدنى، أي: بعضها أخف من بعض، وهو أظهر [٧٤ / ب] في مقصود المصنف، وهذه الجملة لفظ حديث رَوَاهُ أَحْمَد في كتاب "الإيمان" من حديث عطاء (١)، وَرَوَاهُ أيضًا من طريق طَاوس عن ابن عباس بمعناه, فاستعمله المؤلف ترجمة، واستدل له بالحديث المرفوع، ووجه الدلالة منه أن الصحابة فهموا من قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]. عموم أنواع المعاصي، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ ، وإنما بين لهم أن المراد: أعظم أنواع الظلم وهو الشرك عَلى ما سنوضحه، فدل عَلى أن الظلم مراتب متفاوتة، ومناسبة إيراد هذا عقب ما تقدم من أن المعاصي غير الشرك لا ينسب صاحبها إلَى الكفر المخرج عن الملة عَلى هذا التقرير ظاهرة.
قوله: (حَدَّثَنَا أبو الوليد) هو: الطَّيَالِسي.
قوله: (وَحَدَّثَني بِشْر) كذا هو في الروايات المصححة بواو العطف، وفي بعض النسخ قبلها صورة "ح"، فإن كانت من أصل التصنيف فهي مهملة، مأخوذة من التحويل عَلى المختار، وإن كانت مزيدة من بعض الرواة فيحتمل أن تكون مهملة كذلك، أو
стр. 299
معجمة مأخوذة من البُخَاريّ لأنها رمزه؛ أي: قالَ البُخَاريّ: وَحَدَّثنِي بشْر، وهو ابن خالد العَسْكري، وشيخه مُحَمَّد هو ابن جعفر المعروف بغُنْدَر، وهو أثبت الناس في شُعْبَة، ولهذا أخرج المؤلف روايته مع كونه أخرج الحديث عاليًا عن أبي الوليد، واللفظ المساق هنا لفظ بِشْر، وكدلك أخرجه النّسَائي عنه (١)، وتابعه ابن أبي عدي، عن شعبة وهو عند المؤلف في تفسير الأنعام (٢)، وأما لفظ أبي الوليد فساقه المؤلف في قصة لقمان بلفظ: "أيُّنَا لَم يَلْبِس إيمانه بظلم؟ " (٣).
وزاد أبو نُعيم في "مستخرجه" من طريق سليمان بن حرب، عن شُعْبَة بعد قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]: "فطابت أنفسنا"، واقتضت رواية شُعبة هذه أن هذا السؤال سبب نزول الآية الأخرى التِي في لقمان، لكن رواية البُخَاريّ وَمُسْلِم من طريق أخرى عن الأعمش وهو سليمان المذكور في حديث الباب، ففي رواية جرير عنه: فقالوا: أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: "ليس بذلك، ألا تسمعون إلَى قول [٧٥ / أ] لقمان" (٤).
وفي رواية وَكِيع عنه: "فقال: ليس كما تظنون" (٥)، وفي رواية عيسى بن يونس عنه: "إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قَالَ لقمان" (٦)، فظاهر هذا: أن الآية التِي في لقمان كانت معلومة عندهم ولذلك نبههم عليها، ويحتمل أن يكون نزولها وقع في الحال فتلاها عليهم ثم نبههم فتلتئم الروايتان.
стр. 300
قَالَ الخطابي: كَانَ الشرك عند الصحابة أكبر من أنه يلقب بالظلم، فحملوا الظلم في الآية عَلى ما عداه يعني: من المعاصي، فسألوا عن ذَلِكَ فنزلت هذه الآية. كذا قَالَ وفيه نظر.
والذِي يظهر لي: أنهم حملوا الظلم عَلى عمومه؛ الشرك فما دونه، وهو الذِي يقتضيه صنيع المؤلف، وإنما حملوه عَلى العموم؛ لأن قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ نكرة في سياق النفي، لكن عمومها هنا بحسب الظاهر، قَالَ المحققون: إن دخل عَلى النكرة في سياق النفي ما يؤكد العموم ويقويه نَحو: "من" [في] (١) قوله: ما جاءني من رجل، أفاد تنصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، بل كما فهمه الصحابة من هذه الآية، [و] (١) بين لهم النبي ﷺ أن ظاهرها غير مراد؛ بل هو من العام الذِي أريد [به] (١) الخاص، فالمراد بالظلم: أعلى أنواعه وهو الشرك.
فإن قيل: من أين يلزم أن من لَبِس الإيمان بظلم لا يكون آمنًا ولا مهتديًا حَتَى شق عليهم، والسياق إنما يقتضي أن من لم يوجد منه الظلم فهو آمن ومهتدٍ، فما الَّذِي دل عَلى نفي ذلِكَ عمن وُجد منه الظلم؟
فالجواب: أن ذلِكَ مستفاد من المفهوم، وهو مفهوم الصفة، أو مستفاد من الاختصاص المستفاد من تقديم ﴿لَهُمْ﴾ عَلى ﴿الْأَمْنُ﴾ أي: لهم الأمن لا لغيرهم، كذا قَالَ الزمخشري في قوله تعالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَقَالَ في قوله تعالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]: تقديم ﴿هُوَ﴾ عَلى ﴿قَائِلُهَا﴾ يفيد الاختصاص؛ أي: هو قائلها لا غيره.
فإن قيل: لا يلزم من قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. أن غير الشرك لا يكون ظلمًا.
فالجواب: أن التنوين في قوله: ﴿بِظُلْمٍ﴾ للتعظيم، وقد بين ذلكَ استدلال الشارع بالآية الثانية، فالتقدير: لم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم؛ أي: بشرك؛ إذ لا ظلم
стр. 301
أعظم منه، وقد ورد ذَلِكَ صريحًا عند المؤلف في قصة إبراهيم ﵇ من طريق حفص بن غِيَاث [٧٥ / ب] عن الأَعْمَش، ولفظه: قلنا: يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ قَالَ: "ليس كما تقولون ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾: بشرك، أَوَلَمْ تسمعوا إلَى قول لقمان"، فذكر الآية (١).
واستنبط منه المَازري جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضي عِيَاض فقال: ليس في هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما هِيَ الحاجة؟
ويُمكن أن يقال: المعتقدات أيضًا تحتاج إلَى البيان، [فلما أجمل الظلم حتى تناول إطلاقه جميع المعاصي شق عليهم حتى ورد البيان] (٢)، فما انتفت الحاجة، والحق أن في القصة تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.
قوله: (ولَم يلبسوا) أي: لم يخلطوا، تقول: لَبَسْتُ الأمر ألْبَسه بالفتح في الماضي، والكسر وبالتخفيف [في] (٢) المستقبل؛ أي: خلطته. وتقول: لَبِسْتُ الثوب أَلْبِسْه بالكسر في الماضي والفتح في المستقبل، وَقَالَ مُحَمَّد بن إسماعيل التيمي في شرحه: خَلْط الإيمان بالشرك لا يُتصور، فالمراد: أنهم لم تحصل لهم الصفتان كفر متأخر عن الإيمان المتقدم؛ [أي] (٢): لم يرتدوا، ويجوز أن يُراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرًا وباطنًا؛ أي: لم ينافقوا، وهذا أوجه؛ ولهذا عقبه بباب علامات المنافق، وهذا من بديع ترتيبه.
* فائدة:
في هذا الإسناد رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض: وهم الأعمش، عن شيخه إبراهيم بن يزيد النَّخعي، عن خاله عَلْقَمة بن قيس النَّخعي، والثلاثة كوفيون فقهاء.
وعبد الله الصحابي هو ابن مسعود، وهذه الترجمة أحد ما قيل فيه: إنه أصح
стр. 302
الأسانيد.
والأعمش موصوف بالتَّدْليس، ولكن في رواية حفص بن غِياث التِي تقدمت الإشارة إليها عند المؤلف عنه: "حَدَّثَنَا إبراهيم" (١). ولم أر التصريح بذلك في جميع طرقه عند الشيخين وغيرهما إلا في هذا الطريق.
* وفي المتن من الفوائد:
الحمل عَلى العموم حَتى يرد دليل التخصيص، وأن النكرة في سياق النفي تَعمُّ، وأن الخاص يقضي عَلى العام، والمبين عَلى المجمل، وأن اللفظ يُحمل عَلى خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض، والله أعلم.
стр. 303
٢٤ - بَابٌ: عَلَامَات الْمُنَافِقِ
٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ أَبُو الرَّبِيعِ, قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ أَبُو سُهَيْلٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
٣٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ, قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ, عَنِ الأَعْمَشِ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ, عَنْ مَسْرُوقٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ, وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ, وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ".
تَابَعَهُ شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ.
قوله: (باب علامات المنافق) لما قدم [أن] (١) مراتب الكفر متفاوتة وكذلك الظلم أتبعه بأن النفاق كذلك.
والنفاق لغة: مُخالفة الباطن للظاهر، فإن كَانَ في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل، ويدخل فيه الفعل والترك [٧٦ / أ] , وتتفاوت مراتبه.
قوله: (حَدَّثَنَا سليمان أبو الربيع) هو: الزَّهْرَاني، بصري نزل بغداد، ومن شيخه فصاعدًا [مدنيون] (٢).
و(نافع بن مالك) هو عم مالك بن أنس الإمام.
قوله: (آية المنافق ثلاث) الآية: العلامة، وإفراد الآية إما عَلى إرادة الجنس، أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث، والأول أليق بصنيع المؤلف، ولهذا ترجم بالجمع وعقب بالمتن الشاهد لذلك، وقد رَوَاهُ أبو عوانة في صحيحه بلفظ "علامات المنافق".
стр. 304
فإن قيل: ظاهره الحصر في الثلاث، فكيف جاء في الحديث الآخر بلفظ: "أربع من كن فيه" الحديث؟
أجاب القرطبي: باحتمال أنه استجد له ﷺ من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده.
وأقول: ليس بين الحديثين تعارض؛ لأنه لا يلزم من عَدّ الخصلة كونها علامة (١)، عَلى أن في رواية مُسْلِم من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة ما يدل عَلى إرادة عدم الحصر، فإن لفظه: "من علامة المنافق ثلاث" (٢)، وكذا أخرج الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي سعيد الخدري (٣)، وإذا حُمل اللفظ الأول عَلى هذا لم يَرد السؤال، فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر.
وَقالَ القرطبي أيضًا والنووي: حصل من مجموع الروايتين خمس خصال؛ لأنهما تواردتا عَلى الكذب في الحديث، والخيانة في الأمانة، وزاد الأول الخُلْف في الوعد, والثاني الغدر في المُعاهدة، والفُجور في الخصومة.
قُلْتُ: وفِي رواية مُسْلِم للثاني بدل الغَدْر في المُعاهدة: الخُلف في الوعد كما في الأول (٤)، فكأن بعض الرواة تصرف في لفظه؛ لأن معناهما قد يتحد، وَعَلى هذا فالمزيد خصلة واحدة وهي الفجور في الخصومة، والفجور: الميل عن الحق والاحتيال في رده، وهذا قد يندرج في الخصلة الأولى وهي الكذب في الحديث.
ووجه الاقتصار عَلى هذه العلامات الثلاث؛ لأنها مُنبِّهة عَلى ما عداها؛ إذ أصل الديانة منحصر في ثلاث: القول، والفعل، والنية، فنبه عَلى فساد القول بالكذب، وَعَلى
стр. 305
فساد الفعل بالخيانة، وَعَلى فساد النية بالخُلف؛ لأن خُلف الوعد لا يقدح إلا إذا كَانَ العزم عليه مقارنًا للوعد، أما لو كَانَ عازمًا ثم عَرَض له مانع أو بَدَا لَهُ رأي فهذا لم توجد منه [٧٦ / ب] صورة النفاق، قَالَه الغزالي في "الإحياء" (١).
وفِي الطبراني في حديث طويل ما يشهد له، ففيه من حديث سلمان: "إذا وعد وهو يُحدث نفسه أنه يُخْلِف" (٢)، وكذا قَالَ في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع عَلى تركه.
قوله: (إذا وعد) قَالَ صاحب "المُحْكَم": يُقال: وعدته خيرًا ووعدته شرًا، فإذا أسقطوا الفعل قالوا في الخير: وعدته، وفِي الشر: أوعدته. وحكى ابن الأعرابي في نوادره: أوعدته خيرًا بالهمزة. فالمراد بالوعد في الحديث: الوعد بالخير، وأما الشر فيستحب إخلافه، وقد يجب ما لم يترتب عَلى ترك إنفاذه مفسدة.
وأما الكذب في الحديث فحكى ابن التين، عن مالك أنه سُئل عمَّن جُرِّب عليه كذب فقال: أي نوع من الكذب؟ لعله حدَّث عن عَيْش له سَلَفَ فبالغ في وصفه فهذا لا يضر، وإنما يضر من حدَّث عن الأشياء بخلاف ما هِيَ عليه قاصدًا للكذب. انتهى
وَقَالَ النووي: هدا الحديث عَدَّه جماعة من العلماء مُشكلًا من حيث إن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجتمع عَلى عدم الحكم بكفره. قَالَ: وليس فيه إشكال، بل معناه صحيح، والذِي قاله المحققون: أن معناه: أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه الخصال ومُتَخَلِّق بأخلاقهم.
قُلْتُ: ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية عَلى المجاز، أي: صاحب هذه الخصال كالمنافق، وهو بناء عَلى أن المراد بالنفاق: نفاق الكفر.
стр. 306
وقد قيل في الجواب عنه: أن المراد بالنفاق: نفاق العمل كما قدمناه، وهذا ارتضاه القرطبي، واستدل له بقول عمر لحذيفة: "هل تعلم فِيَّ شيئًا من النفاق؟ "، فإنه لم يُرد بذلك: نفاق الكفر، وإنما أراد: نفاق العمل، ويؤيده وصفه [بالخالص] (١) في الحديث الثاني بقوله: "كانَ منافقًا خالصًا".
وقيل: المراد بإطلاق النفاق: الإنذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال، وأن الظاهر غير مراد، وهذا ارتضاه الخطابي، وذكر أيضًا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو مَن اعتاد ذَلِكَ وصار له دَيْدَنًا، قَالَ: ويدل عَليه التعبير بـ"إذا"، فـ"إذا" إنما تدل عَلى تكرر الفعل.
كذا قَالَ، والأولى ما قَالَ الكرماني إن حذف المفعول من: "حدَّث" يدل عَلى العموم إذا حدَّث [٧٧ / أ] في كل شيء كذب فيه، أو يصير قاصرًا إذا وجد ماهية التحدث كذب، وقيل: هو محمولٌ عَلى من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها، فإن من كَانَ كذلك كَانَ فاسد الاعتقاد غالبًا.
وهذه الأجوبة كلها مبنية عَلى أن اللام في المنافق للجنس، ومنهم من ادعى أنها للعهد, فقال: إنه وردت في حق شخص معين، أو في حق المنافقين في عهد النبي ﷺ ، وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذَلكَ، وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي، والله أعلم.
قوله: (تابعه شعبة) وصل المؤلف هذه المتابعة في كتاب المظالم (٢)، ورواية قَبِيصَة، عن سُفْيَان -وهو الثَّوْري- ضعفها يحيى بن مَعين، وَقَالَ الشيخ محيي الدين: إنما أوردها البُخَاريّ عَلى طريق المتابعة لا الأصالة.
وتعقبه الكرماني بأنها مُخالفة في اللفظ والمعنى فكيف تكون متابعة؟
стр. 307
وجوابه: أن المراد بالمتابعة هنا: كون الحديث مخرجًا في صحيح مُسْلِم وغيره من طريق أخرى عن الثوري (١)، وعند المؤلف من طريق أخرى عن الأعمش منها رواية شعبة المشار إليها، وهذا هو السبب في ذكرها هنا، وكأنه فهم أن المراد بالمتابعة: حديث أبي هريرة المذكور في الباب وليس كذلك؛ إذ لو أراده لسماه شاهدًا، وأما دعواه أن بينهما مُخالفة في المعنى فليس بمُسَلَّم؛ لِمَا قررناه آنفًا، وغايته أن يكون في أحدهما زيادة وهي مقبولة؛ لأنها من ثقة متقن، والله أعلم.
* فائدة:
رجال الإسناد الثاني كلهم كوفيون إلا الصحابي وقد دخل الكوفة أيضًا.
стр. 308
٢٥ - بابٌ: قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنَ الإِيمَانِ
٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ, قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ, قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ, عَنِ الأَعْرَجِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
قوله: (باب قيام ليلة القدر من الإيْمان) لَمَّا بَيَّن علامات النفاق وقُبحها رجع إلَى ذكر علامات الإيمان وحسنها؛ لأن الكلام عَلى متعلقات الإيمان هو المقصود بالأصالة، وإنما يذكر متعلقات غيره استطرادًا، ثم رجع فذكر أن قيام ليلة القدر وقيام رمضان وصيام رمضان من الإيمان، وأورد الثلاثة من حديث أبي هريرة متحدات الباعث والجزاء، وعَبَّر في ليلة القدر بالمضارع في الشرط وبالماضي في جوابه، بخلاف الآخرَيْنِ فبالماضي فيهما، وأبدى الكرماني لذلك نكتة لطيفة قَالَ: لأن قيام رمضان محقق الوقوع، وكذا صيامه، بخلاف قيام ليلة القدر [٧٧ /ب] فإنه غير متيقن، فلهذا ذكره بلفظ المستقبل. انتهى كلامه وفيه شيء ستأتي الإشارة إليه.
وفِي استعمال الشرط مضارعًا والجواب ماضيًا نزاع بين النُّحاة، فمنعه الأكثر وأجازه آخرون لكن بقلة، واستدلوا بقوله تعالَى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ [الشعراء: ٤]؛ لأن قوله: ﴿فَظَلَّتْ﴾ بلفظ الماضي، وهو تابع للجواب، وتابع الجواب جواب، واستدلوا أيضًا بهذا الحديث.
وعندي في الاستدلال به نظر؛ لأنني أظنه من تصرف الرواة، فقد رَوَاهُ النّسَائي عن مُحَمَّد بن علي بن ميمون، عن أبي اليمان شيخ البُخَاريّ فيه فلم يغاير بين الشرط والجزاء، بل قَالَ: "من يقم ليلة القدر يغفر له" (١). وَرَوَاهُ أبو نُعيم في "المستخرج" عن
стр. 309
سليمان -وهو الطبراني-، عن أحْمَد بن عبد الوهاب بن نَجْدة، عن أبي اليمان، ولفظه: "لا يقوم أحدكم ليلة القدر فيوافقها إيمانًا واحتسابًا إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه" (١).
وقوله في هذه الرواية: "فيوافقها" زيادة بيان، وإلا فالجزاء مرتب عَلى قيام ليلة القدر، ولا يصدق قيام ليلة إلا عَلى من وافقها، والحصر المستفاد من النفي والإثبات مستفاد من الشرط والجزاء، فوضح أن ذَلِكَ من تصرف الرواة بالمعنى؛ لأن مخرج الحديث واحد، وسيأتي الكلام عَلى ليلة القدر، وَعَلى صيام رمضان وقيامه -إن شاء الله تعالَى- في كتاب الصيام.
٢٨ - بَابٌ: صَوْمُ رَمَضَانَ احْتِسَابًا مِنَ الإِيمَانِ
٣٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ, قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ, عَنْ أَبِي سَلَمَةَ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
قوله: (باب الجهاد من الإيمان).
أورد هذا الباب بين قيام ليلة القدر وبين قيام رمضان وصيامه، فأما مناسبة إيراده معها في الجملة فواضح. لاشتراكها في كونها من خصال الإيمان، وأما إيراده بين هذين البابين مع أن تعلق أحدهما بالآخر ظاهر فلنكتة لم أر من تعرض لَها، بل قَالَ الكرماني: صنيعه هذا دال عَلى أن النظر مقطوع عن غير هذه المناسبة؛ يعني: اشتراكها في كونها من خصال الإيمان.
وأقول: بل قيام ليلة القدر وإن كَانَ ظاهر المناسبة لقيام رمضان لكن للحديث الذِي أورده في باب الجهاد مناسبة بالتماس ليلة القدر حسنة جدًّا؛ لأن التماس ليلة القدر يستدعي محافظة زائدة ومُجاهدة تامة، ومع ذَلِكَ فقد يوافقها أو لا، وكذلك المجاهد يلتمس الشهادة ويقصد إعلاء كلمة الله وقد يحصل له ذلكَ، فتناسبا في أن [فى] (١) كل منهما مُجاهدة [٧٨ / أ] , وأن كلا منهما قد يحصل المقصود الأصلي لصاحبه أو لا.
فالقائم لالتماس ليلة القدر مأجور، فإن وافقها كَانَ أعظم أجرًا، والمجاهد لالتماس الشهادة مأجور، فإن وافقها كَانَ أعظم أجرًا، ويشير إلَى ذلكَ تمنيه ﷺ الشهادة بقوله "لوددت أني أُقتل في سبيل الله". فذكر المؤلف فضل الجهاد لذلك استطرادًا، ثم عاد إلَى ذكر قيام رمضان، وهو بالنسبة لقيام ليلة القدر عام بعد خاص، ثم ذكر بعده باب الصيام؛ لأن الصيام من التروك، فَأخَّره عن القيام؛ لأنه من الأفعال، ولأن الليل قبل النهار، ولعله أشار إلَى أن القيام مشروع من أول ليلة من الشهر خلافًا لبعضهم.
стр. 312
قوله: (حَدَّثَنَا حَرَمِي) هو اسم بلفظ النسبة، وهو بصري، يكنى أبا علي.
"قَالَ: حَدَّثَنا عبد الواحد" هو: ابن زياد البصري العَبْدي، ويقال له: الثقفي، وهو ثقة متقن، قَالَ ابن القَطَّان: لم يُعْتَل عليه بقادح، وفِي طبقته عبد الواحد بن زيد بصري أيضًا لكنه ضعيف ولم يُخَرَّج عنه في الصحيحين شيء.
قوله: (حَدَّثَنا عمارة) هو: ابن القَعْقاع بن شُبْرُمَة الضَّبِّي.
قوله: (انتدب الله) هو بالنون، أي: سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل: بمعنى أجاب إلَى المراد، ففي "الصِّحَاح": ندبتُ فلانًا لكذا فانتدب؛ أي: أجاب إليه , وقيل: معناه تكفل بالمطلوب، ويدل عليه رواية المؤلف في أواخر الجهاد لهذا الحديث من طريق الأَعْرَج، عن أبي هريرة بلفظ: "تكفل الله" (١)، وله في أوائل الجهاد من طريق سعيد بن المسيب عنه بلفظ: "توكل الله" (٢)، وسيأتي الكلام عليها وَعَلى رواية مُسْلِم هناك إن شاء الله.
ووقع في رواية الأصِيلي هنا: "ائتدب" بياء تحتانية مهموزة بدل النون، من المأدبة، وهو تصحيف، وقد وجهوه بتكلف، لكن إطباق الرواة عَلى خلافه مع اتحاد المخرج كافٍ في تخطئته.
قوله: (لا يُخرجه إلا إيْمان) كذا هو بالرفع عَلى أنه فاعل يخرج، والاستثناء مُفَرَّغ، وفي رواية مُسْلِم والإسماعيلي: "إلا إيمانًا" (٣) بالنصب، قَالَ النووي: هو مفعول له، وتقديره: لا يخرج المخرج إلا [٧٨ / ب] الإيمان والتصديق.
قوله: (بي) فيه عدول من ضمير الغيبة إلَى ضمير المتكلم، فهو التفات، وَقَالَ ابن مالك: كَانَ اللائق في الظاهر هنا: "إيمان به"، ولكنه عَلى تقدير اسم فاعل من القول منصوب عَلى الحال؛ أي: انتدب الله لمن خرج في سبيله قائلًا لا يُخرجه إلا إيمان بي.
стр. 313
وتعقبه شهاب الدين ابن المرحل بأن حذف الحال لا يجوز، وأن التعبير هنا باللائق غير لائق، فالأولى أنه من باب الالتفات.
* تنبيه:
جاء هذا الحديث من طريق أبي زُرْعة هذه مشتملًا عَلى أمور ثلاثة، وقد اختصر المؤلف من سياقه أكثر الأمر الثاني، وساقه الإسماعيلي وأبو نُعيم في مستخرجيهما من طريق عبد الواحد بن زياد المذكور بتمامه، وكذا هو عند مُسْلِم في هذا الحديث من وجه آخر عن عمارة بن القعقاع (١)، وجاء الحديث مفرقًا من رواية الأعرج وغيره عن أبي هريرة كما سيأتي عند المؤلف في كتاب الجهاد (٢)، وهناك يأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالَى.
стр. 314
٢٩ - بَابُ: الدِّينُ يُسْرٌ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ"
٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ, عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ, عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ".
قوله: (باب الدين يسر).
أي: دين الإسلام ذو يسر، أو سمي الدين يُسرًا مبالغة بالنسبة إلَى الأديان قبله. لأن الله رفع عن هذه الأمة الإصر الذِي كَانَ عَلى من قبلهم، ومن أوضح الأمثلة له أن توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمة بالإقلاع والعزم والندم.
قوله: (أحب الدين) أي: خصال الدين؛ لأن خصال الدين كلها محبوبة؛ لكن ما كَانَ منها سمحًا -أي: سهلًا- فهو أحب إلَى الله, ويدل عليه ما أخرجه أَحْمَد بسند صحيح من حديث أعرابي لَم يسمه، أنه سمع رسول الله ﷺ [يقول] (١): "خير دينكم أيسره" (٢)، أو الدين جنس، أي: أحب الأديان إلَى الله الحنيفية.
والمراد بالأديان: الشرائع الماضية قبل أن تُبدل وتُنسخ.
و(الحنيفية): مِلَّة إبراهيم، والحنيف في اللغة: من كَانَ عَلى مِلَّة إبراهيم، وسُمي إبراهيم حنيفًا لميله عن الباطل إلَى الحق؛ لأن أصل الحنف: الميل.
و(السَّمْحَة): السهلة، أي: أنها مبنية عَلى السهولة؛ لقوله تعالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
стр. 315
وهذا الحديث المعلق لم يسنده المؤلف في هذا الكتاب؛ لأنه ليس عَلى شرطه، نعم؛ وصله في كتاب الأدب [٧٩ / أ] المفرد (١)، وكذا وصله أَحْمَد بن حنبل وغيره (٢) من طريق مُحَمَّد بن إسحاق، عن داود بن الحُصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، وإسناده حسن. استعمله المؤلف في الترجمة لكونه متقاصرًا عن شرطه، وقواه بما دل عَلى معناه لتناسب السهولة واليسر.
قوله: (حَدَّثَنَا عبد السلام بن مُطَهَّر) أي: ابن حُسَام البصري، وكنيته أبو ظَفَر بالمعجمة والفاء المفتوحتين.
قوله: (حَدَّثَنَا عُمر بن علي) هو المُقَدَّمي -بضم الميم وفتح القاف والدال المشددة-، وهو بصري ثقة، لكنه مُدَلِّس شديد التدليس، وصفه بذلك ابن سعد وغيره.
وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مُسْلِم، وصححه وإن كَانَ من رواية مُدَلِّس بالعنعنة لتصريحه فيه بالسماع من طريق أخرى، فقد رَوَاهُ ابن حِبَّان في "صحيحه" من طريق أحْمَد [بن] (٣) المقدام أحد شيوخ البُخَاريّ، عن عُمَر بن علي المذكور قَالَ: سمعتُ مَعْنَ بن مُحَمَّد فذكره (٤)، وهو من أفراد مَعْن بن مُحَمَّد، وهو مدني ثقة قليل الحديث، لكن تابعه عَلى شقه الثاني ابن أبي ذئب، عن سعيد، أخرجه المصنف في كتاب الرقاق بمعناه ولفظه: "سددوا وقاربوا"، وزاد في آخره: "والقصدَ القصدَ تبلغوا" (٥)، ولم يذكر شقه الأول.
وقد أشرنا إلَى بعض شواهده، ومنها حديث عُروة الفُقَيْمي -بضم الفاء وفتح القاف-، عن النبي ﷺ قَالَ: "إن دين الله يسر" (٦).
стр. 316
ومنها حديث بُرَيْدَة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "عليكم هديًا قاصدًا، فإن من يشادَّ هذا الدين يغلبه" (١)، رَوَاهُمَا أحمد وإسناد كل منهما حسن.
قوله: (ولن يُشاد الدين. . . . إلا غلبه) هكذا في روايتنا بإسقاط الفاعل، وثبت في رواية ابن السَّكَن وفي بعض الروايات عن الأصِيلي بلفظ: "ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه"، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي، وأبي نُعَيْم، وابن حِبَّان وغيرهم (٢).
و"الدين" منصوب عَلى المفعولية وكذا في روايتنا أيضًا، وأضمر الفاعل للعلم به، وحكى صاحب "المطالع" أن أكثر الروايات برفع "الدين" عَلى أن "يُشَاد" مبني لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب، ويُجمع بين كلاميهما بأنه بالنسبة إلَى روايات المغاربة والمشارقة.
والمُشَادَّة -بالتشديد-: المغالبة، يقال: شادَّه يُشَاده مُشَادَّة، إذا قاواه، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عَجَز وانقطعَ فيُغلب، قالَ ابن المنير: في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. انتهى
وليس المراد: منع طلب الأكمل في العبادة فإنه (٣) من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلَى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلَى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يُصلي الليل كله ويغالب النوم إلَى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلَى أن خرج الوقت المختار، أو إلَى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة.
стр. 317
وقد يُستفاد من هذا: الإشارة إلَى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن ترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلَى حصول الضرر.
قوله: (فسددوا) أي: الزموا السداد، وهو الصواب، من غير إفراط ولا تفريط.
قوله: (وقاربوا) أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.
قوله: (وأبشروا) أي: بالثواب عَلى العمل الدائم وإن قل، والمراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيمًا له وتفخيمًا.
قوله: (واستعينوا بالغدوة) أي: استعينوا عَلى مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغدوة -بالفتح-: سِير أول النهار، وَقَالَ الجوهري: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.
و(الرَّوْحَة) بالفتح: السير بعد الزوال.
و(الدُّلْجَة) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر النهار، وقيل: سير الليل كله؛ ولهذا عبر فيه بالتبعيض؛ ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار، فهذه الأوقات [أطيب أوقات المسافر، وكأنه ﷺ خاطب مسافرًا إلَى مقصد فنبه عَلى أوقات] (١) نشاطه؛ لأن المسافر إذا سار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحُسن هذه الاستعارة [٨٠ / ب] أن الدُّنْيَا في الحقيقة دار نَقْلَة إلَى الآخرة.
وقوله في رواية ابن أبي ذئب: "القصدَ القصدَ" بالنصب فيهما عَلى الإغراء، والقصد: الأخذ بالأمر الوسط.
стр. 318
ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التِي قبله ظاهرة من حيث إنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك ألا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع، ثم عاد إلَى سياق الأحاديث الدالة عَلى أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان، فقال: باب الصلاة من الإيمان.
وَعَلى هذا فقول المصنف: (عند البيت) مشكل، مع أنه ثابت عنه في جَميع الروايات، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت.
وقد قيل: إن فيه تصحيفًا، والصواب: "يعني: صلاتكم لغير البيت". وعندي أنه لا تصحيف فيه، بل هو صواب، ومقاصد البُخَاريّ في هذه الأمور دقيقة، وبيان ذَلِكَ: أن العلماء اختلفوا في الجهة التِي كَانَ النبي ﷺ يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة؛ فقال ابن عباس وغيره: كَانَ يُصَلي إلَى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس.
وأطلق آخرون: أنه كَانَ يُصلي إلَى بيت المقدس.
وَقَالَ آخرون: كَانَ يُصلي إلَى الكعبة؛ فلما تحول إلَى المدينة استقبلَ بيت المقدس، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس (١).
فكأن البُخَاريّ أراد الإشارة [٨٠ / ب] إلَى الجزم بالأرجح من أن الصلاة لَمَّا كانت عند البيت كانت إلَى بيت المقدس، واقتصر عَلى ذلِكَ اكتفاء بالأولوية؛ لأن صلاتهم إلَى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى ألا تضيع إذا بعدوا عنه.
قوله: (حَدَّثنَا عمرو بن خالد) هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحرَّانِي، أحد الثقات الأثبات، ووقع في رواية القَابِسي عن عَبْدُوس، عن أبى زيد المَروَزي (٢) , وفِي رواية أبي ذر عن الكُشْمَيْهَنِي: "عُمر بن خالد" بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه