ومنها حديث بُرَيْدَة قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "عليكم هديًا قاصدًا، فإن من يشادَّ هذا الدين يغلبه" (١)، رَوَاهُمَا أحمد وإسناد كل منهما حسن.
قوله: (ولن يُشاد الدين. . . . إلا غلبه) هكذا في روايتنا بإسقاط الفاعل، وثبت في رواية ابن السَّكَن وفي بعض الروايات عن الأصِيلي بلفظ: "ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه"، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي، وأبي نُعَيْم، وابن حِبَّان وغيرهم (٢).
و"الدين" منصوب عَلى المفعولية وكذا في روايتنا أيضًا، وأضمر الفاعل للعلم به، وحكى صاحب "المطالع" أن أكثر الروايات برفع "الدين" عَلى أن "يُشَاد" مبني لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب، ويُجمع بين كلاميهما بأنه بالنسبة إلَى روايات المغاربة والمشارقة.
والمُشَادَّة -بالتشديد-: المغالبة، يقال: شادَّه يُشَاده مُشَادَّة، إذا قاواه، والمعنى: لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عَجَز وانقطعَ فيُغلب، قالَ ابن المنير: في هذا الحديث عَلَم من أعلام النبوة، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع. انتهى
وليس المراد: منع طلب الأكمل في العبادة فإنه (٣) من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلَى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلَى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته، كمن بات يُصلي الليل كله ويغالب النوم إلَى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصبح في الجماعة، أو إلَى أن خرج الوقت المختار، أو إلَى أن طلعت الشمس فخرج وقت الفريضة.
стр. 317
وقد يُستفاد من هذا: الإشارة إلَى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطع، كمن ترك التيمم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعماله إلَى حصول الضرر.
قوله: (فسددوا) أي: الزموا السداد، وهو الصواب، من غير إفراط ولا تفريط.
قوله: (وقاربوا) أي: إن لم تستطيعوا الأخذ بالأكمل فاعملوا بما يقرب منه.
قوله: (وأبشروا) أي: بالثواب عَلى العمل الدائم وإن قل، والمراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز إذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيمًا له وتفخيمًا.
قوله: (واستعينوا بالغدوة) أي: استعينوا عَلى مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات المنشطة، والغدوة -بالفتح-: سِير أول النهار، وَقَالَ الجوهري: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس.
و(الرَّوْحَة) بالفتح: السير بعد الزوال.
و(الدُّلْجَة) بضم أوله وفتحه وإسكان اللام سير آخر النهار، وقيل: سير الليل كله؛ ولهذا عبر فيه بالتبعيض؛ ولأن عمل الليل أشق من عمل النهار، فهذه الأوقات [أطيب أوقات المسافر، وكأنه ﷺ خاطب مسافرًا إلَى مقصد فنبه عَلى أوقات] (١) نشاطه؛ لأن المسافر إذا سار الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة أمكنته المداومة من غير مشقة، وحُسن هذه الاستعارة [٨٠ / ب] أن الدُّنْيَا في الحقيقة دار نَقْلَة إلَى الآخرة.
وقوله في رواية ابن أبي ذئب: "القصدَ القصدَ" بالنصب فيهما عَلى الإغراء، والقصد: الأخذ بالأمر الوسط.
стр. 318
ومناسبة إيراد المصنف لهذا الحديث عقب الأحاديث التِي قبله ظاهرة من حيث إنها تضمنت الترغيب في القيام والصيام والجهاد، فأراد أن يبين أن الأولى للعامل بذلك ألا يجهد نفسه بحيث يعجز وينقطع، بل يعمل بتلطف وتدريج ليدوم عمله ولا ينقطع، ثم عاد إلَى سياق الأحاديث الدالة عَلى أن الأعمال الصالحة معدودة من الإيمان، فقال: باب الصلاة من الإيمان.
وَعَلى هذا فقول المصنف: (عند البيت) مشكل، مع أنه ثابت عنه في جَميع الروايات، ولا اختصاص لذلك بكونه عند البيت.
وقد قيل: إن فيه تصحيفًا، والصواب: "يعني: صلاتكم لغير البيت". وعندي أنه لا تصحيف فيه، بل هو صواب، ومقاصد البُخَاريّ في هذه الأمور دقيقة، وبيان ذَلِكَ: أن العلماء اختلفوا في الجهة التِي كَانَ النبي ﷺ يتوجه إليها للصلاة وهو بمكة؛ فقال ابن عباس وغيره: كَانَ يُصَلي إلَى بيت المقدس لكنه لا يستدبر الكعبة بل يجعلها بينه وبين بيت المقدس.
وأطلق آخرون: أنه كَانَ يُصلي إلَى بيت المقدس.
وَقَالَ آخرون: كَانَ يُصلي إلَى الكعبة؛ فلما تحول إلَى المدينة استقبلَ بيت المقدس، وهذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين، والأول أصح؛ لأنه يجمع بين القولين، وقد صححه الحاكم وغيره من حديث ابن عباس (١).
فكأن البُخَاريّ أراد الإشارة [٨٠ / ب] إلَى الجزم بالأرجح من أن الصلاة لَمَّا كانت عند البيت كانت إلَى بيت المقدس، واقتصر عَلى ذلِكَ اكتفاء بالأولوية؛ لأن صلاتهم إلَى غير جهة البيت وهم عند البيت إذا كانت لا تضيع فأحرى ألا تضيع إذا بعدوا عنه.
قوله: (حَدَّثنَا عمرو بن خالد) هو بفتح العين وسكون الميم، وهو أبو الحسن الحرَّانِي، أحد الثقات الأثبات، ووقع في رواية القَابِسي عن عَبْدُوس، عن أبى زيد المَروَزي (٢) , وفِي رواية أبي ذر عن الكُشْمَيْهَنِي: "عُمر بن خالد" بضم العين وفتح الميم، وهو تصحيف نبه عليه
стр. 321
من القدماء أبو علي الغَسَّاني، وليس في شيوخ البُخَاريّ من اسمه عمر بن خالد، بل ولا في جَميع رجاله، بل ولا في أحد من رجال الكتب الستة.
قوله: (حَدَّثَنَا زُهير) هو ابن معاوية أبو خَيْثَمة الجُعْفِيّ الكوفي، نزيل الجزيرة وبها سَمع منه عمرو بن خالد.
قوله: (حَدَّثَنَا أبو إسحاق) هو السبِيعي، وسَماع زُهَيْر منه فيما قَالَ أَحْمَد: بعد أن بدى تغيره، لكن تابعه عليه عند المصنف إسرائيل بن يونس حفيده وغيره (١).
قوله: (عن البراء) هو ابن عَازب، صحابي ابن صحابى، وللمصنف في التفسير (٢) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق: سمعت البرَاء، فأمن ما يُخشى من تدليس أبي إسحاق.
قوله: (أول) بالنصب؛ أي: في أول زمن قدومه.
و(ما) مصدرية.
قوله: (أو قَالَ: أخواله) الشك من أبي إسحاق، وفِي إطلاق أجداده أو أخواله مَجاز؛ لأن الأنصار أقاربه من جهة الأمومة، لأن أم جده عبد المطلب بن هاشم منهم، وهي سلمى بنت عمرو أحد بني عَدِي بن النَّجار، وإنما نزل النبي ﷺ بالمدينة عَلى إخوتهم بني مالك بن النجار، ففيه عَلى هذا مَجاز ثانٍ.
قوله: (قِبَل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: إلَى جهة.
قوله: (ستة عشر أو سبعة عشر) كذا وقع الشك في [رواية] (٣) زُهير هنا، وفي الصلاة أيضًا عن أبي نُعيم عنه (٤)، . . . . . .
стр. 322
وكذا في رواية الثوري عنده (١)، وفِي رواية إسرائيل عند الترمِذيّ أيضًا (٢)، وَرَوَاهُ أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء وغيره عن أبي نعيم فقال ستة عشر من غير شك (٣) [٨١ / أ]، وكذا لِمسلم من رواية أبي الأحوص (٤)، والنسائي من رواية زكريا بن أبي زائدة وشريك (٥)، ولأبي عوانة أيضًا من رواية عمار بن رزيق (٦) -بتقديم الراء مصغرًا- كلهم عن أبي إسحاق.
وكذا لأحمد بسند صحيح عن ابن عباس (٧)، وللبزار والطبراني من حديث عمرو ابن عوف: "سبعة عشر" (٨)، وكذا الطبراني عن ابن عباس (٩).
والجمع بين الروايتين سهل: بأن يكون من جزم بستة عشر لَفَّق من شهر القدوم وشهر التحويل شهرًا، ومن جزم بسبعة عشر عدهما معًا، ومن شك تردد في ذلكَ، وذلك أن القدوم كَانَ في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية عَلى الصحيح، وبه جزم الجمهور، وَرَوَاهُ الحاكم بسند صحيح عن ابن عباس.
وشذت أقوال أخرى: ففي ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي
стр. 323
إسحاق في هذا الحديث ثَمانية عشر شهرًا (١)، وأبو بكر سيئ الحفظ، وقد اضطرب، فعند ابن جرير من طريقه في رواية سبعة عشر، وفي رواية ستة عشر (٢)، وخرَّجه بعضهم عَلى قول مُحَمَّد بن حبيب أن التحويل كَانَ في نصف شعبان، وهو الذِي ذكره النووي في الروضة وأقره, مع كونه رجح في شرحه رواية ستة عشر شهرًا لكونها مجزومًا بِها عند مُسْلم، ولا يستقيم أن يكون ذَلِكَ في شعبان، وقد جزم موسى بن عقبة بأن التحويل كَانَ في جمادى الآخرة.
ومن الشذوذ أيضًا: رواية ثلاثة عشر شهرًا، ورواية تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، ورواية شهرين، ورواية سنتين، وهذه الأخيرة يُمكن حملها عَلى الصواب، وأسانيد الجميع ضعيفة، والاعتماد عَلى القول الأول.
قوله: (وأنه صلى أول) بالنصب لأنه مفعول صلى.
و(العصر) كذلك عَلى البدلية، وأعربه ابن مالك بالرفع، وفي الكلام مقدر لَم يُذكر لوضوحه؛ أي: أول صلاة صلاها متوجهًا إلَى الكعبة صلاة العصر.
قوله: (فخرج رجل) هو عباد بن نَهِيك -بفتح النون وكسر الهاء-، وأهل المسجد الذين مر بِهم قيل: هم من بني سَلَمة. وهذا غير عباد بن بشر الذِي أخبر أهل قباء في صلاة الصبح كما سيأتي بيان ذَلِكَ في حديث ابن [٨١ / ب] عمر؛ حيث ذكره المصنف في كتاب الصلاة (٣)، ويذكر هناك تقرير الجمع بين هذين الحديثين وغيرهما، مع التنبيه عَلى ما فيهما من الفوائد إن شاء الله.
قوله: (أشهد بالله) أي أحلف، قَالَ الجوهري: يُقال: أشهد بكذا؛ أي: أحلفُ به.
قوله: (قِبَل مكة) أي: قِبَل البيت الذِي في مكة، ولهذا قَالَ: "فداروا كما هُم قِبَل البيت". و"ما" موصولة، والكاف للمقارنة، و"هم" مبتدأ وخبره مَحذوف.
قوله: (قد أعجبهم) أي: النبي ﷺ .
стр. 324
قوله: (وأهل الكتاب) هو بالرفع عطفًا عَلى اليهود، من عطف العام عَلى الخاص، وقيل: المراد النصارى؛ لأنهم من أهل الكتاب، وفِيه نظر، لأن النصارى لا يصلون لبيت المقدس فكيف يعجبهم، ويحتمل أن يكون بالنصب، والمراد بِمعنى: مع، أي: يصلي مع أهل الكتاب إلَى بيت المقدس.
قوله: (وأنكروا ذَلِكَ) يعنِي اليهود، فنزلت: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ الآية [البقرة: ١٤٢]، وقد صرَّح المصنف بذلك في [روايته] (١) من طريق إسرائيل (٢).
قوله (قَالَ زهير) يعنِي: ابن معاوية بالإسناد المذكور بحذف أداة العطف كعادته، ووَهِمَ مَن قَالَ: إنه معلق، وقد ساقه المصنف في التفسير مع جملة الحديث عن أبي نُعيم، عن زُهير سياقًا واحدًا (٣).
قوله: (أنه مات عَلى القبلة) أي: قِبْلَة بيت المقدس قبل أن تُحَوَّل.
(رجال وقتلوا) ذِكْر القتل لَم أره إلا في رواية زُهير، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط، وكذلك روى أبو داود والتَرمِذيّ، وابن حبان, والحاكم صحيحًا عن ابن عباس (٤).
والذين ماتوا بعد فرض الصلاة وقبل تَحويل القبلة من المسلمين عشرة أنفس فبمكة من قريش: عبد الله بن شهاب، والمطلب بن أَزْهَر الزُّهريان، والسكران بن عمرو العامرى، وبأرض الحبشة منهم: حطاب -بالمهملة- بن الحارث الجُمَحي، وعمرو بن أمية الأسدي، وعبد الله بن الحارث السَّهْمِي، وعُروة بن عبد العُزَّى، وعَدِي بن نَضْلة العدويان، ومن الأنصار بالمدينة البَرَاء بن مَعْرور بِمهملات، وأسعد بن زُرَارة، فهؤلاء العشرة متفق عليهم.
стр. 325
ومات في المدة أيضًا إياس بن معاذ الأَشْهَلي، لكنه مُختلف في إسلامه، ولَم أجد في شيء من الأخبار أن أحدًا من المسلمين قُتل قَبل تَحويل القبلة [٨٢ / أ] , فإن كانت هذه اللفظة مَحفوظة فيحمل عَلى أن بعض المسلمين ممن لَم يشتهر قُتل في تلك المدة في غير الجهاد ولَم يُضبط اسمه لقلة الاعتناء بالتاريخ إذ ذاك.
ثم وجدت في المغازي ذكر رجل اختلف في إسلامه وهو سويد بن الصامت، فقد ذكر ابن إسحاق أنه لقي النبي ﷺ قبل أن يَلْقَاه الأنصار في العَقَبة، فعرض عليه الإسلام، فقال: إن هذا لقول حسن، وهموا إلَى المدينة فقُتل بها في وقعة بُعَاث -بضم الموحدة وإهمال العين وآخره مثلث- وكانت قبل الهجرة، قَالَ: فكان قومه يقولون: لقد قُتل وهو مُسْلِم، فيحتمل أن يكون هو المراد.
* تنبيه:
في هذا الحديث من الفوائد:
* الرد عَلى المرجئة في إنكارهم تسمية أعمال الدين إيمانًا، وفيه أن تمني تغيير بعض الأحكام جائز إذا ظهرت المصلحة في ذَلِكَ.
* وفيه بيان شرف المصطفى وكرامته عَلى ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال.
* وفيه بيان ما كَانَ في الصحابة من الحرص عَلى دينهم والشفقة عَلى إخوانهم، وقد وقع لهم نظير هذه المسألة لما نزل تَحريم الخمر كما صح من حديث البراء أيضًا، فنزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا. . .﴾، إلَى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] (١)، وقوله تعالَى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠].
ولملاحظة هذا المعنى عَقَّبَ المصنف هذا الباب بقوله: باب حسن إسلام المرء.
стр. 326
٣١ - بَابُ: حُسْنُ إِسْلَامِ الْمَرْءِ
٤١ - قَالَ مَالِكٌ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ, أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ, أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ أَزْلَفَهَا، وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا".
قوله: (قَالَ مالك) هكذا ذكره معلقًا ولَم يوصله في موضع آخر من هذا الكتاب، وقد وصله أبو ذر الهروي في روايته للصحيح فقال عقبه: أناه النضروي هو العباس بن الفضل، قَالَ: حَدَّثَنا الحسين بن إدريس، قَالَ: حَدَّثَنا هشام بن خالد، حَدَّثنَا الوليد بن مُسْلِم، عن مالك به.
وكذا وصله النّسَائي من رواية الوليد بن مُسْلِم: حَدَّثَنا مالك (١)، فذكره أتم مِما هُنَا كما سيأتي، وكذا وصله الحسن بن سُفْيَان من طريق عبد الله بن نافع، والبزار من طريق إسحاق الفَروي، والإسماعيلي من طريق عبد الله بن وهب، والبيهقي في "الشُعَب" من طريق إسماعيل بن أبي أويس (٢): كلهم عن مالك.
وأخرجه الدَّارقطني [٨٢ / ب] من طريق أخرى عن مالك، وذكر أن مَعْن بن عيسى رَوَاهُ عن مالك فقال: عن أبي هريرة بدل أبي سعيد، وروايته شاذة.
وَرَوَاهُ سُفْيَان بن عُيَيْنة، عن زيد بن أَسْلَم، عن عطاء مرسلًا، رُوِّينَاه في "الخُلعيات"، وقد حفظ مالك الوصل فيه، وهو أتقنُ لِحديث أهل المدينة من غيره, وَقَالَ الخطيب: هو حديثٌ ثابت، وذكر البزار أن مالكًا تفرد بوصله.
стр. 327
قوله: (إذا أسلم العبدُ) هذا الحكم يشترك فِيه الرجال والنساء، وذكره بلفظ المذكر تغليبًا.
قوله: (فحسن إسلامه) أي: صار إسلامه حسنًا باعتقاده وإخلاصه، ودخوله فيه بالباطن والظاهر.
قوله: (يكفر الله) هو بضم الراء؛ لأن (إذا) وإن كانت [من] (١) أدوات الشرط لكنها لا تَجزم، واستعمل الجواب مضارعًا وإن كَانَ الشرط بلفظ الماضي لكنه بمعنى المستقبل، وفِي رواية البزار: "كَفَّر الله" فواخى بينهما.
قوله: (كَانَ أزلفها) كذا لأبي ذر، ولغيره: "زلفها"، وهي بتخفيف اللام كما ضبطه صاحب المشارق، وَقَالَ النووي بالتشديد، وَرَوَاهُ الدارقطني من طريق طلحة بن يحيى، عن مالك بلفظ: "ما من عبد يُسْلِم فيحسن إسلامه إلا كتَبَ اللهُ لَهُ كل حسنة زلفها ومَحَا عنه كل خطيئة زلفها" بالتخفيف فيهما، وللنسائي نَحوه لكن قَالَ: "أزلفها" (٢).
وزلَّف بالتشديد وأَزْلَفَ بِمعنى واحد، أي: أسلف وقدم، قاله الخطابي، وَقَالَ في "المحكم": أَزْلَف الشيء: قربه، وَزَلْف مُخففًا ومثقلًا: قدمه، وفي "الجامع": الزلفة يكون في الخير والشر، وَقَالَ في "المشارق": زلف بالتخفيف أي: جَمع وكسب، وهذا يشمل الأمرين، وأما القربة فلا تكون إلا في الخير. فعلى هذا يترجح رواية غير أبي ذر، لكن منقول الخطابي يساعدها، وقد ثبت في جَميع الروايات ما سقط من رواية البُخَاريّ وهو: كتابة الحسنات المتقدمة قبل الإسلام.
وقوله: (كتب الله) أي: أمر أن يُكتب، وللدارقطني من طريق زيد بن شعيب، عن مالك بلفظ: "يقول الله لِملائكته: اكتبوا"، فقيل: إن المصنف أسقطَ ما زاد غيره عمدًا؛ ولأنه مشكل عَلى القواعد.
стр. 328
قَالَ المازري: الكافر لا يصح منه التقرب؛ فلا يثاب عَلى العمل الصالِح الصادر منه [٨٣ / أ] في شركه؛ لأنه من شرط المتقرب أن يكون عارفًا بمن يتقرب إليه، والكافر ليس كذلك، وتابعه القاضي عِيَاض عَلى تقرير هذا الإشكال، واستضعف ذَلِكَ النووي فقال: الصواب الذِي عليه المحققون -بل نقل بعضهم فيه الإجْمَاع- أن الكافر إذا فعل أفعالًا جَميلة كالصدقة وصلة الرحم ثم أسلم ومات عَلى الإسلام أن ثواب ذَلِكَ يُكتب له، وأما دعوى أنه مُخالف للقواعد فغير مُسَلَّم؛ لأنه قد يُعْتَدُّ ببعض أفعال الكافر في الدُّنْيَا ككفارة الظهار، فإنه لا يلزمه إعادتها إذا أسلم وتجزئه. انتهى
والْحَق: أنه لا يلزمه من كتابة الثواب للمسلم في حال إسلامه تفضلًا من الله وإحسانًا أن يكون ذلكَ لكون عمله الصادر منه في الكفر مقبولًا، والحديث إنّما يتضمن كتابة الثواب، ولم يتعرض للقبول، ويحتمل أن يكون القبول مُعلقًا عَلى إسلامه فيقبل ويثاب إن أسلم وإلا فلا.
وقد جزم بِما جزم به النووي: إبراهيم الحربي، وابن بَطَّال وغيرهما من القدماء، والقرطبي وابن المنير من المتأخرين.
قَالَ ابن المنير: المخالف للقواعد دعوى أنه يكتب له ذَلِكَ في حال كفره, وأما أن الله يضيف إلَى حسناته في الإسلام ثواب ما كَانَ صدر منه مِما كَانَ يظنه خيرًا فلا مانع منه، كما لو تفضل عليه ابتداءً من غير عمل، وكما يتفضل عَلى العاجز بثواب ما كَانَ يعمل وهو قادر، فإذا جاز أن يكتب له ثواب ما لَم يعمل ألبتة جاز أن يكتب له ثواب ما عمله غير موفى الشرط، وَقَالَ ابن بَطَّال: لله أن يتفضل عَلى عباده بِما شاء ولا اعتراض عليه.
قوله: (وكان بعد ذَلِكَ القصاص) أي: كتابة المجازاة في الدُّنْيَا، وهو مرفوع بأنه اسم كَانَ، ويَجوز أن تكون "كَانَ" تامة، وعَبَّر بالماضي لتحقق الوقوع فكأنه وقع، كقوله تعالَى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٤].
وقوله: (الحسنة) مبتدأ.
و(بعشر) الخبر، والجملة استئنافية.
стр. 329
وقوله: (إلَى سبعمائة) متعلق بتقدير أي: منتهية.
وحكى الماوردي أن بعض العلماء أخذ بظاهر هذه الغاية؛ فزعم أن التضعيف لا يتجاوز سبعمائة، ورد عليه بقوله تعالَى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. والآية محتملة [٨٣ / ب] الأمرين، فيحتمل أن يكون المراد أنه يُضاعف تلك المضاعفة بأن يَجعلها سبعمائة، ويحتمل أن يضاعف السبعمائة بأن يزيد عليها، والمُصَرَّح بالرد عليه حديث ابن عباس المُخَرَّج عند المصنف في الرقاق ولفظه: "كتب الله له عشر حسنات إلَى سبعمائة ضعف إلَى أضعاف كثيرة" (١).
قوله: (إلا أن يتجاوز الله عنها) زاد سمويه في "فوائده": "إلا أن يعفو الله وهو الغفور".
وفيه دليل عَلى الخوارج وغيرهم من المكفرين بالذنوب والموجبين بخلود المذنبين في النار، فأول الحديث يرد عَلى من أنكرَ الزيادة والنقص في الإيمان؛ لأن الحُسْن تتفاوت درجاته، وآخره يرد عَلى الخوارج والمعتزلة.
стр. 330
٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ, قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ, قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ, عَنْ هَمَّامٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا".
قوله: (عن هَمَّام) هو: ابن منبه، وهذا الحديث من نسخته المشهورة المروية بإسناد واحد عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر عنه.
وقد اختلف العلماء في إفراد حديث من نسخة هل يساق بإسنادها ولو لَم يكن مبتدأ به أو لا؟ فالجمهور عَلى الجواز ومنهم البُخَاريّ، وقد يمتنع، وقيل: يبدأ أبدًا بأول حديث ويذكر معه ما أراد، وتوسط مُسْلِم فأتى بلفظ يشعر بأن المفرد من جملة النسخة فيقول في مثل هذا إذا انتهى الإسناد: فذكر أحاديث منها كذا، ثم يذكر أي حديث أراد منها.
قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) كذا له ولمسلم وغيرهما (١)، ولإسحاق بن راهويه في "مسنده"، عن عبد الرزاق: "إذا حَسُنَ إسلام أحدكم"، وكأنه رَوَاهُ بالمعنى؛ لأنه من لازمه، رَوَاهُ الإسماعيلي من طريق ابن المبارك، عن معمر كالأول، والخطاب "بأحدكم" بِحسب اللفظ للحاضرين، لكن الحكم عام لَهم ولغيرهم باتفاق وإن حصل التنازع في كيفية التناول: أهي بالحقيقة اللغوية أو الشرعية أو بالمجاز؟
قوله: (فكل حسنة) ينبئ أن اللام في قوله في الحديث الذِي قبله: "الحسنة بعشر أمثالها" للاستغراق.
قوله: (بمثلها) زاد مُسْلِم، وإسحاق، وإسماعيل في روايتهم: "حَتَّى يلقى الله " (٢).
стр. 331
٣٢ - بَابٌ: أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ
٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى, حَدَّثَنَا يَحْيَى, عَنْ هِشَامٍ, قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي, عَنْ عَائِشَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ ". قَالَتْ: فُلَانَةُ. تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا. قَالَ: "مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لَا يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا". وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
قوله: (باب: أحبُّ الدين إلى الله أدومه) مراد المصنف: الاستدلال على أن الإيمان يطلق على الأعمال؛ لأن المراد بالدين هُنا العمل، والدين الحقيقي هو الإسلام، والإسلام الحقيقي مرادف الإيمان، فيصح بهذا مقصوده [٨٤ / أ].
ومناسبته لِما قبله من قوله: "عليكم بما تطيقون"؛ لأنه لما قدم أن الإسلام يحسن بالأعمال الصالِحة أراد أن يُنبه على أن إجهاد النفس في ذلك إلَى حد المغالبة غير مطلوب، وقد تقدم بعض هذا المعنى في باب الدين يسر، وفي هذا ما ليس في ذلك على ما سنوضحه إن شاء الله تعالَى.
قوله: (حدثنا يَحيى) هو ابن سعيد القَطَّان.
(عن هشام) هو ابن عُرْوة بن الزُّبير.
قوله: (فقال: من هذه؟ ) للأصيلي: "قال: من هذه؟ " بغير فاء، وموجه على أنه جواب سؤال مقدر كأن قائلًا قال: ماذا قال حين دخل؟ قالت: قال: من هذه؟
قوله: (قلت: فلانة) هذه اللفظة كناية عن كل عَلَمٍ مؤنث فلا ينصرف، زاد عبد الرزاق، عَن مَعْمر، عن هشام في هذا الحديث: "حسنة الهيئة" (١).
стр. 332
قوله: (تذكر) بفتح التاء الفوقانية، والفاعل عائشة، وروي بضم الياء التحتانية عَلى البناء لما لم يُسم فاعله، أي: يذكرون أن صلاتها كثيرة، ولأحمد، عن يَحيى القطان: "لا تنام تصلي" (١)، وللمصنف في كتاب صلاة الليل معلقًا عن القَعْنَبي، عن مالك، عن هشام (٢)، وهو موصول في "الموطأ" للقعنبِي وحده في آخره: "لا تنام بالليل" (٣).
وهذه المرأة وقع في رواية مالك المذكورة أنها من بني أسَد، ولمسلم (٤) من رواية الزُّهري، عن عُرْوة في هذا الحديث: أنها الْحَوْلاء -بالمهملة والمد وهو اسمها- بنت تُوَيْت -بمثناتين مصغرًا- بن حَبيب -بفتح المهملة- بن أسد بن عبد العُزَّى من رَهْط خديجة أم المؤمنين، وَفِي روايته أيضًا: "وزعموا أنها لا تنام الليل" (٥). وهذا يؤيد الرواية الثانية في أنها نقلت عن غيرها.
فإن قيل: وقع في حديث الباب حديث هشام: "دخل عليها وهي عندها"، وَفِي رواية الزُّهري: "أن الحَوْلاء مرَّت بها"، فظاهره التغاير، فيحتمل أن تكون المارة امرأة غيرها من بني أسد أيضًا أو أن قصتها تعددت؟
والجواب: أن القصة واحدة، ويبين ذلك رواية مُحَمَّد بن إسحاق، عن هشام في هذا الحديث، ولفظه: "مرت برسول الله ﷺ الحولاء بنت تويت". أخرجه مُحَمَّد بن نصر في كتاب "قيام الليل" له، فيحمل عَلى أنها كانت أولًا عِنْد عائشة، فلما دخل ﷺ [٨٤ / ب] عَلى عائشة قامت المرأة كما في رواية حَمَّاد بن سَلَمة الآتية، فلما قامت لتخرج مرت به في حال ذهابها فسأل عنها، وبهذا تَجتمع الروايات.
стр. 333
* تنبيه:
قَالَ ابن التين: لعلها أمِنَتْ عليها الفتنة فلذلك مدحتها في وجهها.
قُلْت: لكن رواية حَمَّاد بن سلمة، عن هشام في هذا الحديث تدل عَلى أنها ما ذكرت ذلك إلا بعد أن خرجت المرأة، أخرجه الحسن بن سُفْيَان في مسنده من طريقه، ولفظه: "كانت عندي امرأة فلما قامت قَالَ رسول الله ﷺ : "من هذه يا عائشة؟ " قُلْت: يا رسول الله هذه فلانة وهي أعبد أهل المدينة" فذكر الحديث (١).
قوله: (مه). قَالَ الجوهري: هي كلمة مبنية عَلى السكون، وهي اسم سمي به الفعل، والمعنى: اكفف، يقال: مَهْمَهْتُه، إذَا زجرته، فإن وصلت نونت فقلت: "مهٍ".
وَقَالَ الدّاوودي: أصلُ هذه الكلمة: "ما هذا؟ ! " كالإنكار، فطرحوا بعض اللفظ فقالوا: مهٍ، فصيروا الكلمتين كلمة.
وهذا الزجر يحتمل أن يكون لعائشة، والمراد: نهيها عن مدح المرأة بما ذكرت، ويحتمل أن يكون المراد: النهي عن ذلك الفعل، وقد أخذ بذلك جماعة من الأئمة فقالوا: يكره صلاة جَميع الليل كما سيأتي في مكانه.
قوله: (عليكم بِما تطيقون) أي: اشتغلوا من الأعمال بما تستطيعون المداومة عليه، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصار عَلى ما يُطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكلف ما لا يُطاق.
وَقَالَ القاضي عِيَاض: يحتمل أن يكون هذا خاصًّا بصلاة الليل، ويحتمل أن يكون عامًا في الأعمال الشرعية.
قُلْت: سبب وروده خاص بالصلاة، لكن اللفظ عام وهو المعتبر.
وقد عبر بقوله: "عليكم" مع أن المخاطب النساء طلبًا لتعميم الحكم فغلَّب الذكور عَلى الإناث.
стр. 334
قوله: (فوالله) فيه جواز الحلف من غير استحلاف، فقد يستحب إذا كَانَ في تفخيم أمر من أمور الدين، أو حث عليه، أو تنفير عن مَحذور.
قوله: (لا يَمل الله حتى تَملوا) هو بفتح الميم في الموضعين، والملال: استثقال الشيء ونفور النفس عنه بعد مَحبته، وهو مُحال عَلى الله تعالَى باتفاق، قَالَ الإسماعيلي، وجَماعة من المحققين: إنما أطلق هذا عَلى جهة المقابلة اللفظية مَجازًا، كما قَالَ تعالَى [٨٥ / أ] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]. وأنظاره.
قَالَ القرطبي: وجهة مَجازه أنه تعالى لما كَانَ قطع ثوابه عمن قطع العمل ملالًا عبر عن ذلك بالإملال، من باب تسمية الشيء باسم سببه.
وَقَالَ الهروي: معناه لا يقطع عنكم فضله حتى تَملوا سؤاله فتزهدوا في الرغبة إليه.
وَقَالَ غيره: معناه لا يتناهى حقه عليكم في الطاعة حتى يتناهى جهدكم.
وهذا كله بناء عَلى أن "حتى" عَلى بابها في انتهاء الغاية، وما يترتب عليها من المفهوم، وجنح بعضهم إِلَى تأويلها، فقيل: معناه: لا يَمل الله إذا مللتم، وهو مستعمل في كلام العرب، يقولون: لا أفعلُ كذا حتى يَبْيَض القَارّ، أو حتى يشيب الغُرَاب، ومنه قولُهم في البليغ: لا ينقطع حتى تنقطع خصومه، لأنه لو انقطع حين ينقطعون لم يكن له عليهم مزيَة، وهذا المثال أشبه من الذي قبله؛ لأن شيب الغراب ليس مُمكنًا عادة بِخلاف الملل من العابد.
وَقَالَ المازري: قيل: إن حتى هُنا بِمعنى الواو، فيكون التقدير: لا يَمل وتملون، فنفى عنه الملل وأثبته لَهم، قَالَ: وقيل: حتى بمعنى: حين، والأول أليق وأجرى عَلى القواعد، وأنه من باب المقابلة اللفظية.
وَقَالَ ابن حبان في "صحيحه" (١): هذا من ألفاظ التعارف التي لا يتهيأ للمخاطب أن يعرف القصد مِما يخاطب به إلا بها، وهذا رأيه في جَميع المتشابه.
стр. 335
قوله: (أحب) قَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي: معنى المحبة من الله: تعلق الإرادة بالثواب، أي: أكثر الأعمال ثوابًا أدومها.
قوله: (إليه) في رواية المستملي وحده: "إِلَى الله"، وكذا في رواية عَبْدَة، عن هشام عِنْد إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١)، وكذا للمصنف، ومسلم من طريق أبي سَلمة، ولِمسلم عن القاسم كلاهُما عن عائشة (٢)، وهذا موافق لترجمة الباب.
وَقَالَ باقي الرواة عن هشام: "وَكَان أحب الدين إليه، أي: إلَى رسول الله ﷺ "، وصرح به المصنف في الرقاق في رواية مالك، عن هشام (٣)، وليس بين الروايتين تخالف؛ لأن ما كَانَ أحب إلَى الله كَانَ أحب إلَى رسوله.
قَالَ النووي: بدوام القليل تستمر الطاعة بالذكر والمراقبة والإخلاص [٨٥ / ب] والإقبال عَلى الله، بخلاف الكثير الشاق حتى ينمو القليل الدائم بحيث يزيد عَلى الكثير المنقطع أضعافًا كثيرة.
وَقَالَ ابن الجوزي: إنما أحب الدائم لمعنيين:
أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخوا فيه كالمُعْرض بعد الوَصْل، فهو مُعَرَّض للذم، ولهذا أورد الوعيد في حق من حفظ آية ثم نسيها، وإن كَانَ قبل حفظها لا يتعين عليه.
стр. 336
ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لَازَم الباب في كل يوم وقتًا ما كمن لَازَم يومًا كاملًا ثم انقطع.
وزاد المصنف ومسلم من طريق أبي سلمة، عن عائشة: "وإن أحب الأعمال إِلى الله ما دُووِم عليه وإن قل".
стр. 337
٣٣ - بابُ: زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ
وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾، ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ وَقَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فَإِذَا تَرَكَ شَيْئًا مِنَ الْكَمَالِ فَهُوَ نَاقِصٌ
٤٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ، وَيَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ".
قَالَ أبُو عَبْدِ الله: قَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "مِنْ إِيمَانٍ". مَكَانَ: "مِنْ خَيْرٍ".
قوله: (باب زيادة الإيمان ونقصانه) تقدم له قبل بستة عشر بابًا: "باب: تفاضل أهل الإيمان في الأعمال"، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدري بمعنى حديث أنس الذي أورده هنا، وتُعقّب عليه بأنه تكرار.
وأجيب عنه: بأن الحديث لمَّا كَانت الزيادة والنقصان فيه باعتبار الأعمال أو باعتبار التصديق ترجم لكل من الاحتمالين، وخص حديث أبي سعيد بالأعمال؛ لأن سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات، بخلاف حديث أنس ففيه التفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشَّعِيرة والبُرَّة والذَّرَّة.
قَالَ ابن بَطَّال: التفاوت في التصديق عَلى قدر العلم والجهل، فمن قل علمه كانَ تصديقه مثلًا بمقدار ذرة، والذي فوقه في العلم تصديقه بمقدار بُرّة أو شَعِيرة، إلا أن أصل التصديق الحاصل في قلب كل واحد منهم لا يَجوز عليه النقصان، ويَجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة. انتهى
وقد تقدم كلام النووي في أول الكتاب بما يُشير إِلَى هذا المعنى.
стр. 338
فإن قيل: فَلِمَ أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتين فيه وقد تقدما في أول كتاب الإيمان؟
فالجواب: أنه أعادهما ليوطئ بِهما معنى الكمال المذكور في الآية التالية؛ لأن الاستدلال بهما نص في الزيادة وهو مستلزم للنقص، وأما الكمال فليس نصًّا في الزيادة بل هو مستلزم للنقص فقط، واستلزامه للنقص يستدعي قبوله للزيادة، ومن ثَمَّ قالَ المصنف: "فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقصٌ"، ولهذه [٨٦ / أ] النكتة عدل في التعبير للآية الثالثة عن أسلوب الآيتين، حيث قَالَ أولًا: "وقول الله". وَقَالَ ثانيًا: "وَقَالَ".
وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأن آية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]. لا دليل فيها عَلى مراده؛ لأن الإكمال إن كَانَ بمعنى إظهار الحجة عَلى المخالفين أو بمعنى إظهار أهل الدين عَلى المشركين فلا حجة للمصنف فيه، وإن كَانَ بمعنى إكمال الفرائض لزم عليه أنه كَانَ قبل ذلك ناقصًا، وأن من مات من الصحابة قبل نزول الآية كَانَ إيمانه ناقصًا، وليس الأمر كذلك؛ لأن الإيمان لم يزل تامًا.
ويوضح دفع هذا الاعتراض جواب القاضي أبو بكر ابن العربي: بأن النقص أمر نسبي، لكن منه ما يترتب عليه الذم، ومنه ما لا يترتب، فالأول ما نقصه بالاختيار كمن علم وظائف الدين ثم تركها، والثاني ما نقصه بغير اختيار كمن لَم يعلم أو لَم يكلف، فهذا لا يُذم بل يُحمد من جهة أنه إن كَانَ قلبه مطمئنا بأنه لو زيد لقبُل ولو كُلِّف لعمل، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض، ومُحصله: أن النقص بالنسبة إليهم صُوري، ولَهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى.
قوله: (هشام) هو ابن أبي عبد الله الدَّسْتَوائي، يكنى أبا بكر، وَفِي طبقته هشام بن حَسَّان لكنه لم يرو هذا الحديث.
قوله: (يَخرج) بفتح أوله وضم الراء، ويروى بالعكس، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: "أخرجوا" (١).
стр. 339
قوله: (من قَالَ لا إله إلا الله وَفي قلبه) فيه دليل عَلى اشتراط النطق بالتوحيد، أو المراد بالقول هُنا: القول النفسي، فالمعنى: من أقر بالتوحيد وصدق فالإقرار لابد منه، فلهذا أعاده في كل مرة، والتفاوت يحصل في التصديق عَلى الوجه المتقدم.
فإن قيل: فكيف لَم يذكر الرسالة؟
فالجواب: أن المراد: المجموع، وصار الجزء الأول علما عليه، كما يقول: قرأت: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: السورة كلها.
قوله: (بُرَّة) بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة: وهي القمحة، ومقتضاه: أن وزن البُرَّة دون وزن الشَّعيرة؛ لأنه قدم الشعيرة وتلاها بالبُرَّة ثم الذرة، وكذلك هو في بعض البلاد.
فإن قيل: إن السياق بالواو وهي لا تُرَتِّب.
فالجواب: أن رواية مُسلم من هذا الوجه بلفظ: "ثم" (١)، وهي [٨٦ / ب] للترتيب.
قوله: (ذَرَّة) بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وصحفها شُعبة فيما رَوَاهُ مسلم من طريق يزيد بن زُرَيْع عنه فقال: "ذرَة" -بضم المعجمة وتَخفيف الراء-، وكأن الحامل له عَلى ذلك كونها من الحبوب فناسبت الشعيرة والبرة، قَالَ مسلم في روايته: قَالَ يزيد: "صَحَّف فيها أبو بِسْطَام" (٢)، يعنِي: شُعْبَة.
ومعنى الذَّرَّة: قيلَ: هي أقل الأشياء الموزونة، وقيل: هو الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رءوس الإبر، وقيل: هي النَّملة الصغيرة، ويروى عن ابن عباس أنه قَالَ: إذا وضعت كفك في التراب ثم نفضتها فالساقط هو الذَّر، ويقال: إن أربع ذرات وزن خَرْدَلة، وللمصنف في أواخر التوحيد من طريق حُميد، عن أنس مرفوعًا: "أدخل
стр. 340
الجنة من كانَ في قلبه خردلة ثم من كَانَ في قلبه أدنى شَيْء" (١). فهذا معنى الذرة.
قوله: (قَالَ أبان) هو ابن يزيد العطار، وهذا التعليق وصله الحاكم في كتاب "الأربعين" له من طريق أبي سَلَمة قَالَ: حَدَّثَنَا أَبان بن يزيد فذكر الحديث، وفائدة إيراد المصنف له من وجهين:
أحدهما: تصريح قتادة فيه بالتحديث عن أنس.
ثانيهما: تعبيره في المتن بقوله: "مِنْ إيمان" بدل قوله: "من خير"، فبيَّن أن المراد بالخير هُنا: الإيمان.
فإن قيل: عَلى الأولى لِمَ لَمْ يكتفِ بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها موصولة؟
فالجواب: أن أبان وإن كَانَ مقبولًا لكن هشام أتقن منه وأضبط، فجمع المصنف بين المصلحتين، والله الموفق.
وسيأتي الكلام عَلى بقية هذا المتن في كتاب التوحيد حيث ذكر المصنف حديث الشفاعة الطويل من هذا الوجه، ورجال هذا الحديث موصولًا ومعلقًا كلهم بصريون.
стр. 341
٤٥ - حَدَّثَنَا الحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو العُمَيْسِ، أَخْبَرَنَا قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾. قَالَ عُمَرُ: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
قوله: (حَدَّثَنَا الحسن بن الصباح، سمع جعفر بن عون) مراده: "أنه سمع"، وجرت عادتهم بحذف "أنه" في مثل هذا خطًّا لا نطقًا.
قوله: (أن رجلًا من اليهود) هذا الرجل هو كعب الأحبار بَيَّن ذلك مُسَدَّد في مسنده، والطبري في تفسيره، والطبراني في الأوسط، كلهم من طريق رجاء بن أبي سَلَمة، عن عُبَادة بن نُسَي -بضم النون وفتح المهملة-، عن إسحاق بن قَبِيصة بن ذُؤَيْب، عن كعب (١)، وللمصنف في المغازي من طريق الثوري، عن قيس بن مسلم أن ناسًا من [٨٧ / أ] اليهود (٢)، وله في التفسير من هذا الوجه بلفظ: "قالت اليهود" (٣)، فيحمل عَلى أنهم كانوا حين سؤال كعب عن ذلك جَماعة وتكلم كعب عَلى لسانهم.
стр. 342
قوله: (لاتخذنا. . . إِلَى آخره) أي: لعظمناه وجعلناه عيدًا لنا في كل سنة لعظم ما حصل فيه من إكمال الدين، والعيد: فعل من العود، وإنما سمي به؛ لأنه يعود في كل عام.
قوله: (نزلت فيه عَلى النبي ﷺ ) زاد مسلم عن عبد بن حُميد، عن جَعفر بن عَوْن في هذا الحديث ولفظه: "إني لأعلمُ اليوم الذي أنزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه عَلى النبي ﷺ " (١).
فإن قيل: كيف طابق الجواب السؤال لأنه قَالَ: "لاتخذناه عيدًا". وأجاب عُمر بمعرفة الوقت والمكان، ولم يقل: جعلناه عيدًا؟
والجواب عن هذا: أن هذه الرواية اكتفى فيها بالإشارة، وإلا فرواية إسحاق بن قبيصة (٢) التي قدمناها قد نصت عَلى المراد، ولفظه: "نزلت يوم جمعة يوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد"، لفظ الطبري والطبراني: "وهُما لنا عيدان" (٣).
فإن قيل: كيف دلت هذه القصة عَلى ترجمة الباب؟
أجيب: من جهة أنها بينت أن نزولها كانَ بعرفة، وَكَان ذلك في حجة الوداع التي هي آخر عهد البعثة حين تمت الشريعة وأركانها، والله أعلم.
стр. 343
٣٤ - باب: الزَّكَاةُ مِنَ الإِسْلَامِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾.
٤٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرَ الرَّأْسِ، يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَصِيَامُ رَمَضَانَ". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ. قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ".
قوله: (باب الزكاة من الإسلام. ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾) كذا لأبي ذر، ولغيره: (وقول الله: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ [البينة: ٥])، ويأتي فيه ما مضى في باب الصلاة من الإيمان، والآية دالة عَلى ما ترجم له؛ لأن المراد بقوله: ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾: دين الإسلام، و (القيمة): المستقيمة، وقد جاء قام بِمعنى استقام أيضًا في قوله تعالَى: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ أي: مستقيمة، وإنما خص الزكاة بالترجمة؛ لأن باقي ما ذُكِرَ في الآية والحديث قد أفرده بتراجم أخرى.
ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون، ومالك والد أبي سُهيل هو ابن عامر الأَصْبَحي حَلِيف طلحة بن عُبيد الله، وإسماعيل هو ابن أبيْ أُوَيْس [ابن] (١) أخت الإمام مالك، فهو من رواية إسماعيل، عن خاله، عن عمه، عن أبيه، عن حَلِيفه، فهو مسلسل بالأقارب، كما هو مسلسل بالبلد.
стр. 344
قوله: (جاء رجل) زاد أبو ذر: "من أهل نَجد"، وكذا هو في الموطأ وَمُسْلِم (١).
قوله: (ثائر الرأس) هو مرفوع عَلى الصفة، ويَجوز نصبه عَلى الحال، والمراد أن شعره متفرق [من ترك الرفاهية، ففيه إشارة إلَى قرب عهده بالوفادة، وأوقع اسم الرأس عَلى الشعر] (٢) إما مبالغة، أو لأن الشعر منه ينبت.
قوله: (يُسْمع) بضم الياء عَلى البناء، أو بالنون المفتوحة للجمع، وكذا في "يُفقه".
قوله: (دَوِيّ) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء كذا في روايتنا. قَالَ القاضي عِيَاض: جاء عندنا في البُخَاريّ بضم الدال، قَالَ: والصواب الفتح.
وَقَالَ الخطابي: الدَّويُّ: صوت مرتفع متكرر لا يُفهم، وإنما كَانَ كذلك لأنه نادى من بُعْد.
وهذا الرجل جزم ابن بَطَّال وآخرون بأنه ضِمَام بن ثَعْلَبَة وافد بني سَعْد بن بَكْر، والحامل لهم عَلى ذَلكَ: إيراد مُسْلِم لقصته عَقِب حديث طلحة؛ ولأن في كلٍّ منهما أنه بدوي، وأن كلًّا منهما قَالَ في آخر حديثه: "لا أزيد عَلى هذا ولا أنقص"، لكن تعقبه القرطبي بأن سياقهما مُختلف وأسئلتهما متباينة، قَالَ: ودعوى أنها قصة واحدة دعوى فرطٍ وتكلف شَطَطٍ من غير ضرورة، والله أعلم.
قوله: (فإذا هو يسأل عن الإسلام) أي: عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لَم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذكرها فلم ينقلها الراوي لشهرتها.
وإنما لَم يذكر الحج إما لأنه لَم يكن فُرض بَعْدُ، أو الراوي اختصره، ويؤيد هذا الثاني: ما أخرجه المصنف في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سُهيل في هذا الحديث قَالَ: "فأخبره النبي ﷺ بشرائع الإسلام" (٣)، فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات.
стр. 345
قوله: (خَمس صلوات) في رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة أنه قَالَ في سؤاله: "أخْبِرْني ماذا فرض الله عليَّ من الصلاة؟ فقال: الصلوات الخمس"، فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال.
ويستفاد من سياق مالك: أنه لا يجب شيء من الصلوات في كل يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لِمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو العيد، أو الركعتين بعد المغرب.
قوله: (هل عليَّ غيرها؟ قَالَ: لا، إلا أن تطوع) تَطوع: بتشديد الطاء والواو، وأصله: تتطوع بتاءين، فأدغمت إحداهُما، ويَجوز تَخفيف الطاء عَلى حذف إحداهما.
واستُدل بهذا عَلى أن الشروع في التطوع يوجب إتمامه، تمسكًا بأن الاستثناء فيه متصل، قَالَ القرطبي: لأنه نفى [وجوب] (١) شيء آخر إلا ما تطوع به، والاستثناء من النفي إثبات، ولا قائل بوجوب التطوع، فيتعين أن يكون المراد إلا أن تَشْرَع في تطوع فيلزمك إتمامه.
وتعقبه الطيبي بأن ما تمسك به مغالطة؛ لأن الاستثناء هُنا من غير الجنس؛ لأن التطوع لا يقال فيه: "عليك"، فكأنه قَالَ: لا يجب عليك شيء إلا إن أردت أن تطوع فذلك لك، وقد عُلِمَ أن التطوع ليس بواجب، فلا يَجب شيء آخر أصلًا.
كذا قَالَ، وحرف المسألة دائرٌ عَلى الاستثناء، فمن قَالَ: إنه متصل، تمسك بالأصل، ومن قَالَ: إنه منقطع، احتاج إلى دليل، والدليل عليه ما روى النَّسَائي وغيره: أن النبي ﷺ كَانَ أحيانًا ينوي صوم التطوع ثم يفطر (٢)، وفِي البُخَاريّ أنه أمر جُويْرِية بنت الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه (٣)، فدل عَلى أن الشروع في العبادة لا يستلزم الإتمام إذا كانت نافلة بهذا النص في الصوم وبالقياس في الباقي.
стр. 346
فإن قيل: يرد الحج.
قلنا: لا؛ لأنه امتاز عن غيره بلزوم المضِي في فاسده فكيف في صحيحه؟ ! وكذلك امتاز بلزوم الكفارة في نفله كفرضه، والله أعلم.
قوله: (والله) في رواية إسماعيل بن جعفر قَالَ: "والَّذِي أكرمك" (١)، وفيه جواز الحلف في الأمر المهم، وقد تقدم.
قوله: (وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة) في رواية إسماعيل بن جعفر: "قَالَ: أَخْبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، قَالَ: فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام" (٢)، فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت، منها بيان نُصُب الزكاة فإنها لَم تفسر في الروايتين، وكذلك أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شهرة ذلكَ عندهم، أو القصد من القصة: بيان أن المتمسك بالفرائض ناجٍ وإن لَم يفعل النوافل.
قوله: (أفلح إن صدق) وقع عند مُسْلِم من رواية إسماعيل بن جعفر المذكورة: "أفلح وأبيه إن صدق أو دخل الْجَنَّة وأبيه إن صدق" (٣)، ولأبي داود مثله لكن بحذف "أو" (٤).
فإن قيل: ما الجامع بين هذا وبين النهي عن الحلف بالآباء؟
أجيب: بأن ذَلِكَ كَانَ قبل النهي، أو بأنها كلمة جارية عَلى [٨٨ / ب] اللسان لا يقصد بِها الحلف كما جرى عَلى لسانهم: "عَقْرَى حَلْقَى" وما أشبه ذَلِك، أو فيه إضمار اسم الرب، كأنه قَالَ: ورب أبيه، وقيل: هو خاص؛ ويحتاج إلَى دليل.
وحكى البيهقي (٥) عن بعض مشايخه أنه تصحيف وإنما كَانَ "والله" فقصرت اللامان، واستنكر القرطبي هذا وَقَالَ: إنه يجزم الثقة بالروايات الصحيحة.
وَقَالَ ابن بطال: دلَّ قوله: "أفلح إن صدق" عَلى أنه [إن] (٦) لَم يصدق فيما التزم لا يفلح، وهذا بخلاف قول المرجئة.
стр. 347
فإن قيل: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذكر مع أنه لَم يذكر المنهيات؟
أجاب ابن بَطَّال: باحتمال أن يكون ذلكَ وقع قبل ورود فرائض النهي.
وهو عجيب منه؛ لأنه جزم بأن السائل ضمام، وأقدم ما قيل فيه أنه وفد سنة خَمس، وقيل بعد ذَلِكَ، وقد كَانَ أكثر المنهيات واقعًا قبل ذلكَ والصواب أن ذَلِكَ داخل في عمومه.
قوله: (فأخبره بشرائع الإسلام) كما أشرنا إليه.
فإن قيل: أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح، وأما بأن يزيد فكيف يصح؟
أجاب النووي: بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد عَلى ذلِكَ لا يكون مفلحًا؛ لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى.
فإن قيل: فكيف أقره عَلى حلفه وقد ورد النكير عَلى من حلف ألَّا يفعل خيرًا؟
أجيب: بأن ذلكَ مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ عَلى الأصل بأنه لا إثم عَلى غير تارك الفرائض، فهو مفلح وإن كَانَ غيره أكثر فلاحًا منه.
وَقَالَ الطيبي: يحتمل أن يكون هذا الكلام صدر منه عَلى طريق المبالغة في التصديق والقبول.
وَقَالَ ابن المنير: يحتمل أن تكون الزيادة والنقص تتعلق بالإبلاغ؛ لأنه كَانَ وافد قومه ليتعلم ويعلمهم.
قُلْت: والاحتمالان مردودان برواية إسماعيل بن جعفر، فإن نصها: "لا أتطوع شيئًا ولا أنقص مما فرض الله عليَّ شيئًا" (١).
وقيل: مراده بقوله: "لا أزيد ولا أنقص" أي: لا أغير صفة الفرض، كمن ينقص الظهر ركعة مثلًا، أو يزيد المغرب.
قُلْت: ويعكر عليه أيضًا لفظ التطوع في رواية إسماعيل بن جعفر (٢)، والله أعلم.
стр. 348
٣٥ - باب: اتِّبَاعُ الجَنَائِزِ مِنَ الإِيمَانِ
٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ المَنْجُوفِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الحَسَنِ، وَمُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلِّي عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ".
تَابَعَهُ عُثْمَانُ المُؤَذِّنُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
قوله: (باب: اتباع الجنائز من [٨٩ / أ] الإيمان) ختم المصنف التراجم التِي وقعت له من شعب الإيمان بهذه الترجمة؛ لأن ذَلِكَ آخر أحوال الدُّنْيَا، ووجه الدلالة من الحديث للترجمة قد نبهنا عليه في نظيره قبلُ.
قوله: (المَنْجُوفي) هو بفتح الميم وسكون النون وضم الجيم وبعد الواو الساكنة فاء، نسبة إلَى جد جده منجوف السدوسي، وهو بصري، وكذا باقي رجال الإسناد غير الصحابي.
و(رَوْح) -بفتح الراء-: هو ابن عُبادة القيسي.
و(عوف) هو ابن أبي جميلة -بفتح الجيم- الأعْرابي -بفتح الهمزة-، وإنما قيل له ذَلِكَ لفصاحته، وكنيته أبو سهل، واسم أبيه بَنْدَوَيْه بموحدة مفتوحة ثم نون ساكنة ثم دال مهملة بوزن رَاهَويْه.
و(الْحَسن) هو ابن أبي الحسن البصري.
و(مُحَمَّد) هو ابن سيرين، وهو مجرور بالعطف عَلى الحسن، فالحسن وابن سيرين حَدَّثَا به عَوْفًا، عن أبي هُريرة إما مُجتمعين وإما متفرقين، فأما ابن سيرين فسماعه من أبي هريرة صحيح، وأما الحسن فمختلف في سماعه منه، والأكثر عَلى
стр. 349
نفيه، وتوهيم من أثبته، وهو مع ذلِكَ كثير الإرسال فلا تحمل عنعنته عَلى السماع، وإنما أورده المصنف كما سَمِع، وقد وقع له نظير هذا في قصة موسى، فإنه أخرج فيها حديثًا من طريق رَوْح بن عُبَادة بهذا الإسناد (١)، وأخرج أيضًا في بدء الخلق من طريق عَوْف عنهما، عن أبي هريرة حديثًا آخر (٢)، واعتماده في كل ذَلِكَ عَلى مُحَمَّد بن سيرين، والله أعلم.
قوله: (من اتبع) هو بالتشديد، وللأصيلي: "تبع" بحذف الألف وكسر الموحدة، وقد [تمسك] (٣) بهذا اللفظ من زعم أن المشي خلفها أفضل، ولا حجة فيه؛ لأنه يقال: تبعه إذا مشى خلفه أو إذا مر به فمشى معه، وكذلك اتبعه بالتشديد، فإذن هو مقول بالاشتراك، وقد بين المراد الحديث الآخر المصحح عند ابن حبَّان (٤)، وغيره (٥) من حديث ابن عمر في المشي أمامها، وأما أتبعه بالإسكان فهو بمعنى: لحقه إذا كَانَ سبقه، ولَم تأت به الرواية هنا.
قوله: (وكان معه) أي: مع المسلم، وللكُشْمَيْهني: "معها" أي: مع الجنازة.
قوله (حَتَّى يُصَلِّي) بكسر اللام، ويروى بفتحها، فعلى الأول لا يحصل الموعود به إلا لمن توجد منه الصلاة، وَعَلى الثاني قد يقال: قد يحصل له ذلكَ ولو لم
стр. 350
يُصَلِّ، أما إذا قصد الصلاة وحال دونه مانع فالظاهر حصول الوعد له مطلقًا، والله أعلم.
قوله: (ويُفْرَغ) بضم أوله وفتح الراء، ويروى بعكسه، وقد بينت هذه الرواية أن القيراطين إنما يحصلان بِمجموع الصلاة والدفن، وأن الصلاة دون الدفن يحصل بِها قيراط واحد، وهذا هو المعتمد خلافًا لمن تمسك بظاهر بعض الروايات، فزعم أنه يحصل بالمجموع لأنه قراريط، وسنذكر بقية مباحثه وفوائده في كتاب الجنائز إن شاء الله.
قوله: (تابعه) أي: رَوْح بن عُبَادة.
و(عُثْمَان) هو ابن الهيثم، وهو من شيوخ البُخَاريّ، فإن كَانَ سمع هذا الحديث منه فهو له أعلى بدرجة، لكنه ذكر الموصول عن روح لكونه أشد إتقانا منه، ونبَّه برواية عُثْمَان عَلى أن الاعتماد في هذا السند عَلى مُحَمَّد بن سيرين فقط؛ لأنه لَم يذكر الحسن، فكأن عَوْفًا كَانَ ربما ذكره وربما حذفه، وقد حدث به المَنْجُوفي شيخ البُخَاريّ مرة بإسقاط الحسن، أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" من طريقه.
ومتابعة عُثْمَان هذه وصلها أبو نُعيم في "المستخرج" قَالَ: حَدَّثنَا أبو إسحاق بن حَمزة، قَالَ: حَدَّثنَا أبو طالب بن أبي عَوَانة، قَالَ حَدَّثنَا سليمان بن سيف، قَالَ: حَدثَنَا عُثْمَان بن الهيثم فذكر [الحديث] (١)، ولفظه موافق لرواية روح إلا في قوله: "وكان معها"، فإنه قَالَ بدلها: "فلزمها"، وفِي قوله: "ويفرغ من دفنها"، فإنه قَالَ بدلها: "وتدفن"، وَقَالَ في آخره: "فله قيراط" بدل قوله: "فإنه يرجع بقيراط"، والباقي سواء. ولهذا الاختلاف في اللفظ قَالَ المصنف: "نَحوه" وهو بفتح الواو، أي: بمعناه.
стр. 351
٣٦ - بَابُ: خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.
وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَّرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥].
قوله: (باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر).
هذا الباب معقود للرد عَلى المرجئة خاصة، وإن كَانَ أكثر ما مضى من الأبواب قد تضمن الرد عليهم، لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شيء منها بخلاف هذا.
والمرجئة: -بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويَجوز تشديدها بلا هَمز-، نُسبوا إلى الإرجاء: وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا: [٩٠ / أ] الإيمان هو: التصديق بالقلب فقط، ولَم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان عَلى الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلًا، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول.
ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب الَّتِي قبلها من جهة أن اتباع الجنازة مظنة لأن يقصد بِها مراعاة أهلها أو مَجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أن الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابًا أي: خالصًا، فعقبه بما يشير إلَى أنه قد يعرض للمرء ما يعكر عَلى قصده الخالص فيحرم به الثواب الموعود وهو لا يشعر.
стр. 352
قوله: (أن يحبط عمله) أي: يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا عَلى ما أخلص فيه، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية الذين يقولون: إن السيئات يبطلن الحسنات، وَقَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي في الرد عليهم: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان:
أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الكفر للإيمان والإيمان للكفر، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي.
ثانيهما: إحباط الموازنة إذا جُعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نَجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، إما أن يُغفر له وإما أن يُعذب، فالتوقيف إبطالُ ما؛ لأن توقف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لَها، والتعذيب إبطال أشد منه إلَى حين الخروج من النار، ففي كل منهما إبطال نسبي، أطلق عليه اسم الإحباط مَجازًا، وليس هو إحباطًا حقيقة؛ لأنه إذا خرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الَّذِين سووا بين الإحباطين، وحكموا عَلى العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية، والله الموفق.
قوله: (وَقَالَ إبراهيم التيمي) هو من فقهاء التابعين وعُبَّادهم.
قوله: (مُكَذَّبًا) يروى بفتح الذال، يعني: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مُخالفًا لقولي فيقول: لو كنت صادقًا ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قَالَ ذلِكَ لأنه [٩٠ / ب] كَانَ يعظ الناس.
[ويروى بكسر الذال] (١) وهي رواية الأكثر، ومعناه: أنه مع وعظه الناس لَم يبلغ غاية العمل، وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]. فخشي أن يكون مكذبًا أي: مشابهًا للمكذبين.
стр. 353
وهذا التعليق وصله المصنف في "تاريخه" (١) عن أبي نعيم، وَأَحْمَد بن حنبل في "الزهد" (٢) عن ابن مهدي كلاهُما عن سُفْيَان الثوري عن أبي حيان التيمي عن إبراهيم المذكور.
قوله: (وَقَالَ ابن أبي مليكة. . . . إلَى آخره).
هذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (٣)، لكن أبهم العدد، وكذا أخرجه مُحَمَّد بن نصر المروزي مطولًا في كتاب الإيمان له، وعينه أبو زُرْعَة الدمشقي في "تاريخه" من وجه آخر مُختصرًا كما هُنَا.
والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مُلَيْكَة من أجَلِّهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وعُقْبَة بن الحارث، والمِسْوَر بن مَخْرَمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء: كعلي بن أبي طالب، وسعد ابن أبي وَقَّاص.
وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولَم ينقل عن غيرهم خلاف ذَلِكَ، فكأنه إجماع؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض له في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذَلِكَ عَلى سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃.
وَقَالَ ابن بَطَّال: إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حَتى رأوا من التغيير ما لَم يعهدوه ولَم يقدروا عَلى إنكار فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت.
قوله: (ما منهم أحد يقول: إنه عَلى إيمان جبريل) وفي هذا إشارة إلَى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافًا للمرجئة القائلين:
стр. 354
بأن إيمان الصدِّيقين وغيرهم بمنزلة واحدة، وقد رُوي في معنى أثر ابن أبي مُلَيكَة حديث عن عائشة مرفوع رَوَاهُ الطبراني في "الأوسط" (١) لكن إسناده ضعيف.
قوله: (ويذكر عن الْحسن) هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب "صفة المنافق" له [٩١ / أ] من طرق متعددة بألفاظ مُختلفة (٢)، وقد يُسْتَشْكَل تَرْك البُخَاريّ الجزم به مع صحته عنه، وذلك مَحمولٌ عَلى قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀ وهي: أن البُخَاريّ لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى واختصره أتى بِها أيضًا لما علم من الخلاف في ذَلِكَ، فهنا كذلك، وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه، فقال النووي: قوله: "ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق" يعني: الله تعالى.
قَالَ الله تعالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. وَقَالَ: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]. وكذا شرحه ابن التِّين وجماعة من المتأخرين، وقرره الكِرْمَاني هكذا فقال: ما خافه أي ما خاف من الله، فحذف الجار وأوصل الفعل إليه.
قُلْت: وهذا الكلام وإن كَانَ صحيحًا لكنه خلاف مراد المصنف ومَنْ نقل عنه، والَّذِي أوقعهم في هذا هو الاختصار وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه إنما أراد النفاق، فلنذكره.
قَالَ جعفر الفريابي: حَدَّثنَا قُتَيْبَة: حَدَّثنَا جعفر بن سليمان، عن المُعَلَّى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الَّذِي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مُشْفق، ولا مضى منافق قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق (٣).
وَقَالَ أحْمَد بن حنبل في كتاب "الإيمان": ثنا رَوْح بن عُبَادة: "ثَنا هشام: سمعتُ الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق وما أمنه إلا منافق. انتهى
стр. 355
وهذا موافق لأثر ابن أبي مُلَيْكَة الَّذِي قبله، وهو قوله: (كلهم يخاف النفاق عَلى نفسه)، والخوف من الله وإن كَانَ مطلوبًا مَحمودًا لكن سياق الباب في أمر آخر، والله أعلم.
قوله: (وما يُحَذَّر) هو بضم أوله وتشديد الذال، و (ما) مصدرية، والجملة في مَحل جر؛ لأنها معطوفة عَلى خوف، أي: باب ما يحذر، وفصل بين الترجمتين بالآثار الَّتِي ذكرها لتعلقها بالأولى عَلى ما سنوضحه، ففيه لف ونشر غير مرتب.
ومراده أيضًا [٩١ / ب]: الرد عَلى المرجئة، حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية الَّتِي ذكرها يرد عليهم بأنه تعالَى مدح من استغفر لذنبه ولم يصر عليه، فمفهومه ذم من لَم يفعل ذلِكَ، وكأن المصنف لَمَّح بحديث عبد الله بن عمرو المخرَّج عند أَحْمَد مرفوعًا قَالَ: "ويل للمُصِرين الذين يُصِرُّون عَلى ما فعلوا وهم يعلمون" (١). أي: يعلمون أن من تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لا يستغفرون، قاله مُجاهد وغيره، وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: "ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٢). إسناد كل منهما حسن.
قوله: (عَلى التقاتل) كذا في أكثر الروايات، وهو المناسب لحديث الباب، وفِي بعضها "عَلى النفاق"، ومعناه صحيح وإن لَم تثبت به الرواية.