← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132963

النكت على صحيح البخاري

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (606 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٣٦ - بَابُ: خَوْفِ المُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: مَا عَرَضْتُ قَوْلِي عَلَى عَمَلِي إِلَّا خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ مُكَذِّبًا. وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ: إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ. وَيُذْكَرُ عَنِ الحَسَنِ: مَا خَافَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا أَمِنَهُ إِلَّا مُنَافِقٌ. وَمَا يُحْذَّرُ مِنَ الإِصْرَارِ عَلَى التَّقَاتُلِ وَالعِصْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران: ١٣٥]. قوله: (باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر). هذا الباب معقود للرد عَلى المرجئة خاصة، وإن كَانَ أكثر ما مضى من الأبواب قد تضمن الرد عليهم، لكن قد يشركهم غيرهم من أهل البدع في شيء منها بخلاف هذا. والمرجئة: -بضم الميم وكسر الجيم بعدها ياء مهموزة ويَجوز تشديدها بلا هَمز-، نُسبوا إلى الإرجاء: وهو التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، فقالوا: [٩٠ / أ] الإيمان هو: التصديق بالقلب فقط، ولَم يشترط جمهورهم النطق، وجعلوا للعصاة اسم الإيمان عَلى الكمال، وقالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب أصلًا، ومقالاتهم مشهورة في كتب الأصول. ومناسبة إيراد هذه الترجمة عقب الَّتِي قبلها من جهة أن اتباع الجنازة مظنة لأن يقصد بِها مراعاة أهلها أو مَجموع الأمرين، وسياق الحديث يقتضي أن الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتسابًا أي: خالصًا، فعقبه بما يشير إلَى أنه قد يعرض للمرء ما يعكر عَلى قصده الخالص فيحرم به الثواب الموعود وهو لا يشعر.

стр. 352

قوله: (أن يحبط عمله) أي: يحرم ثواب عمله؛ لأنه لا يثاب إلا عَلى ما أخلص فيه، وبهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنه يقوي مذهب الإحباطية الذين يقولون: إن السيئات يبطلن الحسنات، وَقَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي في الرد عليهم: القول الفصل في هذا أن الإحباط إحباطان: أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الكفر للإيمان والإيمان للكفر، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي. ثانيهما: إحباط الموازنة إذا جُعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نَجا، ومن رجحت سيئاته وقف في المشيئة، إما أن يُغفر له وإما أن يُعذب، فالتوقيف إبطالُ ما؛ لأن توقف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لَها، والتعذيب إبطال أشد منه إلَى حين الخروج من النار، ففي كل منهما إبطال نسبي، أطلق عليه اسم الإحباط مَجازًا، وليس هو إحباطًا حقيقة؛ لأنه إذا خرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الَّذِين سووا بين الإحباطين، وحكموا عَلى العاصي بحكم الكافر، وهم معظم القدرية، والله الموفق. قوله: (وَقَالَ إبراهيم التيمي) هو من فقهاء التابعين وعُبَّادهم. قوله: (مُكَذَّبًا) يروى بفتح الذال، يعني: خشيت أن يكذبني من رأى عملي مُخالفًا لقولي فيقول: لو كنت صادقًا ما فعلت خلاف ما تقول، وإنما قَالَ ذلِكَ لأنه [٩٠ / ب] كَانَ يعظ الناس. [ويروى بكسر الذال] (١) وهي رواية الأكثر، ومعناه: أنه مع وعظه الناس لَم يبلغ غاية العمل، وقد ذم الله من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وقصَّر في العمل، فقال: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣]. فخشي أن يكون مكذبًا أي: مشابهًا للمكذبين.

стр. 353

وهذا التعليق وصله المصنف في "تاريخه" (١) عن أبي نعيم، وَأَحْمَد بن حنبل في "الزهد" (٢) عن ابن مهدي كلاهُما عن سُفْيَان الثوري عن أبي حيان التيمي عن إبراهيم المذكور. قوله: (وَقَالَ ابن أبي مليكة. . . . إلَى آخره). هذا التعليق وصله ابن أبي خيثمة في "تاريخه" (٣)، لكن أبهم العدد، وكذا أخرجه مُحَمَّد بن نصر المروزي مطولًا في كتاب الإيمان له، وعينه أبو زُرْعَة الدمشقي في "تاريخه" من وجه آخر مُختصرًا كما هُنَا. والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مُلَيْكَة من أجَلِّهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة، وعُقْبَة بن الحارث، والمِسْوَر بن مَخْرَمة، فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء: كعلي بن أبي طالب، وسعد ابن أبي وَقَّاص. وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولَم ينقل عن غيرهم خلاف ذَلِكَ، فكأنه إجماع؛ وذلك لأن المؤمن قد يعرض له في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم، بل ذَلِكَ عَلى سبيل المبالغة منهم في الورع والتقوى ﵃. وَقَالَ ابن بَطَّال: إنما خافوا لأنهم طالت أعمارهم حَتى رأوا من التغيير ما لَم يعهدوه ولَم يقدروا عَلى إنكار فخافوا أن يكونوا داهنوا بالسكوت. قوله: (ما منهم أحد يقول: إنه عَلى إيمان جبريل) وفي هذا إشارة إلَى أن المذكورين كانوا قائلين بتفاوت درجات المؤمنين في الإيمان، خلافًا للمرجئة القائلين:

стр. 354

بأن إيمان الصدِّيقين وغيرهم بمنزلة واحدة، وقد رُوي في معنى أثر ابن أبي مُلَيكَة حديث عن عائشة مرفوع رَوَاهُ الطبراني في "الأوسط" (١) لكن إسناده ضعيف. قوله: (ويذكر عن الْحسن) هذا التعليق وصله جعفر الفريابي في كتاب "صفة المنافق" له [٩١ / أ] من طرق متعددة بألفاظ مُختلفة (٢)، وقد يُسْتَشْكَل تَرْك البُخَاريّ الجزم به مع صحته عنه، وذلك مَحمولٌ عَلى قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀ وهي: أن البُخَاريّ لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى واختصره أتى بِها أيضًا لما علم من الخلاف في ذَلِكَ، فهنا كذلك، وقد أوقع اختصاره له لبعضهم الاضطراب في فهمه، فقال النووي: قوله: "ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق" يعني: الله تعالى. قَالَ الله تعالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦]. وَقَالَ: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ [الأعراف: ٩٩]. وكذا شرحه ابن التِّين وجماعة من المتأخرين، وقرره الكِرْمَاني هكذا فقال: ما خافه أي ما خاف من الله، فحذف الجار وأوصل الفعل إليه. قُلْت: وهذا الكلام وإن كَانَ صحيحًا لكنه خلاف مراد المصنف ومَنْ نقل عنه، والَّذِي أوقعهم في هذا هو الاختصار وإلا فسياق كلام الحسن البصري يبين أنه إنما أراد النفاق، فلنذكره. قَالَ جعفر الفريابي: حَدَّثنَا قُتَيْبَة: حَدَّثنَا جعفر بن سليمان، عن المُعَلَّى بن زياد: سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الَّذِي لا إله إلا هو ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مُشْفق، ولا مضى منافق قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن، وكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق (٣). وَقَالَ أحْمَد بن حنبل في كتاب "الإيمان": ثنا رَوْح بن عُبَادة: "ثَنا هشام: سمعتُ الحسن يقول: والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق وما أمنه إلا منافق. انتهى

стр. 355

وهذا موافق لأثر ابن أبي مُلَيْكَة الَّذِي قبله، وهو قوله: (كلهم يخاف النفاق عَلى نفسه)، والخوف من الله وإن كَانَ مطلوبًا مَحمودًا لكن سياق الباب في أمر آخر، والله أعلم. قوله: (وما يُحَذَّر) هو بضم أوله وتشديد الذال، و (ما) مصدرية، والجملة في مَحل جر؛ لأنها معطوفة عَلى خوف، أي: باب ما يحذر، وفصل بين الترجمتين بالآثار الَّتِي ذكرها لتعلقها بالأولى عَلى ما سنوضحه، ففيه لف ونشر غير مرتب. ومراده أيضًا [٩١ / ب]: الرد عَلى المرجئة، حيث قالوا: لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان، ومفهوم الآية الَّتِي ذكرها يرد عليهم بأنه تعالَى مدح من استغفر لذنبه ولم يصر عليه، فمفهومه ذم من لَم يفعل ذلِكَ، وكأن المصنف لَمَّح بحديث عبد الله بن عمرو المخرَّج عند أَحْمَد مرفوعًا قَالَ: "ويل للمُصِرين الذين يُصِرُّون عَلى ما فعلوا وهم يعلمون" (١). أي: يعلمون أن من تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ ثُمَّ لا يستغفرون، قاله مُجاهد وغيره، وللترمذي عن أبي بكر الصديق مرفوعًا: "ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم سبعين مرة" (٢). إسناد كل منهما حسن. قوله: (عَلى التقاتل) كذا في أكثر الروايات، وهو المناسب لحديث الباب، وفِي بعضها "عَلى النفاق"، ومعناه صحيح وإن لَم تثبت به الرواية.

стр. 356

٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ زُبَيْدٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ عَنْ المُرْجِئَةِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ". قوله: (زُبَيْد) تقدم أنه بالزاي والموحدة مصغرًا، وهو ابن الحارث اليَامِي بياء تَحتانية وميم خفيفة، يكنى أبا عبد الرحمن، وقد رَوى هذا الحديث شُعْبَة أيضًا عن منصور بن المُعْتَمِر وهو عند المصنف في الأدب (١)، وعن الأَعْمَش وهو عند مُسْلِم (٢). وروى ابن حِبَّان من طريق سليمان بن حرب، عن شُعْبَة، عن الثلاثة جَميعًا عن أبي وائل (٣)، وَقَالَ ابن مَنْدَه: لَم يختلف في رفعه عن زُبَيْد، واختلف عَلى الآخرين، وَرَوَاهُ عن زُبَيْد غير شُعْبَة أيضًا عند مُسْلِم وغيره (٤). قوله: (سألت أبا وائل عن المرجئة) أي: عن مقالة المرجئة، ولأبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن زُبَيْد قَالَ: لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرتُ ذلك له (٥). فظهر من هذا أن سؤاله كَانَ عن معتقدهم، وأن ذَلِك كانَ حين ظهورهم، وكانت وفاة أبي وائل سَنة تسعِ وتسعين، وقيل: سَنة اثنين وثمانين، ففي ذَلكَ دليل عَلى أن بدعة الإرجاء قديمة.

стр. 357

وقد تابع أبا وائل في رواية هذا الحديث عَبْدُ الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، أخرجه الترمِذيّ مصححًا، ولفظه: "قتال المسلم أخاه كفر وسبابه فسوق" (١). وَرَوَاهُ جماعة عن عبد الله بن مسعود موقوفًا (٢)، وَرَوَاهُ النَّسَائي من حديث سعد بن أبي وقاص أيضًا (٣). قوله: (سباب) [٩٢ / أ] هو بكسر السين وتَخفيف الموحدة وهو مصدر، يقال: سب يسب سبًّا وسبابًا. وَقَالَ إبراهيم الحربي: السباب أشد من السب، وهو أن يقال في الرجل ما فيه وما ليس فيه، يريد بذلك عيبه. وَقَالَ غيره: السباب هنا مثل القتال فيقتضي المفاعلة. قوله: (المسلم) كذا في معظم الروايات، ولأحمد عن غُنْدَر، عن شُعبة: "المؤمن" (٤)، وكأنه رَوَاهُ بالمعنى. قوله: (فسوق) الفسق في اللغة: الخروج. وفِي الشرع: الخروج عن طاعة الله ورسوله. وهو في عرف الشرع أشد من العصيان، قَالَ الله تعالَى: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧]. ففي الحديث: تعظيم حق المسلم، والحكم عَلى من سبه بغير حق بالفسق، ومقتضاه الرد عَلى المرجئة، وعرف من هذا مطابقة جواب أبي وائل للسؤال عنهم، كأنه قَالَ: كيف تكون مقالتهم حقًّا والنبي ﷺ يقول هذا.

стр. 358

قوله: (وقتاله كفر) إن قيل: هذا وإن تضمن الرد عَلى المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذين يكفِّرون بالمعاصي. فالجواب: أن المبالغة في الرد عَلى المبتدع اقتضت ذَلكَ، ولا متمسك للخوارج فيه؛ لأن ظاهره غير مراد، لكن لما كَانَ القتال أشد من السباب؛ لأنه مفضٍ إلَى إزهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر. ولَم يُرِدْ حقيقة الكفر الَّتِي هِيَ الخروج عن الملة، بل أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير، معتمدًا عَلى ما تقرر من القواعد أن مثل ذَلِكَ لا يخرج عن الملة، مثل حديث الشفاعة، ومثل قوله تعالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]. وقد أشرنا إلَى ذلِكَ في باب المعاصي من أمر الجاهلية، أو أطلق عليه الكفر لشبهه به؛ لأن قتال المؤمن من شأن الكافر. وقيل: المراد الكفر اللغوي: وهو التغطية؛ لأن حق المسلم عَلى المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه، فلما قاتله كَانَ كأنه غطى عَلى هذا الحق، والأولان أليق بمراد المصنف، وأولى بالمقصود من التحذير من فعل ذلِكَ والزجر عنه بخلاف الثالث. وقيل: أراد بقوله: "كفر" أي: قد يؤول هذا [٩٢ / ب] الفعل بشؤمه إلَى الكفر، وهذا بعيد، وأبعد منه حمله عَلى المُسْتَحِلّ لذلك؛ لأنه لا يطابق الترجمة، ولو كَانَ مرادًا لَم يحصل التفريق بين السباب والقتال، فإن مُسْتَحِلّ لعن المسلم بغير تأويل يكفر أيضًا، ثم ذَلِكَ كله مَحمول عَلى من فعله بغير تأويل، وقد بوب المصنف عليه في كتاب المحاربين كما سيأتي إن شاء الله تعالَى. وأما قوله ﷺ فيما رَوَاهُ مُسْلِم: "لعن المؤمن كقتله" (١). فلا يخالف هذا هذا الحديث؛ لأن المشبه به فوق المشبه، والقدر الَّذي اشتركا فيه بلوغ الغاية بالتأثير، هذا في العِرْض وهذا في النفس، والله أعلم.

стр. 359

٤٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنِي أَنَسٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: "إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ؛ التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ". قوله: (عن حُمَيد) هو الطويل. (عن أنس) وللأصيلي: (ثنا أنس بن مالك) فأمِنا تدليس حميد، وهو من رواية صحابي عن صحابي: أنس، عن عُبَادة. قوله: (خرج يُخبر بليلة القدر) أي: بتعيين ليلة القدر. قوله: (فتلاحى) بفتح الحاء المهملة مشتق من التلاحي بكسرها: وهو التنازع والمخاصمة، والرجلان أفاد ابن دحية أنهما عبد الله بن أبي حَدْرَد بحاء مفتوحة ودال ساكنة مهملتين ثم راء مفتوحة ثم دال مهملة أيضًا، وكعب بن مالك. وقوله: (فرفعت) أي: رفع تعيينها عن ذكري، هذا هو المعتمد هنا، والسبب فيه ما أوضحه مسلم من حديث أبي سعيد في هذه القصة قَالَ: "فجاء رجلان يَحْتَقَّان" بتشديد القاف أي: يدَّعي كل منهما أنه المحق "معهما الشيطان فنسيتها" (١). قَالَ القاضي عِياض: فيه دليل عَلى [أن] (٢) المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية، وفيه أن المكان الَّذِي يحضره الشيطان ترفع منه البركة والخير. فإن قيل: كيف تكون المخاصمة في طلب الحق مذمومة؟ قلنا: إنَّما كانت كذلك لوقوعها في المسجد، وهو محل الذكر لا اللغو، ثم في الوقت المخصوص أيضًا بالذكر لا اللغو وهو شهر رمضان، ثم إنها مستلزمة لرفع الصوت، ورفعه بحضرة الرسول ﷺ منهي عنه لقوله تعالَى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ

стр. 360

النَّبِيِّ﴾، إلَى قوله تعالَى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]. ومن هنا [٩٣ / أ] تتضح مناسبة هذا الحديث للترجمة ومطابقتها له، وقد خفيت عَلى كثير من المتكلمين عَلى هذا الباب. فإن قيل: قوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢]. يقتضي المؤاخدة بالعمل الَّذِي لا قصد فيه. فالجواب: أن المراد: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ بالإحباط لاعتقادكم صغر الذنب، فقد يعلم المرء الذنب ولكن لا يعلم أنه كبير، كما قيل في قوله: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير" أي: عندهما، ثم قَالَ: "وإنه لكبير" (١)، أي: في نفس الأمر. وأجاب القاضي أبو بكر ابن العربي: بأن المؤاخذة تحصل بما لَم يقصد في الثاني إذا قصد في الأول؛ لأن مراعاة القصد إنما هو في الأول ثم يسترسل حكم النية الأولى علَى مؤتنف العمل وإن عزب القصد خيرًا كَانَ أو شرًّا، والله أعلم. قوله: (وعسى أن يكون خيرًا) أي: وإن كَانَ عدم الرفع أزيد خيرًا وأولى منه؛ لأنه متحقق فيه لكن في الرفع خير مرجو لاستلزامه مزيد الثواب؛ لكونه سببا لزيادة الاجتهاد في التماسها، وإنما حصل ذَلِكَ ببركة الرسول ﷺ . قوله: (في السبع والتسع) كذا في معظم الروايات بتقديم السبع التِي أولها السين عَلى التسع، ففيه إشارة إلَى أن رجاءها في السبع أقوى للاهتمام بتقديمه، ووقع عند أبي نُعيم في "المستخرج" (٢) بتقديم التسع عَلى ترتيب التدلي، واختلف في المراد بالتسع وغيرها، فقيل: لتسع يمضين من العشر، وقيل: لتسع يبقين من الشهر، وسنذكر بسط هذا في محله حيث ذكره المصنف في كتاب الاعتكاف إن شاء الله تعالَى.

стр. 361

النكت على صحيح البخاري تأليف الحافظ أبي الفضل ابن حجر العسقلاني ويليه التجريد على التنقيح «تجريد وتعليقات ابن حجر على شرح صحيح البخاري للزركشي» جمع أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن السخاوي تحقيق أبي الوليد هشام بن علي السعيدني أبي تميم نادر مصطفى محمود [الجزء الثاني]

стр. 362

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة الطبعة: الأولى، ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م رقم الْإِيدَاع: ٢١٥١٦/ ٢٠٠٥ المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع * الإدارة وَالْفرع الرئيسي: ٣٣ ش صَعب صَالح - عين شمس الشرقية - الْقَاهِرَة - جمهورية مصر الْعَرَبيَّة ت وفاكس: ٢٤٩٩١٢٥٤ - ٢٤٩٠٠٦٠٦ - ٢٤٩٠٠٨٠٨ * فرع الْأَزْهَر: ١ ش البيطار خلف جَامع الْأَزْهَر - درب الأتراك - ت: ٥١٠٨٠٠٤ E-mail: islamya ٢٠٠٥@hotmail.com

стр. 363

٣٧ - بَابُ: سُؤَالِ جِبْرِيلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ وَعِلْمِ السَّاعَةِ وَبَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: "جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ"؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ دِينًا، وَمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ لِوَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ مِنَ الإِيمَانِ، وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. قوله: (باب سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام إلَى آخره) تقدم أن المصنف يرى أن الإيمان والإسلام عبارة عن معنى واحد، فلما كَانَ ظاهر سؤال جبريل عن الإيمان والإسلام يقتضي تغايرهما؛ وأن الإيمان: تصديق بأمور مَخصوصة، والإسلام: إظهار أعمال مخصوصة؛ أراد أن يرد ذَلِكَ بالتأويل إلَى طريقته. قوله: (وبيان) أي: مع بيان أن الاعتقاد والعمل دين. وقوله: (وما بَيَّن) أي: مع ما بَين للوفد أن الإيمان هو الإسلام حيث فسره في قصتهم بما فسر به الإسلام هنا [٩٣ / ب]. وقوله: (وقول الله) أي: مع ما دلت عليه الآية أن الإسلام هو الدين، فاقتضى ذَلِكَ أن الإسلام والإيمان أمر واحد، هذا محصل كلامه، وقد نقل أبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه" عن المزني صاحب الشافعي الجزم بترادفهما سمع ذلِكَ منه. وعن الإمام أَحْمَد الجزم بتغايرهما (١)، ولكلٍّ من القولين أدلة متعارضة. وَقَالَ الخطابي: صنف في المسألة إمامان كبيران، وأكثرا من الأدلة للقولين، وتباينا في ذَلِكَ، والحق أن بينهما عمومًا وخصوصًا، فكل مؤمن مُسْلِم، وليس كل مُسْلِم مؤمنًا. انتهى كلامه ملخصًا. ومقتضاه أن الإسلام لا يطلق عَلى الاعتقاد والعمل معًا، بخلاف الإيمان فإنه يطلق

стр. 364

عليهما معًا، ويرد عليه قوله تعالَى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فإن الإسلام هنا يتناول العمل والاعتقاد معًا، لأن العامل غير المعتقد ليس بذي دين مرضي. وبهذا استدل المُزني وأبو مُحَمَّد البغوي فقال في الكلام عَلى حديث جبريل هذا: جعل النبي ﷺ الإسلام هنا اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذَلِكَ لأن الأعمال ليست من الإيمان، ولا لأن التصديق ليس من الإسلام، بل ذاك تفصيل لجملة كلها لشيء واحد، وجِمَاعها الدين، ولهذا قَالَ ﷺ : "أتاكم يعلمكم دينكم"، وَقَالَ : ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا بانضمام التصديق. انتهى كلامه. والَّذي يظهر من مَجموع الأدلة أن لكلٍّ منهما حقيقة شرعية، كما أن لكلٍّ منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنا كاملًا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس أو يطلق أحدهما عَلى إرادتهما معًا فهو عَلى سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا في مقام السؤال حُملا عَلى الحقيقة، وإن لَم يردا معًا أو لَم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل عَلى الحقيقة أو عَلى المجاز بحسب ما يظهر من القرائن. قوله: (وعلم الساعة) تفسير منه [٩٤ / أ] للمراد بقول جبريل في السؤال: "متى الساعة" أي: متى علم الساعة، ولابد من تقدير مَحذوف آخر أي: متى علم قيام الساعة؟ قوله: (وبيان النبي ﷺ ) هو مَجرور لأنه معطوف عَلى "عِلْم" المعطوف عَلى "سؤال" المجرور بالإضافة. فإن قيل: لَم يبين النبي ﷺ وقت الساعة فكيف قَالَ: "وبيان النبي ﷺ له"؟ فالجواب: أن المراد بالبيان بيان أكثر المسئول عنه، فأطلقه لأن حكم معظم الشيء حكم كله، أو جعل الحكم في علم الساعة بأنه لا يعلمه إلا الله بيانًا له.

стр. 365

٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ رجل فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: "الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ". قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ". قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ". قَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَسَأُخْبِرُكَ عَنْ أَشْرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتِ الأَمَةُ رَبَّهَا، وَإِذَا تَطَاوَلَ رُعَاةُ الإِبِلِ البُهْمُ فِي البُنْيَانِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ". ثُمَّ تَلَا النَّبِيُّ ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية [لقمان: ٣٤]. ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَالَ: "رُدُّوهُ". فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا. فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: جَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الإِيمَانِ. قوله: (حَدَّثَنَا إسماعيل بن إبراهيم) هو البصري المعروف بابن عُلَيَّة. قَالَ: (أنا أبو حيان التيمي) وأورده المصنف في تفسير سورة لقمان من حديث جرير بن عبد الحميد، عن أبي حيان المذكور (١)، وَرَوَاهُ مُسْلِم من وجه آخر عن جرير أيضًا عن عمارة بن القعقاع (٢)، وَرَوَاهُ أبو داود، والنسائي من حديث جرير أيضًا عن أبي فَرْوَة (٣)، ثلاثتهم عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة، زاد أبو فروة: "وعن أبي ذر"، وساق حديثه عنهما جميعًا، وفيه فوائد زوائد سنشير إليها إن شاء الله. ولَم أر هذا الحديث من رواية أبي هريرة إلا عن أبي زُرْعة بن عمرو بن جرير هذا

стр. 366

عنه، ولَم يخرجه البُخَاريّ إلا من طريق أبي حيان عنه، وقد أخرجه مُسْلِم (١)، من حديث عمر بن الخطاب، وفِي سياقه فوائد زوائد أيضًا، وإنما لَم يخرجه البُخَاريّ لاختلافٍ فيه عَلى بعض رواته. فمشهوره رواية كَهْمَس -بسين مهملة قبلها ميم مفتوحة- ابن الحسن، عن عبد الله بن بُرَيْدة، عن يَحيى بن يَعْمَر -بفتح الميم أوله ياء تحتانية مفتوحة، عن عبد الله بن عُمر، عن أبيه عمر بن الخطاب. رَوَاهُ عن كَهْمَس جماعة من الحفاظ وتابعه مَطَر الوراق، عن عبد الله بن بريدة، وتابعه سليمان التيمي، عن يحيى بن يعمر. وكذا رَوَاهُ عُثْمَان بن غِيَاث، عن عبد الله بن بريدة، لكنه قَالَ: عن يحيى بن يعمر، وحُميد بن عبد الرحمن معًا، عن ابن عمر، عن عمر، زاد فيه حُميدًا، وحُميدٌ له في الرواية المشهورة ذكرٌ لا رواية. وأخرج مُسْلِم هذه [٩٤ / ب] الطرق (٢)، ولَم يسق منها إلا متن الطريق الأولى، وأحال الباقي عليها، وبينها اختلاف كثير سنشير إلَى بعضه. * فأما رواية مطر فأخرجها أبو عوانة في "صحيحه" (٣). * وأما رواية سليمان التيمي فأخرجها ابن خزيمة في "صحيحه" (٤). * وأما رواية عُثْمَان بن غياث فأخرجها أَحْمَد في "مسنده" (٥). وقد خالفهم سليمان بن بريدة أخو عبد الله فرواه عن يحيى بن يعمر، عن عبد الله ابن عمر قَالَ: "بينما نَحنُ عند النبي ﷺ " فجعله من مسند ابن عمر لا من روايته عن أبيه، أخرجه أَحْمَد أيضًا (٦).

стр. 367

وكذا رَوَاهُ أبو نعيم في "الحلية" (١) من طريق عطاء الخراساني، عن يحيى بن يَعْمر. وكذا روي من طريق عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر أخرجه الطبراني (٢). وفِي الباب عن أنس أخرجه البزار (٣)، وإسناده حسن. وعن جرير البجلي أخرجه أبو عوانة في "صحيحه". وعن ابن عباس، وأبي عامر الأشعري أخرجهما أَحْمد (٤)، وإسنادهما حسن. وفِي كل من هذه الطرق فوائد سنذكرها -إن شاء الله تعالَى- في أثناء الكلام عَلى حديث الباب، وإنما جمعت طرقها هنا وعزوتها إلَى مخرجيها؛ ليسهل الحوالة عليها؛ فرارًا من التكرار المباين لطريق الاختصار، والله الموفق. قوله: (كَانَ النبي ﷺ بارزًا يومًا للناس) أي: ظاهرًا لهم غير محتجب عنهم ولا ملتبس بغيره، والبروز: الظهور، وقد وقع في رواية أبي فَرْوَةَ الَّتِي أشرنا إليها بيان ذلِكَ، فإن أوله: "كَانَ رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو، فطلبنا إليه أن نجعل له مجلسًا يعرفه الغريب إذا أتاه، قَالَ: فبنينا له دُكَانًا من طين كَانَ يجلس عليه" (٥). انتهى واستنبط منه القرطبي استحباب جلوس العالم بمكان يختص به، ويكون مرتفعًا إذا احتاج لذلك؛ لضرورة تعليم ونَحوه. قوله: (فأتاه رجل) أي: مَلَك في صورة رجل، وفِي التفسير للمصنف: "إذ أتاه رجل يمشي" (٦). ولأبي فروة: "فَإِنا لَجُلوسٌ عنده إذ أَقْبَلَ رجلٌ أحسن الناس وجهًا،

стр. 368

وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لَم يمسها [٩٥ / أ] دنس" (١). ولمسلم من طريق كَهْمَس في حديث عمر: "بينما نَحنُ عند رسول الله ﷺ إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر" (٢). وفِي رواية ابن حبان: "سواد اللحية، لا يُرى عليه أَثرُ السفرِ، ولا يعرفه منا أحد، حَتَّى جلس إلَى النبي ﷺ فأسند ركبته إلَى ركبته، ووضع كفيه عَلى فخذيه" (٣). ولسليمان التيمي: "ليس عليه سحناء سفر، وليس من البلد، فتخطى حَتَّى برك بين يدي النبي ﷺ كما يجلس أحدنا في الصلاة، ثم وضع يده عَلى ركبتي النبي ﷺ " (٤). وكذا في حديث ابن عباس، وأبي عامر الأشعري: "ثم وضع يده عَلى ركبتي النبي ﷺ " (٥). فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله: "عَلى فخذيه" يعود عَلى النبي ﷺ ، وبه جزم البغوي، ووافقه التوربشتي؛ لأنه حمله عَلى أنه جلس هيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه، فهذا وإن كانَ ظاهرًا من السياق لكن وضعه يديه عَلى فخذي النبي ﷺ صنيع منبه للإصغاء إليه. وفيه إشارة لما ينبغي للمسئول من التواضع، والصفح عما يبدو من جفاء السائل، والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية أمره؛ ليقوي الظن بأنه من جفاة الأعراب؛ لأن الصحابة استغربوا هيئَتَه. فإن قيل: كيف عرف عمر أنه لَم يعرفه أحد منهم؟

стр. 369

أجيب: بأنه يحتمل أن يكون استند في ذَلِكَ إلى ظنه، أو إلَى صريح قول الحاضرين. قُلْت: وهذا الثاني أولى، فقد جاء كذلك في رواية عُثْمَان بن غِيَاث ففيها: "فنظر القوم بعضهم إلَى بعض، فقالوا: ما نعرفُ هذا" (١). وأفاد مُسْلِم في رواية عمارة بن القعقاع سبب ورود هذا الحديث، فعنده في أوله: "قَالَ رسول الله ﷺ : سلوني فهابوا أن يسألوه، قَالَ: فجاء رجلٌ" (٢). ووقع في رواية ابن منده من طريق يزيد بن زُرَيْع، عن كَهْمَس: "بينا رسول الله ﷺ يخطب إذ جاء رجلٌ" (٣). فكأن أمرَهُ لهم بسؤاله وقع في خطبته، فظاهره أن مجيء الرجل كَانَ في حالة الخطبة، فإما أن يكون وافق انقضاءها أو كَانَ ذكر ذَلكَ [٩٥ / ب] القدر جالسًا، وعبر عنه الراوي بالخطبة. قوله: (فقال) زاد في التفسير: "يا رسول الله! ما الإيمان؟ " (٤). فإن قيل: فكيف بدأ بالسؤال قبل السلام؟ أجيب: بأنه يحتمل أن يكون ذَلكَ مبالغة في تعمية أمره، أو يبين أن ذلكَ غير واجب، أو سَلَّم فلم ينقله الراوي. قلتُ: وهذا الثالث المعتمد، فقد ثبت في رواية أبي فَرْوة ففيها بعد قوله: "كأن ثيابه لَم يمسها دنس، حَتَّى سلم من طرف البساط، فقال: السلام عليك يا مُحَمَّد، فرد ﵇، قَالَ: أَدْنُو يا مُحَمَّد؟ قَالَ: ادن، فما زال يقول أَدْنُو مرارًا ويقول له: ادن، ونحوه في رواية عطاء، عن ابن عمر، لكن قَالَ: "السلام عليك يا رسول الله"، وفِي رواية مطر الوراق: "فقال: يا رسول الله، أدنو منك؟ قَالَ: ادن"، ولَم يذكر السلام. فاختلفت الروايات هل قَالَ له: يا مُحَمَّد، أو يا رسول الله، أو هل سلم أو لا، فقال القرطبي بناءً عَلى أنه لَم يسلم، وَقَالَ: "يا مُحَمَّد": أنه أراد بذلك التعمية، فصنع صنيع الأعراب.

стр. 370

قُلْت: ويجمع بين الروايتين بأنه بدأ أولًا بندائه باسمه لهذا المعنى، ثم خاطبه بقوله: يا رسول الله. ووقع عند القرطبي أنه قَالَ: "السلام عليكم يا مُحَمَّد"، فاستنبط منه أنه يستحب للداخل أن يعمم بالسلام ثم يخصص من يريد تخصيصه. انتهى والذي وقفت عليه من الروايات إنما فيه الإفراد، وهو قوله: "السلام عليك يا مُحَمَّد". قوله: (ما الإيْمان) قيل: قدم السؤال عَلى الإيمان؛ لأنه الأصل، وثنَّى بالإسلام؛ لأنه يظهر مصداق الدعوى، وثلَّث بالإحسان؛ لأنه متعلق بهما، وفي رواية عُمَارة بن القعقاع بدأ بالإسلام، لأنه بالأمر الظاهر، وثنَّى بالإيمان؛ لأنه بالأمر الباطن. ورجح هذا الطيبي لما فيه من الترقي. ولا شك أن القصة واحدة، اختلف الرواة في تأديتها، وليس في السياق ترتيب، ويدل عليه رواية مطر الوراق فإنه بدأ بالإسلام، وثنَّى بالإحسان، وثلَّث بالإيمان، فالحق أن الواقع أمرٌ واحد، والتقديم والتأخير وقع من الرواة، والله أعلم. قوله: (قَالَ: الإيمان، أن تؤمن [٩٦ / أ] بالله) إلى آخره. دل الجواب عَلى أنه علم أنه سأله عن متعلقاته لا عن معنى لفظه، وإلا لكان الجواب: "الإيمان: التصديق"، وَقَالَ الطيبي: هذا يوهم التكرار وليس كذلك، فإن قوله: "أن تؤمن بالله" مضمن معنى: أن تعترف به، ولهذا عَدَّاه بالباء؛ أي أن تصدَّق معترفًا بكذا. قُلْت: والتصديق أيضًا يُعدَّى بالباء، فلا يحتاج إلَى دعوى التضمين. وَقَالَ الكرماني: ليس هو تعريفًا للشيء بنفسه، بل المراد من المحدود: الإيمان الشرعي، ومن الحد: الإيمان اللغوي. قُلْت: والَّذِي يظهر أنه إنما أعاد لفظ الإيمان للاعتناء بشأنه تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالَى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] في جواب: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس: ٧٨].

стр. 371

قوله: (وملائكته) والإيمان بالملائكة: هو التصديق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله عباد مكرمون، وقَدَّم الملائكة عَلى الكتب والرسل نظرًا للترتيب الواقع، لأنه أرسل الملَك بالكتاب إلى الرسول، وليس فيه متمسك لمن فضل الملك عَلى الرسول. قوله: (وكتبه) هذه عند الأصيلي هنا، واتفق الرواة عَلى ذكرها في التفسير، والإيمان بكتب الله: التصديق بأنها كلام الله، وأن ما تضمنه حق. قوله: (وبلقائه) كذا وقعت هنا بين الكتب والرسل، وكذا لمسلم من الطريقين (١)، ولَم تقع في بقية الروايات، وقد قيل: إنها مكررة؛ لأنها داخلة في الإيمان بالبعث، والحق أنها غير مكررة، فقيل: المراد بالبعث: القيام من القبور، والمراد باللقاء: ما بعد ذَلكَ، وقيل: اللقاء يحصل بالانتقال من دار الدُّنْيَا، والبعث بعد ذلكَ، ويدل عَلى هذا رواية مطر الوراق، فإن فيها: "وبالموت وبالبعث بعد الموت"، وكذا في حديثي أنس وابن عباس. وقيل: المراد باللقاء: رؤية الله، ذكره الخطابي. وتعقبه النووي بأن أحدًا لَم يقطع لنفسه برؤية الله؛ لأنها مُختصة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يدري بِم يُختم له، فكيف يكون ذَلِكَ من شروط الإيمان؟ ! وأجيب: بأن المراد [٩٦ / ب] الإيمان بأن ذلكَ حق في نفس الأمر، وهذا من الأدلة القوية لأهل السنة في إثبات رؤية الله في الآخرة إذ جُعلت من قواعد الإيمان. قوله: (ورسله) وللأصيلي: "وبرسله"، ووقع في حديث أنس وابن عباس: "والملائكة والكتاب والنبيين". وكل من السياقين في القرآن في البقرة، والتعبير بالنبيين يشمل الرسل من غير عكس. والإيمان بالرسل: التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله، ودل الإجمالُ في الملائكة والكتب والرسل عَلى الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم من غير تفصيل، إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به عَلى التعْيين.

стр. 372

قوله: (وتؤمن بالبعث) زاد في التفسير: "الآخر"، ولمسلم في حديث عمر: "واليوم الآخر"، فأما البعث الآخر فقيل: ذَكَر الآخر تأكيدًا، كقولهم: أمس الذاهب، وقيل: لأن البعث وقع مرتين. الأولَى: الإخراج من العدم إلى الوجود، أو من بطون الأمهات بعد النطفة والعلقة إلَى الحياة الدُّنْيَا. والثانية: البعث من بطون القبور إلَى مَحل الاستقرار، وأما اليوم الآخر فقيل له ذَلكَ؛ لأنه آخر أيام الدُّنْيَا، أو آخر الأزمنة المحدودة. والمراد بالإيمان به: التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية سليمان التيمي وفِي حديث ابن عباس أيضًا. * فائدة: زاد الإسماعيلي في (مستخرجه) هنا: "وتؤمن بالقدر"، وفِي رواية أبي فروة أيضًا، وكذا لمسلم من رواية عُمَارة بن القعقاع، وأكده بقوله: "كله"، وفِي رواية كَهْمَس، وسليمان التيمي: "وتؤمن بالقدر خيره وشره". وكذا في حديث ابن عباس، وهو في رواية عطاء، عن ابن عمر بزيادة: "وحلوه ومره من الله". وكأن الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن" عند ذكر البعث الإشارة إلَى أنه نوع آخر مما يؤمن بذلك (١)؛ لأن البعث سيوجد بَعْدُ، وما ذكر قبله موجود الآن، أو للتنويه بذكره لكثرة من كَانَ يُنكره من الكفار، ولهذا كثر تكراره في القرآن، وهكذا الحكمة في إعادة لفظ: "وتؤمن" عند ذكر القدر، كأنها إشارة إلَى ما يقع فيه من [٩٧/ أ] الاختلاف، فحصل الاهتمام بشأنه بإعادة: "يؤمن"، ثم قرره بالإبدال بقوله: "خيره وشره، وحلوه ومره"، ثم زاد تأكيدًا بقوله في الرواية الأخيرة: "من الله".

стр. 373

والقدر: مصدر، تقول: قَدَرتُ الشيء بتخفيف الدال وفتحها أقْدِره بالكسر والفتح قَدَرًا وَقَدْرًا: إذا أحطتُ بمقداره، والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، وكل مُحدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته. هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية، وعليه كَانَ السلف من الصحابة وخيار التابعين إلَى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة، وقد روى مُسْلِم (١) القصة في ذَلِكَ من طريق كَهْمَس، عن ابن بُرَيْدة، عن يَحْيَى بن يَعْمر قَالَ: "كَانَ أول من قَالَ في القدر بالبصرة مَعْبَد الجُهَني، قَالَ: فانطلقتُ أنا وحُميد الحِمْيَري"، فذكر اجتماعهما بعبد الله بن عمر، وأنه سأله عن ذلكَ، فأخبره بأنه بَرِيءٌ ممن يقول ذلكَ، وأن الله لا يقبل مِمن لَم يؤمن بالقدر عملًا. وقد حكى المصنفون في المقالات عن طوائف من القدرية إنكار كون البارئ عالِمًا بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها، قَالَ القرطبي وغيره: قد انقرض هذا المذهب ولا نعرفُ أحدًا يُنسب إليه من المتأخرين، قَالَ: والقدرية اليوم مطبقون عَلى [أن] (٢) الله عالِمٌ بأفعال العباد قبل وقوعها، وإنما خالفوا السلف في زعمهم بأن أفعال العباد مقدورة لَهم، وواقعة منهم عَلى جهة الاستقلال، وهو مع كونه مذهبًا باطلًا أخف من المذهب الأول. وأما المتأخرون منهم فأنكروا تعلق الإرادة بأفعال العباد فرارًا من تعلق القديم بالمحدث، وهم مَخصومون بما قَالَ الشافعي: إن سلَّم القدري العلم خُصِم، يعني: يقال له: أيجوز أن يقع في الوجود خلاف ما تضمنه العلم؟ فإن منع وافق قول أهل السنة، وإن أجاز لزمه نسبة الجهل، تعالَى الله عن ذَلِكَ.

стр. 374

* تنبيه: ظاهر السياق يقتضي أن الإيمان لا يُطلق عَلى من صدَّق بجميع ما ذكر، وقد اكتفى الفقهاء بإطلاق الإيمان عَلى من آمن بالله ورسوله، ولا اختلاف؛ لأن الإيمان برسول الله المراد به: الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه، فيدخل جميع ما ذكر تحت ذَلِكَ، والله أعلم. قوله: (أن تعبد الله) [٩٧ / ب]. قَالَ النووي: يحتمل أن يكون المراد بالعبادة: معرفة الله، فيكون عطف الصلاة وغيرها [عليها] (١) لإدخالها في الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بالعبادة: الطاعة مطلقًا فيدخل فيه جَميع الوظائف، فعلى هذا يكون عطف الصلاة وغيرها من عطف الخاص عَلى العام. قُلْت: أما الاحتمال الأول فبعيد؛ لأن المعرفة من متعلقات الإيمان، وأما الإسلام فهو أعمال قولية وبدنية، وقد عبر في حديث عمر هنا بقوله: "أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله"، فدل عَلى أن المراد بالعبادة في حديث الباب: النطق بالشهادتين، وبهذا تبين دفع الاحتمال الثاني، ولما عبر الراوي بالعبادة احتاج أن يوضحها بقوله: "ولا تشرك به شيئًا"، ولم يحتج إليها في رواية عمر لاستلزامها ذَلِكَ. فإن قيل: السؤال عام لأنه سأل عن ماهية الإسلام، والجواب خاص لقوله: "أن تعبد" أو "تشهد"، وكذا قَالَ في الإيمان: "أن تؤمن"، وفِي الإحسان: "أن تعبد". والجواب: أن ذَلِكَ لنكتة الفرق بين المصدر وبين أن والفعل؛ لأن "أن تفعل" تدل عَلى الاستقبال، والمصدر لا يدل عَلى زمان، عَلى أن بعض الرواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عُثْمَان بن غِيَاث قَالَ: "شهادة أن لا إله إلا الله"، وكذا في حديث أنس، وليس المراد بمخاطبته بالإفراد اختصاصه بذلك، بل المراد: تعليم السامعين الحكم في حقهم وحق من أشبههم من المكلفين، وقد تبين ذَلِكَ بقوله في آخره: "يعلِّم الناس دينهم".

стр. 375

فإن قيل: لِمَ لَم يذكر الحج؟ أجابَ بعضهم: باحتمال أنه لَم يكن فُرِضَ، وهو مردود بما رَوَاهُ ابن مَنْدَه في "كتاب الإيمان" بإسناده الَّذِي عَلى شرط مُسْلِم من طريق سليمان التيمي في حديث عمر أوله: "أن رجلًا في آخر عُمُر النبي ﷺ جاء إلَى رسول الله ﷺ . . . . ." فذكر الحديث بطوله (١)، فكأنه إنما جاء بعد إنجاز (٢) جَميع الأحكام، لتقرير أمور الدين الَّتِي بَلَّغها متفرقة في مجلس واحد لتضبط. ويستنبط منه جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل ليعلمه السامع. وأمَّا الحج فقد ذكر، لكن بعض الرواة إما ذهل عنه وإما نسيه، والدليل عَلى ذَلِكَ [٩٨ / أ] اختلافهم في ذكر بعض الأعمال دون بعض، ففي رواية كَهْمَس: "وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا"، وكذا في حديث أنس. وفي رواية عطاء الخراساني لَم يذكر الصوم، وفي حديث أبي عامر ذكر الصلاة والزكاة حسب، ولَم يذكر في حديث ابن عباس مزيدًا عَلى الشهادتين، وذكر سليمان التيمي في روايته الجميع وزاد بعد قوله: "وتحج وتعتمر وتغتسل من الجنابة وتتمم الوضوء"، وَقَالَ مطر الوراق في روايته: "وتُقيم الصلاة وتؤتي الزكاة قَالَ: فذكر عُرى الإسلام"، فتبين ما قلناه أن بعض الرواة ضبط ما لَم يضبطه غيره. قوله: (وتقيم الصلاة) زاد مُسْلِم "المكتوبة" أي: المفروضة، وإنما عبر بالمكتوبة للتفنن في العبارة، فإنه عبر في الزكاة بالمفروضة، ولاتباع قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ [النساء: ١٠٣]. قوله: (وتصوم رمضان) استدل به عَلى قول رمضان من غير إضافة شهر إليه، وستأتي المسألة في كتاب الصيام إن شاء الله تعالَى.

стр. 376

قوله: (الإحسان) هو مصدر، تقول: أَحْسَنَ إحسانًا، ويتعدى بنفسه وبغيره، تقول: أحسنتُ كذا: إذا أتقنته، وأحسنتُ إلَى فلان: إذا أوصلت إليه النفع، والأول هو المراد، لأن المقصود إتقان العبادة، وقد يُلحظ الثاني بأن المخلص مثلًا يحسن لإخلاصه إلَى نفسه، وإحسان العبادة: الإخلاص فيها، والخشوع، وفراغ البال حال التلبس بها، ومراقبة المعبود، وأشار في الجواب إلَى حالتين: أرفعهما: أن يغلب عليه مشاهدة الحق بقلبه حَتى كأنه يراها بعينه وهو قوله: (كأنك تراه) أي: وهو يراك. والثانية: أن يستحضر أن الحق مطلع عليه، يرى كل ما يعمل وهو قوله: (فإنه يراك). وهاتان الحالتان تثمرهما معرفة الله وخشيته، وقد عبر في رواية عُمَارة بن القعقاع بقوله: "أن تخشى الله كأنك تراه". قالَ النووي: معناه أنك إنما تراعي الآداب المذكورة إذا كنت تراه ويراك، لكونه يراك لا لكونه تراه، فهو دائمًا يراك، فأحسن عبادته وإن لَم تره، فتقدير الحديث: فإن لَم [تكن] (١) تراه فاستمر عَلى إحسان العبادة فإنه يراك. * تنبيه: دل سياق الحديث عَلى أن رؤية الله في [٩٨ / ب] الدُّنْيَا بالأبصار غير واقعة، وأما النبي ﷺ فذاك لدليل آخر، وقد صرح مُسْلِم في روايته من حديث أبي أمامة بقوله ﷺ : "واعلموا أنكم لن تروا ربكم حَتَّى تَموتوا" (٢).

стр. 377

وأقدم بعض غلاة الصوفية عَلى تأويل الحديث بغير علم، فقال: فيه إشارة إلَى مقام المحو والفناء، وتقديره: فإن لَم تكن، أي: فإن لَم تَصِرْ شيئًا، وفنيت عن نفسك حَتى كأنك ليس بموجود، فإنك حينئذ تراه. وغفل قائل هذا -للجهل بالعربية- عن أنه لو كَانَ المراد ما زعم لكان قوله: "تراه" مَحذوف الألف؛ لأنه يصير مَجزومًا؛ لكونه عَلى زعمه جواب الشرط، ولَم يرد في شيء من طرق هذا الحديث بحذف الألف، ومن ادعى أن إثباتها في الفعل المجزوم عَلى خلاف القياس فلا يصار إليه؛ إذ لا ضرورة هُنَا، وأيضًا فلو كَانَ ما ادعاه صحيحًا لكان قوله: "فإنه يراك" ضائعًا؛ لأنه لا ارتباط له بما قبله. ومما يفسد تأويله رواية كَهْمَس، فإن لفظها: "فإنك إن لا تراه فإنه يراك"، وكذلك في رواية سليمان التيمي، فسلط النفي عَلى الرؤية لا عَلى الكون الَّذِي حَمَل عَلى ارتكاب التأويل المذكور، وفِي رواية [أبي] (١) فَرْوَة: "فإن لَم تره فإنه يراك"، ونَحوه في حديث أنس، وابن عباس، وكل هذا يبطل التأويل المتقدم، والله أعلم. * فائدة: زاد مُسْلِم في رواية عُمَارة بن القعقاع قول السائل: "صدقت" عقب كل جواب من الأجوبة الثلاثة، وزاد أبو فَرْوَة في روايته: "فلما سمعنا قول الرجل: صدقت؛ أنكرناه"، وفي رواية كَهْمَس: "فعجبنا له يسأله ويصدقه"، وفِي رواية مطر: انظروا إليه كيف يسأله، وانظروا إليه كيف يصدقه"، وفِي حديث أنس: "انظروا هو يسأله وهو يصدقه كأنه أعلم منه"، وفِي رواية سليمان بن بُرَيْدة: "قَالَ القوم: ما رأينا رجلًا مثل هذا كأنه يُعلِّم رسول الله ﷺ يقول له: صدقت صدقت". قَالَ القرطبي: إنما عجبوا من ذَلِكَ؛ لأن ما جاء به النبي ﷺ لا يُعرف إلا من جهته، وليس هذا السائل ممن عُرف بلقاء النبي ﷺ ولا بالسماع منه، ثم هو يسأل سؤال عارف بما يسأل عنه؛ لأنه يخبره بأنه صادق فيه، فتعجبوا [٩٩ / أ] من ذَلِكَ تعجب المستبعد لذلك.

стр. 378

قوله: (متى الساعة) أي: متى تقوم الساعة، وصرح به في رواية عُمَارة بن القعقاع، واللام للعهد، والمراد: يوم القيامة. قوده: (بأعلم) الباء زائدة لتأكيد النفي، وهذا وإن كانَ مشعرًا بالتساوي في العلم لكن المراد بالتساوي في العلم بأن الله استأثر بعلمها؛ لقوله بَعْدُ: "خمس لا يعلمها إلا الله"، وسيأتي نظير هذا التركيب في أواخر الكلام عَلى هذا الحديث في قوله: "ما كنت بأعلم به من رجل منكم"، فإن المراد أيضًا: التساوي في عدم العلم به، وفِي حديث ابن عباس هنا فقال: "سبحان الله خَمس من الغيب لا يعلمهن إلا الله"، ثم تلا الآية. قَالَ النووي: يستنبط منه: أن العالم إذا سئل عمَّا لا يعلم يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلِكَ نقص من مرتبته، بل يكون دليلًا عَلى مزيد ورعه. وَقَالَ القرطبي: مقصود هذا السؤال: كف السامعين عن السؤال عن وقت الساعة؛ لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذكر هنا حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها: استخراج الأجوبة ليتعلمها السامعون ويعملوا بِها، ونبه بهذه الأسئلة عن تفصيل ما تمكن معرفته مما لا تمكن. قوله: (من السائل) عدل عن قوله: "لست بأعلم بها منك" إلَى لفظ يشعر بالتعميم؛ تعريضًا للسامعين، أي: أن كل مسئول وكل سائل فهو كذلك. قوله: (وسأخبرك) وفِي التفسير: "ولكن سأحدثك عن أشراطها، وفِي رواية أبي فروة: "ولكن لَها علامات تُعرف بِها"، وفِي رواية كَهْمَس قَالَ: "فأخبرني عن أماراتها"، فترددنا هل ابتدأه بذكر الأمارات؟ أو السائل سأل عن الأمارات؟ ويجمع بينهما بأنه ابتدأ بقوله: "وسأخبرك فقال له السائل: "فأخبرني"، ويدل عَلى ذَلِكَ رواية سليمان التيمي؛ فلفظها: "ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها. قَالَ: أجل". ونحوه في حديث ابن عباس وزاد: "فحدثني". وقد حصل تفسير الأشراط من الرواية الأخرى، وأنها العلامات: وهي بفتح

стр. 379

الهمزة جمع شَرَط بفتحتين كقلم وأقلام، ويستفاد من اختلاف الروايات [٩٩ / ب] أن التحديث والإخبار والإنباء بِمعنى واحد، وإنما غاير بينها أهل الحديث اصطلاحًا. قَالَ القرطبي: علامات الساعة عَلى قسمين ما يكون من نوع المعتاد أو غيره، والمذكور هنا الأول، وأما الغير مثل طلوع الشمس من مغربها، فتلك مقارنة لها أو مطابقة، والمراد هنا: العلامات السابقة عَلى ذَلِكَ. قوله: (إذا ولدت) التعبير "إذا" للإشعار بتحقق الوقوع. فإن قيل: الأشراط جمع وأقله ثلاث والمذكور هنا اثنان. أجاب الكرماني: بأنه قد تستقرض القلة للكثرة وبالعكس، أو لأن الفرق بالقلة والكثرة إنما هو في النكرات لا في المعارف، أو لفظ جمع الكثرة للفظ الشرط. وفِي هذه الأجوبة نظر، والجواب المرضي: أن المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنما بعض الرواة اقتصر عَلى اثنين منها؛ لأنه هنا ذكر الولادة والتطاول، وفِي التفسير ذكر الولادة وترؤس الحفاة، وفِي رواية ابن بشر الَّتِي أخرج مُسْلِم إسنادها وساق ابن خُزيْمة لفظها عن أبي حَيَّان ذكر الثلاثة (١)، وكذا في مستخرج الإسماعيلي من طريق ابن عُلية، وكذا ذكرها عُمَارة بن القعقاع، ووقع مثل ذَلِكَ في حديث عمر، ففي رواية كَهْمَس ذكر الولادة والتطاول فقط، ووافقه عُثْمَان بن غِياث، وفِي رواية سليمان التيمي ذكر الثلاثة ووافقه عطاء الخراساني. قوله: (إذا ولدت الأمة ربها). وفي التفسير: "ربتها" بتاء التأنيث، وكذا في حديث عمر، ولمحمد بن بشر مثله، وزاد: "يعني: السَّرَارِي" وفِي رواية عُمَارة بن القعقاع: "إذا رأيت الأمة تلد ربها"، ونَحوه لأبي فروة، وفِي رواية عُثْمَان بن غِيَاث: "الإماء أَربابهن" بلفظ الجمع.

стр. 380

وقد اختلف العلماء في معنى ذَلِكَ، قَالَ ابن التين: اخْتُلف فيه عَلى سبعة أوجه، فذكرها لكنها متداخلة، وقد لخصتها بلا تداخل، فإذا هِيَ أربعة: الأول: قَالَ الخطابي: معناه اتساع الإسلام واستيلاء أهله عَلى بلاد الشرك وسبي ذراريهم، فإذا ملك الرجل الجارية واستولدها كَانَ الولد منها بمنزلة ربها؛ لأنه ولدُ سيدها. قَالَ النووي وغيره: إنه قول الأكثرين. قُلْت: لكن في كونه المراد نظر، وسبي [١٠٠ / أ] ذراريهم واتخاذهم سراري كانَ الكثرة في صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضي الإشارة إلى وقوع ما لَم يقع قرب قيام الساعة. وقد فسره وكيع في رواية ابن ماجه (١) بأحصر (٢) من الأول: أن تلد العجم العرب. ووجهه بعضهم: بأن الإماء يلدن الملوك فتصير الأم من جهة الرعية والملك سيد رعيته وهذا لإبراهيم الحربي، وقربه بأن الرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبا عن وطء الإماء، ويتنافسون في الحرائر، ثم انعكس الأمر، ولاسيما في أثناء دولة بني العباس، ولكن رواية "ربتها" بتاء التأنيث قد لا تساعد عَلى ذَلِكَ. ووجهه بعضهم: بأن إطلاق ربتها عَلى ولدها مَجاز؛ لأنه لما كَانَ سببًا في عتقها بموت أبيه أطلق عليه ذَلِكَ، وخصه بعضهم بأن السبي إذا كثر فقد يُسبى الولد أولًا وهو صغير، ثم يعتق ويكبر ويصير رئيسًا بل ملكًا، ثم تسبى أمه فيما بعد فيشتريها عارفًا بِها، أو وهُوَ لا يشعر أنها أمه، فيستخدمها أو يتخذها موطوءة، أو يعتقها ويتزوجها، وقد جاء في بعض الروايات: "أن تلد الأمة بَعْلها"، فحمل عَلى هذه الصورة، وقيل: المراد بالبعل: المالك، وهو أولى لتتفق الروايات. الثاني: أن تبيع السادة أمهات أولادهم ويكثر ذَلِكَ، فيتداول الملاك المستولدة حَتى يشتريها ولدها، وَعَلى هذا فالذي يكون من الأشراط غلبة الجهل بتحريم بيع أمهات الأولاد والاستهانة بالأحكام الشرعية.

стр. 381

فإن قيل: هذه مسألة مُختلف فيها فلا يصلح الحمل عليها؛ لأنه لا جهل ولا استهانة عند القائل بالجواز. قلنا: يصح أن يحمل عَلى صورة اتفاقية كبيعها في حال حملها فإنه حرام بالإجماع. الثالث: وهو من نمط الَّذِي قبله، قَالَ النووي: لا يختص شراء الولد أمه بأمهات الأولاد، بل يتصور في غيرهن: بأن تلد الأمة حرًّا من غير سيدها بوطء شبهة، أو رقيقًا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعًا صحيحًا، وتدور في الأيدي حَتى يشتريها ابنها أو ابنتها. ولا يعكر عَلى هذا تفسير مُحَمَّد بن بشر بأن المراد السَّراري؛ لأنه [١٠٠ / ب] تخصيص بغير دليل. الرابع: أن يكثر العقوق في الأولاد، فيعامل الولد أمه معاملة السيد أمته من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مَجازًا لذلك، أو المراد بالرب: المربي، فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ومحصله الإشارة إلَى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير الْمُرَبي مُرَبيًّا والسافل عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: "أن تصير الحُفَاة العُرَاة ملوك الأرض". * تنبيهان: أحدهما: قَالَ النووي: ليس فيه دليل عَلى تَحريم بيع أمهات الأولاد ولا عَلى جوازه، وقد غلط من استدل به لكل من الأمرين؛ لأن الشيء إذا جُعِل علامة عَلى شيء آخر لا يدل عَلى حظر ولا إباحة. الثاني: يجمع بين ما في هذا الحديث من إطلاق الرب عَلى السيد المالك في قوله: "ربها"، وبين ما في الحديث الآخر وهو في الصحيح: "لا يقل أحدكم: أَطْعِم رَبَّكَ، ولا يقل أحدكم: ربي، ولكن ليقل: سيدي ومولاي" (١)، بأن اللفظ هنا خرج عَلى

стр. 382

سبيل المبالغة، أو المراد بالرب هنا: المربي، وفِي المنهي عنه السيد، أو أن النهي متأخر، أو مُختص بغير الرسول ﷺ . قوله: (تطاول) أي: تفاخروا في تطويل البنيان وتكاثروا به. قوله: (رُعَاة الإبل) هو بضم الراء: جمع راعٍ، كقضاة وقاضٍ. و(البُهْم) بضم الموحدة، ووقع في رواية الأصيلي بفتحها، ولا يتجه مع ذكر الإبل، وإنما يتجه مع ذكر الشياه، أو مع عدم الإضافة كما في رواية مُسْلِم. وميم "البُهْم" في رواية البُخَاريّ يَجوز ضمها عَلى أنها صفة الرعاة، ويجوز الكسر عَلى أنها صفة الإبل، يعني: الإبل السود، وقيل: إنها شر الألوان عندهم، وخيرها الحمر التِي ضُرب بها المثل، فقيل: خير من حُمْر النَّعَم، ووصف الرعاة بالبُهْم إما لأنهم مجهولو الأنساب، ومنه أُبْهم الأمر فهو مُبْهم: إذا لَم تعرف حقيقته. وَقَالَ القرطبي: الأولَى أن يحمل عَلى أنهم سود الألوان؛ لأن الأدمة غالب ألوانهم. وقيل: معناه أنهم لا شيء لَهم، كقوله ﷺ : "يحشر الناس حفاة عراة [١٠١ / أ] بُهْمًا" (١). وَقَالَ: وفيه نظر؛ لأنه قد نسب لهم الإبل فكيف يقال: لا شيء لَهم؟ قلت: يحمل عَلى أنها إضافة اختصاص لا ملك، وهذا هو الغالب أن الراعي يرعى لغيره وبأجرة، وأما المالك فَقَلَّ أن يباشر بنفسه. قوله في التفسير: (وإذا كَانَ الحفاة العراة) (٢). زاد الإسماعيلي في روايته: "الصم البكم"، وقيل لهم ذَلكَ مبالغة في وصفهم بالجهل، أي: لَم يستعملوا أسماعهم ولا أبصارهم في شيء من أمر دينهم وإن كانت حواسهم سليمة.

стр. 383

قوله: (رءوس الناس) أي: ملوك الأرض، وصرح به الإسماعيلي، وفِي رواية [أبي] (١) فروة مثله، والمراد بهم: أهل البادية، كما صرح به في رواية سليمان التيمي وغيره، وَقَالَ: ما الحفاة العُرَاة؟ قَالَ: "العُرَيْب" -وهو بالعين المهملة عَلى التصغير. قَالَ القرطبي: المقصود الإخبار عن تبدل الحال بأن يستولي أهل البادية عَلى الأمر، يتملكوا البلاد بالقهر فتكثر أموالهم وينصرف همهم إلَى تشييد البنيان والتفاخر وبه، وقد شاهدنا ذَلِكَ في هذه الأزمان ومنه [الحديث الآخر: "لا تقوم الساعة حَتَّى يكون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع" (٢)، ومنه: "إذا وُسِّد الأمرُ" أي: أسند] (٣) إلَى غير أهله، فانتظروا الساعة" (٤)، وكلاهما في الصحيح. قوله: (في خَمس) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وحَذْف متعلق الجار سائغ، كما في قوله تعالَى: ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ [النمل: ١٢]، أي: اذهب إلَى فرعون بهذه الآية في جملة تسع آيات، وفِي رواية عطاء الخراساني قَالَ: "فمتى الساعة؟ قَالَ: هِيَ في خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله". قَالَ القرطبي: لا مطمع لأحد في علم شيء من هذه الأمور الخمس لهذا الحديث، وقد فسر النبي ﷺ قول الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، بهذه الخمس، وهو في الصحيح. قالَ: فمن ادعى علم شيء منها غير مسندة إلَى رسول الله ﷺ كَانَ كاذبًا في دعواه. قَالَ: وأما ظن الغيب فقد يجوز من المُنَجم وغيره إذا كَانَ عن أمر عادي، وليس ذلك بعلم، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع عَلى تَحريم أخذ الأجرة والجُعْل وإعطائها في ذَلِكَ.

стр. 384

* تنبيه: تضمن الجواب زيادة عَلى السؤال للاهتمام بذلك إرشادًا للأمة لما يترتب عَلى معرفة ذَلكَ من المصلحة. فإن قيل: ليس في الآية أداة حصر كما في الحديث. أجاب الطيبي: بأن الفعل إذا كَانَ عظيم الخطر، وما ينبني عليه الفعل رفيع الشأن، فُهِم منه الحصر عَلى [١٠١ / ب] سبيل الكتابة، ولاسيما إذا لوحظ ما ذكر في أسباب النزول من أن العرب كانوا يدَّعون علم نزول الغيث، ويشعر بأن المراد من الآية نفي علمهم بذلك، واختصاصه بالله . * فائدة: النكتة في العدول عن الإثبات إلَى النفي في قوله: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. وكذا التعبير بالدراية دون العلم؛ للمبالغة والتعميم؛ إذ الدراية اكتساب علم الشيء بحيلة، فإذا انتفى ذَلكَ عن كل نفس مع كونه من مختصاتها، ولم يقع منه عَلى علم؛ كَانَ علم اطلاعها عَلى علم غير ذَلكَ من باب أولَى. انتهى ملخصًا من كلام الطيبي. قوله: (الآية) أيَ: تلا الآية إلَى آخر السورة، وصرح بذلك الإسماعيلي، وكذا في رواية عُمَارة ولمسلم: "إلى قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾، وكذا في رواية أبي فروة، وأما ما وقع عند المؤلف في التفسير من قوله: "إلَى ﴿الأَرْحَامِ﴾ فهو تقصير من بعض الرواة، والسياق يرشد إلَى أنه تلا الآية كلها. قوله: (ثم أدبر فقال: ردوه) زاد في التفسير: "فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئًا". قوله: (جاء يعلم) في التفسير: "ليعلم"، وللإسماعيلي: "أراد أن تعلموا إذ لَم تسألوا"، ومثله لعُمارة، وفِي رواية أبي فَرْوة: "والَّذِي بعث مُحَمَدًا بالحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم وإنه لجبريل، وفي حديث أبي عامر: "ثم ولى، فلما لَم ير طريقه قالَ النبي ﷺ : سبحان الله! هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم، والَّذِي نفس مُحَمَّد بيده ما جاء قط إلا وأنا أعرفه إلا أن يكون هذه المرة".

стр. 385

وفِي رواية سليمان التيمي: "ثم نهض فولى، فقال رسول الله ﷺ : عليَّ بالرجل، فطلبناه كل مطلب فلم نقدر عليه، فقال: هل تدرون من هذا؟ هذا جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم، خذوا عنه، فوالذي نفسي بيده ما شُبِّه علي منذ أتاني قبل مرَّتِي هذه، وما عرفته حَتَّى ولى". قَالَ ابن حبان: تفرد سليمان التيمي بقوله: "خذوا عنه". قُلْت: وهو من الثقات الأثبات، وفِي قوله: "جاء ليعلم الناس" الإشارة إلَى هذه الزيادة، فما تفرد إلا بالتصريح، وإسناد التعليم إلَى جبريل مجازي؛ لأنه كَانَ السبب [١٠٢/ أ] في الجواب، فكذلك الأمر بالأخذ عنه (١). واتفقت هذه الروايات عَلى أن النبي ﷺ أخبر الصحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يَجدوه، وأما ما وقع عند مُسْلِم وغيره من حديث عُمر في رواية كَهْمَس: "ثم انطلق، قَالَ عمر: فلبثت مَلِيًّا، ثم قَالَ: يا عمر، أتدري من السائل؟ قُلْتُ: الله ورسوله أعلم، قَالَ: فإنه جبريل". وقد جمع بين الروايتين بعض الشراح بأن قوله: "فلبثت مليًّا"، أي: زمانًا بعد انصرافه. فكأن النبي ﷺ أعلمهم بدلك بعد مُضي وقت لكنه في ذَلِكَ المجلس. لكن يعكر عَلى هذا الجمع قوله في رواية النّسَائي والترمذي: "فلبثت ثلاثًا" (٢)، لكن ادعى بعضهم فيها التصحيف، وأن مليًّا صَغُرَت ميمها فأشبهت ثلاثًا؛ لأن ثلاثًا تُكْتَب بلا ألف، وهذه الدعوى مردودة، فإن في رواية أبي عوانة: "فلبثنا لياليَ، فلقيني رسول الله ﷺ بعد ثلاث"، ولابن حبان: "بعد ثالثة"، ولابن منده: "بعد ثلاثة أيام".

стр. 386

وجمع النووي بين الحديثين: بأن عُمَر لَم يحضر قول النبي ﷺ في المجلس، بل كَانَ ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، ولَم يتفق الإخبار لعُمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخبار الأول، وهو جمع حسن. * تنبيهات: الأول: دلت الروايات الَّتِي ذكرناها عَلى أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النّسَائي من طريق أبي فَرْوة في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دِحْيَة الكَلْبِي"، فإن قوله: "نزل في صورة دِحْيَة الكلبي" وَهْمٌ؛ لأن دِحْيَة معروف عندهم، وقد قَالَ عمر: "ما يعرفه منا أحد"، وقد أخرج مُحَمَّد بن نصر المَرْوَزي في كتاب "الإيمان" له من الوجه الَّذِي أخرجه منه النسَائي فقال في آخره: "فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم" حسب، وهذه الرواية هِيَ المحفوظة لموافقتها باقي الروايات. الثاني: قَالَ ابن المنذر في قوله: "يعلمكم دينكم": دلالة عَلى أن السؤال [١٠٢/ ب] الحسن يسمى عِلْمًا وتَعْلِيمًا؛ لأن جبريل لَم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذَلكَ فقد سماه مُعَلِّمًا، وقد اشتهر قولهم: حُسْن السؤال نصف العلم، ويُمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انْبَنَت عَلى السؤال والجواب معًا. الثالث: قَالَ القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمنه من حَمل علم السنة، وَقَالَ الطِّيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه: "المصابيح" و"شرح السنة" اقتداء بالقرآن بافتتاحه بالفاتِحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا. وَقَالَ القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث عَلى جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان ابتداء وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حَتَّى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.

стр. 387

قُلْت: ولهذا أشبعت في القول الكلام عليه، مع أن الَّذِي ذكرته وإن كَانَ كثيرًا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل، فلم أخالف طريقة الاختصار، والله الموفق. قوله: (قَالَ أبو عبد الله) يعنِي: المؤلف. (جعل ذَلِكَ كله من الإيمان) أي: الإيمان الكامل المشتمل عَلى هذه الأمور كلها.

стр. 388

٣٨ - بَابٌ ٥١ - حَدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزِةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، أَنّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تخالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ. قوله: (باب) كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوَقْت، وسقط من رواية أبي ذَرٍّ والأصيلي وغيرهما، ورجح النووي: الأول، قَالَ: لأن الترجمة -يعني: سؤال جبريل عن الإيمان- لا يتعلق بِها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه. قُلْت: نفي التعليق لا يتم هنا عَلى الحالين؛ لأنه إن ثبت لفظ: "باب" بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الَّذِي قبله، فلابد له من تعلق به، وإن لَم يثبت فتعلقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة: "جَعَل ذَلِكَ كله دينًا"، ووجه التعلق: أنه سمى الدين إيمانًا في حديث هرقل، فيتم مراد المؤلف بكون الدين هو الإيمان. فإن قيل: لا حجة له فيه لأنه منقول عن هرقل. فالجواب: أنه ما قاله من قِبَل اجتهاده، وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء، كما قررناه فيما مضى، وأيضًا فهرقل قاله بلسانه الرومي، وأبو سُفْيَان عَبَّر عنه بلسانه العربي، وألقاه إلَى ابن عباس، وهو من علماء اللسان، فرواه عنه ولَم ينكره [١٠٣/ أ]، فدل عَلى أنه صحيح لفظًا ومعنى. وقد اقتصر المؤلف من حديث أبي سُفْيَان الطويل الَّذِي تكلمنا عليه في بدء الوحي عَلى هذه القطعة لتعلقها بغرضه هنا، وساقه في كتاب الجهاد (١) تامًّا بهذا الإسناد الَّذِي أورده هنا، والله أعلم.

стр. 389

٣٩ - بَابُ: فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ ٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنّ حِمَى الله في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ. أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ". قوله: (باب فضل من استبرأ لدينه) كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان، فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان. قوله: (حَدَّثَنَا زكرياء) هو ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: خالد بن مَيْمُون الوَادِعي. قوله: (عن عامر) هو الشعبي الفقيه المشهور، ورجال الإسناد كوفيون، وقد دخل النُّعْمَان الكوفة، وولي إمرتها، ولأبي عَوانة في "صحيحه" من طريق أبي حَرِيز -وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي- عن الشّعبي: أن النُّعْمَان بن بَشِير خطب به بالكوفة. وفِي رواية لمسلم: أنه خطب به بحمص (١)، ويجمع بينهما: بأنه سمعه منه مرتين، فإنه ولي إمرة البلدين واحدة بعد أخرى، وزاد مُسْلِم، والإسماعيلي من طريق زكرياء فيه: "وأهْوى النعمان بأصبعيه إلَى أذنيه، يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول"، وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن النُّعمان لا يصح سماعه من رسول الله ﷺ . وفيه دليل عَلى صحة تحمل الصبي المميز؛ لأن النبي ﷺ مات وللنعمان ثمان سنين.

стр. 390

وزكرياء موصوف بالتدليس، ولَم أره في الصحيحين وغيرهما من روايته عن الشّعبي إلا معنعنًا، ثم وجدته في فوائد ابن أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون، عن زكرياء قَالَ: "حَدَّثنَا الشّعبي"، فحصل الأمن من تدليسه. * فائدة: ادعى أبو عمرو الدَّاني أن هذا الحديث لَم يروه عن النبي ﷺ غير النُّعْمَان بن بَشِير، فإن أراد من وجه صحيح فَمُسَلَّم، وإلا فقد رُويِّنَاه من حديث ابن عُمَر، وعَمَّار في "الأوسط" للطبراني (١)، ومن حديث ابن عباس في "الكبير" له (٢)، ومن حديث وَاثِلَة في "الترغيب" للأصبهاني، وفي أسانيدها مقال. وادعى أيضًا أنه لَم يروه عن النُّعمان غير الشَّعْبي، وليس كما قَالَ، فقد رَوَاهُ عن النُّعْمَان أيضًا خَيْثَمة بن عبد الرحمن عند أَحْمَد وغيره (٣)، وعبد الملك بن عُمَير [١٠٣/ ب] عند أبي عوانة وغيره، وسِمَاك بن حرب عند الطبراني (٤)، لكنه مشهور عن الشَّعْبي، رَوَاهُ عنه جَمع جم من الكوفيين. وَرَوَاهُ عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البُخَاريّ إسناده في البيوع (٥)، ولَم يسق لفظه، وساقه أبو داود (٦)، وسنشير إلَى ما فيه من فائدة إن شاء الله تعالَى. قوله: (الْحلال بَيِّن والْحَرام بَيِّن) أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة. قوله: (وبينهما مشبَّهات) بوزن مفعَّلات بتشديد العين المفتوحة، وهي رواية مُسْلِم (٧)، أي: شُبِّهت بغيرها مما لَم يتبين به حكمها عَلى التعيين، وفي رواية الأصِيلي: "مُشْتَبِهَات" بوزن مفتَعِلات -بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة-، وهي رواية ابن
следующие страницы →