وجمع النووي بين الحديثين: بأن عُمَر لَم يحضر قول النبي ﷺ في المجلس، بل كَانَ ممن قام، إما مع الذين توجهوا في طلب الرجل، أو لشغل آخر، ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر النبي ﷺ الحاضرين في الحال، ولَم يتفق الإخبار لعُمر إلا بعد ثلاثة أيام، ويدل عليه قوله: "فلقيني"، وقوله: "فقال لي: يا عمر"، فوجه الخطاب له وحده بخلاف إخبار الأول، وهو جمع حسن.
* تنبيهات:
الأول: دلت الروايات الَّتِي ذكرناها عَلى أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلا في آخر الحال، وأن جبريل أتاه في صورة رجل حسن الهيئة، لكنه غير معروف لديهم، وأما ما وقع في رواية النّسَائي من طريق أبي فَرْوة في آخر الحديث: "وإنه لجبريل نزل في صورة دِحْيَة الكَلْبِي"، فإن قوله: "نزل في صورة دِحْيَة الكلبي" وَهْمٌ؛ لأن دِحْيَة معروف عندهم، وقد قَالَ عمر: "ما يعرفه منا أحد"، وقد أخرج مُحَمَّد بن نصر المَرْوَزي في كتاب "الإيمان" له من الوجه الَّذِي أخرجه منه النسَائي فقال في آخره: "فإنه جبريل جاء ليعلمكم دينكم" حسب، وهذه الرواية هِيَ المحفوظة لموافقتها باقي الروايات.
الثاني: قَالَ ابن المنذر في قوله: "يعلمكم دينكم": دلالة عَلى أن السؤال [١٠٢/ ب] الحسن يسمى عِلْمًا وتَعْلِيمًا؛ لأن جبريل لَم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذَلكَ فقد سماه مُعَلِّمًا، وقد اشتهر قولهم: حُسْن السؤال نصف العلم، ويُمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انْبَنَت عَلى السؤال والجواب معًا.
الثالث: قَالَ القرطبي: هذا الحديث يصلح أن يقال له: أم السنة، لما تضمنه من حَمل علم السنة، وَقَالَ الطِّيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي كتابيه: "المصابيح" و"شرح السنة" اقتداء بالقرآن بافتتاحه بالفاتِحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا.
وَقَالَ القاضي عياض: اشتمل هذا الحديث عَلى جميع وظائف العبادات الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان ابتداء وحالًا ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حَتَّى أن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه.
стр. 387
قُلْت: ولهذا أشبعت في القول الكلام عليه، مع أن الَّذِي ذكرته وإن كَانَ كثيرًا لكنه بالنسبة لما يتضمنه قليل، فلم أخالف طريقة الاختصار، والله الموفق.
قوله: (قَالَ أبو عبد الله) يعنِي: المؤلف.
(جعل ذَلِكَ كله من الإيمان) أي: الإيمان الكامل المشتمل عَلى هذه الأمور كلها.
стр. 388
٣٨ - بَابٌ
٥١ - حَدثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزِةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله، أَنّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنّ هِرَقْلَ، قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ، فَزَعَمْتَ أَنّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تخالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ.
قوله: (باب) كذا هو بلا ترجمة في رواية كريمة وأبي الوَقْت، وسقط من رواية أبي ذَرٍّ والأصيلي وغيرهما، ورجح النووي: الأول، قَالَ: لأن الترجمة -يعني: سؤال جبريل عن الإيمان- لا يتعلق بِها هذا الحديث، فلا يصح إدخاله فيه.
قُلْت: نفي التعليق لا يتم هنا عَلى الحالين؛ لأنه إن ثبت لفظ: "باب" بلا ترجمة فهو بمنزلة الفصل من الباب الَّذِي قبله، فلابد له من تعلق به، وإن لَم يثبت فتعلقه به متعين، لكنه يتعلق بقوله في الترجمة: "جَعَل ذَلِكَ كله دينًا"، ووجه التعلق: أنه سمى الدين إيمانًا في حديث هرقل، فيتم مراد المؤلف بكون الدين هو الإيمان.
فإن قيل: لا حجة له فيه لأنه منقول عن هرقل.
فالجواب: أنه ما قاله من قِبَل اجتهاده، وإنما أخبر به عن استقرائه من كتب الأنبياء، كما قررناه فيما مضى، وأيضًا فهرقل قاله بلسانه الرومي، وأبو سُفْيَان عَبَّر عنه بلسانه العربي، وألقاه إلَى ابن عباس، وهو من علماء اللسان، فرواه عنه ولَم ينكره [١٠٣/ أ]، فدل عَلى أنه صحيح لفظًا ومعنى.
وقد اقتصر المؤلف من حديث أبي سُفْيَان الطويل الَّذِي تكلمنا عليه في بدء الوحي عَلى هذه القطعة لتعلقها بغرضه هنا، وساقه في كتاب الجهاد (١) تامًّا بهذا الإسناد الَّذِي أورده هنا، والله أعلم.
стр. 389
٣٩ - بَابُ: فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ
٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ. أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنّ حِمَى الله في أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنّ في الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كلُّهُ. أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ".
قوله: (باب فضل من استبرأ لدينه) كأنه أراد أن يبين أن الورع من مكملات الإيمان، فلهذا أورد حديث الباب في أبواب الإيمان.
قوله: (حَدَّثَنَا زكرياء) هو ابن أبي زائدة، واسم أبي زائدة: خالد بن مَيْمُون الوَادِعي.
قوله: (عن عامر) هو الشعبي الفقيه المشهور، ورجال الإسناد كوفيون، وقد دخل النُّعْمَان الكوفة، وولي إمرتها، ولأبي عَوانة في "صحيحه" من طريق أبي حَرِيز -وهو بفتح الحاء المهملة وآخره زاي- عن الشّعبي: أن النُّعْمَان بن بَشِير خطب به بالكوفة.
وفِي رواية لمسلم: أنه خطب به بحمص (١)، ويجمع بينهما: بأنه سمعه منه مرتين، فإنه ولي إمرة البلدين واحدة بعد أخرى، وزاد مُسْلِم، والإسماعيلي من طريق زكرياء فيه: "وأهْوى النعمان بأصبعيه إلَى أذنيه، يقول: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول"، وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه أن النُّعمان لا يصح سماعه من رسول الله ﷺ .
وفيه دليل عَلى صحة تحمل الصبي المميز؛ لأن النبي ﷺ مات وللنعمان ثمان سنين.
стр. 390
وزكرياء موصوف بالتدليس، ولَم أره في الصحيحين وغيرهما من روايته عن الشّعبي إلا معنعنًا، ثم وجدته في فوائد ابن أبي الهيثم من طريق يزيد بن هارون، عن زكرياء قَالَ: "حَدَّثنَا الشّعبي"، فحصل الأمن من تدليسه.
* فائدة:
ادعى أبو عمرو الدَّاني أن هذا الحديث لَم يروه عن النبي ﷺ غير النُّعْمَان بن بَشِير، فإن أراد من وجه صحيح فَمُسَلَّم، وإلا فقد رُويِّنَاه من حديث ابن عُمَر، وعَمَّار في "الأوسط" للطبراني (١)، ومن حديث ابن عباس في "الكبير" له (٢)، ومن حديث وَاثِلَة في "الترغيب" للأصبهاني، وفي أسانيدها مقال.
وادعى أيضًا أنه لَم يروه عن النُّعمان غير الشَّعْبي، وليس كما قَالَ، فقد رَوَاهُ عن النُّعْمَان أيضًا خَيْثَمة بن عبد الرحمن عند أَحْمَد وغيره (٣)، وعبد الملك بن عُمَير [١٠٣/ ب] عند أبي عوانة وغيره، وسِمَاك بن حرب عند الطبراني (٤)، لكنه مشهور عن الشَّعْبي، رَوَاهُ عنه جَمع جم من الكوفيين.
وَرَوَاهُ عنه من البصريين عبد الله بن عون، وقد ساق البُخَاريّ إسناده في البيوع (٥)، ولَم يسق لفظه، وساقه أبو داود (٦)، وسنشير إلَى ما فيه من فائدة إن شاء الله تعالَى.
قوله: (الْحلال بَيِّن والْحَرام بَيِّن) أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة.
قوله: (وبينهما مشبَّهات) بوزن مفعَّلات بتشديد العين المفتوحة، وهي رواية مُسْلِم (٧)، أي: شُبِّهت بغيرها مما لَم يتبين به حكمها عَلى التعيين، وفي رواية الأصِيلي: "مُشْتَبِهَات" بوزن مفتَعِلات -بتاء مفتوحة وعين خفيفة مكسورة-، وهي رواية ابن
стр. 391
ماجه (١)، وهو لفظ ابن عون (٢)، والمعنى: أنها اكتسبت الشبه من وجهين متعارضين، وَرَوَاهُ الدارمي عن أبي نُعيم شيخ البُخَاريّ فيه بلفظ: "وبينهما متشابهات" (٣).
قوله: (لا يعلمها كثير من الناس) أي: لا يعلم حكمها، وجاء واضحًا في رواية التّرمِذيّ فلفظه: "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هِيَ أم من الحرام" (٤).
ومفهوم قوله: (كثير) أنَّ معرفة حكمها ممكن، لكن لقليل من الناس، وهم المجتهدون، فالشبهات عَلى هذا في حق غيرهم، وقد يقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح لأحد الدليلين.
قوله: (فمن اتقى المشبهات) أي: حذر منها، والاختلاف في لفظها بين الرواة نظير الَّذِي قبلها، لكن عند مُسْلِم والإسماعيلي: "الشُّبُهَات" بالضم: جَمع شُبْهَة.
قوله: (استبرأ) بالهمز بوزن استفعل من البراءة، أي: برأ دينه من النقص، وعِرْضه من الطعن؛ لأن من لَم يعرف باجتناب الشبهات لَم يَسْلَم لقول من يطعن فيه.
وفيه دليل عَلى أن من لَم يَتَوق الشبهة في كسبه ومعاشه فقد عَرَّض نفسه للطعن فيه، وفِي هذا إشارة إلَى المحافظة عَلى أمور الدين والمروءة.
قوله: (ومن وقع في الشبهات) فيها أيضا ما تقدم من اختلاف الرواة، وحاصل ما فسر به العلماء الشبهات أربعة أشياء:
أحدها: تعارض الأدلة كما تقدم.
ثانيها: اختلاف العلماء، وهي [١٠٤/ أ] منتزعة من الأولى.
ثالثها: أن المراد بِها قسم المكروه؛ لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك.
رابعها: أن المراد بِها المباح، ولا يُمكن قائل هذا أن يحمله عَلى متساوي
стр. 392
الطرفين من كل وجه، بل يُمكن حمله عَلى ما يكون من قسم خلاف الأَوْلَى، بأن يكون متساوي الطرفين باعتبار ذاته، راجح الفعل أو الترك باعتبار أمر خارج.
ونقل ابن المنير في مناقب شيخه القباري عنه أنه كَانَ يقول: المكروه عَقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه تطرق إلَى الحرام، والمباح عَقَبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرق إلَى المكروه.
وهو مَنْزع حسن، ويؤيده رواية ابن حِبَّان من طريقٍ ذكر مُسْلِم إسنادها ولَم يسق لفظها، فيها من الزيادة: "اجعلوا بينكم وبين الحرام سُتْرة من الحلال، من فعل ذلِكَ استبرأ لِعرْضه ودينه، ومن أرتع فيه كَانَ كالمرتع إلَى جنب الحمى يوشك أن يقع فيه" (١).
والمعنى: أن الحلال حيث يخشى أن يئول فعله مطلقًا إلَى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه، كالإكثار مثلًا من الطيبات فإنه يحوج إلَى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلَى بَطَر النفس، وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية.
والَّذِي يظهر لي رجحان الوجه الأول عَلى ما سأذكره، ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا، ويختلف ذَلِكَ باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم، ولا يقع له ذلكَ إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه كما تقرر قبل، ودونه تقع له الشُّبْهة في جَميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال.
ولا يخفى أن المستكثر من المكروه تصير فيه جُرْأة عَلى ارتكاب المنهي في الجملة، أو يحمله اعتياده ارتكاب المنهي غير المحرم عَلى ارتكاب المنهي المحرم إذا كَانَ من جنسه، أو يكون ذلِكَ لسر فيه، وهو أن من تعاطى ما نُهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان الورع، فيقع في الحرام ولو لَم يَختر الوقوع فيه.
ووقع عند المصنف في البيوع من رواية أبي فروة، عن الشعبي في هذا الحديث: "فمن [١٠٤/ ب] ترك ما شُبِّه عليه من الإثم كَانَ لما استبان له أترك، ومن اجترأ عَلى ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان". وهذا يرجح الوجه الأول كما أشرت إليه.
стр. 393
* تنبيه:
استدل به ابن المنير عَلى جواز بقاء المجمل بعد النبي ﷺ ، وفِي الاستدلال بذلك نظر؛ إلا إن أراد أنه مجمل في حق بعض دون بعض، وأراد الرد عَلى منكر القياس، فيحتمل ما قَالَ، والله أعلم.
قوله: (كراعٍ يرعى) هكذا في جَميع نسخ البُخَاريّ بحذف جواب الشرط، إن أعربت "من" شرطية، وقد ثبت المحذوف في رواية الدَّارمي عن أبي نُعيم شيخ البُخَاريّ فيه فقال: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراعٍ يرعى" (١).
ويُمكن إعراب: "من" في سياق البُخَاريّ موصولة، فلا يكون فيه حذف، إذ التقدير: والَّذِي وقع في الشبهات مثل راعٍ يرعى، والأول أولى لثبوت المحذوف في صحيح مُسْلِم وغيره من طريق زكرياء الَّتِي أخرجه منها المؤلف، وَعَلى هذا فقول: "كراعٍ يرعى" جملة مستأنفة وردتْ عَلى سبيل التمثيل، للتنبيه بالشاهد عَلى الغائب.
"والْحِمى": المحمي، أطلق المصدر عَلى اسم المفعول، وفِي اختصاص التمثيل بذلك نكتة، وهي: أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مختصة، يتوعدون من رعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي ﷺ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة، المراقب لرضا الملك، يبعد عن ذَلِكَ الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه، فبُعده أَسْلم له ولو اشتد حذره.
وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه، فلا يأمن أن تنفرد الفاذَّة فتقع فيه بغير اختياره، أو يَمْحل المكان الَّذِي هو فيه ويقع الخِصْب في الحِمَى، فلا يَملك نفسه أن يقع فيه، فالله هو الملك حقًّا، وحماه محارمه.
* تنبيه:
ادعى بعضهم أن التمثيل من كلام الشَّعبي، وأنه مدرج في الحديث، حكى ذَلِكَ أبو عمرو الدَّاني، ولَم أقف عَلى دليله، إلا ما وقع عند ابن الجارود والإسماعيلي من
стр. 394
رواية ابن عون، عن الشعبي [١٠٥/أ] قَالَ ابن عون في آخر الحديث: "لا أدري المثل من قول النبي ﷺ أو من قول الشعبي" (١).
قُلْت: وتردُّد ابن عون في رفعه لا يستلزم كونه مُدرجًا؛ لأن الأَثْبات قد جزموا باتصاله ورفعه، فلا يقدح شك بعضهم فيه، وكذلك سقوط المثل من رواية بعض الرواة كأبي فروة عن الشعبي لا يقدح فيمن أثبته؛ لأنهم حفاظ.
ولعل هذا هو السر في حذف البُخَاريّ قوله: "وقع في الحرام" ليصير ما قبل المثل مرتبطًا به، فيسلم من دعوى الإدراج، ومما يقوي عدم الإدراج رواية ابن حِبان الماضية، وكذا ثبوت المثل مرفوعًا في رواية ابن عباس وعمار بن ياسر أيضًا.
قوله: (ألا وإن حِمى الله تعالى في أرضه مَحارمه) سقط "في أرضه" من رواية المُسْتَمْلي، وثبتت الواو في قوله: "ألا وإن حِمَى الله" في رواية غير أبي ذر، والمراد بالحرام: فعل المنهي المحرم، أو ترك المأمور الواجب، ولهذا وقع في رواية أبي فروة التعبير بـ"المعاصي" بدل "المحارم". وقوله: "ألا" للتنبيه عَلى صحة ما بعدها، وفِي إعادتها وتكريرها دليل عَلى عظم شأن مدلولها.
قوله: (مضغة) أي: قدر ما يُمضغ، وعبر بِها هنا عن مقدار القلب في الرؤية، وسُمي القلب قلبا لتقلبه في الأمور، أو لأنه خالص ما في البدن، وخالص كل شيء: قلبه، أو لأنه وضع في الجسد مقلوبًا.
وقوله: (إذا صلحت وإذا فسدت) هو بفتح عينيهما وتضم في المضارع، وحكى الفراء: الضم في ماضي صَلُح، وهو يُضم وفاقًا إذا صار له الصلاح هيئة لازمة لشرف ونحوه، والتعبير بـ"إذا" لتحقق الوقوع غالبًا، وقد تأتي بمعنى: "إن" كما هنا، وخص القلب بذلك؛ لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية.
стр. 395
وفيه تنبيه عَلى تعظيم قدر القلب، والحث عَلى صلاحه، والإشارة إلَى أن لطيب الكسب أثرًا فيه، والمراد المتعلق به من فهم الَّذِي ركبه الله فيه.
ويستدل به عَلى أن العقل في القلب، ومنه قوله تعالَى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ الآية [الحج: ٤٦]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. [١٠٥/ ب].
قَالَ المفسرون: أي عقل، وعبر عنه بالقلب؛ لأنه محل استقراره.
* فائدة:
لم تقع هذه الزيادة الَّتِي أولها "ألا وإن في الجسد مضغة" إلا في رواية الشعبي، ولا في أكثر الروايات عن الشعبي، وإنما تفرد بِها في الصحيحين زكرياء المذكور عنه، وتابعه مجالد (١) عند أحْمَد (٢)، ومغيرة وغيره عند الطبراني (٣)، وعبر في بعض رواياته عن الصلاح والفساد بالصحة والسقم، ومناسبتها لما قبلها بالنظر إلى أن الأصل في الإتقاء والوقوع هو ما كَانَ بالقلب؛ لأنه عماد البدن، وقد عظم العلماء أمر هذا الحديث فعدوه رابع أربعة تدور عليها الأحكام، كما نقل عن أبي داود، وفيه البيتان المشهوران وهما:
عُمْدَة الدِّين عندنا كلماتٌ ... مُسْنَدات من قول خير البرية
اتْرُك المُشَبَّهات وازْهَد ودعَ ما ... ليس يعنيك واعْمَلن بِنِيَّة
стр. 396
والمعروف عن أبي داود عَدُّ: "ما نَهَيْتُكم عنه فاجتنبوه" الحديث (١)، بدل: "ازهد فيما في أيدي الناس" (٢).
وجعله بعضهم ثالث ثلاثة حذف الثاني، وأشار ابن العربي إلَى أنه يُمكن أن تُنتزع منه وحده جَميع الأحكام، قَالَ القرطبي: لأنه اشتمل عَلى التفصيل بين الحلال وغيره، وَعَلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا يُمكن أن ترد جَميع الاحكام إليه، والله المستعان.
стр. 397
٤٠ - بَابٌ: أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإِيمَانِ
٥٣ - حَدَّثَنَا عِلي بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أَقْعُدُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، يُجْلِسُني عَلَى سَرِيرِهِ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي حَتَّى أَجْعَلَ لَكَ سَهْمًا مِنْ مَالي، فَأَقَمْتُ مَعَهُ شَهْرَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: إِن وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنِ الْقَوْمُ أَوْ مَنِ الْوَفْدُ". قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: "مَرْحَبًا بالْقَوْمِ -أَوْ بِالْوَفْدِ- غيرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا في الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ. وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِالله وَحْدَهُ. قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِالله وَحْدَهُ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ". وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنتمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيِر وَالْمُزَفَّتِ. وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ: "احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ".
قوله: (باب: أداء الْخُمُس مِنَ الإيمان) هو بضم الخاء المعجمة، وهو المراد بقوله تعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: ٤١].
وقيل: إنه روي هنا بفتح الخاء، والمراد: قواعد الإسلام المذكورة في حديث: "بُني الإسلام عَلى خَمس"، وفيه بُعْد؛ لأن الحج لَم يُذكر هنا؛ ولأن غيره من القواعد قد تقدم، ولَم يرد هنا إلا ذكر خُمس الغنيمة، فتعين أن يكون المراد إفراده بالذكر، وسنذكر وجه كونه من الإيمان قريبًا.
قوله: (عن أبي جَمرة) هو بالجيم والراء كما تقدم، اسمه: نَضر بن عِمْرَان بن نُوح ابن مَخْلَد الضُّبَعي بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة، من بني ضُبَيْعَة بضم أوله مصغرًا، وهم بطن من بني عبد القَيْس كما جزم به الرَّشَاطي، وفِي بكر بن وائل بطنٌ يقالُ لهم: بنو ضُبَيْعَة [١٠٦/أ] أيضًا.
стр. 398
وقد وهم من نسب أبا جَمْرة إليهم من شراح البُخَاريّ، فقد روى الطبراني وابن مَنْده في ترجمة نوح بن مَخْلد جد أبي جَمرة أنه قدم عَلى رسول الله ﷺ فقال له: "ممن أنت؟ فقال: من ضُبَيْعَة ربيعة، فقال: خير ربيعة عبد القَيْس، ثم الحي الذين أنت منهم" (١).
قوله: (كنت أقعد مع ابن عباس) بَيَّن المصنف في العلم من رواية غُنْدَر عن شُعْبَة السبب في إكرام ابن عباس له، ولفظه: "كنتُ أُتَرْجِم بين ابن عباس وبين الناس".
قَالَ ابن الصلاح: أصل الترجمة: التعبير عن لغة بلغة، وهو عندي هنا أعم من ذَلِكَ، وأنه كانَ يبلغ كلام ابن عباس إلَى من خفي عليه، ويبلغه كلامهم إما لزحام أو لقصور فهم.
قُلْت: الثاني أظهر؛ لأنه كَانَ جالسًا معه عَلى سريره، فلا فرق في الزحام بينهما، لكن أبو جَمرة قالوا كانَ يعرف الفارسية، فكان يترجم لابن عباس بها.
قَالَ القرطبي: فيه دليلٌ عَلى أن ابن عباس كَانَ يكتفي في الترجمة بواحد.
قُلْت: وقد بوب عليه البُخَاريّ في أواخر كتاب الأحكام، واستنبط منه ابن التين جواز أخذ الأجرة عَلى التعليم لقوله: "حَتَّى أجعل لك سهمًا من مالي".
قوله: (ثم قَالَ: إن وفد عبد القيس) بَين مُسْلِم (٢) من طريق غُنْدَر، عن شُعْبَة السبب في تَحديث ابن عباس لأبي جَمْرة بهذا الحديث، فقال بعد قوله: "وبيْنَ الناس": "فأتت امرأة تسأله عن نبيذ الجر، فنهى عنه، فقلتُ: يا أبا عباس، إني أنتبذ في جرة خضراء نبيذًا حلوًا فأشربُ منه فيقرقر بطني، قَالَ: لا تشرب منه وإن كَانَ أحلى من العسل".
وللمصنف في أواخر المغازي من طريق قُرَّة، عن أبي جَمْرة قَالَ: "قُلْت لابن عباس: إن لي جَرَّة أنتبذُ فيها فأشربه حلوًا، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيتُ أن أفتضح، فقال: قدم وفد عبد القيس. . . ." (٣).
стр. 399
فلما [كَانَ] (١) أبو جَمْرة من عبد القَيْس، وكان حديثهم يشتمل عَلى النهي عن الانتباذ في الجِرار ناسب أن يذكره له، وفِي هذا دليل عَلى أن ابن عباس لَم يبلغه نسخ تَحريم الانتباذ [١٠٦/ ب] في الجِرار، وهو ثابت من حديث بُرَيْدة بن الحُصَيْب عند مُسْلِم وغيره (٢).
قوله: (لَما أتوا النبي ﷺ قَالَ: من القوم؟ أو من الوفد؟ ) الشك من أحد الرواة، وأظنه شُعْبَة، فإنه في رواية قُرَّة وغيره بغير شك، قَالَ النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم في لُقى العظماء، واحدهم: وافد.
قَالَ: ووفد عبد القَيْس المذكورون كانوا أربعة عشر راكبًا، كبيرهم الأشَج، ذكره صاحب التحرير في شرح مُسْلِم، وسمي منهم: المُنْذر بن عائذ، وهو الأشَج المذكور، ومُنْقِذ بن حَيَّان، ومَزِيدة بن مالك، وعمرو بن مَرْحُوم، والحارث بن شُعَيْب، وعُبَيْدَة بن هَمَّام، والحارث بن جُنْدَب، وصُحَار بن العباس، وهو بصاد مضمومة وحاء مهملتين، قَالَ: ولَم نعثر بعد طول التتبع عَلى أسماء الباقين.
قُلْت: قد ذكر ابن سعد منهم عُقْبَة بن جَرْوَة (٣)، وفِي سنن أبي داود قَيْس بن النُّعْمَان العَبْدي (٤)، وذكره الخطيب أيضًا في المُبْهَمات، وفِي مسند البزار وتاريخ ابن أبي خَيْثَمة الْجَهْم بن قُثَم (٥)، ووقع ذكره في صحيح مُسْلِم أيضًا (٦) لكن لَم يسمه، [و] (٧)
стр. 400
في مسندي أَحْمَد وابن أبي شَيبة (١) الرَّسِيم العبدي، وفِي المعرفة لأبي نُعيم جويرية العبدي، وفِي الأدب للبخاري الزَّرَّاع بن عامر العبدي (٢)، فهؤلاء الستة الباقون من العدد.
وما ذكر من أن الوفد كانوا أربعة عشر راكبًا لَم يذكر دليله، وفِي المعرفة لابن مَنْدَه من طريق هُود العَصَري -وهو بعين وصاد مهملتين مفتوحتين نسبة إلَى عَصَر بطن من عبد القَيْس- عن جَدِّه لأمه مَزيدة قَالَ: "بينما رسول الله ﷺ يحدث أصحابه إذ قَالَ لهم: سيطلع لكم من هذا الوجه ركب هم خير أهل المشرق، فقام عمر فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فرَحَّب وقَرَّب، وَقَالَ: من القوم؟ قالوا: وفد عبد القَيْس". فيمكن أن يكون أحد المذكورين كَانَ غير راكب أو مرتدفًا.
وأما ما رَوَاهُ الدُّولَابي وغيره من طريق أبي خَيْره -بفتح الخاء المعجمة وسكون المثناة التحتانية وبعد الراء هاء- الصُّباحي -وهو بضم الصاد المهملة بعدها موحدة خفيفة وبعد [١٠٧/أ] الألف حاء مهملة نسبة إلَى صُيَاح بطن من عبد القيس- قَالَ: "كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا، فنهانا عن الدُّبَّاء والنَّقير" الحديث، فيمكن أن يجمع بينه وبين الرواية الأخرى بأن الثلاثة عشر كانوا رءوس الوفد، ولهذا كانوا رُكْبَانًا، وكان الباقون أتباعًا.
وقد وقع في جملة من الأخبار ذكر جماعة من عبد القيس زيادة عَلى من سميت هنا، منهم: أخو الزَّراع واسمه مَطَر، وابن أخته ولَم يسم، روى ذَلِكَ البغوي في معجمه، ومنهم مُشَمْرج السَّعْدي روى حديثه ابن السكن أنه قدم مع وفد عبد القيس.
ومنهم جابر بن الحارث، وخُزَيْمة بن عمرو، وهَمَّام بن ربيعة، وجارية -أوله جيم- بن جابر، ذكرهم ابن شاهين في معجمه.
стр. 401
ومنهم نوح بن مَخْلَد جد أبي جَمْرة كما تقدم، وإنما أطلت في هذا الفصل لقول صاحب التحرير: إنه لَم يظفر بعد طول التتبع إلا بما ذكر.
قوله: (قالوا: ربيعة) فيه التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فإن عند المصنف في الصلاة من طريق عَبَّاد بن عَبَّاد، عن أبي جَمْرة فقالوا: "إنا هذا الحي من ربيعة" (١).
قَالَ ابن الصلاح: الحي منصوب عَلى الاختصاص، والمعنى: إنما هذا الحي حي من ربيعة، قَالَ: و [الحي هو اسم لمنزل القبيلة، ثم سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يحيا ببعض.
قوله: (مرحبًا) هو منصوب] (٢) بفعل مضمر، أي: صادفت رُحبًا بضم الراء، أي: سَعَة، والرَّحْب -بالفتح-: الشيء الواسع، وقد [يزيدون] (٣) معها [أهلًا، أي: وجدت أهلًا، فاستأنس ..
قوله] (٤): (غير خزايا) بنصب غير عَلى الحال، وخَزَايَا جَمع خَزْيَان، وهو الَّذِي أصابه خِزْي، والمعنى: أنهم أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم ويفضحهم.
قوله: (ولا ندامى) قَالَ الخطابي: كان أصله نادمين جمع نادم؛ لأن ندامى إنّما هو جمع ندمان، أي: المنادم في اللهو، لكنه خرج عن الاتباع، كما قالوا: العشايا والغدايا، وغداة جمعها: الغدوات لكنه أتبع. انتهى
وقد حكى القَزَّاز والجَوْهَري وغيرهما من أهل اللغة أنه يقال: نادم وندمان في الندامة بِمعنى، فعلى هذا فهو عَلى الأصل ولا إتباع فيه، والله أعلم.
قَالَ ابن أبي جَمْرَة: "بَشَّرَهم [١٠٧/ ب] بالخير عاجلًا وآجلًا"، لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها.
стр. 402
قوله: (فقالوا: يا رسول الله) فيه دليل عَلى أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم: "كُفَّار مُضَر"، وفِي قولهم: "الله ورسوله أعلم".
قوله: (إلا في الشهر الحرام) وللأَصِيلي وكَريمة: "إلا في شهر الحرام"، وهي رواية مُسْلِم (١)، وهي من إضافة الشيء إلَى نفسه، كمسجد الجامع، ونساء المؤمنات.
والمراد بالشهر الحرام: الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، ويؤيده رواية قرة عند المؤلف في المغازي بلفظ: "إلا في أشهر الحرم" (٢)، ورواية حَمَّاد بن زيد عنده في المناقب بلفظ: "إلا في كل شهر حرام" (٣).
وقيل: اللام للعهد، والمراد: شهر رجب، وفِي رواية البيهقي (٤) التصريح به، وكانت مُضَر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة، حيث قالَ: "رجب مضر" كما سيأتي، والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تَحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلا أنهم ربما أَنْسَأوها بخلافه.
وفيه دليل عَلى تقدم إسلام عبد القَيْس عَلى قبائل مُضَر الذين كانوا بينهم وبين المدينة، وكانت مساكن عبد القَيْس بالبحرين وما وَالاها من أطراف العراق، ولهذا قالوا كما في رواية شُعْبَة عند المؤلف في العلم: "وإنا نأتيك من شُقَّة بعيدة" (٥)، قَالَ ابن قتيبة: الشُّقَّة: السفر، وَقَالَ الزجاج: هِيَ الغاية الَّتِي تُقصد.
ويدل عَلى سبقهم إلَى الإسلام أيضًا ما رَوَاهُ المصنف في الجمعة من طريق أبي جَمْرة أيضًا عن ابن عباس قَالَ: "إن أول جمعة جُمِّعَت -بعد جمعه في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القَيْس بجُواثى من البحرين" (٦)، وجُواثَى -بضم الجيم وبعد الألف
стр. 403
مثلثة مفتوحة-: وهي قرية شهيرة لهم، وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، فدل عَلى أنهم سبقوا جميع القرى إلَى الإسلام.
قوله: (بأمرٍ فصلٍ) بالتنوين فيهما لا بالإضافة، والأمر: واحد الأوامر، أي: مُرْنا بعمل بواسطة افعلوا، ولهذا قَالَ الراوي: "أمرهم"، وفِي رواية [١٠٨/أ] حَمَّاد بن زيد وغيره عند المؤلف: "قَالَ النبي ﷺ : آمركم" (١)، وله عن أبي التَّيَّاح بصيغة افعلوا (٢).
والفصل بمعنى: الفاصل، كالعدل بمعنى: العادل، أي: يفصل يين الحق والباطل، أو بمعنى المفصَّل، أي: المبين المكشوف، حكاه الطيبي، وَقَالَ الخطابي: الفصل البَيِّن، وقيل: المُحْكم.
وقوله: (نخبر به) بالرفع عَلى الصفة لأمر. وكذا قوله: (وندخل) ويروى بالجزم فيهما عَلى أنه جواب الأمر.
قوله: (فأمرهم بأربع) قَالَ القرطبي: قيل: إن أول الأربع المأمور بِها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبرُّكًا بِهما كما قيل في قوله تعالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفالَ: ٤١].
وإلَى هذا نَحَا الطّيبي فقال: عادة البُلَغاء أن الكلام إذا كَانَ منصوبًا لغرض جعلوا سياقه له وطرحوا ما عداه، وهنا لَم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما [كما كَانَ] (٣) الأمر في صدر الإسلام، قَالَ: فلهذا لَم يَعُدَّ الشهادتين في الأوامر.
قيل: ولا يرد عَلى هذا إلا الإثبات بحرف العطف فيحتاج إلَى تقدير، قَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي: لولا وجود العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين ورد عَلى سبيل التصدير، لكن يُمكن أن تقرأ قوله: "وإقام الصلاة" بالخفض، فيكون عطفًا عَلى قوله: "أمرهم بالإيمان"، والتقدير أمرهم بالإيمان مصدرًا به وبشرطه من الشهادتين، وأمرهم بإقام الصلاة إلَى آخره.
стр. 404
قَالَ: ويؤيد هذا حذفهما في رواية المصنف في الأدب من طريق أبي التياح عن أبي جَمرة ولفظه: "أربع وأربع: أقيموا الصلاة إلى آخره".
فإن قيل: ظاهر ما ترجم به المصنف من أن أداء الخمس من الإيمان يقتضي إدخاله مع باقي الخصال في تفسير الإيمان، والتقدير المذكور يخالفه.
أجاب ابن رُشَيد: بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوا عن الأعمال الَّتي يدخلون بِها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها أداء الخمس، والأعمال الَّتِي تدخل الجنة هِيَ أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقريب.
فإن قيل: فكيف قَالَ [١٠٨/ ب] في رواية حَمَّاد بن زيد، عن أبي جَمْرَة: "آمركم بأربع: الإيمان بالله شهادة أن لا إله إلا الله وعقد واحدة" كذا للمؤلف في المغازي (١)، وله في فَرْض الخمس: "وعاقد بيده" (٢)، فدل أن الشهادة إحدى الأربع.
وأمَّا مَا وقع عنده في الزكاة (٣) من هذا الوجه من زيادة الواو في قوله: (وشهادة أن لا إله إلا الله) فهي زيادة شاذة، لَم يتابع عليها حَجَّاج بن مِنْهَال أحد.
والمراد بقوله: "شهادة أن لا إله إلا الله" أي: وأن مُحَمَّدًا رسول الله، كما صرح به في رواية عباد بن عباد في أوائل المواقيت، ولفظة: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع الإيمان بالله"، ثم فسرها لهم: شهادة أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا رسول الله" (٤) الحديث، وهذا أيضًا يدل عَلى أنه عدَّ الشهادتين من الأربع، لأنه أعاد الضمير في قوله: "ثم فسرها" مؤنثة، فيعود عَلى الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا.
وَعَلى هذا فيقال: كيف قَالَ أربع والمذكورات خَمس؟
وقد أجاب عنه القاضي عياض: بأن الأربع ماعدا أداء الخمس، قَالَ: كأنه أراد
стр. 405
إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جِهَاد؛ لأنهم كانوا بصدد مُحاربة كفار مُضَر، ولَم يقصد إلَى ذكرها بعينها؛ لأنها [مسببة] (١) عن الجهاد، ولَم يكن الجهادُ إذ ذاك فَرْضَ عينٍ، قَالَ: وكذلك لَم يذكر الحج لأنه لَم يكن فُرض.
وَقَالَ غيره: قوله: "وأن تعطوا" معطوف عَلى قوله: "بأربع"، أي: آمركم بأربع وبأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان بأن والفعل مع توجه الخطاب إليهم.
قَالَ ابن التين: لا تمتنع الزيادة إذا حصل الوفاء بوعد الأربع.
قُلْت: ويدل عَلى ذلِكَ لفظ رواية مُسْلِم من حديث أبي سعيد الخدري في هذه القصة: "آمركم بأربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم" (٢).
وَقَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي: يحتمل أن يقال: إنه عد الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب الله وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لَم [١٠٩/أ] يعد أداء الخمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما: إخراج مالٍ معين في حال دون حال.
وَقَالَ البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة المذكورة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخر حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا.
كذا قَالَ، وما ذَكَر أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله: "وعقد واحدة"، وكان القاضي أراد أن يرفع الإشكال من كون الإيمان واحدًا والموعود بذكره أربعًا.
وقد أجيب عن ذلِكَ بأنه باعتبار أجزائه المفصلة أربع، وهو في ذاته واحد، والمعنى: أنه اسم جامع للخصال الأربع الَّتِي ذَكَر أنه يأمرهم بها، ثم فسرها، فهو واحد
стр. 406
بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يُسْرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدد بحسب أوعيته.
والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلَى التفصيل ثم تسكن إليه، وأن يتحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لَم يستوفِ العدد الَّذِي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع.
وما ذكره القاضي عياض من أن السبب في كونه لَم يذكر الحج في الحديث لأنه لَم يكن فُرض هو المعتمد، وقد قدمنا الدليل عَلى عدم إسلامهم، لكن جَزْم القاضي بأن قدومهم كَانَ في سنة ثمانٍ قبل فتح مكة تَبِع فيه الوَاقِدي، وليس بجيد؛ لأن فرض الحج كَانَ سنة ستٍّ عَلى الأصح كما سنذكره في موضعه إن شاء الله، ولكن القاضي يختار أن فرض الحج كَانَ سنة تسعٍ حَتَّى لا يَرد عَلى مذهبه أنه عَلى الفور شيء.
وقد احتج الشافعي بكونه عَلى التراخي بأن فرض الحج كَانَ بعد الهجرة، وأن النبي ﷺ كَانَ قادرًا عَلى الحج في سنة ثمانٍ وفِي سنة تسعٍ ولَم يحج إلا في سنة عشرٍ.
وأما قول من قَالَ: إن ترك ذكر الحج لكونه عَلى التراخي فليس بجيد؛ لأن كونه عَلى التراخي لا يمنع من الأمر به.
وكذا قول من قَالَ: إنما تركه لشهرته عندهم ليس بقوي [١٠٩/ ب]؛ لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم.
وكذا قول من قَالَ: إن ترك ذكره لأنهم لَم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مُضَر ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان كما في الآية، بل دعوى أنهم كانوا لا سبيل لهم إلَى الحج ممنوعة؛ لأن الحج يقع في الأشهر الحُرُم، وقد ذكروا أنهم كانوا يأمنون فيها.
لكن يُمكن أن يقال إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم عَلى ما يمكنهم فعله في الحال، ولَم يقصد إعلامهم
стр. 407
بجميع الأحكام الَّتِي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل عَلى ذلِكَ اقتصاره في المناهي عَلى الانتباذ في الأوعية مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لَها.
وأما ما وقع في كتاب الصيام من "السنن الكبرى" للبيهقي من طريق أبي قلابة الرَّقَاشي، عن أبي زيد الهَرَوي، عن قُرَّة في هذا الحديث من زيادة ذكر الحج ولفظه: "وتحجوا البيت الحرام" (١)، ولَم يتعرض لعدد، فهي رواية شاذة، وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق قُرَّة لَم يذكر أحد منهم الحج (٢)، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حدَّث به في التغيُّر، وَعَلى تقدير أن يكون ذِكْر الحج فيه مَحفوظًا فيجمع في الجواب عنه بين الجوابين المتقدمين، فيقال: المراد بالأربع: ماعدا الشهادتين وأداء الخمس، والله أعلم.
قوله: (ونهاهم عن أربع: الحنتم. . .) إلَى آخره في جواب قوله: (وسألوه عن الأشربة) هو من إطلاق المحل وإرادة الحال أي: "ما في الحنتم ونَحوه"، وصرح بالمراد في رواية النّسَائي فقال: "وأنْهَاكُم عن أربع ما ينبذ في الحنتم" الحديث.
والْحَنتم -بفتح المهملة وسكون النون وفتح المثناة من فوق-: هِيَ الجَرَّة، كذا فسرها ابن عُمر في صحيح مُسْلِم (٣)، وله عن أبي هريرة: "الحنتم الجرار الخضر" (٤)،
стр. 408
وروى الحربي في الغريب عن عطاء: إنها جرار كانت تعمل من طين وشعر ودم (١).
و(الدُّبَّاء) بضم المهملة وتشديد الموحدة والمد: هو القَرْع. قَالَ النووي: المراد: اليابس منه، وحكى القزاز [١١٠/ أ] فيه القصر.
و(النَّقِير) بفتح النون وكسر القاف: أصل النَّخْلة ينقر فيتخذ منه وعاء.
و(المُزَفَّت) بالزاي والفاء: ما طلي بالزفت.
و(المُقَيَّر) بالقاف والياء الأخيرة: ما طُلي بالقار، ويقال: القير، وهو نبت يُحرق إذا يبس تطلى بها السفن وغيرها كما يطلى بالزفت، قاله صاحب المحكم.
وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة قَالَ: "أما الدُّبَّاء فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع فيخرطون فيه العنب ثم يدفنونه حَتَّى يهدر ثم يموت، وأما النَّقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة ثم ينبذون الرطب والبُسْر ثم يدعونه حَتَّى يهدر ثم يموت، وأما الحَنْتَم فجرار كانت يحمل إلينا فيها الخمر، وأما المُزَفَّت فهذه الأوعية الَّتِي فيها الزفت" (٢). انتهى، وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أولَى أن يعتمد من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد.
ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها لأنه يسرع إليها الإسكار، وربما شرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر كما سيأتي في كتاب الأشربة إن شاء الله تعالَى.
قوله: (وأخبروا بِهن من وراءكم) بفتح "مَن" وهي الموصولة، ووراءكم يشمل من جاءوا من عندهم وهذا باعتبار المكان، ويشمل من يَحْدُث لهم من الأولاد وغيرهم وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معًا حقيقة ومجازًا.
واستنبط منه المصنف الاعتماد عَلى أخبار الآحاد كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالَى.
стр. 409
٤١ - باب: مَا جَاءَ إِنَّ الأَعْمَالَ بالنِّيَّةِ وَالْحِسْبَةِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى
فَدَخَلَ فِيهِ: الإِيمَانُ، وَالْوُضُوءُ، وَالصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحَجُّ، وَالصَّوْمُ، وَالأَحْكَامُ وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾: عَلَى نِيَّتِهِ
"نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةٌ". وَقَالَ: "وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ"
٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ، عَنْ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "الأَعمالُ بِالنِّيَّةِ، وَلكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرتُهُ إِلَى الله وَرَسُولِهِ، فَهِجْرتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ".
قوله: (باب ما جاء) أي: باب بيان ما ورد دالًّا عَلى أن الأعمال الشرعية معتبرة بالنية والحِسْبَة. والمراد بالحسْبَة: طلب الثواب.
ولَم يأت حديث لفظه الأعمال بالنية والحسبة، إنما استدل بحديث عمر عَلى أن الأعمال بالنية، وبحديث أبي مسعود عَلى أن الأعمال بالحِسْبَة.
قوله: (فدخل فيه) هو من مقول المصنف وليس بقية مِما ورد، وقد أفصح ابن عساكر في روايته بذلك، فقال: "قَالَ أبو عبد الله" يعنِي: المصنف، والضمير في "فيه" يعود عَلى الكلام المتقدم، وتوجيه [١١٠/ ب] دخول النية في الإيمان عَلى طريقة المصنف أن الإيمان عمل كما تقدم شرحه.
قَوْلُهُ: (والوضوء) أشار به إلَى خلاف من لَم يشترط النية كما نقل عن الأوزاعي،
стр. 410
وأبي حنيفة وغيرهما، وحجتهم أنه ليس عبادة مستقلة، بل [وسيلة] (١) إلَى عبادة كالصلاة، ونوقضوا بالتيمم فإنه وسيلة، وقد اشترط الحنفية فيه النية.
واستدل الجمهور عَلى اشتراط النية في الوضوء بالأدلة الصحيحة المصرحة بوعد الثواب عليه، فلابد من قصد يميزه عن غيره ليحصل الثواب الموعود.
وأمَّا الصلاة فلم يختلف في اشتراط النية فيها، وأما الزكاة فإنّما تسقط بأخذ السلطان ولو لَم ينو صاحب المال؛ لأن السلطان قائم مقامه.
وأمَّا الحج فإنه ينصرف إلَى فرض مَن حج عن غيره لدليل خاص، وهو حديث ابن عباس في قصة شُبْرُمة (٢)، وأما الصومُ فأشار به إلَى خلاف من زعم أن صيام رمضان لا يَحتاج إلَى نية؛ لأنه متميز بنفسه كما نقل عن زُفر.
وقدم المصنف الحج عَلى الصوم تَمسكًا بِما ورد عنده في حديث: "بُنيَ الإسلام" وقد تقدم.
قَوْلُهُ: (والأحكام) أي: المعاملات الَّتِي يدخل فيها الاحتياج إلَى المحاكمات، فيشمل البيوع والأنكحة والأقارير وغيرها، وكل صورة لَم يشترط فيها النية فذاك لدليل خاص.
وقد ذكر ابن المنير ضابطًا لِما يشترط فيه النية مِما لا يشترط، فَقَالَ: كل عمل لا تظهر له فائدة عاجلة بل المقصود به طلب الثواب فالنية مشترطة فيه، وكل عمل ظهرت فائدته ناجزة وتعاطته الطبيعة قبل الشريعة لملاءمة بينهما فلا تشترط النية فيه، إلا لمن قصد بفعله معنى آخر يترتب عليه الثواب.
قَالَ: وإنَّما اختلف العلماء في بعض الصور من جهة تحقيق مناط التفرقة، قَالَ: وأما ما كَانَ من المعاني المحضة: كالخوف والرجاء فهذا لا يقال باشتراط النية فيه؛ لأنه لا يُمكن أن يقع إلا منويًّا، ومتى فُرضت النية مفقودة فيه استحالت حقيقة، فالنية فيه
стр. 411
شرط عقلي، وكذلك [١١١/ أ] لا يشترط النية للنية فرارًا من التسلسل.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ الله) قَالَ الكرماني: الظاهر أنها جملة حالية لا عطف.
قَوْلُهُ: (عَلى نيته) تفسير منه لقوله "عَلى شاكلته" بحذف أداة التفسير، وتفسير الشاكلة بالنية صح عن الحسن البصري ومعاذ بن قُرَّة المُزني، وقتادة أخرجه عبد بن حُميد والطبري عنهم (١).
وعن مُجاهد قَالَ: الشاكلة: الطريقة (٢).
قَوْلُهُ: (ولكن جهاد ونية) هو طرف من حديث لابن عباس أوله: "لا هجرة بعد الفتح"، وقد وصلها في الجهاد وغيره من طريق طاوس عنه (٣) وسيأتي.
قَوْلُهُ: (الأعمال بالنية) كذا أورده من رواية مالك بحذف ["إنما" من] (٤) أوله، وقد رَوَاهُ مُسْلم عن القَعْنَبي وهو عبد الله بن مسلمة المذكور هنا بإثباتها (٥)، وتقدم الكلامُ عَلى نكتٍ من هذا الحديث أول الكتاب.
стр. 412
٥٥ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ".
قَوْلُهُ: (عبد الله بن يزيد) هو الخَطْمي -بفتح المعجمة وسكون الطاء المهملة-، وهو صحابي أنصاري، روى عن صحابي أنصاري، وسيأتي ذكر أبي مسعود في باب من شهد بدرًا من المغازي (١)، وسيأتي الكلام عَلى حديثه في كتاب النفقات (٢) إن شاء الله تعالَى والمقصود منه في هذا الباب.
قَوْلُهُ: (يَحتسبها) قَالَ القرطبي: أفاد منطوقه أن الأجر في الإنفاق إنَّما يحصل بقصد القربة، وسواء أكانت واجبةً أم مُباحةٌ، وأفاد مفهومه أن من لَم يقصد القربة لَم يؤجر لكن تبرأ ذمته من النفقة الواجبة لأنَّها معقولة المعنى، وأطلق الصدقة عَلى النفقة مَجازًا، والمراد بِها الأجر، والقرينة الصارفة عن الحقيقة الإجماع عَلى جواز النفقة عَلى الزوجة الهاشمية الَّتِي حُرِّمت عليها الصدقة.
стр. 413
٥٦ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَامِرُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاصٍ، أَنّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فَمِ امْرَأَتِكَ".
قَوْلُهُ: (إنَّك) الخطاب لسعد، والمراد: هو ومَن يصح منه الإنفاق.
قَوْلُهُ: (وجه الله) أي: ما عند الله من الثواب.
قَوْلُهُ: (إلا أُجرت) تَحتاج إلَى تقدير؛ لأن الفعل لا يقع استثناء.
قَوْلُهُ: (حَتَّى) هِيَ عاطفة وما بعدها منصوب المحل.
و"ما" موصولة، والعائد مَحذوف.
قَوْلُهُ: (في فم امرأتك) وللكُشْمَيْهَنِي: "في في امرأتك"، وهي رواية الأكثر.
قالَ [١١١/ ب] عياض: هِيَ أصوب؛ لأن الأصل حذف الميم، بدليل جمعه عَلى أفواه، وتصغيره عَلى فويه، قَالَ: وإنَّما يحسن إثبات الميم عند الإفراد، وأما عند الإضافة فلا، إلا في لغة قليلة. انتهى.
وهذا طرف من حديث سعد بن أبي وقاص في مرضه بمكة وعيادة النبي ﷺ له.
وقَوْلُهُ: "أوصي بشطر مالي" الحديث (١)، وسيأتي الكلام عليه في كتاب الوصايا إن شاء الله تعالَى، والمراد منه هنا.
قَوْلُهُ: (تبتغي) أي: تطلب بِها وجه الله، واستنبط منه النووي: أن الحظ إِذَا وافق الحق لا يقدح في ثوابه؛ لأن وضع اللقمة في فم الزوجة يقع غالبًا في حالة المداعبة، ولشهوة النفس في ذلكَ مدخل ظاهر، ومع ذَلِكَ إذا وجَّه القصد في تلك الحالة إلى ابتغاء الثواب حصل له بفضل الله.
قَالَ: وَإذَا كَانَ هذا بهذا المحل مع ما فيه من حظ النفس فما الظن بغيره مِما لا حظ للنفس فيه.
стр. 414
قَالَ: وتَمثيله باللقمة مبالغة في تَحقيق هذه القاعدة؛ لأنه إِذا ثبت الأجر في لقمة واحدة لزوجة غير المضطرة فما الظن بمن أطعم لُقَمًا لِمحتاج، أو عمل من الطاعات ما مشقته فوق مشقة ثمن اللقمة الَّذِي هو من الحقارة بالمحل الأدنَى، والله أعلم.
стр. 415
٤٢ - باب: قَوْلِ النَّبيِّ ﷺ : "الدِّينُ النَّصِيحَةُ لله وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ" وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَني قَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله، قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ الله ﷺ عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ.
قَوْلُهُ: (باب: قول النَّبِيّ ﷺ : الدين النصيحة) هذا الحديث أورده المصنف هُنا ترجمة باب، ولَم يخرجه مسندًا في هذا الكتاب؛ لكونه عَلى غير شرطه، ونبه يإيراده عَلى صلاحيته في الجملة، وما أورده من الآية وحديث جرير يشتمل عَلى ما تضمنه.
وقد أخرجه مُسْلِم قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّد بن عَبَّاد، قَالَ: حَدَّثنَا سُفيَان، قَالَ: قلتُ لسُهيل بن أبي صالح: إن عَمْرًا حدثَنَا عن القعْقَاع، عن أبيك بحديث، ورجوت أن تسقط عني رجلًا، أي: فتحدثني به عن أبيك، قَالَ: فَقَالَ: سمعته من الَّذِي سمعه منه أبي، كَانَ صديقًا له بالشام، وهو عطاء بن يزيد، عن تميم الداري: أن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "الدين النصيحة". قلنا: لمن؟ قَالَ: الله . . . ." الحديث (١).
وَرَوَاهُ مُسْلِم أيضًا من طريق رَوْح [١١٢/ أ] بن القاسم قَالَ: حَدَّثَنَا سُهيل، عن عطاء ابن يزيد، أنه سمعه وهو يُحدث أبا صالح فذكره (٢).
وَرَوَاهُ ابن خُزيْمة من حديث جَرير، عن سُهيل: أن أباه حَدَّث عن أبي هُرَيْرَة بِحديث: "إنّ الله يرضى لكم ثلاثًا. . . ." الحديث، قَالَ: فَقَالَ عطاء بن يزيد: سمعتُ تَميمًا الدَّاري يقول: فذكر حديث النصيحة (٣).
стр. 416
وقد رُوي حديث النصيحة عن سُهيل، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةَ، وهو وهم من سهيل أو مِمَّن يروي عنه لما بَيَّناه.
قَالَ البُخَاريّ في تاريخه: لا يصح إلا عن تَميم (١)، ولهذا الاختلاف عَلى سهيل لَم يخرجه في صحيحه، بل لَم يحتج فيه بسُهيل أصلًا. وللحديث طرق دون هذه في القوة، منها ما أخرجه أبو يعلى من حديث ابن عباس (٢)، والبزار من حديث ابن عمر (٣)، وقد بينت جميع ذَلِكَ في تغليق التعليق (٤).
قَوْلُهُ: (الدين النصيحة) يحتمل أن يُحمل عَلى المبالغة؛ أي: معظم الدين النصيحة، كما قيل في حديث: "الحج عرفة" (٥).
ويحتمل أن يُحمل عَلى ظاهره؛ لأن كل عمل لَم يرد به عامله الإخلاص فليس من الدين.
قَالَ المازري: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إِذَا صفيته، يقال: نصح الشيء: إذَا خلص، ونصح له القول: إذَا أخلصه له، أو مشتقة من النصح وهي الخياطة بالنصحة وهي الإبرة، والمعنى: أنه يلم شعث أخيه بالنصح كما تلم المنصحة، ومنه التوبة النصوح كأن الذنب يمزق الدين، والتوبة تخيطه.
قَالَ الخطابي: النصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظ للمنصوح له، وهي من
стр. 417
وجيز الكلام، بل ليس في الكلام كلمة مفردة تُسْتَوْفَى بِها العبارة عن معنى هذه الكلمة.
وهذا الحديث من الأحاديث الَّتِي قيل فيها إنها أحد أرباع الدين، ومِمن عده فيها الإمام مُحَمَّد بن أسلم الطوسي.
وَقَالَ النووي: بل هو وحده محصل لغرض الدين كله؛ لأنه مُنحصر في الأمور الَّتِي ذكرها، فالنصيحة لله وصفه بما هو له أهل والخضوع له ظاهرًا وباطنًا والرغبة في محابه بفعل طاعته، والرهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في رد العاصين إليه.
وروى الثوري عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ثمامة صاحب علي قَالَ [١١٢/ ب]: قَالَ الحواريون لعيسى ﵇: "يا روح الله من الناصح لله؟ قَالَ: الَّذِي يقدم حق الله عَلى حق الناس" (١).
والنصيحة لكتاب الله: تعلُّمه وتعليمه وإقامة حروفه في التلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهُّم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذب تحريف المبطلين عنه.
والنصيحة لرسوله: تعظيمه ونصره حيًّا وميتًا، وإحياء سنته بتعلُّمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومَحبته ومحبة أتباعه.
والنصيحة لأئمة المسلمين: إعانتهم عَلى ما حُمِّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسد خَلَّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، ورد القلوب النافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم: دفعهم عن الظلم بالتي هِيَ أحسن.
ومن جُملة أئمة [المسلمين] (٢): أئمة الاجتهاد، وتقع النصيحة لهم ببث علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظن بهم.
والنصيحة لعامة المسلمين: الشفقة عليهم، والسعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكف وجوه الأذى عنهم، وأن يحب لهم ما يُحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه.
стр. 418
* وفي الحديث فوائد أخرى:
منها: أن الدين يطلق عَلى العمل لكونه سمى النصيحة دينًا، وَعَلى هذا المعنى بنى المصنف أكثر كتاب الإيمان.
ومنها: جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب من قَوْله: "قلنا: لمن؟ ".
ومنها: رغبة السلف في طلب علو الإسناد وهو مُستفاد من قصة سُفْيَان مع سهيل.
قَوْلُهُ: (عن جرير بن عبد الله) هو: البَجلي -بفتح الجيم-، وقيس الراوي عنه، وإسماعيل الراوي عن قيس بجليان أيضًا، وكل منهم يكنى أبا عبد الله، وكلهم كوفيون.
قَوْلُهُ: (بايعتُ رسول الله ﷺ ) قَالَ القاضي عياض: اقتصر عَلى الصلاة والزكاة لشهرتهما، ولَم يذكر الصوم وغيره لدخول ذَلِكَ في السمع والطاعة.
قُلْت: زيادة "السمع والطاعة" وقعت عند المصنف في البيوع من طريق سُفْيَان، عن إسماعيل المذكور (١).
وله في الأحكام ولِمسلم من طريق الشعبي، عن جرير قَالَ: "بايعتُ النَّبِيّ ﷺ عَلى [١١٣/أ] السمع والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مُسْلِم" (٢).
وَرَوَاه ابن حبان من طريق أبي زُرعة بن عمرو بن جرير، عن جدِّه وزاد فيه: "فكان جرير إِذَا اشترى شيئًا أو باع يقول لصاحبه: اعْلَم أن ما أخذنا منك أحب إلينا مِما أعطيناكه فاختر" (٣).
وروى الطبراني في ترجمته: "أن غلامه اشترى فرسًا بثلاثمائة، فلما رآه جاء إلَى صاحبه فَقَالَ: إن فرسك خير من ثلاثمائة، فلم يزل يزيده حَتى أعطاهُ ثمانمائة" (٤).
стр. 419
قالَ القرطبي: كانت مبايعة النَّبِيّ ﷺ لأصحابه بحسب ما يحتاج إليه من تجديد عهد أو توكيد أمر.
قَوْلُهُ: (فيما استطعت) رُوِّيناه بفتح التاء وضمها، وتوجيههما واضح، والمقصود بهذا التنبيه عَلى أن اللازم من الأمور المبايع عليها هو ما يُطاق كما هو يشترط في أصل التكليف، ويشعر الأمر بقول ذَلِكَ اللفظ حال المبايعة بالعفو عن الهفوة وما يقع عن خطأ وسهو، والله أعلم.
стр. 420
٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ الله، يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِاتِّقَاءِ اللهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ حَتَّى يَأْتِيَكُمْ أَمِيرٌ، فَإِنّمَا يَأْتِيكُمُ الآنَ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَعْفُوا لأَمِيرِكُمْ، فَإِنّهُ كانَ يُحِبُّ الْعَفْوَ. ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قُلْتُ: أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ. فَشَرَطَ عَلَيَّ: وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. فَبَايَعْته عَلَى هَذَا، وَرَبِّ هَذَا الْمَسْجِدِ إِنِّي لنَاصِحُ لَكُمْ. ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ.
قَوْلُهُ: (سمعت جرير بن عبد الله) المسموع من جرير: حَمْدُ الله والثناء عليه، فالتقديرـ: سمعت جريرًا حَمِدَ الله، والباقي شرح للكيفية.
قوْلُهُ: (يوم مات المغيرة بن شعبة) كَانَ المغيرة واليًا عَلى الكوفة في خلافة معاوية، وكانت وفاته سنة خَمسين من الهجرة، واستناب عند موته ابنه عُروة، وقيل: استناب جريرًا المذكور، ولهذا خطب الخطبة المذكورة.
و(الوقار) بالفتح: الرزانة.
و(السَّكينة) السكون، وإنَّما أمرهم بذلك مقدمًا لتقوى الله؛ لأن الغالب أن وفاة الأمراء تؤدي إلَى الاضطراب والفتنة، ولاسيما ما كَانَ عليه أهل الكوفة إِذ ذاك من مُخالفة ولاة الأمور.
قَوْلُهُ: (حَتَّى يأتيكم أمير) أي: بدل الأمير الَّذِي مات، ومفهوم الغاية هنا وهو أن المأمور به ينتهي بمجيء الأمير ليس مرادًا، بل يلزم ذَلِكَ بعد مجيء الأمير بطريق الأَولَى، وشرط اعتبار مفهوم المخالفة ألا يعارضه مفهوم الموافقة.
قَوْلُهُ: (الآن) أراد به تقريب المدة [١١٣/ ب] تسهيلًا عليهم، وَكَانَ كذلك؛ لأن معاوية لما بلغه موت المغيرة كتب إلَى نائبه عَلى البصرة -وهو زياد- أن يسير إلَى الكوفة أميرًا عليها.
قَوْلُهُ: (استعفوا لأميركم) أي: اطلبوا له العفو من الله كذا في معظم الروايات
стр. 421
بالعين المهملة، وفِي رواية ابن عساكر: "استغفروا" بغين معجمة وزيادة راء، وهي رواية الإسماعيلي في المستخرج.
قَوْلُهُ: (فإنه كَانَ يُحب العفو) فيه إشارة إلَى أن الجزاء يقع من جنس العمل.
قَوْلُهُ: (قُلْت: أبايعك) ترك أداة العطف إما لأنه بدل من أتيت أو استئناف.
قَوْلُهُ: (والنصح) بالخفض عطفًا عَلى الإسلام، ويَجوز نصبه عطفًا عَلى مقدر، أي: شَرطَ علي الإسلام والنصيحة، وفيه دليل عَلى كمال شفقة الرسول ﷺ .
قَوْلُهُ: (عَلى هذا) أي: عَلى ما ذكر.
قَوْلُهُ: (ورب هذا المسجد) يشعر بأن خطبته كانت في المسجد، ويَجوز أن تكون إشارة إلَى جهة المسجد الحرام، ويدل عليه رواية الطبراني بلفظ: "ورب الكعبة" (١)، وذكر ذَلِكَ للتنبيه عَلى شرف المقسم به ليكون أدعى للقبول.
قَوْلُهُ: (لناصح) أشار إلَى أنه وَفَّى بما بايع عليه الرسول، وأن كلامه خالص عن الغرض.
قَوْلُهُ: (ونزل) مشعر بأنه خطب عَلى المنبر؛ إذ المراد قعد؛ لأنه في مقابلة قَوْله: "قام فحمد الله".
* فائدة:
التقييد بالمسلم للأغلب، وإلا فالنصح للكافر معتبر بأن يدعى إلَى الإسلام، ويشار عليه بالصواب إِذا استشار. واختلف العلماء في البيع عَلى بيعه ونحو ذَلِكَ، فجزم أَحْمَد أن ذلكَ يَختص بالمسلمين واحتج بهذا الحديث.
* فائدة أخرى:
ختم البُخَاريّ كتاب الإيمان بباب النصيحة مشيرًا إلَى أنه عمل بمقتضاه في الإرشاد إلَى العمل بالحديث الصحيح دون السقيم، ثُمَّ ختمه بخطبة جرير المتضمنة لشرح حاله في تصنيفه.
стр. 422
فأومأ بقوله: "فإنما يأتيكم الآن" إلَى وجوب التمسك بالشرائع حَتَّى [١١٤/ أ] يأتي من يقيمها؛ إذ لا تزال طائفة منصورة: وهم فقهاء أصحاب الحديث.
وبقوله: "استعفوا لأميركم" إلَى طلب الدعاء له لعمله الفاضل.
ثُمَّ ختم بقوله: "استغفر ونزل" فأشعر بختم الباب، ثُمَّ عقبه بكتاب العلم، لما دل عليه حديث النصيحة أن معظمها يقع بالتعلم والتعليم.
* خاتمة:
اشتمل كتاب الإيمان ومقدمته من بدء الوحي من الأحاديب المرفوعة عَلى أحدٍ وثَمانين حديثًا بالمكرر، منها في بدء الوحي خمسة عشر، وفِي الإيمان ستة وستون، المكرر منها ثلاثة وثلاثون:
منها في المتابعات بصيغة المتابعة أو التعليق اثنان وعشرون، في بدء الوحي ثمانية، وفي الإيمان أربعة عشر.
ومن الموصول المكرر ثمانية.
ومن التعليق الَّذِي لَم يوصل في مكان آخر ثلاثة.
وبقية ذَلِكَ وهي ثمانية وأربعون حديثًا موصولة بغير تكرير.
وقد وافقه مُسْلِم عَلى تخريجها إلا سبعة وهي: الشعبي عن عبد الله بن عمرو في المسلم والمهاجر، والأعرج عن أبي هُرَيْرَةَ في حب الرسول، وابن أبي صعصعة عن أبي سعيد في الفرار من الفتن، وأنس عن عُبَادة في ليلة القدر، وسعيد عن أبي هُرَيْرَةَ في الدين يُسْر، والأحنف عن أبي بكرة في القاتل والمقتول، وهشام عن أبيه عن عائشة في أنا أعلمكم بالله.
وجَميع ما فيه من الموقوفات عَلى الصحابة والتابعين ثلاثة عشر أثرًا معلقة [غير] (١) أثر ابن الناطور فهو موصول، وكذا خطبة جرير الَّتِي ختم بها كتاب الإيمان، والله أعلم.
стр. 423
٣ - كتاب العلم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - باب: فَضْلِ الْعِلْمِ
وَقَوْلُ الله : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. وَقَوْلُهُ : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
قَوْلُهُ: (كتاب العلم، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، باب: فضل العلم).
هكذا في رواية الأصِيلي وكَريمة وغيرهما، وفِي رواية أبي ذر تقديم البسملة، وقد قدمنا توجيه ذَلِكَ في كتاب الإيمان، وليس في رواية المُسْتَمْلي لفظ: "باب"، ولا في رواية رفيقه لفظ: كتاب العلم.
* فائدة:
قَالَ القاضي أبو بكر ابن العربي: بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته؛ وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلَى تعريف، أو لأن [١١٤/ ب] النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب، وكل من العذرين ظاهر؛ لأن البُخَاريّ لَم يضع كتابه لحدود الحقائق وتصورها؛ بل هو جارٍ عَلى أساليب العرب القديمة، فإنَّهم يبدءون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إِذَا كانت حقيقته مكشوفة معلومة.
قَوْلُهُ: (وقول الله ) ضبطناه في الأصول بالرفع عَلى الاستئناف.
قَوْلُهُ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١].
فقيل في تفسيرها: يرفع الله المؤمن العالم عَلى المؤمن غير العالم، ورِفْعَة
стр. 424
الدرجات تدل عَلى الفضل؛ إذ المراد به: كثرة الثواب وبها ترتفع الدرجات.
وفِي صحيح مُسْلِم عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي -وَكَانَ عامل عمر عَلى مكة- أنه لقيه بعُسْفَان فَقَالَ له: من استخلفت؟ فَقَالَ: استخلفت ابن أبزى مولى لنا، فَقَالَ عمر: استخلفت مولى؟ قَالَ: إنه قارئ لكتاب الله عالِمٌ بالفرائض، فَقَالَ عمر: أمَا إن نبيكم قد قَالَ: "إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضعُ به آخرين" (١).
وعن زيد بن أسلم في قَوْله تعالَى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف: ٧٦]. قَالَ: بالعلم (٢).
قَوْلُهُ: (وقوله : ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١)﴾ [طه: ١١٤]). واضح الدلالة في فضل العلم؛ لأن الله لم يأمر نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم، والمراد بالعلم: العلم الشرعي الَّذِي يُفيد معرفة ما يَجب عَلى المكلف من أمر دينه في عباداته ومعاملاته، ومدار ذَلِك عَلى التفسير والحديث والفقه.
وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب، فرضي الله عن مصنفه، وأعاننا عَلى ما تصدينا له من توضيحه بمنه وكرمه.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يُورد المصنف في هذا الباب شيئًا من الحديث؟
فالجواب: أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين، وإما بَيَّض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد باب رفع العلم ويكون وضعه هناك من تصرف بعض الرواة، وفيه نظر عَلى ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالَى.
стр. 425
٢ - باب: مَنْ سُئِلَ عِلْمًا وَهُوَ مُشْتَغِلٌ في حَدِيثِهِ فَأَتَمَّ الْحَدِيثَ ثُمَّ أَجَابَ السَّائِلَ
٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْن سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، ح وَحَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَني أَبِي قَالَ: حَدَّثَني هِلَالُ بْنُ عَليٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ في مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ يحَدِّثُهُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ، فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَى إِذَا قَضَى حَدِيثه قَالَ: "أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ ". قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَإِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ".
قَوْلُهُ: (باب: من سئل علمًا [١١٥/أ] وهو مشتغل) محصله التنبيه عَلى آداب العالم والمتعلم.
أما العالم: فلما تضمنه من ترك زجر السائل، بل أدبه بالإعراض عنه أولًا حَتَّى استوفى ما كَانَ فيه، ثُمَّ رجع إلَى جوابه فرفق به؛ لأنه من الأعراب وهم جفاة.
وفيه العناية بجواب سؤال السائل ولو لَم يكن السؤال متعينًا ولا الجواب.
وأما المتعلم: فلما تضمنه من تأديب السائل ألَّا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره، لأن حق الأول مقدم.
ويؤخذ منه: أخذ الدروس عَلى السبق، وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها.
وفيه مراجعة العالم إذَا لَم يفهم ما يجيب به حَتَّى يتضح لقوله: "كيف إضاعتها"، وبوب عليه ابن حبان: "إباحة إعفاء المسئول عن الإجابة عَلى الفور" (١)، لكن سياق القصة يدل عَلى أن ذَلِكَ ليس عَلى الإطلاق.